الجَرَّة المشروخة: بعض المعايير الخاصة بالأخلاق الحسنة – 2

Herkul | | العربية

   منهج إصلاح الأخطاء

حاولنا فيما سبق الوقوف على مسألة عدم تعيير الناس أو تحقيرهم، والعفو عن تقصيراتهم، ويجب ألا يُستنبط من كل هذا ما مفادُه ضرورة السكوت على الأخطاء وعدم التدخّل والتصدّي لها بأي شكل على الإطلاق.. ذلك أن القرآن الكريم كلَّف المؤمنين من خلال عدد كثير من آياته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل إننا إذا ما نظرنا إلى قوله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/110) وجدْنا أن هذه الخيرية رُبطت ورُهنت بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بذلك أيضًا فقال: “مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَلْيُنْكِرْهُ بِيَدِهِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ[1].

إن محاولةَ منعِ الناس من فعل المنكرات وأمرهم بالمعروف واحدةٌ من أوصاف المؤمن الأساسية، إلا أن المنهج والأسلوب والنظام الواجب اتباعه هنا مهم للغاية؛ فعملٌ كهذا لا يمكن أن يتحقق بإحراج الناس وإخجالهم، لا سيما إذا اختلطَ المنهجُ والردُّ بما يعتبرهُ الإسلام مرفوضًا مثل الكذب والافتراء وتشويه سمعة الناس، فإن المشكلة تتضخّمُ وتكبر، والأصل هنا ضمان أن يستقر في القلوب جمال الأفعال التي وُصفت بأنها طيبة، وقبح الأفعال التي وُصفت بأنها سيئة، أي إقناع الناس بسوء أو حسن تلك الأفعال المعنية، والإسهام في أن يقوموا بضبط أنفسهم وفقًا لهذا، وإلا فإن فهمًا من قبيل “أنا أقول وأحكي، ولا شأن لي بخلاف ذلك” دون أخذ وضع المخاطب في الاعتبار، ودون التمكن من تحديد الأسلوب الصحيح، ودون التفكير في الطريقة التي يجب اتباعها؛ أمرٌ لا علاقة له بـ”الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” لا من قريب ولا من بعيد.

وإذا نظرنا إلى حياة مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم، نرى نماذجَ وأمثلةً كثيرة على ذلك، ومنها ما قاله صلى الله عليه وسلم لماعز الذي جاءه معترفًا بخطيئته حاملًا فكرة التطهّر في الدنيا على أن يترك الأمر للآخرة: “وَيْحَكَ، ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ“، إلا أنه حين أصر ماعز على تنفيذ العقوبة على الرغم من أنه صلى الله عليه وسلم ردَّه أربع مرات، كان على رسول الله أن يطبق العقوبة عليه، لكنه صلى الله عليه وسلم بقوله “اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ، لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ[2]؛ حال دون أن يسيء الناسُ الظنّ بماعزٍ، لقد أراد ألا يُذكر ماعز على أنه إنسان عاصٍ، بل على أنه إنسان تطهّر من خطيئته وسار نقيًّا طاهرًا إلى الذات الإلهية.

لم يوجّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم الإدانةَ واللومَ إلى أحدٍ طوال حياته السنية، ولم يكشف مساوئ أحد في وجهه، ومن خلال استقراءِ سيرته صلى الله عليه وسلم لا يمكن العثور على أي سلوك من قبيلِ فضح الناس، وتتبع مواضع زلاتهم وركلِ إنسان سقط على الأرض، ولا مقابلة السيئة بالسيئة، على العكس من ذلك، فقد منع المؤمنين من التجسس والبحثِ عن أحوال الناس الخفية، وأوصى بستر الأخطاء ما أمكن ذلك؛ فكان يتنفس دائمًا عفوًا وتسامحًا طوال حياته، وتلك الكلمات التي قالها بعد فتح مكة للمشركين -الذين كانوا قد مارسوا ضدّه كل أنواع الإيذاء لسنوات طويلة- لا تترك مجالًا لأي كلمة أخرى للتعبير عن عفوه ورحمته: “لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ[3]، فقد كان لينه هذا وصفحه وعفوه عليه الصلاة والسلام من أهم العوامل التي فتحت القلوب ومكّنت الناس من دخول الإسلام أفواجًا وجماعاتٍ.

من ناحية أخرى، كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ما لاحظَ تقصيرًا من أحد الصحابة لا يصارحه به ولا يضربه به في وجهه؛ بل يضمّن لذلك المعنى ولتلك الملاحظة من خلال حديثه عليه الصلاة والسلام وخطَبِه أمام العامة دون توجيه الكلام إلى شخصٍ بعينه، حتى إنه عندما يجدُ حركةً جماعية في الاتجاه الخاطئِ؛ فإنه يجمع أصحابه ويتحدث على العموم دون أن يوجه كلامه بشكل مباشر لمن ارتكبوا هذه الأخطاء، وهكذا حُلَّت المشاكل دون أن يتعرّض أحدٌ للإهانة أو التجريح أو الاستياء، ودون أن تتأذى كرامةُ إنسان، أو يخالطَ الأمر أية كراهية أو غضب.

وعليه فمن المهم للغاية أن يتعرف الناس إلى محيطهم، ولا سيما من في الريادة ومن يتحملون مسؤوليّات معينة، وأن يهتمّوا بمعالجة الأخطاء، كذلك يجبُ على المعلم في المدرسة أن يدرسَ الحالةَ العامَّة للطلّاب في فصله وأن يعرِفهم جيدًا، فهذا جانبٌ مهمٌّ من الواجب والمسؤولية، أما الجانب الآخر منها فهو معاملة كلّ فرد بإنسانية، وعدم الإساءة إلى أي شخص، ومحاولة دفع الشرور بأنسب طريقة، أي إنه يجب على المسلم أن يتصرف وفقًا لشخصيته حتى في الحالة التي يدفع فيها الشرور عن نفسه، وأن يظلّ مرتبطًا بمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكيلا يُساء إلى أي شخص ولا يُوسَّع نطاق المشكلة يجب تحديد الأسلوب وفقًا للحالة الخاصّة بكل شخص، ومراعاة كل حدث على حدة، وبدلًا من الرد الفوري على المشكلات التي تتم مواجهتها والتحدث عنها يمنة ويسرة من الضروري التفكير في المشكلة ومحاولة إيجاد أنسب حلٍّ لها، ومن المعلوم أن علاج القضايا بالفظاظة أو التجريح أو الإهمال يكسر قلوب الناس ويُبعدهم كما علّمنا الله جل جلاله، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/159)…

علينا أن نعلم جيدًا أن هذه المهمّة في تحديد الأسلوب الخاص بكل حالة يُرادُ علاجها إنما تتطلب خبرة وحساسية.. لذا يمكن اعتبار هذا العمل من شأن النخبة والمثقفين.

وتجدر الإشارة إلى أن المشاكل لا يمكن حلها دائمًا عن طريق الحديث عنها، فالحديث عن بعض المشاكل قد يضخم الأزمة أكثر.. يجب أن يكون كلام المؤمن حكمة، وسكوته تأمّلًا وتدبّرًا.. إذا كانت الكلمات التي سننطق بها حكمة وجب علينا أن نتكلم، وإذا لم تكن كذلك وجب علينا أن نصمت وننتظر الوقت المناسب.. هناك بعض المواقف التي يجب على المرء التوقف عندها والتفكر والتأمل فيها، لأن الحكمة تتطور في أحضان التأمل.. إذا كانت هناك حكمة في حديثنا فسنتحدث، وإلا فإن حديثَ كل فرد كما يحلو له وكما يخطر على باله ليس إلَّا ضجيجًا وجعجعةً، وكما نعرفُ أنّ لكلِّ مقامٍ مقالًا فعلينا أن نتعرّف إلى فضيلةِ التحلي بالصبرِ والصمتِ والانتظار.

   محاسبة النفس

يشير سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد أحاديثه الشريفة إلى أن الإنسان خُلق مهيأً لارتكاب الخطإ والوقوع في الزلل، وذلك بقوله عليه الصلاة والسلام “كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ[4]، وهذا يعني أن لدى الطبيعة البشرية ميلًا للوقوع في الخطإ، فالبعضُ يضيّق مجال هذا الميل أو يتغلب عليه تمامًا من خلال وفائه بحق إرادته؛ والبعضُ الآخر لا يستطيع النجاح في هذا الشأن بالقدر الكافي، والمهم هو أن يعتدل الشخص فورًا بعد أن يتعثر ويقع، وأن يتوجّه مباشرةً إلى المكان الصحيح، ويُدخل نفسه تحت صنابير التطهّر فيتطهر.

نعم، قد تزل قدم أي فرد، لكن الهجوم فورًا على ذلك الإنسان، والحديث عن زلتِهِ هنا وهناك وإحراجه لا يوافق الأخلاق الإلهية ولا منهج رسولنا عليه الصلاة والسلام، من واجبنا أن ننظر في عيوبنا وننشغل بتصحيحها بدلًا من أن ننشغل بعيوب الآخرين وأوجُهِ قصورهم، لأن من يتعامى عن عيوب نفسه أو لا يراها بالفعل، يظلّ دائمًا يبحث عن العيوب لدى الآخرين، لكنني أعتقد أن من انشغل بعيوب نفسه ما تفرَّغ لتتبع عيوب الناس.

علينا أن نستدير وننظر إلى أنفسنا قبل أن نلقي بالحجارة على أي شخص، إذا كنا نرتكب عيوبًا مماثلة، فيجب علينا أن نخشى أن يرتد هذا الحجر علينا ويصيبنا في رؤوسنا، يُروى أن سيدنا عيسى عليه السلام قال لمن كانوا ينتظرون وقد أمسكوا بالأحجار في أيديهم أثناء معاقبة أحد المجرمين: “ليُلقِ الحجرَ الأول من لا خطيئةَ له”، وهنا يُسارع كل واحد من الحضور بالتخلص ببطء من الحجر الذي في يده.

وأخيرًا، من المفيد التذكير بأنه لا عذر لنا إذا لم ننتبه إلى مثل هذه الأمور وذهبْنا نخوض مع الجموعِ عن عيوب وخطايا الآخرين، فحتى لو وقع العالم كلُّه في خطيئةٍ ما فإن ذلك لا يشكل عذرًا منطقيًّا لمشاركتنا في مثل خطيئتهم، وكما ورد في المثل فـ”إن كُلّ شَاةٍ سَتُنَاطُ بِرِجْلِهَا”، لا عذرَ يوم القيامة لكلمات من قبيل: “الجميع كان يتحدث وأنا أيضًا تبعتهم”، لأنه كما ذكرت الآية الكريمة ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (سورة فَاطِرٍ: 35/18) فهناك يواجِه كلُّ إنسان فداحةَ ووطأة ذنبه وخطيئته، والواقعُ أنه إذا تسبّب شخصٌ في فتنةٍ وفسادٍ بكلماتِهِ أو كتاباتِه أو ما يصدر عنه؛ فإنه سيعاني أيضًا من وبال الخطايا التي تسبب فيها إلى جانب وبال خطيئتِه نفسه.

وبدلًا من الانسحاق في الآخرة تحت هذه الأعباء الثقيلة فإن الطريقة الأكثر حكمة -حيث تتوفر القدرة لذلك في هذه الحياة الدنيا- هي التحكم بألسنتنا وضبطها على إيقاعٍ كفيلٍ بعدمِ حدوث مشكلات من هذا القبيل، ومن دون ذلك فإنه يجب على المرء أولًا أن يتحقق من مشاعره وأفكاره المتعلقة بإخوته وأن يحافظ عليها نقية طاهرة، لأن ما يصدر عن اللسان هو الأفكار، وإذا كانت الأفكار قذرةً تخرج قذاراتٌ كثيرةٌ من اللسان، ومن يركز على عيوب الآخرين ويشغل ذهنه بها دائمًا فإنه سيعبّر عنها بحديثه النفسي أولًا، ثم يتناقلها ويرددها هنا وهناك.

ومن المؤكد أن من ينشغل بالتجسس وسوء الظن والإهانة ويتحدّث عن عيوب الآخرين باستمرار سوف يرى في الآخرة عقوبة خطاياه، لكن لا يمكن لشخص هكذا أن يكون مرتاحًا في الدنيا، بل إنه بذلك سيحول بيده حياته إلى جحيم، وسيُلوّث خلاياه العصبية، وسينقلبُ الأمرُ عليه ليكون له عقوبةً.

***

[1] صحيح مسلم، الإيمان، 78؛ سنن الترمذي، الفتن، 11.

[2] صحيح مسلم، الحدود، 22.

[3] البيهقي: السنن الكبرى، 9/199.

[4] سنن الترمذي، القيامة، 49؛ سنن ابن ماجه، الزهد، 30.

الجَرَّة المشروخة: بعض المعايير الخاصة بالأخلاق الحسنة

Herkul | | العربية

   سؤال: تأمرنا السنة النبوية الشريفة بالحذرِ من تعيِير المؤمنين، واحتقارهم أو فضحِ عيوبهم، ثم تأمرنا أيضًا ومن ناحيةٍ أخرى بعدمِ السكوت على المظالم والشرور وبضرورةِ التصدي لها.. فما الموقف الواجب على المؤمن التزامه في هذا الشأن، وكيف ينبغي أن يحقق التوازن بين الأمرين؟

   الجواب: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ[1]، وبهذا نهى عن تعييب الآخرين وتعييرَهم، ولفت الانتباه إلى المصير الذي يؤول إليه مرتكبي مثل هذه الخطيئة.

   عدم التعيِير

وفقًا للحديث السابق فإن من عاب أخًا له وعيَّره على جرمٍ -فعلَه أو لم يفعلْه- لن يموت دون أن يرتكب الجرمَ ذاته، وقد يتسبب هذا التعييب والتعيير أحيانًا -حفظنا الله- في مشكلة تقع لزوجة العائب أو ابنته أو ابنه أو قريب آخر له، أي إن الله جل جلاله قد يُعاقب ذلك الشخص في نفسه عما ارتكبه من ظلم، وقد يُعاقبه في أحد أفراد أسرته.. وكثيرًا ما يجد الإنسان سبيلًا للتخلص من مشكلاته الشخصية، ولكن المشكلات التي يتعرض لها أقرب الأقربين إليه قد تقصم ظهره.

إننا لا نستطيع معرفة حقيقة الأمر؛ فربما يكون مثل هذا العقاب رحمةً بمن يستحقه؛ إذ قد يكون كفارة عن خطيئته، ومثل هذا الضيق والخجل الذي يعانيه في الدنيا ربما ينقذه من العقاب في الآخرة، وبعبارة أخرى: إن المرء بتحمله أخفّ العقابين يكون قد نجا وتخلص من أشدّهما.. وقد تكونُ الخطيئة المرتكَبة كبيرةً لدرجة أن الأزمات والعقوبات الدنيوية لا تكفي لتطهيرها؛ فمثلًا: إن جزاء الجرائم الجسيمة من انتهاكٍ للقانون، وتعدٍّ على حقوق العباد، وتهديد سلامة أرواح الناس وممتلكاتهم، والتلاعب بأعراضهم وشرفهم، ومقارفة أدناس الكفر والشرك والنفاق؛ لا يُرى إلا في الآخرة.

يستحيل علينا أن نعرف الحكمة؛ فالله يذيق البعض العذاب هنا، والبعضَ الآخر في الآخرة، فإن كنا لا نريد أن نعاني مثل هذا الخجل في الدنيا والآخرة فعلينا أن نضبط ألسنتنا عند الحديث عن الناس جميعًا، لا سيما المؤمنين منهم، بل وأن نراجع أفكارَنا بشأنهم.

ذلك أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّة[2]، ويقصد بالأول اللسانَ، وهو ما يسهُلُ إلجامه في البداية، ويصعبُ للغاية إصلاحُ ما تحطم وانهار بعد أن يمرّ منه الكلام، لذا فعلى مَن اغتابَ أحدًا أو عابه بسبب أخطائه وذنوبه أن يأتيه فيستسمحه عن ذلك على الأقل، وإلا يكون قد انتقل إلى الآخرة وعليه حقٌّ لِعبد، ومن المسلَّمِ أن هذا ليس بالأمر السهل؛ إذ يجب على الإنسان أن يغلق فمَه منذ البداية ويضمنَ سلامةَ ما بين لحييه بدلًا من الانسحاق تحت وطأة المشكلة وفداحتها.

فالحذرَ الحذرَ حتى حينما يقتضي الأمرُ إبلاغًا عن حادث ما، وعلينا ألا نتجاوز الإطار، وألا ننتهك الحدود، وأن نبرأَ من الغرض والطمعِ عند طرح أية مسألة للحديث، وأن نحذرَ من إيذاء أيِّ أحدٍ بسبب كلماتنا، وإلا فإن كانت جلساتنا وأحاديثُنا من قبيلِ “فلانٌ فعل كذا، وعلّانٌ فعل كذا، ولهذا السبب أصابنا ما أصابنا”، وانشغلنا بخطايا الناسِ وهفواتهم وسوء الظن بهم فإننا نؤلم الكثيرين ونظلم الناس ونرحل إلى الآخرة محمّلين بالخطايا والآثام.

من جانب آخر فقد صرّحَ النبي صلى الله عليه وسلم بأنّ من يعيب أخًا لذنب فعله يُعاقب بأن يأتي مثل ما أتى أخوه، وعليه يا تُرى كيف يكون موقف من يعيبون إخوانهم لأخطاء وذنوب لم يرتكبوها؟! من المؤكد أن أفعالًا مثل تشويه حيثية الأبرياء بالأكاذيب والافتراءات، ووسمهم بالجريمة من خلال المؤامرات والمكائد؛ ذنوبٌ جسيمة، كلٌّ منها أعظم من الآخر عند الله تعالى، لا سيما إذا كان المستهدفُ مجموعةً كبيرة وليس شخصًا واحدًا؛ فإذا ما سعى المفترون إلى تشويه طائفةٍ كبيرة من الناس بإلقاء الوحل والقاذورات عليهم والتلاعب بكرامتهم؛ فقد تحتّم الفشلُ واستحال الفلاحُ على أولئك المفترين.. لا توجد وسيلةٌ لتخليصهم من الذنوب والآثام إلا إذا قام كل امرئ منهم بطلب السماح من أفراد تلك المجموعة التي عابوها وعيّروها فردًا فردًا، لذلك فإنه من غير المحتمل أن يقوم مؤمن حقيقي بفعل مثل هذه الألاعيب الخاصة بذوي النفاق والكفر.

أجل، بقدر حساسية المؤمن في حماية كرامته وشرفه؛ فإنه مطالَبٌ بأن يُظهر الحساسية ذاتها بحق الآخرين أيضًا، يجب عليه ألا يؤذي أحدًا، لا بيده ولا بلسانه، بل عليه أن يطهّر حتى ذهنه من الأفكار القذرة، ويجعل إحسانَ الظن بالناس طبعَه وفطرتَه، فالأصلُ أن المؤمن -بالنظر إلى معنى الكلمة- يعني الشخص الأمين الذي يثق به ويأمنُه الجميع، فالمؤمنُ الحقيقيُّ يغرسُ ثقة هكذا في محيطه بحيث لا يقلقُ أو يتخوّف أحدٌ منه أبدًا؛ فلا يجد الآخرون قبالته أيَّ ذعر حقيقي أو وهمي؛ ولا يخافون أن يطعنهم من الخلف إذا ما أداروا ظهورهم، بل يعلمون أنهم حتى لو تسبّبوا بإيذائه فلن يتسبَّب هو في إيذائهم وإن استطاع، هذا لأن للمؤمن حدودًا معينة لا يستطيع تجاوزها أبدًا ومبادئ أساسية لا يمكنه انتهاكها ألبتة.

من المهم جدًّا أن تصبح بعض المواقف والسلوكيات سمة وسجية في المرء، وكل شخص لديه سجية خاصة به تنبع من الفطرة الإنسانية، ولكن هناك أيضًا السجية والشخصية الإسلامية المكتسبة لاحقًا، ويستطيع المسلم الذي يمثل الشخصية الإسلامية أداء بعض السلوكيات التي تستلزمها الأخلاق الحميدة دون أية صعوبة، فإن عُجِنَ إنسان في بوتقة إسلامية وتخلَّق بالأخلاق الإسلامية، فإنه لا يتخلى عن شخصيته حتى عند مواجهة المواقف العدائية للطغاة والمعتدين، ولا يرد عليهم بمثل ما فعلوه معه، أو بالأحرى لا ينزل إلى مستوى الناس العاديين.

ولكننا إن لم نتمكن من جعل الأخلاق الحميدة طبيعة فينا، فإننا نعاني صعوبة في بعض القضايا، ولا يمكننا دائمًا إظهار الصمود والثبات ذاته، وحتى لو تصرفنا برحمة إزاء الجميع فقد ننفعل إذا ما أُغضِبنَا ولو قليلًا، قد نعاني من عدم الخبرة في ردود أفعالنا، وتعاملِنا مع الناس بين الحين والآخر، ونفسد الأعمال التي سنقوم بها، ومن هذه الزاوية، فإنه مهمٌّ للغاية أن نجعل الأخلاق الإسلامية طبيعةً وجبلَّةً فينا بالضغط على أنفسنا قليلًا والتمرس والتدريب والترويض الدائم على ذلك.

   النهي عن التجسُّس

أجل، حرَّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم تعييرَ المؤمنين بسبب أخطائهم وذنوبهم، وأشارَ إلى أن الإسلام ليس فيه أيُّ تكليفٍ بالتحرِّي عن الشرور والسعي إلى الاطلاع على خطايا الآخرين، على العكس من ذلك، لقد حرّم القرآن الكريم هذا الأمرَ تحريمًا قاطعًا بقول الله تعالى ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ (سورة الْحُجُرَاتِ: 49/12).

إن من ينشغلون دائمًا في التحقيق بأخطاء وعيوب الناس، مثلهم في ذلك مثل صياد شرير، سوف تتلوث طبائعهم وتتشوه فِطَرُهم شيئًا فشيئًا، وإذا ما تلوّثت طبائعهم فلن يقتصر التعييرُ والإساءةُ على المذنبين والمخطئين فقط؛ بل سَيَشْرَع ذووا الطبائع الملوثة في تشويه الأبرياء الأطهار أيضًا.. وخلافًا لذلك، فإن المرء إذا درَّب نفسَه على عدم الخوضِ في خطايا الناسِ حتى المذنبين منهم، ونزّهَ نفسه عن ذلك مهما خاضَ الناسُ فيه، وبرمَجَ نفسه على أن يكون ذلك فيه سجيّةً وفِطرةً؛ فإنه سينثر الضياء في من حوله وما حوله.

إنني كثيرًا ما أذكّر بقول الإمام الخادمي في تعليقه المسمى “البريقة” الذي كتبه حول “الطريقة المحمدية: “حتى وإن رأيتَ مؤمنًا في حالة سيئةً جدًّا، فلا تحكم عليه فورًا، امسح عينيك، وقل: “يا تُرى هل أنا أُبْصِرُ بشكل صحيح؟ هذا الرجل لا يرتكب ألبتة مثل هذه الخطيئة”، واستدِرْ ثم انظر ثانيةً، وتحقّق مما إذا كنتَ ترى بشكل صحيح أو لا حتى لا تتخذ قرارًا خاطئًا، تحقّقْ مرة أخرى معتقدًا أنك قد تكون مخطئًا، فإن فعلت هذا عشر مرات، وتكوَّنَتْ لديك القناعة بأن ما تراه صحيحًا فابتعِدْ قائلًا “إلهي! اللهم خلِّصْه من هذا الحال المشين، واحفظني من أن أقع في مثله”.

ومع أن الإمام الخادمي يريد بكلماته هذه أن يذكرنا بحقيقة مهمة، فإنني أعتقد أن السلوك الأصوب لأي شخص يواجه مثل هذه الخطيئة هو أن يقول: “ربما أنني رأيت بشكلٍ خاطئ”، ويولّه ظهره من أول نظرة، ويبرح المكان فورًا، ويبتعد من هناك، وألا يذكر ما رآه في أي مكان على الإطلاق؛ لأن الله لم يعيِّنَّا مدّعِين عموميين ولا محققين عن خطايا الآخرين.

لنضعْ نصب أعيننا دائمًا أن أحدَ أسماء الله الحسنى “الستار”؛ أي ستَّار العيوب والذنوب، وواجبُ المسلم هو أن يتحلى بهذا الخلُق، وانطلاقًا من هذه الحقيقة يقول صلوات الله وسلامه عليه: “مَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ[3]، وقد تعرض لنا أشياء كثيرة في الدنيا تخجلنا في الآخرة، إن لم نتحلَّ بهذا الخلق في هذه الدنيا فقد نفتضح في الدار الآخرة؛ أي إن الفضيحة والذلة التي نذيقها الآخرين في هذه الدنيا تحط علينا وتطوقنا في الآخرة، ومن الأفضل كفُّ البحث عن عيوب الآخرين وهفواتهم، فإذا ما اطّلَعْنا على ذلك صدفةً علينا ألا نكشفه للآخرين أو نتحدّث فيه.

   النهي عن التحقير والإيذاء

قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر من أحاديثه الشريفة: “بِحَسْبِ امْرئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ[4]، لا يمكن الاستهانة بأي شخص يؤمن بالله تعالى، وحتى وإن لم يكن مسلمًا؛ فإننا بحسب فهم سيدنا عليٍّ رضي الله عنه لا يمكننا تحقير أحدٍ أبدًا لأن جميع البشر متساوون معنا من حيث كونهم بشرًا، قد تكون لدى البعض صفات سيئة لا نقبلها؛ مثل الكفر والنفاق والضلال، وفي هذه الحالة يكون من غير اللائق بالنسبة للمؤمن مهاجمة هؤلاء الأفراد من خلال استهدافهم، بل يجب بذلُ الجهود لإنقاذ هؤلاء الأشخاص من تلك الصفات السيئة التي نبغضها؛ ذلك أن مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم لم يُهن أو يُقلّل من شأن أيِّ شخص طوال حياته السَّنية.

بالشكل نفسه لا يمكن للمؤمن أن يقول بالنسبة لإنسان زلَّت قدمُه أو سقط على الأرض: “لأركلَه أنا أيضًا ركلةً أخرى”، لا يمكن للمؤمن أبدًا أن يكون واحدًا من السفاحين الذين يتسابقون إلى طعنِ من زلّتْ قدمُه وفقًا للمثل القائل: “إذا وقع الجملُ كثرت سكاكينه”، لا يمكن للمؤمن أن يطعن في حقِّ مَن وقعَ أو أخطأَ ولا أن يشنّعَ به ويتكلّم بعيوبه ويجعل منها حكاية تتناقلها الألسن، ولا يُخجله أو يُحرجه بأن يتحدث معه عن ذلك أمام الآخرين، لا سيما وأن إفشاء الأخطاء والذنوب التي وقعت وتضخيمَها والمبالغةَ فيها والحديث عنها هنا وهناك ليس من سلوك المؤمن بالتأكيد، إن الواجبَ على المؤمن هو أن يقدر ويحترم ويحفظ كرامة ومكانة وشرف جميع الناس كما يفعل ذلك لنفسه، إن واجبه إزاء أخطاء الآخرين وذنوبهم هو الاعتبار من حالهم، وبذل الجهد في مساعدتهم إن كان بوسعه، والتضرع إلى الله بالدعاء ألا يضعه في نفس الموقف.

إنه لَأَمْرٌ مؤلم حقًّا -خاصة بالنسبة لمن يتمتعون بسمعة عالية ومناصب اجتماعية- أن يجري الحديث هنا وهناك عن أخطاء وذنوب ارتكبوها، لأن أُسَرَهم وبيئتهم ومجتمعهم ينظرون إليهم نظرة مختلفة، لقد اعتادوا على التقدير والتصفيق لهم، ورفعوهم على كفوف الراحة، وبذلوا لهم الاحترام والتقدير، فمن غير المناسب الحطُّ من مكانتهم في أعين الناس تجاهلًا لوضعهم وموقعهم طالما لم يكن ذلك واجبًا علينا، ولنحذر من التورُّطِ في الحوادث التي تقع ضدهم، وحتى إذا كان هناك أيُّ جانب من المسألة يتعلق بنا، فينبغي لنا ألا نترك أو نتخلّى عن خُلُقِ اللين وخصلةِ الرفق، وأن نتنبّه ألا نضر أحدًا؛ فأخلاقُ المؤمن تتطلب هذا.

إن إحراجَ الآخرين وإيذاءهم لنا ليسَ عذرًا أو حجّةً لممارسة الفعلِ ذاته، لا يمكنُنا احتقارُ أيّ شخص حتى وإن احتقرَنا، لا يمكننا أن نُحرج أحدًا حتى وإن أَحرَجنا، لا نستطيع إيذاءَ إنسان حتى وإن آذانا، لأن إيذاء الناس وكسرَهم يُعتبر زلة وهفوة في منهجنا، إن إيذاءَ شخصٍ لآخرَ يُحسَبُ زلّةً على البادي المعتدي، فإذا ما قام المعتدى عليه بالرد بنفسِ الطريقة فسيقعُ في الخطإ نفسه وسيُحسبُ ذلك عليه زلة أيضًا، إذا كنتم تعتقدون أن الشتم والإيذاء والسلوكيات الوقحة أمر مخزٍ، فيجب عليكم ألا ترتكبوها مهما حصل، يجب ألا تنسوا كذلك أن الصبر على افتراءات الآخرين وتعييبهم إياكم وتشهيرهم بكم سيكون بمثابة كفارة لخطاياكم.

وما أجمل قول إبراهيم حقي:

لا تحْقِرنَّ أحدًا ولا تؤذه

ولا تحطِّمن قلبًا

لا تنصُرنّ نفسك

لِنرَ ماذا يقدر المولى

فما يقدر المولى هو الأجمل!

ويعبر الشيخ محمد لطفي أفندي كذلك عن الحقيقة نفسها بهذه الرباعية:

يقول عاشق الحقّ عن مُرهَفِ الحِسِّ:

لا تـمـتعـض مـمّـن يؤذي

فمن امتعض من الأذى

قلّتْ درجتُه عن المؤذي

تعلمون أن بعض الأوساط التي ناصبتنا العداء حتى اليوم هاجَمَتْنا وآذَتْنا عدة مرات، فهدّموا الجسور وقطعوا السبل، لقد قطعوا كل وسائل الاتصال البينية، وأحدثوا دمارًا وخرابًا خطيرًا للغاية بأكاذيبهم وافتراءاتهم وتشويهاتهم، واستباحوا بحقِّنا كل أنواع الظلم والقسوة عندما أُتيحت لهم الفرصة، ولا سيما في الفترة الأخيرة فقد ارتُكبت مظالم قاسية جدًّا هدفها السحقُ والإبادة التامة، ارتكبت شرورٌ تصل إلى حد الإبادة الجماعية، وبالرغم من كل ذلك فإننا لم نفكر في أن ننشغل بعيوب أحد على الإطلاق مثلما لم ننشغل في الرد بالمثل على ما فُعل إزاءنا، لم نفكر في ذلك ولو حتى مجرد تفكير.

 

***

[1] سنن الترمذي، صفة القيامة، 53.

[2] صحيح البخاري، الرقاق، 23.

[3] صحيح مسلم، الذكر، 38.

[4] صحيح مسلم، البر، 32.

الجَرَّة المشروخة: سلطان الدنيا والعقبى

Herkul | | العربية

   سؤال: قد تُرتكب أخطاء عند مطالعة الجوانب البشرية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المذكورة في كتب السِّير أو تناول بعض الأحوال والأوصاف الخاصة به، فما هي الأمور الواجب الانتباه إليها حتى يتسنى الحديث عنه بشكل يتلاءم مع مستواه ومكانته عليه الصلاة والسلام؟

   الجواب: من المؤسف أنّه يوجد في عصرنا فئة تتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتحدث عنه وكأنه شخص عاديّ، لهذا السبب هناك أناس كثيرون يخطئون بشأن مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم، نسأله سبحانه ألّا يحرمنا الاستقامة؛ فكُلُّ كلمة لا تناسب شخصيته المعنوية النورانية أو رسالته النبوية هي زلَّة، ومن يقع في مستنقع القناعات والأفكار الخاطئة بحقّه عليه الصلاة والسلام ربما يتعرّض للوقوع في زلات بحق الله تعالى كذلك، حفظنا الله جميعًا.

إنه عليه الصلاة والسلام دليلُ المؤمنين الأكمل، لهذا السبب فإن من يغادر الطريق الرئيس الذي سار عليه تتفرق به السبل وتتشعّب دون أن يدري، وبالتالي فإنه يبتعد عن الله، ذلك أن القريب من سيدنا رسول الله يكون قريبًا من الله تعالى، ومن يبتعد عنه مدركًا ذلك أو غير مدرك يكنْ قد ابتعد عن الله عز وجل، ومن المؤسف أن كثيرًا من الناس في الوقت الحاضر يتناولونه كشخص عادي، ويبتعدون عنه لأنهم يعيشون تحت سيطرة رغباتهم وأهوائهم.

   نظرة كلية إلى سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام

دُوّنت كتبٌ ومدوّناتٌ كثيرةٌ في السِّيَرِ والمغازي والطبقات والشمائل والدلائل التي تتناول حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوصافَه النبوية وصفاته البشرية بمختلف جوانبها، ومما لا شك فيه أن كل هذه الكتب مهمة للغاية من حيث معرفته وفهمه حق المعرفة والفهم، لكن علينا ألَّا ننسى أن الأحداثَ التي قصّها أولئك الأشخاص العظام كُتَّابُ هذه الأعمال المذكورة، والمعلوماتِ التي قدموها ترتبط -في جانب منها- ببعض الملاحظات الشخصية وبأسلوب إحساسهم وتصوّرهم الخاص، وهم بالنظر إلى النتيجة سجلوا ما سمعوه وفهموه وأدركوا معناه، لهذا السبب فإنه عند قراءة الكتب التي تتناول أحوالَ رسول الله وأوصافَه فقد تُطرح بعضُ الملاحظات التي لن تلائم عظَمة قامته ومكانته، ومن ثمَّ فلا بد من جمع كل الأقوال والكلام الذي قيل بحق النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم والنظر إليه عليه الصلاة والسلام نظرة كلية ومخروطية شمولية من خلال جميع الأقوال والتعبيرات والأوصاف.

ومما لا ريب فيه أن الصحابة الكرام يعرفون بشريةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عن قرب، ولا سيما كبار الصحابة مثل سيدنا أبي بكر وسيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا علي رضي الله عنهم، فقد قرؤوه أفضل منا، وشربوا من هذا المنهل العذب المورود حتى ارتووا، ولم يكتفوا بأن يستفيدوا منه هم فحسب؛ بل نقلوا كلَّ شيء سمعوه ورأوه منه إلى الأجيال التالية حتى تتعرف عليه، وواجبُنا هو احترام هذه المعلومات الواردة عنهم بطريق النقل والاستفادة منها، فكل واحد من الصحابة الكرام أحسَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم بعمق مختلف من أعماقه، فإن جمعنا كلامهم ونظرنا هكذا إلى الشخصية الأحمدية حينها نستطيع أن نراه ونعرفه على نحو يليق بمستواه وقيمته ومكانته عليه الصلاة والسلام.

الإيمان بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والارتباط بسنَّته هو وسيلة النجاة بالنسبة للمسلمين؛ فالقدرة على إدراك عظمته كونه صاحب النور الأول وغاية الخلقة أمر مهم للغاية، وثمة عبارة مشهورة تدور بين الصوفية بصفة خاصة، وذلك على الرغم من انتقادها من حيث علم السندِ ومصطلح الحديث، يقول فيها الله تعالى “لَوْلَاكَ مَا خَلَقْتُ الْأَفْلَاكَ”، وقد كتب المرحوم نجيب فاضل كتابًا حول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع له عنوانًا مفاده “ذلك الذي نحن بسببه موجودون”.

لو لم يكن هو الشخص الذي سيضطلع بمهمة التشريفات لمشاهدي محشر الكون لما أمكن فهم معنى هذا الكون؛ ولما تسنى معرفة أن الوجود عبارة عن تجلي أسماء الله تعالى؛ ولتعذرت معرفة الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته السبحانية، والأمر بالمثل بالنسبة للناس؛ فقد كانوا يعيشون ولا يدرون أنهم ضيوف في الدنيا وسيرحلون منها إلى عالم آخر؛ فكانوا عاجزين عن العثور على الطريقِ المستقيم والسيرِ باستقامةٍ والوصولِ إلى الأفق الذي يجب عليهم أن يصلوا إليه، فإن كنا نعلم شيئًا في كل هذه القضايا فإنما نعلمه بفضله عليه الصلاة والسلام، وتعبيرًا عن هذه الحقيقة يقول محمد عاكف:

مدين له مجتمعه، مدينون له أفراده؛

مَدينة لهذا المعصوم البشرية جمعاء

يا رب! احشرنا بهذا الإقرار يوم الحشر!

وعليه فإنه يستحيل على كتب السيرة أن تحتوي كلَّ كمالاته الشخصية.

ويعبر بديع الزمان عن هذه الحقيقة في أحد المواضع فيقول: “هذا النبي المبارك الذي هو أنبل نتائج الكون وأكمل ثمراته والمبلّغ عن خالق الكون، وحبيب رب العالمين، ماهيتُه الكاملةُ وحقيقةُ كمالاته لا تحصرها الأحوال والأطوار البشرية التي ذكرَتْها كتب السيرة والتاريخ، فأنّى لهذه الشخصية المباركة الذي كان كلّ من جبرائيل وميكائيل مرافقين أمينين له في غزوة بدر أن تنحصر في حالة ظاهرية أو أن تظهرها بجلاء حادثة بشرية كالتي وقعت مع صاحب الفرس الذي ابتاع الفرس منه ولكنه أنكر هذا البيع وطلب من الرسول الكريم شاهدًا يصدّقه فتقدم الصحابي الجليل “خزيمة” بالشهادة له، ولئلا يقع أحدٌ في غائلة الخطإ يلزم من يسمع أوصافه البشرية الاعتيادية أن يرفع بصره دومًا عاليًا لينظر إلى ماهيته الحقيقية، وإلى شخصيته المعنوية النورانية الشامخة في قمة مرتبة الرسالة، وإلا أساء الأدب، ووقع في الشبهة والوهم”[1].

أجل، يجب ألا يُنظر إلى بعض الأحوال والأطوار البشرية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيُعتبر شخصًا عاديًّا كما يفعل البعض، فإلى جانب هذه النوعية من معاملاته يجب ألَّا يُنسى أبدًا أنه صاحب مقام الجمع، وأنه على اتصال دائم بعوالم ما وراء السماوات، وأن الله أمطره بالوحي زخًّا زخًّا، وصدرت عنه معجزات شتى، ومثَّل الأخلاق القرآنية أفضل تمثيل، لا بد من اعتبار كونه في معية الله الحق حتى وهو بين الناس، وأنه كان يتعامل معهم تعاملًا مختلفًا.

وعلى حد تعبير “البوصيري” فحتى المعجزات -مثل انقسام القمر إلى نصفين بإشارة واحدة منه، وجريان الماء فياضًا من بين أصابعه، وتحقق الشبع لجيش كامل بمؤونة قليلة، وتوضؤ ثلاثمائة فرد بقربة ماء- كل ذلك لا يكفي لإظهار قيمته الحقيقية، فلو أن المعجزات جرت وفقًا لعظمته لكان يلزم أن ينبعث الموتى من فورهم إذا ما قُرئ الاسم المحمدي فوقهم.

وفي موضع آخر يقول الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي كما أنه يتعذر عند النظر إلى البيضة التي خرج منها طائر الطاووس فهمُ جماله الذي يبهر العيون وإدراكُه؛ فإنه لا يتيسر إدراك قيمة الشخصية المعنوية له عليه الصلاة والسلام ودرجتها عند النظر لبداية حياته نظرًا ماديًّا سطحيًّا صوريًّا، ومن أجل إدراك قيمته الحقيقية يلزم النظر إلى الأنوار التي نشرها في كل الأرجاء[2]. أجل؛ إن طائر الطاووس بالنظر إلى بدايته خرج من بيضة، ولكنه بدأ لاحقًا يستعرض قوامه بألوانه التي تبهر العيون وزخارفه المتباينة الألوان، وجماله المُحيِّر، فيجب النظر إليه من هذه الزاوية.

وعلى ذات الشاكلة يجب أن يكون النظر إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ يجب ألا نعلَق بقشر البيضة، فإن يجرِ تناول رسول الله باعتبار الأب والأم فحسب، والمنزل الذي نشأ فيه والبيئة التي كبِر فيها، ويُنظر إليه على أنه يتيم أبي طالب يستحلْ إدراك قدره وقيمته الحقيقية عليه الصلاة والسلام، إنه إنسان فريدٌ خلقَه الله تعالى في ماهية مخصوصة.. وإن صح التعبيرُ؛ فمن خلاله تنظر الذات الإلهية إلى الوجود، والعظماءُ الذين أدركوا قيمتَه هذه لم يُهملوا في دعائهم أن يطلبوا معيةَ الحبيب الأكرم إلى جانب معيةِ الله، ولقاءَ الحبيب الأكرم إلى جانب لقاءِ الله تعالى، وعليه يجب السعي إلى الإحساس به ومعرفته بكل جوانبه هذه عليه الصلاة والسلام.

وكما قال البوصيري أيضًا فإنه صلى الله عليه وسلم، بالرغم من كونه بشرًا، إلا أنه ليس بشرًا عاديًّا، إنَّ له يدين ورجلين وعينين وأذنين مثلنا تمامًا ويأكل ويشرب ويبيع ويشتري ويقضي غير ذلك من احتياجاته البشرية؛ إلا أنّ له -إلى جانب هذا- روحًا فريدة ولطائف ربانية وسرًّا وخفيًّا وأخفى، فإن لم يُنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل خصوصياته هذه فليس ممكنًا مشاهدة قيمته ومكانته الحقيقية ولا معرفتها.

محمد بشر وليس كالبشر ** بل هو ياقوتة والناس كالحجر

لا جرمَ أن إدراك مثل هذه النظرة قد لا يتيسر للجميع، علاوة على أن معرفة وفهمًا هكذا ليس ضروريًّا من أجل النجاة الأخروية، فباعتبار النتيجة يَعرفُ كلُّ مؤمن رسولَ الله بحسب معرفته واعتقاده وأفقه، فإن كان شخص يقول “محمد رسول الله” ويخلص لهذا العهد والشهادة فإنه يُرجى له أن ينجو بعناية الله وإحسانه ورحمته، ولكن هذه قضية مختلفة، الأمر الذي نقف عليه هنا هو معرفة سيدنا رسول الله بعمقه الذاتي، وجوانب حقيقته الأحمدية وحقيقته المحمدية.

   مهاجر أفق الإنسانية

إن الكلام عن سيدنا صلى الله عليه وسلم يمثل عشر معشار ما يجب أن يُقال بشأنه، إنه سلطان الدنيا والعقبى، إنه أول موجود -التعيين الأول- ظهر كنواة في العلم الإلهي، وكما يمكن النظر إليه من هذا الجانب على أنه نواة شجرة الكون من حيث الحقيقة الأحمدية؛ فإنه يمكن النظر إليه على أنه ثمرة تلك الشجرة من حيث الحقيقة المحمدية، ذلك أنه مثلما كان أول مخلوق ظهورًا بين المخلوقات من ناحية ماهيته ووضعه؛ فإنه من الجانب الآخر، وبالنظر إلى الرسالة التي جاء بها، قد وجَّه الإنسانية جمعاء إلى الله تعالى.

إذا اعتُبر الكون كتابًا فإن النور المحمدي هو مداد قلم كاتب ذلك الكتاب، فقد زين الله جل جلاله خطوط هذا الكتاب بمداد سيدنا أحمد صلى الله عليه وسلم، ويمكن القول كانت هناك أشياء خاصة به في جميع أسطر الكون، وإذا ما اعتُبر الكون معرضًا فإن النور المحمدي هو أمينُه ومرشده على حد سواء، ومن هذه الزاوية فإنه لا بد عند النظر إلى رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من أن توضع في الاعتبار الحقيقة الأحمدية إلى جانب الحقيقة المحمدية، وتجري مطالعتهما سويًّا، عندئذ نستطيع أن نفهم كيف أن باب الكون انفتح بسيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي هو مفتاح سري وسحري، وأن الله خلق الوجود تقديرًا لحرمة ماء وجهه.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنظر إلى شمائله هذه هو مهاجر أفق الإنسانية، فبينما يأتي من عالم الأرواح أو من عالم التعيين الأول هاجر هجرة مهمة؛ إذ إن خروجه من الوضع الذي هو فيه وهجرته مثل هذه الهجرة أثقل من الهجرة التي قام بها من مكة إلى المدينة، فهجرة مفخرة الإنسانية إلى أفق الإنسانية يعني ولادتها من جديد؛ لأن العلاقة التي ستؤسسها بخالقها تساوي وجود وعدم إنسان لا يعرف الغاية من الخلق، والمقصد من البعث إلى الدنيا، وإلى أين ارتحل، إنَّ معلّمَ كل هؤلاء الأمور للإنسانية وموجدَ حلول مثل هذه النوعية من المشكلات الإنسانية هو محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم، فالواقع أن ما جاء به من قوة الطرد المركزي وصل تأثيره حتى يومنا هذا، ومع ذلك فهذه أمور خاصة بالعلم الإلهي وخطة القدر وعالم الغيب بمعنى ما، أما وجودها خارج العلم الإلهي وتشكل مجموعة من الكيانات في العالم الخارجي فيختلف عن هذا.

   الإنسان الكامل حقًّا

لقد عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنه أخروي حتى في الدنيا، لقد عاش حياته كلها لربه حامدًا، وبليله قائمًا ذاكرًا، لدرجة أنه يَذكر في إحدى المرات أنه يتحصل من عبوديته لله تعالى على المتعة واللذة التي يحصل عليها الأشخاص العاديون من الأكل والشرب والتنزه أو من غير ذلك من المتع الجسمانية، لقد كان يشعر من تعبده لربه وعبوديته له بعشق وشوق عظيمين، ولا ريب في أن هذا أيضًا يكشف عمقه في المعرفة، أما بعض المعاملات والتصرفات التي قام بها فيما يتعلق بالدنيا فقد كانت إحدى لوازم رسالته وتمثيله للدين الحق الذي جاء به، كان يهدف إلى تعليم أمته كيفية التصرف في مثل هذه الأمور، وإلا فلم يكن له كبيرُ تعلُّقٍ بالدنيا.

وعلى حد قول الجيلي فإن الإنسان الكامل حقًّا هو مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم وكونه الإنسان الكامل هو أحد نتائج عبوديته الحقة لله، ناهيك عن رسالته.. لقد حقق ذروة الكمال الإنساني في ظل عبوديته لله، وبالشكل نفسه فإن المعراج مكافأة له على عبوديته، لقد عرج سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدًا لله؛ ورفرف وسار بولايته، واكتسب بعبوديته شفافية لا حد لها حتى إنه -وعلى حد تعبير الأستاذ- ارتقى إلى المعراج بجسده الكوكبي النوراني، لم يستطع أن يمنعه قانون الجاذبية الأرضية، ولا قوة الاحتكاك، ولا قيد الزمان والمكان، لقد ساح في ظل ولايته إلى عوالم ما وراء الطبيعة، ودخل هناك في بُعد طُويت فيه تحت قدميه مسافات تُقطع في آلاف السنين، رأى ما لم يُر، وسمع ما لم يُسمع، وحل بإذن الله تعالى ما استعصى من المشاكل على الحل، وتيسر له -وهو لا يزال حيًّا- لقاء الله ورؤيته تعالى.

ثم عاد بالرسالة من رحلة المعراج، وجاء أمته برسائل وبشارات، وعاد إلى موطن المحنة والبلاء هذا ثانية كي يأخذ بيد البشر ويبلغهم ما سمع، ويقدم لهم ما رأى، ويوصلهم إلى نفس المائدة الربانية، وأتم رحلة عروجه بالنزول منها، وبعد أن وصل إلى أفق “قاب قوسين أو أدنى” عاد مجددًا إلى ديار أمثال أبي لهب وعتبة وشيبة وعقبة بن أبي معيط، ترك نعيمَ الجنة وعاد إلى الحياة والدنيا المريرة، وهذا تعبير عن الحب والمودة العميقة التي يشعر بها تجاه أمته.

لَمَّا اقْتَرَفَ آدَمُ الْخَطِيئَةَ قَالَ: يَا رَبِّ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ لَما غَفَرْتَ لِي، فَقَالَ اللَّهُ: يَا آدَمُ، وَكَيْفَ عَرَفْتَ مُحَمَّدًا وَلَمْ أَخْلُقْهُ؟ قَالَ: يَا رَبِّ، لِأَنَّكَ لَمَّا خَلَقْتَنِي بِيَدِكَ وَنَفَخْتَ فِيَّ مِنْ رُوحِكَ رَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ عَلَى قَوَائِمِ الْعَرْشِ مَكْتُوبًا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَعَلِمْتُ أَنَّكَ لَمْ تُضِفْ إِلَى اسْمِكَ إِلَّا أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَيْكَ، فَقَالَ اللَّهُ: صَدَقْتَ يَا آدَمُ، إِنَّهُ لَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَيَّ ادْعُنِي بِحَقِّهِ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ وَلَوْلَا مُحَمَّدٌ مَا خَلَقْتُكَ”[3]، ومثلما فعل سيدنا آدم عليه السلام فإننا نحن أيضًا نتخذ النبي الأكرم عليه الصلاة والسلام شفيعًا في أدعيتنا، وعلى الرغم من أن البعض قد يعترض، فإن روحانيته بالنسبة لنا تشبه الصوبة الزراعية بالنسبة للزروع، فنحن نشعر بالأمان ونحن في مناخه وبيئته.

وكما لُذْنا هنا بصوبته وكنفه نأمل أن نجتمع تحت لواء حمده في الآخرة بمشيئة الله تعالى، إنه صاحب لواء الحمد، ومن يلوذون بلوائه ينجون بلطف الله تعالى وكرمه دون أن يتعرضوا لأي سؤال صعب.

وحاصل الكلام أن واجبنا الأهم هو أن نبلغ الإنسانية جمعاء بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكل خصوصياته وأعماقه هذه، ونحببها فيه، ذلك أن التحبيب فيه يعني تحبيبًا في الله تعالى في الوقت نفسه، فمن يتوجه إليه عليه الصلاة والسلام حتمًا سيتوجه إلى الله، فالطرق المؤدية إلى الله تمر من خلاله عليه الصلاة والسلام، ولما كان وصفه بكلمة “جسر” عليه الصلاة والسلام سوء أدب يمكننا أن نقول إنه “نقطة العبور” أو “الوسيلة”، من يصل إليه ويبلغ محيطه النوراني سيصل بالتالي إلى الله تعالى، ومن لم يصل إليه، ويلتقِ به ويستنشق هواءه المُنعش يصعبْ عليه الوصول إلى الله تعالى.

***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب التاسع عشر، ص 105.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: المثنوي النورية، ص 182.

[3] الحاكم، المستدرك على الصحيحين، 2/672.

الجَرَّة المشروخة: الاستقامة

Herkul | | العربية

   سؤال: كيف ينبغي لنا أن نفهم قول الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم “شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأَخَوَاتُهَا”[1]؟

   الجواب: ورد أنَّ أبا عليٍّ السري رضي الله عنه قال: رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: “يَا رَسُولَ اللهِ رُوِيَ عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ: “شَيَّبَتْنِي هُودٌ” قَالَ: “نَعَمْ” فَقلتُ له: “مَا الَّذِي شَيَّبَكَ مِنْهُ قَصَصُ الْأَنْبِيَاءِ وَهَلَاكُ الْأُمَمِ؟” فأجاب عليه الصلاة والسلام: “لَا، وَلَكِنْ قَوْلُهُ ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (سورة هُودٍ: 11/112)”[2]، والحقيقة أن هناك سورًا وآياتٍ أخرى أحنت ظهر النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه ذكر هذه الآية بصفة خاصة؛ لأن أمر الاستقامة لا حد له ولا نهاية؛ إذ إنه لم يوضع هنا حدٌّ معين كأداء خمس صلوات وصيام شهر واحد، فسيد السادات صلى الله عليه وسلم صاحب الوجدان القادر على فهم الوحي السماوي في إطار سعته وشموله يستخرج معاني واسعة جدًّا من هذه الآية، وبالتالي فإنه يجد صعوبة بالغة في الوفاء بهذا الأمر بالنسبة له.

لا ريب أن كل إنسان سيفهم هذا النوع من الآيات حسب مستواه، فلو سألنا شخصًا عاديًّا: ما هو التكليف المقصود بهذه الآية؟ فإنه يجيب: “الاستقامةُ هي أن تؤدِّي الصلوات الخمس التزامًا بشروطها وأركانها، وتصومَ رمضان كما يجب، وتخرج زكاة مالك إن كان لك مال بلغ النصاب، وتحج البيت إن كنت تستطيع، وتجتنب كبائر الذنوب”.. وربما يجيب آخر عن هذا السؤال هكذا: “الاستقامةُ هي أداءُ الفروض والواجبات بحساسية وعناية، واتّقاءُ المحرمات، والتصرُّف بحذر إزاء المكروهات، وتركُ بعض المباحات خوفًا من أن تكون مكروهة، وأن تدورَ الحياةُ في فلك التقوى”.

   كيف فهم سيدنا رسول الله الاستقامة؟

إن المعنى الذي فهمه سيدنا رسول الله من هذه الآية أكثر اختلافًا مما تقدم، وذلك بالنسبة له هو صلى الله عليه وسلم، وربما أنه لهذا السبب كان صلى الله عليه وسلم يتعبّد ليلًا حتى تتورّم قدماه، ولا سيما أنه واصل فعل ذلك عندما تقدَّم به العمر فكان يصلي النوافل جالسًا حيث لا يستطيع الوقوف على قدميه، وبحسب ما عرفناه من الصحابة الكرام فقد كان يقرأ البقرةَ وآل عمران والنساء في ركعة واحدة أحيانًا، ويكرر قراءة الآيات التي تدعو المؤمنين إلى التفكر حول كتاب الكون، ويبكي منتحبًا شجيًّا.. وذات يوم سألته أمنا عائشة رضي الله عنها إزاء فعله هذا أنْ “أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟” فأجابها “أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا[3]“، أي إن رسولنا عليه الصلاة والسلام فهِم الاستقامة فهمًا واسعًا عميقًا هكذا.

لهذا السبب بدأ الشيبُ يُرى في شعره عليه الصلاة والسلام بعد أن نزلت هذه الآية، بحسب ما علمنا من الصحابة، فلما ذُكِّرَ عليه الصلاة والسلام بهذا قال “شَيَّبَتْنِي هُودٌ“، ويمكنكم أن تقولوا عن هذا “أحنت سورة هود ظهري، وأهرمتني”، لأن الآية المذكورة وضعت حكمًا مطلقًا ليس من الممكن تقييده عن طريق الوفاء بأعمال معينة خاصة به، ولما كان حد الاستقامة غير محدد فيستحيل القول -مهما أوتي من أعمال- إنه تم الوفاء بما تستلزمه الآية، ومن هذه الناحية وتحت التأثير القويِّ لإحساسه الدقيق وفهمه العميق فإن هذه الآية كانت ثقيلة للغاية على النبي الأكرم بطل الصبر التام والتوكل التام والتسليم التام والتفويض التام والثقة التامة بالله تعالى.

وثمة واحد من العظماء يصرح بملاحظاته فيما يتعلق بشكر الله تعالى هكذا: “رباه! كيف لي أن أؤدي شكري إياك! إن مجرد توفيقك إياي أن أشكرك نعمةٌ تتطلب الشكر في حد ذاتها، يجب عليّ أن أشكرك على كل شكر وُفِّقتُ إليه، إن أفنيتُ عمري بشكرك فلا أستطيع أن أؤدي شكر نعمك وآلائك التي أحسنت بها عليَّ”..

ويمكننا تناول المسألة وفقًا للتعبير الوارد في “كلستان” لسعدي الشيرازي: حيث يقول “يجب على الإنسان أن يشكر مرتين على كل نَفَسٍ من أنفاسه”، فكما أن الإنسان يموت إن لم يتنفس فإنه يموت إن لم يستطع إخراج ذلك النفس من جوفه، فالله يهب الإنسان الحياة مرتين حتى في شهيقه وزفيره، وكما أن الإنسان يعترف بأنه مدين بالشكر لمن يُسدُونَ إليه ولو حتى معروفًا بسيطًا فكيف ينبغي له أن يشكر الله تعالى الذي يغرقه بإحسانه! ولما كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على وعيٍ بهذه المسألة فقد تلوى وهَرِم أمام الآية الكريمة ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْت﴾ (سورة هُودٍ: 11/112).

