دعاءٌ ذو أربعة أُسُسٍ

Herkul-ARB | | العربية


سؤال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يدعو فيقول: “اللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى”[1]، فهلا توضّحون لنا هذه الأسس الأربعة الواردة في هذا الدعاء؟

الجواب: لا بدّ أن أنوّه بدايةً بأنّ كلّ هذه الأسس الواردة في الدعاء هي من الخصال العظيمة التي كان يتحلّى بها الأنبياء العظام عليهم السلام، بل يمكن أن يُقال إنها وصفٌ ملازمٌ لهم، لا ينفكّ عنهم، وبما أن الأنبياء يضطلعون في تصرُّفاتهم وسلوكيّاتهم بمهمّة الإرشاد لكل المؤمنين؛ فعلى أبطال الإرشاد والتبليغ الذين نذروا أنفسهم للإنسانيّة وتبليغ الحقّ والحقيقة أن يتحركوا بما يتناسب مع هذه الخصال الجليلة، وأن يترجموا هذا الدعاء: “اللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى” إلى أفعال وتصرُّفات، وينقلوا كلماته من مناطِ القالِ إلى الحالِ.

1- الهدى

والهدى هو أول الخصال التي سألها سيّدُ الأنبياء صلى الله عليه وسلم في هذا الدعاء، ويعني رؤيةَ الصواب والشعورَ به، وبلوغَه والثباتَ عليه؛ ومن هنا كان في غاية التناسب ورودُ “الهدى” كأوّل مطلبٍ في هذا الدعاء؛ إذ من المتعذّر أن يرى الإنسانُ الصوابَ، ويبرمج حياته عليه دون هدًى من الله، فإذا ما انتفى الهدى فلا مجال حينذاك للحديث عن التقوى والعفاف والغنى؛ لأنّ حصول الخصال الثلاث التي أعقبت “الهدى” ورودًا في الدعاء إنما هي مترتّبةٌ عليه من ناحية ما.

فالهدى هو أساس ورأس كلّ أمر، ومصدره هو القرآن الكريم والسنة المطهرة الصحيحة التي تتناولُ أقوال وأفعال وأوصافَ وتقريرات الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى في الآية الثانية من سورة البقرة: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 2/2)، وتلفت هذه الآيةُ الانتباهَ إلى أنّ القرآن الكريم في حدِّ ذاته مصدرُ هدايةٍ بالنسبة للمتقين، وبعدما عدّد ربُّنا سبحانه وتعالى خصالَ المتقين في الآيتين الثالثة والرابعة من نفس السورة أكّدَ سبحانه وتعالى على الهداية مرة أخرى في الآية الخامسة فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 5/2)، كما ذكر سبحانه أن التقوى هي الشرط الأساسُ للاستفادة -بحقٍّ- من القرآن المعجز البيان، ونوّهَ بالعلاقة بين الهدى والتُّقى.

والهدى -كما أسلَفتُ- هو من الخصال ِالتي فطرَ الله تعالى أنبياءه عليها جِبِلّةً؛ لأن الله سبحانه وتعالى أرسلَ هؤلاءِ العظماء بمهمّةٍ نبيلة، وحاشاه أن يسمحَ لهم بتصرّفات يتذّرع بها الرُّعَّنُ قليلو الحياء للنيل منهم في المستقبل؛ ومن ثمَّ فإن ما قيل في حقّ سيدنا داود وسيدنا سليمان عليهما السلام ما هو إلا فِرْية أطلقها بنو إسرائيل، وكذلك ما قيل في حق سيدنا نوح وسيدنا هود عليهما السلام ما هو إلا محض كذب افترته أقوامهم، كما أن الكلمات النابية التي استهدفت النبي صلى الله عليه وسلم وأخرجَتْه عن دائرة الهداية ما هي إلا تعبيرٌ عن الوقاحة وسوء الأدب، وإنّها لَإِفْكٌ عظيمٌ يهتزُّ له عرشُ الرحمن.

وبالمناسبة أريد هنا أن أكشف الستارَ عن الخطإ الذي وقع فيه بعض علماء السوء عند تعليقهم على قول الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ (سُورَةُ الضُّحَى: 7/93)؛ حيث قالوا في معنى الآية: “وجدك الله تعالى على ضلالة فهداك”، وفسّروا الضلالة هنا بأنها نقيضُ الهداية، وانطلاقًا من هذا ادّعوا افتراءً أن سيد العالمين سيدنا ومولانا محمدًا صلى الله عليه وسلم كان يعيش -حاشا لله- في ضلالة حتى اللحظة التي أُضيء فيها أفقُه بنور النبوّة، والحقيقةُ أنّ مَن ينسب مثل هذه الضلالة إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من يعيش في الضلالة أصلًا، ندعو الله تعالى أن يهديه سواء السبيل.

لأن الله تعالى يقول في سورة النجم: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (سُورَةُ النَّجْمِ: 2/53)، فعبّرَ الحقُّ جلّ جلاله هنا عن انتفاءِ الضلال بصيغة الماضي فقال: “مَا ضَلَّ” للدلالة على أن حياته السَّنِيَّة كلها كانت تقوم على الهداية دائمًا.

ورغم أن الآيتين السابقتين تبدوان وكأنهما متناقضتان ظاهرًا فمن الممكن التوفيق والجمعُ بينهما بالنظر إلى المعاني المختلفة لكلمة “الضلالة”؛ فالضلالة تنطبِقُ على معنى “الانحراف والحياد عن الطريق المستقيم”، وتنطبِقُ أيضًا على معنى “عدم القدرة على اختيار الطريق الأسلم والأقوم بين عدة طرق، والوقوع في حيرةٍ وتردّد”؛ وعلى ذلك فحريٌّ بنا أن نأخُذَ بالمعنى الثاني عند نسبة كلمة “الضلالة” إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلقد عاش صلى الله عليه وسلم قبل نبوَّته حالةً من التردّد بين الطرق المختلفة، فبذل جهده لبلوغ الطريق المستقيم، وبذلك شكّل أرضيّةً مهمّةً لمستقبلِهِ حتى اللحظة التي بلغه فيها النور السماويّ.

وقد يكون المقصودُ من قوله سبحانه وتعالى “وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى” تلك الدهشة والحيرة والهيمان الذي عاشه النبي صلى الله عليه وسلم عند أوّلِ نزولٍ للوحي عليه؛ لأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فوجِئَ بهذا الحدث السماوي انتابته صدمةٌ كبيرة، وربما لم يستطع أن يدرك ما الذي يجبُ عليه فعله، إلا أنّ ذا الفطنة الخارقة صلوات ربي وسلامه عليه اتّجهَ إلى زوجته الرزينة الوقورة والدرّة الطَّهورة أمِّنا السيدة خديجة رضي الله عنها، وأفضى لها بما في صدره؛ فهدّأت من روعه، وذكّرته بدايةً بسجاياه الطيبة، وعدّدت أخلاقه العالية، وطَمْأَنَتْهُ قائلةً: “كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ”[2]، ثمّ َانْطَلَقَتْ بِهِ حَتَّى أتتْ ابنَ عمِّها القسَّ وَرَقَةَ بنَ نَوفَل.

وانطلاقًا من هذا يمكننا أن نفهم الآية الكريمة الواردةَ في سورة الضحى على النحو التالي: “لقد كنتَ في فترةٍ ما لا تدري ما الجنّة وما النار، وتتلوّى وتتألّم وتجزع من أحوال الناس العامة، ولا تدري ماذا عساك أن تصنع لهم، ومع أنك كنتَ تشعر بشيءٍ ما بسبب المعاني التي استلهَمْتَها مِمّا بقي من دين إبراهيم إلا أنّك لم تكن في وضعٍ يسمح لك باتخاذ القرار القاطع في مسألة وضعِ كلِّ شيءٍ في نصابه، فأرسل الله تعالى لك وحيَهُ، وأزال عنك الحيرة والتردد، وأرشدك إلى الطريق المستقيم”.

