محور أصول الدين

Herkul-ARB | | العربية


سؤال: تتحدثون في دروسكم كثيرًا عن أهمية الالتزام والتمسك بـ”أصول الدين”؛ فهل تشرحون ما تقصدونه بذلك؟

الجواب: أصولُ الدين هي المبادئ والمعايير والقواعد الأساسية في الدين، ومن أركانها: الأسسُ التي تحدد إطار وماهية الاعتقاد، والمناهجُ المطروحة من أجل معرفة الحق تعالى، والقضايا المتعلقة بالحشر والنشر، والحقائقُ الخاصة بالعلاقة بين الله والكون والإنسان.

أسوار الإيمان والإسلام

وكانت تلك الأسس التي وضعها الشارع الحكيم موجودةً وقائمةً في العصور الأولى من الإسلام، غير أنه لم يُعبَّر عنها باسم محدد أو اصطلاحٍ مخصّص، لكنَّ العلماء اللاحقين كالإمام الماتريدي وأبي الحسن الأشعري اتَّبعوا منهجًا تدريجيًّا وتقسيمًا علميًّا؛ فجعلوا ما وصلهم من حقائق في صورة بناءٍ منظم وممنهج أو كشجرةٍ ذات أغصان وأوراق، كما وضعوا شروحًا مفصّلة كي يَحُولوا دون وقوع خطإ في فهم تلك الحقائق أو تحريفها وتبديلها.

وهناك مواضيع خاصة بأصول الفقه مثل كيفية تطبيق الإسلام في إطار القرآن الكريم والسّنة النبوية، والمناهج التي يجب اتباعها عند استنباط الأحكام من تلكما المصدرين الأساسين، وكيفية حل المشكلات التي تقع في الحياة اليومية، هذه المواضيع ظلت هي أيضًا مدة معينة من الزمان قائمةً وموجودة دون أن يُطلَقَ عليها اسمٌ او اصطلاح خاص، ثم نظمها الفقهاء في العصور اللاحقة، ووضعوا نظامًا خاصًا بكلّ واحدةٍ منها، وحددوا أطرها مادة مادةً؛ بحيث إذا ما دارت حياة الإنسان في فلك تلك النظم الأساسية كلها؛ فإنه بإذن الله تعالى وعنايته لن يخطئ أو يتخبط أو يتناقض أبدًا.

إن الإسلام دينٌ عالمي يُخاطِب البشرية جمعاء إلى يوم القيامة؛ ومن ثمّ يمكن الإتيان بتفسيرات واجتهادات شتّى تلائم الزمان شريطة الالتزام بأصول الدين ومبادئه الأساسية، غير أنه من الخطإ والتحريف أن يفعل الإنسان مثلما فعل أنصار المذهب التاريخيّ حين عمدوا بأهوائهم إلى إيجاد واختراع مجموعة من المناطات والعلل للأحكام الواردة في القرآن والسّنة فقيَّدوها بها، ثم زعموا من عند أنفسهم أن تلك المناطات قد تغيّرت فحاولوا إبطال تلك الأحكام واستبدالها بأخرى بناءً على تغيُّرِ تلك المناطات…

وهذا لا يستقيم لأن الإنسان إن فعل ذلك فقد ابتعد عن الأركان التي أقرّتها أصول الدين، وإذا ابتعد عن تلك المبادئ الأساسية تَعذّرَ القطع بمآل الأمر وعاقبته، فضلًا عن ذلك فإنَّ مثل هذا التصرف دليلٌ واضح على أنّ الإنسان يعيش مرحلة من الاغتراب والانسلاخ عن عالمه وهويته الفكرية الخاصة، ومن يقع في هذا ولو مرة واحدة فقد استسلم لشلّال الاغتراب والانسلاخ.

وحتى لا يتعرض الإنسان لمثل هذا الاغتراب الذي من شأنه أن يذروه بعيدًا عن قيمه الخاصة به لا بدَّ من الالتزام والتمسك التام بالمصادر الأساسية لموروثنا الثقافي وعلى رأسها القرآن الكريم والسُّنة النبوية؛ فالقرآن الكريمُ كلام الله تعالى، وكما قال الأستاذ بديع الزمان: “إنَّ القرآن الكريم يتلو آيات الكائنات في مسجد الكون الكبير هذا؛ فلنُنْصِت إليه، ولنتنّوَّرْ بنوره، ولنعمل بهديه الحكيم، حتى يكون لسانُنا رطبًا بذكره وتلاوته. نعم! إن الكلام كلامُه، فهو الحقُّ، يأتي من الحقّ، يقول الحقَّ وينشر الحكمةَ النورانيةَ”[1] فنبّهنا إلى أنَّ القرآن الكريم هو شمس الهداية التي تسوقنا وترشدنا إلى الطريق المستقيم أيًّا كانت الظروف التي نقع تحت وطأتها ونمر بها.

إن أيَّ استحداثٍ وابتداعٍ يخالفُ المبادئ الأساسية المنبثقة من تلك المصادر الإلهية المقدسة لهو بدعةٌ، “وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ[2]، فحذارِ ثمَّ حذارِ من الابتداعِ المذموم، سواء كان الابتداع في الفكر أو الحركات أو العبادات أو الطاعات أو تأويل القرآن والسنّة. أجل، إن اعتبار الرسل مجرَّدَ سعاةِ بريدٍ -حاشا وكلا- بدعةٌ وضلالة، ومن البدعة أيضًا النظر إلى الصحابة الكرام والسلف الصالح ودراستهم على خلاف المفاهيم التي حددها لنا القرآن الكريم والسُّنة النبوية، وكذلك التصديق ببعض الأمور المنكرة التي أسندها بعضُ الفِرَق الضالة مثل المعتزلة والجبرية للذات الإلهية، مثل مسألة الصلاح والأصلح، وهي ادّعاء المعتزلة أنّ الله جل جلاله يجب عليه فعلُ الأَصْلَح (أي ما هو أفضلُ مصلحةً) أو أنّه مضطر لمراعاة المصلحة والمنفعة في كل شؤونه.. وهذه المسألةُ مردودةٌ بقول الله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (سُورَةُ الْحَجِّ: 18/22) و﴿يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 1/5) و﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ: 23/21).

وكما أن الفهم الصحيح للأسس والمبادئ التي وضعها علم أصول الفقه أمرٌ مهمٌ للغاية كي نفهم الفقه فهمًا صحيحًا فإن التعرف على أصول الدين مهمٌّ للغاية للحيلولة دون وقوع أيّ انحراف في الاعتقاد، وقد خَلَّفَ أئمة المذاهب ومن تبعوهم موروثًا غنيًّا في مجال أصول الفقه مع وجودِ بعض الاختلافات والفروق بينهم حول الفروع، وعلى نفس الشاكلة فإنَّ كبار العلماء الذين جاؤوا لاحقًا وعلى رأسهم الإمام الماتريدي والإمام أبو الحسن الأشعري قد خطوا مؤلفات في أصول الدين حاولوا بها حمايتنا من الخطإ والزلل، وإذا ما تمسَّكْنا بالمبادئ المقررة سواء في أصول الفقه أو في أصول الدين فسننجح في تقبُّل متغيرات الزمان ومَلء الساحات الفارغة التي تركها الإسلامُ للاجتهاد، أمَّا إذا انتُهكت تلك المبادئ الأساسية فإنَّ الاجتهادات لن تتجاوزَ كونها بدعة حتى وإنْ أُحْسِنَتْ قراءة الزمان وجيء بتفسيرات وتأويلات جميلة للغاية.

الحفاظ على الأصول والأسلوب على حدٍّ سواء

كما يجب ألا نخالف المبادئ الأساسية حين ننقلُ إلى مختلف أنحاء العالم تلك القيمَ الخالصة النقيَّة النابعة من جذرونا الروحية والمعنوية؛ كذلك بالضبط يجب علينا حينما ننهل نحنُ من تلك البلاد ما هو مفيد لنا، فإن لم نراعِ الدقة البالغة تجاه هذا الأمر فلربما نقع في بعض الأخطاء، فمثلًا ربما ننزلق دون داعٍ إلى نوع من المداراة والمماشاة بغيةَ توضيح حقائق معينة إلى مخاطبينا من غير المسلمين، سعيًا وراء إرضائِهم فقط، وقد نُخطئ في مسألة تفضيل الناس في عالمنا القلبيّ، وهذا كلُّه يعني الانحراف عن مبادئ أصول الدين وأسسِه؛ لأن القرآن الكريم يأمرُ المؤمنين بألا يتّخذوا أولياء لهم من دون المؤمنين[3].

غير أنَّ هذا الأمر لا يعني أنْ يقطع المؤمنُ علاقاته بغير المؤمنين وأنْ يُعرض عنهم تمامًا؛ ففعلُ هذا مخالفٌ للمبادئ الأساسية في نفس الوقت؛ إذ يُبيّن القرآن الكريم أنَّهم ليسوا سواء: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 113/3)، ومنهم من يدعو إلى الحقِّ والحقيقة فيقول: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 159/7)، ومنهم من إذا سمعوا القرآن يُتلى فاضت أعينهم من الدمع لأنهم يعرفون الحقّ فيقول تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 83/5)، ولذلك ينبغي ألا ننظر إلى أهلِ الكتاب كلّهم نظرة واحدة فنُعرضَ عنهم أجمعين؛ حيث يبين الله تعالى بقوله ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ: 8/60) أنَّه لا بأس ولا حرجَ في التقرّب منهم بالإحسان إليهم؛ وعليه يتحتّم إيجاد سبيلٍ يناسب كلّ إنسان حسب موضعه ومكانه، وإقامةُ علاقةٍ وتواصلٍ مع الجميع، والسعي إلى تمكينهم من الوصول إلينا؛ فهذا أمر جديرٌ بالتقدير.

مراعاة الدقة البالغة في عرض القِيَمِ والجماليات

إن أبطالَ المحبّة والتسامح الذين ينطلقون إلى كلِّ ربوع العالم يلتقون بأناسٍ من مختلف الثقافات، ويتواصلون معهم؛ لذا وجب عليهم أن يَخبُروا مخاطبيهم الذين يتواصلون معهم ويتعرفوا إليهم جيّدًا، وذلك بأن يحصلوا مسبقًا على معلومات بشأن فلسفتهم في الحياة وعقيدتهم وشخصيتهم، ويحسبوا جيّدًا ردَّ فعلهم إزاء ما قد يُقال لهم، ثم يبدؤوا في الاتصال بهم ومخاطبتهم.

غير أنَّه في سبيل النفوذ إلى روح المخاطب واللطف معه أيضًا يجب ألَّا نتحرك على نحوٍ يخالفُ أصول الدين، فمثلًا يلزمنا عندما نخاطب إنسانًا ينتسب إلى دينٍ آخر أو نظامٍ عقديٍّ آخر أن نتحرى الأسلوب الأصح معه، فمثلًا يمكننا أن نفسح المجال للتعبير عن إلهامات روحنا عن طريق نقل نظرة القرآن الكريم بشأن بعضِ الرسل كسيدنا موسى وسيدنا داوود وسيدنا سليمان وسيدنا إبراهيم وسيدنا يحيى وسيدنا عيسى عليهم السلام أجمعين أو ذكر بعض أقوال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يتعلّق بالرسل عليهم السلام، من ذلك ما رُوي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلاَنِ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ، قَالَ المُسْلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى العَالَمِينَ، فَقَالَ اليَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى العَالَمِينَ، فَرَفَعَ المُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَطَمَ وَجْهَ اليَهُودِيِّ، فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، وَأَمْرِ المُسْلِمِ، فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المُسْلِمَ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لاَ تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَصْعَقُ مَعَهُمْ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ جَانِبَ العَرْشِ، فَلاَ أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، فَأَفَاقَ قَبْلِي أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ”[4]، وبهذا يمكننا التعبير عن مدى تواضع وكمال المرشد الأكمل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وثمة أمر آخر وهو ضرورة ألا نُؤذِي الآخرين ونثير حفيظتهم فنضع أنفسنا في مرمى سبابهم وشتائمهم، وينبغي لنا أن ننأى عن كلّ تصرف وسلوك قد يُسيء إلى الإسلام ويُقلّلُ من شأنه؛ وهذا أمرٌ يدعونا إلى التمسك بأصول الدين، من أجل ذلك لا بد من التعرف جيدًا على فقه السيرة النبوية، والمنهج والسبيل الذي اقتفاه الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين.

أجل، ينبغي لرجال الخدمة في يومنا هذا أن يعلموا ويفقهوا جيدًا القرآن الكريم والسُّنة النبوية التي هي شرح القرآن وبيانه، ولا بد من تنظيم المحاضرات والندوات للتعريف بهذين المصدرين المقدسين ومبادئهما الأساسية، وتنشئةِ الأجيال تنشئة سليمة في هذا الموضوع، وإلا فقد نقع في مجموعة من ضروب الجهالة والفظاظة أحيانًا، وفي مجموعة من الأخطاء المخالفة لأصول الدين أحيانًا أخرى زاعمين أننا نبلغ الدين للناس.

ولقد كان السابقون الساعون إلى تمثيل الحق والحقيقة يسأل بعضهم بعضًا حين يلتقون ويجتمعون سويًّا رغبةً منهم في الحفاظ على مبدإ محاسبة النفس ومشاعر اليقظة الكامنة بداخلهم: “كم إنسانًا قتلتَ؟”؛ أي كم إنسانًا دخلَ في محيطك فابتعد عن الدين بسبب عدم تمثيلك له كما ينبغي؟ ولذا فإنّه يلزمنا نحن أيضًا -كي لا نقتلَ أحدًا- أن ننبذَ رأيَنا الشخصي، ونحدّد المنهج والسبيل المناسب وألا نخطِئَ في الأصول ولا في الأسلوب أبدًا، وأن نسعى من أجل تقديم الحقائق إلى مخاطبينا على نحوٍ محمودٍ ومقبول.

أنصافُ الأطباء يزهقون الروح، وأنصاف العلماء يضيعون الدين

ومن لا يراعي الأصول ولا الأسلوب ولا يدري شيئًا عن النظم القرآنية الأساسية ولا عن رسالة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعجز عن فهم السلف الصالح فهمًا صحيحًا من الممكن أن يقع دائمًا في شباك الشيطان بما ينصبه له من ألاعيب وإغواءات؛ أيًّا كان شيخ طريقة، أو مرشدًا يتربع على قمة مقام الإرشاد، أو شيخًا يتحلق الناس من حوله؛ فقد يلتبس الحقُّ بالباطل على هذا الشخص بفعل الشيطان، كأن يُوسوس له ببعض الأصوات حتى يخدعه ويجعله يقبل عشرة أخطاء يدسها إليه مع شيء واحد صحيح، فيسوقه بذلك إلى انحرافات شتى.

في حين أن الإنسان العارف بأصول الدين يُدرك تمامًا أنه ليس مؤيَّدًا بالوحي، ويوقن بضرورة أن يعرض على القرآن الكريم والسنة النبوية أولًا كلَّ ما يُهمس بأذنه ويُعرض لبصره، أو يتراءى لقلبه أو يستثير حواسه، فإن كان موافقًا لكلام الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة أو الأسس التي أقرها السلف الصالح انطلاقًا من ذلكما المصدرين اتبعه وسار عليه وقبله ممتنًّا شاكرًا، وإن لم يكُ كذلك أعرضَ عنه ولم يأبه به، ولهذا فإن تربُّع مَنْ لا يخبرون أصول الدين على كرسي الإرشاد خطرٌ عظيم، ولا سيما أنَّه يجب ألّا تُمنحَ وظيفة الإرشاد لمن لم يحصل على إجازة العلوم الإسلامية كما يرى محمد بهاء الدين النقشبندي، أي إنَّه ينبغي لهذا الشخص أن يكون واقفًا على العلوم الآليّة مثل الصرف والنحو والبلاغة، وكذلك على العلوم العالية الإسلامية مثل الفقه وأصوله والتفسير وأصوله والحديث وأصوله والكلام وأصول الدين.

وقديمًا كانوا يشترطون تلك الأمور فيمن سيُكلَّفُ بخلافة الطريقة كي يُمثل الحق والحقيقة تمثيلًا صحيحًا، وما كانت وظيفة الإرشاد تُمنح إلَّا لمن كان عالمًا حقًّا، أما في يومنا هذا فإنّ الرغبة في استمرار وجود مؤسسات التكايا والزوايا المتوارثة منذ القدم وعدمَ فضِّ الناس من حولها تسببت في تولية مقام الخلافة لأشخاص غير أكفاء ولا يمتلكون قدرة ولا كفاية ولا تبحُّرًا في العلوم الدينية، وهذا الفعل لا يختلف في الحقيقة أبدًا عن إعطاء المشرط لبيطري وتكليفِه بإجراء عملية قلبٍ مفتوح لإنسان مريض بالقلب، وهذا خطيرٌ جدًا؛ فكما شاع بين الناس فإنَّ “أنصاف الأطباء يُزهقون الروح وأنصاف العلماء يُضيعون الدين”.

وعلى هذا فَمِنَ الضروريّ تزوُّدُ الراغبين في القيام بوظيفة الإرشاد في يومنا هذا بالعلوم الإسلاميّة لا سيما أصول الدين وأصول الفقه إلى جانب العلوم والمعارف الأخرى، إنَّ هذا أمرٌ في غاية الأهمّية، وإلا فإنهم إذا ما تحركوا زاعمين أنهم سيُرشدون الناس ويهدونهم إلى الطريق الصحيح فقد يقعون في كمٍّ كبيرٍ من الأخطاء والزلّات دون أن يُدركوا ذلك أو يقصدوا إليه سبيلًا.

ونختم الموضوع بأن نتذكر قول نيازي المصري (ترجمة):

لا تركننّ إلى كلِّ مرشدٍ فقد ينقلِب الفسيحُ أمامك إلى مضيق

أما مَن استرشدَ بالمرشد الكامل سَهُلَ عليه اجتيازُ وسلوك الطريق.

 

[1] بديع الزمان، الكلمات، الكلمة السابعة، ص 30.

[2] صحيح مسلم، الجمعة، 43.

[3] انظر: سورة آل عمران: 3/28؛ سورة النساء: 144/4؛ سورة المائدة: 151/5.

[4] انظر: صحيح البخاري، الخصومات، 1، الأنبياء، 31، الرقاق، 43، التوحيد، 31؛ صحيح مسلم، الفضائل، 157.