   معيار الاستقامة

لا جرمَ أنه من الواجب على المؤمنين الذين يتّبعون رسول الله ويصطفّون خلفه محاولة إدراك هذا الفهم والمعنى، يجب عليهم ألا يكتفوا في أي وقت على الإطلاق بالعبودية التي يضطلع بها كل واحد منهم باعتباره فردًا من أفراد “هل من مزيد؟”، وعليهم السعي دائمًا إلى إعلاء هممهم كي يستطيعوا إدراك الاستقامة، ذلك أن الله تعالى بشر عباده السائرين على درب الاستقامة قائلًا ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ (سورة الْجِنِّ: 72/16) وزيادة في توضيح معنى الآية يمكننا القول إنكم “إن تركضوا في إثر الاستقامة، وتتبعوا الاستقامة، وتكونوا في قلب الاستقامة فإنني أُغرقكم في النعم”.

وفي هذا الصدد يجب على المؤمنين التفكير بتعمق وتفحّص حول الاستقامة، تُرى ما هو معيار الاستقامة؟ ما الذي يطلبه الله تعالى منّا بقوله “استقم”؟ أيّ نوع من أداء العبودية يطلب منا؟ لا شك أن السبيل إلى فهم هذا وتطبيقه يتأتى من اتباع النهج المقدس للأنبياء، كان يجب على الأقوام السابقين أن يتبعوا الرسلَ التي أُرسِلَت إليهم حتى يتسنى لهم أن يعيشوا حياتهم في إطار الاستقامة، والطريقُ الوحيد الذي تستطيع الأمة المحمدية من خلاله تحقيق الاستقامة هو اتباع سيدنا رسول الله صاحب مقام الجمع، الذي جمع في ذاته حقائق جميع الأنبياء، ومن هذه الزاوية إن كنا نرغب في أن نحيا حياة مستقيمة مثل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب علينا أن نتبع سنته، ونسير على نهجه، إن استطعنا النجاح في فعل هذا، ولم نفقد استقامتنا يحسن الله تعالى علينا ببركات من الأرض والسماء.

ولو أن قومًا حادوا عن الصواب وضيعوا استقامتهم فإن النعم التي منَّ الله تعالى عليهم بها قد تكون ابتلاء لإغرائهم، والنعم التي أمطرهم الله بها من رؤوسهم حتى أخمص أقدامهم ربما تكون سببًا لعجرفتهم، كما أن الثروات التي يمتلكونها، والمناصب التي يشغلونها، والإمكانيات التي لديهم؛ ربما تضلهم وتغويهم فيزدادوا فسادًا يومًا بعد يوم، ويأتي يوم يسوي فيه الله تعالى هؤلاء القوم الظالمين بالتراب كما ورد في الآية الكريمة: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الأَنْعَامِ: 6/45) أي إن كل واحدة من النعم التي نالها هؤلاء الأشخاص تصير مكرًا إلهيًّا، واستدراجًا لهم.

أجل، إن الهدف الأهم الذي يلزم الإنسان أن يدركه هو الاستقامة، أي مسألة أن تكون على طريق النبي أو لا تكون! ليس ممكنًا أن يصل أي شخص إلى مستوى الأنبياء، ولكن المهم هو السعي إلى الوصول إليه، والعمل على التحلي بصفاتهم وسماتهم عليهم الصلاة والسلام.

يمكن القول إن أساس الإسلام هو الاستقامة، ولهذا السبب فإننا يوميًّا نطلب الاستقامة من الله تعالى في صلواتنا بدعائنا إياه أن ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (سورة الفَاتِحَةِ: 1/6)، أي إننا نسأل الله تعالى كلَّ يومٍ أربعين مرة على أقل تقدير وندعوه ألا نقعَ في إفراطٍ ولا تفريط، وأن نحيا على الاستقامة دون انزلاقٍ إلى الكسل والجمود، وإن قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابي الذي طلب منه النصيحة “قُلْ رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ[4] ليبين مدى أهمية الاستقامة، لهذا السبب فإن الواجب علينا هو ألا نكتفي بطلبنا الاستقامة قولًا أربعين مرة في اليوم، بل أن نركض وراءها، ونتحرّى الطرق التي تقودنا إلى تحقيقها، ونعزم ونجتهد أن نعيش حياة مستقيمة ما حيينا.

   استخدام كل عضو في ما خُلِقَ من أجله

وكي يحقق الإنسان الاستقامة عليه أن يستخدم كلَّ عضوٍ من أعضاء بدنه باتجاه الغاية من خلقه، فقد منَّ الله تعالى على الإنسان بيدين ورجلين وعينين وأذنين ولسانٍ وشفتين؛ كلٌّ منها نعمة كبيرة، والمرءُ في معظم الأحيان لا يدرك قيمتها الحقيقية وأنَّ كلَّ واحدة منها نعمة عظيمة بالنسبة له إلا حين يُحرم منها ويفقدها، والآيات الكريمة ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ۞ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ۞ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (سورة البَلَدِ: 90/8-10) تُذَكِّرُ الإنسان بقيمة هذه النعم، وتدفعه إلى التأمل والتفكر والتدبر والشكر.

إن الواجب على الإنسان في هذه الحالة ألا يدنس عينيه بالنظر إلى الخطايا والمحرمات، وأذنيه بسماع ما لا يليق ولا يصح من الأقوال، ولسانه بالغيبة والنميمة والكذب والافتراء، وألا يجدع يديه بمدهما إلى الحرام، ورجليه بالمشي إلى المحرمات والخطيئة، وقد بين القرآن الكريم ما هي الأفعال السلبية المسماة بالذنوب والمحرمات والمنكرات والفواحش بيانًا واضحًا وصريحًا، والواجب على المؤمن هو أن يستخدم كل عضو من أعضاء جسده وحواسه في دائرة الحلال وفي اتجاه الغاية من خلقه، وإلا فإن أعضاءه تلك سوف تشهد عليه في الآخرة كما أشارت إلى ذلك الآية الكريمة ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (سورة فُصِّلَتْ: 41/20).

أجل، الأساس هو استخدام كل عضو في اتجاه الغاية من خلقه، فمثلًا وظيفةُ العين هي قراءةُ كتاب الكون قراءةً صحيحة، وتحليل الحوادث التي فيه والعثور بهذه الطريقة على السبل التي توصل إلى الذات الإلهية، فإن استخدم الإنسان عينيه في النظر إلى الآثام فإن هذه العين ستتكلم في الآخرة أمام الله تعالى “إلهي! إن عبدك هذا خالف أمر الآية الكريمة ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ (سورة النُّورِ: 24/30)، وتَحَرَّك على خلاف الحكمة من خلقي”، وستشكو من صاحبها، لأن العين التي تلوثت بالنظر إلى الآثام في الدنيا وعميت معنويًّا يكون أفق نظرها الخاص بالآخرة قد ضاق، وسُلب من يدها نصيبُها وحظُّها في الآخرة، وعينٌ هكذا يستحيل أن ترى مظاهر الجمال الخاصة بالعالم الآخر مناسبةً لإمكانياتها التي تمتلكها.

والأمر نفسه ينطبق على الأعضاء الأخرى؛ فالحكمة من خلق الأذن هي الإصغاء إلى كلام الله، وبيان رسول الله وكلام الأشخاص العظام الذين يستمدون الإلهام من هذه المصادر المقدسة، فإن تلوَّثت الأذن بلوث اللغو واللهو بدلًا من ذلك لم تستطع سماع المحاسن التي تُسمَع في الآخرة؛ ذلك لأنها ستحرم من قدراتها الكامنة فيها، ومن يدري كم يكون جميلًا سماع إحدى كلمات النبي أو كلام صحابي في الآخرة! ولا سيما سماع ولو حتى كلمة واحدة من الحق تعالى، إن ذلك يُكسِب الإنسان نشوة وفرحة يكاد يغيب فيها عن وعيه، إلا أن أذنًا تلوثت بالخطايا والذنوب في الدنيا يستحيل أن تسمع هذه المحاسن.

والأمر بالمثل بالنسبة للسان الذي يتلوث بالذنوب والخطايا كالكذب والغيبة والافتراء فليس ممكنًا أن يستجيب لهذه الكلمات المباركة، كذلك الرِّجلُ التي تركض وراء الحرام في الدنيا، وتذهب إلى أماكن يجب ألا تذهب إليها تُسلب القدرة على المسير الخاص بالآخرة، فإذا كان الإنسان قد لوث هنا أعضاءه التي يمتلكها، وحطمها وكسرها فإن هذه الأشياء المحطمة لن تحقق له فائدة في الآخرة، لذلك فإن الله الذي سيُنطق كل شيء في الآخرة سينطق هذه الأعضاء أيضًا، وستشهد هي أيضًا -حفظنا الله- على صاحبها.

ولن يُمنح هؤلاء حقَّ الاعتراض والطعن على شهادة أعضائهم بحقهم، ذلك أن الحق تعالى يقول ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (سورة يس: 36/65) وعلى حد التعبير القرآني فإن الأفواه ستحاول -في الآخرة- أن تجد أعذارًا لها كما يفعل البعض هنا في الدنيا فيقولون ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/38)، و﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ (سورة الأَحْزَابِ: 33/67)، من المحتمل أن الله سيختم على تلك الأفواه ولن يسمح لها بالحديث نظرًا لأنها ستحاول أن تجادل بالباطل هكذا، وبعد أن تصمت الأفواه ستبدأ الأعضاء الأخرى تتحدث عن الأخطاء والذنوب المرتكبة.

أجل، إن بعض الأخطاء والذنوب التي في هذه الدنيا سترتد في الآخرة على صاحبها بشكل مختلف جدًّا لا نستطيع تحديد ماهيته، ومن هذه الزاوية فعلى الإنسان أن يقوم هنا بأعمال صالحة، ويستخدم كل عضو من أعضائه في مكانه السليم الصحيح بحيث إنَّ تلك الأعمال حين ترتد عليه في الآخرة تسره وتسعده، وتمنحه جناحين فتجعله يطوف بهما في ربوع الجنة، وبدلًا من أن يُعطِّل أعضاءه بالذنوب، ويُذهِب قابلياتها ينبغي له أن يطورها أكثر باستخدامها في إطار الغرض من خلقها، والسبيل إلى هذا هو عدمُ الحياد عن الصوابِ والاستقامةُ مدى الحياة، وعدمُ الانحراف عن المسار والصراط المستقيم إلى طرق متعرجة.

   طريقُ مَن نذروا أنفسَهم لله

ومع ذلك فإن الحفاظ على الاستقامة ليس بهذا القدر من السهولة؛ فحياة معظم الناس مليئة بالمنعطفات والمنحنيات، ترون أن بعض الناس يشبهون الملائكة إلى حد ما، وتكونون وكأنكم تحسون أنفاس جبريل في أنفاسهم، لكنهم إن يعجزوا عن جعل الصواب فطرة فيهم، ويحاولوا الظهور أمام الناس بشكل مختلف من خلال تصرفات مصطنعة فإن شخصيتهم الحقيقية ومع أول ضغطٍ يُمارَسُ عليها سرعان ما تظهر على حقيقتها، فوضعُ هؤلاء الأشخاص يُشبه العقرب الذي لدغ رجلًا أنقذه من الغرق وساعده في العبور من الماء، فلما سأله الرجل: لماذا لدغتني وقد أنقذتك!؟ أجاب العقربُ: “ماذا عساي أن أفعل! فهذا طبعي!”، وعليه فإنَّ المهم هو أن يثبُت الإنسان على الخير والجمال.

لا يمكن لمن لم يحققوا الاستقامة أن يكونوا مقنعين في نظر الآخرين؛ فمن يتحركون هكذا يومًا، وهكذا يومًا آخر لا يبشّرون الآخرين بالثقة، حتى وإن كان الواحد منهم يتحلّى بأرقى مشاعرِ التضحية، وعلى استعداد لبذل كل أنواع الفداء في سبيل إقامة صَرحِ روحه، ويتمتّع بمشاعر الاستغناء غير منتظرٍ شيئًا على الإطلاق من أي أحد؛ فإنه يستحيل أن يكونوا مقنعين ما لم يجعلوا وضعهم ذلك صفة لازمة فيهم، وما لم يتخلوا عن التخبط والتغيُّر.

إن من يتفحصون نبض المؤمن يجب ألا يشاهدوا أيّ اضطراب فيه على الإطلاق، إن مخاطبيكم يصدقونكم إذا ما تفحصوا نبضكم بضع سنين ووجدوه يعمل بانتظامٍ وعلى شاكلة واحدة، وعليه فإن للاستقامة أهمية حياتية بالنسبة لمن نذروا أنفسهم ممن يعملون في فعاليات التبليغ والإرشاد.

لقد اُختُبر الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون مرات عديدة حتى اليوم إلا أنهم لم يتبدلوا أو ينحرفوا قط، وهذا هو سبب تقدير الله تعالى وتبجيله إياهم، لقد حافظوا على استقامتهم دائمًا في أيام العسرة التي تعرضوا فيها للمصائب والبلاء، وفي أيام الرخاء التي أدركوا فيها النعم والآلاء على حد سواء، فلم يجعلهم وابلُ النعم التي أُمطرت عليهم متعجرفين، ولا دفعهم حرمانُهم من بعض الأشياء إلى التشكي والتذمر، لقد نجحوا في الصمود والاستقامة والشموخ مثل الألف دائمًا، ولهذا السبب استطاعوا أن يكونوا أسوة حسنة لمن جاء من بعدهم.

أجل، لا يمكن أن يصل إلى الهدف المرجو من لم يستقيموا كالألِفِ، ومن يتلوون دائمًا، ويتخبطون هنا وهناك.. إن آلية السلوك من أقصر الطرق وأسرعها تكمن في القدرة على السير إلى الأمام مباشرة دون الانحراف يمنةً أو يسرةً، فإنْ كان كل واحد منكم يريد أن يكون عبدًا مخلصًا صادقًا أمام الله تعالى، ومرشدًا موثوقًا به في نظر الناس فعليه ألا يحيد عن الاستقامة، وأن يفكر بشكل صحيح دائمًا، ويتحدث صدقًا دومًا، ويركض في إثر الحق والصواب، يجب ألا تجعلنا ننحرف ونحيد عن الاستقامة مفاتنُ الدنيا التي تؤثر في رغباتنا وأهوائنا، ولا المناصب والمواقع ولا الضغوط والمظالم التي نتعرض لها؛ فجهدُ الإنسان وسعيُه في هذا الصدد يُسجَّلُ في قائمة سِجِلّ عباداته.

إن القرآن الكريم يبين لنا مدى أهمية الثبات بهذا الدعاء ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/8) الذي يعلمنا إياه، ذلك أن الكثيرين من أمثال “بلعم بن باعوراء” أو “برصيصا” الذي تميز بعلمه وعبادته -حسبما ذُكر في المناقب- علقوا بالسنارة التي ألقاها أو الشبكة التي رماها الشيطان الغَدَّار، وصاروا فريسة له.

ليس مهمًّا أن تُعرِض الدنيا عنا، وليس مهمًّا أن تهرب منا وتولي عنا، بل يجب على طالبي الآخرة ألا يهتموا بالدنيا ولا بما هو على شاكلتها، ومن نذروا أنفسهم لإقامة صرح أرواحهم يجب عليهم ألا يركضوا خلف أي شيء سوى رضا الله تعالى.

***

[1] الطبراني: المعجم الكبير، 17/286.

[2] البيهقي: شعب الإيمان، 4/82.

[3] صحيح البخاري، التهجد، 16؛ صحيح مسلم، صلاة المنافقين، 81.

[4]  سنن الترمذي، الزهد، 61؛ سنن ابن ماجه، الفتن، 12.

الجَرَّة المشروخة: رسائل من حادثة الإفك

Herkul | | العربية

   سؤال: ما الرسائل الموجهة إلى المؤمنين في الآية الكريمة: ﴿وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (سورة النُّورِ: 24/16) المتعلقة بحادثة الإفك؟

   الجواب: نزلت هذه الآية الكريمة في حادثة خاصة إلا أن الحكم الذي تتضمنه يشمل المؤمنين أجمعين؛ فهناك قاعدة مهمة في الأصول تنصّ على أن “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب”، وبعبارة أوضح: بينما تبين هذه الآية الكريمة لسادتنا الصحابة الكرام كيف ينبغي لهم أن يتصرفوا إزاء هذا الافتراء القبيح بحق أمّنا عائشة رضي الله عنها، فإنها في الوقت ذاته تُعَلِّم من سيأتي بعد ذلك من المؤمنين ماذا يقولون وكيف يتصرفون إذا ما تعرضوا لافتراءات من هذا القبيل.

معلومٌ أن المنافقين قد أتوا بافتراءٍ وبهتان عظيم بشأن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أثناء العودة من غزوة “بني المصطلق”، وعملوا على نشرِ هذه الفرية بين المسلمين، لدرجة أن بعض المسلمين المخلصين انجرفوا مع هذا التيار تأثرًا بالحالة النفسية العامة، وردّدوا هم أيضًا ما تقوله المنافقون هنا وهناك، وقد هزّت هذه الحادثة مفخرةَ الإنسانية صلى الله عليه وسلم وبيت سيدنا أبي بكر الصديق من الأعماق؛ حتى إن الطاهرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها التي هي رمز العفة والعصمة والوقار صارت طريحة الفراش، ولم يرقأ لها دمع إزاء هذا الافتراء العظيم.

إلى أن نزل القرآن الكريم بالتزكية التامة والتبرئة الكاملة لأمنا عائشة رضي الله عنها بأكثر من خمسٍ وعشرين آية كريمة، وما زادت تلك الآيات أمَّنا عائشة إلا رفعةً ومنزلة، وبيَّنت أنها بكل صفاتها وسماتها جديرةٌ بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت ولا زالت هذه الآيات الواردة في سورة النور تعكس نورانيَّتَها، وسيظل جميع المؤمنين إلى يوم القيامة يصدحون مرات ومرات بطهرها ونقائها وسمو منزلتها، فإن أثار شخصٌ ما بعضًا من الأفكار والتصريحات والادعاءات السلبية بحقّها رضي الله عنها بعد أن برَّأها القرآن الكريم فقد خرج من الدين بحسب ما ذكره العلماء؛ لأنه يخالف بذلك النصَّ القطعيَّ للقرآن الكريم.

   سترُ الخطايا

من الأمور التي تستدعي الأسف أن الغيبة والوشاية بالناس والافتراء عليهم أصبح بضاعة رخيصة في يومنا هذا، ولذلك يغتابُ الناسُ بعضُهم بعضًا بأريحية شديدة، يحدث هذا في حين أن الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (سورة الْحُجُرَاتِ: 49/6) تدعو المؤمنين إلى التزام الدقة والحذر في هذا الصدد، وأن يتحرّوا الخبر الصادق من الكاذب، وأن يعرفوا ما إذا كان يستند إلى دليل أم لا.

 

فضلًا عن ذلك فإنه ليس من الصواب الحديث عن ذلك الخبر وترويجه يمنة ويسرة حتى وإن اتضح بعد التحقق منه أنه حقيقي وليس افتراءً؛ ذلك أن إخبار الآخرين بمجموعة من المساوئ التي اطلع عليها شخصٌ ما ليس أمرًا إلزاميًّا ولا تعبديًّا أيضًا، فلا ريب أنَّ هناك مجموعة من التدابير يلزم اتخاذها حفاظًا على سلامة المجتمع، وحيلولةً دون وقوع الأخطاء والآثام التي أصبحت مرضًا متفشيًا على مستوى المجتمع، ولا ريب أن إفشاءَ العيوب الشخصية وفضحَ مرتكبيها أو استغلال الافتراءات المزعومة ليس تصرّفًا يليق بالمؤمن.

وعليه فإنني أريد أن أنقل هنا ملاحظة للإمام أبي سعيد الخادمي[1] في هذا الصدد؛ إذ قال ما مفاده: عندما ترى مؤمنًا يرتكب منكرًا أَعِد النظر كي تتأكّد من الأمر، فإن لم يكن؛ فامسح عينيك ودقق النظر من جديد، ربما تكون أخطأتَ، اُنظُر مرة أخرى، وحتى بعد أن تنظر عشر مرات وتتأكد مما رأيت فقل: (اللهم أخرجه من هذا الوضع القبيح، ولا تُردني في ذنب كهذا)، وابرحْ ذلك المكان… إن السيد خادمي شخصٌ جليل، وإنني أُكِنُّ له احترامًا كبيرًا؛ فعندما سمعتُ عبارته هذه للمرة الأولى حدّثت نفسي قائلًا: “يا إمام! لماذا لم تقلْ لمن يرى حادثةً كهذا أنْ يولّها ظهره من أول نظرة، ويبرح المكان!” لأننا لسنا نوّابًا عموميين ولا محققين مع الآخرين.

وكذلك فإن التصرف اللائق بالمؤمن عندما يأتيه خبرٌ كهذا بحق الآخرين هو أن يقول: “هذا افتراء بيِّنٌ”، لأن حديث الناس بعضهم ضد بعض وغمزهم ولَـمْزَهم وتهويلهم أبسطَ الحوادث وتحديثَهم الآخرين عنها إنما يفتحُ أبواب الفتنة ويضع مختلف شرائح المجتمع في مواجهة مباشرة بعضهم ضد بعضٍ، لهذا قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ[2] أي: نمّام. ومن هنا ندرك عظم هذا الذنب وشناعته.

   سدُّ الطرق أمام ظهور الافتراءات

إن حصر المسألة في حيِّز الذنوب الشخصية فحسب لهو تضييق لمعناها وفحواها، فهذه الآية الكريمة تُشير في الأساس إلى طبيعة التصرّف الواجب التزامه إزاء الادعاءات والافتراءات المزيَّفة التي تُلقى بشأن شريحة معينة من المجتمع، فبمقتضى أمر الآية الكريمة يمكن القول: إن ما يقع على كاهل المؤمنين تجاه مثل هذه الافتراءات هو أن يقولوا: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (سورة النُّورِ: 24/16)

فإن لم يكن ثمة حزم في هذه القضية ولم يُقطع السبيل أمام الافتراءات منذ اللحظة الأولى حدثت حزمةٌ من الانكسارات والتصدعات في المجتمع وسيستحيل التغلُّبُ على هذه الأمور لاحقًا؛ لأنه إن لم تتم السيطرة على الافتراء بمجرد ظهوره تفاقمَ أكثر وأكثر يومًا بعد يوم، فتتحطم القلوب، ويتزعزع شعور الثقة بين الناس، وتتشتَّتُ وحدة المجتمع ويتفرّق شمله، فأنى لمجتمعٍ قد فُقِدت الثقةُ والوفاق والاتفاق بين أفراده أن يحظى بالتوفيق الإلهي.

والآية الكريمة الأخرى التي وردت أيضًا في حادثة الإفك تبيّن وتوضّح كيفية التعامل مع مثل هذه الافتراءات التي ستقع في العصور اللاحقة، يقول تعالى: ﴿لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ (سورة النُّورِ: 24/12)

إذًا إن الحرصَ على قول “هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ” بشأن مثل هذه الحوادث من مقتضيات حسن الظن عند المؤمن الحق، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “حُسْنُ الظَّنِّ مِنْ حُسْنِ الْعِبَادَةِ[3]، وبالتالي فإنَّ من لا يُروجون مثل هذه الافتراءات ويتخذون موقفًا واضحًا إزاءها على اعتبار أن فعلهم ذلك من مقتضيات حسن الظن بإخوانهم المؤمنين؛ قد أدّوا حق إرادتهم، ونالوا ثوابَ ذلك، ربما أن أفعالًا مثل حسن الظن بالمؤمنين، والعزم والإصرار على ذلك، وإمساكِ اللسان تجاه الشائعات التي تُختلق بحقهم تبدو أمورًا بسيطة في الظاهر؛ لكنها في الحقيقة أعمال مهمة للغاية بالنسبة للإسلام.

من جانب آخر لو قام المؤمنون بإظهار موقفهم علانية إزاء مثل هذه الأكاذيب إلى جانب صيانتهم ألسنتهم عن الخوض فيها لقُطعتْ السبل دون وقوع فتن المنافقين ومفاسدهم، وأمام هذه العزيمة التي يتمسك بها محبو الحق والحقيقة تُبهتُ وتخرصُ شبكةُ النفاق التي تعبث بشرف المؤمنين وحيثياتهم من خلال الترويج لأخبار كاذبة وافتراءات وقحة.

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ (سورة النُّورِ: 24/11) يُفهَمُ منها أن مختلقي مثل هذه الافتراءات هم بضعة أفراد في معظم الوقت.. وقد يرمي بعضُ المنافقين المتخفين في صورة المؤمنين مثل هذه الافتراءات والأكاذيب بشكل منظم بقصد تشويه فئات معينة من المجتمع والتقليل من قيمتها، وربما يسعون إلى نشر هذه الافتراءات في المجتمع مستخدمين وسائل الإعلام بغيةَ التأثير أكثر فأكثر، فإن لم يقف -في مثل هذه المواقف- المؤمنون المخلصون خلف إخوانهم المتعرضين للافتراءات والأكاذيب ويدافعوا عنهم أثَّرَتْ هذه الأخبار التي لا أساس لها من الصحة على المجتمع بأكمله، وعليه فمن المهم للغاية إسكات تلك الأصوات النشاز من البداية، والوقوف إلى جنب من يتعرضون لهذه الافتراءات، والسبيل إلى ذلك هو أن يرفع المؤمنون أصواتهم بالحق مستغلين كلّ الوسائل المشروعة في سبيل ذلك، وأن يعبروا عن أنفسهم كما ينبغي.

لا ينبغي أن تُقصر المسألة على نصرة المسلمين فحسب، بل يجب دعمُ كلِّ من يتعرّض للظُلم والافتراء بغض النظر عن دينه وعرقه ومعتقده، ولنفترض أن مجموعة من الشائعات رُوِّجت بحق أفراد مسيحيين أو يهود أو غير ذلك؛ فإن محاولة أي مسلم الاستفادة منها لصالح نفسه أو اعتباره إياها عنصرًا لتحقيق مكسب ما أمرٌ لا يتوافق إطلاقًا مع قيم الدين الإسلامي الذي ينتسب إليه، وما عليه هو أن يردها بعرض يده؛ إذ يجب عليه التصرّف بحذر ودقّة إزاء الأمور التي من شأنها الإضرار بشرف الناس -جميع الناس، بغضّ النظر عن الانتماءات العرقية أو الدينية وغيرها- وكرامتهم وحيثيتهم، وينبغي أن يكون هذا خلقًا عامًا لأي مؤمنٍ.

***

[1]  محمد بن محمد بن مصطفى بن عثمان، أبو سعيد الخادمي (1113-1176 هـ): فقيهٌ أصولي، من علماء الحنفية، أصله من بخارى، ومولده ووفاته في قرية “خادم” من توابع مدينة “قونية” التركية، قرأ على أبيه وغيره، ونال الشهرة الواسعة بعدما ألقى درسًا في “أياصوفيا” بإسطنبول حول تفسير سورة الفاتحة، وله مجموعة من المؤلفات، منها: “البريقة المحمودية في شرح الطريقة المحمدية” أربعة أجزاء، و”مجمع الحقائق” في أصول الفقه، وشرحه “منافع الدقائق”، و”حاشية على درر الحكام” في فقه الحنفية، و”شرح الرسالة الولدية للغزالي”، و”حقيقة كلمة التوحيد عند الكلاميين والصوفية”. (الزركلي: الأعلام، 7/68).

[2]  صحيح البخاري، الأدب، 50.

[3]  سنن أبي داوود، الأدب، باب حسن الظن، 4993.

الجَرَّة المشروخة: الصدق

Herkul | | العربية

   سؤال: حين سُئل الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي “ما أول ما يلزمنا؟” أجاب: “الصدق”، ويعلّل ما قاله بأن ماهية الكفر هي الكذب، وماهية الإيمان هي الصدق.. وانطلاقًا من هذه النظرة هل لكم أن توضحوا مكانة الصدق بالنسبة للمسلمين؟

   الجواب: الصدقُ واحدٌ من خمس صفات أساسية للأنبياء عليهم السلام، بل إنه أولها، ويشير إلى هذا قول الحق تعالى عن سيدنا موسى وسيدنا إبراهيم عليهما السلام ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ (سورة مَرْيَمَ: 19/41)، وقولُه عن سيدنا إسماعيل عليه السلام ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا﴾ (سورة مَرْيَمَ: 19/54) لذلك فهم معصومون عن الكذب وعن مخالفة الحقيقة والواقع في أطوارهم وتصرفاتهم وكلامهم طوال حيواتهم؛ لأن تصديق الأخبار التي جاؤوا بها من عوالم ما وراء السماوات والإقرار بها مرهونٌ بامتثالهم الصدق في أحوالهم وأطوارهم وتصرّفاتهم وأقوالهم.

كما أن مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم كان قبل أن تأتيه الرسالة يُوصف بـ”الصادق الأمين”، وقد شهد له حتى أعداؤه بالصدق بعد أن جاءته الرسالة؛ وأقرُّوا بأنهم لم يجدوا عليه في حياته كذبًا قط، إلا أنَّ الغطرسة والتمرّد ساقهم إلى الكفران والإنكار.

   تعريف الكذب

للكذب تعريفان: أولهما؛ الإخبار بشيء يتعارض مع قناعات واعتقادِ وإحساسِ ومشاهداتِ الإنسان، ومن ذلك على سبيل المثال، نفيُ شخصٍ رؤيتَه شخصًا آخر على الرغم من أنه رآه، فقد كذب لأنه أدلى ببيان مخالفٍ لمشاهدته الفعلية.

أما ثانيهما؛ فهو التعبيرُ عن شيء بخلاف الواقع، وتزييف حقيقته، وعليه فإن إنكار المرء لله تعالى هو كذبٌ، لأن الشواهد الكونية تقرّ بوجود الحق تعالى عبر مئات الآلاف من الشواهد والألسن، وعلى حد تعبير الأديب التركي رجائي زاده محمود أكرم  (ت: 1914م):

الكون كلُّه كتابٌ أعظم،

في أي حرف منه تفتش يظهر معناه اللهُ.

من ينكر الله يكون كاذبًا وفي الوقت نفسه قد كذَّب بجميع الشواهد الموجودة في الكون الدالة على وجود الله عز وجل، ولهذا السبب ينال أشد العذاب في الآخرة.

وفي المقابل لهذا يكون إيمان المرء بالله نتيجة قراءته الشواهد الكونية قراءة صحيحة، واستفادته من الرسائل السماوية جيّدًا تعبيرٌ عن الصدق، كما أن تعبيره عن الأشياء التي رآها وأحسَّ بها كما هي دون أدنى تغيير صدقٌ أيضًا، وكما أن الصدقَ من هذا الجانب خُلُقٌ مهمٌّ للغاية من أخلاق المؤمن فإنه أهم وسيلة تمنح الآخرين الثقة به، وهو في الوقت نفسه تعبير عن الوفاء والولاء.

والواقع أن الصدق هو من المعاني الضمنية التي في القلب، وإذا وقرَ الصدقُ في قلب الإنسان سرى إلى لسانه وأحكم السيطرة عليه، وأصبحتْ أعضاؤه تعمل وفقًا له، وسيختار بحساسيةٍ كلَّ عبارةٍ سيتفوّه بها، ولن يسمح ولو حتى لكملة واحدة مخالفة للحقيقة بأن تخرج من فيه، وإن بدر منه خطأً بيانٌ مخالفٌ للواقع شعر بانزعاج شديد جدًّا، وربما ردّد “استغفر الله” خمسين مرة، ومن هذا المنطلق تتمثل القضية الحقيقية في تكامل الصدق واندماجه مع الطبيعة البشرية.

أما الكذب فهو خيانة للصدق والولاء، ومن يخطو خطوة باتجاه الكذب يكون قد دمَّر بناء الصدق والولاء، ففي عالمنا المعاصر -حيث راج الكذب وصار مهيمنًا في كل مكان- بات من الصعب جدًّا على المرء أن يُمثل الصدق بحذافيره، لكن ينبغي أن يُعلم جيِّدًا أن الشيء المهم عند الله عز وجل هو النجاح في تحقيق الصعب.

   مقام الصديقية

يعتبر مقام الصديقية أسمى مقام في الإسلام بعد النبوة، ذلك أنه قد ورد ذكرُ “الصِّدِّيقِينَ” بعد النبيين مباشرة في الآية الكريمة ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/69).

 

وبالتالي فإن هذا المقام أسمى بكثير من مقامات الإحسان والعشق والمعرفة، فهو عنوانٌ للارتباط المباشر مع الله، ومن مستلزماته التفاني والتضحية بالغالي والنفيس، ومَنْ يمثل هذا المقام يَقْبَل كل أوامر الحق سبحانه وتعالى وتقديراته ويُقبِّلُها ويضعُها فوق رأسه دون اعتبارٍ لما إذا كان عقلُه استوعبها أم لا، ودون أن يهتم بالمنفعة والفائدة التي ستحققها لنفسه، ويقول دائمًا مثلما يقول “إبراهيم حقّي” (ت:1780م):

“لا تقل لماذا هذا هكذا،

وهذا مناسب هكذا،

وشاهد النتيجة،

لنرَ المولى ماذا سيُقدِّر

ما يُقَدِّرُه هو الأجملُ

والواقع يمكن اعتبار “تفويض نامه: رسالة التفويض” لإبراهيم حقي بأكملها على أنها “رسالة الصدق”.

وهناك آيات عديدة من القرآن الكريم يؤكد فيها على الصدق دائمًا بعبارات شتى مثل “مُدْخَلَ صِدْقٍ”، و”مُخْرَجَ صِدْقٍ”، و”لِسَان صِدْقٍ”، و”قَدَمَ صِدْقٍ”، و”مَقْعَد صِدْقٍ”، أي إنه ينبغي للمؤمن أن يكون زاده الأكبر خلال رحلته الحياتية المرتبطة بالآخرة هو الصدق، يجب عليه أن يمتثل الصدقَ دائمًا في جميع شؤونه، في حركاته وفي سكناته، في بادئ الأمر وفي منتهاه، يجب أن ينسج أطياف الصدّيقيّة في كل مكان يمر به، وحين يغادره يجب ألا يخلّف وراءه أية فكرة سلبية على الإطلاق، يجب عليه اتخاذ كل خطوة بصدق، وباتجاه الصدق أيضًا.

ورغم ذلك قد لا يمكن دائمًا قول كل صواب، قد يلزم السكوت في بعض المواقف، ويُملأ فراغ السكوت بالتفكر والتأمل أيضًا، فالصمت حكمة، ولكن حكماءهُ في العالم قليلون، من المؤسف أن معظم الناس يفضّلون الثرثرة على الصمت.. فيجب السكوت حيث يكون الكلام ضارًّا، وكذلك عندما يعجز المخاطب عن فَهْمِ الكلامِ واستيعابه، وفي القضايا التي لا يعرفها جيدًا، أو يتعذّر الكشف فيها عن صوت القلب والتعبير عنه، إن سرعة بَوْحِ شخص في لحظة ما بالمشاعر والأفكار الموجودة في أعمق نقاط قلبه دون أن يفكر على الإطلاق علامةٌ على عدم توفّر التربية الكاملة لديه، ونظرًا لأن هذه النوعية من الكلمات تكون محرومة من التناغم والنظام، وغير محددة فإنها عديمة الفائدة بالنسبة لقائلها وسامعيها، بل إنها قد تكون ضارة لهم أيضًا.

من جانب آخر فإن السبيل لكي تؤثر الكلمات المقولة في أصحاب الضمائر النقية مرهونٌ بأن تكون صادقة، ثم إن تمثيلَ الأمور الخاصة بالحقائق الإيمانية والقرآنية وتجسيدَها ونشرَها بشكلٍ صحيح يكون وسيلةً لأن تنفتح أعين الكثيرين عليها، علاوة على أن تمثيل المؤمنين للاستقامة سواء بأحوالهم وأطوارهم أو بأقوالهم وكلامهم والتزامهم الصدق يكون بمثابة دعاء ورجاءٍ منهم أن يثبتهم الحق تعالى على الطريق المستقيم، فلن يُبعدهم الله تعالى عن الصراط المستقيم إن ثبتوا منذ البداية على الاستقامة والوفاء بالوعد متخذين من الصدقِ شعارًا لهم في كل أحوالهم.

ولا سيما في عالمنا المعاصر الذي أصبح الكذب فيه شائعًا ومتاعًا مطلوبًا مرغوبًا فإن استقامة اللسان وعدم انحرافه يبدو أكثر أهمية، يجب على المسلم أن يبتعد عن كل أنواع الكذب؛ صغيره وكبيره، وأن يكون كل قوله صدقًا، نظراته وإيماءاته وكل أحواله وحركاته …، ويجب ألا يسمح لأي شكلٍ من أشكال القبح، لا سيما الغيبة والافتراء وشهادة الزور، أن تدنو منه، لأنه لا يمكن التوفيق بين هذه القبائح وبين الإسلام.

نعم، قد يحدثُ أن تجري على اللسان مجموعةٌ من الكلمات غير مرغوب فيها من خلال مرونة الارتجال أثناء الحديث، فيُرجى مطالعتها في فئة الأخطاء التي تقع في الاجتهاد، لكن الحديثَ المخالفَ للواقع وقولَ أشياء ترمي إلى خداع الناس عمدًا وبإرادةٍ تامّة صفةٌ من صفات الكفر.

والتعبير القرآني ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/10) يكشف عن أن أهم سبب لاستحقاق المنافقين العذاب الأليم هو الكذب، وبمناسبة هذه الآية يبين الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي كيف أن الكذب سمٌّ بالنسبة للفرد والمجتمع والدين على حد سواء بقوله: “الكذب أساس الكفر، بل الكفر كذب ورأس الكذب، وهو الأُولى من علامات النفاق، وما الكذب الا افتراء على القدرة الالهية، وضد للحكمة الربانية.. وهو الذي خرّب الأخلاق العالية.. وهو الذي صيّر التشبثات العظيمة كالشبحات المنتنة.. وبه انتشر السمّ في الاسلام.. وبه اختلّت أحوال البشر.. وهو الذي قيّد العالم الإنساني عن كمالاته، وأوقفه عن ترقياته.. وبه وقع أمثال مسيلمة الكذاب في أسفل سافلي الخسّة.. وهو الحِمْل الثقيل على ظهر الإنسان، وهو ما يعوقه عن مقصوده.. وهو الأب للرياء والأم للتصنع.. فلهذه الأسباب اُختص بالتلعين والتهديد والنعي النازل من فوق العرش”[1].

وفي المقابل يقول بشأن الصدق: ” الصدق هو أساس الإسلامية، وهو خاصة الايمان، بل الايمان صدق ورأسه.. وهو الرابط لكل الكمالات.. وهو الحياة للأخلاق العالية.. وهو العرق الرابط للأشياء بالحقيقة.. وهو تجلّي الحق في اللسان.. وهو محور ترقي الانسان.. وهو نظام العالم الإسلامي.. وهو الذي يطير بالبشرية في مدارج الترقي كالبرق إلى كعبة الكمالات.. وهو الذي يصيّر أقلّ الناس وأفقرهم أعزّ من السلاطين.. وبه تفوّق أصحابُ النبيّ عليه الصلاة والسلام على جميع الناس.. وبه ارتفع “سَيّدنا محمد الهاشميّ” عليه الصلاة والسلام الى أعلى علِّيِّيْ مراتب البشر”[2].

   مرض النفاق

من أهم أسباب وقوف بديع الزمان على الصدق بإصرار، وربطه نجاتنا وترقينا الاجتماعي به هو مرضُ النفاق الموجود في عالمنا الإسلامي المعاصر، فالانحرافات ومظاهر الضلال التي حدثت حتى يومنا هذا في أديان ولدى أقوام مختلفة ظهرت في صورة الميل إلى الكفر والإلحاد، وتم التعبير عن أفكار الإلحاد تحت اسم أيديولوجيات وتيارات مختلفة، وحُوِّلت هذه الأفكار إلى نظام للدولة في بعض البلاد، ومن أجل إقامة هذا النظام بين الناس وترسيخه استخدمت شتى مظاهر القمع والظلم الخطيرة، حتى إن ملايين البشر قد قُتلوا، إلا أن هذه النوعية من الأيديولوجيات لم تُعمر طويلًا لأنها تخالف طبيعة الإنسان وتحتوي في ذاتها على متناقضات، وبعد أن تفسّخت تلك الأيديولوجيات بدأ الناسُ يتوجّهون من جديد إلى أديانهم ودور عبادتهم الخاصة.

لكن التطورات في العالم الإسلامي جرت بصورة أكثر اختلافًا، فأعداء الإسلام تخفّوا تحت رداء النفاق بدلًا من أن يُصرحوا بعداوتهم هذه، وسعوا إلى إبعاد المسلمين عن الإسلام باستخدام مخططات ومشاريع شتى، ومما لا شك فيه أن الأضرار التي تعرض لها المسلمون بأيدي هؤلاء المنافقين المسلطين عليهم في بقاع شتى من العالم الإسلامي صارت أكثر تدميرًا وأعظم خطرًا مقارنة بالأشخاص الذي يعادون الدين صراحة، وقد بين القرآن الكريم جزاء المنافقين في الآخرة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/145) هذا يعني أنهم سيكونون في جهنم في دركاتٍ أعمق وأدنى من فرعون وأبي جهل أيضًا، وقد عبر الأستاذ بديع الزمان عن هذا المعنى بقوله: “المنافق أشد من الكافر وأخبث”[3].

المنافقون يقفون جنبًا إلى جنب معكم في المساجد، ولكنهم على غير وضوء، يتحدثون عن عزة الدين وقداسته إذا اقتضى الأمر ولكنهم يدبرون المكائد له في الخفاء، يكذبون عندما يتحدثون، تمامًا مثلما قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ[4]، فبينما يعدد عليه الصلاة والسلام صفات المنافق في ذلك الحديث لفت الانتباه إلى كذبهم أول ما لفت، وهذا يعني أن الكذب واحدٌ من أخطر وأهم عناصر وآيات النفاق.

المؤسف أن المنافقين الذين تبوؤا أماكن ومناصب مختلفة في العالم الإسلامي قد نكسوا المجتمع بكذبهم وخداعهم وخيانتهم، وأحدثوا تشوّهات متداخلة فيه، ولو أنكم طلبتم من رسام بارع أن يرسم لوحة موافقة لمحتوى حديثنا وتشخيصنا لرأيتم أن هذه اللوحة تتطابق مع حال العالم الإسلامي اليوم، وعليه فإن إعادة العالم الإسلامي إلى هويته الحقيقية من جديد ربما هي أصعب من إيصال المجتمعات التي ينتشر فيها الإلحاد إلى هوية الإسلام الحقيقية، لذا يجب تناول القضية من الأعماق والجذور، وأن يُربَطَ كلُّ شيء بالإيمان بالله ومعرفته ومحبته؛ حتى يتسنى إعادة ترميم وإعمار بنية المجتمع التي فسدت.

   التقيّة

هنا سيكون من المفيد الوقوف بإيجاز على مفهوم التقية؛ لأنها، كما هو معروف، قد تبنتها شريحة معينة كواحدةٍ من المبادئ، ووضعتها ركنًا في دينها، وحاولت من خلال نظام التقية الذي طوَّرَتْه أن تتغلَّبَ على أعدائها بعد أن خَسِرَتْ معاركها معهم عن طريق القوّة والسطوة، ولسوء الحظ فإن شبكة التقية هذه سَرَتْ وانتشَرت في بعض الدول حتى أدق تفاصيلها باستخدام وسائل مختلفة للغاية في سبيل الخداع، واستولت على مناصب حيوية عديدة؛ فاستخدمت العديد من الأشخاص في سبيل تحقيق حساباتها ومصالحها الشخصية الخاصة، ونتيجة لذلك باءت بالشناعة والدناءة التي تقشعر لها الأبدان.

المؤسف أن شبكة التقية هذه اصطادت الغارقين في مستنقع الغفلة، ممن اتبعوا هوى أنفسهم وارتكبوا الذنوب في مجتمعنا وفي بلاد إسلامية أخرى أيضًا، ودفعتهم إلى الارتباط والعمل معها، إن نظام النفاق والتقية عادة ما يكون له تأثير القنبلة الذرية على المجتمع الذي يدخله، وبالتالي فإن البعض فقدوا حياتهم بما فيها من أشعة “ألفا”، والبعض  تعرض لهزة خطيرة للغاية بما فيها من أشعة “بيتا”، كما أن البعض تعرض كذالك لتأثيرات من قبيل الرشح والدوار والغثيان تأثرًا بما فيها من أشعة “غاما”.

التقية منهج شيطاني لأنها مظهر من مظاهر الكذب والخداع، وهي أكبر أسلحة نظام النفاق، لذلك لا يمكن لمن يستخدم التقية أن يكون مؤمنًا حقيقيًّا، ويستحيل أن ينجوا بسلام من سؤال منكر ونكير، أو أن يجتاز الميزان بسهولة، أو أن يعبر الصراط بيسر، لأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين بقوله: “مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا[5]، أن الكذب والنفاق يستحيل أن يتوافقا وينسجما مع الإسلام بأي شكل من الأشكال.

***

[1] – بديع الزمان، إشارات الإعجاز، ص 97.

[2] – بديع الزمان، إشارات الإعجاز، ص 98

[3] – بديع الزمان، المكتوبات، ص 97.

[4] – صحيح البخاري، الإيمان 24؛ صحيح مسلم، الإيمان 107.

[5] – صحيح مسلم، الإيمان 164.

الجَرَّة المشروخة: الـحُبّ

Herkul | | العربية

   سؤال: كيف يمكن للمؤمن أن يمتلك القدرة على تطوير العلاقات القائمة على أسس الحب والاحترام والتقدير مع محيطه؟

   الجواب: الحب هو جوهر الوجود، وقد خلقَ الحقُّ تعالى الوجود تعبيرًا عن حب ذاته؛ وخلق الإنسانَ باعتباره فهرسًا لهذه العوالم العظيمة، وجوهرَها وعصارتَها، لكن هذا الحبَّ مقدّسٌ وطاهر، ولا يشبه حبّنا؛ لأن الحب الذي نعيشُه إما أنه تعبير عن ضعف ونزعات لا نملكها، وإما أنه شعورٌ صار عبر معالجته جانبًا من طبيعتنا وشخصيتنا، ويستحيل إسناد أيٍّ من هذه الأمور إلى الذات الإلهية، ولذلك نقول -تنزيهًا للذات الإلهية- إنه خلقَ الوجودَ تعبيرًا عن حبٍّ طاهرٍ ومقدّس ومبرّأ، ومن ذلك ما رُوِيَ في الأثر على أنه حديث قدسي: “كُنْتُ كَنْزًا لَا أُعْرَفُ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ، فَخَلَقْتُ خَلْقًا فَعَرَّفْتُهُمْ بِي فَعَرَفُونِي[1].

وهذا الأثر حتى وإن لم يُعضد بسندٍ متصلٍ فإنه صحيحٌ بالنظر إلى معناه، فهو يقرّر معنى هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (سورة الذَّارِيَاتِ: 51/56) وقد فسر ابن عباس رضي الله عنهما لفظة “ليعبدون” على أنها “ليعرفون”، وفي هذه الحالة يكون معنى الآية هكذا: “لقد خلقت الجن والإنس صِرفًا ليعرفوني وليعبدوني”، والواقع أنَّ معرفة الحق تعالى حقَّ المعرفة والاطلاعَ على كنه ذاته القدسية، والوقوفَ على أسرار ربوبيته، أي على تصرفه وشؤونه في الكون؛ سيوجِّه الإنسان إلى العبودية والمحبة.. وقد قال الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي: “إنَّ أسمى غايات الوجود هي الإيمان بالله ومعرفة الله ومحبته، والتي هي أسمى وأجلّ ثمار الفطرة”[2].

أجل، كما أن الحب هو جوهر الوجود وعُصارته، فهو عنصر حيوي للغاية بالنسبة للإنسان؛ فهو يعيش بالحب، ويصبح سعيدًا بالحب ويجعل بيئته سعيدة بالحب، ولا يوجد علاقة بين الناس أقوى من الحب، ويستحيل على أي إنسان محروم من الحب والرحمة أن يرتقي روحيًّا، ويصل إلى مرتبة الكمال، فالحب أساسٌ حيوي للغاية، وخاصة بالنسبة لورثة المنهاج النبوي؛ إذ لا يوجد طريق مختصر لفتح قلوب الناس أقصر من الحب.

   الحب المنطقي

وليس الحبُّ بالأمر السهل، وبما أنّ الإنسان مخلوقٌ صاحب إرادة فهو بحاجة إلى التمرين والتأهيل في هذا الشأن، لذا فعليه أن يبحث عن كل الوسائل التي تفتح أبواب قلبه للآخرين، ويأخذها بعين الاعتبار، وبعبارة أخرى: فالحب الموجودُ بين المخلوقات الأخرى كـ”لطفٍ جبري” يتوقّف انتشاره بين البشر على الجهد والسعي إلى تحققه، فإذا تحقق الإصرار على هذه المسألة وأُحكِم الحفاظ بقوةٍ على علاقات الحب القائمة يمكن أن يصبح جزءًا من الطبيعة البشرية مع مرور الوقت، بعد ذلك يصعُب اقتلاعه وطرحه، ويتحول مَنْ نُحِبُّهم إلى قيمة بالنسبة لنا تعدل الحاجة بل وحتى الضرورة، إنهم عندما يتركوننا ونحن على هذا الحال فإننا نشعر في أعماقنا بوحشة تركهم إيّانا، فرَحُهم سيكون فرَحُنا، وحزنُهم سيكون حزنُنا، وكأننا بدأنا نشاركهم حياتهم.. بعد ذلك يتدثر حب الإنسان بدثار منطقي ويصير أكثر قوة، ومثل هذا الحب مختلف للغاية عن الحب العاطفي والمجازي الذي يكون بملاطفة الناس والظهور أمامهم بمظهر جذاب، ويُسمّى هذا بـ”الـحب السطحي”.

حقًّا، كي يستقر الحب الحالي العاطفي على أساس منطقي يجب النزولُ إلى أسبابه وأخذُها بعين الاعتبار، والتفكيرُ فيها وإسنادُها إلى أساس عقلاني.. وعلى سبيل المثال؛ يُعَدُّ الاجتماع على الأرضية المشتركة للإنسانية أحد الأسباب الأكثر عموميّة وأهمية والتي تستدعي حبَّ جميع الناس ومودّتهم، فإذا لم يُعتبر الاتصاف بالإنسانية وتقاسم الكرة الأرضية رابطًا مهمًّا يقتضي الحب، ولم يشعر الناس بالحب والمودة بعضهم تجاه بعض لمجرد كونهم بشرًا فحسب، وبرزت مظاهر الحقد والعداوة بدلًا من ذلك كانت عواقب هذا وخيمة وفادحة؛ لا سيما في هذا العالم الذي أصبح اليوم قرية صغيرة.

ولِجعلِ العالم مكانًا أكثر ملاءمة للعيش اليوم، صار من الضروري إرساء السلم والسلام على مستوى البشرية جمعاء ومدّ جسور التسامح والحوار بين الناس من مختلف الديانات والقوميات، ولا ريب في أن الناس بحاجة إلى مساعدة ودعم بعضهم البعض لتحقيق ذلك، فليس ممكنًا تحقيق هذه الأهداف المشتركة في عالم يسوده الحقد والكراهية بدلًا من الحب.

إن الإنسانية اليوم تتوقُ لمثل هذا الحب والعطف، فالوحشيّةُ تعمّ الأرجاء، وهناك عمليات إبادة جماعية في مختلف أنحاء العالم، ونرى شتى أنواع الشناعة والدناءة تُرتَكَبُ في حق الإنسانية، ولا يصدح في الأنحاء يمنة ويسرة سوى ضوضاء الظالمين الطغاة وصخبهم، وأنين المظلومين والضحايا، يفكر الناس في الدم ويشرب بعضُهم دماء بعضٍ، يبدو الأمر كما لو أن العالم قد عُهد بأمره إلى القتَلة، لقد أُثيرت الكراهية والأحقاد التاريخية، وصار الناس بعضُهم لبعض عدو، الجميع يبحث عن ذريعة للتغلّب على غيره وتعزيز هيمنته عليه.

أعتقد أن إعادة إحياء المحبة -التي هي حقيقة مهمة للغاية في عالم هكذا- وضمان أن يتعاون الناس من جديد سيكون أعظم هدية تقدمها أمّتُنا للبشرية، إذا كنتم تطمحون إلى المحبة فيجبُ عليكم أن تفتحوا صدوركم للجميع وتحتضنوا البشرية جمعاء، يجب أن تسعوا إلى تحقيق تفاهمٍ واتفاق على مستوى البشرية جمعاء، ولكن لنعلم أن الأمر سيستغرق وقتًا، فهذا لا يحدث فجأة، من الضروري الصبرُ والسعيُ بعطفٍ وحذرٍ لفترة طويلة لحل المشكلات المزمنة والتخلّص منها.

وبالمثل، فإن هناك وسائل للمحبّة، ومن ذلك الإيمان بوجود الله وبوحدانيته، وأن نكون من أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك الارتباط بفلسفة الخدمة، فمثلًا يمكن للمرء عندما ينظر إلى إخوته المؤمنين أن يفكر على النحو التالي: “هؤلاء سيكونون رفاقي في الدار الآخرة، سنكون معًا في المحشر، وعند الميزان، سوف نعبر الصراط معًا، سنذهب إلى الجنة معًا، من يدري، ربما سيأخذون بيدي هناك أيضًا، سوف يشفعون لي بإذن الله حيث أكون في ضيق شديد جدًّا”، وبما أن مثل هذه الأسباب تقتضي الأخوّة والحب، فإن التركيز عليها والتفكير حولها سيؤدي إلى الحب.

عندما ينظر المرء إلى أشخاص يسيرون في مسار واحد ويتقاسمون فلسفة خدمة واحدة، ويقول: “إذا أمسك بعضنا بأيدي بعض، وحافظْنا على وفاقنا وتحالفنا، تسنّى لنا حل العديد من المشكلات بإذن الله، يمكننا أن نحقق أهدافنا بشكل أسرع من خلال دعم بعضنا بعضًا”، كما أن اعتباره وجود إخوته ضرورةً بالنسبة له تتجاوز مجرّد الحاجة سيجعله أكثر ارتباطًا برفاقه وسيعزز أواصر الحب بينهم.

ذلك لأنه كلما زادت الأسباب التي تتطلب المحبة بين الناس كلما كان حبهم لبعضهم وعلاقتهم تجاه بعضهم أعمق وأوطد.. فمن الطبيعيّ أن يرتبط السائرون في نفس المسار والمهمومون بنفس الغاية المثالية مع بعضهم بروابط أقوى، وكلما ركّز المرء على هذه الأسباب التي تقتضي المحبة والأخوة وفصَّل المسألة بهذه الطريقة، أحبَّ إخوانه ورفاقه من صميم قلبه، وقرّر “لا أستطيع أن أفعل ذلك بدون إخواني”.

إذا لم تقفوا على أسباب المحبة ولم تفصّلوها وتركزوا عليها بهذه الطريقة؛ فسيظل حبّكم مجرد حس وشعورٍ، فالعاطفة والحب الحسي الذي يشعر به الإنسان تجاه الآخرين إنما هو محدود، لأنه مهما بدا الحبُّ العاطفي قويًّا فربما يتحطّم بسبب شعور آخر أقوى، وعليه فإن الأصل والضروري هو الحب المنطقي، والعشق المنطقي، والاشتياق المنطقي؛ لأن الحب المرتبطَ بمنطق معيّنٍ ليس من السهل أن يزول، لا ينبغي أن يُفهم من هذا أنه ليست هناك أية قيمة للعلاقة العاطفية. بالطبع لها قيمة بقدرها ووفقًا لها، ولكن المهم هو تقوية المحبة العاطفية وتعزيزها بالعقل والمنطق.

   معالجة المسائل بإنصاف

من الممكن أيضًا معالجة المشكلة من الاتجاه المعاكس، أي كما أن هناك العشرات، وربما المئات من الأسباب التي تتطلب الحب والإخاء فإن معظم الأعمال العدائية والصراعات القائمة بين الناس عندما يتم تناولها بعناية يتضح أنها لا تستند إلى أساس مهم، لسبب ما قد يشعر الشخص بالكراهية والغضب والحقد ضد بعض الأشخاص أو الجماعات، قد يتخذ موقفًا ضدّ بعض الناس بسبب أحوالهم وأفعالهم، ربما أنه لا يستسيغهم، ولكنه عندما تتم مناقشة هذه الأعمال العدائية بتفصيل، سيتبين أن معظمَها ليس له سببٌ وجيه.

تُرى هل يوجد بعضُ السلوكيات المخالفة لروح الإسلام لدى من تشعرون تجاههم بمشاعر سلبية؟! هل يرتكبون محرّمًا؟ هل يتوانون في تنفيذ ما يجب عليهم من التزامات؟ هل يعصون الله في شيءٍ؟ هل هناك ما يُقلق في علاقتهم وصلتهم بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل يسيئون إلى المقدسات؟ عندما يتم تفصيل القول في المسألة بهذه الطريقة، سيتبين أن مظاهر الكراهية والغضب التي بين الناس لا تنجم في معظم الوقت عن أي من هذه الأشياء المذكورة آنفًا؛ على العكس من ذلك، سوف نرى أنها تستند إلى اختلافات في المزاج ومجموعة من الآراء والتوقعات والخيارات المتباينة؛ فمثلًا قد لا تروقُنا أحوال البعض وحركاتهم، ربما أنها لطيفة ونحن مخطئون، إذا اتخذنا موقفًا ضدّ مَنْ حولنا بسبب قضايا فارغة وغير مهمّة ولا تستند إلى الحقيقة، فهذا يعني أننا ظلمناهم وجُرنا عليهم.

في بعض الحالات قد نشهد أن الأشخاص مِن حولنا يقومون بأشياء لا ينبغي لهم القيام بها، أو أنهم لا يقومون بالمهام المنوطة بهم، في مثل هذه الحالات يجب ألّا نتجاهل حقيقة أن الناس لا يمكن أن يتبعوا خطًّا مستقيمًا دائمًا من حيث طبيعتهم وعوالمهم الحسية، وأنهم قد يواجهون بعضًا من الانحرافات، فيجب التغاضي عن هذه الأحوال بقدر الإمكان، وألا نترصّد كل أخطائهم، يجب أن نمنحهم مهلة لمراجعة أنفسهم من جديد، واستجماع عقولهم، وإصلاح أخطائهم، فحتى هنا يجب أن نتعامل مع المشكلة بلغة المحبة وقوّتها وأُسُسِها، فلا شيءَ يصعبُ حلُّه إذا ما عولِجَ بالمحبّة، حتى الأقفال الصدأة منذ ألف عام يتسنى حلها عن طريق المحبة.

الواقع أنَّ ما يجب فعله بالنسبة لمَنْ يُضخِّم أخطاء أصدقائه البسيطة ويتخذ بسببها موقفًا تجاههم هو أن ينظر إلى نفسه أولًا؛ فالعديد منا مِمَّن يقومون بمراجعة مواقفهم وسلوكياتهم بشعور جاد من المحاسبة سوف يلاحظون أنهم أنفسهم لديهم العديد من المواقف والسلوكيات التي لا يشعرون إزاءها بالراحة إذا ما صدرت عن الآخرين، وبالتالي يتعلمون النظر إلى الأخطاء والعيوب بتسامح، لأنه سيكون من الغريب إدانة الآخرين واتخاذ موقف ضدهم بسبب مواقف وسلوكيات سلبية موجودة في أنفسنا أيضًا.

   تقوية الحبّ

ذات يوم وبينما كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم جالسًا مع أصحابه مرَّ أمامهم رَجُلٌ، فقال أحد الجالسين وأومأ إلى الرجل: يا رسول الله، إني لأحب هذا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “أعلمتَه؟” قال: لا، قال: “أعلِمْهُ” قال: فلحِقه، فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبك الذي أحببتني له”[3]؛ ذلك أنه يروقُ كلّ إنسانٍ معرفته أنه محبوب من قِبَل صاحبه، هذا شعورٌ جِبلِّي، فالتعبيرُ عن مشاعر الحب تجاه الآخر سيقوّي أواصر الصداقة ويتوّج مشاعر الحب.

إلى جانب ذلك، فإن الدعاء للأحباب بظهرِ الغيبِ عاملٌ آخر يزيد من الحب، إنَّ رفعَ إنسان يديه في مكان خاص لا يراه فيه أحَدٌ، ودعاءَه: “اللهم أَسعِد فلانًا بالفردوس، واجعل حياتَه في الدنيا مثل الحياة في الجنة!”، لا بد وأنه ضرورة من ضروريات حبّه ووفائِه لذلك المدعوِّ له، علاوة على ذلك فقد بيَّن نبينا صلى الله عليه وسلم مدى أهمّية هذا النوع من الدعاء عند الذات الإلهية فقال: “أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دَعْوَةُ غَائِبٍ لِغَائِبٍ[4].

من جهة أخرى، من المهم أيضًا أن نعرب عن حسن ظننا بمن نحبهم ونشهد لهم شهادة حسنة أمام الآخرين، فمثلًا عندما نقول: “الصديقُ الفلانيّ شخصٌ صادقٌ ومخلصٌ للغاية، أعتقدُ أنه كيانٌ مهمّ جدًّا في الدعوة لإعلاء كلمة الله”؛ نكون قد أبرزنا أنَّ مَنْ تحدثنا عنه شخص يجب تقديره ومحبته، ولا بأس في قول هذا طالما أننا نقول شيئًا حقًّا ولا نكذب في الأمر! لا سيما أن هذه الأمور ستربط القلوب ببعضها، وستزيد من المحبة.

إذا كان أصدقاؤنا ينفتحون على جميع أنحاء العالم ويخدمون فيها بشعور من التضحية والإخلاص، فلماذا لا نُحدِّث الناس عن ذلك؟ على العكس، يجب علينا أن نُحدِّث بذلك، لأننا في ظل هذا نكون قد قدمنا هؤلاء الناس الطيبين إلى الآخرين وحبَّبناهم إليهم، وكما يقول المثل الشعبي: “إن للجدران آذانًا”، فعباراتنا الإطرائية والتقديرية الصادقة من هذا النوع ربما تنتقل إلى آذانهم بتردّد لا نعرفه، فتزيد من المحبة بينهم وبيننا.

نعم، إذا تطوع شخص لدعوة آمن وأيقن بها، وألزم نفسه بها، ولم يتخلّ عنها لمدة ثلاثين أو أربعين سنة، كان حقًّا على الجميع أن يقبِّل رأسه، إنه إخلاص وولاء مهم للغاية، وفضيلة عظيمة يجب تقديرها وإخبار الآخرين بها، لذا فإنه يجب علينا -من جانب- الدعاء بأن تُقبِّل الملائكةُ رؤوسَ أمثال هؤلاء، وأن نعطيهم قيمتهم التي يستحقونها من جانب آخر.

ولكننا إذا أثنينا على أصدقائنا، وذكرنا فضائلهم باستمرار وصرنا مدَّاحين لهم فلا ينبغي لنا أن ننتظر الشيء نفسه منهم، علينا أن نفعل كل هذا دون مقابل، لأننا نُعلي من شأن خاطر الحق، ونذكر أمام الآخرين الحقائق التي نعلمها، نحن نقدر مَنْ يخدمون قيمنا وغايتنا المثالية، الذين يدعون إلى الله ورسوله، لأن هذه هي الأشياء التي نريدها، ولكن سواء فعلوا الشيء نفسه أم لا، اعترفوا لنا بنفس الفضل أم لا، فهذا شأنهم، ولا يعنينا في شيء.

   التوازن في الحب

إن أهمية الحفاظ على التوازن في الحب بقدر أهمية الحب نفسه، فالمؤمن يجب أن يحب الحق تعالى حدَّ الوَلَهِ في إطار جميع المعاني التي تعبّر عنها أسماء الله الحسنى، وأن يتأجّج بحبّه، إلا أنه ينبغي له أن يحافظ على الميزان في حبه لما سوى الله تعالى، لأنّ حبَّ الله فريدٌ في نوعه، ولا أحدَ يجدرُ أن نحبه كما نحبُّ الله، ذلك أن المشركين قد انتقدهم القرآن الكريم وعابهم لأنهم يحبون أوثانهم كما يحبون الله[5]، فالله تعالى المحيط بكل شيء ولا يحيطه أيُّ شيءٍ يجب أن يكون حبّه لا محدودًا ولا متناهيًا، إنه أسمى من مفهوم المستويات، وكلُّ ما سواه يكون بحسب مستواه.

على سبيل المثال يستحيل ألا يحب المؤمن بِوَلهٍ مفخرةَ الإنسانية مطمحَ نظر الله، ومرآة الأسماء الحسنى المجلاة، الذي عرّفنا بالله بشكل تام غير منقوص باعتبار أوامره التكوينية وأحكامه التشريعية، وكذلك أيضًا يحمل المؤمن محبة خاصة إزاء الخلفاء الراشدين والصحابة الكرام إضافةً إلى حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى جانب ذلك هناك مكان متميز في قلب المؤمن للمسلمين الذين يتجه معهم إلى قبلة واحدة، ولجميع الناس الذين يرى كلَّ واحد منهم عملًا فنّيًّا من صنع الله، لكن حب الله يجب أن يكون هو مصدر كل أنواع هذه المحبة، ويجب الحفاظ على التوزان في هؤلاء، وإلا فيُخشى أن ننالَ صفعةً بخلاف المقصد المراد.

من المؤسف أن هناك تطرّفًا في مواقف الناس وسلوكيّاتهم تجاه بعض الأشخاص؛ فقد يحظى بعض الناس بحب مفرط، كما أن البعض قد يُرفع إلى عنان السماء بسبب الحالة الروحية للجماعة، أو يُنظر إليهم وكأنهم نزلوا من السماء، وربما يقع إفراط في الأمر بالتقدير والمديح الموجه لهم، لكن ينبغي العلم بأنه عندما يقدم الإنسان مشاعر الحبّ لمن لا يستحقّها؛ فإن الله تعالى يصفعُه بأيدي هؤلاء الأشخاص، وهكذا فإنه من ناحية، يعاقبه على هذا الحبّ المفرط، ومن ناحية أخرى يظهر له أنَّ من أفرط لهم في المودة ليسوا جديرين بذلك إلى هذا الحد.

والواقع أن كلام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التالي يضع معيارًا مهمًّا في هذه القضية؛ إذ يقول عليه الصلاة والسلام: “أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا[6].

إذا كان الإنسان لا يريد أن يشعر بالخجل عندما يتحول الأمر إلى العكس، وألا يطأطئ رأسه، وألا يلوم نفسه فعليه ألا يضحي بالمعيار والاتزان في حبه، وبالطريقة نفسها فإنَّ مَنْ يبغض البعض لأنهم يحملون صفات سيئة، ويضع بينه وبينهم مسافة ينبغي له ألا يتجاوز الحد، وألا يدمر الجسور تمامًا، وألا يقطع علاقته بهم نهائيًّا، كي لا يندم الطرفان إذا ما زالت الخلافات ورجعوا إلى صوابهم ذات يوم.

من ناحية أخرى إذا أفرطتم في حبكم وجنحتم إلى المبالغة في تقديركم تكسرون عنق أخيكم على حد تعبير الحديث[7]، ويقول فضيلة الأستاذ بديع الزمان “أنا لا أُعجب بنفسي، أنا لا أعجب بأولئك الذين يُعجبون بي”، ليس كل شخص لديه مثل هذه الطبيعة الناضجة، ربما أن أنظمة الهضم لدى مَن لا تربطهم علاقات قوية بالله لم تتطور بما يكفي لاستيعاب هذا الثناء والتقدير، لهذا ربما ينهزمون أمام أنفسِهم، وينزلِقون في مراتع الفخر والغرور، وفي هذا الصدد جاء الأستاذ بهذا المبدأ: “يا إخوتي الأحبة! الثبات الثبات، الوفاء الوفاء… إن طريقنا في السمو والرقي هو الغلو في الارتباط والتساند فيما بيننا والسعي لنيل الإخلاص والأخوة الحقة، بدلًا من الغلو في حسن الظن والتطلع إلى مقامات أعلى من حدنا”[8].

ومعنى هذا: عليكم ألا تتخلوا عن رفقاء دربكم حتى وإن رأيتم فيهم خمسين عيبًا، عليكم أن تُمسكوا بأيدي رفاقكم الذين ترونهم تخلفوا عنكم، وتساعدوهم، فإن كانوا لا يستطيعون المسير معكم بنفس الخطى، ويتأخرون عنكم فعليكم أن تحملوهم على ظهوركم.

وبالمثل، يجب أن يحذر المؤمن جدًّا في التعبير عن حبه وعلاقته بأولئك الذين يعتبرهم “عظامًا”، وبغضّ النظر عن مدى عمق احترامه وحبّه وامتنانه لهم، وأيًّا كانت المكانة التي يرسمها لهم في عقله؛ فيجب عليه أن يكون حذرًا للغاية عند التحدث عنهم أمام الآخرين، وألا يخوض في عبارات مبالغٍ فيها، ينبغي ألا يدفع الآخرين إلى مشاعر الحسد والمنافسة من خلال إطلاقه على ذلك الشخص ألقابًا مثل “الغوث” و”القطب”، لأن كل واحدٍ يحترم مرشدَه وشيخَه ويضعه على واحدة من درجات الترقي، فإذا قمتم برفع شخص إلى جواره، فإنكم تضعونه في منافسة وتجعلونه يقول “لا، بل صاحبُنا أعظم”، وحتى ولو لم يقل ذلك أمامكم، فإنكم تؤدون به إلى أن يغتابك، ولذلك فإنكم تزجّون به في الخطيئة بهذا التصرّف، ولذا يجب أن يكون الأساس هو الإخلاص لمن تسيرون على دربهم، والالتزام بالقضية التي تتقاسمونها معهم، وليس منحُهم مراتب على خلاف العادة.

[1]  أنكره كثيرون واشتهر عند كثيرين، وقد أورده الآمدي معتَمَدًا في الإحكام في أصول الأحكام، 1/13.

[2]  بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، ص 253.

[3] سنن أبي داود، الأدب، 122.

 [4] ابن أبي شيبة: المصنف، 6/21.

[5] انظر: سورة البقرة: 2/165.

[6] سنن الترمذي، ِالبر، 60.

[7] صحيح البخاري، الشهادات، 16.

[8] بديع الزمان سعيد النورسي: الملاحق، ص 122.

الجَرَّة المشروخة: حقائق باتت ضحية الأسلوب – 2

Herkul | | العربية

   إعلاء شأن الحق

ثمة حاجة لأن تكون أحوالُ وسلوكياتُ ممثلي دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بصفة خاصة ليّنة هيّنة مطلقًا حتى يتمكنوا من التأثير في مخاطبيهم، وذلك لدرجة أن تتحلّل النيازك القادمة من اليمين واليسار إلى ذرات حين تدخل في بيئتهم، وتتحوّل هذه الذرات بمثابة الألعاب النارية التي تبثّ في الناس الفرحة والبهجة وليس الخوف والفزع، فعليهم أن يُعلوا من شأن الحق، وأن يفضلوه على سائر الشؤون، وألا يجعلوا الأصول ضحية الأسلوب مطلقًا، بالعكس عليهم أن يستخدموا أسلوبًا يؤدي إلى احترام أصولهم وتقديرها حقّ قدرها.

وإنه لو استطاع ممثلو الدعوة النبوية أن يكسروا بأحوالهم وتصرفاتهم شوكة العنف والحدة الموجهة إليهم مهما بلغت غلظة وفظاظة، فإن من يُعادونهم سيأتونهم -إن لم يكن اليوم فغدًا- مهيضي الجناح متذللين ويقولون: “نعتذر منكم، ذلك أننا لم نكن قد عرفناكم، ولم نستطع أن نعرفكم”.

ولا سيما الفدائيين الذين جعلوا الدعوة إلى الله ورسوله غايتهم المُثلى، ويتفانون من أجل الرسالة النبوية يجب عليهم أن يكونوا قادرين على أن يعضوا على ألسنتهم مراعاة لخاطر الحق، ويفوضوا الأمر إلى الله نزولًا عند مبدإ “لا حول ولا قوة إلا بالله”، ويتغلبوا على ما اعترض طريقهم، بل ويختلُوا بأنفسهم إذا ما جُنّ جنونهم في مواجهة الحوادث الغادرة التي تُشيب رؤوسهم، وتقصم ظهورهم، وتُذهب طمأنينتهم، وتُحرم النوم عليهم.

فكل جهد يبذله المرء في هذا الشأن يُرجى أن يكون عبادة عند الذات الإلهية، لأنه جهد في سبيل الارتقاء إلى مستوى الإنسان الكامل، وهو ما يمكننا تشبيهه بصعود الدرج، فكلّما يصعد الإنسان خطوة على الدرج يحظى بثوابٍ مختلف.

وبالطريقة نفسها، حتى وإن كان المرء يتلوى ألمًا ويئن حزنًا ويتوجع قلقًا وأسًى إزاء الإساءة إلى القيم التي يؤمن بها، فإن محاولتَه التحكم في سلوكه وتصرفاته تجاه ذلك، وتجنّبَه مواقف رد الفعل المفرطة، وحسابَه بدقة بالغة وإجهادَه عقلَه حد النهاية في كيفية دفع هذه السلبيات وتبديدِها بأكثر الطرق عقلانية ولينًا؛ عبادةٌ مهمّةٌ تقرّبه من الله تعالى.

   عزم وإصرار نبويّ

إن السعي إلى إحقاق الحق محترِمًا القيم الإنسانية السامية حتى عند انتهاك الحقوق الأساسية، والتصرفَ باتزان نبوي تجاه أكثر الأفكار غلظة وجلفة، وعدمَ الانهزام للغضب والانفعال خصالٌ صعبة للغاية ومن الضروري التحلّي بها فعليًّا، وكي يستطيع الإنسان التغلب على هذه الصعاب يلزمه بداية أن يتحلّى بأخلاق وإرادة وعزم وإصرار نبوي شعورًا وفكرًا.

وعندما ننظر إلى قصص الأنبياء التي نقلها إلينا القرآن الكريم يتضح أن كلًّا منهم يمثل -بالنسبة لنا- قدوة حسنةً يجب علينا الاقتداء بها في هذا الشأن، لأنهم لم يحيدوا عن مبدئهم ولم يتخلوا عن هويتهم وواصلوا تمثيل الدعوة الحق التي جاؤوا بها، وذلك بالرغم من تعرُّضهم الدائم للإهانة والاعتداء والتعذيب من جانب أقوامهم، وعندما ننظر إلى الأحاديث التي دارت بينهم وبين أقوامهم يتضح لنا أن كلَّ واحدٍ منهم بطلٌ من أبطال الأسلوب.

فمثلًا سيدنا نوح عليه السلام عاش بين قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا بحسب التعبير القرآني، ودعاهم خلال تلك السنوات الطويلة إلى الحق والحقيقة كما قصّت لنا سورةُ العنكبوت، ومع ذلك أُهين وأُوذِي وضُرب، لكنه إعلاءً لخاطر الحق واصلَ طرْقَ أبوابهم دون غضب ولا سخط، لدرجة أن موقف من ظلوا يواصلون تمرُّدَهم ضدّ عزمه وسعيه عليه السلام في مسألة التبليغ والإرشاد قد أثار غيرةَ الله تعالى.

أجل، هناك درجة محدّدة إذا وصل الظلم والعدوان إليها تُثار غيرة الله، إذ إن الله لا يعفو إذا ما اجتيزت هذه الدرجة، فبعد أن أثار إنكار قومه وتمردّهم غيرة الله أمر الله تعالى نوحًا عليه السلام بأن يصنع الفلك، وبينما يصنع نوح فلكه كان أشقياءُ قومه يأتونه ويواصلون مضايقته وإيذاءه.

ويتناول القرآن الكريم هذا الوضع بقوله: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (سورة هُودٍ: 11/38-39).

وحتى في تلك اللحظات التي دنا فيها العذاب لم يغير سيدنا نوح عليه السلام من سلوكه وتصرفه رغم إصرار قومه على الكفر والإلحاد وعنادهم وتمردهم، وحين أنهى الفلكَ دعا المؤمنين وأخذهم إلى الفُلْك، وبدأ ينتظر الأقدار الإلهية، بل إنه حتى حين بدأ الماء ينهال من السماء كما ينصب الماء من كوب، ويتفجر من الأرض لم يقل ولو كلمة واحدة ضد قومه من قبيل “أما كنتم تقولون لن يحدث شيء! تبًّا لكم.. هيا خذوا نصيبكم مما قلتم!”، حتى إننا عندما ننظر إلى قوله لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلاَ تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ (سورة هُودٍ: 11/42) عندما اشتد الأمر وبدأ الماء يرتفع نجده لم يُغير قطّ من موقفه في اتباع القول اللين والحال اللين والأسلوب اللين.

   الصبر والعفو فضيلة

كما هو معلوم فقد أجاز القرآن الكريم مقابلة الفعل بمثله، وذلك بدليل الآية الكريمة ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (سورة النَّحْلِ: 16/126) ولكن بقية هذه الآية ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (سورة النَّحْلِ: 16/126) تلفت الانتباه إلى سلوك أكثر كمالًا وفضلًا.

وعليه فإنكم إذا لم تُقابلوا المعاملات الفظّة الخشنة والأذى والتعذيب والضرر بمثله وتحمّلتم وأعدتم ضبطَ أنفسكم وتهيئَتَها بحقٍّ، وقرأتم مشاعر مخاطبيكم مرة أخرى، وأحسنتم حسابَ وتوقُّعَ ما سيعود عليكم من وراء كل خطوة تخطونها، وتصرفتم وفقًا لذلك التصرف الأصح تجاه الآخرين فقد فعلتم الأفضل والأمر الخير بحسب التعبير القرآني.

وزيادة في التوضيح يجب اعتبار الحكم القرآني “المعاقبة بالمثل” رخصة وجوازًا لضعاف الناس، لأن بقية الآية أوصت أصحاب الهمم العالية والعزائم السامية بالصبر، ومن هنا فإن ما يقع على عاتق المؤمنين هو السعي إلى التحلي بعزم وصبر نبوي، ولما كان باب الوحي قد أُغلق فليس من الممكن أن يكون هناك نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الإنسان بوسعه أن يجتهد لأن يتخلق بأخلاق الأنبياء ويتحلى بصفاتهم العالية التي يمتلكونها.

   تجنب مضاعفة المصيبة

الجانب الآخر من المسألة هو أن البعض ربما يتسببون في مجموعة من التخريبات بسبب خطئهم في الأصول أو الأسلوب على حد سواء، وكيفية التصرف إزاء مثل هذه الفئة من الناس مسألةٌ ترتبط بالأسلوب أيضًا، فلو تم تحميل الواحد منهم مسؤولية المحن والشدائد المعيشة ومخاطبته “بسببك حلَّ بنا هذا، لو أنك لم تقل هكذا، ولم تفعل هكذا لما أصابنا ما أصابنا”؛ هو أيضًا خطأ في الأسلوب، فمثل هذه الأقوال تُضاعف المصيبة، وتُعاظم من الآلام والمصائب الواقعة.

ربما يُخطئ البعض في الأسلوب، بل وربما يؤثّر خطؤُه هذا على الأصول، ولكن ما يجب فعله في هذا الموقف هو الاعتبار وأخذ الدرس من ذلك الخطإ، والسعي إلى عدم تكراره مرة أخرى بعد ذلك، وإلا فإننا إن بدأنا في الطعن والتشنيع على الطرف الآخر بأننا تعرضنا لطائفة من الأضرار ووصلنا إلى هذا الوضع بسبب الأخطاء التي وقعت، نكون قد أخَفْنا الناس وضيّعْنا أصدقاءَنا، وزعزعنا القوّة المعنوية بيننا.

والآيات الكريمة التي نزلت بشأن ما حدث في غزوة أُحد، وتصرُّف النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا يخبرنا بأشياء كثيرة في هذا الصدد، فكما هو معروف لقد نبّه رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم تنبيهًا شديدًا على الصحابة الذين مَوضَعَهم على جبل الرماة بألّا يبرحوا مكانهم، إلا أنهم حين رأوا أن العدوّ انهزم وفرّ هاربًا ظنوا أن الحرب انتهت، وما حدث كان مبنيًّا على عدمِ فهم ما في إطاعة الأمر النبوي بحذافيرِهِ من دقّة وحساسية، فتعقبوا العدو وتركوا أماكنهم لِأَخْذِ الغنيمة خطأً منهم في الاجتهاد، ولكن كان ثمة شيءٌ لم يتمكّنوا من حسابه جيّدًا؛ إذ إن خالد بن الوليد الداهية العسكري العظيم استفاد من تلك الفجوة استفادة جيدةً للغاية، فحاصر الجيش الإسلامي من الخلف وبدأ يُهاجمه؛ مما أدى إلى استشهاد سبعين صحابيًّا ولم يُستثنَ أحدٌ من الإصابات على اختلاف أنواعها، حتى إن وجهَ مفخرة الإنسانية شُجَّ، وكُسرت رباعيته.

قد تتبادر إلى أذهان الجميع بعض الانتقادات إزاء مثل هذه الصورة، نظرًا لوجود أحداث مهمة تتطلب ربطَ الجُرْمِ وعزوَه إلى فاعله، في لحظة كهذه كان من الممكن أن يقولوا: “كل هذا بسبب فلان وفلان”، وكان يمكن أن يُوبّخ سيدنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الصحابة، وأن يتذمّر السادة الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم، وتحدث حالة خطيرة من الهرج والمرج، ونتيجة لكل هذا كان من الممكن أن يحدث على سفوح “أُحُد” -التي تُعتَبَر شبهَ هزيمة وشبهَ انتصار- كوارث أكبر بكثير.

لكن الحق تعالى قطع السبيل أمام الأزمات المحتمل حدوثها من هذا النوع بتلك الآيات الكريمة التي أنزلها بسبب ما حدث، وأعطى رسائل مهمة بالنسبة للاحقين، فقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/159).

بعد أن امتدح الحق تعالى لين قلب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، وبينما يلفت الانتباه إلى أهمية التصرف برفق ولين من جانب، يجذب الانتباه أيضًا إلى العواقب المحتملة للعنف والشدة من جانب آخر، ليس ذلك فحسب، بل يأمر الله عز وجل رسوله الكريم بأن يعفو عن الصحابة، أي أن يتغاضى عن خطئهم، ثم يطلب منه أن يسأل الله تعالى لهم العفو، وثالث شيء يأمُر به هو أن يشاورهم في الأمر؛ أي إن الله تعالى يأمر رسوله -الذي خرج إلى أُحُدٍ بقرار تمّ اتخاذه عن طريق الشورى- يأمره أن يجمعهم ثانية بعد ما حدث ويستشيرهم مرة أخرى.

الواقع أن الله سبحانه وتعالى يُعطي المؤمنين بهذه الآية الكريمة درسًا في غاية الأهمية في الأسلوب، إنه يُعلمهم كيفية التصرف عند مواجهة الفشل وخيبة الأمل نتيجة عيوبٍ وأخطاء ارتكبها بعضُنا قدرًا، ويعلّمهم عدم مضاعفة وتفخيم المصيبة والبلوى عبر إلقاء اللوم وتخطئة الناس من حولنا.

   اللجوء إلى الدعاء

ربما أول ما يجب قوله ههنا: إذا كنتم تريدون أن يتعرف الآخرون على ما تمتلكونه من قيم، وأن يهتدوا إلى الصراط المستقيم فاطلبوا هذا من الله بالدرجة الأولى، فإن كنتم لا تنهضون ليلًا، ولا تضعون رؤوسكم على الأرض، ولا تقولون “اللهم ربنا! لقد لجأنا إليك! اللهم اهدِ فلانًا وفلانًا”، فهذا يعني أنكم لستم مخلصين في هذا الشأن، ذلك أن الله تعالى يقول: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ (سورة الأَنْفَالِ: 8/63).     

وبما أن القلوب بين يدي الله فإنه هو من يؤلف بينها ويهديها إلى صراطه المستقيم، ومن هنا فيجب بالدرجة الأولى ألا يُهمل الدعاء، وبعد ذلك نفعل ما يجب علينا كبشر من أجل تحقّق ما دعَونا الله تعالى به.

وبتعبير آخر، إن الأسلوب -الذي هو مسألة فرعية- يجب أن يتّصف بالحساسية والدقة البالغة حتى لا يطيح بالأصل من جذوره، وكما يجب استخدام العقل والمنطق على الدوام، يلزم كذلك ألَّا يُهمل التوجه إلى الله قلبًا وروحًا، واللجوء إليه، وطلب العون والعناية منه، ويجب أن نقول في دعواتنا باستمرار “إلهي، أريد أن أدعو الناس إليك وإلى حبيبك، فألهِمْني يا الله حُسن الخطاب، وقني الخطأ والتقصير!”.

الجَرَّة المشروخة: حقائق باتت ضحية الأسلوب

Herkul | | العربية

   سؤال: ركّزتم فيما سبق على ضرورة “ألَّا تتم التضحية بالأصول بسبب الأسلوب”، فهل يمكن توضيح هذا؟

   الجواب: لفظة “أصول” هي جمع كلمة “أصل”، وتأتي بمعني الأسس والثوابت، وقد اكتسبت في العلوم الإسلامية مثل الفقه والكلام والتصوّف والحديث، معاني اصطلاحية مختلفة وفقًا للعلم الذي تُستخدم فيه، لكنها باعتبار معناها العام تُستخدَم بمعانٍ مثل: أسس الإيمان، وأحكام الدين الثابتة، ومبادئ الإسلام الرئيسة، وعبر توسيع إطار المسألة نقصد من الأصول الواردة في العبارة السابقة أسسَ العقيدة الإسلامية، وكذلك جميع الأحكام التي طلب الإسلام فعلَها أو تركَها.

أما الأسلوب فهو شكل الحديث والحال والتصرف والسلوك الذي نلتزمه بينما نقدم للناس ما لدينا من قِيم، وبالتالي فإن توخي الحذرَ التامَّ والإخلاصَ في ذلك أساسٌ ومبدأٌ مهمّ للغاية لا سيما لدى أرباب الخدمة.

على سبيل المثال حقيقة “لا إله إلا الله، محمد رسول الله” أصل مهم للغاية يجب على المؤمنين الالتزام به، وألا يُفرطوا فيه أبدًا، لأنها تشكل ركن الإسلام الأول، تُرى كيف ينبغي لنا أن نقدّم للآخرين هذه الحقيقة التي يجب أن نثبتها في قلوبنا إلى أن تغدوَ جزءًا لا يتجزأ من طبيعتنا؟ هنا يأتي دور الأسلوب، إن لم نستطع استخدام أسلوبٍ صحيحٍ في هذه القضية فربما ننال صفعةً على خلاف مقصدنا، ذلك أنه حتى وإن كان مقصدنا هو تعريف الناس بالله جل جلاله وبرسوله صلى الله عليه وسلم وتحبيبهم فيهما فربما نجعلهم أعداء لهما في النهاية، ربما نتسبب في العديد من مظاهر الدمار بينما نروم البناء، وبالتالي فإن خطأً نرتكبه في الأسلوب يمكنه أن يدك نظامًا مهمًّا للغاية في الأصول.

إنكم حتى وإن تأجَّجَت قلوبكم حبًّا لله ورسوله، وكدتم تنفطرون من حماسكم تجاههما، وكنتم مغرمين بتعريفهما للإنسانية لدرجة فرار النوم من أعينكم؛ فقد يذهب هذا التفاني والسعي الحثيث وما تجرعتم من ألمٍ أدراجَ الرياح، إن عجزتم عن إيصال مشاعركم وأفكاركم هذه إلى الآخرين في إطار نظام صريح ومنطق صحيح، بل إنكم سترون أن هذه الحقائق المهمة للغاية -والتي أنتم على أتم الاستعداد للتضحية بأرواحكم عن طيب نفس من أجلها- قد فقدت قيمتها، بل وديست بالأقدام، وستتجرعون مرارة الألم على ذلك.

   معرفة المخاطب

إن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر التزام ديني مهمّ للغاية يرد الأمرُ به في العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، فعلى سبيل المثال يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذٰلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ[1].

وهذا يعني أن دعوة الناس إلى التزامِ السلوكيات التي حضَّت عليها الحضرة الإلهية، ودعوتَهم إلى التغلبِ على الآثام التي نهى عنها العلم الإلهي أساس مهم للغاية..

وبعبارة مختلفة: إن ضمان التقاء القلوب بالله تعالى عبر إزالة الحواجز بين الناس والله جل جلاله أساس مهم للغاية في الإسلام، أي إنه من جملة المهام والمسؤوليات الأساسية التي يجب الوفاء بها.

وإذا اعتبرنا أن كل مسألة دينية “أصل”، وجب علينا أن نتناول تلك الأصول ونعرضها بأسلوب صحيح حتى تحظى بالقبول لدى المخاطبين، لأجل هذا أيضًا ثمة حاجة ماسة لمعرفة البيئة الثقافية والعالم الفكري الذي نشأ فيه المخاطَب ووضعهما في اعتبار المُخاطِب، ثم يجب عرض المسائل بأسلوب لين بقدر الإمكان بحيث لا يؤذي المخاطب ولا ينفِّره ولا يستفزّه.

يجب أن تتحلوا بأعلى درجات الحذر والحساسية والحكمة، لا سيما إزاء مَنْ تقابلونهم للمرة الأولى، لأنكم لن تستطيعوا بلوغ المكان الذي تريدون الوصول إليه ما لم تتخيّروا الأسلوب الصحيح لذلك، فإن أثَرتم أي مشاعر سلبية من ناحيتكم ولو لمرة واحدة في نفس مخاطبكم، سيصعُب عليكم للغاية فيما بعد أن تصحّحوا ذلك، فإنكم إذا ما قللتم من قيمة سلوكياتكم وتصرفاتكم في نظر المخاطبين منذ البداية فصارت كقيمة النحاس، فسوف يصعب عليكم تغيير أفكارهم بشأنها حتى وإن تلفّظتم كلامًا ثمينًا من عقيق وجواهر، إذا كنتم لا ترغبون في تحويل جواهركم النفيسة إلى نحاس، وجب عليكم أن تحاولوا العثور على الأسلوب الصحيح لفعل ذلك.

وبغض النظر عن وضع الشخص الذي أمامنا، فحتى وإن كان واحدًا من المساكين الذين استعبدَتهم أهواؤهم وشهواتهم فلا يستطيعون التخلّص منها بأي حالٍ؛ فلا ينبغي أبدًا لطمه في وجهه بأخطائه وعيوبه، على سبيل المثال، إذا قلتم له “لقد أطعت هوى نفسك وابتعدتَ كثيرًا عن الله، ألا تترك الهوى وتتجه إلى الله؟”؛ فقد دمرتم الأصول بمثل هذا الخطإ الذي ارتكبتموه في الأسلوب، بل إن تصرفًا هكذا غالبًا ما يغلق جميع الأبواب والنوافذ أمامكم ويمنع من اتخاذ أية خطوات أخرى، وبالتالي فإنكم تُضيّقون مساحة الحركة الخاصة بكم، مما يجعل السبل التي ستسلكونها مستحيلة عليكم.

ولتوضيح الأمر أكثر فإنني أسوق لكم مثالًا آخر؛ تخيلوا أن تقولوا لقاضٍ أعمى البصر سيحكم عليكم في قضية ما بالمحكمة: “أيها القاضي الأعمى، لا تحكم علينا دون الاستماع إلينا، إذا غابت عن عينك الحقائق فإنها لا تغيب عن أعيننا”؛ فإذا كان القاضي سيحكم عليكم بنزاهة وعدالة في الظروف العادية، فإنه في هذا الموقف سيستفيد من مرونة القوانين لِيَقلب المسألة ضدكم ويقهركم.. وعندها تنالون صفعةً على خلاف مقصدكم.

قد تضطرون أحيانًا إلى التعامل مع أوساط تنكر الحق والحقيقة تمامًا، وأحيانًا مع الحائرين والمترددين، وأحيانًا مع المؤمنين الذين يحاولون أن يعيشوا دينهم بطريقة مختلفة، بدايةً يجب قراءة الشخص المُخَاطَب قراءةً جيدة، والتعرف عليه بشكل صحيح من حيث مزاجه ومشربه، ومعرفة البيئة الثقافية التي نشأ فيها معرفة جيّدة والاقتراب إليه بعطف ولطف، بعد تقييم كل هذه الأشياء ووزنِها يجب تحديد كيفية بدء الخطاب، ونوعية الأدلة والبراهين التي سيتمّ استغلالها، واللغة التي سيجري استخدامها معه، وطبيعة الأسلوب الذي سيُتَّبعُ معه.

على سبيل المثال، إذا بدأتم الحديث وأنتم تخاطبون شخصًا منكِرًا لله بقولكم: “يا هذا، لماذا لا تقبل بوجود ووحدانية الله بينما هناك قدرٌ كبيرٌ من الأدلة الواضحة وضوحَ الشمس والمرئية رأيَ العين؟! توقفْ عن الإنكار والضلال، وقل: لا إله إلا الله”؛ فإن محاوركم سيسُدّ أذنيه عنكم، ويصبح فيما بعد أصم أبكم أعمى، لا يعقل ما تقولون.. نعم، كلنا يعلم جيّدًا أنه حتى تناول الطعام على المائدة له أسلوبه الخاص به، وكذلك بالنسبة لأية مسألة كهذه تقدمونها لمخاطبيكم؛ فإن لم تراعوا آداب المسألة وأركانها تتسبّبون في انغلاق الأفهام والأذهان المتلقية دون كلامكم القيِّم والثمين الذي تقولونه لاحقًا.

يقول الحق تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (سورة الأَنْعَامِ: 6/108)، إذا كنتم ستهينون وتسبّون آلهة المشرك؛ سواءً كانت “اللات” أو “مناة” أو “العزى” أو “نائلة” أو “إيساف”… فقد مهّدتم الطريق أمامه كي يُهين القيم التي تؤمنون بها ويُهاجمها، ونتيجة لذلك، فإن أولئك المشركين سيتشبثون بِقِيَمِ البيئة الثقافية التي نشؤوا فيها ولن يتخلوا عنها بسهولة، إذا لم تتصرفوا باحترام تجاه معتقداتهم مع الإقرار بأنها باطلة، فلن تستطيعوا إثارة مشاعر الاحترام في مخاطبيكم تجاه قيمكم الخاصة، إن طريقة تقديمكم للأمور مع مراعاة وضع مخاطبكم مسألة مهمة جدًّا، يجب عليكم أن تضعوا في الاعتبار بشكل جيد للغاية أي نوع من التعبيرات، والكلمات والمفاهيم التي ينزعج منها أو لا، وكيفية البدء في الكلام ومواصلته معه، وكيف تنسجون أفكاركم وتحبكونها وما إلى ذلك.

هذا الأسلوب والمنهاج في الدعوة يمكن استنباطه من بديع الزمان سعيد النورسي، إذ قال في رسائله: “عليك أن تقول الحق في كل ما تقول، ولكن ليس لك أن تذيع كل الحقائق، وعليك أن تصدق في كل ما تتكلمه، ولكن ليس صوابًا أن تقول كل صدق”[2]، لذلك يجب أن يتحرى المؤمن الصدقَ في حديثه دائمًا، وأن تكون كل كلمة في كلامه حقيقة بالتمام، لكن لا ينبغي له أن يقول في بعض البيئات، وأمام بعض الناس بعضَ الحقائق التي يعرفها بتمامها، إذا كانت هذه الحقائق سوف تثير ردة فعل في الجانب الآخر، وتؤدي إلى اتخاذهم موقفًا تجاهكم، وتقلِّلَ من قيمة حقائقكم الثمينة كاللؤلؤ والمرجان فتجعلها مثل قيمة النحاس، فمن الأفضل أن تبقى تلك الحقائق في أذهانكم، ينبغي للمرء أن يتحلّى بالحكمة القائلة “لكل شيء وقتٌ وحينٌ”، وأن يتحلى بالصبر في هذه القضية إزاء تباطؤ الزمان الذي قد يُوصِل إلى حد الجنون، لأن العديد من الحقائق التي تُرفض عندما تُقال لأول مرة، تحظى بحسن القبول عندما تُقال في وقتها المناسب.

في البداية قد لا يكون المرء قادرًا دائمًا على أن يحدد بشكل صحيح متى وأين وكيف يتحدث مع محاوره، وطبيعةَ الأسلوب الذي سيستخدمه، لا سيما أنه من الصعب للغاية بالنسبة لأصحاب الطبائع المتهيجة التحلي بالصبر والمحافظة على وداعتهم وهدوئهم تجاه التصرفات والسلوكيات التي ينزعجون منها، لكنّ تعوُّدَ المرءِ على هذا وجعلَه بعدًا من أبعاد طبيعته يعتمد أيضًا على إعطاء الإرادة حقّها، ومهما شقّ عليه الأمر في أوله فإنه يستطيع أن يُعوّد نفسه على ذلك مع مرور الوقت، بل يجب عليه ذلك، فالمواقف التي يحاول الرجل إظهار أنها تأتي منه طواعية، في حين أنه يُجبر نفسَه عليها، ستكون جزءًا من طبيعته مع مرور الوقت، ثم إن روح الإنسان وأحاسيسَه ستكتسب الدُّربة في هذه المسألة، وكما يفعل أرباب الصناعات المختلفة أعمالهم الخاصة دون أية صعوبة نتيجة لاكتسابهم الخبرة والدُربة مع تراكم السنين، فإنه أيضًا سيدرب نفسه إلى أن يجعل أسلوبه محميًّا من الخطر حتى في أكثر المواقف صعوبة وإشكالًا.

   المحافظة على الوحدة والترابط

من المعلوم أن الحق سبحانه وتعالى وصف في بيانه الكريم أن المؤمنين إخوة، وكثير من الآيات القرآنية الحكيمة نبّهت على أهمية الوحدة والترابط، وهذا يعني أن تحقيق الوفاق والاتفاق أحد أصول الإسلام المهمة، لكن إذا ألقينا نظرة عامة على أحوال المؤمنين اليوم فمع الأسف سنجد الفرقة والاختلاف تسود بينهم وتفرض حكمها عليهم، ومن أجل إصلاح هذه المسألة فعلى المؤمنين السالكين طريق الإصلاح هذا أن ينتبهوا إلى الوسائل والأسباب ويولوهما الدقة والاهتمام.

قد يقف البعض على مسافة منكم لمختلف الأسباب، ولكن وبغض النظر عن أسلوبهم وأطوارهم تجاهكم فالواجب عليكم عدم التخلي عنهم، لأن المسلم عليه ألا يتخلى عن المسلم، لذلك فمهما هربوا منكم فعليكم الاقتراب منهم، ولكن أهم شيء هنا أسلوبكم في التقرب إليهم، فلو أنكم قلتم لهم: “إننا نقوم بالأمر على الشكل المطلوب، وطريقُنا ثمارُه أكثر، وفوائدُه جمة، وأنوارُه ساطعة، فتعقلوا بنا وانضموا إلينا، وكونوا عونًا لنا”؛ فإنكم بقولكم هذا تكونون قد أبعدتموهم عنكم أكثر فأكثر.

ولكن بدلًا من ذلك عليكم أن تتخذوا أسلوبًا أكثر لطفًا ومعقولية وإنسانية، فمثلًا يمكنكم مخاطبتهم هكذا: “إننا نحارب الجهل والفقر والافتراق عبر إنشاء وفتح المراكز التعليمية، والفاعليات الخيرية، وفتح طريق الحوار بين الناس، ولكننا لا نجزم أن ما نقوم به هو الطريق الصائب، فلا ندري هو صائب أم لا؟ ولذلك نريد أن نستفيد من أفكاركم وخبراتكم، بل إننا نريد أن يكون لنا مكانًا في قلوبكم فتذكرونا في دعواتكم وتضرعاتكم، فإن دعمكم هذا سيكسب الأعمال التي نقوم بها بركة خاصة”.

فلو أن الأمر تم الاقتراب منه داخل هذا الإطار السابق، وأظهرتم للناس احترامًا وتوجهًا صادقًا، سيقابلونكم بنفس الاحترام والتوجه؛ إن لم يكن اليوم فغدًا، ولذلك فإن قوبلتم بالرد والرفض فعليكم ألا تستسلموا، وإن أُغلقت دونكم الأبواب خمسين مرة، فعليكم طرقها مرة تلو الأخرى، والاتصال الهاتفي بهم، وعليكم أن تبحثوا عن طرق جديدة ومتنوّعة لتحقيق الوفاق والاتفاق، وعلى الإنسان أن يقول لنفسه: “قد أكون ذكرتُ الكثير من الأمور الجميلة ومع ذلك فإنني تصرّفت بشيء من الخشونة والوقاحة؛ ما كان عليّ أن أقول هكذا، يجب أن أجد أسلوبًا لائقًا وملائمًا أفضل من أسلوبي السابق، فإنني عاجز لدرجة أنني لا أعرف ما يجب علي أن أقوله لهذا الإنسان…”، وعليه أن يتوجه لهذا الشخص مرة أخرى ولكن هذه المرة عليه أن يقول له على سبيل المثال: “من فضلك لا تتركنا بمفردنا، كن عونًا وسندًا لنا، أَنِرْ لنا الدرب والآفاق بأفكارك الآفاقية، ولا تحرمنا من ألطافك”.

وإذا أُغلق الهاتف أو الباب في وجوهكم مجددًا، فعليكم بالتفكير المستمر، والبحث الدؤوب للنفوذ إلى قلب مخاطَبكم، وعليكم إيجاد البدائل، واستخدام الطرق المختلفة، وإن لم يحدث فعليكم حينها مراجعة “العقل الجمعي” وعليكم وأنتم تفعلون هذا أن تضعوا نصب أعينكم مدى إدراك المخاطب، وعالمه الروحي، وموقفه الديني، وتصوراته الدنيوية، ثم تحاولون إيجاد طرق مختلفة للتلاقي معه والوصول إليه.

ومن حيث المبدأ فليس شرطًا أن يسير الأشخاص وفقًا للطريق الذي رسمتموه، ولا أن يشاركوكم مساركم الخاص؛ فكونكم تعيشون وفقًا لمسلككم الخاص الذي تحبونه، هذا لا يستلزم منكم الشعور بالحسد والتنافس والعداوة تجاه الآخرين، فلتعشقوا مذهبكم ومسلككم ومشربكم الخاص ولتكونوا صادقين ومخلصين له لأبعد الحدود من ناحية، ومن ناحية أخرى لا تنسوا أن للآخرين أشخاصًا وقدواتٍ يحترمونها، ومبادئَ يُعلون من شأنها، ومسالكَ يتبعونها، وما يقع على عاتقكم هو أن تفتحوا قلوبكم للجميع، وألا تظهروا أدنى درجات التحقير لما يعتقده الآخرون ويجلّونه، وعليكم أن تذكروا بالجميل كلَّ من يخدم الدين، ولتجعلوا أبوابكم مفتوحة على مصاريعها لهم دائمًا أبدًا، وعبر هذا السبيل تتم المحافظة على سلامة الطريق وأمنه وخلوه من الحوادث المرورية؛ وإلا فستواجهكم مقطورة في كل أركان الطريق، لتتوالى الحوادث، وتكثر الضحايا.   

   رعاية الأسلوب حتى أمام الفراعنة والجبابرة

وكما أفدنا سابقًا وفي مناسبات مختلفة، إن الله سبحانه وتعالى عندما اختار اثنين من أحب عباده إليه وأرسلهم إلى فرعون، قال لهم في محكم التنزيل ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (سورة طَهَ: 20/44) بينما فرعون هو الرجل الذي جمع قومه ليقول لهم ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ (سورة النَّازِعَاتِ: 79/24)، ففي الأساس كان لفرعون شخصية تبث الرهبة في نفوس الناس عند ذكر اسمه، ويتلعثمون ويرتجفون خوفًا إن مَثلوا أمامه، ورغم أن فرعون شخص من عِظم كبره وتكبره وتمرده يدعي الألوهية؛ لكن الله سبحانه وتعالى عندما أرسل إليه رسولَيه عليهما السلام أمرهما أن يستخدما معه أسلوبًا لطيفًا ليِّنًا، وكأن معنى الآية الكريمة: “نعم، إنه رجلٌ سيئ، ولكن هذا ليس مبررًا لأن تقذفوا أخطاءه في وجهه وتخاطبوه بأسلوبه، بل خاطبوه بتجرّدٍ تام، وقولٍ ليّن قد يسوقه إلى الحق ولا ينفّرُه منه”. 

وفي الظروف العادية فإن شخصًا متكبرًا متألِّهًا مثل فرعون، إذا جاءته مثل هذه الرسالة من الخارج فإن الفعل المنتظر منه -بالنظر إلى طبيعة شخصيّته وسلوكياته- هو أنه سيستشيط غضبًا، وسيقتل هؤلاء الرسل شرّ قتلة وعلى جناح السرعة -وهذا بغضّ النظر عن عصمة الله لهما من بطشه، فهذا أمر آخر- لكن بدلًا من ذلك نجد فرعون بدايةً يناقشهما في مسألة الرسالة الإلهية، وبعدها يقرّر عقد مناظرة ومنافسة بين سيدنا موسى عليه السلام والسحرة، وهذا يعني أن فرعون قد أصبح مجبرًا على فعل ذلك نتيجة الأسلوب اللين والكلمات المؤثرة والأطوار والأحوال والتصرفات والأفكار التي عرضها كلٌّ من سيدنا موسى وسيدنا هارون عليهما السلام. 

وعندما ينتصر سيدنا موسى عليه السلام على سحر السحرة يبدأ فرعون في اتخاذ موقف جدلي، ويبذل أقصى وسعه حتى لا يُساقَ إلى الإيمان، لكن كثيرًا من الحاضرين والمشاهدين لمعجزة سيدنا موسى عليه السلام تبدأ قلوبهم تشعّ بنور الإيمان، وعلى الأقل فجميعهم ينجون من دركة الكفر المطلق ويقعون في درجة التردّد، ومثل هؤلاء الناس الذين خطوا الخطوة الأولى تجاه الإيمان تكون خطواتهم التالية تجاه الإيمان أسهل وأيسر، انظروا كيف أن “القول اللين” و”الحال اللين” كانا سببًا في ذلك التوفيق العظيم.

وهنا أريد أن أستطرد قليلًا ثم أعود، فنبيّنا محمدٌ عليه الصلاة والسلام كان مثل نبيّ الله موسى عليه السلام، فقد كان يخرج مرات ومرات أمام فراعنة عصره من أمثال أبي جهل والوليد بن المغيرة، وعتبة بن ربيعة وغيرهم، ليبلّغهم الوحي الذي أنزله الله عليه، ورغم معاملتهم السيئة وفرضهم المقاطعة، إلا أنهم عاشوا سنوات عديدة في البداية دون أن يقرروا قتله ومن معه والخلاص منهم، ولو أنهم عزموا فعل ذلك ما كان الله تعالى ليعطيهم الفرصةَ بدليل ما حدث بعد ذلك، ولكن المهم هنا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعامل معهم بأسلوبٍ راقٍ غاية في اللطف واللين، فلم يقل لهم ما قد يمسّ مشاعرهم وينال منها، ولم يكن في ألفاظِه وأطوارِه وأحوالِه يثيرُ حفيظتهم أو يستثيرها، فقد كان في أغلب الأوقات يجذبهم إليه بأسلوبه وينتصر عليهم بأفكاره، وعلى الرغم من أن المخاطبين كانوا يحيدون بالنظر عنه عنادًا وكبرًا، إلا أنه صلى الله عليه وسلم كان يحرز انتصارات داخل الضمير العام للمجتمع.

ومن جهة أخرى فإن الله سبحانه وتعالى قد أمر سيدنا موسى وسيدنا هارون باتّباع أسلوب ليّن في تبليغ فرعون، حتى يكون قد أزال من يد فرعون أية معذرة واهية قد يلجأ إليها في الآخرة، فلا يقول: “نعم قد جاءني الرسول وبلغني الرسالة، ولكنه عرضها بأسلوب غاية في الفجاجة والفظاظة، وقلّل من شأني، فصرت خجلًا أمام قومي”، وبهذا المعيار فحتى مثل هذه المعذرة الصغيرة نزعها الله من يد فرعون بقوله تعالى: “فقولَا له قولًا لينًا”.

ولا أدري اليوم ونحن في هذا العصر ندعي التمدّن والتحضّر ونقول بأن القيم الإنسانية أصبحت في المقدمة، هل استطعنا فهمَ رسالة هذه الآية بدقائقها الحقيقية أم لا؟! هل استطعنا أن ندرك الحكمة والمصالح وراء القول الليّن؟!

وفي محكم التنزيل هناك آية متعلقة بأهل الكتاب يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (سورة العَنْكَبوتِ: 29/46)، إذًا هذا يعني البحث أثناء مخاطبتهم على أفضل أسلوب وأحسنه، والحديث بصورة لا تجرح مشاعرهم، لأنه يجب أن تضبطوا أنفسكم وفقًا لحال مخاطبكم، وحينها تُفتَح القلوب وتصِلون إلى الغاية المبتغاة، لكن إن نظرتم إلى حال المسلمين اليوم وأطوارهم سترونهم لم يستطيعوا الوصول إلى هذا الأفق بعد. 

وإن كان من الواجب استخدام الأسلوب اللين مع فرعون ومع أهل الكتاب، إذًا علينا أن نعيد النظر في خطابنا تجاه بعضنا البعض مرات ومرات، وعلينا ألا نهدم القلوب لأن القلب هو بيت الله، وهدمُه هدمٌ لبيت الله تعالى، وخطاب المؤمن تجاه المؤمن يجب ألا يكون هدمًا للقلوب بل ينبغي أن يكون إعمارًا لها، وعلى هذا يجب أن يكون هذا حال المؤمن في كل أطواره من عافية وابتلاء وأفراحٍ وأتراح، وذلك ليكون مقنعًا لمخاطبيه.

ومما يجب ذكره هنا أيضًا، أنه لكي يصدر القول اللين من إنسان يجب أن يكون ليِّنًا في كل أطواره وأحواله، لأن الإنسان وفقًا لشخصيته فإن لم يكن ليِّنًا ولطيفًا فكذلك أفكاره وأقواله لن تكون لطيفة ولا لينة.

***

[1] صحيح مسلم، الإيمان، 78؛ سنن الترمذي، الفتن، 11؛ سنن أبي داود، الصلاة، 239.

[2]  بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب الثاني والعشرون، ص 323.

الجَرَّة المشروخة: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّه

Herkul | | العربية

   سؤال: ورد في أحد الأحاديث النبوية الشريفة الحديث عن سبعة أصناف من الناس سيستظلون بعرش الرحمن يوم القيامة؛ يوم لا ظلّ إلا ظلّه سبحانه وتعالى، فما هي الصفات المشتركة بينهم؟

   الجواب: ثمة عنصران مهمَّان جدًّا يُمكِّنان الإنسان من إحراز مستوًى في العبادة والوصول إلى القمم المستهدفة من خلقه، هما وفاؤه بعباداته وطاعاته مهما كان في الأمر من مشقة ، من ناحية، وابتعادُه عن الذنوب والمحرمات مهما كانت صعبة ، من ناحية أخرى؛ لأنه كلما كان العمل الذي يضطلع به العبد صعبًا، كلما زاد الثواب والمكافأة التي سيحصل عليها.. وبالمثل، إذا استطاع المرء تجنب الخطايا التي يصعب للغاية تجنُّبُها، قَدِر على الوصول إلى أعلى مراتب العبودية.. والنقطةُ اللافتة للانتباه في هذا الحديث المعني بالذكر والتي تعتبر قاسمًا مشتركًا هي حقيقةُ أن هذه الأصناف السبعة تنجز أعمالًا يصعب القيام بها بالنظر إلى بعض الخصائص الفطرية الكامنة في الإنسان والظروف المعيشية المحيطة به.

ونص الحديث المراد على النحو الآتي: عن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: “سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ[1].

والآن فلننظر عن كثبٍ وبالترتيب، إلى تلك الأصناف الواردة في هذا الحديث الشريف:

   1- الإمام العادل

ذكر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الإمام العادل على رأس من سيستظلّون بظلّ العرش، ويدخل ضمن هذا الإطار أيضًا جميع المسؤولين والإداريين؛ بدءًا من “القائم مقام” المسؤول عن إدارة أصغر قصبة وصولًا إلى رئيس الدولة المسؤول عن إدارة الدولة، وهكذا يفوز بهذه البشارة كلُّ مسؤول في مثل هذا الموضع، يسعى إلى إقامة العدالة بحذافيرها، ويتصرّف بحساسية بالغة وحذر شديدٍ لئلا يظلم أو يجور ولو على مثقال حبة من شعير.

من السهل إلى حد ما بالنسبة للأشخاص العاديين الذين لا يشاركون في أي مستوى من مستويات الإدارة أن يكونوا عادلين، ولكن كلما زادت المسؤوليات والالتزامات كلما أصبح من الأصعب مراعاة العدالة والحفاظ على الاستقامة، وعلى سبيل المثال: إذا كان من الصعب على منْ يتولى منصب عمدة قرية أن يكون أكثر عدلًا من أي شخص عادي؛ فإن مَنْ يكون مسؤولًا عن دولة كبيرة وفي موقع السلطان سيصعب عليه تحقيق العدالة؛ لأن من يحرزون مثل هذا الموقع يتمتعون بقوة وقدرة كبيرة، ويقف بجانبهم أناس يقولون دائمًا “فخامة الملك” احترامًا وخضوعًا، بالإضافة إلى ذلك، هناك جماهير غفيرة تصفق لهم ما إن يتفوهوا بكلمة، دون اعتبار إن كانت جيدة أو سيئة.

الحقيقة أنه من الصعب للغاية ألا يتجرع امرؤ في مثل هذا الموقع من سُمّ القوة، وألا ينجذب للتصفيق والتقدير، وألا يسيء استعمال الإمكانيات الواسعة التي بيده، وألا يبرح العدل والحقانية مع وجود كل هذه العوامل المُضلِّلة والمُفسدة، وهكذا فإن الإنسان الذي يتغلب على هذه الصعوبات، ولا يختلس حتى حبة شعيرٍ ليست له، ويستخدم جميعَ الإمكانيات والقوى والقدرات المستأمن عليها في سبيل خدمة أمته فحسب سوف يحظى بمزيد من المفاجآت الإلهية حين ينتقل إلى الحياة الآخرة. وبتعبير آخر كلما ارتفع مقام المرء ومنصبه كلما صعُب عليه الحفاظ على استقامته؛ والتغلبُ على هذه الصعوبة يرفعه بشكل عمودي إلى الكمال الإنساني.

   2- شاب نشأ في عبادة الله

وفقًا للآية الكريمة ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (سورة الذَّارِيَاتِ: 51/56) فإن الهدف الأساس من خلق البشر هو أن يعبدوا الله تعالى، وبحسب تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لهذه الآية هو الوصول إلى معرفة الله. وبالتالي فإن الطريق إلى النجاح في الامتحان الدنيوي هو معرفة الله، والتعرف عليه، ومحبته، وعبادته حق العبادة. فلا شك أن هناك مجموعة من الصعوبات أمام النجاح في امتحان كهذا إذا ما وُضعت في الاعتبار العوامل التي قد تحيد بالإنسان عن الطريق المستقيم كالنفس والشيطان.

ومع أن هناك صعوبات يواجهها الجميع حتى يتمكنوا من عبادة الله بحقٍ، إلا أنه من الصعب جدًّا أن تكون هناك حياة تعبدية مثالية لا تشوبها شائبة في مرحلة الشباب التي تطوّقها تمامًا الأهواء والرغبات، لهذا السبب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الصنف الثاني الذي سيستظل بعد الإمام العادل بظل عرش الله، هم زمرة الشباب الذين أسلموا أنفسهم للعبادة، ونشؤوا وكبروا وبلغوا الكمال في دربها، ونظرًا لأنه يصعب للغاية على الشاب أن يتمرد على رغباته وإملاءاتها ويقول لها “لا”؛ فقد أُشيد في الحديث الشريف بالشباب الذين يتغلبون على هذه الصعوبة ويطيعون الله بدلًا من الهوى، وعليه فإن قدرة الشاب على قول “لا” للرغبات والمطالب المحرمة التي قد تطمع فيها أعضاء جسده كالعينين والأذنين واللسان؛ سترفعه إلى قمة الكمال الإنساني.

   3- رجل قلبه معلق بالمساجد

أما الصنف الثالث الذين ورد ذكرهم في الحديث فهم الذين تعلقت قلوبهم بالمساجد، تخيلوا شخصًا يأتي المسجد فيؤدي صلاته، ثم يخرج جسده الماديّ ويغادر، إلا أن قلبَه يظلّ في المسجد، وبينما هو في الخارج يبقى في انتظار الصلاة التالية على أحرِّ من الجمر؛ إذ لم تتمكن مفاتن الدنيا وهموم المعيشة، والحرص على كسب المال، وفكرة التلذّذ بمتع الدنيا من أن تجد لها مكانًا في قلبه.. بالعكس فحين يخرج من المسجد الذي تعبد فيه لله ربه يشعر وكأنه يختنق بثاني أوكسيد الكربون؛ ولذلك يبدأ في التطلع إلى طريق المسجد حتى يتنفس الأكسجين من جديد، فمثلًا حين يُصلي الظهر ويخرج من المسجد يقول في نفسه “ليت أذان العصر يُرفع فأُهرع إلى الجامع؛ ليتني أشعر مرة أخرى في وجداني بنداء المؤذن “الله أكبر”.

ويمكننا ربط هذا بذلك الحديث النبوي الشريف “مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ حَتَّى أَصْبَحَ كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ[2]، ففي مثل هذه الأحاديث يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم إن أنفاس الإنسان الذي تعلّق قلبُه بعبادة الليل ستكتب له بمثابة التسبيح والذكر، وذلك لمجرد نيّته هذه فحسب.

ولا شك أن ارتباط الإنسان بالمساجد والعبادة إلى هذا الحد حال لا يتسنى الجميع أن يناله؛ ولذلك فإن من يستطيعون هذا يرتقون مباشرة إلى الله تعالى.

   4- المتحابون في الله

أما الزمرة الرابعة فهم الذين قال عنهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم “رَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ”، والأصل أن “الحب في الله، والبغض في الله” أساسان مهمان في الدين، لكن هذا الأمر ليس يسيرًا ألبتة، فمن الصعوبة بمكان أن ينحّي المرءُ مصالحه وأذواقه ورغباته الشخصية ناحيةً، ويتحبب إلى أخيه ويتقرب ويتودّد إليه لأجل دينه وتديّنه وإيمانه وقربه من ربه وخدمته لدينه وأمَّته.

ولكن أليس ما نشعر به من حب عميق في نفوسنا تجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم جميعًا، وتشوفنا لأن نكون بجوارهم، سببُه الأساس هو نيل رضا الله سبحانه؟! وبتعبير أكثر وضوحًا: ألسنا نحبّهم بسبب الرسالة الإلهية التي حملوها إلينا، وقربِهم من الله عز وجل، ولأنهم مثّلوا في أنفسهم أوّلًا جماليّات الإسلام الحقيقية على وجهها الأكمل، واضطلعوا ببطولات حقيقيّة من أجل دينهم؟! لقد أظهر هؤلاء تفوُّقًا فريدًا وعاليًا في مسألة تمثيل الدين ومعايشته حتى إن كل الموازين الدنيوية لتعجز عن وزن وتقدير ذلك، بل إنني أظن أنه لو وضعت أعمالهم وفضائلهم تلك على الميزان في الآخرة لما تحمل الميزان وخرَّ من عِظم وثِقل أعمالهم.

وبجانب هذا النوع من الحب توجد أيضًا علاقات تقوم على المنفعة الدنيوية والمصلحة الشخصية، وفي سبيل تلك المصلحة يكون أحد الطرفين للآخر بمثابة ذيل أينما حلوا أو ارتحلوا، فأحيانًا تجدهم يلتفون حولهم وكأنهم حراس أو ندماء، وأحيانًا يتملّقونهم، وأحيانًا أخرى يتسابقون من أجل ستر وإخفاء عيوبهم، ومع أنهم يظهرون لهم الحب والوداد إلا أنهم في الأصل لا يحبون إلا منفعتهم ولا يجرون إلا وراء مصلحتهم.. ومثل هذه العلاقات المنفعية لا يُبتغى بها مرضاة الحق سبحانه وتعالى.

فالمتحابون في الله الذين تقوم علاقتهم على رضا الحق سبحانه، لا يتملقون ولكن يحبون الخير لبعضهم البعض؛ وما يرونه من قصور وأخطاء عند بعضهم لا يتحرَّجون من قوله، ويجذب بعضهم بعضًا دائمًا إلى الاستقامة، بل إن عتابهم وانكسار قلوبهم من بعضهم البعض يكون في الله أيضًا، وفي سبيل الحيلولة دون أن يقع أحد أصدقائهم في الظلم أو الخطإ، فإن من أعظم العوامل التي تُدخِل المرء في ظل عرش الرحمن يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله هو: التحابّ في الله دون التشوّف إلى أي مصلحةٍ دنيوية، وقيام هذه العلاقة واستمراريتها على أساس رضا الله سبحانه وتعالى فحسب.

   5- أبطال العفة

الصنف الخامس الذي أخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيستظل بظل عرش الله يوم القيامة هو الشخص العفيف الذي إذا “طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ”، ولا شك أن صبر الإنسان في تلك الحال وضبطَه لرغباته وغرائزه يُعَدّ أمرًا في غاية الصعوبة، ولذلك فإن نجاح الشخص في ذلك الموقف الصعب يجعله يرتقي إلى عرش الكمالات الإنسانية.

ويُروَى في هذا الصدد: أنه كان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شاب متعبد قد لزم المسجد، وكان عمر به معجبًا، وكان له أب شيخ كبير، فكان إذا صلى العتمة انصرف إلى أبيه، وكان طريقه على باب امرأة فافتتنت به، فكانت تنصب نفسها له على طريقه، فمر بها ذات ليلة، فما زالت تغويه حتى تبعها، فلما أتى الباب دخلت، وذهب يدخل فذكر الله عز وجل، وجلي عنه، ومثلت هذه الآية على لسانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/201)، فخر الفتى مغشيًّا عليه، فدعت المرأة جارية لها فتعاونتا عليه، فحملتاه إلى بابه، واحتبس على أبيه فخرج أبوه يطلبه، فإذا به على الباب مغشيًّا عليه، فدعا بعض أهله، فحملوه فأدخلوه، فما أفاق حتى ذهب من الليل ما شاء الله عز وجل، فقال له أبوه: يا بني ما لك؟ قال: خير، قال: فإني أسألك، قال: فأخبَرَ بالأمر، قال: أي بنيّ، وأيّ آية قرأتَ؟ فقرآ الآية التي كان قرأَ، فخرّ مغشيًّا عليه، فحركوه فإذا هو ميت، فغسلوه وأخرجوه ودفنوه ليلًا، فلما أصبحوا رُفع ذلك إلى عمر رضي الله عنه، فجاء عمر إلى أبيه فعزاه به، وقال: ألا آذنتني؟ قال: يا أمير المؤمنين كان الليل، قال: فقال عمر: فاذهبوا بنا إلى قبره، قال: فأتى عمر ومن معه القبر فقال عمر: “يا فلان ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (سورة الرَّحْمَنِ: 55/46)، فأجابه الفتى من داخل القبر: “يا عمر قد أعطانيهما ربي عز وجل في الجنة مرتين”[3].

   6- أبطال الإنفاق في سبيل الله

ويشخّص الحديثُ حالةً دقيقةً وصعبةً أخرى فيقول: “وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ”، والأصل أن المسألة هنا يكتنفها تشبيهٌ مهمّ يشير إلى أهمية القيام بأعمال الخير في السرّ والكتمان، فإذا روعي هذا الأمر فسيظل الشخص بعيدًا عن أدنى أشكال الرياء والسمعة، كما سيجنِّب المتصدَّق عليه الشعور بالخزي والحرج، فضلًا عن أن الشخص المتصدِّق سيظل محتفِظًا بإخلاصه، دون أن تشوبه أيّة شائبة.

وتأثرًا بهذا الحديث وغيره من الأحاديث ظهر في عهد الدولة العثمانية ما يُسمّى بـ”أحجار الصدقة”[4]، وكانت عبارة عن أعمدة حجرية يترك فيها المتصدِّق بعض الصدقة من النقود، حتى يأتي المحتاجُ ويأخذ منها قدر حاجته، وإنّ إقامة مثل هذا النظام ليدل على مدى استقامة المجتمع في ذلك الوقت، وخلوّه من جرائم السرقة والغصب والابتزاز.

أما عكس ذلك فهو التصدق على المحتاجين أمام أعين الجميع، عندها لا يَسلم المحتاج من المنّ والأذى، والتعرض للهمز واللمز من هؤلاء وأولئك؛ لأن مقصد هؤلاء المجاهرين بالصدقات هو الظهور أمام الناس بمظهر الكريم المحب للخير، ونيل التقدير والتصفيق والتهليل من قِبل المجتمع، يقول الله تعالى مشيرًا إلى هؤلاء ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/263).

   7- الخشيةُ حدّ البكاء

وينتهي الحديث بـ”رَجُل ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ”، والحقيقة أن الإنسان إذا انزوى إلى مكان لا يراه فيه أحد، ووضع رأسه على الأرض ساجدًا لله تعالى في ظلمة الليل مثلًا متذكرًا موقعَه ومكانه من الطاعة، ومتفكرًا في موقفه أمام الحق سبحانه، ومتأملًا في عظمةِ الله جل جلاله وصغرِه أمام تلك العظمة الإلهية ففاضت عيناه بالدموع إثر ذلك؛ فلا جرَمَ أن هذا من أعظم الأعمال التي يرفع الله سبحانه بها عباده إلى الأعلى مباشرة. 

والواقع أن كل الأمور التي ورد ذكرها في الحديث هي أمورٌ شاقّة وصعبةٌ لا يوفّق إليها كثيرٌ من الناس؛ حيث تحتاج إلى الصبر والتحمل والعزيمة والثبات، فمن ينجح في اجتياز تلك المصاعب والعقبات، يكون مظهرًا للكثير من الألطاف الإلهية.. ويمكن قياس أعمال الخير الأخرى على تلك الأعمال بجامع العلّة، فكل العبادات والطاعات التي يقوم بها الشخص يمكن تقييمها وفقًا لهذا المعيار، بناءً على ذلك فمَن يقوم بالأعمال الشاقّة، أو مَن يظلّ مبتعدًا عن المحرمات التي يسهل الوقوع فيها ويصعب الاحتراز منها؛ سيحرز مرتبة عظيمة عند الحق تعالى فينال من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

نسأل الله أن يقوِّي ويوفِّق جميع المؤمنين لا سيما الأجيال الخادمة للدين إلى تجاوز الصعاب وتحقيق تلك المرتبة العالية، فإن هؤلاء سيقومون -بمشيئة الله- بما أنيط بهم من أعمال شاقة، وسيتحلون بأسمى درجات الصبر والصمود أمام المنكرات والشرور، وعندها سينالون شرف الدخول في ظل عرش الله عز وجل، وسيسعدون بالألطاف الإلهية التي لا حصر لها.

***

[1] صحيح البخاري، الأذان، 36؛ صحيح مسلم، الزكاة، 91.

[2] سنن النسائي، قيام الليل، 63؛ سنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، 177.

[3] ابن عساكر: تاريخ دمشق، 45/450، البيهقي: شعب الإيمان، 1/468.

 [4]أحجار الصدقة: عمود متوسط الطول من الحجر الرخام مجوف من أعلاه لوضع النقود وفي أحد جوانبه توجد فتحة لاستخراج النقود. وهكذا لم يكن يلتقي المتصدق بمن تصدق عليه.

الجَرَّة المشروخة: التعمّق في العبودية

Herkul | | العربية

   سؤال: ما الأمور التي ينبغي للمؤمن مراعاتها حتى يبلغ الكمالَ في العبودية لله تعالى؟

   الجواب: يجب على المؤمن أن يستفرغ جهده في سبيل التوجه إلى الله والتعمق في العبودية، وأن يبذل طاقته من أجل إعلام الناس بالقيم التي يؤمن بها؛ وذلك أهم وأعظم الغايات. أجل، لا بد أن يتمثّل العبد هذا النمط من العبودية لربه، ويفرّغ نفسه لمثل هذه العبادة؛ حتى إذا ما رآه أحدهم قال: “يبدو أن هذا الشخص لا يُشغِل نفسه إلا بالعبودية”، وإذا اطّلعت عليه الملائكة أخذَتْها الدهشة والحيرة من عمق عبوديّته لربه، فَتَرمُقه بمشاعر الغبطة والتقدير قائلة: “سبحان الله! كيف لهذا البشر المستودَع بالغرائز والشهوات أن يجتاز هذه الملمات، ويسيح في أفق الروح؟

وعلى نفس الشاكلة يجب على المؤمن أن يكرّس نفسه لخدمة الإيمان والقرآن حتى إذا ما نظر إليه أحدٌ من الخارج قال: “من المحتمل أن هذا الشخص لا يعرف شيئًا سوى الخدمة”، وإذا ما رأى الآخرون همتَه وسعيَه وعزمَه على استغلال كل إمكانياته لإعلاء كلمة الله، وأن تسترد أمته موقعها اللائق بها في التوازن العالمي حسبوا أنه مجنون، والواقع أنه إن لم تلتصق به هذه الصفة بسبب وعيه الديني وتعمّقه في معايشة الإسلام فمن الصعب أن نقول إنه قد وصل إلى الكمال في الإيمان.

باختصار يجب عليه أن يكون مثل الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم أجمعين؛ فمن رآهم وصفهم بقوله: “رهبانٌ بالليل فرسانٌ بالنهار”؛ بمعنى أنهم كانوا يقضون ليلَهم في العبادة والطاعة مثل الرهبان الذين وهبوا أنفسهم للعبادة في الأديرة، ويظلّون حتى الصباح يئنّون ويسبّحون ربهم كتسبيح داود عليه السلام دون كللٍ أو مللٍ، أما في النهار فإنهم يجوبون الديار وهم يمتطون صهوة جيادهم في سبيل إعلاء كلمة الله، وكذلك يجب أن يكون حال المؤمن، يبذل وسعه في الجهتين، وأيًّا كانت الجهة التي يراه الناس فيها فعليه أن يثير إعجابهم وتقديرهم بعمق أحواله وتصرفاته.

   أعظم دليل مبشِّر لما سيمنحه الله لاحقًا

والواقع أن نجاح الإنسان في مهمّة إعلاء كلمة الله منوطٌ بتعمّقه في العبودية؛ بعبارة أخرى: إن انفتاح صدور مخاطبيكم لكم عن آخرها يتناسب طرديًّا مع انفتاح وجدانكم لربكم جل وعلا، فبقدر توجّهكم إلى الحق تعالى يتوجه الناس إليكم، وإن لم يكن اليوم فغدًا.

قد تقع بعض الإخفاقات اليوم، وتتعرضون للمصائب ابتلاءً من ربكم وتطهيرًا لكم، فالصحابة رضوان الله عليهم وهم الصفوة قد تعرضوا لمثل هذه الابتلاءات الشديدة فصبروا، فمن لم يَبلغ الاستقامة الكاملة في داخله اندثر؛ ولم يثبت إلا الأصفياء فيهم الذين حافظوا على موقعهم ووضعهم كأفراد في هذا المجتمع الزكي الفريد، ولهذا فمن المهم أن نحافظ على استقامتنا ونعزز علاقَتنا بربنا سبحانه وتعالى، فإذا استطعنا الحفاظ على عمقنا في العبودية فإن الله تعالى اليوم أو غدًا سيوجِّه القلوب من جديد إلينا ويوطِّن حبنا في قلوب الخلائق.

لقد هاجر رجال الخدمة إلى كل ربوع العالم، ورغم وجود بعض التقصير لديهم فإنهم لاقوا قبولًا حسنًا في الأماكن التي رحلوا إليها، ووضع الله حبهم في قلوب الخلائق، وهذا أعظم برهان على ما سيمنحه الله من عطايا لاحقًا. أجل، لم ير هؤلاء حيثما رحلوا أيّ ردٍّ معاكس حتى اليوم، فإذا ما وقعت بعض المشاكل البسيطة فهذا لا محالة إنما ينشأ عن خطإ أسلوبنا ومنهجنا في التعامل مع الآخرين، أو عن نسبة هذه النجاحات إلى أنفسنا؛ وعلى ذلك إن لم نخلّ بعهدنا الذي قطعناه مع ربنا، وتوجهنا إليه بكل كياننا فلا بد أنه إن شاء الله سيزيد من نعمه وإحساناته لنا ويديمها علينا.

ما ذكرناه حتى الآن هو جانبٌ من المسألة، أما الجانب الآخر فهو: مهما تعمقَ الإنسانُ في عبادته لربه، ونذر نفسه لخدمة دينه فعليه ألا يقنع بما يعمله، وأن يطلب المزيد على الدوام قائلًا: “هل من مزيد؟”، وبدهيٌّ أن الإنسان لو أخذ بعين الاعتبار النعم التي يملكها في الدنيا فضلًا عن الألطاف الأخروية فسيستقلّ العبادات التي يتوجه بها إلى ربه ويقتنع أكثر أنها غير كافية، فعلى سبيل المثال: لقد خلق الله تعالى الإنسان من العدم ثم سوّاه وجعله بشرًا سويًّا، ثم أنعم عليه بالاصطفاف خلف مفخرة الإنسانية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فكل هذا وغيره نعمٌ عظيمةٌ لا يستطيع العبدُ أن يؤدّي حقّها.

   أبطال التوبة والإنابة والأوبة

من جانب آخر على المؤمن أن يتوجه إلى الله بالتوسل والتضرع مستشعرًا الندم من أعماق قلبه على أبسط الأخطاء التي ارتكبها في حقه سبحانه وتعالى، فإذا ما رفع يديه إلى السماء بالتوبة والاستغفار أو وضع جبهته على الأرض ساجدًا بَدَا وكأنه يحمل آثام البشرية بأسرها.

ولا ريب أن أعظم مرشد لنا في هذا الأمر هو المرشد الأكمل وقدوة العالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد كان يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم أكثر سبعين مرة، ولكن يا تُرى هل كان ذلك بسبب ذنبٍ اقترفه؟ حاشا لله! فهذا الظن يُفضي بالإنسان إلى الشكّ وعدم اليقين.. لقد كان صلى الله عليه وسلم يقوم بما تتطلبه عبوديته من جانب، ويدعو إلى ما تقتضيه دعوته وإرشاده من جانب آخر، وكان باستغفاره ودعائه كأنما يخاطب أمّته قائلًا: “أيها المسلمون! استغفروا الله وتوبوا إليه على كل ذنب اقترفتموه عمدًا أو خطأً أو سهوًا، وابكوا وتحسّروا وتوبوا إلى ربكم على كل الأفكار البغيضة التي لوَّثت أخيلتكم وتصوراتكم وعزائمكم ونواياكم”.

فمن أهم الخصال التي يتّسم بها المؤمن أن ينسَى كلّ خيرٍ فعله، ويتذكر دائمًا أدنى خطإ ارتكبه. أجل، مهما تعمّق المؤمن في عبوديته، ومهما استفرغ طاقته في سبيل تبليغ الدين إلى الصدور المتعطشة، ومهما قدم من خير لتلبية حوائج الناس المادية والمعنوية فعليه ألا يقنع بذلك وأن يتناساه، حتى لا يُداخله الكِبر والغرور.

وحتى لو تذكر ذنبًا صغيرًا اقترفه قبل خمسين عامًا فعليه أن يتلوّى ندمًا واضطرابًا وكأنه قد أتى بهذا الذنب حديثًا ويقول في نفسه: “كيف تلطخَت يداي بمثل هذه اللوثيات مع أن الله تعالى قد وضع لنا مبادئ إلهية تنير طريقنا حتى لا نحيد عن الطريق المستقيم، وجعلها لنا شريعة ومنهاجًا”، وفي كل مرة يتذكر فيها الذنب يستغفر الله من ذنبه مرة أخرى، وينزل بمطرقة التوبة والاستغفار على رأس كل خطأ وذنب اقترفه، حتى لا تدنُ الذنوب من حِماه مرة أخرى.

إن ما يليق بالمؤمن الحقيقي هو أن يستصغر مزاياه ونجاحاته كلما كبرت وأن يهوِّل من شأن أبسط خطاياه وذنوبه كلما صغرت.. أجل، عليه أن يهوّل من حجم انحرافاته الصغيرة والكبيرة كالنظر إلى الحرام أو الاستماع إلى الحرام، أو النطق بالفحش من الكلام، أو المشي إلى الحرام، أو مدّ الأيدي إلى الحرام، أو تلوث العقل بالأفكار البذيئة؛ كل هذه الانحرافات على المؤمن أن يهوّل من شأنها وينقصم ظهره وينحني صلبه أمامها، ويقول كما قال الشاعر:

لو وزنني بهذه الذنوب الديّانُ

لانكسر في أرض المحشر الميزانُ

فالمؤمن الذي يعيش حياته بهذا الميزان الحساس سيعيش دائمًا في جوٍّ من المشاعر الروحية العالية، ومَن يداوم على التوبة والاستغفار، ستكون مشاعره في غاية التيقّظ والتنبه تجاه كل الأمور المنهي عنها، أما مشاعر التأنيب ومحاسبة النفس فستكون بمثابة الخندق الحاجز بينه وبين المحرمات، لتتشكل لديه مناعة مسبقة تجاه المعاصي، وإذا حدث العكس ولم يلتزم الشخص بهذه الدرجة من التيقّظ تجاه المحرمات، وتساهل قائلًا: “ماذا يمكن أن يحدث من ارتكاب هذا الأمر الصغير؟!”؛ فسيتطور الأمر ومع مرور الوقت ستصبح هذه الصغائر المجمعة ضخمةً كالجبال وسيصيبه وبالها.

وإذا نظرنا إلى حال عظماء الناس لوجدناهم دائمًا ساروا على طريق الاستقامة هذا، وسيدنا على رضي الله عنه أحد هؤلاء يقول بصوت يملؤه الأنين والتضرع “إلهي إذا لم تعف عن غير محسن فمن لمسيء في الهوى يتمتع” وهنا أتعجب وأتساءل: هل نزلت المعصية بساحة خيال هذا الشخص الجليل؟! إن واجبنا تجاه قولهم هذا هو ترديدنا “حاشا.. معاذ الله” لأننا لا ندري ما يعدّه هؤلاء المقربون من المعاصي.

ومن ناحية أخرى، على المؤمن أن يحترز من الظهور عبر أحواله وأطواره بمظهر المختلف المتميز على الآخرين، فعليه أن يولي اهتمامًا كبيرًا لإصلاح باطنه وظاهره، وأن يتصرف بالصورة الطبيعية في كل موقف، وأن يبقى على مسافة بعيدة من أدنى درجات الرياء والسمعة، وألا يُدخل نفسه في أفعال وأطوار متصنعة للإعلاء من شأن نفسه، وألا يلهث وراء طلب التقدير والتصفيق، وأن يكون صادقًا وصميميًّا لأقصى درجة، وكما يعبِّر مولانا جلال الدين الرومي في قوله النفيس: “إما أن تبدو كما أنت، وإما أن تكون كما تبدو”، فعلى الشخص ألا يدفع الآخرين إلى أن يعتقدوا به ما ليس فيه.

فكل واحدة من جملة هذه المسائل تشكِّل بعدًا عميقًا مختلفًا للعبودية، فلو قام الإنسان بما يجب عليه في كل هذه المسائل فسيصل بإذن الله وعنايته إلى الذرى، أما الذي يقصر في بعض هذه الأمور فهو على خطر التعثر والبقاء وسط الطريق.

   اجتياز الصراط

من الجدير بالذكر أن العبودية قد تبدو سهلة وبسيطة من ناحية التكاليف الواقعة على عاتق المؤمنين إلا أنها في الحقيقة عبارة عن خطٍّ دقيق جدًّا، وبعبارة أخرى يمكننا أن نقول إن العبودية يسيرة كالسير في الطريق العام، ولكنها من جانب أخر صعبة كصعوبة العبور فوق الصراط.

والذين يظنون أن المسألة بسيطة وهينة فسينجون بعناية الله سبحانه وتعالى، ولهذا السبب علينا ونحن نعرض مسألة العبودية على الآخرين ألا نعرضها بصورة تقطع عندهم الآمال، فلو أن شخصًا تربطه مع الله علاقة قوامها خيط رفيع من القطن فعلينا أن نتوخى الحذر ولا نقطع هذا الخيط، فمن أين لنا أن نعلم، ففي يوم ما قد يتحول هذا الخيط الرفيع برحمة الله إلى عروة وثقى لا انفصام لها، بمعنى أن مثل هذا الرابط الذي كان ضعيفًا في بداية الأمر، سيقوى بمرور الزمن ليتخلص الإنسان من عبودية الجسم والبدن ويرتقي إلى ذروة الكمالات الإنسانية.

ولكن عندما ينظر الإنسان لنفسه يجب عليه ألا ينظر إليها بهذا الشكل، بل عليه أن يتفقد في كل وقت رابطته مع الله هل هي خيطٌ رقيق، أم حبل متين؟ وربما في كل يوم عليه أن يتفقد عدة مرات هذا الخيط المستمسك به هل يتحمله أم لا، هل سيجتاز به الجسورَ أم لا، هل سيصل للمنزل والمستقر أم لا؟ فمهما كان مدى ثبات موقفه تجاه الذنوب والمعاصي، ومهما كان مدى تشبثه بالأوامر الدينية عليه أيضًا أن يحمل شعور الهم والتأنيب لنفسه في كل حين.

يُنقل عن سيدنا عمر رضي الله عنه قوله: “لو نادى مناد في السماء أن جميع أهل الأرض في الجنة إلا واحدًا لظننت أنه أنا”، بينما في الحقيقة استطاع سيدنا عمر خلال عشر سنوات من خلافته للمؤمنين تحقيق ما لم تستطع الدولة العثمانية تحقيقه عبر مائة وخمسين عامًا، ولربما كانت وجهة نظره “لو أن في مكاني هذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، لقام بتحقيق أضعاف وأضعاف ما قمت به، لأنه في عامين ونصف حقق ما فعلتُه في عشر سنوات”.

ولهذا السبب فمهما حقق الشخص من نجاحات مبهرة وفتحت على يديه أفاق جديدة للإنسانية، بل لو أنه من خلالها فتح باب عصر جديد فعليه ألا يغتر بنفسه، وعليه ألا يربط أي عمل يقوم به بتقدير وتصفيق الآخرين له، وعليه ألا يتطلع لمنافع دنيوية من وراء أفعاله، بل عليه أن يقوم بكل أفعاله مستهدفًا رضا الله سبحانه وتعالى وناسبًا الفضل له جل جلاله.

فهناك علاقة طردية بين مقدار انشراح صدر العبد عند إسناده النجاحات المتحققة على يديه إلى لله تعالى مع قوة إيمانه، فالمؤمن الممتلئ قلبه بالإيمان إذا نُسبت إليه النجاحات شعر بالضيق ولم يرتح للأمر فيقول “لماذا الناس ينسبون إليّ ما لا يصح نسبته إليّ؟”، ومثل هذا التفكير يصنع ويحقق كل شيء فيحول الشيء الصغير إلى عظيم، والقطرة إلى محيط، والذرة إلى شمس، بل ويحقق المستحيل من الأمور.  

    الترجيح الصائب

وبهذا الاعتبار فعلى الإنسان أن يقوم بالاختيار الصحيح والترجيح الصائب، فإذا كان الناس المحتشدون حوله في الصالونات وفي الميادين -الذين معظمهم لا يفهمون ما يقوله- يقولون له: “إننا نفتخر بك”؛ فعليه ترجيح قول الروحانيين والملائكة في الأرض والسماء له: “إننا نفتخر بك”، وإذا كانت ترجيحاتكم متوجّهة إلى النعم الأخروية بمعنى أنكم اخترتم الله سبحانه على ما ومن عاداه، فسيتوجه لكم جل جلاله ويصطفيكم لتكونوا من “الأخيار”، فالسبب الكامن وراء إطلاق لفظ “المصطفين الأخيار” على الأنبياء العظام، هو أنهم قاموا بالترجيح الصائب في هذا الأمر، فإذا كانت النتيجة في الآخرة إما إلى الجنة أو إلى النار فعلينا في هذه الحياة أن نقوم بترجيح صائب ونختار إلى أيهما نتّجه.

فالمؤمن الحقيقي هو الذي يتعمق في العبودية، ويأخذ على عاتقه مهمة إعلاء كلمة الله، ويحاول أن يكون من أبطال التوبة والاستغفار، ويقف أمام الله تملؤه الخشية، ويسعى إلى الوصول للكمال الباطني والظاهري، ويعلم أن كل توفيق له من الله سبحانه.. والشخص يوفَّق في القيام بمثل هذه الأعمال بحسب كمال إيمانه، والله تعالى يقول في القرآن الكريم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/136) منبّهًا المؤمنين على مسألة تجديد إيمانهم وموضحًا الطريق نحو التعمق في الإيمان، ويؤكد الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا المعنى بقوله في الحديث الشريف “جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ[1].

ومن هذه الجهة فعلى الإنسان في كل صباح أن يعقد العزم على بدء يومه بإيمان جديد نضِرٍ، وأن يجدد إيمانه عبر التعمق فيه أكثر فأكثر، ليبث فيه الحياة والنضارة، وكلما زاد الإيمان قال: “يا إلهي كيف لم أشعر بك أمس بمثل ما أشعر بك اليوم!”، وعليه ألا يرى سوى المعبود بحقٍّ والمقصود بالاستحقاق.. عليه أن يحلل كل ما رآه وشعر به من جديد ويضعه تحت الاختبار مرة أخرى ليستخرج صيغًا ومعاني جديدة، وبمقاربة بديع الزمان “سعيد النورسي” عليه أن يكون بطلًا من أبطال “هل من مزيد؟”، ففي كل منزل ينزله يحاول ملء زاده والتزود للانطلاق إلى منزل آخر، لا يعرف الشبع ولا الارتواء، يفرد أجنحته فيظلّ محلقًا يبتغي الارتقاء دون توقفٍ ولا انتهاء.

***

[1]  مسند الإمام أحمد، 2/359.

الجَرَّة المشروخة: الصحابة كقدوة

Herkul | | العربية

   سؤال: إن العملية التربوية تُشعِرنا دائمًا بالحاجة إلى نماذج فاعلة ورائدة يتسنّى تقديمها للمخاطبين تحت مسمّى “النماذج القدوة”؛ فكيف يجب تقديم سادتنا الصحابة إلى الناس في إطار هذه الحاجة؟

   الجواب: لقد استمع الصحابة الكرام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واصطبغوا بصبغة مجلسه، وشكلوا صورتهم بفرشاته، فنهلوا الإسلام من منهله العذب الصافي، واكتسبوا ميزةً خاصة، وبالتالي فهموا القرآن الكريم والسّنة النبوية فهمًا جيدًا للغاية، وأصبحوا على دراية بالمقاصد الإلهية، وعاشوا حياتهم كلها يبتغون مرضاة الله تعالى، ولذلك لفتَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الانتباه في العديد من أحاديثه الشريفة إلى وضع الصحابة الكرام المتميز والفريد، وأشار إلى ضرورة اتباع طريقهم ومنهجهم إلى جانب سنّته عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم في الواقع أناس مثاليّون يجدُر الاقتداء بهم.

ومن ثَمّ فمن المهم للغاية أن يعرف الناسُ في يومنا هؤلاء الصحابةَ معرفة جيدة؛ لأن الصحابة كلما عرَفَهم المجتمع أحبهم أكثر، وكلّما أحبهم اقتدى بهداهم وتمسّك بمنهجهم، وإن اتباعهم حذوَ القذة بالقذة وحذو النعل بالنعل لهو سبيلُ السلامة، كما أن مخالفتهم ستؤدي إلى الفوضى والندامة، وكما أن الاقتداء بهديهم وسيلةٌ مهمّة للغاية لاتباع رسول الله فإن اتباع رسول الله أيضًا يعني اتباع أوامر الله تعالى.

فإذا عرف الناس الصحابة وأحبوهم واقتدوا بهديهم تخلقوا بأخلاقهم تدريجيًّا، وسعوا إلى التشبه بهم أطوارًا وتصرفاتٍ، ثم إنه لا يُتصوّر من المفعمين بحب الصحابة إلى هذا الحد ألا يحبوا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تتحرق قلوبهم حبًّا وعشقًا لله سبحانه وتعالى.

والواقع أن شعور الإنسان بالإنسانية الحقيقية مرهون بهذه الأمور، فمن الصعب للغاية على إنسان لا يُكِنُّ في قلبه حبًّا لله تعالى ولا لمفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم، ولا لممثليه الصادقين أن يحلق ويرتقي إلى أفق الإنسان الكامل؛ فطريق الارتقاء إلى الإنسانية الحقة يمر من خلال التحلي بأخلاق ذلك الشخص العظيم الذي كان خلقه القرآن.

   فضلُ الصحابة وميزتُهم

من ناحية أخرى، إذا لم يُعرف الصحابة جيدًا، ولم يتم الوقوف على حياتهم الدينية وأنماط تفسيرهم وتحليلهم استحال أيضًا فهم حياة سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام فهمًا تامًّا؛ لأن الصحابة الكرام يشبهون جسرًا يوصل إلى رسول الله عليه السلام، بل يمكن القول إنهم جسور للوصول إلى مرضاة الله ورؤيته ورضوانه، فمن الصعب للغاية فهم القرآن والسنة ومقاصد الدين قبل التعرف عليهم.

فإذا كنا نريد نماذج رائدة ينبغي اتباعها واتخاذها مثالًا يُحتذى به في عصرنا هذا، لا سيما بالنسبة للأجيال الشابة اليوم، فإن من يستحقون ذلك في المقام الأول بعد الأنبياء هم سادتنا الصحابة الكرام، ولذلك يجب علينا أن نرجع دومًا إلى حياتهم ونوجّه الأنظار إليهم عندما نضرب الأمثلة ونعرض النماذج.

ولقد وردت قصص الأنبياء بالقرآن الكريم في سور عديدة منه لِحِكَمٍ شتى مثل: توجيه الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم وإرشاده وبيان حقائق الطريق الذي سلكه، والترويح عنه إزاء المتاعب التي يتعرض لها، وعلى الرغم من أن الإنسانية عاشت فترات مختلفة للغاية من خلال التداول التاريخي المتكرر، إلا أن الله تعالى الذي يعرف الأزمان بكل معالمها، قد أخبر صاحب مقام الجمع صلى الله عليه وسلم ببعض أحداث الأنبياء السابقين؛ لأن الخلاصة والحكمة التي ستؤخذ من هذه القصص ستكون مرشدًا ودليلًا للناس في جميع الأزمنة.

وعلى نفس الشاكلة يجب علينا دائمًا -ونحن نتناول المشكلات الدينية والأخلاقية- أن نعرض مقتطفات من حياة هؤلاء الصحابة الذين خلّفوا وراءهم حياة تصلح للاقتداء بها؛ إذ جعلوا الحقائق الإسلامية بعدًا لطبيعتهم، وحاولوا تطبيق كل أمر ديني تعلموه من سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام.. وعلى سبيل المثال: فعندما ننظر إلى حياة سيدنا أبي بكر رضي الله عنه نرى أنه: خلال فترة خلافته التي استغرقت عامين وبضعة أشهر، تغلب على إحدى عشرة حادثة ردة يعتبر كل منها بمثابة منظمة إرهابية بتعبير اليوم، فخلال خلافته القصيرة هذه أنجز أشياء عظيمة، ومع ذلك لم يترك أية أصول مالية عندما توفي، حتى إنه لم ينفق كل راتبه المخصّص له، فسيدنا أبو بكر الذي اتخذ من العيش الوسط أساسًا لحياته كان بعد أن ينفق قدرَ حاجته من راتبه يضع الباقي في جرّة، ويوصي بأن يُسلم هذا المال إلى الخليفة الذي سيأتي من بعده؛ إذ إنه كان يرى ضرورة إعادة الفائض من راتبه إلى خزانة الدولة.

فلما رأى هذه الجرة خليفتُه الفاروقُ عمر، لم يستطع حبسَ دموعه في عينيه وقال باكيًا: “لقد أتعبتَ كلّ من بعدك يا أبا بكر”، ومع ذلك لم تكن حياته رضي الله عنه تختلف عن حياة أبي بكر؛ فقد عاش هو أيضًا حياة بسيطة، متواضعة قانعة للغاية.. وعلى سبيل المثال؛ كان في زمن المجاعة يأكل مما يأكل الناس ويشرب مما يشربون، ويسد جوعه بخبز يغمسُه في زيت الزيتون، فلمّا جاؤوا له بِلَحْمٍ ذات مرة؛ سأل عما إذا كان الناس في مقدورهم أكلَ هذا أم لا، فلما علم أنهم لا يستطيعون ذلك ردّه.

وعلى نفس الشاكلة حياة الصحابي الجليل مصعب بن عمير رضي الله عنه، لقد كان قبل الإسلام يعيش حياةً مِلؤُها الراحة والرفاهية، ولكن ما إن دخل الإسلام حتى انخلع من ربقة كل تلك الإمكانات المادية وذلك النعيم، وصار مثالًا للتضحية والفداء في سبيل الدين، إلى أن ذاق شراب الشهادة في غزوة أحد، وظلّ يسخّر من جسده ما يمكن أن يكون بمثابة الدرع الواقي للرسول صلى الله عليه وسلم من ضربات السيوف والسهام إلى أن جاد بأنفاسه الأخيرة، وهاجر من دنيانا دون أن يترك حتى ما يمكن أن يُكفَّن به.

وفي الواقع لو أننا تناولنا حياة أي صحابي ممن عاشوا حول الرسول صلى الله عليه وسلم فسنجد أن كل واحد منهم له ميزة وفضائل مختلفة؛ لأنهم جميعًا جعلوا حياتهم فداء لدعوة الإسلام، وجعلوا غايتهم العليا إعلاء كلمة الله، وقدّموا في ذلك الطريق تضحيات لا مثيل لها، ولم يكن في حسبانهم وهم يقدمون تلك التضحيات أي هدف دنيوي مستقبلي، وإنما كان هدفهم الوحيد هو رضا الله سبحانه وتعالى، فقضوا أعمارهم محمّلين بروح التضحية وشعور الاستغناء عن الدنيا وما فيها، ومن هذا المنظار فإنّ كل واحدٍ من الصحابة يمثل قدوةً حسنة بالنسبة للأمة.

ولذلك يجب تعريف إنسان عصرنا بهؤلاء الصحابة وفقًا لعظمتهم وسعة أفقهم؛ لأن الإنسان بطبيعته يحبّ ما يعرفه، أما ما يجهلُه فلا يشعر تجاهه بأية علاقة أو حب.. فلو أن إنسان عصرنا لا يحب الله سبحانه وتعالى بجنون، وإذا ما ذُكر جل جلاله لا يتحرّق شوقًا إليه، فهذا يعني أنه لا يعرفه بصورة كافية.. وكذلك إذا كان إنسانُ عصرنا لا يشعر بشوقٍ وحبٍّ تجاه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تحمله قدماه وينهار مغشيًّا عليه من شدة التأثر إذا ذكر اسمه، فهذا أيضًا يرجع إلى قلّة معرفته به عليه أفضل الصلاة والسلام، وكذلك إن لم يختلج في صدره رغبةُ أن يكون مثل أبي بكر الصديق أو عمر الفاروق رضي الله عنهما فهذا يعود إلى أنه لم يتعرف على هؤلاء الصحابة الكرام رضوان الله عليهم حقَّ المعرفة.

فما يجب علينا إذًا هو أن نعرِّف هؤلاء الصحابة بما يحملونه من قدر وعظمة إلى إنسان عصرنا حتى تتيقظ لديه رغبةُ التشبه بهم، وإن المسلمين اليوم لا يعرفون الذي يجب عليهم اتباعه بسبب عدم معرفتهم الصحابة الكرام بالصورة الكافية.

وفي طريقنا لفعل ذلك علينا الانتباه للأسلوب الذي نستخدمه عند حديثنا عن الصحابة الكرام؛ فيجب علينا ألا نتحدث عنهم كأشخاص عاشوا في حقبة تاريخية معينة فقط، وإلا اكتفى المخاطبون بالتسلي ببطولات هؤلاء الصحابة ولن يظهروا العزم أو الرغبة الشديدة في أن يكونوا أمثالهم، فمن هذه الزاوية علينا أن نحييَ الصحابة في القلوب، ونقدمهم كنماذج يجملُ التأسّي بهم على الدوام.

من جهة أخرى، فإن الأحداث التاريخية لا تتكرر بعينها بل بمثلها، ولذلك فعندما نوجه الأنظار لحياة الصحابة علينا أن نضع نصب أعيننا ظروف العصر الذي نعيش فيه، وبتعبير أخر علينا ونحن نقدم حياة الصحابة ألا نجعل المتلقي يقول: “مثل تلك الحياة لا سبيل إلى معايشتها”، ومن الأهمية بمكان مراعاة ظروف عصرنا أثناء الحديث عن سيرة الصحابة حتى لا نوقِع المتلقي في التناقض والحيرة، ولذلك يجب إقناع المتلقي بأن حياة الصحابة الكرام نماذج يمكن امتثالها في عصرنا وفي كل عصر، ولكي يحدث هذا لا بد من الوقوف على أساسيات فقه السيرة لتكون الخلفية التي ننطلق منها أثناء حديثنا عن الصحابة الكرام، ولكن من المؤسف أن هذا لم يحدث بالقدر الكافي حتى يومنا هذا، وانطلاقًا من إشارة الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي إلى أهمية مذاكرة التفسير بعقل جمعي مشترك، نقول: باتت الحاجة ماسة الآن إلى إعمال مثل هذا العقل الجمعي المشترك في دراسة الترابط المنطقي لأحداث السيرة النبوية بكل أبعادها، الأمر الذي سيعظم استفادة إنسان عصرنا من السيرة، وسيعين على تقديم محصلة نهائية من المعرفة التي يمكن تطبيقها على أرض الواقع.

   ممثلو الصحابة الذين نذروا حياتهم لإحياء الأخرين

لقد كان والدي رحمه الله يعشق الصحابة، فإذا ذُكر بجواره الصحابة رضوان الله عليهم اغرورقت عيناه بالدموع، ويكاد يُغشى عليه، ولهذا السبب فقد كبرت وترعرعت وأنا أقرأ في مكتبته الكتبَ المكتوبة باللغة العثمانية عن حياة الصحابة، وقد كنت أتأثر بعمقٍ بسيرتهم وعمري لم يتجاوز الثامنة بعد، فقد كنت أعيش معهم في قيامي وجلوسي، وكلما تقدم بي العمر كنت أزداد بهم إعجابًا وحبًّا، وفي نفس الوقت كنت أجول بناظري بحثًا عن ممثليهم في عصري، ولطالما قلت لنفسي: “ألا يوجد من يمثلهم في هذا العصر”.

وفي النهاية، وأثناء دراستي بالمدارس التقليدية، زار أحد طلاب الشيخ بديع الزمان “سعيد النورسي” مدينة “أرضروم”، وحينها وجدتُ ضالتي، فقد أشار الشيخ بديع الزمان على طالبه “مظفر أرسلان” أن يزور منطقة “أرضروم”، ولقد تأثرت بشخصيته في قيامه وجلوسه وكلامه وأطواره وملابسه، وحينها حدَّثْتُ نفسي قائلًا لها: “هذا يعني أن الصحابة ليسوا فقط بين طيات الكتب، فهناك من يمثلهم في هذا العصر”، لأنه كان يحمل صدرًا مهمومًا، وعينين تفيضان بالدموع على الدوام، لقد كان بحق إنسان العشق والشوق، وخلال إقامته في “أرضروم” ما كنت أتخلّف عن مجلسٍ له أو موعظة.

نعم، علينا ونحن نعرِّف أجيال اليوم بحياة الصحابة أن نُريهم أمثلة لممثّلي الصحابة في هذا العصر، حتى يعرفوا أن حياة الصحابة ليست مجرّد مرحلة زمنية تاريخية قد مرّت وانقضت، وحتى يروا أن هناك من يخدم الدين بنفس مشاعر التضحية والإيثار، فلو أن هؤلاء الذين يمثّلون روح الصحابة استطاعوا الخروج أمام الأجيال الشابة فبثّوا إلهامات قلوبهم في صدور هؤلاء، فسيتكوّن لدينا جيلٌ جديدٌ من ممثلي الصحابة بإذن الله وعنايته.

ولتنشئة مثل هذا الجيل، هناك حاجة لأشخاص يضحون بحياتهم من أجل إحياء الأخرين؛ أشخاصٍ ينذرون أنفسهم لخدمة الإنسانية حتى يبلغ بهم الأمر إلى أن يقولوا: “إذا لم نُحيِ حياة الآخرين فلا معنى لحياتنا”؛ أشخاصٍ يصيرون مياهًا من أجل نماء الأخرين، ويتحولون إلى ترابٍ فيه قوة إنبات النباتِ وحمله وتثبيته، ويتحولون إلى أشعة شمس تنير الآخرين من رأسهم حتى أخمص قدميهم، باختصار إننا في حاجة ماسة إلى أشخاص يكرسون حياتهم كلها لخدمة الإنسانية، وبقدر إخلاصهم وتضحياتهم ستخرج أجيال عاشقة للرسول صلى الله عليه وسلم، ومحِبّة للصحابة رضوان الله عليهم جميعًا.

 الجَرَّة المشروخة: ثقافة البيعة

Herkul | | العربية

   سؤال: ثمة أشخاص لا يعرفون ماهية حركة الخدمة، فراحوا يتهمون من أحب هذه الحركة وتعلق بها بـ”أن عقولهم أسيرة ومرهونة للآخرين” و”أنهم بايعوا الخدمة بلا شرط أو قيد”؛ فما نصيب هذه الادعاءات من الحقيقة؟

   الجواب: جدير بالذكر أن البيعة أساسٌ مهمٌّ في الإسلام وإن لم تكن وُلدت معه، وكما وردت البيعة في آيات عديدة في القرآن الكريم وأحاديث كثيرة في السنة النبوية، فقد طُبقت أيضًا على أرض الواقع بأشكال وصور مختلفة في حياة رسول الله وخلفائه الراشدين أيضًا، والبيعةُ أن يتعهّد المرء بالولاء لدين أو نظام أو شخص يمثل ذلك النظام، وأن يفي بالتزامات هذا الولاء.

ومن خلال أوسع معانيها في الثقافة الإسلامية فالبيعةُ تعني العقد المُبرم بين الشعب والحاكم المنتخب رئيسًا للدولة، يُبايع المواطنون رئيسَ الدولة ويحافظون على الولاء له طالما التزم بصلاحيّاته وقام بما وُكل إليه من مهام.

   البيعة في الإسلام

ترد في القرآن الكريم والسنة النبوية ممارسات مختلفة تتعلق بالبيعة؛ فيقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/81) في هذه الآية يتحدث الله عز وجل عن العهد الذي أخذه على النبيين السابقين، وذلك طلبٌ إلهي بالبيعة.

إن معظم الأنبياء الذين أُخذت منهم هذه البيعة لم يلتقوا بمن أُرسل بعدهم من الأنبياء الآخرين، ولم يُعاصِرْ أحدٌ منهم النبيَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فإن الأنبياء وإن بدوا هم المخاطب والمعنيّ الأول بهذا العهد، فالحقيقة أن هذه رسالة بعثت من خلالهم إلى أممهم.

أجل، يتحدث الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن العقد الذي أبرمه مع أنبيائه ومع أممهم في شخصهم، ووفقًا لهذا العقد فإنه جلّ وعلا يطلب منهم أن “آمِنوا بأي نبي تدركونه يأتي من بعدكم، وصدقوا به، وصدِّقوا بموسى عليه السلام إن أدركتموه، وبعيسى عليه السلام أيضًا إن تدركوه، وإن أدركتم محمدًا المصطفى صلى الله عليه وسلم فصدّقوا وآمنوا به أيضًا”، واستجابة لهذا قَبِل وأقرَّ بذلك الأنبياء أجمعون، ولا ريب أن خُلفَ مثلِ هذا الوعد بعد أخذه والنكوص عن مثل هذه البيعة بعد تحقُّقها إثمٌ عظيمٌ أمام الله ووبالٌ على فاعله، فإذا وصلَ النكوصُ إلى درجة قبول بعض الجوانب الخاصة به صلى الله عليه وسلم على مضض فهو ضلالة؛ أما إن كان النكوصُ عن عقيدةٍ وقناعة فهو ارتدادٌ والعياذ بالله.

ولقد طبَّق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مختلف مراحل عمره حقيقة البيعة التي أخذها من الحق تعالى والراسخة الثابتة في سنن النبيين، فمثلًا أخذ صلى الله عليه وسلم البيعة من مسلمي المدينة الذين التقوا به عند العقبة في العام الحادي والثاني عشر من بدء الرسالة؛ إذ صافحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هناك واحدًا واحدًا، وأخذ منهم العهد على أن يحموه عندما يأتي إلى المدينة مما يحمون منه أنفسهم، وأن ينصروا الإسلام، وعندما سألوا ما جزاؤهم على بيعة كهذه؛ أجابهم رسول الله بأنّ جزاءهم “الجنة”؛ فَرَضوا بذلك وبدا عليهم السرور والحبور، وفي تلك الأثناء قال لهم سيدنا العباس رضي الله عنه الذي كان مرافقًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم “هل تدرون علامَ بايعتم؟!”، (أي هل أنتم مدركون تمامًا إلى تبِعاتِ ما ستُلقيه تلك البيعةُ على كاهلكم) فلفت الانتباه إلى أهمية المسألة وعبئِها.

وبالشكل نفسه عندما شرَّف رسول الله المدينة المنورة جاءه أهلها، فبايعوه واحدًا تلو الآخر، وحتى بعد أن مرت سنوات على هجرة رسول الله إلى المدينة جاءه المسلمون الجدد وبايعوه، وأثبتوا صدقهم وإخلاصهم، بل إنه عندما وصل مفخرةَ الإنسانية، وهو بالحديبية، خبرٌ بأن سيدنا عثمان رضي الله عنه الذي أرسله إلى مكَّة رسولًا قُتل قام بجمع الصحابة الذين بايعوه في السابق وأخذ منهم البيعة مرة أخرى.

هذه البيعات التي أخذها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه تعني الالتزام إزاء النظام الذي جاء به الإسلام، وإزاء ممثّل هذا النظام، وواضعِ هذا النظام، وبالتالي فهو بمثابة العهد مع الله عز وجل.

ولقد ترسخت البيعة بين الصحابة بمرور الزمان، وصارت نظامًا، وأصبحت عرفًا وتقليدًا، ولذلك استمرت في عهد الخلفاء الراشدين أيضًا، فعندما انتُخب سيدنا أبو بكر فسيدنا عمر فسيدنا عثمان ثم سيدنا عليٌّ خلفاءَ بايعهم الصحابة، وإن حدث في التطبيق اختلافات، وأُخرجت المسألة من محورها الأساسي أحيانًا إلا أنها حافظت على وجودها بين المسلمين في العصور التالية أيضًا، أي إن المواطنين يعلنون من خلال البيعة أنهم قبلوا الإداريين الذين يرأسونهم، بل إن البيعة لم تقف عند حد اختيار رئيس الدولة من قِبل المواطنين فحسب، فأحيانًا ما أخذ شيوخ طرق مختلفة البيعة من مريديهم.

   العقيدة والاشتراك في الغاية المثالية

وبعد هذا الشرح المختصر الذي قدمناه زيادة في فهم الموضوع يمكننا الآن الوقوفُ على جانب المسألة المتعلق بحركة الخدمة.. بداية يجب القول إن من يزعمون أن متطوعي الخدمة بايعوا “مديريهم وروادهم” دون شرط ولا قيد لا يدرون شيئًا عن ماهية المسألة، فمثل هذه المزاعم تكشف أن أصحابها لا يعرفون حركة الخدمة؛ لأن الرابطة التي تجمع متطوعي الخدمة وتوحّدهم ليست نظامًا هرميًّا، ولا سلسلة من الأوامر والتعليمات، ولا أيضًا مبايعة بين أفراد، بالعكس إن وحدة العقيدة والفكرة والغاية المثالية تجمعهم معًا، وتُوجِّههم إلى الأهداف المشتركة، ويمكننا أن نُشبِّه حالهم هذا بحال من يجتمعون في الجامع لصلاة الجمعة أو العيد، أو من يتحلقون حول الكعبة من أجل الطواف، أو من يقفون بعرفات أداءً لمناسك الحج، فكما أن المعتقدات والأهداف المشتركة تجمع هؤلاء الناس وتجعلهم يؤدّون نفس العبادات فإن مجموعة من المعتقدات والأفكار المثالية تجمع متطوعي الخدمة وتضمن تحرّكهم معًا.

فما هي تلك الأهداف المشتركة؟ على سبيل المثال: مكافحة الجهل والفرقة والفقر، هذه الأمراض الثلاثة الخطيرة التي تحدث عنها الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي هدفٌ مهمّ بالنسبة لمتطوعي الخدمة، ذلك أن متطوعي الخدمة بدؤوا استنفارًا علميًّا جادًّا للقضاء على الجهل حتى اليوم، وبحسب إمكاناتهم المتاحة أنشؤوا المدن الطلابية ومراكز التدريس والدراسة والمدارس والجامعات؛ ونادوا بالمحبة دائمًا من أجل القضاء على الخلافات والنزاعات التي بين الناس، ومن خلال أنشطتهم حول التسامح والحوار استطاعوا احتضان الجميع؛ وعبر مجموعة من الفعاليات التنظيمية بذلوا الجهد لمساعدة رجال الأعمال، ومدِّ يد العون للمحتاجين.

ولو توسعنا قليلًا في شرح المسألة، فسنجد أن المحرك الأساس الذي يجعل الناس تجتمع تحت اسم حركة أو جمعية ما؛ هو معقولية الأفكار والتصورات والفعاليات والمشاريع التي تضعها تلك الحركة، وتوافق أفكارها مع القواعد الدينية وتماشيها مع مقتضيات الزمان، وتلبيتها في الوقت ذاته احتياجات الناس، ولذلك فاستمرارية الخدمات لا يقتضي تقديم البيعة لفلان أو لعلان، ولا الدخول تحت لواء هذا أو ذاك، وكما يسارع الناس لصلاة الجمعة إذا سمعوا النداء، ويتجمعون في صباح صلاة العيد أفواجًا، أو يتوافد الحجيج على عرفات في اليوم التاسع من ذي الحجة، فكذلك يسارع إلى الخدمة هؤلاء الذين يجدون أفكار الخدمة وفعالياتها مثالية وتتناسب مع أهدافهم.

وبمعنى أخر، فالناس إذا رأوا أن ما تقدمه الخدمة في حدود المعقولية القرآنية، وإذا تيقنوا أن الطريق الذي تسلكه الخدمة هو طريق النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا أدركوا أن الهدف من تقديم هذه الخدمات والفعاليات هو العمل المشترك وإحلال الصلح والسلام، فحينها سيدعمون هذا العمل، ولذلك فكما شرحنا آنفًا لا وجود للبيعة داخل حركة الخدمة، فها هو الأستاذ النورسي لم يطلب أخذ البيعة من أحد على الإطلاق، وعلاقته مع طلبته لم تكن علاقةَ الشيخ بالمريد، بالعكس كانت علاقةَ أخوة كما عبّر بنفسِه عن ذلك، وبناءً عليه فلا محلّ للبيعة لأي شخص في حركة الخدمة مهما حاز ذلك الشخص من مكانة فائقة على غيره بسبب عمره أو قدمه أو علمه.

   البيعة الضمنية (المعنوية): التضحية والتفاني

ولكن على كل حال يمكن للأشخاص الذين حرّكهم شعور التضحية والتفاني فنذروا أنفسهم للخدمة أن يعقدوا هذه البيعة لأنفسهم، فمثلًا من الممكن أن يقولوا لأنفسهم “سأظل بإذن الله وعنايته طوال عمري منطلقًا في هذا السبيل القويم، وسأسعى جاهدًا لنشر اسم الله الجليل واسم حبيبه ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم في كل البقاع، ولن تكون لي أية تطلعات خارج الخدمة، وسأضحي بكل الفيوضات الدنيوية والأخروية في سبيل الخدمة، وإلى أن أموت لن أترك هذا الطريق حتى ألقى الله سبحانه وتعالى هكذا”.

إن الإرشاد والتبليغ من الأمور المهمة التي كلَّفَنا بها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ومن ثم يتوجب على الفرد أن يفيَ بما قطعه على نفسه من عهود، لأنه إذا نذر القيام بأعمال مشروعة في الدين وجب عليه الإيفاء بنذره.

فإذا ذُكرت البيعة في الخدمة، فهي تعني إيفاء الشخص بالعهد الذي قطعه بينه وبين نفسه بعدم ترك طريق الخدمة، فهذه البيعة يمكن أن نطلق عليها بيعة ضمنية وليست صريحة، وإذا كانت البيعة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم تُعقد على مستوى الأصلية فإن هذه البيعة ستجري على مستوى الظلية.

إن الخدمات الجليلة التي تتحقق في بقاع مختلفة من العالم، وهذا التبادل الثقافي والمعرفي الذي يجري مع أهالي البلاد التي يهاجر إليها رجالُ الخدمة، والخطوات المهمة التي تُتّخذ من أجل إحلال السلام في العالم؛ كل هذا وأكثر قد تمّ بفضل هؤلاء الذين عاهدوا أنفسهم على التضحية في ذلك السبيل، فهم يواصلون أعمالهم وخدماتهم الإنسانية دون أن ينتظروا أي مقابل مادي أو معنوي، وإذا لزم الأمر يتقاضون مرتبات يسيرة تعادل المنح المقدمة للطلاب، وهم ببذلهم تلك التضحيات والإيثار يُكِنّ لهم كثيرٌ من الناس من أقاصي إفريقيا إلى قلب الشرق الأقصى كل مشاعر الامتنان والشكر والعرفان.

وكما نظهر كل التقدير للبيعة التي عقدت على مستوى الأصلية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم، فلا يسعنا إلا تقدير تلك البيعة التي تجري على مستوى الظلية والتي تعني التفاني والتضحية، وعندما أفكر في الإخوة الذين أوقفوا أعمارهم من أجل الخدمة وانطلقوا متفرقين في ربوع الأرض لتحقيق غايتهم العليا يختلج صدري المشاعر الآتية: إنني لا أدري هل ننجو في الآخرة أم لا، وهل سنُمنح فرصة الشهادة لهؤلاء الإخوة أم لا، ومع ذلك لا أيأس من رحمة الله تعالى ولو للحظة، فإن مُنحتُ الفرصة هناك للشهادة لهؤلاء فسأقول: “إلهي إنني أشهد أن هؤلاء تفرقوا في شعاب الأرض مضحين بحياتهم من أجل إبلاغ العالم القيم التي ورثناها عن نبينا صلى الله عليه وسلم”، وكما ذكرت، أنا لا أدري هل سيسمح لي في ذلك الموقف بالشهادة أم لا، فهذا أمرٌ لا يعلمه إلا الله، ولكن تلك هي مشاعري.

   الارتباط بالعقل الجمعي

من جانب آخر فإن كل ما يجري من أعمالٍ داخل الخدمة يخضع للعقل الجمعي وللاستشارة، وعلى ذلك فلا وجود لما يسمى “تقييد العقل وأَسْره”.. فكما التزمنا الأخذ بالاستشارة حتى يومنا الحاضر، فلن يتغير الأمر بالنسبة لنا في المستقبل، ولقد ذكرت مرارًا وتكرارًا: إن كان هناك إنسان يفوق “يوليوس قيصر” أو “الإسكندر الأكبر” أو “نابليون” في عقله ودهائه بعشرة أضعاف وتحرك وفقًا لرأيه الشخصي، فلن يتفوق على عقل شخصٍ استشار ثلاثة أشخاص في الأمر، فالاستشارة مهمة لوضع ملاحظات مختلفة لأي مسألة، وإعمال الفكر لإيجاد حل ومخرج للمشكلة، وللوصول إلى القرار الصائب، ولهذا السبب قال فخر الإنسانية صلى الله عليه وسلم: “مَا خَابَ مَنِ اسْتَشَارَ“.

وكذلك فرسولنا صلى الله عليه وسلم ومع كونه رسولًا يوحى إليه من قبل الله سبحانه وتعالى، إلا أنه في الأمور التي لم يرد في شأنها أمر من المولى سبحانه وتعالى كان يستشير الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وفي الاستشارة كان يعرض رأيه ويستمع لآراء الصحابة الكرام، ويتم اتخاذ القرار وفقًا للقناعة العامة، بل إنه صلى الله عليه وسلم وفي بعض الأحيان كان يخالف الصحابة رضوان الله عليهم في رأيه، ومع ذلك كان يأخذ برأيهم؛ حتى يعطي الاستشارة حقها ويُرسي قواعدها، وكما حدث في غزوة أحد فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن موافقًا على أن تكون المعركة في ساحة مفتوحة، وكان يرجّح البقاء في المدينة للدفاع عنها، إلا أنه نزل على رأي الصحابة، وانطلق المسلمون يقاتلون المشركين في ساحة المعركة وكانت النتيجة استشهاد سبعين صحابيًّا، وقد طبق الرسول صلى الله عليه وسلم مبدأ الشورى بنفسه ونقله من حيز النظرية إلى ساحة التطبيق رغم توقعه لمثل هذه النتيجة لكي يُرسي قواعد الشورى عملًا وتطبيقًا، ولا تظل حبيسة النظرية والقول.

وبهذا الاعتبار فعلى كل إنسان أن يسلّم بالقرار الذي يتمخض عن الشورى حتى وإن كان يعتقد اعتقادًا جازمًا أن رأيه أصح وأولى، وذلك لأن الاجتهاد في طلب الصواب يكسب الإنسان الثواب تمامًا كما هو الحال في الصلاة والصيام، وكذلك من يتراجع عن رأيه احترامًا لمبدإ الشورى فهو كَمَنْ يُبعِد نفسَه وينأى بها عن الملذات المحرّمة، فهذا نوعٌ من أنواع الصبر الذي يُثابُ صاحبهُ عليه، أما الذي يثق في رأيه فقط ويظن أنه على علم بكل شيء، ويسير وفقًا لعقله فهذا طريقه الخسران والخيبة.

بل إن الإنسان لو كان في مكانة عالية بسبب سنِّه أو بسبب ما لديه من تجربة وعلم يفوق بها من حوله فيحترمونه ويقدرونه، ولا يعترضون على ما يفعل، فهذا الشخص ليس لديه أدنى حق في إجبار الآخرين على الاقتناع بأفكاره، وعليه ألا يحوّل الاحترام الذي يشعر به الناس تجاهه إلى وسيلة من وسائل القهر والاستبداد، عليه أن يعرض أفكاره بصورة صريحة وواضحة، وعليه أن يُبدي اهتمامًا لتقييم الأشخاص الذين يشاركونه الدرب نفسه، فالرؤى والقرارات لا تكون بحسب ما يدلي به أحدهم بسبب موقعه ومكانته، بل يتم تقييمها واتخاذها وفقًا لصوابها ومعقوليتها، ولا شك أن تطبيق هذا على وجهه الأتم مرهون باستيعاب عميق للتربية الإسلامية.

وفي النهاية فكل عمل يخضع لتفعيل مبدإ الشورى لا مجال فيه لتقييد العقول من قِبل الآخرين، فالمكان الذي تصدر فيه القرارات بعد مراجعة أفكار الجميع لا محلّ فيه لفكرة “الطاعة العمياء”، بل على العكس تمامًا، إنه مكانٌ تسوده حرية التفكير والآراء.

الجَرَّة المشروخة: مكاسب الإيمان والأمل

Herkul | | العربية

   سؤال: وقعت في السنوات الأخيرة بعضُ الأحداث المأسوية القاسية؛ مما أدى إلى سيطرة اليأس على أصحاب القلوب المؤمنة ورؤيتهم المستقبل مظلمًا، فما هي أفكاركم وتوقعاتكم فيما يتعلق بالمستقبل؟

   الجواب: إن كل قناعة تُذكر في هذا الشأن ما هي إلا قناعات ذاتية ومشاعر شخصية؛ لأنه لا يعلم الغيب إلا الله، والمؤمن لا علاقة له بالادعاءات ولا الكهانة، ولذلك فإن المعلومات التي سنقدمها فيما يتعلق بالمستقبل اعتمادًا على تحليلات وتفسيرات مبنية على بعض الأحداث التي وقعت في أيامنا وعلى مدار التاريخ لن تكون بالمعلومات الموضوعية الدقيقة مطلقًا، فمن المفيد أخذ هذا الأمر بعين الاعتبار.

وبعد هذا التنويه أقول: لم أشعر في أي وقت من الأوقات بالتشاؤم حيال مستقبل تركيا أو مستقبل الخدمة، وكنت دومًا أتمسك بهذا الأمل حتى في الآونة التي لا أجد فيها حولي إلا ثلاثة أو خمسة أشخاص، فقد تظهر الفتن، ويكثر الهرج والمرج، ويتعرض المؤمنون الصادقون لمعاملات قاسية من قِبل بعض المستبدين، وينسحقون تحت نير الظلم والاضطهاد، لكن لم يفتّ هذا في عضدهم ولم يثبط عزيمتهم؛ لأن الإنسان طالما آمن بالله وتشبث بالسعي واستعان بالحكمة لا يساوره خوف ولا ينتابه يأس؛ فإذا ساوره القلق وشعر بالخوف وانتابه اليأس؛ فهذا بدوره سيتسبب في إثارة الذعر في الناس المحيطين به السائرين معه على الدرب نفسه، وسيسوقهم إلى تشتت أفكارهم ووقوعهم في التردد، وبعد ذلك يبدأ الانزلاق والانفضاض.

   صحة الطريق وسلامة النية

فالمهم بالنسبة للمؤمن هو صحة الطريق وسلامة النية، فإذا سعيتم إلى إعلاءِ كلمة الله، وغرسِ الأمن والأمان في جميع البقاع عن طريق التسامح والتعليم، وأوقفتم الخدمات التي تبذلونها على رضا الله تعالى؛ فهذا يعني أنكم تسيرون في الطريق الصحيح؛ وهذا هو الطريق الذي يأخذ الإنسان إلى الجنة، ويوصّله إلى الرضا والرضوان، أما الباقي فلا يعنيكم؛ لأن النجاح قد حالفكم منذ البداية بسبب سلامة نواياكم ومقاصدكم ومساعيكم، علاوة على ذلك فإن تحقيق غاياتكم وجني ثمار خدماتكم هو أمرٌ منوط بالله تعالى ليس إلا.

فأحيانًا يكتب الله النجاح للجهود التي تُبذل في سبيل إعلاء كلمته، وأحيانًا لا تترتب أي نتيجة مرجوة على هذه الخدمات لِحِكَمٍ لا يعلمها إلا الله، ففي الحالة الأولى يخطئ المؤمنون حين يدّعون أحقيتهم في النجاحات التي أحرزوها وينسبونها لأنفسهم، وفي الحالة الثانية يخطئون على نفس الدرجة حين يشعرون بالإحباط والتشاؤم لعدم إحرازهم أي شيء، لأن ما يقع على عاتقنا هو مراعاة الأسباب التي تسهم في تحقيق غاياتنا، أما النتيجة فمآلها إلى الله سبحانه وتعالى.

من جانب آخر فإن اليأس عائقٌ كبير يحول دون الوصول إلى الغايات السامقة، يقول الشاعر الإسلامي محمد عاكف معبرًا عن مدى خطورة هذا البلاء:

اليأسُ مستنقع عميق الغور، إذا وقعتَ فيه فأنت غريقُ

فتمسك بالأمل بقوة، وانظر ما ستؤول إليه حالك يا صديقُ

إن من يحيا يحيا بعزيمته وبأمله المنشودِ

واليائس يغلّل روحه وضميره بقيد حديديٍّ منضودِ.

ولهذا فإن اعتبار المستقبل مظلمًا قد يجعل المستقبل بالفعل مظلمًا، ويجعل الطرق الواصلة إلى الكمالات عثرة وعرة.

أجل، إننا نؤمن اعتمادًا على البشارات التي تزفّها إلينا العديد من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة بأن المستقبل مشرقٌ، أما ما يقع من بلايا ومصائب فمجرد زوابع مؤقتة على الطريق الموصِّل لهذا المستقبل المشرق، ومن ثمّ فلو أن يأجوج ومأجوج زلزلوا الأرض، ودمروا كلَّ ما فيها فإننا نؤمن أو ينبغي لنا أن نؤمن بأن التعمير والإصلاح سيحل بفضل الله وعنايته في النهاية، فكلٌّ من الإيمان والأمل مصدرُ قوةٍ يساعدنا على الصمود والثبات، ومواصلةِ السير في الطريق إلى أن نفوز برضا الله تعالى.

عند فتح مكة نظر أبو سفيان إلى وضع الصحابة رضوان الله عليهم آنذاك، وتذكّر بداية الأمر، ثم أخذته الحيرة والدهشة وتذكّر كيف بدأت الدعوة النبوية بامرأة وصبي وعبد، ثم وصلت في النهاية إلى هذه الأبهة والعظمة.. والحق أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حقق هو وعددٌ قليلٌ من صحابته الضعفاء الفقراء نجاحات عظيمة خلال فترة وجيزة، ولا ريب أن هذه النجاحات ترجع -من ناحية الأسباب- إلى الإيمان والأمل والعزم والثبات، فقد آمن هؤلاء بحقٍّ بالطريق الذي يسيرون فيه، ولم يفقدوا آمالهم عندما واجهتهم البلايا والمصائب، وواصلوا سيرهم في طريقهم الصحيح دون تردد، واستغلوا كل الفرص ليحدِّثوا الآخرين عن الدعوة التي يؤمنون بها، وعاشوا متمسكين بآمالهم على الدوام، وفي النهاية لم يخزلهم الله ولم يضيع جهودهم.

قد يتعرض السائرون على نهج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض البلايا والمصائب، وربما ينسحقون تحت وطأة الظلم والاضطهاد الذي يمارسه بعض المستبدين الذين عميت أعينهم عن كل شيء سوى أنفسهم ومصالحهم الشخصية، إلا أن الوحدات الآلية والطائرات والمقذوفات والمدافع التي يملكها غيرهم هي أشياء بسيطة وتافهة للغاية أمام مصدر القوة الذي يعتمد عليه هؤلاء المؤمنون في دعوتهم، ولذا فإنه من الصعوبة بمكان أن تتسبب الهجمات والاعتداءات الوافدة من الخارج في إبعاد هؤلاء المؤمنين الذين ارتبطت قلوبهم بدعوةٍ ما عن الطريق الذي يسلكونه، أو في إنهاء الخدمات التي بدؤوها، المهم هو حفظ التناغم في الداخل، وإحياء شعور التضامن والاتحاد، وعدم الوقوع في شراك التفكك والاختلاف في الداخل، وإذا كان لا بد من القلق فيجب أن نقلق من أنفسنا.

وفي هذا الصدد حُكي لنا أن الأستاذ النورسي كان يقول: “لو قالوا لي إن روسيا على وشك الهجوم عليكم بوحداتها الآلية فسأضع إحدى رجليّ على الأخرى، وأقول لزبير[1]: اصنع لي فنجانًا من القهوة يا زبير، ولكن لو قالوا وقع خلاف بين الأصدقاء في الداخل؛ فحينها سأنزوي في غرفتي وأظل أجهش بالبكاء”.

وعلى ذلك فإذا كان لا بدّ من القلق فيجب أن نقلق من أن نفقد قوامنا ومكانتنا، بل يجب أن نسأل أنفسنا دومًا: هل يا ترى سنقدر على إنجاز المهمة التي تقع على عاتقنا لنعطي موقعنا حقه، وهل نحن نحمل روح التفاني والتضحية من أجل القيام بالخدمات المنوطة بنا؟ إلى جانب ذلك علينا أن نحاسب أنفسنا على الدوام، فلو وجدنا قصورًا في أيٍّ من هذه الأمور فعلينا أن نسعى لتلافيه، وهذا ما ينبغي أن يعنينا بداية، أما ما سوى ذلك من حوادث مؤلمة فهي أشياء مؤقتة عابرة، لا داعي للانشغال بها كثيرًا، ولكن يجدر بنا إذا نخرت دودة في جسدنا -حفظنا الله- فقطّعت أوردتنا، ومصَّت دمنا أن نجلس ونبكي على حالنا.

ومع ذلك نجد أنفسنا أحيانًا نترك ما يجب علينا التركيز عليه وننساه، لنغرق في الواقع ونشغل أنفسنا بالمسائل اليومية ونتيجة لذلك نقع في الفوضى، بينما الشيخ سعيد النورسي يقول “لا نملك سوى يدين، ولو كانت لنا مائة من الأيدي ما كانت تكفي إلّا للنور (يعني للقيام بالخدمة)”[2]، ومن هذه الجهة فالوظيفة المتعينة على الأرواح المؤمنة هي توجيه كل همتهم وتكثيفها لتحقيق ما يجب عليهم فعله من خدمات، وعليهم ألا يتهاونوا في تلك الوظيفة وأن يتمموها بلا أي نقصان أو إهمال، لأنه كما أن من سبقونا قدموا أعمالًا ناقصة وغير مكتملة بسبب القصور والإهمال ونحن نحاول بصعوبة ملء ما تركوه من فراغ، فكذلك الجيل الذي سيأتي من بعدنا سيحاول بصعوبة شديدة ملء ما نتركه من فراغ وسيذموننا من خلفنا.

إن الطريق الموصل للثناء والدعاء بالرحمة لنا من قبل الأجيال اللاحقة، هو القيام بالوظائف الواقعة على عاتقنا على أكمل وجهدون قصور أو نقصان، ولو أننا قمنا بواجبنا على الوجه التام، فسيقولون: “رضي الله عن أجدادنا، فبرغم أقدامهم المكبلة والمصفدة، كافحوا دون توقف”.

وعلينا أن نؤمن إيمانًا قطعيًّا بأنه لو أننا سرنا في طريقنا بإيمان خالص وبأمل راسخ وأدينا ما يتوجب علينا فعله من وظائف على أكمل وجه فإن الله سبحانه وتعالى لا يتخلى عن عباده المؤمنين، لأنه سبحانه يقول في بيانه العالي القرآن الكريم ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/139)، فطبقًا للآية القرآنية الجليلة فإن المؤمنين من البداية هم الأعلون، فهؤلاء الذين لديهم القابلية للتفوق، لو أنهم داوموا على التدرب بعزم وبإرادة فسينالون التفوق والعلوّ.

وكذلك رسولنا صلى الله عليه وسلم أجاب صاحبَه أبا بكر الصديق رضي الله عنه عندما لجأ إلى سلطنة غار ثور، فقال له ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ (سورة التَّوْبَةِ: 9/40)، ولذا فإن كان الله معنا فلا حاجة إلى الاغتمام والتكدر، والمهم هنا أن نكون في مشاعرنا وفي أفكارنا وفي إذعاننا وفي قبولنا متواجدين داخل إطار المعية الإلهية، وإذا استطعنا تحقيق ذلك فإن الله جل جلاله سيقابل توجهنا إليه بتوجه من لدنه، وهكذا في مواجهة ملاحظة المعية السبحانية لن تكونوا بمفردكم وسيقابل توجهكم لمعيته بمعية خاصة من عنده.

   المداومة على حسن الظن بالله سبحانه وتعالى

ومن جهة أخرى فعلى كل شخص تحل به مصيبة أو يتعرض للابتلاء أن يتوجه بمحاسبة نفسه أولًا وإعادة النظر في مسؤولياته وتقييمه، بمعنى عليه أن يقول “إننا الآن لو هزمنا أو تقهقرنا أو اهتززنا فإن هذا بسببنا، لربما ارتكبنا أخطاء وقصرنا في علاقتنا مع الله سبحانه وتعالى”، ومن المهم النظر للمسألة هكذا للمحافظة على حسن ظننا بالله تعالى، لأننا واثقون أن الله جل جلاله لا يظلم عباده مقدار ذرة.

فمن المهمّ أثناء تقييمنا للأحداث هو أن نصل إلى وجهة النظر الصائبة وأن نتناول المسائل من كافة جوانبها، فأحيانًا مايكون الأمر ظاهره فيه الشر لكن باطنه من قبله الرحمة، فالله سبحانه وتعالى يستخدم تلك الابتلاءات ككفارات للذنوب وهكذا ينقينا من الآثام والخطايا، فمن خلال زلزلتنا يوجهنا إلى فتح أعيننا ويوقظنا ويوجهنا لرؤية الصواب بصورة واضحة، ويوصلنا لحقيقة التوحيد، ويسوقنا إلى التوجه التام له سبحانه.

فالله سبحانه وتعالى من أجل أن يوقظ من ضل عن الطريق ومن وقع في الغفلة وليعيدهم إليه يشوكهم بطرف الإبرة، فإن لم يستيقظوا يوكزهم بإبرة أغلظ، وإن لم يكفِ هذا لتنبيههم وَكَزَهَم بطرف السهم، وأحيانًا يبتلي بأشياء أكبر من ذلك، وما كل ذلك إلا لطمات الشفقة الإلهية، فلو أننا نظرنا إلى هذه الأمور من الناحية الظاهرية فقط وقيمناها بصورتها السطحية لظننّا أنها متوجهة ضدنا ونقمة علينا، بينما الله سبحانه جل شأنه من خلال تلك الابتلاءات يوقظنا ويفتح بصائرنا ويحفظنا من الابتلاءات الأخروية.

ولو توسعنا في شرح المسألة قليلًا، فإن الحق جل جلاله يزلزل المؤمنين الذين أتبعوا أنفسهم هواها ونسوا هدفهم وانطلقوا يطلبون الدنيا، ويتركون الحساب وراء ظهورهم، يهزهم بمجموعة من الابتلاءات والمصائب، وهكذا يسوقهم إلى وظيفتهم الأصلية، بمعنى أن تلك الابتلاءات ما هي إلا تنبيهات للإنسان على وجود فوضى داخل حياته القلبية، وقد يكون هذا التنبيه في شكل آفة طبيعية كالزلازل أو العواصف والأعاصير، أو السيل أو القحط.. كذلك أيضًا قد يظهر التنبيه من خلال إيقاظ روح العداوة ضدهم فيأتي التنبيه في صورة ظلم وغدر يقع عليهم، وفي هذه الحال يتعين فهم الدرس واستيعاب التنبيه.

وفي الأصل فإن الله سبحانه وتعالى من عظيم نعمته على المؤمنين أنه لا يترك أخطاءهم وقصورهم للعقاب الأخروي وإنما يبتليهم بالمصائب حتى ينقيهم من الذنوب والمعاصي وهم في الدنيا، لذا يتعين عليهم النظر إلى هذه التنبيهات على أنها نوع من الالتفات والغنيمة، وأن يصلحوا أنفسهم ويعملوا على تنظيم أحوالهم وأطوارهم، وعليهم أن يفكروا بالصورة التالية “لقد انغمسنا ووقعنا في الوحل، ومرشدنا ومربّينا سبحانه أمسكنا من آذاننا وأخرجنا من المستنقع، ونبه علينا ألا نتجول في ذلك المستنقع ثانية”.

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ”[3]، وقد أرشد رسولنا صلى الله عليه وسلم عبر هذا الحديث إلى الكيفية التي تتحول بها المصائب والبلايا إلى خير للمؤمن.

ولذلك فالمؤمن سواء حاز بعض التوفيق، أو تعرض لبعض المشكلات، فطرق الفوز والفلاح مفتوحة أمامه، ولا مكان للخسران في حياته، والشرط الوحيد لأن يكون مظهرًا لذلك هو أن يحافظ على “وقفة المؤمن” أمام الله والأحداث، أما الخسران فهو واقع لأهل الضلال والنفاق والكفر والظلم، فهؤلاء وإن انخدعوا ببعض النجاحات الشكلية، أو حازوا علوًّا دنيويًّا بطريق الخداع والمكر، فإنهم في هذه الحياة وفي الآخرة لن يستطيعوا النجاة من الاضطراب وسيعيشون خسرانًا فوق خسران.

***

[1] زبير كوندوز ألب (1920-1971م): ولد في مدينة “قونيا”، ظل عشر سنوات ملازمًا للأستاذ وفي خدمته ليل نهار حتى وفاة الأستاذ النورسي.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة السادسة عشرة، ص 143.

[3] صحيح مسلم، الزهد، 64.

الجَرَّة المشروخة :الحرية الحقيقية

Herkul | | العربية

   سؤال: “ليس هناك مقام ولا منصب أسمى من العبودية (لله)، وإن وُجِد فهو الحرية التي هي في الأصل بُعدٌ من أبعاد العبودية”، فما معنى هذا الكلام؟ وكيف ينبغي أن يكون مفهوم الحرية لدى المؤمنين في هذا العصر الذي أكثر فيه الناس من الحديث عن الحرية؟

   الجواب: إن العبودية الحقيقية لله تقتضي تخليص صاحبها من جميع العبوديات المخزية والمزرية والمبتذلة، والإنسان الذي يعي هذا الشعور بالعبودية لله ينسلخ من عبوديته للمخلوقات، ولا يقع أسيرًا لرغباته وشهواته.

   معوقات نيل الحرية

أما من لم يستطع أن يكون عبدًا حقيقيًّا لله فإنه معرَّض للابتلاء بشتى صنوف العبوديات، فأحيانًا يصير عبدًا لرغباته وشهواته، ويعيش حياة بوهيمية لا تقيم وزنًا للأعراف والقواعد، وأحيانًا ينهزم أمام أطماعه، ويدخل في مضاربات شتى لجمع الأموال والثروات بغضّ النظر عن حلها أو حرمتها، وأحيانًا أخرى يقع أسيرًا للمقام والمنصب، ويستغل موقعه، ويطمح للاستيلاء على مال الشعب وأملاكه.

وقد يصير عبدًا لحسده وضغائنه، فيحقد على الذين يسعون في طريق الخير ويعملون على فتح قلوب الناس، وبسبب ما يستولي عليه من حقد وحسد يحرص على أن يعيق أعمال هؤلاء ويقف حجر عثرة في طريقهم، ولا شك أنه بذلك يجلب على نفسه أضرارًا جسامًا، ففي الدنيا يكاد يهلك نفسه عندما يرى النجاحات التي حقّقها هؤلاء، وفي الآخرة يُبطِل عمله، وفي هذا الصدد يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “الْحَسَدُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ“.

ثمة عبودية أخرى يُبتلى بها الذين لا يستطيعون أن يكونوا عبادًا حقيقيين لله تعالى، ألا وهي حب الشهرة، فمحبو الشهرة يلتمسون كل الطرق لأن يُشار إليهم بالبنان، وليتوجه إليهم الناس بالتصفيق والتقدير، ولو حقق هؤلاء المساكين نجاحًا صغيرًا وقدموا شيئًا من التضحيات فإنهم يأملون أن يقول الناس عنهم: “أنتم فخر بلدنا”.. إنهم لا يتكلمون دون تصفيق، ولا يقدمون شيئًا دون تقدير، التصفيق يستهويهم ويجعلهم يغيبون عن وعيهم، وهكذا يصبح هؤلاء الناس الذين يحملون هذه الروح الأنانية عبيدًا للشهرة.

وهناك أيضًا عبيدٌ للدعة والراحة والمال والمصالح والمنافع، وهؤلاء البائسون -غير القادرين على تذوق العبودية لله ولا على معرفة قيمتها- يظلون يركضون طوال عمرهم وراء رغباتهم وأطماعهم وأهوائهم وولعهم وشغفهم وميولهم، ويلتمسون كل الأبواب في هذا السبيل، ولكن لا يقنعون ألبتة ولا يُحرزون السعادة الحقيقية.

والواقعُ أن أساس الوثنية هو ضعفُ شعور العبودية لله، فنظرًا لأن المشركين لم يستطيعوا أن يكونوا عبادًا لله بحق ولم ينالوا نصيبًا من حظوظ العبودية فإنهم قد لجؤوا إلى طرق مختلقة لسد جوعهم وإرواء ظمئهم، فوقعوا تحت تأثير بعض الأفكار الشيطانية؛ مما جعلهم مثلًا ينصبون شيئًا على الأرض حتى يهطل المطر، أو يتوسلون لأهل القبور كي تتحقق مطالبهم، أو يربطون خرقًا بالأضرحة ويوقدون الشموع بغية الوصول إلى أهدافهم، وبذلك وقعوا رويدًا رويدًا في وديان الشرك.

وهناك بعض من الناس يعارضون مسألة العبودية لله، بحجة أن هذا -حاشا لله- ينافي كرامة الإنسان، وأن الإنسان الذي يتوجه بعبوديته لله سيعتاد على العبودية، وبالتالي سيوجه عبوديته للمخلوقات، بمعنى أنهم اعتقدوا أن العبودية لله تنافي الحرية، علمًا بأن هذا هو السبيل لإحراز الحرية الحقيقية، وعندما يكون الإنسان عبدًا لله يتحرر من كل العبوديات الأخرى، ويجب أن نسلّم بداية بأن الإنسان يختار دين الإسلام بمحض إرادته، ويؤمن بأركان الإيمان بكامل حريته، ويؤدي عباداته بكل أريحية، باختصار يؤدي عبوديته لله بإرادته الحرة.

لأجل ذلك توجد علاقة وطيدة بين الحرية وبين العبودية، فمن لم يستطع أن يتخلص من طوق الشهرة وحب الراحة والخمول والدعة وغير ذلك من الأطواق فإنه لا يستطيع أن يكون حرًّا، كما لا يمكن أن يكون عبدًا لله بالمعنى الحقيقي، فكما أن الحرية لازمة للعبودية الكاملة، فكذلك إحرازُ الحرية الحقيقية يتوقف على العبودية الحقة لله تعالى، فإذا أراد الإنسان أن يقطع علائقه عما سوى الله وأن يتحرر من أهوائه ورغباته ومن عبودية المخلوقين وأن يمحو من قلبه كل المخاوف سوى خشيته من الله تعالى فعليه أن يعمل على أن يكون عبدًا حقيقيًّا لله تعالى.

فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد وهب الإنسان نعمة جليلة مثل الإرادة فعليه أن ينظر فيما يستغلها، وأن يتشوّف إلى عظائم الأمور، وينأى بمطالبه عن الأذواق والحظوظ الدنيوية حتى لا يضرّ بشرفه وكرامته، وعليه ألا يضيّع رأس عمره في الجري وراء الصغائر التافهة، وألا يقع أسيرًا للمشاعر الجسمانية والنفسانية، وألا يخشى أحدًا سوى الله تعالى، وألا يخنع أمام هذا أو ذاك، وألا يركع ولا يحني عنقه، ولا يتصرّف كالمتسول، إنما ينحني ويركع إلى مَن هو جدير بالانحناء والركوع وهو الحق سبحانه وتعالى.

وهكذا فكما أن هذا هو السبيل لإعطاء الإنسان إرادته حقها فكذلك هو أيضًا السبيل للحرية الحقيقية، فإن الإنسان بفضل عبوديته لله ينسلخ من المشاعر السلبية كالحسد والطمع، ومن المخاوف والتطلعات الدنيوية، وحينذاك يطمئن عالمه الداخلي ويرتاح، ومثل هذا الشخص لا ينسحق أمام أي قوة دنيوية بسبب أنه على أهبة الاستعداد للرحيل في أي وقت عن الدنيا كما جاء إليها.

   هل هناك ما يُعرف بالحرية المطلقة؟

ومن الناس من يفهم الحرية على أنها حرية مطلقة لا تعترف بأي قيد، ولا تتقيد بأي شرط، ولا تخضع لأي مبدإ، ولكن مثل هذه الحرية لا وجود لها في أي مكان بالعالم، فلا النظام الرأسمالي ولا النظام الليبرالي ولا النظام الشيوعي سمح للناس بأن يعيشوا كما يحلو لهم بلا قيد أو شرط، بل وضعوا قواعد وشروطًا تقيد الحرية بشكل ما، فمثلًا رغم أن الأنظمة الشيوعية قد أبرزت مفهومًا يوسِّع من دائرة المباح في كثير من الموضوعات ويخاطب رغبات الناس وأهوائهم، فإنها قد تعاملت بشدة كبيرة للغاية في مسألة التبعية لأنظمتها، فكشفت عن استبداد كبير في تصرفاتها، وبذلك سلبت الناس حقوق الملكية، وقتلت رغبتهم في السعي والعمل، وعرّفت المجتمعات بالعديد من القوانين التي تتنافى مع طبيعة الإنسان وعقله.  

وعلى غرار ذلك فرغم أن بعض الدول في عصرنا الحالي قد اعترفت بقدر كبير من الحرية لمواطنيها فإنها لم تسمح ألبته بأي أفكار تناهض الأيديولوجية الرسمية للدولة، بل وضعت بعض القيود حتى في الأماكن التي يُنادَى فيها بحرية الفكر والوجدان، وعندما برزَتْ أفكارٌ تناقض مفاهيمها اتّجهت إلى وضع بعض العقوبات المشددة التي تمنعها، ورغم كثرة كلامهم عن الحرية فإنهم لم يتحملوا أدنى مخالفة لأنظمتهم. أجل، إن القصد من ذكر كل هذا هو أن الحرية المطلقة لا تكون إلا في الرؤى والأحلام، فحتى الآن لم تظهر حرية مطلقة غير مقيدة في أي مكان بالعالم.

والواقع أن سلامة حياة المجتمع وتناغمها يتطلب وضع بعض الضوابط التي تقيِّد الحريات، فلو فُهمَت الحرية على أنها تلبية كل الرغبات والشهوات دون قيد أو شرط فهذا من شأنه أن يتسبب في اختلال الأنساب، وتشتت الأسر، وتشوّه المجتمع، وعلى الشاكلة نفسها فلا يمكن إقرار بعض الأفعال التي تقع باسم الحرية مثل إهانة المقدسات، وازدراء الدين، والسخرية من قيم الأمة؛ لأن في هذا تدميرًا لكل القيم الأخلاقية، وكذلك لا يمكن تشريع العمل ضد الدولة والأمة بحجة الحرية؛ لأن هذا سيُفضي إلى ضعف مفهوم الأمة والدولة، وإلى صعوبة تعايش الناس مع بعضهم.

ولكل هذه الأسباب سنّت جميع الأنظمة الحقوقية قوانين تحقق المحافظة على الدين والنفس والنسل والمال والعقل، وطبقت عقوبات مشددة على الجرائم التي تهدد هذه الكليات الخمس؛ بمعنى أن الدول جميعها قد شعرت بالحاجة إلى تقييد الحريات فاستصدرت لذلك بعض القوانين والتشريعات، وقديمًا قالوا: “تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الأخرين”، بتعبير آخر: مهما كان للمواطنين من حقوق وحريات فإنها تقف عند الحد الذي يبدأ عنده حرية الآخرين، ولو تناولنا المسألة من وجهة نظر إسلامية نقول: إن حرية الإنسان تقف عند الحدود التي وضعها الله ورسوله ودينه.

وعلى ذلك فإن مفهوم الحرية المطلقة الذي يدعو إليه البعض في أيامنا ليس له مسوّغ من وجهة النظر الإسلامية أو المنطق الإنساني، ولذا قال البعض إن مفهوم الحرية المطلقة الذي يبيح للإنسان أن يفعل ما يشاء لا يصلح إلا في عالم الحيوانات، ومع ذلك فقد شاهدنا في بعض البرامج الوثائقية أنه حتى الحيوانات لا تستطيع أن تواصل حياتها وفقًا لهذا المنهج، حيث إن لديهم أيضًا حدودًا وساحات معينة، فإذا هم أحدهم بانتهاك حدود الآخر والتعدي على حقوقه وقعت المواجهات بين بعضهم البعض، بل قد يتحول الأمر إلى عراك ونزاع، وعندها يضطر المغلوب إلى أن يدع الساحة للآخر.

وكذلك فإن العديد من الحيوانات تعيش فيما بينها في جو من التعاون والتضامن، فمثلًا إذا نظرنا إلى حياة طيور البطريق في القطب الجنوبي فستأخذنا الدهشة والعجب من النظام الذي أسَّسَته تلك الطيور فيما بينها، حتى إن العديد من القراء والمفكرين وأصحاب المحاكمات العقلية والمنطقية من الناس لا يستطيعون القيام بنفس الأعمال التي قامت بها هذه الطيور، ولو أن الناس أسّسوا فيما بينهم نظامًا هكذا لعاش الجميع في راحة وطمأنينة، وعلى ذلك فإن الحيوانات قد استطاعت بالسوق الإلهي وليس بإرادتها أن تمارس حياتها ضمن حدود وضوابط معينة؛ بمعنى أنه لا وجود بينها للحرية المطلقة.

لقد وضع الله في عقول الحيوانات قسمًا من القوانين لتعيش داخل نظام وانتظام، فهي تعيش وفقًا لتلك القواعد بدافع إلهي، بينما الإنسان كائن ذو عقل وإرادة، بل يمكننا القول إن العقل والإرادة من لوازم الإنسان غير المفارقة له، بمعنى أنها خصائصه الأساسية التي لا يمكن التفكير في إنسانيته بدونها، فالإنسان ليس مجموعة متراكمة من الأخشاب ولا نبتة كسيقان نبات دوار الشمس، ولكي يستطيع الناس العيش مع بعضهم داخل نظام وانتظام وتناغم عليهم أن يراعوا الحدود ويتحملوا المصاعب بمحض إرادتهم.

إن إعطاء الإرادة حقَّها أمرٌ في غاية الأهمّية، وإذا ما التزم الإنسانُ به فلن يُحقق التناغم الداخلي المجتمعيّ فقط، بل سيتسنى له تجاوزُ الملائكة الكرام.. إن مفخرة الإنسانية جمعاء عليه الصلاة والسلام -وهو من استخدم الإرادة على وجهها الصحيح- قد تجاوز جبرائيل عليه السلام في رحلة المعراج، لذلك فالتنعم بالجنان والفوز برؤية الرحمن سبحانه وتعالى مرتبط دائمًا باستخدام الإرادة في موضعها الصحيح.. وبتعبير آخر لو أن الإنسان التزم -من خلال الإرادة- بالنطاق الذي حدده الله، وسار في الطريق الذي رسمه له، وراعى المبادئ الموضوعة له نال رضا الله سبحانه ورضوانه، ولذلك على الإنسان أن يتنازل عن بعض جوانب الحرية، وأن يخضعها بالإرادة لشيءٍ من المبادئ.

ومن جهة أخرى فالحرية نعمة كبيرة منَّ المولى عز وجل بها على الإنسان، ولذلك فإن معرفة قدر هذه النعمة وقيمتها والمحافظة عليها مسؤولية هامة تقع على عاتق الإنسان، لأن وظيفة المؤمن هي استخدامه نعمَ اللهِ عليه وفقًا لمراد الله تعالى وأوامره.

فلو أنه جل جلاله منحَنا بعض الحقوق وأحسن علينا بها كي نظل في دائرة الإيمان ونرتب فلسفتنا وأفكارنا وحياتنا وفقًا لها، فلا يمكننا التضحية بأي من تلك الحقوق، لأنه إذا لم نستطع حمايتها والمحافظة عليها فلن نستطيع المحافظة على وجودنا كأفراد وعائلات وأمة، ولن نعيش الإسلام بالتمام، لأن عيش الإسلام بصورة كاملة لا يمكنه أن يتأتى إلا في مجتمع صُمّم وفقًا للأسس الإسلامية.

ولو أن العالم الإسلامي اليوم أضاع -نتيجة للكسل والإهمال- مثل هذه النعمة التي منَّ الله تعالى عليه بها، وانصاع لأشكال عديدة من الوصايات المختلفة، أي إنهم لو لم يحافظوا على حريتهم فسيُسألُون عن ذلك أمام الله تعالى، والأدهى من ذلك أنهم إن كانوا لا يشعرون بوقوعهم تحت وصاية كهذه، ولا يظهرون أية حماسة أو غيرة من أجل الخلاص منها، ولا يحاولون استرداد ما سُلب من أيديهم من إمكانات، فهذا معناه أنهم يهينون حريتهم ودينهم وإيمانهم.

ومن هذه الجهة فإن معرفة قيمة نعمة الحرية التي منَّ الحق تعالى بها علينا، والاستمساك بها واستخدامها في مكانها أمر في غاية الأهمية، لأن بقاء ذاتيتنا الخاصة وعدم تبدّلنا وتغيّرنا مرتبطٌ بذلك، فينبغي لكل مسلم أن يكون على وعي بالعصر الذي يعيش فيه، وأن يضع الخطط والمشاريع المستقبلية، وعليه وفقًا لإدراكه الخاص أن يخطو خطوات تدفعه إلى الأمام وإلى مستقبل أفضل، وإهمالُ هذا يحمل في طياته إهانةً لما يؤمن به من قيم، كما أن الاستسلام للغفلة في هذا الشأن جرمٌ.

لو أن الأجيال السابقة حافظت على حقوقها وحريتها وعزتها وشرفها، وأدَّت وظيفتها على أكمل وجه وبلا تقصير، لما عاش المسلمون اليوم الوصاية والتشرذم الذي هم فيه، إنني دائمًا ما أقدم خالص احترامي للأجداد وأحاول أن أذكرهم بالخير دائمًا، إلا أنني حين أنظر إلى ما يتعرض له المسلمون اليوم من وصايات بعضها فوق بعض لا أستطيع منع نفسي من عتابهم بعض الشيء؛ لماذا عجزوا عن قراءة الواقع في عصرهم قراءة صحيحة؟ لماذا لم يستطيعوا تمييز عدوهم؟ لماذا فقدوا مكانتهم كعنصر موازنة في العالم؟ لماذا فقدوا حرياتهم وأسلموها لآخرين؟ لماذا أدخلوا أنفسهم في ربقة الذل والهوان؟ ولماذا أصبحوا أسرى وأذلاء عند الآخرين؟!

والأمر نفسه بالنسبة للمسلمين اليوم فلو أنهم لم يقوموا بما يجب عليهم من أجل إنقاذ أنفسهم من هذه المشكلة التي هم واقعون فيها، ولم يتحلوا بفضيلة تحمل الصعاب في سبيل ذلك، فإن أجيال المستقبل ستواجههم بمثل تلك الكلمات، وستُطلِق الأسف والتعسَ على الإخلال بحقّ الوظيفة، وعلى عدمِ إنشاء مجتمعٍ جديد، وعلى العجز عن إرشاد الأحفادِ إلى طرق الانبعاث، وعلى تفكيرهم المنحصر في المنافع والراحة الشخصيّة! ومن يدري ربما لن تتكلم تلك الأجيال القادمة بحَيطةٍ وحذرٍ مثلنا، وربما تصلُ بنقدها إلى صبّ اللعنات عليهم. 

ولذلك يجب على المؤمنين أن يستخدموا ما أنعم الله تعالى عليهم به من آلاء ونعم وإمكانات بصورة عملية لتأمين مستقبلهم مبتغين رضا الله سبحانه، وعليهم أن يبذلوا في هذا الطريق كل ما بوسعهم من طاقة، وأن يضربوا أروع الأمثلة في التضحية؛ لدرجة أنهم لن يبخلوا بالتضحية بأرواحهم في سبيل تحقيق ذلك، يجب عليهم أن يضعوا النهاية والخلاص لخمسة قرون من الكسل وقرنين من الركود التام، عليهم أن يُعوِّضوا المسؤوليات التي أضعناها خلال تلك الفترة.

   الفكر الحر في العلم

تعرض المسلمون بعد القرن الخامس الهجري لمرحلة من التوقف في البحوث العلمية، لذلك فإن أحد الأعمال الواجبة اليوم هي تمرير العلوم من منشور الفكر الإسلامي وصياغتها من جديد، وإعادة تشكيلها وترتيبها وتصنيفها وفقًا لخريطتنا الفكرية. نعم، لقد وضعنا -حتى القرن الخامس الهجري- قواعد البحث بصورة مباشرة عبر القامات العلمية آنذاك، إلا أن هذا الأمر انتقل إلى الغربيين في العصور التالية، فوضعوا العلوم في قوالب مختلفة من وضعية ومادية وطبيعية.

إننا لا نستطيع اليوم فيما نقوم به من أعمال وأبحاث في مختلف مجالات العلوم أن نخرج عما وضعوه من مناهج واصطلاحات، فنواصل دراساتنا في إطار قوالبهم، لذلك فإننا عاجزون عن التفكير بشكل مختلف عنهم، وبالتالي لا تقودنا أبحاثُنا إلى الحقيقة التي نسعى إليها، لذلك يجب على علماء المسلمين أن يتخذوا الفكر الحرّ مبدأً لهم، وأن يعيدوا النظر مرة أخرى في المكتسبات العلمية من بدايتها، وأن يتخلصوا من الوضع القائم وينفكوا من التبعية العلمية ويناقشوا كل شيء، لأنه من دون المناقشة لا يمكن تأسيس شيء جديد، ولذلك يجب أن نتوقع احتمالية خطإ المعلومات التي حصلنا عليها جاهزةً ولو بنسبة قليلة، فمثلًا الدكتور المتخصص في مجال الطب يجب عليه أن يعيد النظر في كل ما تعلمه ليتأكد من صحة تلك المعلومات من عدمها، وأن يُخضعَ تلك المعلومات للاختبار. 

هذا العمل ليس سهلًا ألبته، ويتطلب عشقًا حقيقيًّا للعلم والبحث والحقيقة، والأكثر من ذلك قد يستلزم قدرة الإنسان على وقف حياته من أجله، وتحمل المصاعب والمشقات وتقديم تضحيات حقيقية، وإذا كان الغرب قام بثورة صناعية وقطع مسافة طويلة في العلوم التقنية فقد تحقق هذا على أيدي منْ وقفوا أعمارهم وسنِي حياتهم من أجل هذا العمل، فمنهم من وقف حياته من أجل الدراسة والتدقيق في حياة الحيوانات، ومنهم من فعل ذلك من أجل كشف خبايا التاريخ وأسراره، ومنهم من أراد أن يفك شفرة الحوادث الطبيعية، لكن هؤلاء في النهاية أسندوا أعمالهم إلى الأسباب المادية والطبيعية، ومن أجل اجتياز الوضع الراهن يجب إسناد كل ما يتوصل إليه من حقائق علمية متعلقة بالوجود والأشياء إلى الذات العلية الخالق سبحانه، وكما يتم نقض الغزل وإعادة نسجه في حُلة جديدة منمّقة، يجب أيضًا أن يتم فعل ذلك في موضوع العلم، وقد نُصيب أحيانًا ونخطِئ أخرى في أثناء قيامنا بذلك، ونطور بعض المسائل إلى أحسن مما هي عليه، ونسير على نفس الخطى مع الآخرين في بعض المسائل، بل إننا قد نطلب المساعدة منهم.

ولكن هذه الأمور، لا تتم على أيدي أناس عاديين؛ إذ إن تحقّقها يستلزم جدية تامة وعزمًا حقيقيًّا، وطالما أنه لم يُبذل مثل هذا الجهد والعمل، فلن يتمكن المسلمون من التخلص من الازدواجية، ولن يستطيعوا القضاء على صراع العلم والدين، وكما أن القرآن الكريم كتاب جاء من صفة كلام لله تعالى، فإن الكون أيضًا كتاب آخر مستمد من قدرة الله سبحانه وتعالى وإرادته، ولأن هذين الكتابين من المصدر ذاته فلا يمكن أن يكون هناك تعارض بينهما.

نعم، كما تؤلمني الوصاية المفروضة على الإرادة، تؤلمني الوصاية المفروضة على العلم، أما تناول المسائل بصورة مستمرة على شاكلة قال فلان هكذا وقال فلان هكذا، وعدم إضافة فكر جديد، فهذا ليس إلا همهمات أرواح بائسة أسلمت أنفسها للوصاية المفروضة عليها، وأقول كما قال الشاعر محمد عاكف “عشت حرًّا منذ الأزل، وسأعيش حرًّا، أتعجب أهناك مجنونٌ يستطيع تقييدي بالأغلال!”.. والحقيقة أنه ينبغي أن يكون هذا شعار كل مؤمن، على الشخص أن ينظر إلى ماضيه المجيد وأن يتوجه بنظره إلى جذوره الروحية والمعنوية، ثم يعيد النظر إلى حاله البائس اليوم ويتفكر، ويعيبُ ذلك على نفسه، ثم يتوجه لإنشاء دنياه من جديد عبر تخلصه من تلك العيوب.

ولأن هذا الإحياء لن يحققه إنسانٌ يرزحُ بأفكاره تحت الوصاية؛ فلا بد من وجود أفكارٍ حرَّة، فالأساس أن الحرية تبدأ في الفكر، والإنسان الذي ينقاد في أفكاره للآخرين لا يمكن أن يكون حرًّا، وعليه فقد ظل إنسانُنا تحت الوصاية لعدة قرون؛ ففقَد عشقَه وحماسَتَه، ودخل تحت وصاية الآخرين.. إن ما يؤسَفُ له أن هذا الجيل المسكين البائس أصبح يتسوّل كلّ شيء من غيره، وما يجب عليه الآن هو أن ينجو من التسول وأن يحصل على حرّيته الحقيقية.

الجَرَّة المشروخة: في الصلح خيرٌ

Herkul | | العربية

   سؤال: في أيامنا هذه نجد النزاعات والمشاجرات منتشرة بصورة كبيرة بداية من نطاق العائلة إلى غيرها من قطاعات المجتمع بأنواعها المختلفة، فهل هذا بسبب قلّة المصلحين الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم؟ ولو كان الأمر هكذا فكيف يمكن تلافي هذا القصور؟

   الجواب: لقد وضع القرآن الكريم مبدأً في غاية الأهمية في هذا الموضوع بقوله ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/128)، وقد نزلت تلك الآية الكريمة في سياق الحديث عن حل النزاعات بين الزوجين مبيّنةً ضرورة استهداف الصلح عند حدوث ذلك، ولكن لا ريب أن الآية قد وضعت في الوقت ذاته مبدأً موضوعيًّا عامًّا لحل كل النزاعات والمشاكل التي قد تحدث داخل المجتمع بقطاعاته المختلفة؛ فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ وهكذا نجد القرآن يوصينا باتخاذ الصلح والتفاهم حلًّا لكل الإشكالات والمشاكل التي قد تثور بين أفراد الأسرة أو بين فئات المجتمع على حد سواء.

وإذا نظرنا للأمر من الناحية التاريخية فسنجد أنه بداية من عصر الرسالة والعصور التي تليه تنبه المسلمون لأهمية الصلح في تحقيق الاطمئنان والاستقرار داخل المجتمع، فحاولوا قدر استطاعتهم حلّ الخلافات الناشئة بين الأفراد والجماعات عن طريق الصلح.. وكانت الدولة تفعّل ذلك المبدأ القرآني في إطار مؤسّساتٍ عاملة بأسماء وعناوين مختلفة؛ بمعنى أن الدولة كانت ترعى بنفسها تلك المسألة، فإذا ما وقعَ خلافٌ بين الأفراد توجّهوا لهيئة تحكيمٍ وسيطة من أجل حلّ المشكلة وإزالة الخلاف، وفي يومنا لو أن الدولة اهتمت بالمسألة ووضعت القوانين واللوائح التي تنظمها؛ فلا بد أن هذا سيسهم بصورة كبيرة وسيكون له مردود إيجابي، فما يقع على عاتقنا نحن المسلمين اليوم هو بث الحياة في هذا المبدأ القرآني العظيم ومحاولة تفعيله فيما بيننا أو استخدامه في المواضع التي تمضي فيها كلمتنا.

   سمات الغرباء الذين نالوا بشرى رسول الله

وفي هذا الصدد يَقُولُ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، ثُمَّ يَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ” قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: “الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ[1].

 أي إن النفاق والشقاق والخلاف والفرقة سيكثُر وينتشر بين الناس في هذا العصر الذي سيصبح الإسلام فيه غريبًا، وهذا الاختلاف والتنازع سيُظهِر نفسه في كل قطاعات المجتمع وبين الناس بعضهم البعض بدءًا من علاقة الأفراد داخل الأسرة الواحدة وحتى الرؤساء والمرؤوسين، فمن الضروري في مثل هذا الزمن أن تكون هناك زمرة لا تتدخل في مثل تلك النزاعات، وتنأى بنفسها عن كل أشكال الفرقة والاختلاف، وتوجِّه كل طاقتها وسعيها لنشر الوفاق والاتفاق، وإلى جانب كل تلك المساعي تنشد رضا الله والتوفيق الإلهي، فإذا تحقق على أيديهم الصلح والوفاق نسبوا ذلك إلى العون والتوفيق الإلهي، وهؤلاء هم الغرباء الذين جاءتهم البشارة في الحديث الشريف.

وبعبارة أوضح نقول: إن هؤلاء الغرباء هم الذين سيتمسكون بحبل الصلح والوفاق عند إفساد المفسدين وتلاشي كل جميلٍ بسبب إفسادهم، وسيقفون في مواجهة كل أشكال العنف والتطاحن، بل إنهم في قنواتهم التلفزيونية وفي جرائدهم اليومية يبتعدون عن الجدالات العنيفة والمناقشات العقيمة، ولن يكونوا ألبتة أداة للنزاع والشقاق حتى وإن كانت فئات المجتمع تتنازع وتتصارع ويأكل بعضها البعض، إنهم على العكس تمامًا؛ سيحاولون إصلاح ما حدث من تدمير وتخريب، ورغم سيطرة السلوكيات والأطوار الوحشية على مجتمعهم مثل مشاعر الثأر والانتقام والنعرات الدموية وجنايات الشرف؛ فلن تجد أبدًا في قاموس هؤلاء الغرباء وأسلوب حديثهم أيًّا من ذلك ألبتة؛ لأنه مخالفٌ كلّيّةً لمبادئ الدين الأساسية، فمثلًا إضافة كلمة “شرف” لجناية القتل لا يعطي تلك الجناية أية مشروعية، فالشرف يكمن في الأعمال والسلوكيات التي تقبَّلها المجتمع المسلم بعد أن اختبرها بالأدلة الشرعية ومرّرها بمصفاة الشرع، فاكتسبت الذيوع والانتشار، لكنّ قتلَ الإنسان لا يمكن توفيقه مع النصوص الدينية، ولذلك فكل تلك الأفعال تدخل تحت قائمة “الفساد” الوارد في الحديث النبوي الشريف.

ففي وجه كل فساد وإفساد يجب أن يكون هناك فريقٌ من المصلحين يقفون في صف السلام، ويتنفّسون الصلح دائمًا، ويوقفون أنفسهم لمهمة التوسط من أجل الإصلاح ونشر السلام؛ لأن مثل هذه الأفعال الشنيعة والدنيئة يصعب حلها عبر ما تضعه الدولة من قوانين وعقوبات وتشريعات فحسب، ولكن ما يجب أن يتم هو؛ إقناع العقول بالبعد عن مثل ذلك الفسق والفجور، واستنهاض القلوب والضمائر، وكذلك غرس حب الإنسان في نفوس أفراد المجتمع، وتطوير مشاعر الحب والاحترام، وشرح فوائد الصلح والوفاق.

ومن ناحية أخرى يجب تقوية مشاعر الإيمان بالآخرة والحساب، لأنه لا يملأ فراغ الإنسان شيء مثل التفكير في الآخرة والحساب أمام المولى سبحانه وتعالى، وفي يومنا هذا لم تستطع القوانين الجنائية ولا العقوبات القانونية أن تسدّ هذا الفراغ، ولا أن تمنع جرائم السرقة، ولا أن تتغلّب على الظلم والجور.

 فلطالما لم يستقر في وجدانك الضمير الذي يلجمك ويردعك فإن تلك القوانين لن تعني لك شيئًا، فحتى وإن وضعتم أغلظ العقوبات وأشدها على النفس فإن المجرمين سيجدون طريقة ما للتملص منها، وسيبتكرون خططًا وإستراتيجيات لأفعالٍ إجراميةٍ لا تخطر على بال.

 فإذا كان المجتمع يعيش حالة من الانحلال والتفسّخ كما يُشاهد في عصرنا هذا خاصة، ويسوده الانحطاط الأخلاقي فلا يمكن تجاوز تلك المعضلات دون إعمار القلوب بالإيمان بالله وبالآخرة، ولذلك فتقوية الإيمان وإرشاد الناس إلى طريق الإيمان التحقيقي من أهم طرق نشر الصلح والصلاح بين الناس.

   مشكلات يمكن حلها بالسلم والتفاهم

فمثلًا مشكلة الإرهاب مشكلةٌ خطيرة قائمة منذ سنوات في تركيا، فلو أننا كنا استخدمنا السلم والتفاهم في حلها لكانت انتهت منذ وقت طويل، لو أن موظفي القضاء والموظفين المدنيين -وحتى المؤسسات الأمنية والموظفين العسكريين ورجال الدين الذين نشؤوا نشأة طيبة- أُرسلوا إلى المناطق التي تندلع فيها المشاكل بدلًا من محاولة قمع الناس هناك وسحقهم عبر استخدام القوة والسطوة، واستطاعوا احتضان ذلك المجتمع بمودة واحترام وتسامح؛ لكان شرق تركيا وجنوب شرقها تخلص اليوم من كونه مشكلة تزعج تركيا.

وعلى الرغم من أن سلطات الدولة تجاهلت مثل هذه التوصيات، ولم تشرع في عملٍ كهذا، وأصرت على مواصلة الاستعانة بالقوة الغاشمة إلا أنَّ ثمارًا طيبة للغاية تحققت نتيجة وجود بعض الأنشطة التعليمية والخيرية في فترة ما مثل توزيع متطوعي الخدمة للحوم الأضاحي، ومدهم يد العون للمحتاجين، وتبنيهم للأجيال الشابة من خلال المدارس والمراكز التعليمية المفتوحة، ولو أن مثل هذه الخدمات الجميلة لم يمنعها الظالمون والمعتدون لربما كان سيحدث تلاحم وتماسك حقيقي بين هؤلاء الفئات التي فُرِّق بينها منذ سنوات طويلة، واتخذت خطوات مهمة للغاية من أجل ضمان وحدة البلاد وسلامتها.

ما أردت قوله هو: لتفكِّرْ سلطاتُ الدولة أو شرائح المجتمع كما يشاؤون، ويفعلون ما يفعلون، ولكن يجب على متطوعي الخدمة الذين نذروا أنفسهم للإصلاح أن يواصلوا السير في طريقهم الذي بدؤوه، ينبغي لهم بذل قصارى جهدهم لجعل القيم الإنسانية والعالمية مثل السلام والتسامح والتوافق والحوار تسود في المجتمع، بل وفي العالم بأسره، ويستخدمون لذلك جميع الوسائل المشروعة.

فإذا كان هناك مجتمعٌ يتشاجر الناس فيه باستمرار، ويضرب بعضهم بعضًا، وتتفاقم فيه مشاعر الحقد والكراهية والعداء؛ فهذا يعني أن ذلك المجتمع يعيش حالة هذيان خطيرة، وغالبًا ما يؤدي مثل هذا الهذيان إلى انفصام الشخصية المجتمعية، وهذا خطر يهدد مستقبل المجتمع وسلامة الناس وسعادتهم؛ وبالتالي لا يجب تجاهله بأيّةِ حالٍ، لذلك يتحتم التدخل المباشر لحل مشاكل هذا المجتمع، وذلك من خلال اغتنام كل فرصة وإيجاد طرق بديلة مختلفة تمامًا، فإذا ما اعترضكم أحدٌ وحطّم الجسور التي تجتازونها وأنتم تسيرون في هذا الطريق، وجب عليكم سلوك طريق آخر على الفور والاستمرار في المضي قدمًا إلى هدفكم دون توقف.

   التخلق بالأخلاق الإلهية

 يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “رَجُلانِ مِنْ أُمَّتِي جَثَيَا بَيْنَ يَدَيْ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَبِّ خُذْ لِي مَظْلَمَتِي مِنْ أَخِي، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْطِ أَخَاكَ مَظْلَمَتَهُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ مَا بَقِيَ مِنْ حَسَنَاتِي شَيْءٌ، فَقَالَ: يَا رَبِّ فَلْيَحْمِلْ مِنْ أَوْزَارِي“، وَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: “وَإِنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَيَوْمٌ عَظِيمٌ يَوْمٌ يَحْتَاجُ فِيهِ النَّاسُ إِلَى أَنْ تُحْمَلَ عَنْهُمْ أَوْزَارُهُمْ“، ثُمَّ قَالَ: “قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلطَّالِبِ بِحَقِّهِ: ارْفَعْ رَأْسَكَ فَانْظُرْ إِلَى الْجِنَانِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَرَأَى مَا أَعْجَبَهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالنِّعْمَةِ، فَقَال: لِمَنْ هَذَا يَا رَبِّ؟ قَالَ: لِمَنْ أَعْطَانِي ثَمَنَهُ، قَالَ: وَمَنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ يَا رَبِّ؟ قَالَ: أَنْتَ، قَالَ: بِمَاذَا؟ قَال: بِعَفْوِكَ عَنْ أَخِيكَ، قَالَ: يَا رَبِّ فَإِنِّي قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ، قَالَ: خُذْ بِيَدِ أَخِيكَ فَادْخُلَا الْجَنَّةَ”، ثُمَّ قَالَ: وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ”[2].

ربما تُعزى صفة “مصلح” إلى الحق تعالى انطلاقًا من مفهوم هذا الحديث الشريف، لكننا لا نجد مثل هذا الاسم لا بين الأسماء الحسنى التسعة والتسعين المشهورة، ولا بين الثلاثمائة اسم التي ذكرها “محي الدين بن عربي”، ولا بين الألف اسم الواردة في الجوشن الكبير، فالأسماء الحسنى “توقيفية”، أي إننا لا نستطيع أن نعزو إلى الذات الإلهية اسمًا لم يرد في القرآن الكريم أو في السُّنة النبوية، ولكن يمكن نسبته إلى الله عز وجل بمنظور ومقاربات بعض العلماء الذين يضعون مسمّى للمعاني التي تعبر عنها الأفعال المنسوبة إلى الله تعالى في القرآن والسنة، وينسبون هذا الاسم إلى الله، من جانب آخر فإننا وفقًا لما ورد في الأثر لا نعرف جميع أسماء الله تعالى، إننا نعرف الأسماء التي تتعلق بحياتنا الشخصية والعائلية والاجتماعية، أو ترتبط بصلتنا بالحق تعالى؛ وبعبارة أخرى: إن ما نعرفه في الأسماء الإلهية هو ما يعنينا مباشرة.

علاوة على ذلك فإننا لا نعرف جميع الأسماء التي ستتجلى في الآخرة، كما أننا لا نعرف الأسماء التي ستتجلى حتى تلك اللحظة التي ستتواجد فيها العوالم المادية، لذلك يمكن أن يكون اسم “مصلح” بين تلك الأسماء.

وأخيرًا بما أن التخلّق بأخلاق الله تعالى يُعدّ هدفًا مهمًّا بالنسبة للمؤمنين فإنه يجب على كل المؤمنين أن يكونوا مصلحين، وينبغي لهم العمل على تهيئة جوٍّ من الصلح والسلم الدائم في كل الدوائر التي تعنيهم بدءًا من أقرب دائرة إليهم إلى أبعد دائرة؛ وذلك من خلال القضاء على كل أنواع البغضاء والشحناء، وتهدئة الصراعات والمنازعات ونشر السلم والسلام.

***

[1] مسند الإمام أِحمد، 27/237.

[2]  الحاكم: المستدرك، 4/620.

الجَرَّة المشروخة: أخلاقيات النقد والانتقاد

Herkul | | العربية

   سؤال: ما هي الأمور التي يجب على الناقد والمنتقَد أخذها في الاعتبار؟ وما هي المعوقات التي تحول دون الإنصاف وإحقاق الحق وغير ذلك من الأخلاقيات التي أولاها الدين أهمية كبيرة؟

   الجواب: النقد هو عبارة عن التدقيق في الأقوال والأفعال والتصرفات والأعمال التي يقوم بها شخص ما أو مجموعة من الأشخاص والكشف عما فيها من نواقص وزلَّات، فإذا ما صدر النقد وفقًا للأصول المتعارف عليها صار عاملًا مهمًّا في تصويب بعض الأخطاء وتلافي النقائص والزلات، وفي المقابل هناك النقد الهدّام وهو الذي يكبِّر المشكلة ويهوِّلها ويعمِّق من التخريبات، وبتعبير آخر هو استخدام أسلوب من شأنه تثبيط الروح المعنوية لدى الناس، واللجوء إلى الاستقصاء والاستجواب لدرجة تسوق إلى اليأس وتثبط الهمم عن القيام بأي فعاليات، أو تعميم القضايا وتهميشها، وهذا النوع من النقد غير مطلوب وغير مستحسن.

 ولذلك فالنقد يختلف عن السلوكيات والأساليب التي تهدف إلى الاعتراض من أجل الاعتراض مثل الغوغائية والمغالطة والتشهير بالطرف الآخر أو ذمّه والقدح فيه.

   النقد في الثقافة الإسلامية

وإذا ألقينا نظرة على التاريخ الإسلامي فسنجد أن النقد قد حافظ على وجوده من بداية نزول الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن بصور وأشكال وقوالب مختلفة، فعلى سبيل المثال يمكننا النظر إلى ما وضعه العلماء المسلمون من قواعد لنقد متون وأسانيد الأحاديث للتفريق بين الأحاديث الصحيحة والموضوعة، فلقد استخدم العلماء المسلمون النقد كأداة لتصفية الأحاديث الشريفة مما نُسب إليها كذبًا وزورًا، ومن خلال الفحص والتدقيق في رواة الأحاديث ومتونها والشروح والتعليقات المتصلة بها أسهم هؤلاء العلماء في أن تظل الأقوال الزائفة الملفّقة خارج دائرة الدين.

وكما هو معلوم فالقرآن الكريم نُقل إلينا كله متواترًا، ومن هذه الجهة فكل آياته قطعية الثبوت، ولكن كما أن بعض الآيات قطعية الدلالة فهناك قسم من الآيات القرآنية الكريمة ظنية الدلالة، ولذلك فمن أجل التيقن من المعنى الصحيح وضع العلماءُ كلَّ الاحتمالات، وأعادوا النظر في كل التأويلات والتفسيرات المطروحة، وكان غرضهم من كل هذا التدقيق هو الوصول إلى الحكم الأصح، وبذلك خضعت حتى الآيات القرآنية الكريمة لفحصٍ وتدقيقٍ شديدين للوصول إلى المعنى الصحيح لمدلولات الألفاظ.

ورغم أن العلماء يعون جيدًا أن نقدَ رواة الحديث أو علماء الدين قد يكون سببًا في اقتراف بعض الذنوب مثل الغيبة وسوء الظن وتتبّع عورات الناس إلا أنهم ورغم خوفهم الشديد من الوقوع في مثل هذه الذنوب قد فعلوا ذلك من أجل المحافظة على الدين، فمثلًا الإمام “شعبة بن حجاج” -وهو من كبار علماء الحديث- كان قبل قيامه بنقد الأسانيد يقول “تعالوا حتى نغتاب في الله عز وجل”[1]، مبينًا بذلك مدى حساسية المسألة وأهميتها، فهؤلاء العلماء لم يحبذوا الصمت عند الحديث عن الدين أو عند إسناد حديث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن مثل هذا الصمت قد يؤدي إلى وقوع بعض التصدعات والانكسارات في الدين.

وفي ظل تبادل الأفكار ومناقشتها تطور علم المناظرة، فأثناء المناظرة تُناقش كل الأفكار المطروحة وتخضع للنقد بغية الوصول إلى الحقيقة في النهاية، ولقد كانت تُراعى قواعد المناظرة وآدابها من أجل الوصول إلى الهدف المنشود منها وظهور الحقيقة عيانًا بيانًا.

وكل هذه الجهود التي قدمها علماء السلف جديرة بالتقدير والاحترام، ونحمد الله آلاف المرات على أن هؤلاء هم أسلافنا، لأن كل ما بذلوه من جهود رائعة في خدمة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والعلوم الدينية كان هدفه الحفاظ على الإسلام، وتمهيد السبل التي توصلنا إلى الله ورسوله، فكانوا لنا هُداة مهديين لنسير على الطريق المستقيم دون أن نضل السبيل، ولا يمكن فهم أو إدراك قيمة هؤلاء دون الدخول إلى عالمهم والتدقيق الشديد في حياتهم.

   الإنصاف في النقد

لقد أعطى السلف أهمية كبيرة للإنصاف داخل منظومة النقد وعلم المناظرة؛ ولقد جعلوا الأساس في الانتقاد هو ظهور الحق أكثر من ظهورهم محقين في انتقاداتهم، بل إنهم كانوا يرون الشخص الذي يسعد بظهور الحق على يديه ويتباهى بذلك أنه يفتقد إلى الإنصاف، ومن جهة أخرى كانوا يرون أن من خرج منتصرًا في المناظرة لم يكسب شيئًا جديدًا، وأن المنهزم هو من استفاد لأنه تعلم شيئًا جديدًا.

والحادثة التالية المروية عن سيدنا عمر رضي الله عنه خيرُ مثالٍ على ما نقوله في هذا الصدد: خَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ النَّاسَ فَحَمِدَ اللهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: “أَلَا لَا تُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَبْلُغُنِي عَنْ أَحَدٍ سَاقَ أَكْثَرَ مِنْ شَيْءٍ سَاقَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ سِيقَ إِلَيْهِ إِلَّا جَعَلْتُ فَضْلَ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ”، ثُمَّ نَزَلَ، فَعَرَضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مِنْ قَرِيبٍ، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَكِتَابُ اللهِ تَعَالَى أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَوْ قَوْلُكَ؟ قَالَ: “بَلْ كِتَابُ اللهِ تَعَالَى، فَمَا ذَاكَ؟” قَالَتْ: نَهَيْتَ النَّاسَ آنِفًا أَنْ يُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/20)، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “كُلُّ أَحَدٍ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ” مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ لِلنَّاسِ: “إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ أَلَا فَلْيَفْعَلْ رَجُلٌ فِي مَالِهِ مَا بَدَا لَهُ”[2].

ولكن مع الأسف فإن البرامج الحوارية التي تُقدّم في التلفاز، والأطوار والأساليب التي يتخذها السياسيون تجاه بعضهم البعض، وثقافاتنا الحديثة التي تفشّت فيها الأنانية؛ قد أفسدت كثيرًا من أفكارنا وأساليبنا وأقوالنا، وحوَّلتنا إلى كائنات هجومية، وأبعدتنا عن إنسانيتنا وعن امتثالنا وحبنا للحق والعدالة، فالناس اليوم عندما يتحدثون مع بعضهم البعض أو يتناقشون أو ينتقدون لا يفعلون ذلك ابتغاء الوصول إلى الحق والحقيقة، ولكن هدفهم هو إخضاع الطرف الآخر لأقوالهم وأفكارهم، والجميع يريد أن يكون هو المحِقّ، وأن ينفذ كلامه، وأن ينال التقدير والاستحسان من الجميع، وعندما يكون الوضع كذلك فإن ضرر النقد يكون أكبر من نفعه.

   العوامل التي تؤدي إلى عمى البصيرة

ولا شك أن هناك عواملَ كثيرةً تؤدي إلى عدم موضوعية الشخص الناقد في بحثه عن الحق والحقيقة وتجعله ينتقد بصورة ينقصها الكثير من الإنصاف، بل إن الإنسان الذي يتعرض لتلك العوامل تجعله لا يرى الحقيقة بل ربما تجعله يراها شيئًا أخر ولذلك تجد هذا الشخص يرى الأبيض أسود، والأسود أبيض، أو تجعله يرى المعوجّ مستقيمًا، والمستقيم معوجًّا.

فمثلًا من العوامل التي تؤدي لعماء بصيرة الإنسان حب الشهرة، فتصرفات الإنسان إن كان يقيسها بمدى تحقيقه لشهرته فوجهة نظره ستصبح ضيقة لهذا الحد، لأن مثل هذا الشخص لن يلفت نظره سوى الأشياء والأفعال التي ستوصله إلى أفق الشهرة الذي يرجوه فقط، بل الأكثر من ذلك سيكون كل بحثه وهمه هو البحث عن الأدوات والوسائط التي توصله إلى الشهرة، ولذلك فهذا الشخص وإن تصرف بموضوعية في بعض المسائل إلا أنه لن يكون موضوعيًّا بالمعنى العام.

وكذلك الشخص الذي ينصبّ كل تفكيره على مستقبله ومصالحه الشخصية فقط فهذا سيكون على عينيه غشاوة دائمة، فمن الصعب على من تطلع للوصول للرئاسة والسلطة وتقلد المقامات المختلفة أن يفكر أو يحلل الأمور بصورة سليمة، لأن تفكير هذا الإنسان وملاحظاته تتشكل وفقًا للأهداف التي يريد تحصيلها، وإن كان صائبًا في بعض الأمور إلا أنه بوجه عام سيحيد بفكره عن طريق الصواب، وحتى وإن كان هذا الشخص صالحًا ولديه عقل راجح إلا أنه سينظر إلى الأمور ويربطها بمصلحته ومنفعته الذاتية.

وثمة عامل أخر من العوامل التي تؤدي إلى عماء بصيرة الإنسان هو اتباعه أيديولوجية ما دون تدبّر وتبصّر.. نعم، فمن ينساق بلا وعي وراء أيديولوجية ما من الصعب عليه أن يرى الحقيقة وأن يكون موضوعيًّا، فهؤلاء أيا كانت الأيديولوجية التي يتبعونها، فإن تقييمهم للقضايا سيكون وفقًا لما تراه أيديولوجيتهم من صواب؛ ولهذا السبب سيضللون كثيرًا من الناس؛ لأنهم يريدون إجبار المجتمع على ما يرونه صحيحًا، ولذلك فكثيرًا ما سيؤدي هذا إلى انكسارات وانشقاقات وتغيرات غير طبيعية داخل المجتمع.

وإن الانحياز، والأنانية الذاتية، والأنانية الجماعية؛ يمثلون أحد أهم العوامل لعماء بصيرة الإنسان، فمن يحاولون إرغام الآخرين على مشربهم المنتمين إليه ويسعون إلى فرض آرائهم على الآخرين لن يروا المسائل بشكل موضوعي، لأنهم سيقيمون المسائل التي يتناولونها وفقًا للمعاني التي تعبر عنها بالنسبة لهم، ولكن عباد الله الذين تخلصوا من كل العبوديات ولا يريدون انفكاكًا عن عبوديتهم لربهم سبحانه وتعالى هم فقط الذين يمكنهم رؤية كل شيء حقيقة أو قريبًا منها.

والقوة أيضًا من أهم الأسباب التي تؤدي إلى عماء البصيرة، والأصل أن هناك حكمة من وجود القوة، فالقوة المستندة في وجودها للعقل والمنطق والمحاكمة العقلية فنِعمّ هي، أما القوة المتجردة من العقل والمنطق والتي يرى فيها صاحبها أنها الحل لكل مشكلة لن تؤدي بصاحبها إلا إلى أسارة عقله؛ ولذلك كنت دائمًا أنظر إلى مثل هذا الشخص بنسبة ثلاثة أرباع أعمى، ولا يمكن الاكتفاء بما يُعرَض من حلول ويجب البحث عن حلول بديلة، وكما أن هذا الشخص ستكون قوّتُه بلاءً على نفسه فكذلك سيكون بلاء على الأمة التي يتواجد فيها.

كثيرًا ما أتألم حين أنظر إلى تاريخنا؛ وذلك لاستخدام القوة في حل مشكلات كان يجب حلها عن طريق العقل والمنطق والتفكير، حتى إنني انتقدت بعضًا ممن أحبهم كثيرًا، وقلت متأسّفًا: “ليتهم حلوا تلك المشكلة بالتفكير والتدبّر، وليس بالقوة!”.. لقد حزنت بشدة لأن من يمتلكون القوة لا يبحثون عن حلول بديلة ولا يقومون بحل القضايا بطريقة أكثر ليونة وإنسانية؛ ففي رأيي أنه من الصعب للغاية حلُّ المشكلات من جذورها بواسطة القوة بعيدًا عن العقل والمنطق؛ حيث تزداد احتمالية تجدّدها مرة أخرى بعد فترة ما، وقد شهد تاريخ البشرية أمثلة عديدة على هذا حتى الآن؛ حيث تمرد المضطَهَدون والمقهورون لاحقًا بطرق مختلفة انطلاقًا من مشاعرهم.

لا يمكن الحديث عن الإنصاف في النقد الذي يوجهه من يعانون هذا النوع من العمى؛ فعندما ينتقدون أحدًا يتحدثون دائمًا بقصد تشويهه، بل إنهم لا يعتقدون أنهم ربما يكونون مخطئين، وبحسب ما يقول العامة “يحاولون دائمًا تقديم أنفسهم كملعقة بيضاء خرجت حديثًا من اللبن”، لذلك لا يمكن الاستفادة من كلامهم.

أجل، على المرء أن يبتعد عن كل هذه المظاهر من العمى حتى يكون منصفًا في نقده ويخدم ظهور الحقيقة.. ومن يرغبون في تنوير المجتمع بأفكارهم وإرشاد من حولهم إلى القبلة الحقيقية دائمًا ينبغي لهم التزام جانب الحق وعدم التضحية به أبدًا، وإلا فإن المصابين بأنواع العمى المذكور أعلاه ربما يُضِلُّون بأفكارهم أو كلماتهم أو كتاباتهم الآخرين في أحيان كثيرة، لأنهم في معظم الأحيان قد يعتقدون أن مشاعرهم وعواطفهم أفكارًا.

وعليه فينبغي لمن يتحدثون ويعلقون وينتقدون ما يتصل بالقضايا الاجتماعية أن يراجعوا أنفسهم جيدًا إذا كانوا يريدون خدمة الحق والحقيقة، عليهم أولًا أن يعرفوا كيف يحترمون الحقيقة، ولا يليق بهم التكلم دون تفكير ولا تدبرٍ.. وحتى وإن اعتقدوا لسنوات طويلة أن الفكرة التي قبلوها صحيحة؛ فيجب عليهم أن يعرفوا كيف يغيرون رأيهم وقناعتهم بسهولة شديدة حين يجدون الحقيقة كامنةً في فكرة معاكسة لما اعتنقوه؛ فيقول الواحد منهم: “المسألة ليست كما أعرف، كنتُ مخطئًا في ذلك، وهذا يعني أنني كنت أسيرًا لأهوائي الشخصية حتى يومنا هذا؛ فظننتُ أن أهوائي وحماسي فكرًا”.

   الانتباه إلى المنهج والأسلوب في النقد

هناك عامل مهم آخر يجب مراعاته في النقد حتى يتقبله الآخرون ألا وهو الأسلوب المستخدم فيه؛ فطريقة الحديث مهمة للغاية بقدر أهمية صحة الكلام المطروح ومعقوليته، ولكيلا يُزعج النقدُ الطرفَ الموجه إليه يجب أن يكون الأسلوب صحيحًا ونمط العرض إنسانيًّا أيضًا، فإذا حدث هذا وُضعت في الحسبان اقتراحاتكم وأفكاركم التي تهدف إلى حل المشكلة أو تصحيح الخطإ، بل وتسنى لها أن تكون وسيلة لحدوث حالة من الانفراج.

وعليه فمن الأهمية بمكان مراعاةُ الحالة العامة للمخاطب قبل توجيه النقد إليه واستخدامُ الأسلوب الذي يناسبه، فإن كان المخاطب لن يستطيع استيعاب ما نقوله، فلا فائدة من التحدث إذًا؛ لأن الكلمات التي تقال لمثل هذا الشخص سوف تستفزه، وستُحرك فيه مشاعر عدم احترام الحق.

فأحيانًا ما يكون الأسلوب الذي نستخدمه حائلًا بيننا وبين المخاطب أكثر من الموضوع ذاته الذي ننتقده فيه، مما يؤدي إلى أن يرفض ولا يستسيغ النقد أبدًا، فإذا وجّهنا إليه النقد على شكل مطرقة ثقيلة وكأننا نضربها بها على رأسه أصابته الكلمات التي نقولها بصدمة روحية، وحتى إن اعتقد مثلُ هذا الشخص أن كلامنا صحيحٌ فقد لا يرغب في قبوله لأنه منزعج من الطريقة التي نتحدث بها.. بل إنه قد يختلق أنواعًا مختلفة من الفلسفات ليُثبت أنه على صوابٍ أو ليُلبس الباطل بلباس الحق، وبالتالي نكون قد جعلناه نائبًا ومتحدثًا بلسان الملاحظات والآراء الشيطانية.

وإلى جانب أهمية مسألة النقد وأسلوبه فهناك أهمية أخرى خاصة بشخص الناقد؛ لدرجة أن الشخص الذي يعترض بشدة على ما نقوله له ربما يتقبّله ذاته ويفرح به عندما يسمعه من شخص آخر، وهذا يرتبط إلى حد ما بالعلاقة بين الناقد والمنتقَد؛ فالمرء قد يرى نقد من يحبهم نوعًا من التقدير والثناء.. وعليه يجب ألا نصرّ على أن نذكر بأنفسنا بعض السلوكيات التي نراها خاطئة، وألا نعاند في هذا الأمر، بل يجب أن نُحيل الأمر إلى مَن نراه أكثر فعالية وتأثيرًا منا، فإن كان المهم هو أن تتقبل بعضُ الصدور الحقيقةَ، وتنتصر للحقّ، فما أهمية من يعبر عنه؟! 

هناك نقطة أخرى يجب مراعاتها من حيث المنهج وهي: إذا كان المخاطب سينزعج إذا صارحناه مباشرة بأخطائه، فيمكننا أن نبحث عن بيئة يتسنى له أن يتعلم منها الدرس، ونتحدث إلى الجمهور؛ فلقد حدث عدة مرات أن استخدم رسول الله الطريقة نفسها للحديث عن أخطاء رآها؛ فقد جمع صلى الله عليه وسلم أصحابه بالمسجد بسبب خطإ رآه من أحد الناس، فتحدث على العموم لا على الخصوص، وبالتالي تمكن الشخص الذي أخطأ من إدراك خطئه وتصحيحه دون أن تتأذى نفسه ولا يُساء إليه.

وفي عالم اليوم المشحون بالأنانية صار من الأهمية بمكان الانتباه إلى مثل هذه التفاصيل الدقيقة في باب النقد؛ فترى الأنانيّين -مثل الجبال الجليدية التي في القطبين- عاجزين تمامًا عن تحمل النقد والانتقاد، وإذا أردنا في مثل هذه المرحلة ألا يُزدرى الحق والحقيقة، فعلينا إيجاد الإجراء والأسلوب الذي نعتقد أنه صحيح وفعّال في هذا الصدد.

   الانتباه للانتقادات ومقابلتها باحترام

وعلى الجانب الآخر، فعلى من تعرض للنقد أن يكون منصفًا، بل وأن يعرف كيف يشكر من بيّن له أخطاءه، وعلى حد قول بديع الزمان: “إن نبهني أحدٌ على وجود عقرب في أي جزء من جسمي، عليّ أن أرضى عنه، لا أمتعض منه”.

وبتعبير آخر: إذا انبعث الدخان من مكان في منزلنا، وعندها قال أحدهم: “تُرى هل هناك حريق في هذا المنزل؟”؛ فيجب التحرك وفحص جميع الغرف، والتصرف وفقًا لهذا الوضع، وإلا فإن محاولة إسكات ذلك الشخص بقولنا: “كم أنك رجل شؤم! لماذا تقول ذلك!”؛ لن تُفيد أحدًا على الإطلاق.. فلسنا ندري؛ ربما يكون الشخص المتحدث يدُلُّ وينبّه إلى كارثة بالفعل، ولكن الطريق إلى فهم ذلك يتمثّل في مراجعة المسألة التي انتقدها مرة أخرى.

في السنوات الماضية جاءني ضيفٌ مثقفٌ وعلى دراية ووعي، وعندما همّ بالمغادرة مال عليَّ قليلًا ودون أن يُسمع الجلوس قال: “ليت الإخوة يقرؤون الكتب قليلًا”، وانتقد بطريقة ضمنية قلة قراءة الكتب، فكان ما يجب القيام به إزاء هذا النقد هو التأكد إن كان ثمّة نقصٌ في هذا الجانب حقًّا أم لا، ومحاولة تلافيه إن وُجد بالفعل؛ أي بذل الجهد اللازم من أجل تطوير أشكال جديدة من القراءة مثل تكليف الناس بقراءة كتب مفيدة، وتمكينهم من معرفة دينهم والعالم الذي يعيشون فيه معرفة أفضل، وتوفير المناخ لتكون قراءةُ الكتب عمليةً أكثر انتظامًا مع المواظبة عليها، وتطوير أساليب القراءة كاللجوء إلى المذاكرة والمدارسة دفعًا للإلف والتعود، واستيعابها وفهمها بشكل أكبر.

ربما لا تكون الانتقادات الموجهة دقيقةً وصائبةً أحيانًا، وقد تحتوي على أحكام مسبقة وضغائن، لكننا إن اعترضنا على الانتقادات، وطرحناها كلها جانبًا فقد أضَعْنا السمين مع الغث، فإن استطعنا بدلًا من ذلك أن ننظر باحترام وبقدر معين إلى النقود النحاس والحديد بل والمزيفة إلى جانب النقود الذهبية والفضية فقد مهدنا الطريق للاستفادة منها هي الأخرى.

من جانب آخر إذا كنا نريد أن تُحترم أفكارنا وآراؤنا وتنال التقدير فعلينا أن نقدر أفكار الآخرين وآراءهم حق قدرها، وإن كنا نريد مقابلة المعقول بطريقة معقولة فعلينا أولًا أن ننظر إلى أفكار الآخرين غير المعقولة وكأنها معقولة، وبمعنى أصح: يجب علينا أن نبحث عن جانب معقول في هذه الأفكار؛ ففي مثل هذه القضايا ينبغي التخلي عن الإساءة والفظاظة، ولا بد من مراعاة اللين والدفء في تصرفاتنا وسلوكياتنا، وفتح صدورنا حتى للأفكار التي تبدو مخالفة لنا.

والحقيقة أنه لا مكان في الإسلام للأفكار القاسية غير المهذبة ولا المنقحة، لقد تناول الإسلام بعض الأفكار وعالجها وشكلها وجعلها على نحو يسهل دخولها منه إلى كل قلب، هذه هي الطريقة التي يجب أن نستخدمها في النقد، فإذا استطعنا أن نكون رَحْبِيِّي الصدور، ونتبنى مبدأ احترام الحق، ونتحمل الأفكار المختلفة فسنحول دون أن تكون بعض الانتقادات سببًا للصراع والشجار.

ذات مرة اقترحت على الأصدقاء أن يتخذ كل واحد منهم أخًا ينصحه وينبهه إلى أخطائه، وليقل له: “يمكنك بكل سهولة أن تخبرني بكل الأخطاء التي تراها تقع مني فيما يتعلق بديني وحياتي الدينية، وما أقوم به في عملي وعلاقاتي الإنسانية”؛ لأننا عندما ننظر إلى حياة ساداتنا الصحابة، نرى أن بعضهم كان يُصارح بسهولة شديدة البعضَ الأخر بأخطائه، وإن لم تكن لدينا معلومات قاطعة بوجود مثل هذا الاتفاق بينهم، فهم بالنسبة لنا نجوم ومصادر نور تضيء طريقنا في ليالينا المظلمة.

***

[1] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، 7/152.

[2]  البيهقي: السنن الكبرى، 7/380.

الجَرَّة المشروخة: سبيل النجاة من الضلال والخسران

Herkul | | العربية

   سؤال: يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة الكهف ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (سورة الْكَهْفِ: 18/103-104)، ورغم ما يبدو لنا من أننا محاطون بدائرة صالحة؛ فما الأمور التي ينبغي علينا الانتباه إليها في حياتنا الدينية وخدمتنا الإيمانية، حتى لا نكون من “الأخسرين أعمالًا”؟

   الجواب: بادئ ذي بدء دعونا نتوقف قليلًا مع الآية القرآنية الكريمة التي ذكرتموها، فالآية تبدأ بلفظ “قل” وفي هذا إشارة إلى أن المقصود بالآية هو من عاند وأصر على الضلال فبقي بعيدًا عن الموضع الذي ينبغي أن يكون فيه.

ثم تقول الآية الكريمة “هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا”.. فكلمةُ “أَعْمَالًا” هنا جاءت بصيغة الجمع لتشمل جميع أشكال الطاعات من عبادات ومعاملات وأخلاق وكل الأعمال من حركات وسكنات وأطوار مختلفة، وهذا يذكرنا بما جاء في الحديث الشريف عن الرسول صلى الله عليه وسلم “اَلْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً” (رواه الشيخان)، ويمكننا أن نقول إن كلمة “أعمالًا” في الآية الكريمة تستوعب كل شعب الإيمان.

أما قوله تعالى “بِالأَخْسَرِينَ” فكما هو معروف من قواعد اللغة العربية جاءت الكلمة هنا بصيغة “اسم التفضيل” ولذلك فهي تعني “أكثر المتضررين، والذين يعيشون حالة تامة من الضياع، أو هؤلاء الذين كل أعمالهم تسوقهم إلى الخسران حتى كأنهم اتخذوا عرشًا لهم في قلب وادي الخسران”.

تقول الآية الكريمة بعد ذلك “الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا” فهؤلاء ضاعت كل أعمالهم واجتهاداتهم، واستحالت هباءً منثورًا، هذا ما تفيدُه الآية لتضيف بعد ذلك “وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا”.

والمعاني الواردة في الآيتين الكريمتين تفيد معاني مختلفة ومتفاوتة، كلٌّ حسب درجته وموضعه؛ فبالنسبة لأهل الشرك والكفر فإنّ هاتين الآيتين تتناولهما على النحو التالي: إنهم يعتقدون أنهم يعملون من أجل تحقيق الرفاهية الدنيوية ويقومون بمختلف الفاعليات والأنشطة، وكذلك وفقًا لتصوّرهم فإنهم يعملون على مساعدة الناس وتسهيل حياتهم وإعطائهم الإمكانات اللازمة لذلك، ولكنهم أثناء فعلهم ذلك يهملون أمورًا في غاية الأهمية ويغفلون عن الأساسيات الضرورية من إيمان بالله عز وجل، وتنفيذ ما أمر به الدين الإسلامي من أوامر، ونشر وترسيخ الأخلاق العالية بين الناس، واحتضان كل الناس بل كل الموجودات بالشفقة والرحمة.

فهم يغفلون عن كل هذه الأمور المهمّة وينكبّون على الأمور الدنيوية المادية ويكتفون بها، ليس هذا فحسب بل إنهم يعتقدون اعتقادًا جازمًا أنهم يقومون بأمور عظيمة ومهمّة، بينما هم في الحقيقة في ضلال وخسران كبير لعدم امتثالهم لأوامر الله ونواهيه، وعدم تمثيلهم لما وضعه الإسلام من جماليات، وهم لا يخدعون إلا أنفسهم باعتقادهم بأن ما يقومون به من أعمال هي من قبيل الأمور الجليلة، وذلك لأن كل ما يقومون به لن يجلب لهم أية فائدة أخروية.

ومن ناحية أخرى فإن هذه الآية القرآنية الجليلة تتوجه بالخطاب لأولئك المؤمنين المذنبين الذين لا يستطيعون التجرد أبدًا من الذنوب والآثام ويقضون حياتهم في تخبّط دائم، فمثل هؤلاء يكتفون بعبوديتهم لله سبحانه وتعالى بصلاة الجمعة من كل أسبوع، اعتقادًا منهم أن هذا وحده كاف لنجاتهم، بالطبع لا يمكن التقليل من شأن أي عمل يتم في سبيل الله، فمثلًا إن كان هناك إنسان على قارعة الطريق وجاء أحدهم بعربته فأقلّه إلى حيث يريد، فقد يكون هذا العمل ذو قيمة كبيرة عند الحقّ جل وعلا، فما بالنا بأداء شعيرة من شعائر الإسلام كصلاة الجمعة! لا يحق لأحد أن يستصغر قيمتها على الإطلاق، لكن إن كان الشخص يربط تقييمه للنجاة الأخروية بمعاييره غير المنضبطة، ويغض الطرف عامدًا عمّا وضعه الله سبحانه وتعالى من معايير فهو مغبون ويخدع نفسه، ولذلك فكما أن الكافر يقيم عرشًا لنفسه في قلب وادي الخسران، فمن المحتمل أن مثل هذا الشخص يقيم لنفسه عرشًا في وادي الضلالة.

وإذا عدنا للسؤال، فبالطبع هذه الآية تتوجه أيضًا بخطابها لمن نذرو قلوبهم للخدمة وغايتهم العليا هي إعلاء كلمة الله جل وعلا، فلو أنهم لم يتمسكوا بأصول الدين ولم يتخذوا القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة مرشدين لهم في الطريق، ونسو هدفهم ومقصدهم الأصلي، فبدون أن يشعروا سينحرفون عن الطريق ويمكن أن يعيشوا مثل هذا الخسران، فمثلًا يقوم هؤلاء بفتح بيوت ومراكز ثقافية، ومراكز للحوار، أو مدارس تعليمية أو أنهم هاجروا من ديارهم وأوطانهم وتوطنوا في بلاد جديدة من أجل تحقيق معنى الجهاد في صورته الأصلية المتمثلة في إعلاء كلمة الله، والغاية من هذا النوع من الخدمات هو ترسيخ اللبنة الأولى في سبيل شرح الحق والحقيقة للناس، وتذليل الصعاب أمام القلوب للوصول إلى الله سبحانه وتعالى، وتأمين محبة الله عند الخلق، وكنتيجة تأمين رضا الله عليهم وحبه لهم؛ فما يتم تحت اسم الخدمة من فاعليات وما يتم إنشاؤه من مؤسّسات تعد وسائل مهمّة لتحقيق هذا المعنى من الجهاد، وهكذا فالمسألة الأصلية هنا هي استخدام هذه الوسائل والوسائط الاستخدام الأمثل لتحقيق هذا المقصد.

وفي حالة تجاهلنا هذه الحقيقة ونسيانها، وشروعنا في الحديث عن أنفسنا عبر الأنشطة والمشاريع المقامة باسم الخدمة، والرغبة في نيل التقدير والثناء، والتطلع لأن يُشار إلينا بالبنان، وأن نرهن نجاحاتنا بالتقدير والتبجيل فعندها نخسر نحن أيضًا -حفظنا الله- الدنيا والعقبى، ونُهدر جميع الخدمات التي فعلناها دون أن نشعر ألبتة.

أما السبيل إلى الثبات على الاستقامة في هذا الأمر فهو: قد يستعملكم الله تعالى في أمور مهمة للغاية، وربما تحققون نجاحات أبلغ من أسلافكم، لكنه حتى إزاء نجاح كهذا يجب القول: “ربما لو كان هناك آخرون مكاننا لبلغوا بهذه الأعمال إلى ما هو أبعد، فماذا عسانا أن نفعل وهذه هي قدرتنا وطاقتنا! نسأل الله أن يعفو  عنا؛ لقيامنا بالعمل مكان أناس أكفأ وأفضل منا، وعجزَنا عن رسم البسمة على وجه الإنسانية كلها”.

ولكن إذا ما أُهمِلَت هذه الملاحظات، وطُلب في هذه الدنيا الحصول على التصفيق والتقدير مكافأة على ما أُنجز، وتم الاستسلام للكبر والغرور إزاء ما تحقق من نجاحات عندئذ تتحقق الخسارة بينما يُرجى الفوز والفلاح، ولا سيما أن الانخراط في تصرفات وحركات من قبيل استغلال المناصب والمواقع لصالح المصالح الشخصية، وإقامة دواليب المصلحة من خلالها، واستخدام رصيد المحبة والمكانة عند الله في سبيل تحقيق الثراء، والانكباب وراء الرغبة في العيش مثل الملوك باستغلال الإمكانيات المتاحة، واللهث لامتلاك السيارات الفارهة والقصور الفاخرة، وهو ما يمكن اعتباره ضلالًا وخسرانًا تامًّا، وهذه صفاتُ غير المؤمنين -حفظنا الله- ففي هذه الحالة قد يدخل المرء تحت إطار “الأخسرين أعمالًا”.

بالطريقة نفسها، ينطلق بعضهم بأفكار ونوايا جيدة مثل حماية الوحدة الروحية، وتوفير النظام والانتظام، ومضاعفة الخدمات، ويعتقدون أنهم يقومون بأعمال جيدة لتحقيق هذه الأفكار.. غير أنهم يتخبطون يمنة ويسرةً خبطَ عشواء ولا يتركون قلبًا إلا وقد آلموه وكسروه بسلوكهم الفظ الغليظ، ولا يمنحون أحدًا الفرصة للحديث عن خطئهم؛ لأنهم لا يستطيعون تحمل ذلك، وحتى وإن حسِبوا أنهم بطريقتهم هذه يفعلون خيرًا للأمة، فقد أسسوا بنيانهم على الخسران لأنهم اتصفوا بصفات الكافرين.

يا له من خسران أن تضيع هباءً كلُّ أعمال شخص يعتقد أنه يقوم بأعمال طيبة في هذا العالم، وأنه يصب ثواب هذه الأعمال الصالحة في حوض فيرسله إلى الآخرة ليحصل على ثوابه يوم القيامة، ثمّ يرحل إلى الآخرة مفلسًا من الحسنات؛ لأنه أدخل الرياء والسمعة في أعماله، وأسّس بكل هؤلاء عالمًا من المصالح في الدنيا!

والطريق إلى تجنب كل هذه الأخطار والبعد عنها هو الإخلاص في جميع الأعمال، وإذا كان الناس يثقون بكم، ويدعمونكم بإمكانياتهم، وتقومون ببعض الأنشطة منفتحين على جميع أنحاء العالم فيجب عليكم القيام بكل هذه الأعمال لوجه الله تعالى فقط، وينبغي ألا تخلطوها بأية حسابات دنيوية..

بالطبع سوف تنشئون المدارس والجامعات ومراكز التعليم والمراكز الثقافية ومراكز الحوار، ولكنكم ستستخدمونها في سبيل غايتكم المثالية فحسب، ولا شيء غير ذلك، ومن خلالها تشاركون الآخرين مشاعركم وأفكاركم، وعبر الاستفادة من هذه الوسائل واستثمارها تُفيضون إلهامات قلوبكم في صدور الآخرين، وتضمنون أن يطلع الآخرون ويتعرفوا على قيمكم الخاصة، وستأخذون في الوقت نفسه ما يمكنكم الحصول عليه من محاسن لدى الآخرين وتستفيدون منها من أجل تطوركم، هذه هي واجباتكم، لكنه وبما أن روح الأفعال هي الإخلاص والصدق، فلن تتطلعوا إلى أية منفعة مادية ولا معنوية في أثناء القيام بذلك، سوف تتصرفون باستغناء كامل وشعور تامٍّ بالتضحية والتفاني.

وزبدة القول إنه يجب على من يُكرسون أنفسهم لخدمة الإنسانية -مهما كان المجال الذي يخدمون فيه- أن يتبعوا طريق الأنبياء العظام، وألا يتشوفوا ولو حتى لقدر ضئيل من المكافأة على خدماتهم، حتى وإن افتُرض أنهم اقتلعوا الجبال من جذورها، وغيروا مدار الكرة الأرضية، ومنحوا النظام الشمسي شكلًا مختلفًا، فإن هذه الخدمات ستضيع جميعًا ولن تحقق من ورائها أية فائدة إذا كانوا يتشوفون إلى مكافآت مادية وروحية مقابلها، هذا هو أساس طريقنا، فإذا كان هناك من يميلون إلى الخروج عن هذا الإطار فعليهم مراجعة أنفسهم مرة أخرى، وإلا فقد يخسرون حيث يظنون أنهم يربحون.

 

الجَرَّة المشروخة: مساعدة المحتاجين بعيدًا عن الأنانيةُ الجماعية

Herkul | | العربية

   سؤال: من أهم ما يميز حركة الخدمة “مدّ يد العون إلى الآخرين”، فما أهم الفعاليات التي يتوجب القيام بها لتحقيق هذه الميزة وتفعيلها؟

   الجواب: الإسراع لمساعدة المحتاجين هي أبلغ دعوة لاستجلاب عناية الله عز وجل، ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ[1].

وفي حديث آخر يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ[2].

   صنوف العون

ولقد استطاعت جمعية “هل من مغيث (Kimse Yok mu?)”[3] أن تسدّ حتى اليوم ثغرة مهمة في هذا الميدان، ولكن علينا ألا نكتفي بالفعاليات التي تقوم بها.. والواقع أنه يجب على الجميع أن يؤسس مثل هذه الجمعية الخيرية في عالمه الذاتي، وأن يهرول لمساعدة الآخرين، وإذا أخذنا بعين الاعتبار كلَّ صنوف العون وأشكاله وأنواعه سنلحظ أن فعالياته تجري في إطارٍ ضيّق؛ لأن تقديم المساعدات المادية للمحتاجين ما هو إلا نوع فقط من أنواع الإعانة، فلو أننا فكرنا في الأمر من نواحيه المادية والمعنوية والدنيوية والأخروية فسنجد أنه يتعدّى إلى نطاق أوسع كثيرًا.

ولهذا يجب ألا نقنع بمدّ يد العون إلى الذين يعانون من الأزمات المادية فقط، بل يجب إلى جانب ذلك أن نسعى إلى إعانة الذين يعيشون في خضمّ الأزمات المعنوية، ويتلوَّوْن من الضغط والضيق، ويئنّون من الأزمات النفسية، وأن نبثّ الأمل والاطمئنان والسكينة في نفوسهم، وأن ندلّهم على طريق الحياة المطمئِنّة الآمنة.

فإذا ما نظرنا إلى المسألة من هذا المنظور الواسع لألفينا كل الناس في المجتمع مكلفين بمد يد العون إلى غيرهم؛ كلًّا حسب وضعه وموقعه، فكما أن الذي آتاه الله مالًا يستطيع تقديم العون إلى المحتاجين من خلال مساعدته المادية، فكذلك الطبيب يمكنه إعانة الناس من خلال العمل على تخفيف آلامهم، وكذلك الشرعيّون يستطيعون إعانة غيرهم من خلال إسداء النصيحة لهم، وعلى الشاكلة نفسها الأخِصائيون النفسيون يمكنهم أن يكونوا مرشدين لمن يعيشون في أزمات نفسية.

أما أهمّ هؤلاء فهم الذين يعملون على التقاء القلوب بربها وفوزها بآخرتها؛ وذلك من خلال إزالة العقبات التي تحول بين العباد ورب العباد سبحانه وتعالى. أجل، يجب على الذين عشقوا الحق تبارك وتعالى ونذروا أنفسهم لإعلاء كلمته أن يمدوا يد العون إلى الذين يجهلون الطريق، وانقطعت بهم السبل، فتاهوا في منعطفات الأودية بدلًا من السير على الجادة.. وكما أن الأزمات الدنيوية تعتبر من أكثر العقبات التي تمنع القلوب من الالتقاء بالله، وتحول دون تفكيرها في الآخرة فإن الجهود والمساعي المبذولة من أجل التخلص من هذه الأزمات تدخل -بمعنى ما- ضمن الأمور التي تساعد على التقاء القلوب بالله سبحانه وتعالى، وإن قضاء حوائج الناس المادية والمعنوية هو جسر مهم ينقذ الناس من الاشتغال بالأمور البسيطة التافهة، ويقربهم من الله سبحانه وتعالى، وإن أيّ دعم لمن يعانون الفقر والضيق سيكون عاملًا مهمًّا في تيسير استجابتهم للدعوة في سبيل الله.

والواقعُ أن تقديم الدعم المادي والمعنوي هو مسلك الأنبياء العظام عليهم الصلاة والسلام، فلو ألقينا نظرة على حياته السنية صلوات ربي وسلامه عليه لوجدنا أمثلة كثيرة على ذلك؛ فقد ظل صلى الله عليه وسلم طوال حياته يسعى إلى مساعدة الناس ورعاية المحتاجين على الدوام بصفته موظّفًا عزيزًا كريمًا من قِبل الله تعالى، حتى إنه لم يكن يردّ سائلًا ألبتة، إن كان معه أعطاه، وإلا وعده بالإعطاء، وفي الوقت ذاته لم يقصِّر في أداء كلِّ ما يلزم لإزالة العراقيل بين القلوب وربها، وإعانة القلوب على الوصول إلى الله والالتقاء به سبحانه وتعالى، حتى إنه في خطبة الوداع وقف صلوات ربي وسلامه عليه أمام الحشود الهائلة فأشهَدَهم وسألهم قائلًا: “هَلْ بَلَّغْتُ؟” ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فردّ الجميع في نفس واحد وكأنهم جوقة موسيقية: “نَعَمْ”، فقال عليه الصلاة والسلام: “اللَّهُمَّ اشْهَدْ“.

ولعلنا نفهم هذا السؤال النبوي الذي ينطلق من الشعور الكبير بالمسؤولية عند تفسيره على النحو التالي:

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه يقول لهم: “هل أديتُ مهمّة الرسالة بحق؟ هل أنا أبلغتُ دعوة الله بحق؟ هل ساندتكم بحق؟ هل دللتُكم على الحق بكل وضوح؟”، وهكذا فإن كلَّ إنسانٍ حسب موقعه ومستواه مكلّف بحمل مثل هذا الشعور بالمسؤولية، وبمحاسبة نفسه، وهل يا تُرى أدَّى حق الموقع الذي هو فيه أم لا؟ فمثلًا عليه إن كان واعظًا أن يسأل الناس بعد مرور عشر سنين أو عشرين سنة عن أفكارهم ومشاعرهم، قائلًا لهم: هل أديتُ وظيفتي نحوكم؟ أتشهدون على ذلك؟ لأن مثل هذا التصرف له أهمية بالغة من أجل الخلاص من براثن المسؤولية؛ فيجب على الإنسان ألا يدع مثل هذه الشهادة إلى ما بعد وفاته، بل ينبغي له وهو ما زال حيًّا يرزق أن يحاسب نفسه، ويعاني من التفكير وسؤال النفس هل أدى وظيفته بحق أم لا، وأن يكشف عن هذه المشاعر للرأي العام، وأن يُشهدهم على ما فعل، وينطلق بشهادتهم إلى الحق سبحانه وتعالى.

أجل، إن مدّ يدِ العون إلى الناس حسبَ حاجتهم وعدم ردّ الأيدي التي تمتد طلبًا للمساعدة؛ هو مطلبٌ إنساني وخُلقٌ إيماني، وكما يمكن أداؤه بالجهود الفردية يمكن كذلك القيام به عن طريق بعض الجمعيات كجمعية: “هل من مغيث؟”، فمن خلالها وأمثالها يمكننا مساعدة الفقراء والمحتاجين، والركض لإغاثة الملهوفين، والأخذ بيدِ مَن تقطّعت بهم السبل؛ فإن فعلنا ذلك تفضل الله تعالى علينا -وهو سند من لا سند له- بعونه وإعانته في أكثر أوقاتنا احتياجًا، ولقد ظلّ متطوّعو الخدمةِ يقومون حتى الآن بمثل هذه الفعاليات، وسيستمرون على ذلك بعون الله وإذنه فيما بعد.

   تجنّب الأنانية الجماعية

أُريد أن أتوقّف ههنا مع موضوع مهمٍّ من وجهة نظري، إن مثل هذه الأعمال الخيرية وتقديم المساعدات يجب ألا يُبتغى من ورائها سوى إعانة المحتاجين وبالتالي الفوز برضا الله سبحانه وتعالى، ويجب التجرد من أي أفكار أخرى تخرج عن هذا الإطار، وعدم استخدام تلك الأعمال الخيرية كوسيلة لنيل الشهرة أو الوصول لمنفعة دنيوية ألبتة.

فهل يا ترى استطعنا أن نصل إلى تلك الدرجة من الإخلاص ونحن ننجز تلك الأعمال؟ أم أننا ضحينا بتلك الأعمال الميمونة من أجل نيل الشهرة أو الشرف؟ إنني لا أريد أن أسيء الظن بأحد، ولكن ينبغي لنا ألا نغض الطرف عن ذلك التقصير الذي نرتكبه أحيانًا، فمع الأسف قد تُنسب بعض الأعمال الجميلة الخادمة للإنسانية إلى الأنانية الجماعية، فحينها تتسبب هذه الأنانية الجماعية في إظهار الحقد والكره لدى الذين لا يحبون الدين، وفي نفس الوقت تثير مشاعر الغبطة والحسد لدى بعض المسلمين المبتدئين الذين لم يصلوا بعد إلى درجة الإيمان الحقيقي.

ونتساءل هل يا ترى يمكن القيام بهذه الخدمات دون نسبتها إلى فلان أو علّان؟ لو اعتقدنا أنه يمكن تنفيذها بدون نسبتها لأحد ولم نفعل، إذًا فقد ارتكبنا خطأً منهجيًّا، وهذا الخطأُ قد أوقعَ الذين يُضمرون العداوة لنا في فخ ممارسة العدوان علينا، وأوقع أهلَ الإيمان بفخّ الحسد، وعلى ذلك يظهر في مواجهتنا أناسٌ لا يستسيغون وجودَنا، تراكمت في نفوسهم مشاعرُ الحقد والكره؛ حتى صار كلُّ ما يشغلهم في قيامهم وقعودهم هو القضاء على تلك الخدمات المنتشرة في ربوع الأرض شرقًا وغربًا.

يا ليتنا كنا مسمّى بلا اسم، ويا ليتنا قمنا بأضعاف تلك الأعمال ولكن بلا عنوان وبلا اسم، إننا لو نظرنا إلى عصور الإسلام الأولى لوجدنا كثيرًا من الأمور تم إنجازها وأداؤها وكانت عبارة عن مسمى بلا اسم، فرغم أن المسلمين في ذلك العصر وصلوا إلى قمة الزهد والتقوى والورع والإخلاص إلا أننا لم نرَ لا منظّمات ولا مؤسّسات ولا طرق ولا حركات، وإلى القرن الثالث الهجري لم يكن هناك لا طريقة نقشبندية ولا طريقة قادرية ولا رفاعية، ففي تلك القرون الثلاثة الأولى كان المسلمون لا يحيدون عن أوامر الله قيد أنملة، وكانوا يحيون حياة القلب والروح بكل أعماقها ودقائقها؛ دون أن يعرفوا معنى الصوفي أو يدرسوا التصوف أو أن يكون لديهم علم بالطرق أو يدخلوا التكايا والزوايا .

وهذا لا يعني أنني أتهم هؤلاء الذوات الذين أنشؤوا تلك الطرق وأقول بأنهم مبتدِعة.. بالعكس، فكل واحد من هؤلاء اتخذ طريقًا ومسلكًا منشؤه خصوصيات الرسول صلى الله عليه وسلم أو خصوصيات الخلفاء الراشدين، ولقد أخذ هؤلاء الظروف التي عايشوها بعين الاعتبار فمنهم من جعل الخلوتية مشربه، ومنهم من جعل الجلوتية مرتكزه.. ومنهم من أصبح ذكره جهريًّا ومنهم من أصبح ذكره خفيًّا.

ولقد ظل هذا المسمى الذي كان موجودًا دون اسم حتى العصر الثالث الهجري، ثم وضعت الأسماء رويدًا رويدًا فظهرت بعض الأنانيات الجماعية دون شعور، وبدأ ينتشر في المجتمع ما يسمى بالانتماء لفلان وفلان.. ورغم أن المؤسسين الأوائل بريئون من ذلك -فهم كالتاج فوق رؤوسنا- إلا أن الخلف تسربت إلى نفوسهم نسبةُ ما يقومون به إلى الأنانية الجماعية، ونشأ عن ذلك أيضًا ظهور الانقسام داخل المجتمع، حيث بدأ الجميع يتحدث بصيغة “نحن” و”أعمالنا”، وأصبح تقييم الناس على أساس هل هذا الشخص ينتسب إلى حزبنا أو منهجنا أو طريقتنا أم لا؟ ولا ريب أن هذا الانحياز قد صاحبه شيء من الظلم والجور.

فبما أنكم لم تصلوا إلى المستوى الذي وصل إليه عبد القادر الجيلاني، ومولانا خالد البغدادي، وشاه نقشبند… في الزهد والورع، فإنه لَـخَطر العظيم أن تعتمدوا في أفعالكم على انتسابكم لهذا أو ذاك، بل إن الفرد لو لم يأخذ حذره وينتبه فإن الأمر يكون بمثابة السم الزعاف، وهؤلاء الذوات الكبار حتى وإن لم يرتكبوا مثل تلك الأخطاء فإن اتخاذ النسبة والانتماء إليهم أساسًا للقيام ببعض الأعمال يوقع عوام الناس من أمثالنا في ورطات خطيرة، وطريق السلامة من تلك المهالك هو معاملة جميع المنتسبين للطرق المختلفة وللمشارب المتباينة بمعيار واحد، واحتضان الجميع وإظهار المحبة لهم، وتقدير كل عمل جيد يقومون به.

ولكنني أرى في نفس الوقت أن أسلم طريق وآمنه هو أن نكون مسمى بلا اسم، ليتنا اتخذنا هذا المعيار فيما قدمنا من خدمات! ربما حينها ما كان الناس ليتوقفوا عند نسبتها إلى هذا أو ذاك وكانوا سيُقبلون على الأعمال الخدمية هذه ولا يبتعدون عنها، وفي الأساس فإن هذا المنهج هو الذي يتناسب مع حقيقة الأمر؛ لأن كل الخدمات الجيدة التي قدمت لا يمكن نسبتها إلى فلان ولا إلى علان؛ فالمخطِّطُ لها وفاعلُها وخالقُها على الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى، وقد استخدم الله سبحانه وتعالى بعض الناس على وجه خاص لإنجاز هذه الخطة القدرية ولذلك لا يحق لأحد أن ينسب تلك الخدمات الجميلة لنفسه.

ويا تُرى هل اشتغلنا بموضوع الاسم كثيرًا؟ ولم نتجاوزه ونضعه خلف ظهورنا؟! إن الخالق جل جلاله يقول في سورة الكهف: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (سورة الْكَهْفِ: 18/20)، ألم ننتبه إلى النقطة التي تشير إليها هذه الآية! هل اشتغلنا بالاسم كثيرًا حتى أَثَرْنا حِقد الأعداء وحسَدَ الأصدقاء؟ إن مثل هذه الموضوعات يجب علينا أن نطيل الوقوف عندها والمناقشة والبحث.

والخلاصة، فكل خدمة تبتغي وجه الله سبحانه وتعالى وإقامة صرح الروح المبتغى، يجب أن تبتعد كلَّ البعد عمّا يمنع إتمامها، أما إذا اعتمدنا في هذه الأمور على الأنانية الجماعية وتضرّرت الخدمة، فيجب أن يكون موقفُنا نحن كمؤمنين على النحو التالي: إذا كانت أرواحُنا وأموالُنا -وليست الأنانية الجماعية فحسب- تعوق دون سير الخدمات فليسلبها الله منا كلها ولْتَبقَ الخدمة، والحقيقة أن رأيي أنا الفقير كان هكذا على الدوام، ودائمًا كنت أرفع أكف الضراعة إلى الله سبحانه وتعالى داعيًا “اللهم إن كان وجودي يضرّ بالخدمة فاقبضني إليك”.

ولأن المهم هو استدامة الفاعليات الخادمة للدين وللأمة ولكل الإنسانية فعندما نؤدي ما علينا ونرسل أطياف الإيمان إلى القلوب، وننشر نسمات المحبة والتسامح بين الناس، فلا حاجة لأن نُعرف ولا لأن يُحتفى بنا ولا لأن يُصفق لنا الناس، وإلا حينها سنكون أضعنا رضا الله من أجل تصفيق الناس، وهذا نوع من أنواع الشرك.. وطريقُ الانعتاق من هذا الشرك هو أن نقوم بما علينا من خدمات دون إثارة أية جلَبة، وأن نتجنب الأبّهة والعظَمة، ونسيرَ في طريقنا إلى الله بهدوء.. هذا هو طريقُنا ومسلكُنا.

 ولكن لا أستطيع الجزم بأننا حافظْنا على تلك الآداب والأركان، ربما أحيانًا أضَعْنا أعمالَنا بسبب جهلِنا وسذاجتِنا.

   التحرر من الشكل والنزول إلى الجوهر والروح

من المؤسف أن الأسماء في العديد من القضايا الدينية تقدّمت على المسمّيات كثيرًا في يومنا هذا، وأصبح كلُّ شيء يجري على الأسماء، وعندما يكون الأمرُ كذلك يتعذّر التغلّب على هذه النوعية من الأشكال والقوالب، ويتعذّر كذلك إدراك الجوهر والروح.

وكمثال على ذلك فالصلاة والصيام والزكاةُ يؤديها الجميع ولا يستهينُ بها أحد، بيد أنه إن تعذر التغلب على الشكلية في أدائها، وإدراكُ المعنى الذي تحمله، والإحساسُ بتعمق شعور العبادة في الوجدان، أي إنه حين يتعذر إدراك أنَّ كل واحدة منها بمثابة جسر يُوصّل إلى الحقيقة؛ يستحيل الانتقال من الاسم إلى المسمى، والارتقاءُ من الإسلام النظري إلى الإسلام القلبي والروحي، ويصعبُ السير قُدمًا إلى المنتهى؛ لا سيما أن الأسرار مثل السر والخفي والأخفى لا يمكن الإحساس بها قط، ذلك أن هذه العبادات وأمثالَها بمثابة قوالب وأظرفٍ وأردية للجوهر، والأساس هو السعي من أجل الوصول إلى ذلك الجوهر من خلال تلك القوالب، ومحاولة الإحساس به وتمثيله.

أجل، الأساس هو العمل على تطبيق الإسلام بمفهومه الحقيقي، والإخلاص التام، والقدرة على تشكيل النموذج والقدوة للآخرين في هذا، فإن كان القلب يلهج دائمًا بـ”الرضا” وينبض به، ويتحرى مراد الله تعالى في كل شيء فهذا يعني أنه يعيش إسلامًا حقيقيًّا، والأساس أن الحركة المنتظمة حول أشخاص معيّنين وكذلك ما تريد المؤسسات فعله هو عبارة عن هذا الأمر، والهدف الرئيس المُراد الوصول إليه خلف هذه الأسماء الظاهرة على الساحة هو تطبيق الإسلام بحذافيره وبحساسية بالغة، وتمثيله بالطريقة التي مثَّله بها سادتنا أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم أجمعين، ذلك أنه عند النظر إلى العديد من الأشخاص الذين كانوا يصلون مائة ركعة كل ليلة في العهد الأول، ويصومون صوم داود، ويختمون القرآن مرةً كل أسبوع، بل كل ثلاثة أيام؛ يمكننا القول إنهم أدَّوا وظيفة هذه المؤسسات تمام الأداء.

لكن الاسم بدأ يتقدم على المسمى مع مرور الزمن، وراح المسمى ضحية للاسم، والروحُ للجسد، والمعنى للقالب.. وكلما أُمعِن في الاسم تمادى الناس أكثر فأكثر بالأنانية الجماعية، وبدؤوا يفاخرون ببعض انتماءاتهم، وبعد أن التزموا طرقًا مختلفةً لصالح تطبيق الدين وتمثيله، بدؤوا يحوِّلون كل واحدٍ من تلك الطرق إلى مذهب يربطون كل شيء به، ويعتبرون ما يجب القيام به لصالح الدين عبارة عن هذه الأمور فحسب.. عندئذ أصبحت هناك حالة من العمى والصمم وقسوة القلب تجاه الجوهر والمعنى، وحين تم تقييم القضايا وتناولها من منظور الأنانية الجماعية شُرِعَ في القول بتقييمات ضيقة ومتعصبة إلى حد كبير من قبيل “من يلتحق بنا ويفكّر مثلنا ينجُ، ومن لا يتبع سبيلنا لا يُفلح”، وراح الدين وقيَمُه الحقيقيّة يتعرّضان للغدر ويُستهان بهما.

من ناحية أخرى فإنَّ التحرك التزامًا بالأنانية الجماعية يتسبب في نسبة بعض النجاحات والإنجازات إلى فلان وعلان، وبالتالي إلى نسيان الله تعالى، وبينما الأصل هو التقرب إليه تعالى خطوة في كل شيء مرئي ومسموع ومتذوق، والقدرة على رؤية يد قدرته خلف كل حادثة، والقدرة على قول “هو” دائمًا عبر إفناء الذات؛ فإن من يتحركون وقد سيطرت عليهم الأنانية الجماعية لن يستطيعوا قول هذا، وسيشرعون في الابتعاد عن جوهر الأمر.

إن أخطر أحوال الابتعاد هو عدم الفطنة إلى ذلك الابتعاد؛ لأن الإنسان إذا أدركَ ابتعاده فإنه يفكّر في تلافيه بطريقة ما، ويتوجه إلى الله بالتوبة والاستغفار من جديد، إلا أنه من الصعب أن يتراجع عما ارتكبه من خطإٍ ما لم يكن يدرك ذلك الخطأ، ولا سيما إذا كان يرى الصدق والصواب لدى المجموعة المرتبطِ بها فقط، ولا يستطيع أن يرى مثل هذا الصدق والصواب عند سواها، وكان يعزو الأشياء التي يفعلها في كل المجالات -إدارية ودينية وغيرها- إلى نسبته وارتباطه بالمجموعة وإلى فلان وعلان فيها؛ فهذا يعني أنه ينحدر إلى الهاوية دون أن يدرك على الإطلاق، وبعبارة أخرى: رغم أن الطرق المؤدية إلى الله تعالى كثيرة بعدد أنفاس المخلوقات؛ فإن رؤيةَ إنسانٍ الطريقَ الذي سلكه فحسب من تلك الطرق، وعدمَ اعترافه بشيء صحيحٍ خلافه، واعتبارَه كلَّ الطرق الأخرى باطلةً -حفظنا الله- قد يتسبب في هلاكه.

وسبيلُ البعد عن خطر كهذا يتمثل بالدرجة الأولى في تجديد الإيمان باستمرار، وتقوية الصلة بالله، وتقديم رضاه تعالى على كل شيء، إلى جانب هذا أيضًا يجب على الإنسان ألا يتعلق بالخدمات التي اضطلع بها بنفسه وألا يعول عليها، وعليه أن يشجع الخدمات التي ينجزها الآخرون، وألا يتجاهل أنشطة من يخدمون بطرق مختلفة في شتى بقاع الدنيا، بالعكس يجب عليه أن يبحث عن سبل للعمل سويًّا معهم، والمضي قدمًا إلى الأهداف المشتركة.

ثانيًا، إن من يمدحون الأنشطة والمشاريع النافعة للإنسانية والتي تعدها بمستقبلٍ زاهر، ويثنون عليها ويروجون لها؛ يجب ألا يكونوا هم القائمين بها، فإن كان في هذه الأعمال جانب يستحق أن يُعظم ويُفخّم فيجب أن يقوم بذلك الآخرون؛ وعلى الآخرين ألا يمدحوه إلا إن كان يستحق المدح والثناء، والأكثر من ذلك أيضًا أنه يجب أن تُردَّ كل هذه المحاسن وتُعزى إلى الصاحب الحقيقي جل جلاله لكل أنواع الحسن والجمال ، وإن كانت ثمة أشياء تُعزى إلى بعض الناس -بمقتضى السنن الفطرية- فيجب أن يُقال من الأعماق وبشكل صادق تمامًا “ليس لنا تدخل في الأمر، لو لم يهيئ الآخرون الأرضية لذلك، ولم تُهَيَّأ الأذهان في هذا الشأن؛ لما استطعنا نحن أن ننجح في هذه الأمور”، وهذا تصرُّفٌ ضروري إحقاقًا للحق، واحترامًا لله، وتجنبًا لإثارة مشاعر الحقد والحسد لدى الناس، وإلا فإن الإخلاص يكون قد تعرض للخدش من جانب، وأُخِلَّ بأمن الطريق من جانب أخر.

   الفيروسات القاتلة للإنسان

إن من عجزوا عن التمسك بحبل وثيق وعن الحصول على قوامهم المعنوي خاصةً قد يتطايرون يمنة ويسرة ويهلكون مثل أوراق الشجر التي حل عليها الخريف، فهناك أنواع شتى من الفتن تؤدي بِقَدَمِ الإنسان أن تزل، فمثلًا إن كانت القوة الواجب استخدامها في تقويم الظالمين، وتخفيف آلام المظلومين، ومد يد العون إلى المحتاجين وإعانة الحق وإنهاضه تُستخدم في سحق الآخرين، وتُسخّر لصالح المنافع الشخصية، فتُعمي الإنسان عن الحق والحقيقة، فإن قوَّةً كهذه تُعتبر بالنسبة للإنسان فيروسَ بلاءٍ من الله تعالى.

وبالشكل نفسه فإن الشهرة والسُّمعة والصيت الذي يمكن استخدامه كرصيد لدى الناس لإبلاغهم بالحق والحقيقة وإرشادهم إلى الطريق الحق إن كانت تستخدم كوسيلة لإرضاء مجموعة من الأهواء والرغبات الشخصية وتجعل الإنسان يتشوف إلى تقدير الآخرين وإجلالهم له فهي مصيبة أخرى بالنسبة للإنسان. ويصف الأستاذ بديع الزمان شهرة كهذه بمقولة “عسل مسموم”، ذلك أننا نشاهد بكل أسى وحزن كثيرين من المشتاقين للشهرة والمبتلين بها في يومنا الحاضر يتسمّمون ويهلكون أمام أعيننا.

الشهوةُ الجنسية سيفٌ ذو حدين، تمامًا كالقوة والشهرة، يمكن أن تكون نعمة بالنسبة للإنسان ويمكن أن تكون فيروسًا قاتلًا أيضًا، فإن استُخدمت في إطار الدائرة المشروعة من أجل استمرار النسل كانت نعمةً عظيمة، ولكن إنْ دخَل الإنسانُ في البوهيمية غير مكتفٍ بالمتع واللذائذ التي في إطار الدائرة المشروعة، وانحرف إلى مختلَف طرق الإشباع في الدائرة غير المشروعة كانت الشهوةُ بلاءً بالنسبة له، ولقد هلك كثيرون في زماننا بسبب فيروس الشهوة، كما أن البعض استفاد من نقطة الضعف هذه فاستغلّها لدى الآخرين وأسَرَهم ورهنَهم من خلالها، ثم استخدمهم في الاتجاه الذي أراده.

كذلك الثروة المُكتسبة من طريق مشروع، والمستخدمة في سبيل إعلاء الإسلام الدين المبين، ومساعدة المحتاجين في المجتمع تعتبر نعمة عظيمة بالنسبة للإنسان، بينما الثروة المُكتسبة من طرق غير مشروعة والتي تجعل الإنسان وقحًا ترِفًا فهي بلاء.. وعند النظر إلى أحوال المساكين الذين يستغلون المناقصات وجميع إمكانيات الدولة لحسابهم الشخصي، ويسيطرون على ثروات عظيمة في فترة قصيرة بينما هم جاؤوا من أماكن فقيرة عشوائية، ويستخدمون ثرواتهم تلك في إشباع رغباتهم التي لا تنتهي نفهم بصورة أفضل كيف أن الثروة تحولت إلى مصيبة، وكما أن الثروة كانت وسيلة لارتقاء أشخاص عظام مثل سيدنا عثمان رضي الله عنه ارتقاء مباشرًا إلى الله تعالى فقد تكون سببًا لأن يغرق آخرون في أعماق الأرض مثلما حدث مع قارون.

وهكذا فإن “الأنانية الجماعية” أيضًا قد تكون فيروس بلاءٍ، والحقيقةُ أنّ أناسًا يحملون شعورًا وفكرًا مختلفًا وبنفس الوقت يستطيعون أن يُشكِّلوا وحدة واحدةً عبر الالتفاف حول غاية وفكرة مثالية مشتركة ثم يستثمروا تلك الطاقة في الخير والبر لَيُعد نعمة كبرى بالنسبة لهم.. لكن إن كانت الأنانية الشخصية تكتسب مزيدًا من القوة عبر الأنانية الجماعية كما أشار الأستاذ بديع الزمان فإن المجموعة -التي يُفتَرَضُ أن تُشبه في الأساس نقوشًا مختلفةً في شريط زينة- تتحول إلى وسيلة للفرقة والصراع من خلال تهويل الفروق الدقيقة الفرعية بين الطرق والحركات، وحين يقع الناس في صراع من أجل الاستحواذ على المكان بدافع الحقد والحسد تصبح الأنانيّة الجماعية مرضًا اجتماعيًّا.

لقد تسلطت هذه النوعية من الاختلافات والفروق على شعوب ودول شتى منذ القديم، بل إنها دكت حتى أعظم الإمبراطوريات وخسفت بها الأرض.. يجب الانتباه إلى أن كل واحدة من هؤلاء كافية لإغراق الإنسان، ولا بد من مكافحة هذه الفيروسات والميكروبات، والسعي إلى تحويل وجهها إلى الخير والبر، فإن استطعنا النجاح في هذا كانت له نتائج خيرة ونافعة للغاية، وفي حال حدث العكس تسبَّبَت في هلاك الأفراد والمجتمعات على حد سواء.

***

[1] صحيح مسلم، الذكر، 38؛ سنن أبي داود، الأدب، 68.

[2] الطبراني: المعجم الأوسط، 6/58.

[3] جمعية “هل مِنْ مُغِيث؟ (Kimse Yok mu?)”: هي إحدى جمعيات العمل المدني العالمية المؤسسة في (03 يناير 2002م)، وكان يعمل معها عشرات الآلاف من المتطوعين، وهي كانت تقدم المساعدات الإنسانية في كل أنحاء العالم دون أدنى تمييز بسبب الدين واللغة والعرق والنوع، وكانت تمدّ يد المساعدة في محافظات تركيا كلها عبر 40 فرعًا لها، وفي 110 دول بالعالم، وهي عضو استشاري بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة (ECOSOC)، وقد فازت الجمعية في 10 يوليو بـ”جائزة البرلمان التركي لأفضل الخدمات المقدمة”، ومنذ عام 2010م وحتى اليوم وهي تعمل بالتعاون مع المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) من أجل توفير احتياجات اللاجئين في تركيا في مجالات مثل الصحة والتعليم والغذاء؛ وتأتي فلسطين وغزة على رأس المساعدات التي تقوم بها الجمعية خارج تركيا، ومنذ (2006م) وحتى الآن تزداد تدريجيًّا فعاليات المساعدات والمعونات التي تقدمها الجمعية في المنطقة، وقد اكتسبت صفة “الجمعية العاملة للصالح العامّ” بقرار مجلس الوزراء التركي الصادر في 19 يناير (2006م)، كما حصلت بقرار مجلس الوزراء التركي الصادر في 6 فبراير (2007م) على صلاحية “جمع التبرعات دون تصريح”، إلا أن هذه الصلاحية أُلغيت من التنفيذ بقرار مجلس الوزراء الصادر في 2014/09/22؛ فقامت الجمعية برفع دعوى قضائية ضد هذا القرار الأخير لدى محكمة مجلس شورى الدولة في 2 أكتوبر (2014م) تطالب فيها بوقف القرار من التنفيذ، وكانت لا تزال الإجراءات القانونية مستمرة ولكن أغلقتْ من قبل الحكومة في تاريخ 23 يوليو/تموز (2016م).

الجَرَّة المشروخة: معيارُ الاستفادة من النعم الدنيوية

Herkul | | العربية

   سؤال: مع تطور مستوى الرفاهية وزيادة الإمكانيات تزايدت درجة الاستفادة من النعم الدنيوية، فكيف يمكن تحقيق التوازن في هذا الأمر حتى لا ندخل ضمن شرذمة “المترفين” الذين ذمّهم الله عز وجل في القرآن الكريم؟

   الجواب: “المترفون” مصطلح قرآني يُطلَق على الغارقين كلّيةً في المتع والملذات، يأكلون ويشربون ويركنون إلى الدعة والخمول، يرتعون ويلهون كما يحلو لهم، ولا يعيشون إلا لتلبية الحاجات النفسيّة والجسمانية، وفيهم يقول ربُّنا سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (سورة الإِسْرَاءِ: 17/16).

وفي آية أخرى يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (سورة الأَحْقَافِ: 46/20)، وهذه الآية تذمّ الذين يُهدرون ما يملكون في الدنيا، ولا يستبقون شيئًا للآخرة، ولقد تنبّه أمثال عمر بن عبد العزيز وأبي ذر رضي الله عنهما لمضامينِ هذه الآية وما كان على منوالها؛ فاعتقدوا أنهم سيعيشون خسرانًا في الآخرة بقدر استمتاعهم بالنعم في الدنيا، أما إذا حافظ الإنسان على توازنه عند استعماله للنعم التي وهبها الله له، ولم يُسرف، وتجنَّبَ الترف والأبّهة؛ فلن يعيش حرمانًا في الآخرة.

وفي آيةٍ مشابهةٍ جعل الله تعالى إيثار الحياة الدنيا على الآخرة من خصال غير المؤمنين، فقال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ (سورة إِبْرَاهِيمَ: 14/3)، فإذا لم يعِ الإنسان للصيف شتاء، ولم يفكر على الأقل كالنملة في الاحتفاظ بحبات من القمح من أجل الشتاء، وأهدر كل النعم التي جناها في الدنيا، ولم يحتفظ بشيء لما بعدُ؛ فلن يبقى له شيء في الآخرة، وهذا يعني أن من أسباب الخسران في الآخرة أن يعتبر الإنسان الدنيا كلّ شيء، وأن يستنفذ كل الإمكانيات التي بحوزته دون تفكير في الآخرة، وأن يكيّف حياته وفقًا لهذه الدنيا، فيجعلها أكبر همه ومبتغى علمه.. وهكذا تشير هذه الآية وما شابهها من ناحية ما إلى خصال المترفين.

   العدالة الاجتماعية

ولقد عني الرأسماليون والشيوعيون وبعض العلماء المسلمين المتأثّرين بهم بمفهوم العدالة الاجتماعية عناية كبيرة، وقد يكون الحديث عن هذه المسألة والكتابة حولها أمرًا سهلًا ميسورًا إلا أنّ الأهمّ والأصعب هو تطبيقها؛ فعلى الناس أن يقتدوا في حياتهم بنبيّهم صلى الله عليه وسلم، ثم بالخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين، فهؤلاء لم يتخلّوا عن البساطة في حياتهم حتى في الوقت الذي أقبلت عليهم الدنيا بمتَعها وزخارفها عندما كانوا يحكمون الدولة؛ حيث جعلوا مستوى معيشة السواد الأعظم من الناس معيارًا بالنسبة لهم، فما يقتات منه الشعب وما يأكله ويشربه أقاموا حياتهم على أساسه، لم يلبسوا الألبسة الغالية، ولم يقيموا الموائد الفاخرة المتكلفة، بل أحيانًا كانوا يرقدون على الرمال في المسجد النبوي فتطبع على جنوبهم وأطرافهم.

وكذلك سار الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز على نهج الخلفاء الأربعة، وفي الفترة التي امتلأت فيها خزينة الدولة بالأموال وطفحت لم يغير قط من حياته البسيطة، وداوم على أكل الخبز والزيت، هذه هي حقيقةُ العدالة وجوهرُ الحقانية، إنه في مدّة خلافته التي استمرت سنتين ونصف أنجز من الأعمال ما يحتاج إلى مائة سنة، وأعاد النظر في النظام الذي أخلّ به مَن سبقوه من خلفاء بني أمية، ووضع النظام من جديد، ومع أفول شمس الخلافة الأموية في الشام بزغت شمسها مجددًا في الأندلس بفضل جهوده ومساعيه، فأقامت العمران، وظلت تنير أوروبا على مدى ثمانية قرون، حيث مهّد الله تعالى السبيل أمام هؤلاء العظماء الذين كانوا يراعون هذا القدر من الحساسية والدقة في حياتهم، ووفقهم إلى إحراز العديد من النجاحات الباهرة.

فإن راعى حكام الدولة وضعَ السواد الأعظم من الناس رغم وفرة الإمكانيات؛ فعاشوا على الكفاف وطبقوا القاعدة الذهبية التي جاد بها عمر بن عبد العزيز عندما قال: “خيرُ القصد عند الجدة”[1]، واستحبوا الفقر بإرادتهم؛ تحقّقت حينذاك العدالة الاجتماعية الحقّة.

أما إن استحوذت فئة من الأرستقراطيين على كل الثروات في المجتمع، فأقامت الموائد الفارهة، وارتدت الملابس الغالية، وعاشت الحياة الفاخرة؛ ثارت حفيظةُ الشعب وشهيّته، وإذا ما نظرنا إلى الثورات الاجتماعية في أوروبا وروسيا والصين في وقت ما سنلحظ أن السبب وراء هذا كله هو صراع الطبقات بين الأغنياء والفقراء، لقد تضجّر هؤلاء الفقراء من تداول الثروات بين أقلّيّة معينة، وللحيلولة دون ذلك جنحوا إلى ديكتاتورية البروليتاريا، لكن الأمر انقلب هذه المرة رأسًا على عقب، وأسفر الإفراط في هذه الناحية عن تفريطٍ في ناحية أخرى. وفي اللحظة التي حسبوا فيها أنهم حلوا المشكلة اتخذ الصراع منحى آخر.

وكما لاحظنا فإن شرذمة المترفين تدمّر عاقبتها من جهة، وتُشعل فتيل النزاع والصراع في المجتمع من ناحية أخرى، أما سبيل الخلاص من هذا فيكمن -كما أشرنا سابقًا- في أن يراعي الإداريون والأغنياءُ الوضع العام للمجتمع في حياتهم ونفقاتهم، بل يجب أن يتقاسموا ثرواتهم مع المحتاجين، ويمدوا إليهم يد العون من خلال الزكاة والصدقة والإنفاق حتى يتحقّق نوعٌ من التوافق والتصالح بين جناحي المجتمع، وبذلك لا يتعرّض الضعفاء للضغط والظلم والاستبداد أو الاحتقار، ولا تشتعل مشاعر الكره والحقد في نفوس الفقراء ضد الأغنياء، وكذلك فإن الخلفاء الراشدين لما عاشوا كعامة الناس كسبوا ثقة المجتمع واحترامه، ولما عاش بعضُ سلاطين بني أمية في رفاهية وبحبوحة من العيش جلبوا على أنفسهم كرهَ وحقدَ وبغضَ المجتمع لهم.

قد يضيّق الله تعالى على بعض عباده في الرِّزق لعلمه أنهم لا يستطيعون أن يؤدوا غناهم حقه، وهذا نوع من اللطف الجبري؛ لأن الله تعالى بذلك يصونهم من السفاهة والغفلة؛ بمعنى أن تقشّف الفقير وتواضعه لطف من الله له، المهم هنا هو أن يتحقق هذا التوازن مع الإرادة؛ فما يُكسب الثوابَ للإنسان في الواقع هو أداؤه حق إرادته، وعدم استغراقه في المتع والملذات، وعدم نسيانه لربه وللحشر والنشر، وعدم تقصيره في عبادته وطاعته رغم توسيع الله عليه في الرزق؛ لأن الثروة وسعة الرزق كثيرًا ما تكون سببًا في الغفلة، والغفلةُ يصاحبها الانشغال بالدنيا والبعد عن الله، وبذلك يكون التوسيع في الرزق رزيّة وليس مزية، فإذا صبر الإنسان، ولم ينحرف، ولم يُثِر شهية الآخرين وحفيظتهم ضده بأفعاله وتصرفاته، ولم يستثر غضبهم عليه، بل مدَّ يد العون للمحتاجين منهم بما لديه من إمكانيات، وكسب محبتهم وتعاطفهم؛ فبذلك يكون قد أوفى حقَّ نعمِ الله عليه، وأدى شكرَه نحو ربه جل وعلا.

   دور المتع والملذات في انهيار الدول

من أهم الدساتير التي جعلتُها نبراسًا لي في حياتي هي توقير الآباء والأجداد، وذكر السلف بكل خير؛ لأن هؤلاء بذلوا كل وسعهم في خدمتهم للدين، ولهذا فإنني أتجنب بقدر الإمكان مساءلتهم ونقدهم، ومع هذا لا تُنكَر أهمية إدراكِ بعض الحقائق التاريخية واستنباطِ العبرة منها.. وإننا إذا ما درسنا أسباب انهيار الدول الإسلامية منذ فجر التاريخ مثل الدولة الأموية، والدولة العباسية، والدولة العثمانية، والأندلس؛ سنلحظ أن الميل إلى الدنيا والبذخ والإسراف له دور كبير في وقوع هذه الدول وانهيارها.

فمثلًا منذ نشأة الدولة العثمانية حتى عهد السلطان القانوني كان السلاطين العثمانيون يخرجون على رأس الجيش إلى المعركة، فكانوا بذلك يرفعون الروح المعنوية لدى الجنود، ولكن في الفترات التالية تخلى السلاطين عن تلك العادة، ولم يشعر الجيش بحاجة إلى إظهار بطولاته الخاصة به، ومن ثمّ توالت الهزائم إثر بعضها البعض، فمثلًا بعد هزيمة “فيينا” حُكم على الصدر الأعظم “قره مصطفى باشا الميرزفونلى (Merzifonlu Kara Mustafa Paşa)” بالإعدام، ولكن يا تُرى هل الجرم يقع فقط على عاتق الجيش والميرزفونلى؟ كما أن هناك تساؤلات أخرى تصرّ على ذهن الإنسان مثل: “سلطاننا المعظم، لماذا لم تخرج مع الجيش إلى فيينا؟ إن العديد من أجدادك مثل السلطان القانوني والسلطان سليم الأول قد رحلوا إلى أفق أرواحهم وهم في جبهة الحرب أو عند خروجهم إليها، فَلِمَ انحرفت أنتَ عن طريقهم؟

فمع الأسف أدى انزواء السلاطين العثمانيين في القصور واستغراقهم في الملذّات إلى تثبيط عزائمنا وركوننا إلى الدعة والخمول، كما أن الرغبة في العيش بالبيوت المبهرجة، وعدم القناعة ببيت واحد، وتشييد البيوت للأبناء والأحفاد، بل والتفكير في الأصهار من الرجال والنساء، باختصار صار الولع بالحياة، والتخلي عن فكرة الإحياء سببًا كارثيًّا كبيرًا بالنسبة لنا.. ولو قرأتم كتاب “ليالي القمر على البوسفور (Boğaziçi Mehtapları)” للأديب التركي “عبد الحق شيناسي حصار” لأدركتم بوضوح كيف كان العثمانيون غارقين في الملذات في العهد الأخير للدولة العثمانية، لقد كان هذا الوضع أشبه ما يكون بفيروس “إيدز” الفتاك بالنسبة لنا.

   السبيل إلى العيش بعفة وعدم الانزلاق وراء الإغراءات

يحب ألا ننسى أن مثل هذه الغفلة التي قد تقع دائمًا في حياة البشر يمكنها أن تأسرنا، وعليه يجب أن نكون في حالة تيقّظ وانتباه دائمة.. إنني أنزعج حتى من المكان الذي أقيم به حاليًّا لأنني أراه فاخرًا جدًّا، إنني أتضجّر من الجلوس على المقعد، ولا تزال في روحي رغبة بأن أقيمَ في كوخ خشبي، وعند نافذة الجامع، ولكنني بدأت أرقد في الفراش بسبب آلام معينة أعانيها بعد سن الستين فحسب؛ فما جلست في مقاعد فاخرة لا في سنوات دراستي، ولا خلال المرحلة الطويلة التالية لها من حياتي، ويجب ألا يُعتبر قولي هذا تواضعًا مصطنعًا، فذلك شيءٌ يخالف طبيعتي.

في الواقع يجب على كل مؤمن أن يكون حذرًا في هذا الموضوع، وأن يحقق التوازن من تلقاء نفسه وبإرادته الخاصة؛ لدرجة أنه لا ينبغي أن يسمح للمشاعر والمتع والرغبات والأهواء الدنيوية بأن تغريه فيظن بأنه سيستطيع أن يحافظ على توازنه رغم وجودها، وأنه ربما يستطيع التعبير عن نفسه أكثر من خلالها، كلا.. بل يجب على الإنسان أن يُكَوِّن أرضية يستطيع العيش عليها بشكل يوائم فطرته ويكفي حاجاته، وأن يُغلق جميع المنافذ التي قد يتسلل إليه الشيطان والنفس منها، أما مَنْ يغوص في البوهيمية فإنه ينخدع بوهمٍ يُسيطر عليه ويأسره ويُسيِّره ويتحكّم به، وكأن رُقاقة إليكترونية قد ثُبِّتت في عقله للتحكم فيه.

إن لم يسيطر الإنسان على نفسه بخصوص الاستفادة من النعم الدنيوية، ولم يكتفِ بالدائرة المشروعة فقد يصبح عُرضةً لاستغلال الآخرين إياه؛ حتى إنه يقع في فخاخ أناس يضطر بعد فترة أن يكون ذيلًا لهم فيتحرك كيفما يشاؤون، ومن قضوا علينا وفرّقونا منذ الأمس وحتى اليوم فعلوا ما فعلوا عبر استخدامهم هذه النوعية من الطرق، ولا نَنْسَ أنه يوجد في يومنا أيضًا بعضُ بُؤر الشر سيئة النية لن تتوانى عن إزعاج ومضايقة حركة كهذه التي نذرت نفسها للخدمة ولتحقيق السلم والطمأنينة في العالم، وقد تتزلف تلك البؤر الشريرة إلى بعض الناس كي تستخدمهم في سياق آمالها المظلمة، وتعرض عليهم أشياء من المتع الدنيوية، حتى إنها قد تظهر أحيانًا على أنها تنافح عن الحق، فتزين لهم الشرور، وتقدم لهم بعض الإمكانيات الدنيوية، وبينما هي تفعل ذلك تقدم لكم شتى أنواع الإغراء، فتجعلكم أسرى وأرقاء لها، فإن لم تُظهروا الحساسيّة اللازمة في هذا الشأن ولم تنتبهوا فإنكم، ودون أن تدركوا أبدًا، قد تُشِلُّون إرادتكم وأنشطتكم التي ستقومون بها.

إنكم تمثلون رسالةً حياتيّة للغاية.. أنتم أبطالُ الإحياء، وإذا ما أُصبتم بحبّ الحياة فإنكم تئِدون مهمّة الإحياء، وإن تستسلموا للحياة تخسروا نشاطاتكم الإحيائية، وعندئذ يستحيل الحديث عن وجودكم؛ إذ إن هذا يعني أنكم صرتم عدمًا، وحكمُ الله تعالى بشأن جماعةٍ هكذا حكمٌ واضحٌ صريحٌ، إذ يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة الْمَائِدَةِ: 5/54) وكما ورد في هذه الآية الكريمة يذهب الله تعالى بهؤلاء، ويقضي عليهم، ويأتي بأناس آخرين جدد ونُضرٍ تمامًا.

و”الارتداد عن الدين” المذكور هنا له مستويات مختلفة؛ فالبعض يرتد من الإيمان إلى الكفر، والبعض يظهر تراخيًا في تطبيق الأركان الإسلامية، والبعض الآخر يفقد تمامًا ما لديه من عشق وشوق للخدمة؛ فيُنحّيَ جانبًا المشاعرَ والأحاسيس مثل: حس الإحياء، وحس التضحية، ومفهوم الإيثار، ويرجع عن الطريق الذي يسير فيه فيتخلى عن الخدمات التي يقوم بها، وكل واحد من هذه الأمور ارتداد بمعنى مختلف عن الآخر، ويعني تراجعًا إلى الوراء.

أجل، إذا ما ارتد قوم عن الطريق والغاية والإدارة والنظام والرؤية الكونية وفلسفة الحياة التي تبنّاها المجتمع -أيًّا كان نوع ذلك الارتداد- فإن الحق عز وجل يقول لهم: “إنكم باستسلامكم للفساد والتعفّن تُعلنون عن أداء مهمّتكم وانتهاء أمركم؛ لذلك حقّ عليَّ أن أستبدلكم بقوم آخرين يحبون الله ورسوله حبًّا جمًّا، ويحبهم الله ورسوله حبًّا عظيمًا”.. وبينما هؤلاء ينحنون أمام المؤمنين رأفةً وتواضعًا يقفون صامدين في مواجهة الكفر والإلحاد، ويقومون بواجبهم في إعلاء كلمة الله؛ أي إنهم يسعون كي يبلغوا ثقافتهم وقيمهم إلى كل أرجاء الدنيا، وبينما يقومون بهذه الوظيفة لا يُلقون بالًا إلى انتقادات ولَوم بعض الأفواه الثرثارة، لأن هؤلاء الناذرين أنفسهم حين يُقبلون على خدمة كهذه دون تشوف إلى أي شيء فقد يرميهم بعضُ المنزعجين من النور بِتُهم ومزاعم لا أساس لها من الصحة، ويسعون إلى تشويههم بأكاذيب وافتراءات مُختلقة، غير أن مَن نذروا أنفسهم يواصلون مسيرهم دون أن يقفوا عند هذه النوعية من العراقيل.

لذا يجب علينا أن نسعى كي نظل جددًا نضرين دائمًا؛ فأهمُّ ديناميات هذه الخدمة هو روح التضحية، إنْ نذَر إنسان نفسه لقضية معينة فيجب ألا يتشوّف إلى شيء آخر، فلا يركض وراء المنافع المادية، ولا يفكر في الرفاهية الدنيوية، ولا يركن للمتعة والدعة، وتراه يهرب من المكاسب غير المشروعة والمتع الحرام كمن يهرب من الشيطان، ويدعو الله دائمًا ويتوسل إليه: “اللهم لا تحرمنا من روح الإحياء والتضحية! اللهم لا تدعنا إلى علةٍ هي بلاء منك مثل علة حب الحياة والعيش!”، وكما يتنبه من نذروا أنفسهم إلى هذا يسعون كذلك إلى أن يظل رفاقهم أيضًا على هذا الدرب، وإن انزلق وانحرف في هذا الشأن أحدٌ سعوا إلى إعادة تأهيله وإصلاحه، ويستخرجون الدروس والعبر من حال السابقين الغابرين، ويعيشون عازمين جاهدين على ألا يقعوا في مثل ما وقع فيه السابقون من خطإ وزلل.

   طريق من نذورا أنفسهم للخدمة

أرى أنه يجب على الناذرين أنفسهم للخدمة العملُ في هذه الشؤون بالعزائم وليس بالرخص، يجب عليهم الانتباه في كل شيء يستخدمونه بدءًا من دور إقامتهم إلى مطاياهم وملابسهم، وألا ينخرطوا في حياة الرفاهية أبدًا، فإن كان منزل من حجرتين يفي بحاجتهم لزمهم ألا ينتقلوا إلى ما هو أكبر، وعليهم عند شراء سيارة أن ينظروا أيحتاجونها أم لا، وألا تحتوي خزائن ملابسهم على ما زاد عن حاجتهم، وإن كانوا سينتقلون من مكان إلى آخر وجب عليهم اختيار أكثر الطرق اقتصادًا، عليهم أن يجعلوا منهجهم في الاستفادة من نعم الدنيا تذوُّقًا لا شبعًا منها، وعليهم تعويدُ أنفسهم على حياة الاقتصاد والتدبير.. -والحقّ أن اقناعَ الفقير الفاقد للإمكانيات المادية واقتناعه بالاقتصاد والتدبير ليسَ فضيلةً، وإنما الفضيلة والأساسُ في القدرة على الاقتصاد مع توفر الإمكانيات لأنَّ خيرَ القصد عند الجدة- فإن لم يراجعوا حياتهم ثانية وتعذّر عليهم تصميمُها وفقًا لهذه المبادئ استحال عليهم أن يمنحوا غيرهم النظام والانتظام.

والخلاصة أنه يجب عليهم أن يُؤسسوا حياتهم على الاقتصاد والقناعة، ويبتعدوا عن الإسراف بكل أنواعه؛ فكما أن الاقتصاد سببٌ للبركة فإن الإسراف سبب للخيبة والخسران، وينبغي أن نتّخذ مفخرة الإنسانية أسوةً حسنة لنا في هذا الشأن أيضًا كما هو الحال في كل شأن؛ ذلك أن الحجرة التي أقام فيها هو وزوجتُه صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها كانت ضيّقة لدرجة أنه ما كان يبقى له موضعٌ يسجد فيه ما لم تطْوِ أمُّنا المباركة قدميها[2]، لقد كان ينام على الحصير صوات الله وسلامه عليه، وكما أن ميل الناس في زماننا إلى الحياة الفارهة والترف يستحيل أن يكون حجةً لنا يستحيل أيضًا أن يكون معيارًا؛ فلدينا معيار واحد ووحيد: إنه الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم؛ ومن كان ذا رؤيةٍ ومعايير مخالفة لما نراه فليعش وفقًا لفهمه وعاداته الخاصة كما يحلو له، لكن يجب ألا ننسى أبدًا أن الإنسانية لن تجني نفعًا ممن يعيشون حياتهم من أجل جسمانيتهم وراحتهم فقط.

كم هو مؤسف أن عصرنا يعاني قلّةَ عقلٍ، وقسوةَ قلبٍ، وذلّةَ روح؛ فلا تقشعر القلوب عند ذكر الله، ولا تدمع العيون، والحياة ترتكز على البدن والجسمانية؛ لقد سُلّمَت أزِمّة الأمور إلى النفس، وراح الناس يفكرون في الأكل والشرب والراحة والاستمتاع بالحياة فحسب.. فلا حديث عن سلامة الروح والعقل والقلب، كم أنه صعبٌ جدًا! وبالتالي تبدو الإنسانية سائرةً في طريق من شأنه أن يمهد الطريق إلى الشقاء والسفه، في حين أن تحويل ديار المحنة هذه إلى ممرٍّ يؤدّي إلى الجنة يمكن أن يتحقّق بالحيوية في حياة القلب والروح، والسبيل لنيل راحة الدنيا والعقبى كليهما مرهون بالعقل السليم والقلب السليم والروح السليمة، لكن المؤسف أنّنا فقدنا ذلك منذ بضعة عصور، ويستحيل القول إن أمّتنا على وعي بهذا الذي فقدناه.

إن إنسانًا يبحث دائمًا عن الفُرش الدافئة والوسائد الناعمة، والأرائك الملائمة للراحة والدِّعة، ولا يفارق الموائد الفاخرة، واعتاد على الاستفادة من شتى النعم يستحيل أن يشعر بالشوق إلى الله الذي هو المتعة الحقيقية.. تُرى كم يبلغ عدد الأشخاص الذين يمكن القول إن صدورهم تخفق بإعلاء كلمة الدين؟ كم شخصًا يرفع الواحد منهم يديه ويتألم داعيًا الله “اللهم إن كانت حياتي تفيد شيئًا لصالح إعلاء الدين فأحيني، وإلا فخُذني إليك!”؟ إنّ ما يقع على عاتقنا هو السعي إلى بلوغ هذا الأفق وبعث هذه الروح بيننا من جديدٍ.

 

[1]  الغزالي: إحياء علوم الدين، 3/356، ومعنى العبارة: أي إن أفضل أنواع الاقتصاد ما كان عن غِنى وليس عن فقر.

[2]  صحيح البخاري، الصلاة، 106.

الجَرَّة المشروخة: السبيل الأقوم للاستفادة بحق من القرآن الكريم

Herkul | | العربية

   سؤال: تكلمتم فيما سبق عن أهمية مراجعة القرآن الكريم بصفاء الحسّ والشعور بالحاجة حتى تتحقق الاستفادة الكاملة منه، فما المقصود بصفاء الحس والشعور بالحاجة هنا؟

   الجواب: ثمة عديدٌ من المبادئ والقواعد التي يجب مراعاتها من أجل فهم القرآن الكريم فهمًا صحيحًا وإدراك ما فيه من مقاصد إلهية، وكما تتبوّأ إيضاحات وهدي النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم مكانة مهمة في هذه المسألة فكذلك لا بد من تفعيل الضوابط التي وضعها علماء الإسلام فيما يتعلق بهذا الأمر، ولكن قبل الأخذ بهذه القواعد المتعلقة بعلوم القرآن فمن الأهمية بمكان أن يتحلى الإنسان بصفاء الفكر والشعور، وأن يشعر بحاجته الماسة إلى الأحكام والمبادئ التي بيّنها القرآن الكريم.

   صفاء الحس

صفاء الحس يعني أن يصفِّي الإنسانُ أفكاره، ويلتزم بالصدق والإخلاص، ويركز على المسألة التي يدرسها ويحاول فهمها، ويتجنب ما عداها من أفكار أخرى، ومن ثمَّ كان لهذا الأمر أهمية كبرى في كل مسألة، أما التعامل بصفاء الحسّ مع القرآن والسنة فيشير إلى سعي الإنسان وعزمه وتصميمه على فهم هذين المصدرين الكريمين بما يتوافق مع المراد الإلهي، مع الانسلاخ من كافة الأحكام المسبقة، والانغلاق دون الأيديولوجيات والأفكار الغريبة، والإنسان الذي يتحلى بصفاء الحس لا يفكر إلا في مرضاة الله تعالى فحسب، وبالتالي لا يجعل القرآنَ أداةً للحديث عن نفسه، أي إن الإنسان ذا الروح القرآنية لا يتّخذ من كلام الله وسيلة لأي منفعةٍ؛ لأن مقصده الأساس هو فهم البيان الإلهي وفقًا لمراد الله، والسعي على تبليغه للآخرين.

فلو كان الإنسان على علمٍ بحقٍّ بآيات القرآن الكريم وكلماته وموضوعاته ومحتواه لكنه يستغلّ كل هذا للتعبير عن نفسه وإبراز ذاتيته فحينها لا يمكننا وصف أفكاره ومشاعره بالصفاء والنقاء، لأن الإنسان إن كان يصبو من وراء علمه بالقرآن الكريم إلى احترام الناس له وإقبالهم عليه أو الوصول إلى منصب أو مقام معيّن فهذا يعني أن مشاعره مشوبةٌ بالنجاسة والقذارة، وأنه عديمُ المعاني القلبية، فاقدٌ للروح القرآنية، ومن المحال أن يصل إلى ما يأمله، فحتى وإن انخدع به الناس واتبعوه مؤقّـــتًا، فلن يظلّ الأمر يصبّ في صالحه على الدوام.

فثمة علاقة وطيدة بين صفاء الحس وبين النية والمقصد؛ حيث إن استفادة الإنسان من القرآن الكريم تختلف تبعًا لصلاح النية وفسادها، فمن توجَّهَ إلى القرآن الكريم رغبةً منه في أن يكون صاحب علم في هذا المجال، ولكن استولت عليه بعض النوايا الفاسدة كرغبته في إبراز سعة علمه ومعارفه، وتشوّفه إلى إقبال الناس عليه وتوجههم إليه واحترامهم وتقديرهم له؛ فلن يستفيد حقَّ الاستفادة من القرآن الكريم حتى وإن وصل إلى بعض آماله مؤقتًا.. وفي المقابل لو أن الإنسان ابتغى رضا الله فحسب، ولم يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ولم يركض وراء حساباته الخاصة، وحاول أن يفهم مراد الله عن طريق القرآن الكريم الذي أنزله الله على كل الإنسانية ورغب عن طريق ذلك في أداء العبودية الكاملة لله تعالى؛ فلا شك أنه سيفهم القرآن بشكل أكبر وأعمق، وسيطّلع على الحقائق التي لم يستطع الكثيرون فهمها.

ولهذا ينبغي للإنسان أولًا أن يراجع أحاسيسه وأفكاره تجاه القرآن الكريم، وأن يراعي المكانة التي يضعها له في ذهنه، ولا ينسى أن القرآن هو كلام الله، ولا ينظر إليه نظرة سطحية وكأنه كلام بشر حاشا لله، وأن يتذكر دائمًا أن القرآن يتميّز بأسلوبٍ وأداءٍ معين خاص به، فإذا أراد أن يفتح القرآنُ له أبوابه ليدلف منها؛ فعليه ألا يجعل من أفكاره ومشاعره حائلًا دونه، ولا يجعلانه يعيش حالة من الخسوف والكسوف، إذ لا بد من صفاء النية والتخلص من شتى الأفكار القذرة؛ حتى يتسنى له رؤيةُ القرآن بشكلٍ صحيحٍ وإدراكُ معانيه على نحوٍ سليم، والوصولُ إلى مراد الله الكامن بين ثنايا عباراته.

ولا حرج على الشخص الذي يرغب في الوصول إلى مثل هذا الصفاء في النية في تعامله مع القرآن الكريم أن يدعو الله بلا حدود حيث إنه أمرٌ صعب المنال، فمن الأهمية بمكان أن يرفع الإنسانُ أكفّ الضراعة إلى الله عزّ وجلّ ويقول: “اللهم إني أريد فهمَ مقاصدك العليا في قرآنك الذي أرسلته إلينا، أريد أن أعرفك وأشعر بك من خلال كلامك، أريد أن أسمع كلامك وكأني أسمعه منك، أو أسمعه على الأقل من حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم الذي يتناثر الدر والياقوت من فمه الشريف، فاللهم وفقني لفهم القرآن”، ولو دعا إنسانٌ ما بهذا الدعاء ألف مرة لقلنا له: “ولم لا يكون ألفي مرة”.

   الشعور بالحاجة

أما الشعور بالحاجة فيعني أن يرى الإنسانُ القرآنَ الكريم المنهلَ العذب المورود، وأن يشعر باحتياجه إليه، وبذلك سيُعمِل فكره ومنطقه ومحاكمته العقلية في سبيل الاغتراف منه، بل لن يقتصر على استيعاب المسألة بحدود عقله، وسيحاول سبر أغوارها بسعة قلبه وأعماق وجدانه، وينهل منها ما يستطيع، وإلا فمن المتعذر على ذلك الذي أدلى دلوَه أن يغترف شيئًا من ذلك المنهل، ومن المحقق أنه سيرجع خالي الوفاض.

وكما هو معلوم فالحاجة أمُّ الاختراع؛ إذ إنها عامل مهم يسوق الإنسان لتعلم أشياء جديدة واختراع أشياء مبتكرة، وإن الدرجة التي تفوق الحاجة هي الاضطرار، فالاضطرار هو أسلوب في غاية الأهمية للالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى، والله تعالى يجيب المضطر ويكشف عنه السوء بنص القرآن الكريم.

وهكذا إذا توجه الإنسان إلى القرآن بحاجةٍ تصل إلى مستوى الاضطرار، ودعا الله قائلًا: “اللهم إني لا أستطيع العيش ولا الاستقامة على الطريق السوي بدون القرآن”؛ وجد فيه ما ينشده.. فمثلًا لو صادف الإنسان محتاجًا مترفّعًا عن السؤال، معرضًا بوجهه عنه، غير مكترث بإعطائه من عدمه فهل سيهتم به ويعطيه شيئا؟! كلا، وفي المقابل لو أن هذا المحتاج أشعرَنا بحاله ومقاله وأفعاله باحتياجه الشديد فهل من الممكن أن نرد طلبه؟! كلا، ولذلك فإن من الأهمية بمكان في تحقيق الطلب والوصول إلى المقصد أن يدرك السائل لحاجته حقَّ الإدراك.

وكذلك فإن من يسأل سؤال المستغني المتعالم سيلقى ردًّا موافقًا لسؤاله، بمعنى أن مخاطبَه لن يردّ عليه، أو سيجبيه اعتباطيًّا ببضع كلمات كي يتخلّص من الموقف، ولكن إذا سأل الإنسانُ سؤالًا وهو يثق في المسؤول ويُظهِرُ حاجته إلى إجابته بالفعل فإن المخاطبَ المسؤول سيسعى حتمًا إلى إجابة طلبِه بكلّ وسعه.

وهكذا المؤمن إذا توجه إلى القرآن الكريم مستشعرًا حاجته إليه فلا ريب أن فهمه له سيكون على نحو أعمق وأوسع؛ لأن القرآن الكريم لا يفتح خزائنه إلا لمن أقبل عليه بمشاعر صادقة، أما من يتعامل معه باستغناء فسيضنّ بنفسه عليه، وسيسدل ستائره أمام وجهه، ويغلق أبوابه، ويقول: “لا تحاول عبثًا، فالأبواب موصدة”، ومهما فهم ذلك الإنسان شيئًا من معاني القرآن الظاهرة فلن ينفذ حتمًا إلى أعماقه، أو يصل إلى حقائقه، أو يدرك المقاصد الإلهية الكامنة بين ثنايا آياته.

   إدراك المرء حاجته إليه

من المفيد هنا الوقوف على أمر آخر، ألا وهو ضرورة أن يكون المرء واعيًا بحاجته إلى القرآن الكريم أولًا حتى يستطيع اللجوء إليه عبر الشعور بالحاجة، ومن ثمَّ تنبغي الاستفادة من بعض الديناميات حتى يتسنى الشعور بهذه الحاجة، فمثلًا يلزمنا أن نتمكن من تحذير وتوجيه بعضنا بعضًا في أمور مثل فهم ماهية القرآن الكريم، وإدراك دوره الحيوي في تلبية حاجاتنا الدنيوية والأخروية، وإذا لزم الأمر نستثمر إمكانياتنا لنكون أكثر تأهّلًا في هذا الشأن، وذلك عبر مدارسة ومذاكرة الكتب الخاصة بالقرآن الكريم، ونستطيع أن نبين للناس مدى حاجتهم إلى القرآن عبر عقد دروس ومجالس قرآنية، وتناول مجموعة من المواضيع في هذه المجالس، فإن نعمل دائمًا حول هذه القضايا، ونستنتج بعض المسائل المتعلقة بالقرآن بواسطة محاولاتنا لسبر أغواره ونسعى لجذب الانتباه إليها فإننا نستطيع أن نُشعر الناس بحاجتهم إلى القرآن الكريم ونوجههم إليه.

وإلا فإن القرآن يظل أمامنا مثل كنز نعجز عن الحصول على مفاتيحه، ويتعذر علينا الاستفادة منه بالشكل اللائق؛ إذ ثَمَّة حاجة إلى مفتاح حتى تتسنى الاستفادة من هذا الكنز السماوي العظيم.. وهكذا فإن الشعور بالحاجة وصفاء الحسّ مفتاحان مهمان لبوابات الاستفادة منه، ومن هذه الزاوية يجب أن نبحث بالدرجة الأولى عن طرق امتلاك هذه المفاتيح ومساعدة الآخرين في امتلاكهم لها أيضًا.

وفي القرآن الكريم يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (سورة الأَنْفَالِ: 8/24) وهذا يعني أن انبعاثَنا يتحقق باستجابتنا لدعوة الله ورسوله، أي باتّباعنا أحكام القرآن الكريم، ولا يمكن للحياة أن تستمرّ مع أولئك الذين انغلقوا دون هذا النداء، والطريق للقدرة على إجابة هذا النداء إجابة تامة هو أن يتخلص الإنسان من كل أنواع الأحكام المسبقة ومن الألفة والأنس، فيتمكن من النظر إلى القرآن الكريم بمشاعر صافية، ويكون مدركًا لاحتياجاته في الوقت نفسه ويسعى لتلبيتها بالقرآن.

وبعبارة أخرى يجب أن نستفيد من القرآن الكريم حتى يتسنى لنا الانبعاث، والقدرة على الاستفادة منه تتحقق بالشعور والإحساس به وأن نرتشف من معينه ما يقر ويستقر في صدورنا بالمعنى التام، فنجعله طبعنا وطبيعتنا، وبعبارة أبسط: يجب أن نستوعبه.. بل إنكم حين تلِجون القرآن بعقلكم ومنطقكم يجب عليكم التسليم التام الكامل بأنه كلام الله تعالى، وهذا التسليمُ الكاملُ بذلك هو أحد أهم الأشياء التي يجب علينا أن نطلبها منه تعالى.

علينا أن نُشبع عقلنا ومنطقنا وأحاسيسنا ولطائفنا -أو قُلْ: ماهيَّتنَا- بالإيمان بالقرآن وليس بالنظر إليه نظرة بسيطة من خلال العقيدة البسيطة والصافية التي دُرِّسَت لنا ونحن صغار، حتى إننا حين نقابل شيئًا ضده نستطيع أن نتمثّل رد فعل مناسب بصورة مباشرة ولا إرادية، وهذا يعني أنه من الواجب علينا أن يُصبح رد فعلنا بشأن الدفاع عن القرآن حالةً طبيعية فينا.. فيجب ردُّ الأفكار الخاطئة الواردة من الخارج، المخالفة والمنحرفة برد فعل نابع من طبيعتنا، فإن ظهرت شكوك بداخلنا في هذا الشأن ووقفنا على منحدر التعرض لهزة فإن هذا يمنعنا من فهم القرآن.

وعليه يجب علينا أن نرفع أيدينا إلى الله تعالى وندعوه “اللهم امنحنا إيمانًا تامًّا بالقرآن حتى إن اعترض طريقي ألفُ شيطان وشيطان وحاولوا إقناعي بالأدلة العقلية والمنطقية أن القرآن ليس كلام الله أستطع أن أردهم جميعًا بظهر يدي، اللهم جنِّبني أن تتسلل إلى إيماني بالقرآن أيةُ فكرة مخالفة تخالط خطتي الذهنية وخيالي وتصوري، وأعنّي على أن يتلاشى وينمحي أمام سبحات وجه إيماني كلُّ ما تسلل إليّ من ذلك”، وأن نتحلّى بالصمود والثبات، وكما قلنا سابقًا يجب علينا أن نلحّ على الله تعالى في الطلب، ومهما طلَبْنَا فليس على الله بكثير.. لكنه للأسف حينما نطالع الحالات الروحية للناس ونطّلع على كيفية دعائهم نجدهم لم يجدّوا ويجتهدوا في الطلب من الله تعالى.

إذا ألحَّ الإنسان على الله تعالى في الطلب حيال هذا الشأن فسوف يقول على الأقل: “تُرى كيف لي أن أحقق إيمانًا كهذا؟”، وسوف يسعى وراء تحقيق هذا الأمر، سوف يبحث عن هذا كالرَّحَّالة، ولن يكتفي بما يجد، وسيقول باستمرار “هل من مزيد؟”.. والإنسانُ الذي يسعى وراء هذا يكون جادًّا ومثابرًا، فإن انخرط في الأمر بكل ذاته وهويته وصل إلى مقصوده إن عاجلًا أو آجلًا.. لكنه يستحيل على القاعد عن البحث أن يصل إلى شيء.

لهذا السبب علينا أن نحاسب أنفسنا دائمًا، ونتحرى أين نحن في هذا الشأن، يجب أن نراقب ما نأمل فيه، وأن نفكر حول “ما هي أهم مسألة في حياتنا بالنسبة لنا”، وأن نجعل التعمق في الإيمان والمعرفة الغايةَ المثالية في حياتنا، وأن نمارس بعض الأنشطة الدنيوية أيضًا مثل المأكل والمشرب والزواج والإنجاب على نحو مرتبطٍ بهذا أيضًا، وإلا يتشتت أمرُنا، فننسى الغاية الأصلية من خَلْقِنا، ومع مرور الزمن تصبح بعض الأمور الدنيوية الغاية الأولى بالنسبة لنا.

الجَرَّة المشروخة: معيار الاشتغال بوسائل الإعلام

Herkul | | العربية

   سؤال: ما هي المعايير الرئيسة التي يجب مراعاتها عند الاشتغال بوسائل الإعلام وتتبّع الأحداث الراهنة؟

   الجواب: على الإنسان أن يطّلع على مستجدات عصره حتى يتعرف جيدًا على العالم الذي يعيش فيه، ولا جرم أن أيسر الطرق العملية لتحقيق هذا الأمر هو متابعة مختلف وسائل الإعلام، والواقع أن هذه المؤسسات الإعلامية قد أضحت أكثر الوسائل السريعة والعملية للوصول إلى المعلومة في أي مجال، ناهيك عما تتيحه من فرصٍ للاطلاع على الأحداث الجارية، لا سيما وأن الإنسان في ظل الإنترنت يستطيع الحصول على المعلومات التي يحتاجها بيسر وسهولة، وإجراء دراساته وأبحاثه بشكل سريع.

   وسائل الإعلام وبحور الخطايا

ولكن الأمر ليس بهذا القدر من البساطة؛ لأن وسائل الإعلام وإن كانت تتيح للناس الفرصة للاطلاع على التطورات الراهنة والوقوف عليها فإنها تفتح الباب لدخول العديد من السلبيات؛ فقد تأخذ الإنسانَ وتجرّه إلى المنكرات، وتغمسه في النجاسات، فمن الممكن أن تكون هذه الوسائل أنفاسًا وأصداءً للملائكة، وقد تكون مصيدةً للشياطين، وكما يصل الإنسان إلى بعض المعلومات النافعة من خلال هذه الوسائل فكذلك قد يُبحر بسببها في بحور الخطايا والعصيان، وبينما يعتقد الإنسان أنه في طريقه إلى الكعبة يُفاجأ بمنافذ وممرات تنحدر به إلى أودية مختلفة تمامًا.

بتعبيرٍ آخر فإن وسائل الإعلام لو استُخدمت بنيةِ التعرّفِ على ما يجري في الدولة والعالم، ومشاهدةِ البرامج الوثائقية، والتزودِ بمعلوماتٍ عن بعض الموضوعات، وإثراءِ الحياة العلمية والمعرفية؛ فحينها يمكن الاستفادة منها استفادة جمّة، ولكن كثيرًا من الناس يتعذر عليهم التحكم بأنفسهم، وبعد الإبحار في نهر النيل أو نهر دجلة يكتشفون أن لهما فروعًا أخرى، وحينذاك يقومون باختراقها واستكشافها، فما يكون من هذه الفروع إلا أن تأخذهم دون وعيٍ منهم إلى ساحات مختلفة؛ ولهذا يجب قطعًا مراعاة بعض الضوابط والمعايير في هذا الشأن.

أجل، إن الإنسان لو عكف على قراءة الجرائد، وأصبح لا يفارق الإنترنت؛ فقد يعيش تناقضًا مع نفسه من حيث القواعد الدينية؛ لأنه قد يُفاجأ بصورٍ مُخلّة على صفحات الجرائد أو مواقع الإنترنت؛ فيتكدر سمعه وبصره وفمه وقلبه، ويبتعد عن عالمه الخاصّ، ولا يستطيع الحفاظ على قيمه الذاتية، ويُقلع إلى بحار الخطايا والذنوب، وقد لا يقدر على العودة مرة أخرى، ومع الأسف بِتْنا نشاهد اليوم كيف اختلت الأساليب، وتكدّرت الأفكار، وغدا الناس غير متزنين، يتأرجحون بين الإفراط والتفريط، ولم يعد لديهم أيُّ معيارٍ يحتكمون إليه، وعلى ذلك فإن السبيل إلى تجنب هذه الأمور هو تحديد المساحة التي يتجول فيها منذ البداية والالتزام ببعض المعايير المحددة.

ورغم المنافع الجمة التي يجنيها الناس من وراء الإنترنت ووسائل الإعلام فلطالما تكلم المختصون عن الأضرار الجسيمة التي تسببها هذه الوسائل في أيامنا؛ فقد تسبب يُسر الوصول إلى الإنترنت، واستخدام غالبية الناس له إلى ظهور العديد من المساوئ والمفاسد، فمثلًا بات الكثيرون يهدرون أثمن أوقاتهم أمامه، وتزلزلت العديد من الكيانات الأسرية بسببه، وانتُهكت حياة الناس الخاصة تحت مُسمّى أخبار النجوم، وانحطت الأخلاق، وشُوِّه المجتمع، وطبيعي أن تظهَر مثل هذه الأضرار في بيئةٍ بات الوصول فيها إلى المنكرات سهلًا ميسورًا، فكما تأمر النفسُ الأمارةُ الإنسانَ بالسوء دائمًا فإن الشيطان أيضًا يدعو إلى الأغراض النفسية والعبثية على الدوام.

فمن الصعوبة بمكانٍ على الإنسان الذي يستخدم التلفاز أو الإنترنت أن يتحكم في إرادته، وأن يعرف النقطة التي يتوقف عندها، وأن يستغلّ هذه الوسائل في الاتجاه النافع فقط، فيا ليتنا نُجمِعُ على “ميثاق شرفٍ” يصون المجتمع، ونَضَعُ بعضَ المعايير الخاصة باستخدام وسائل الإعلام، وتُفرَض عند اللزوم بعض القيود فيما يتعلق بهذه المسألة، أو تُغلَق السبل التي تتسبّبُ في سوقِ الناس إلى الموبقات وتشويهِ المجتمع وتآكلِ الأسر.. ويا ليته يُحظَر الدخول إلى المواقع أو القنوات التي تدفع الناس إلى الخطايا. أجل، ثمة حاجة ماسّة إلى فرض بعض القيود والضوابط حول هذا الأمر، لا سيما في هذا العصر الذي تيسر فيه الوصول إلى كل شيء، وبات الإنترنت فيه هو الشغل الشاغل للجميع صغيرهم وكبيرهم، كما أننا بحاجة مُلحّة أيضًا إلى أشخاصٍ يضعون حدًّا لهذا التخريب والإفساد، وكما أن مثل هذا التدبير يفوق استطاعتنا فأعتقد أنه قد يتجاوز حتى قدرة الدولة، فيا ليت هذه القضايا تُعالج على الصعيد الدولي، وتُقدَّم بعض التدابير حول هذا الأمر.

   وسائل الإعلام وتشتت الأذهان

من جانب آخر فإن تعقُّبَ الأحداث الراهنة، والوقوفَ على كل حادثة بتفاصيلها، ومعرفة خلفيّاتها؛ ليس مسعًى يضطر إليه الجميع؛ لأنه لا فائدة ألبتة تعود على حياة الإنسان الفردية والأسرية والمجتمعية والدينية من معظم هذه الأشياء.. وَدَعْكَ من الفائدة التي لا تعود؛ فإن هذه الوسائل تجرّ الناس إلى بحار الخطايا والذنوب، فمثلًا قد تعوّدهم على الثرثرة وإطلاق الشائعات، وتُلجئهم إلى ادعاء المعرفة؛ بمعنى أنهم يتكلمون أو يفترون أمام الناس حتى يظهروا بمظهر العلماء وذوي الخبرة الواسعة؛ أي إنهم يُبرزون أنفسهم، ويسوِّقونها عن طريق هذه الوسائل الإعلامية.

فضلًا عن ذلك فإن الناس عندما يستغرقون كثيرًا في الاطّلاع على الأحداث الجارية فإنهم يُهملون الأعمال التي من المفترض القيام بها، ويبتعدون عنها؛ ومن المسلَّم به أن لدى الناس قدرة استيعابية معينة، فلو أنكم شحنتم أذهانكم التي تتمتع بهذه القدرة الاستيعابية بالكثير من المعلومات الخانقة التي لا فائدة منها، وقصرتموها على هذه الحوادث الجارية فقط؛ فإنكم بذلك تضيِّقون على الذهن وتمنعونه من القيام بوظيفته في الساحات والأعمال النافعة التي لا بدّ منها، وتحرمونه من المعلومات المفيدة التي يجب معرفتها، وتهدرون هذه القوة الاستيعابية المحدودة في مثل هذه المسارات، ولا تجدون فرصة مواتية للقيام بالخدمات التي يجب القيام بها في الأصل.

ولأضرب لكم مثالًا من المجال الذي أعرفه: فمثلًا يتمتع الطلبةُ الذين يحفظون القرآن بقدرة محددة يستطيعون بفضلها حفظ قدر معين كل يوم، فلو أنكم حاولتم أن تجعلوا أحدَهم يحفظ مثلًا عشرين صفحة في حين أن قدرته على الحفظ لا تتجاوز خمس صفحات يوميًّا فسترهقونه وتُتْعِبونه وتجعلونه غير قادر على حفظ الخمس صفحات المعتادة التي يجب عليه حفظها.

ولذا يجب على الإنسان أن يكون على وعي بقدرته، وأن يستغلّها في مكانها الصحيح، وأن يبني تعامله مع وسائل الإعلام على ضوابط وأنظمة محددة، وأن يتجاهل بعض الأشياء وإن كان يُبصرها أو يدري بها؛ حتى لا يتشتت ذهنه؛ لأنه من الصعب على الأذهان التي جُرِحت وتأذَّتْ بشيءٍ من الأحداث الصادمة أو السلبية أن تكون مثمرة ومنتجة أو أن تقوم ببعض الأمور النافعة، ومن ثم يجب علينا ألا نلتفت أو ننشغلَ بما لا يمثِّل أهمية أو فائدة بالنسبة لنا.

فضلًا عن ذلك لا يقتصر الأمر على سريان المعلومات المتعلقة بالأحداث الراهنة إلى قشرة الدماغ وإشغالها لهذا المكان، بل تأخذكم وتتجول معكم في أودية مختلفة، وتُذهب نومكم، وتُشغل نهاركم، بل وتقلِب أحيانًا عالمَكم الحسّي والشعوري والقلبي رأسًا على عقب، فإذا اجتمعتم بأصدقائكم انشغلتم بتفسير وتحليل الظواهر التي ترونها أو تقرؤون عنها بدلًا من مدارسة الكتب النافعة، بل وتسرقون وقت الآخرين بحديثكم عن الأمور التي لا لزوم لها.

وكما أنَّ بِنيةَ الإنسانِ المادية تضمّ جهازًا مناعيًّا يشكِّل درعًا وستارًا للحماية من هجوم الجراثيم على الجسم فكذلك بنيتُه الروحية تضمّ جهازًا معنويًّا يوافق طبيعتها، ويحمي الإنسانَ من الضغط والتشوه والانهيار أمام الأحداث السلبية المؤذية الخانقة التي تفسد الأمزجة، ولكن لهذا أيضًا حدٌّ معين، فمهما حاول الشاغلون أنفسهم دومًا بالأخبار السلبية لوسائل الإعلام أن يستمرّوا واقفين في ثبات وشموخ فإنهم لن يستطيعوا ذلك، ولا يُتَصوَّرُ ثباتُهم وشموخهم دون الوقوع في اليأس وفساد الأمزجة، وأسوق مثالًا على ذلك؛ فلو أن الحرب قامت على قدميها، وأصبحت القذائف والقنابل تنفجر في كل مكانٍ حولكم، وأحيط بكم من كل ناحية وكنتم في وسط الميدان، فهل يمكنكم حينها أن تقولوا: “لن يصيبنا ضررٌ من هذا، علينا أن ننشغل بأعمالنا فقط”؟، أو أن تتبرؤوا من كل هذا قائلين: “قلْ كلٌّ يعمل على شاكلته، وهؤلاء بأكاذيبهم وافتراءاتهم وتشويهاتهم يعملون على شاكلتهم”؟ كلا، لا يمكن ذلك أبدًا؛ لأن جهاز مناعتكم الروحي سينهار بعد فترة، وتتدمّرون روحيًّا، ولا يُتصوَّر من روحٍ انهار أو عُطِبَ جهازُها المناعي أن تنجح في أعمالها، أو أن تقوم بخدماتٍ معتبرة، ولذلك علينا أن نراجع أنفسنا في كلِّ هذه الأمور مرة أخرى.

نعم، صحيح أن وسائل الإعلام أصبحت مهمة للغاية في عصرنا، وأنها تعنينا في كثير من النواحي، ونظرًا لأن الجميع لا يمكنهم القيام بالأعمال اللازمة بشأن وسائل الإعلام، فإن كثرة انشغال من ليس هذا عملهم بالأمر ومحاولتَهم معرفة كل الأخبار المتعلقة بوسائل الإعلام حتى أدق تفاصيلها سوف يُشتتهم ويوقعهم في الفُرقة، لذا فمن الضروري تطبيقُ مبدإ تقسيم الأعمال الذي تحدث عنه الأستاذ بديع الزمان، وتركُ الأعمال التي يتعين القيام بها في هذا المجال لخبراء المجال نفسه، وبالطبع فمَنْ يتعين عليهم بحسب موقعهم معرفةُ ما يحدث في البلاد وفي العالم على حد سواء، وتحديدُ بعض الإستراتيجيات وفقًا لذلك سيكونون على دراية بهذه الشؤون إلى حد ما عبر تلك الوسائل، ولكنه ليس صحيحًا بالنسبة للجميع أن يُصِرُّوا على متابعة وسائل الإعلام عن كثب وإضاعة ساعاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي وعلى شبكة الإنترنت.

   وسائل الإعلام وتضييع الوقت

ومما لا شك فيه أن تضييع الوقت أحدُ أعظم أضرار الانشغال بالقضايا اليومية وبوسائل الإعلام في عصرنا؛ لأنه مع زيادة عدد الصحف وأجهزة التلفزيون، وانتشار مواقع الإنترنت وتطوير وسائل التواصل الاجتماعي بدأت تُبَثُّ أشياء كثيرة تجذب الإنسان إليها، أما تتبع الأخبار والتعليقات والمقالات وما إلى ذلك فإنه يسلُب الناس جزءًا مهمًّا من وقتهم لدرجة أن البعض منهم -على سبيل المثال- يُهملون صلواتهم أو يؤدّونها بسرعةٍ كيفما اتفق، ولا يستطيعون تخصيص وقتٍ كافٍ للدعاء وللأوراد والأذكار، ولا يقومون بأعمالهم المكلفين بها كما يجب، وهكذا يغلقون -عن غير قصد- أبوابَهم ونوافذهم أمام الواردات التي تأتيهم من الله سبحانه وتعالى.

إن علاقة الإنسان بربّه يجب أن تكون قوية بقدر سعة مجال خدمته، ومثل هذا الشخص ينبغي له أن يُولي مزيدًا من الاهتمام لعباداته وأدعيته وغذائه الروحي، ربما حين يؤدّي شخصٌ عادي ما عليه من فروض ويتجنب كبائر الذنوب يكون قد أدى عبوديته لله تعالى، بيد أنّ مَنْ يحظون بمجموعة خاصة من نِعم الله تعالى مُلزَمون بالتوجّه إلى الله عز وجل بقدر تلك النعم، بمعنى أنه يجب على الجميع أن يؤدي عبوديته وفقًا للمكانة التي أنزله الله تعالى بها ولذلك يتحتّم على مَن اختصّه الله ورفعَه وأنعَمَ عليه بِنِعَمٍ خاصة -إذا ما أدّى الفروضَ فحسب- ألّا يعتقد أنه بذلك قد أدّى واجباته كأي شخص في القاعدة؛ إذ يجب أن يكون متعمقًا أكثر في حياته التعبدية بقدر المعارف التي يمتلكها والنعمِ التي حظي بها، ويمكنكم أن تُطلقوا على هذا “الالتزام الذاتي”.

 إلا أن الأحداث الراهنة قد زجَّت بالناس داخل أسوارها الخاصة لدرجة أن القضايا المهمة التي يلزم الانشغال بها أساسًا باتت تؤدّى من باب الطرح عن العاتق وكَفّ العَتَبِ، إننا نبخل في تخصيص زمن لله ربنا ندعوه فيه ونتضرّع ونتوجه ونبتهل ونتوسل إليه، ولكننا على الجانب الآخر ننفق وقتَنا بسخاءٍ حين نمسك الهاتف، أو نجلس أمام الحاسوب أو نلتقي مع الأصدقاء للحديث عن القضايا الراهنة، وتضيعُ ساعاتنا وتنقضي في اللَّهْوِ، ولسوء الحظ فإننا لا نرى مدى الإهدار الرهيب لوقتنا.

وعليه يجب علينا عندما نجتمع ألا نقتل وقتنا بالأحداث الراهنة، يلزم أن نتحدث دائمًا عن الحبيب سبحانه وتعالى، وأن نتدارس حوله باستمرار، بل وحتى حين نجتمع بنيّة التشاور ومناقشة بعض القضايا يلزمُنا أن نُكرِّس معظم أوقاتنا للحديث عن الله سبحانه وتعالى، والانشغال بمذاكرة عبوديّتنا، لدرجة ننسى معها موضوعاتنا الخدمية وأمورنا العادية، يجب علينا أن نحاسب أنفسنا بالمدارسات الدائمة، ونراجع صدقنا ونحاول التخلص من الغفلة.

وإلا فأيًّا كان الموضوع الذي اجتمعتم لمناقشته فإنكم لو ظللتم تتحدثون لساعات حول موضوعٍ ما، ثم نهضتم وتوليتم دون أن تفعلوا شيئًا في سبيل التوجه إلى الحق تعالى، وتجديد إيمانكم به مرة أخرى، والتعرف عليه بشكل أفضل؛ فإنه يستحيل أن تجدوا بركة لما تقومون به من أعمال، لا سيّما إذا ما تخلَّلَ مجلسكم شيءٌ من الغيبة والنميمة.. وحتى لو اعتقدتم أنكم توصلتم إلى نتائج مهمة من الناحية العقلية والمنطقية فإنني أقسم لكم أنكم لن تنالوا بركة أعمالكم بتاتًا ما لم يكن مدارُكم وهدفكم الحقيقي هو التقرّب الدائم إلى الله سبحانه وتعالى.

الخلاصة يجب ألا نضيّع اجتماعاتنا ولقاءاتنا، ليس فقط في مناقشة بعض القضايا الجديدة المتعلقة بالوضع الراهن، بل ولا حتى في التشاور حول المسائل المتعلقة بالخدمة، إن كنا نعتزم إنشاء مدرسةٍ، أو التخطيطَ لإنشاء صحيفة فعلينا أن نناقش ذلك بسرعة، وألا ننشغلَ إلا بالقضايا الرئيسة التي تحتاج إلى التعمّق حولها والتركيز عليها؛ لأن ديننا وعلاقتنا بالله ربنا مقدَّمةٌ على كل شيء، ويستحيل أن نستبدل العلاقة مع الله لا بالدنيا ومتاعها ولا حتى بالآخرة، وإننا في هذه الأمور كلها نحتاج لأن نراجع أنفسنا مرة أخرى، ونؤدبها ثانية.

   الأضرار الأخرى لوسائل الإعلام

ما من إنسانٍ اليوم إلا وينشغل بالإنترنت ووسائل الإعلام، بل إن أولئك الذين يضنّون بأنفسهم عن الاشتغال به كثيرًا؛ ينشغلون به أثناء تناولهم الطعام وشربهم الشاي على الأقل، ولا سيما أن هناك فئة وصلت إلى درجة “إدمان” وسائل الإعلام، ومن مظاهر التدمير الخطيرة للإنترنت الذي دخل حياتنا بهذا القدر أنه بدأ يأخذُ مكان ومكانة “الكتاب”، ويعمل كأداة معرفية، فعلى الرغم من أنه يسهل الوصول إلى المعلومات ويسرّع ذلك، إلا أنه تسبب في بعض السلبيات بالنسبة لعالمنا الفكري وأنشطتنا العقلية والذهنية، ويمكنكم تفصيل الحديث عن هذه الخسائر بدءًا من قطعه السبيل أمام المحاكمة العقلية والتفكير العميق وصولًا إلى مجموعة من الاضطرابات العقلية والخَرَفِ المبكر.

وأبسط مثال على ذلك أن الناس يعتقدون أنهم يستطيعون الوصول بسهولة إلى المعلومات، ومن ثمَّ لا يحفظون أي شيء في ذاكرتهم؛ فتُصاب الذاكرة بالتبلّد والكسل، ومن ثم فإن مَنْ يتعامل مباشرة مع هذا النوع من المعلومات يعتاد على الاسترخاء والراحة مع مرور الزمان، فيُصابُ بالكسل الذهني.

من ناحية أخرى، فوفقًا للنتائج التي توصل إليها الخبراء، فإن هذه الوسائل تسبب الإدمان للبشر وتضر بمجالاتها المغناطيسية، وبالإضافة إلى ذلك، فإن الإنسان حين يستخدم أجهزة الوسائل الإعلامية يبتعد باستمرار عن الطبيعة ويغوص في العوالم الافتراضية منفصلًا عن الحياة الحقيقية، بينما الله تعالى خلق الإنسان في الطبيعة، مُحاطًا بالأسباب، وعندما تُبعدونه عن الطبيعة والأسباب فإنكم تدفعونه إلى طريق يتعارض مع الفطرة، والحقيقةُ أن أساسَ العديدِ من المشاكلِ المادية والروحية والدمارِ الذي نعانيه هو ابتعادُنا عن الطبيعة.

ومن الأسباب المهمة لتعاملنا بهذا القدر من الحساسية في هذه القضية هو السلبية المقترنة بوسائل الإعلام اليوم؛ فحين تضع أمامَنا هذا العدد الكبير من البرامج المشتِّتة للأذهان، وتنثر أمامنا أحلك الأشياء وأبشعها وأكثرها تعقيدًا، ثم لا تقدم لنا معلومات تدلّنا على طريق النجاة، وتعلّمنا كيفية التخلص من هذه المحن يجب علينا أن نتحرّك بحيطةٍ وحذَرٍ في هذا الصدد، والمؤسف أن البعض في هذه الأيام يشوّه الأحداث دائمًا لتكوين رأي عام معين، ودائمًا ما يظهرون الحقائق للناس خلافًا للواقع، ويُخفون عنهم خلفية القضايا وملابساتها، وعليه نتعلم الأحداث التي تقع بشكل مختلف عن ماهيتها الحقيقية دائمًا فنضطرب، ولو كانت هناك منظمات إعلامية تحافظ على ضوابط النشر وأخلاقيات الصحافة، تَبُثُّ وتنشر دون تضليل، ولا تشتيت ولا إفساد؛ لانْحسرَ الضررُ الذي تُسبِّبه وسائل الإعلام إلى أقلّ الدرجات.

من المؤسف أن وسائل الإعلام اليوم تتجاهل المعايير الأخلاقية، ولا تلتزم بالأخلاقيات الإعلامية، وقد تحولت إلى أداة دعائية أكثر من كونها وسيلة إعلام توعويّة للشعب، وهي تتلاعب بكرامة الناس وشرفهم من أجل المصالح السياسية، وتعلّق كل شيء على الأسباب المادية، لذلك فإن كثرة الانشغال بوسائل الإعلام تبدأ بعد مدة في التأثير علينا سلبيًّا؛ فنخسر الأرضية التي نقف عليها، ونتحرك وفق أرضية الآخرين ورؤيتهم وتقييمهم للأحداث، ونبدأ -دون أن ندرك- في التصرف وفقًا لضروريات هذه الأرضية الزلقة التي كوّنها أهل الدنيا وفقًا لمصالحهم الخاصة، وإذا ما أردنا حلًّا لمشكلاتنا فقد ننحرف -دون قصد منّا- إلى مجموعة من الطرق الخاطئة التي يستخدمونها لأنفسهم، ونتوهم أنه لا يمكننا الوصول إلى النتائج إلا من خلال هذه الطرق، لذلك من الضروري مراعاة هذه الجوانب من القضية فيما يخص الانشغال بوسائل الإعلام، وكذلك التصرّف بحذر ودقّة حتى لا يحدث تعوُّدٌ على الأخطاء الحالية وبالتالي تبنِّيها.

الجَرَّة المشروخة: ملاحظات حول القواعد الأخلاقية لوسائل الإعلام – 2

Herkul | | العربية

   توجيه وسائل الإعلام للرأي العام

أصبحت وسائل الإعلام في يومنا أداةً قويّة ومؤثرة إلى حد كبير في توجيه الناس، وإن المستوى العام للشعب له دورٌ مهمٌّ في هذا الأمر؛ وبما أنّ المجتمع بصورته العامّة ليس بمستوى يمكنه من قراءة الحوادث الجارية قراءة صحيحة، وإخضاعِها للتحليل باستخدام لغة العلوم الاجتماعية، والنفاذِ إلى العلوم التكوينية، واستنباطِ المعاني المهمة فهو سهل التوجيه والقياد، وخاصة إذا ما تمت الاستفادة من “سيكولوجية الجماهير”، واستُغلت مشاعر الناس استغلالًا سيّئًا يُصبح من السهل تحويلهم إلى “قطيع” وتوجيههم والتحكم فيهم.. وإلى جانب ذلك فإن كانت الخُطب والأحاديث تُلقى وتُدارُ عطفًا على القيم التي تُعَدُّ مقدّسة كالوطن والأمة والعلم والدين، ويتم الحديث عن حمايتها فسوف تأخذ المشاعر والأساطير الحماسية مكانَ العقل والفكر، ولذلك فإنه حين يُقال لمثل هذه الجماهير “إن الوطن يضيع، فماذا تنتظرون!” يكون من السهل للغاية توجيههم إلى الهدف المراد.

إذا وُضعت كل هذه الأمور في عين الاعتبار اتضح أكثر كيف تصبح وسائل الإعلام عنصرًا مرعبًا وهدّامًا ومخرِّبًا بحسب الموقف، كما أن الأحداث الجارية في تركيا أكبر مثال على هذا؛ فالقوى المسيطرة على وسائل الإعلام تشوِّه من تريد بأكاذيب وافتراءات وتقدمكم في صورة أعداء.. إنكم ستظلون في الأذهان ملطّخين بــ”الوحل” حتى تقوموا بمحْوِ بقعِ الوحل المقذوف عليكم، وإلى أن تصحّحوا المسألة تكون الأمة قد تقدّمت مسافة طويلة في الطريق الخطإ، ولست أدري أيصحّ أن يُسمّى ذلك تقدّمًا أم يجب أن يُسمّى تردّيًّا! لكنه حين يُلوَى عنق الحقائق وتُقدَّم مغلوطة، ويظهرُ الصواب خطأً، والخطأُ صوابًا بصورة دائمة؛ فمن المؤكد أن الشعب يُضلل.

ومن هذه الناحية هناك حاجة ماسة إلى الأشخاص المخلصين المحبين لوطنهم وأمتهم ودينهم الذين يُدلون بدلوهم في هذا المجال، ويمثلون القول الصادق والفكر الصحيح والخطاب السليم في خضم الأقوال والأفكار المنحرفة والمعوجة.. ذلك أن مثل هذه الملاحظات السليمة التي تذاع عبر وسائل نشر مختلفة مثل الصحف والمجلات والقنوات التليفزيونية تدفع الناس للتأمل والتفكر، وتُعينهم على رؤية الحقائق والصواب، فإلى جانب وسائل إعلامية تتلاعب بجملة من قبيل “سرقوا معزةَ الإمامِ” فتجعل الفاعل فيها على نحو “الإمامُ سرق المعزةَ”، وتحرف الأمر تمامًا، هناك حاجة ملحة للغاية إلى وجود أصوات وأنفاس تكشف حقيقة الأمر.

علاوة على ذلك؛ فإن وجود وسائل إعلامية تمثّل الأخلاق والحق سوف يدفع المؤسسات الإعلامية الأخرى إلى أن تكون أكثر دقّة وتحفظًا، فلن تستطيع أن تبث بسهولة خبرًا تعلم أنه كذب وتحريف، لأنها ستخاف من أن ينفضح كذبها.

لهذا السبب يجب أن نصرف طاقتنا في الكشف عن حقائق الأمور وأن نهتمّ بأنفسنا بدلًا من السعي إلى تصحيح أخطاء وسائل الإعلام، وعلينا إيجادُ قنوات وسبل مختلفة والسعيُ إلى إيصال الحق والحقيقة إلى الناس، وأن نسعى أيضًا ليكون لنا صوتٌ ونَفَسٌ في فضاءات الواقع الافتراضي الذي يتحرك فيه الجميع ويستخدمونه بكل سهولة، يجب ألا يجد مستخدمو الإنترنت الأكاذيب والافتراءات فحسب عندما يستخدمونه، بل لا بد أن يجدوا إلى جانب هذا الحقيقةَ ويتمكنوا من رؤيتها ورؤيةِ حرف الأنظارِ المستخدمة ضدّهم.. وأيًّا كان ما يُطالعونه، وحيثما توجهوا ينبغي أن يعثروا على أشياء تصحّح أفكارَهم، وتفتح عيونَهم على الحقيقة.

   إزالة القناعات الخاطئة

أعتقد أنه منذ “عهد التنظيمات”[1] وحتى اليوم توجد في تركيا فئةٌ ومجموعة من القوى نصَّبَت نفسَها وصيَّةً على الدولة، فأصبحت وكأنها تقوم بعمل الدولة، وقد أخذت تمارسُ القمع والضغط على المتدينين، وتهاجمهم دائمًا بتلفيق مجموعة من الحجج الواهية، وتتصرّف بقسوة وراديكالية في الاستجابة لأكثر حقوقهم وطلباتهم براءةً وسلامةً، ولم تُهملْ الأخلاق والمبادئ الدينية فقط، بل حتى قواعد الديمقراطية وحقوق الإنسان.. لقد حوَّلت أبسط المسائل إلى وسيلة للشجار والعراك، وبالتالي شعر المتدينون أنهم تحت ضغط دائم، وانعكس هذا إلى أفكارهم وسلوكياتهم وتصرفاتهم وعاشوا حياتهم في ريبة وشكٍّ، وحدثوا أنفسهم باستمرار “تُرى ماذا لو عبرنا عن أنفسنا؟ لو عبرنا عن فكرتنا هذه؟!”، ولذلك ظهر في المجتمع أناس يستغرب بعضهم بعضًا، ولا يفهم بعضهم لغة بعض، وانقسم المجتمع إلى معسكرات غير طبيعية تختلف عن بعضها في مصطلحاتها، ونمط الكلام والأسلوب ومنظومة القيم.

وعلى هذا فإنه يُنظر إلى من وضع الأفكار والآراء وأصدرها بالدرجة الأولى، وليس إلى الأفكار نفسها، فحتى وإن وضعتم مشروعًا جميلًا لصالح البلاد، وطرحتم أفكارًا قيمة للغاية فإنه يستحيل لهؤلاء أن يروا جمالها ونفعها الخاص؛ بل إنهم يحكمون عليها وفقًا للقناعة والرأي السائد بشأن واضعيها.. إن صنَّفَكم البعض على نحوٍ ما، وظلوا ينظرون إليكم من هذه الزاوية فهذا يعني أنهم يُقيّمون حركاتكم كلها وفقًا لذلك التصنيف، لدرجة أنكم حتى وإن وضعتم سُلَّمًا إلى الجنة ورفعتموهم عليه بأنفسكم فسيعتقدون أن هناك ريبة أو خفاءً ما ولا يتخلّصون من أسر أوهامهم.

ثمة حقيقة لا بد من وضعها في عين الاعتبار، ألا وهي أن هناك أفكارًا خاطئة تم تكوينها بحقكم عند بعض الناس، لدرجة أن أبواب حسن الظن جميعها قد أغُلقت تمامًا.. ولذا فإنكم لن تحظوا بالقبول عندهم قطعيًّا ولن يرضوا عنكم حتى تتّبعوهم، ولكنه وبرغم كل هذا فليس أمامنا طريق آخر سوى العثور على قنوات وسُبلٍ مختلفة نعبّر من خلالها عن أنفسنا، فمن الضروري السعي إلى تعريف أنفسنا بوضوح وشفافية إلى هؤلاء عبر التفكير في الأمر بعدة طرق، وإيجاد وسائل جديدة للغاية، والتواجد بشكل أو بآخر في المنتديات المقروءة والمسموعة والمرئية لهم.

علينا ألّا نيأس أو نملّ في هذا الشأن.. إننا إن نفعل ما يقع على عاتقنا دون أن نخطئ في المبدإ والأسلوب فسنرى -ولو بعد حين- أن الناس تعرفوا علينا بشكل صحيح وأن قناعاتهم بشأننا قد تغيرت.. فقد حدث حتى اليوم أن جاء إلينا العديد من الأشخاص فاعتذروا إلينا قائلين “كنا أخطأنا في معرفتكم، ما كنا نعلم شيئًا عنكم على الإطلاق”، ولكنه يجب ألا يُنسى أنه كانت لديهم مكتسبات وتصوّرات قديمة بحقّنا، وأن ردّهم إياها دفعة واحدة وإقرارهم بأنهم أخطؤوا كان صعبًا للغاية، وأنه لا يمكن التعبير عن أنفسنا بالحديث إلى الناس مرة أو اثنتين، بل يجب التواصل معهم باستمرار وصبر وعزيمة.

لأنه -وبالرغم من كل شيء- لا بد ألا يُنسى أن الله عز وجل خلق الإنسان كريمًا ووضع في طبيعته شعور الإنصاف، وكما أن الإنصافَ نصفُ الدين فهو حقيقةُ ماهية الإنسان أيضًا، ولذا فإن المجالَ والاحتمالَ مفتوحٌ لعودتهم إلى الإنصاف يومًا ما والتخلّص من قناعاتهم الخاطئة، لكنني لست مقتنعًا أنه تم استخدام جميع القنوات والسُّبل اللازمة استخدامًا صحيحًا.

   الرفق والوداعة

إن ما يُشكل مشاعرنا وأفكارَنا هو الثقافة التي نشأنا فيها، ولأننا وجدنا أنفسنا في بيئة مجتمعية يتشاجرُ أفرادُها ويتصارعون بعضُهم مع بعض؛ فإننا ندخل في طريقهم ونتصرف مثلهم، ثمة أناس يقولون عنّا كذا، ونحن أيضًا نقول شيئًا آخر ضدّهم، إن كانوا يسبوننا ويقدحون فينا نبدأ نحن كذلك نفعل مثلهم، ولكن استمرار الاحتكاكات المتبادلة ومظاهر التوتر والوخز والطعن والتعريض يعني أننا نُبعِد الناس عن أنفسنا.

أجل، يجب التصريح بالحقائق والتمسّك بها ورفعها وعدم التنازل عنها، ولا يحقّ لنا التفريط في الحقّ والحقيقة لصالحِ أيّ شيءٍ كان.. ولكن نجاحنا في جعل الناس يقبلون الحقّ مهمٌّ بقدرِ أهمية تقدير الحق وتقديسه، وعلينا أن ننتبه إلى المنهج الذي سيُتّبع والأسلوب الذي سيُسْتَخدم، وألّا نهملَ العقل والمنطق، ولا الصمود والإخلاص التامّ في هذا الشأن.. وعلينا أن نضع أحاسيسَ المخاطبين في الاعتبار، وأن نحسبَ الآثار المترتبة على الأقوال والكتابات.

ولا يمكن الارتقاء ولا التقدّم عبر سلوكيّات وتصرّفات من قبيل استخدام عناصر وسائل الإعلام لمجرّد التنفيس عن الذات والتفريج عنها، ومحاولة الانتقام بهذا الطريق من أولئك الذين يؤذون أرواحنا، والهرولة رغبة في تحقيق ذلك، وإذا ما وخزنا أحدهم بإبرة وخزناه بِمِسَلَّةٍ، ومحاولة رمي الآخرين بأحجار أكثر عددًا مما رمونا بها.. أما إذا ما تعلَّق الأمر بحماية البلاد، وصدّ العدوان عبر الاشتباك المباشر فإن الصمود والثبات هو التصرف الجدير بالتقدير، وخلافُ ذلك يعني ضعفًا ووهنًا، لكننا الآن وبعد أن طُوِيَت صفحة الحروب المادية المباشرة ودخل السيفُ في غمدهِ فعلينا إذا ما تحدّثنا عن قيمنا أن نلجأ إلى الإنسانية والإنصاف، لا سيما في يومنا هذا.. يجب معالجة القضايا عبر إخضاعها لآلية الضمير.. وعلى المرء أن يكبح جماح نفسه، وألا ينشغل بالرد على الآخرين، وعليه أن يبتعد عن الحركات العاطفية والاندفاعية.

ومهما يفعل الآخرون، فإننا لا نرد على الهجوم بمثله، وعلى الانفعال بنظيره، وعلى الحدة بشبيهها، لنقف صامدين، ولكن لا نعاند، علينا أن نكون لطيفين بما يكفي لجعل من يُهاجموننا يتخلّون عما قالوا، ويندمون على ما فعلوا، بل وحتى يشعرون بالخزي والعار، ولنفكر ونتأمل قبل التحدّث والكتابة والتحرك، ولنُعمل أذهاننا في أية فكرة وأية ملاحظة عشر مرات، والأكثر من ذلك أنه ينبغي لنا أن نتشاور مع الآخرين ونلجأ إلى الوعي الجمعي، فإذا انتبهنا إلى كل هذه الأشياء، وتعرضنا إلى ردة فعل سلبية برغم كل هذا، فعلينا أن نقول “ماذا عسانا أن نفعل! يبدو أن هذا هو قدرنا”.

   تحديد جدول الأعمال

للأسف غالبًا ما نركض إثر جداول الأعمال التي وضعها الآخرون، ونظلّ في وضع دفاعي دائمًا، إننا نستنفد طاقتَنا في الردّ على البعض، يجب علينا أن نتخلّص من هذا الوضع ونكون في موقع صنّاع جدول الأعمال وألا نكون في موقع متابعي جدول أعمال الآخرين، ولكن تجدر الإشارة إلى أن عمليّة تحديد جدول الأعمال ليست شيئًا سهلًا وبسيطًا؛ إذ قبل أن نطبّقَ جدولَ أعمالٍ ما يجب حساب الإيجابيات والسلبيات التي قد تنتج عنه حسابًا جيّدًا، يجب أن توضع في عين الاعتبار التعليقاتُ التي ستعلن بشأن المسألة المطروحة، والأقوال والانتقادات التي ستقدم، كما يجب في الوقت نفسه تحديد كيفية الرد على كل هؤلاء.

أحيانًا قد تطرحون جدول أعمال معين وتجمعون آراء الناس حوله، إلّا أنكم قد تعانون منه لاحقًا وتنسحقون بسببه نظرًا لضعف حججكم التي تدافع عنه، وعدم جاهزية الإجابات البديلة المتوقع تقديمها، وبعبارة أخرى: إنكم بينما تنوون الهجوم تقعون في وضع المنهزم الذي خانته أنظمته الدفاعية، وعليكم في أثناء عملية تحديد جدول الأعمال ألا تعطوا من يعتبرون أنفسهم الطرف الآخر فرصةً كي يهاجموكم ويعتدوا عليكم.

ويجب خلال وضع جدول الأعمال طرح مواضيع توافقَ عليها أغلبُ الشعب، واتفقوا على كونها في مصالح البلاد، كما تجبُ دراستُها وبحثُها جيّدًا قبل طرحها، وعلى الضمير الجماعي أن يتبناها ويساندها، ولأجل هذا أيضًا يجب معرفة المجتمع معرفة جيدة، ووضع المشاعر والرأي العام في الحسبان، وينبغي خلال وضع جداول الأعمال أن نتجنب القضايا التي تثير الشكوك في الأذهان، وتؤدّي إلى إساءة الفهم، وتثير التوتر داخل المجتمع.. وكما أن لتقديم الطعام طريقة وأسلوبًا معيّنًا فلا بد من اتباع مبدإٍ معينٍ أيضًا في تقديم الغايات السامية والقيم النبيلة إلى الناس.

***

[1]  يطلق مصطلح “التنظيمات” على مجموعة الإصلاحات التي أدخلها السلطان عبد المجيد في عام (1839م). وقد انتهى عهد التنظيمات بإغلاق مجلس النواب عام (1878م).

الجَرَّة المشروخة: ملاحظات حول القواعد الأخلاقية لوسائل الإعلام

Herkul | | العربية

   سؤال: يُلاحظ أن وسائل الإعلام في وقتنا الحاضر قد تسبّبت في وجود العديد من السلبيات نتيجةَ إخلالها بالقواعد الأخلاقية، فإذا كان هذا هو الوضع القائم فما الواجبات التي تقع على عاتق وسائل الإعلام برأيكم؟

   الجواب: عند النظر إلى أحوال الناس وسلوكياتهم اليوم فإننا نلاحظ فسادًا كبيرًا وعِلَلًا وأسقامًا كثيرةً تنخر في صحة المجتمع، وتُشير إلى هذا تلك الزيادةُ الخطيرة في تناول العقاقير المضادة للاكتئاب في السنوات الأخيرة، حتى إنها بلغت عشرة بالمائة؛ وهذا يعني أن العديد من الناس يعيشون تحت ضغط واكتئاب كبيرين، بل إن هناك الكثير من الناس الذين تبدو صحتهم على ما يرام ولا توجد أدنى احتمالية لإصابتهم بأي مرض نفسي عند النظر إليهم في الظاهر، إلا أنهم يتناولون مثل هذه العقاقير، ولولاها لما استطاعوا أن يكونوا متّزنين، ولأضرّوا بأنفسهم والآخرين.

ولو جئنا بأناس عاشوا في عهودٍ مختلفة وشاهدوا حال الناس في عصرنا لحكموا بتدهور الحالة النفسية لدى أغلبية المجتمع، فللأسف سيطرت على مجتمعنا اليوم كثيرٌ من الأمراض النفسية مثل جنون العظمة، وجنون الشك، والانفصام العقلي، لكن نظرًا لأن أغلبية الناس تعاني من الداء نفسه فقد صاروا لا يميزون مرض بعضهم البعض، فكما يَعتبر المجانين أنفسَهم عقلاء وأن غيرَهم هم المجانين؛ فإن الناس في عصرنا الحاضر قد أصبحوا لا يعون أمراض بعضهم بعضًا.

وغالبًا ما يكمن سبب هذه المأساة في كثير من العوامل التي تُتلِف أعصاب الإنسان وتسوقه إلى الجنون، فالناس يقومون ويقعدون في توتّرٍ على الدوام؛ ويبدأ التوتر معهم من داخل البيت، ويستقبل الطفلُ الحياةَ في توتر، ويخلد الناس للنوم في توتر، ويصبحون على توتر، ولا ريب أن هذا كله يؤثّر في حياتهم الأسرية والوظيفية وعلاقاتهم الإنسانية، فتراهم يغضبون لأتفه الأسباب، ويشغلون بالهم بأهون الأمور، ويكسرون خاطر من حولهم لأسباب بسيطة، وبما أنهم منزعجون فإنهم يُزعجون ويُضايقون المحيطين بهم، وتنتابهم حالات روحية تدفعهم إلى التخريب والتدمير.

والواقع أن البيئة لو عجّت بالسلبيات التي تشوِّه الأذهان وتكدّر المجتمع فمن المتعذر أن نجد فيها تصرفات متوازنة وأطوارًا لينة وأفكارًا سليمة بعدما أثارت السلبياتُ الناسَ ووجهتهم إلى نَواحٍ سلبية، ولا مشاحة في أن وسائل الإعلام تعدّ من أهم العوامل التي تفضي إلى مثل هذه السلبيات؛ فإن تقديمَ الأخبار التي توتِّر الأجواء، ونشرَ الأكاذيب التي توقِع بين الناس، والتجسسَ على عورات الناس أو الجماعات غير المرغوب فيها، والمبالغةَ في تصدير الحقائق من أجل زيادة نسبة المشاهدة، وغيرَ ذلك من الأخطاء؛ تتسبب -مع الأسف- في كثيرٍ من السلبيات وحدوثِ تصدّعات خطيرة في بنية المجتمع.

   ميثاق الشرف الاجتماعي

فيا ليت المؤسسات الصحفية والإعلامية والمؤسسات التابعة للدولة تجتمع فيما بينها وتوقّع على ميثاق شرف، وتتفق على مبادئ معينة وتُبِرم فيما بينها -بتعبير جان جاك روسو- “عقدًا اجتماعيًّا” ينصّ على عدم توتير الأجواء، والالتزام بالقواعد الأخلاقية، وتقديم التقارير الصحيحة والدقيقة، وعدم التلاعب بكرامة الناس وشرفهم! ليت هذه المؤسسات الصحفية والإعلامية تتعهد بتجنّب التصرفات غير المسؤولة والمتهورة، ومراعاة حساسية الشعب! ليتها تراعي وتحسب منذ البداية النتائج التي تتمخض عن وصول أخبارها إلى الرأي العام! ليتها تبثّ أخبارًا تقوّي أواصر الوفاق والاتفاق بدلًا من إلهاب فتيل العداء والمشاحنات! ليتها تتجنب تقديم الأخبار والبرامج التي ترفع الضغط وتوتّر الناس!

فمن الأهمية بمكان أن يتمّ تفعيل وتطبيق المواد التي ينصّ عليها قانون الصحافة بدقة بالغة، وأن تُفرَض عقوباتٌ رادعة على الذين يخلّون بهذه القوانين! ولكن الأهم هو تبنّي تلك المواد ومراعاتها؛ ولهذا فمن الأهمية بمكان أيضًا إقناع العاملين بمؤسّسات الإعلام بأهمية هذه الموضوعات، وتوحيد آرائهم وأفكارهم حول القواعد الأخلاقية، وإبرامهم “ميثاقَ شرفِ” يتفق عليه الجميع.

ولكن رغم أننا قطعنا أشواطًا كبيرة في العملية الديمقراطية في السنوات السابقة، وتقدمنا خطوات كبيرة في ترسيخ القيم الديمقراطية فمن الصعب أن نقول إن المجتمع الآن مهيّأٌ تمامًا للقيام بمسؤوليات هذا الميثاق، حيث إن الشعورَ العام في المجتمع والبنية الاجتماعية -مع الأسف- غير مهيَّئين لتحقيق التطورات المطلوبة في هذا الأمر؛ إذ إننا لسنا على المستوى المطلوب من حيث انفتاح الفكر وسعة الوجدان.

ومع هذا فإن عدمَ مراعاة بعض وسائل الإعلام لهذا الأمر وتهورهم فيه لا ينبغي أن يدفعنا إلى أن نتشبه بهم، وعدمَ الوصول إلى اتفاق جماعي في هذا الموضوع لا يستلزم تركَه كُلّيةً، فإن إتيان الآخرين للمنكر لا يبيح أو يجيز لنا هذا المنكر، بل لو كان 99.9% من الناس يرتكبون المنكرات فإن هذا لا يجيز للباقين مجاراتهم، لأن الله تعالى سيحاسب الجميع فردًا فردًا في الآخرة، وحينها لا تزر وازرة وزر أخرى، ولا يُعفى عمّن قلد ذنوب الآخرين واقتدى بها؛ لأنه إن كان لا بد من الاتباع والتقليد فليقلَّدْ الآخرون في صوابهم فقط وليس في أخطائهم.

   أسلوب الخطاب

ومن ثمّ فعلى كل من يسعى لإقامة حياته على القيم الدينيّة والأخلاقية أن يراعي الدقة في مسألة القواعد الأخلاقية لوسائل الإعلام، وأن يكون قدوةً للآخرين في هذا الأمر؛ فمثلًا يجب على العاملين في البرامج التلفزيونية أن يستخدموا لغةً محترمة عند خطابِ بعضهم بعضًا، كأن يقولوا “السيد المراسل فلان” أو “السيدة المراسلة فلانة”، وبذلك ينتعش حسّ الاحترام بين أفراد المجتمع.

والواقع أن هذه المعاملة الطيبة كانت سجية عامة في مجتمعنا، ففي البيئة التي نشأتُ فيها لم يكن هناك أحد يخاطب غيره باسمه مجردًا، بل لا بد أن يضيف إليه “السيد فلان”، “أخي فلان”، “أختي فلانة”، فلا يذكر أحدٌ غيرَه إلا بمثل هذا الاحترام، أما إذا تخلى أحدٌ عن هذه المعاملة المحترمة ونادى غيره باسمه مجرّدًا فإن هذا يعتبر من قبيل الغلظة والفظاظة، وكأنهم كانوا يعتبرون هذا الخطابَ الفظّ عادةً جاهليّةً لأناسٍ لم يخرجوا من البادية بَعدُ.

فلو راعينا اليوم مثل هذه المعاملة المحترمة عند كتابة المقالات الصحفية أو عند تقديم البرامج التلفزيونية وخاطبنا بعضنا البعض بـ”السيد فلان”، “السيد الأستاذ”، “صاحب المقام”، بل لو عبَّرنا عن انتقاداتنا بنوعٍ من الاحترام كأن نقول مثلًا: “لقد تفضّلتم بكذا، ولكن ثمة وجه آخر للمسألة وهو كذا… “، وأصررنا على هذا التعامل المحترم؛ فإنني أعتقد بأن هذا السلوك سيلقى قبولًا حسنًا وتقديرًا كبيرًا لدى الآخرين؛ لأن القدرةَ على السريان لدى الأجسام المظلمةِ الكثيفةِ محدودةٌ، أما الأجسامُ الجميلةُ النورانيّةُ فإنها تسري بسرعة هائلة.

أجل، لا بدّ أن ننتقل بالأمر إلى موضوعات أهم وأعظم، وأن نسعى إلى إحياء قيمنا الضائعة مرة أخرى، وأن نحسّن ونعدِّل الأسلوب واللغة غير المنضبطة، وأن نكون ممثّلين للخير والجمال في جميع أنشطتنا، وأن نراعي لأقصى درجة حسن استخدام اللغة التي تُعدّ وسيلة تبادل بين الحضارات والثقافات، وأن نتجنّب الكلمات الزائفة، وأن نستخدم -بقدر المستطاع- الكلمات التي تعبر عن ثقافتنا الذاتية وجذورنا الروحية.

    الصدق والأخلاق

ولا جرم أن الصدق من أهم الأمور التي يجب مراعاتها عند تقديم الأخبار في وسائل الإعلام وكتابة المقالات وإعداد البرامج التلفزيونية، ولا يجوز لمؤمنٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يكذب عن قصد ويفتري على الأبرياء أو أن يشوِّه سمعتهم بالكذب والافتراءات، دع عن الكذب والافتراء، بل وحتى لا يجوز لمؤمن يمثّل الصدق أن يبالغ في الأخبار التي يقدِّمها، أو يذيع أخبارًا غير متأكد من صحتها، بل لا يجوز له أن يقدّم لوسائل الإعلام حقائقَ يُعتقَد أنها ستضرّ أفراد المجتمع.

وللأسف الشديد فإن بعض الناس رغم إيمانهم بالله لا يستطيعون الحفاظ على التوازن أحيانًا، ولكن يلزم ألا ننسى أن الحقيقة إن لم يُعبَّر عنها كاملةً عند الإخبار عن أي حادثة وذُكرَت أمورٌ تخالف الواقع فستضيع المصداقية بعد ذلك عند ظهور خلاف الأمور المدَّعاة، وسترتد هذه الأمور المشوبة بالإفراط والتفريط على أصحابها.

من أجل ذلك يلزم ألا نبتّ في الأمر إن لم تتضح لنا مقدماته وخلفياته، وألا نشرع فيه دون تروٍّ وفهمٍ عميقٍ للمسألة، وأن نتجنّب الأخبار المبالَغ فيها، وأن نكون معتدلين في تفسيراتنا وتأويلاتنا، وبذلك لا نخدع الناس، ولا نضيِّع مصداقيّتَنا وثقةَ الناسِ بنا، فضلًا عن أننا في الوقت ذاته سنخلِّف أدوات صحيحة للمحللين والمؤرخين الذين يأتون من بعدنا.

قد لا يراعي الآخرون شيئًا من هذا، ويتلاعبون بشرف الناس وكرامتهم، ويشوِّهون سمعة الكثيرين بقولهم “أطلق الشائعةَ فإن لم تصب هدفها فسيبقى أثرُها”، وقد لا يكون بوسعنا مواجهة هذا الأمر، ولكن وإن لم يكن لنا تأثيرٌ أو نفوذٌ على الآخرين فلا يصح أن نكون مثلهم ولا ينبغي لنا هذا، فما يقع على عاتقنا هو أن نبلّغ الصدق دائمًا، وأن نطرح كلَّ شيءٍ بصدق، وأن نتكلم بصدقٍ، ولا نتخلى أبدًا عن الصدق.

من جانب آخر ثمة مسائل مرتبطة بحياة الناس الشخصية، إن الله تعالى لم يكلّف أحدًا بالتجسس على الناس والبحث عن عيوبهم، والتجسُّسُ يعني تفقُّدَ أحوال الناس وتتبُّعَ عوراتهم، وهو أمر حرّمه الإسلام، فما يجبُ علينا عند الاطلاع على بعض آثام الناس هو سترها وليس إفشاؤها طالما أنها لا تضرّ بالحقوق العامة.

فمثلًا لا يقع على عاتق أحدٍ شهِد جُرمًا شخصيًّا أن يبلّغ القائمين على الأمر به، وكما أن هذا الأمر ليس من وظيفته فكذلك لا مسؤولية عليه إن لم يبلّغ، بالعكس يعتبر سترُه فضيلة.

وكلنا يتذكر هذه المرأة التي جاءت إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم معترفةً له بالزنا، فلم يتوقف النبي صلى الله عليه وسلم عند الواقعة، ولم يصرّ على معرفة تفاصيلها، ولم يصغِ كثيرًا إليها، بل إن وجهَه صلى الله عليه وسلم قد احمرّ حتى كاد يقطر دمًا، ثم حوّل وجهه إلى الميمنة، وسكت كأنه لم يسمع شيئًا، فقد حاول الرسول صلى الله عليه وسلم أن ترجع المرأة عن كلامها، ومنحها الفرصة تلو الأخرى خلال سنوات طويلة كي تستغفرَ وتتوبَ ولا تعود لطلَبِ الحدّ.

لكن مع الأسف اصطبغ هذا الأمر في أيامنا بشيء من الصفاقة والوقاحة؛ حيث بات الناس يتصيدون لغيرهم الذنوب والعيوب بدلًا من إخفائها وسترها، ويتجسّسون على حياتهم الشخصية، ويتسابقون في الكشف عن عيوبهم، وكثيرًا ما يتلاعبون بشرف الناس وكرامتهم وأعراضهم، وكل ذلك من أجل جذب الأنظار وزيادة أعداد القراء والمشاهدين فحسب، الأمر الذي نتج عنه أن ساءت حياة الكثيرين منهم، وهذا أمر لا يتوافق مع الدين ولا مع الإنسانية، سامحوني.. إنها وقاحةٌ صريحةٌ.

إن تقديمَ المتهمين الذين انتهكوا حقوق الآخرين وأفسدوا النظام العام ومعاقبتَهم شيءٌ، وفضحَهم أمام الملإ والتعامل بتهوّر دون مراعاة لكرامة الناس وشرفهم شيءٌ آخر، فإن الجرم لو وقع تتدخل النيابة العامة في الأمر، وتحيل المتهمَ إلى المحكمة، فإن ثبتَت الأدلةُ ضدّ هذا المتهم ينالُ عقابه، لكن مثل هذا التحقيق والتنقيب ليس من مهمة وسائل الإعلام.

ولو نظرنا إلى المسألة من حيث التربية الإسلامية، والمفاهيم الإنسانية، وقواعد الأخلاق العالمية للاحظنا أن المحكمة حتى وإن أدانت المتهم بأن حكمت عليه بأنه لصُّ أو ناقصُ مروءة أو شريرٌ فليسَ من حقِّ وسائل الإعلام نشرُ هذا الخبر، فلا أحدَ يحوز فضلًا أو يكسب ثوابًا من الله لمجرد أنه أخبر الرأيَ العامَ عن مثل هذه الوقائع، بل الثواب في سترها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى في أحاديثه الشريفة بستر الذنوب والعيوب، وبشَّرَ الذين يسترون عيوبَ الناس في الدنيا بستر عيوبهم في الآخرة[1]، فهذا هو ما تقتضيه الأخلاق والتربية الإسلامية.

ولذلك فكما أن قصد المسلم لمالِ غيره أو روحه أو عرضه يُعدُّ جرمًا عظيمًا فكذلك نشر مثل هذا الجرم باللسان أو القلم يعد جرمًا ووقاحةً أخرى، فمن الناس مَن ينزلق أحيانًا بسبب اتباعه لنفسه وشيطانه، ثم تأتي وسائلُ الإعلام وتُفشي سرّه وتكشف خبايا أمره، وعندها يظل هذا الشخص طوال عمره منكّس الرأس من الخزي والعار الذي لحق به، بل قد لا يقتصر هذا الخزي على الشخص وحده، ويتعدّى إلى أسرته أو عشيرته أو جماعته؛ فلا حقّ لأحدