أربع خصال تسلتزم إرادةً قويةً

Herkul-ARB | | العربية


سؤال: وردت في كتاب “المُنَبِّهات”[1] عبارةٌ تُنسَبُ إلى سيدنا عليّ رضيَ الله عنه يُقالُ فيها: “إِنَّ أَصْعَبَ الأَعْمَالِ أَرْبَعُ خِصَالٍ: العَفْوُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَالجُودُ فِي العُسْرَةِ، وَالعِفَّةُ فِي الخَلْوَةِ، وَقَوْلُ الحَقِّ لِمَنْ يَخَافُهُ أَوْ يَرْجُوهُ”[2]؛ فما ماهية هذه الخِصال الأربعة وما يُرجى لِلمتخلِّق بها من ثواب؟

الجواب: عندما نُمعِنُ النظرَ فيما يُنسَبُ إلى سيّدنا علي كرّم الله وجهه من عباراتٍ رصينة وأسلوبٍ جزلٍ ولغة فريدة تتجسّد في “نهجِ البلاغة” مثلًا؛ يجولُ في خاطرنا أنه من الصعب إطلاقُ مثل تلك العبارات المليئة الفضفاضة التي تتطلب مرجعيةً ثقافيةً ذات مصادر إسلامية جمة، سيّما في عصرٍ حديثِ عهدٍ بالجاهلية، وذلك لما تحمله في طيّاتها من مصطلحات ومفاهيم ومضامين خاصّة بشتّى مجالات العلوم والفنون على الرغم من أنّ الدراسات المتعلّقة بالبلاغة واللغة لما تتطوَّرْ بعدُ بمعناها التام.

وهذا يدفعنا إلى القول بأنَّ هناك ثلاثة احتمالات في نسبة هذه الأقوال إلى سيدنا عليّ كرم الله وجهه:

الأوّل: أن يكون سيدنا علي رضي الله عنه هو القائلُ الحقيقيّ لتلك النوعية من العبارات، كأثرٍ من آثار إلهاماته الخاصّة، ولا سيما حينما يُؤخَذُ بعين الاعتبار أنَّه رضي الله عنه منفتحٌ على المعنويات، وفيرُ الإلهامات، له سماته الخاصة التي تكمن في كونه رأس “سلسلة الولاية”.

الثاني: ثمة احتمالٌ ثانٍ، وهو أنَّ بعض الناس ممن كانوا في القرنين الثالث والرابع الهجريّين اللذين ظهرت فيهما العلوم، وتكوَّنت المصادرُ الخاصةُ بمختلف مجالات العلم؛ هم مَن قالوا تلك الأقوال ثم نسبوها إليه رضي الله عنه.

الثالث: وكما يُحتمل أنْ يكون بعضُ الأشخاص ممن عاشوا في تلك الفترة التي تحددت فيها أسماء المسميات واستقرّت المصطلحات هم الذين نسبوا إليه رضي الله عنه العبارات الجميلة التي قالوها هم؛ فهناك احتمالٌ آخر، وهو أنَّهم أَثْرَوا بعض العبارات الجميلة المأثورة عنه بمفاهيم ومضامين عصرهم فأضفوا عليها صفة المصطلحات المنضبطة وتحدثوا بها على لسانِه رضي الله عنه.

ولَمَّا كان القطعُ بصحة نسبة تلك العبارة إليه رضي الله عنه من عدمه أمرًا غيرَ يسير؛ فحريٌّ بنا أنْ نقول حيال هذا الأمر “الله أعلم”، وننتقل إلى ماهيّة موضوع تلك الخصال الأربع المذكورة في السؤال.  

يقول الإمام عليٌّ كرّم الله وجهه في عبارته تلك: “إِنَّ أَصْعَبَ الْأَعْمَالِ أَرْبَعُ خِصَالٍ”، والحقيقة أن لكل عمل صعوبةً ومشقّةً معينةً بحسب طبيعته؛ فعندما ننظر إلى مجموعة من العبادات والتكليفات الإلهية التي كُلّف بها الإنسان مثل وضوئه للصلوات الخمس يوميًّا، وإقامته الصلاة، وصومه مِن الصباح حتى المساء، ولا سيما في أيام الصيف الطويلة، وإنفاقه المال الذي يكتسبه بعرق الجبين، وأدائه فريضة الحج، ومراعاته حقوق والديه لدرجة ألا يَعبِسَ في وجهيهما ولا يقول لهما ولو حتى “أُفٍّ”؛ يتبين أنَّ لكلِّ واحدٍ منها مجموعةً من الشدائد والمشقّات الخاصة به، وأظن أنّه لا يستطيع أحدٌ أبدًا أن يُثبِتَ سهولة القيام بتلك الأعمال والعبادات المذكورة آنفًا، ولذلك يلفت سيدنا عليٌّ رضي الله عنه الانتباه ببيانه السابق أعلاه إلى تلك المسائل الأربع التي يعتبرها الأصعبَ من بين مختلف الأعمال والخصال.

  • 1  اَلْعَفْوُ عِنْدَ الْغَضَبِ

 

أوّلُ تلك الخصال هو “اَلْعَفْوُ عِنْدَ الْغَضَبِ”، والحقيقة أن قدرةَ الإنسان على كظم غيظه لحظة ثورانِ غيظه وتفجُّرِ غضبِه، ومن ثمَّ قدرتَه على العَفو لتُمَثِّلُ واحدًا من تلك الأعمال التي ركّز عليها القرآن الكريم أيضًا وحثَّ على فعلها؛ ومن ذلك مثلًا قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 134/3)، فيبيّن لنا أنَّ القدرةَ على العفو بالتغلّب على الغضب مِنْ صفات المتقين، ويدعو للتأمّل في أنَّ كظمَ الغيظ وكبحَ جماحه أمرٌ صعبٌ ربما يُشبه في صعوبته بلعَ زهرة الصبّار ذات الأشواك، ولا ريب أن ثواب إنسانٍ ينجح في القيام بعملٍ كهذا سيكون أضعافًا مضاعفة بحسب تلك الصعوبة التي يعانيها.

أما الإنسان المحبوبُ والمعتبر بين الناس والذي لا يزعجه ولا يُعكّر مزاجه وصفوَه أيُّ شخصٍ فسهلٌ عليه أن يعفوَ ويصفح، ولكن المهارة الحقيقيّة تكمن في كيفية مواجهته الإزعاجَ أو المضايقة أو المجافاة الموجهة إليه من الآخرين، وأن يتحكّم بإرادتِه، فلا يردّ بالمثل بل يُقابل ذلك بالعفو؛ إذ إن الإنسان ليس كالبهائم والأنعام إذا ما نطحه آخر سارع بِنَطحِه اقتصاصًا لنفسه؛ واللهُ جل جلاله لم يترك نقصًا ولا عيبًا ولا فراغًا على الإطلاق عندما زوَّدَ الإنسان وجهَّزه للسيرِ في الطريق المؤدية إلى الكمال.. لقد خلقه في أحسن تقويم، ومنحه إرادة يستطيع في ظلها أن ينهض بأثقل الأعباء والأعمال شريطةَ حُسنِ استعمالها، بل ويستطيع أن يهزم غضبه وغيظه وينتصر عليه، ويسحقه تحت قدميه.

ومن المعلوم أنَّ العفو يعني “محوَ شيء ما”، أي إنَّكم تتجاهلون مجموعةً من تصرفات الآخرين وسلوكياتهم التي تُزعجكم وتُغضبكم، وكأنكم تشطبونها وتمسحونها تمامًا.. فالعفوُ هو ألا تسمحوا لتلك النوعية من السلبيات أن تُحفَر في أذهانكم وتؤثّر في أعصابكم، بل تمسحونها من ذاكرتكم على ألّا تتذكروها مرة أخرى حتى وإنْ تكاثرت عليكم لدرجة أنَّها صارت تُزعجكم وتُؤَرِّقكم، وتصرُّفُكُم على هذا النحو عملٌ يصعب إنجازه حقًّا، غير أنَّ عفو الإنسان حين تكون طبيعتُه مهيّأةً لنسيان الشرور والاعتداءات التي تعرَّض لها يؤدّي إلى نتيجة وفائدة عظيمة؛ فمن المحتمل أن يرفع عنه عفوه وصفحه عن الآخرين حزمة من الابتلاءات وصنوف الغضب الإلهي، فيحظى بالعفو الإلهي كثمرة لذلك.

  • 2 الْجُودُ فِي الْعُسْرَةِ

 

يؤكّد سيدنا علي رضي الله عنه بقوله: “وَالجُودُ فِي العُسْرَةِ” على أهمية البذل والعطاء وصعوبته على الإنسان حين يتلوى في لجة الأزمات والفاقة؛ إذ إن الغنيّ الذي لا يُنقص الجودُ من ماله شيئًا يُذكر يسهلُ عليه الكرمُ والسخاء، فماذا عساه أن يُضِيرَ إنسانًا إنفاقُه ليرةً واحدةً فحسب من ألفِ ليرة يملِكُها؟! إن المهم أساسًا هو بذلُ الإنسان وجُودُه في وقت الشدة والحاجة، فكما أنَّ قدرة الإنسان على العفو أثناء غضبه هي بمثابة استجداء لاسم اللهِ “العَفُوّ” سبحانه وتعالى؛ فإنَّ كرمَه وسخاءَه في ساعة الضيق والشدة استجداءٌ لاسم الله تعالى “الجواد” أيضًا.

وهنا أيضًا نجدُ سيّدنا عليًّا كرّم الله وجهه قد شَدّ الانتباه إلى شعور الإيثار؛ لأن الإيثار -في أحد صوره- هو أن يعطي الإنسان طعامه وشرابه إلى غيره بينما هو جائع عَطِشٌ تمامًا، وفي هذا يقول الله جل جلاله: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (سُورَةُ الْحَشْرِ: 9/59).

ويوم اليرموك! وما أدراكم ما يوم اليرموك! يوم أن ارْتُثَّ[3] من ساداتنا الصحابة الكرام في هذه الحرب كلٌّ من الحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وعياش بن أبي ربيعة رضي الله عنهم أجمعين فَدَعَا الْحَارِثُ بِمَاءٍ يَشْرَبُهُ، فَنَظَرَ إليهِ عكرِمَةُ، فَقَالَ الحارثُ: ادفَعُوه إِلى عكرِمَةَ، فَنَظَرَ عَيَّاشُ بنُ رَبِيعَةَ، فَقَالَ عِكرِمَةُ: ادْفَعُوهُ إِلى عَيَّاشٍ، فما وصلَ إلى عياشٍ ولا إلى أحَدٍ مِنهُم حتَّى ذاقوا طعمَ الشهادةِ وما ذاقوا الماءَ رضي الله عنهم أجمعين[4].

وهكذا طافت قربة الماء بالصحابة الثلاثة واستشهدوا جميعًا دون أن يكون لأي منهم نصيب في رشفة ماء منها، وهذه الحادثة تضربُ أروع الأمثلة على خُلُقِ الإيثار وتفضيل الآخرين على النفس، والعيشِ تحلّيًا بخلق الإحياء والتمسك بالقيم الإنسانية الحقيقية.

  • 3 الْعِفَّةُ فِي الْخَلْوَةِ

 

ويذكر سيدنا علي رضي الله عنه بقوله: “الْعِفَّةُ فِي الخَلْوَةِ” أنّ تحليَ الإنسان بالطُّهْر والعفاف في حالة الخلوة والعزلة والبعد عن عيون الناس مع إمكانية ارتكاب الذنوب والآثام على أنّه ثالثُ الأعمال التي يصعُبُ تحقيقها.

وقد تحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبعةٍ يُظلهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلّه؛ وعَدَّ من بينهم: “رَجُلٌ دَعَتْهُ ذَاتُ حَسَبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ[5].

ومن السهل -نوعًا ما- أن يبدو المرء عفيفًا وهو بين الناس، لأنه من الصعب للغاية عليه أن يرتكب ذنبًا وهو بين ظهرانيهم يراقبونه ويراقبهم، وينظرون إليه وهو ينظر إليهم، غير أنّ صمودَ مَنْ يجد نفسه واقعًا في دوامة الذنوب، ومِنْ حوله مجموعة من الفتّانين والمُغريين تحاول تضليله وإغواءه، وقدرتَه على المقاومة والصراخ في وجه ذلك قائلًا: “مَعَاذَ اللهِ” وتحلّيَه بالعفّة مستخدمًا إرادته ومسيطرًا على نفسه حتى يصبح أيقونةً للعفّة كسيدنا يوسف عليه السلام، وتصدّيَه بوضوحٍ وحسمٍ لذلك الذنب الذي يُلوّث الأنظار ويشوّش العقول أمرٌ صعب للغاية؛ فصمودُ الإنسان على موقفه رغم ما يعرض له من مواقف سلبيّة ومشينة، وثباتُه عليه كالجبلِ الشامخ الشاهق الذي لا يتزعزع يستلزم إرادةً فُولاذيّة حقًّا، ولا ريب أنَّ ثواب مَنْ سيتغلب على مثل هذه الصعوبة سيكون عظيمًا بقدر عِظَم تلك الصعوبة.  

وَقَدْ رُوِيَ في الأثر أَنَّ شَابًّا كَانَ يَتَعَبَّدُ فِي الْمَسْجِدِ، فَهَوِيَتْهُ امْرَأَةٌ فدعته إلى نفسها، فما زَالَتْ بِهِ حَتَّى كَادَ يَدْخُلُ مَعَهَا الْمَنْزِلَ، فَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 201/7)، فَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَأَعَادَهَا، فَمَاتَ، فَجَاءَ عُمَرُ فَعَزَّى فِيهِ أَبَاهُ، وَكَانَ قَدْ دُفِنَ لَيْلًا فَذَهَبَ فَصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ بِمَنْ مَعَهُ، ثُمَّ نَادَاهُ عُمَرُ فَقَالَ: يَا فَتَى ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (سُورَةُ الرَّحْمَنِ: 46/55)، فأجابه الْفَتَى مِنْ دَاخِلِ الْقَبْرِ: يَا عُمَرُ قَدْ أَعْطَانِيهِمَا رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فِي الْجَنَّةِ مَرَّتَيْنِ[6].

وتلك الحادثة أيضًا تُبيّن أن قدرةَ إنسانٍ اختلى مع الحرام على أنْ يصون عفّته أمرٌ صعبٌ وغالٍ ومهمّ للغاية، غير أنَّه للأسف ثمة بضعة عصور مضَتْ وانقضَتْ وطَوَت معها كمًّا من قِيمنا النبيلة، كما أنها دمرت فكرةَ العفّة لدينا تدميرًا، فتردّينا وانحططنا؛ إذ هيَّأ البعض بيئتنا لفساد الأخلاق وسيِّئِها عبر توفيره كل إمكانيات الفساد وسوء الأخلاق مستترًا بستار الحرّية، ونحن نؤمن بأن الله تعالى يُنعم ويمُنُّ بألطافه وفضله على مَنْ يُحافظون على عفّتهم وحيائهم في يومنا هذا برغم كل الصعوبات، وأنه سيُشرّفهم بالجنتين، ويتَوِّجُهم برضاه ورضوانه ورؤيته سبحانه وتعالى.

  • 4 قَوْلُ الْحَقِّ في وقت الشدّة

ذكر سيدُنا علي رضي الله عنه آخرَ تلك الأعمال الصعبة بعبارته “وَقَوْلُ الْحَقِّ لِمَنْ يَخَافُهُ أَوْ يَرْجُوهُ”، وهذا يعني أن يقول الإنسانُ الحقَّ دون خوفٍ ولا وَجَلٍ في وجه من يُخشى منه أو يُبتغى منه منفعة، فإن لم يستطع الإنسان النطقَ بالحقّ أو الصمود حين يُمَنَّى بمجموعة من النعم والمنافع والوعود الزائفة يُكبِّلْه أصحابُ السلطة والقوّة ويقيّدوه بالسلاسل يومًا ما، ويجعلوه عبدًا لا سبيل لانعتاقه، ثم يجبرونه على فعل كل ما يريدون، وكما هو ثابتٌ ومشاهَدٌ في محافلَ شتى في يومنا هذا فإنّ الخوف عاملٌ يكبح الإنسان ويَلجمه بينما يسعى ويجري في سبيل الحق، ويَشُلُّ إرادته ويقيد يديه وذراعيه بل يجعله مهيض الجناح.

ومثل ذلك ما يرجوه المرءُ من منافع لدى الإداريين والحكام الظلمة، فإن ذلك يُرديه في دركة الشيطان الأخرس، ويتسبّب في تضليله وارتكابه أعمالًا خاطئة وتزييفه الحقائق عمدًا، وما أكثر الأمثلة التي نشاهدها اليوم! وما أشدّها إيلامًا! فهناك الكثير ممن يُغيّرون اليوم ما قالوه بالأمس؛ فيُصرّحوا بضدّه تمامًا، بسبب مجموعة من الامتيازات التي تُمنح لهم، أو بسبب تشوفهم إلى بعض الأماني والمنافع، أو ربما بسبب الخوف والقلق الذي سيطر عليهم؛ فهم يتغيرون بتغيّر الظروف والأحوال كما تفعل الحرباء تمامًا؛ فيرتكبون جرائم تقضي على حياتهم الدنيوية والأخروية على حدّ سواء؛ ويعيشون غالبًا حياة الأسرى والعبيد مقابلَ مجموعة من الوعود، ولا يستطيعون التحرك بحُرية أبدًا، بل ولا أنْ يكونوا أحرارًا أصلًا، وهكذا ففي عصرٍ سادت فيه المنفعةُ والخوفُ فإن البطولة الحقيقية تكمنُ في قولِ الحقِّ والثباتِ عليه، ومما لا شكّ فيه أنّ ثواب تلك البطولة في الآخرة سيكون بحسب حجمها وعظمها.

والحاصل أنَّ ثواب الأعمال وجزاءها يختلف بحسب الزمان والمكان الذي تتحقق فيه؛ فتَسَبُّبُ عملٍ صعبٍ وشاقّ في مضاعفةِ الثواب مرهونٌ بإخلاص النية، وعدم الشكوى لا صراحةً ولا ضمنًا، وبتعبير آخر: يجب على الإنسان وهو يُنجز عملًا شاقًّا ألا يشكو من الصعاب التي يتعرّض لها، بل عليه أن يصبر بالرغم من كل شيء، وألا يَسُبَّ القَدَرَ، وأنْ يُنجز ذلك العملَ رغبةً فيه ورضًا به كي يحصل على ثوابٍ بقدر المشقّة التي يتعرض لها من القيام بذلك العمل.

 

 

[1] وهو الكتاب المسمى بـ”المنبهات على الاستعداد ليوم المعاد” أو “الاستعداد ليوم المعاد“، قد ينسب إلى الحافظ ابن حجر العسقلاني وفي نسبته إليه أقوالٌ وخلاف.

[2] ص 40

[3] ارْتُثَّ فلان: ضُرِبَ في الحرب فأُثْخِنَ وحُمِلَ وبه رَمَقٌ ثم مات.

[4] الحاكم: المستدرك على الصحيحين، 270/3؛ البيهقي: شعب الإيمان، 143/5؛ ابن عبد البر: الاستيعاب، 1084/3.

[5] صحيح البخاري، الأذان، 36؛ صحيح مسلم، الزكاة، 91.

[6] ابن عساكر: تاريخ دمشق، 450/45؛ ابن كثير: تفسير القرآن، 483/2.