وثمة أمرٌ آخر لا بدّ من الوقوف عنده فيما يتعلق بصفة “الهدى” التي كان فُطِرَ عليها الأنبياء؛ وهو قولُ الله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (سُورَةُ الشُّورَى: 42/52)، وهذا يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على الهدى، ومرشدًا للآخرين إليه، وبما أن الأنبياء جميعهم كذلك فهم يسوقون الناس بمشيئة الله تعالى ويرشدونهم ويفتحون الطريق أمامهم، ويوصّلونهم إلى الهداية، وإذا تناولنا هذا الأمر في إطار مفهوم الجهاد والإرشاد فإن هؤلاء الأنبياء قد أزاحوا العوائق بين الناس وبين ربهم، وساهموا في وصال القلوب بالله، ولا جرم أن اتّقاد جذوة النور الإلهيّ في قلوب المخاطبين هو أمرٌ اختصّ به ربنا سبحانه وتعالى.

2- التقوى

والتقوى هي الخصلةُ الثانية التي سألَها الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم في دعائه، وتعني اتقاء غضب الله سبحانه وعذابه بامتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه، والواقع أن للتقوى مراتب كما للهدى، فدِهليزُها أداءُ الفرائضِ والواجباتِ واجتنابُ الكبائرِ والمحرماتِ، وبعد ذلك نخطو من باب التقوى إلى الداخل باجتناب الشبهات وعدم الاقتراب من دائرة المحرمات، ثم نصل في النهاية إلى التقوى الحقيقية بِتَرْكِ ما لا بأس به؛ حذرًا مما به بأسٌ، والتقوى بمعناها التام هي أداءُ أوامر الشريعة على الوجهِ الأكمل، ولكن علينا ألّا ننسى أبدًا أنها تعني -إلى جانب ذلك- مراعاةَ القوانين التي وضعها الله تعالى في الكون والتي نسميها قوانين الشريعة الفطرية.

وعلى ذلك فإنّ استفادة المؤمن استفادةً تامّةً من الكتاب والسنة الموصلَين للهداية مرهونةٌ بـ”تقوى” ترتقي إلى هذا المستوى، وعند النظر إلى الأمر من هذه الزاوية يتبين لنا أن الهداية والتقوى صنوان، وكما أن الوصول إلى التقوى مرهونٌ بالهدى فإن الفهم الصحيح للمنهج الذي وضعه ربنا سبحانه وتعالى ونبيه صلى الله عليه وسلم واستيعاب روحه وسموّه وعظمته لا يتأتّى إلا بالتعمّق في التقوى.

3- العفة

العفّةُ المذكورة في الدعاء ثالثًا تعني أن يتوخى الإنسان الحذر والدقة من أجل حماية وصيانة شرفه، وغضِّ بصرِه وضبطِ سمعه، وتحكُّمِهِ في كلامه بحيث لا يتحدّث إلا إذا لزمَ، ولا يتسوّل أحدًا، والخلاصة أن يتحرّك في دائرة الأدب والحياء في كلِّ أحواله وأطواره؛ فإن عفَّ الأفراد عفَّ المجتمع، وإلا فإنّ مجتمعًا مكوّنًا من خليطٍ من المذنبين والمخطئين تستحيلُ عليه العفّة، وإذا فُقِدَتِ العِفّةُ من المجتمع شاعت فيه شتّى أنواع المفاسد والمساوئ كجرائم السرقة والخطف والرشوة والكذب والنهب وما إلى ذلك، ويشرَعُ أولو المناصب الصغيرة في السرقة على قدرِ مستواهم، بينما يَشرَعُ الكبار في السرقة والنهب بقدرٍ أكبر؛ فيسرقون ويختلسون الأموال والثروات.                                                                  

وقد وصف القرآن الكريم أبطالَ العفَّة بقول الله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 273/2)، أي وصَفَهم بأنهم حتى وإن جاعوا وظمِئُوا وتشرّدوا فإنّ هذا لا يقودهم إلى التسوّل والتكفّف، والحقّ أنهم جديرون بتقبيل الجباه والتبجيل والاحترام، ومع هذا فإن الإسلام أجاز لمن في مثل هذه الأحوال من الضيق والحاجة أن يطلبوا من غيرهم بقدر ما يقيمون به صلبهم فحسب.

4- الغنى

الأمر الرابع الوارد في دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الغنى، وله معنيان اثنان؛ أوّلهما: غنى القلب والاستغناء عمّا سوى الله، أما ثانيهما: فهو الثراء والغنى المادّي بالكسب الحلال، ولا حرجَ في طلب الثاني منهما أيضًا؛ لأنَّ كلَّ نعمة من نعم الدنيا إنْ أُحسِنَ استخدامها قد تكون عنصرًا مهمًّا في تقويةِ ودعم الإيمان والعبادة والطاعة، غير أنه ينبغي أن نتوخّى أعلى درجات الحذر عند طلب الغِنى المادّي فليكن حلالًا صِرفًا، ولنتجنّب البخلَ عند أداء حقّ المال، ولا نسمح للقلب أن يتعلّقَ أو يتكالبَ بالمال والأملاك أو عليهما، ولنذكر دائمًا أن المالَ والثروة لطفٌ ونعمة من الله، ويتحتّم علينا ألّا ننخدع بما في أيدينا من إمكانيات، فلا نقعَ بذاتِ الحفرة التي وقع فيها قارونُ عندما قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (سُورَةُ القَصَصِ: 78/28).

فإن رُوعِيَتْ هذه الأمور فلا حرج في طلب الثروة والمال من الحقّ تعالى، بالإضافة إلى ذلك فقد استجار سيد الأنبياء r واستعاذ بالله تعالى في بعضِ أدعيته من الفقر والجوع إلى جانب بعض الأمور الأخرى، ومن ذلك دُعاؤه r: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ، وَالْقِلَّةِ، وَالذِّلَّةِ[3]؛ إذ إنّ منْ يتعرض لمثل هذه المواقف قد يشكو حالَهُ ويتذمّر منها، أو يقع في مستنقع التسوّل والشحاذة.

لذا فإنّ الإسلام لم يتبنّ موقفًا تحريميًّا ولا رافضًا تجاه طلب الثراء والغنى المادي، ولكنّه نهى عن كنزِ الثروات، وادّخارِ المال والنقود من أجل الثراء والمستقبل الشخصيّ؛ إذ بيّنَ القرآنُ الكريم سوءَ عاقِبَةِ من يكنزون المال ويمسكونه في أيديهم دون أن ينفقوا منه في سبيل الله فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (سُورَةُ التَّوْبِةِ: 34/9). أجل، إن من يتّخذون الخزائن ويكنزون فيها الثروات ويُرابون في الأموال، بل ويتحيّنون الفرصَ فيتلاعبون بالاقتصاد حسبما يحلو لهم، ولا يخافون الله ولا يفكّرون في الآخرة قد بُشّروا بعذابٍ أليم، والحقُّ أن الإنسان بوسعه أن ينال البشارةَ الحقيقيّة إنْ أنفق ما في يده من ثروة ومال في مسارها الصحيح، إلا أنّ مَن لم يُحسن استخدامها ولم يضعها في مكانها الصحيح فإنه يتسبَّبُ في تَحَوُّلِ البشارةِ إلى عذابٍ أليمٍ بالنسبةِ إليه.

وفي الآية الكريمة التي تلت الآية المذكورة آنفًا يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (سُورَةُ التَّوْبِةِ: 35/9) مُبيّنًا بالتفصيل شكلَ وصورةَ العذاب الذي ينتظرهم في جهنّم.

أما المال والثروة التي تُدَّخَرُ لتُنفَقَ في سبيل الله تعالى فلها شأنٌ آخر. أجل، إن الثروة والمال الذي يُكتسب بنيّات طيبة كأن يُستخدم في سبيلِ إعلاء كلمة الله تعالى، وإنشاءِ المدارس والجامعات في شتّى بِقاع الأرض، وإعلامِ الإنسانية بقِيَمِنا السامية فيُمْكِنُ تقييمه بطريقة مختلفة، بل إنه ينبغي تحفيز الناس إلى هذا النوعِ من الغِنى كي تتحقّقَ تلك الغايات السامية.

يمكن التوفيق والجمعُ بين الاستفادة من نِعَمِ الحقِّ تعالى وبين العِفّةِ والاستغناء عمّا في أيدي الناس، وهذا التأليفُ من صميمِ الأوامر القرآنيّة؛ فمثلًا يُشار في قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (سُورَةُ القَصَصِ: 77/28) إلى الاهتمام بالدنيا والعناية بها بقدر ما يلزم فحسب إلى جانب الاهتمام بالآخرة والعناية بها وطلبها.

غير أن الأهمّ -إلى جانب كل هذه الأمور- هو غِنى الروح والنفس؛ فقد عاش الأنبياء العظام يحملون ويُجسّدون شعورَ الاستغناء هذا دائمًا، فلم يتشوّفوا إلى أجرٍ قطُّ في مقابل أدائهم وظيفة التبليغ التي اضطلعوا بها، ولم يسألوا الناس شيئًا قطُّ، وقد عانوا وتجشّموا كثيرًا من المشاقّ والمضايقات من أجل إيصال رسائلهم إلى أقوامهم، لكنهم لم يطلبوا من أيِّ شخص مقابلًا ولا مكافأةً على ما فعلوه؛ لأنهم فوّضُوا أمرهم كلَّه إلى الله تعالى، وعلّقوا عليه الرجاء، ومن ذلك قولُ نبيّ الله نوح عليه السلام لقومه: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 109/26)، وقولُ هود عليه السلام لقومه: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 127/26)، وقولُ نبيّ الله صالح عليه السلام لقومه: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 145/26)، فلقد استخدم الأنبياءُ مع أقوامهم أكثرَ المقوّمات تأثيرًا وفاعليّة ألا وهو “الاستغناء”، لأن اتخاذ موقفٍ مثل هذا مقنعٌ تمامًا بالنسبة للمخاطبين، وهكذا فإن عدمَ تشوُّف الإنسان إلى أجرٍ دنيويٍّ في مقابل الواجب الذي يضطلع به، وعدمَ طلبِهِ أيَّ مقامٍ ولا منصب دنيويٍّ وانتظارَهُ الأجرَ والثوابَ والمكافأة من الله تعالى فحسب يُمثِّلُ عمقًا آخر من أعماق الغنى (الغنى القلبي).

ومع هذا فإنه ينبغي للجميع أن يرضى بما قدّره الحق تعالى له، وألا يطمع في الأمور المادية والمسائل الدنيوية، لأنه ربما يكون الفقرُ الذي قُدّرَ من قِبلِ الله بحق بعض الأشخاص أفضلَ وأصلحَ لحالهم، ومَنْ يدري فربما لو امتلكوا ثروةً أو مالًا طائلًا لأكبّهم سوءُ استخدامهم له في جهنّمَ على رؤوسهم؛ فيهوون فيها تمامًا كما هوى قارون، لِما في أنفسهم من ضعف أمام المال والثروة، لذا فحريٌّ بنا أن نُسَلِّمَ ونرضى بالتقدير الإلهيّ بحقّنا.

 

 

[1] صحيح مسلم، الذكر، 72؛ سنن الترمذي، الدعوات، 71، سنن ابن ماجه، الدعاء، 2.

[2] صحيح البخاري، بدء الوحي، 3.

[3] سنن أبي داود، الوتر، 32؛ سنن النسائي، الاستعاذة، 19، 20؛ سنن ابن ماجة، الدعاء، 3.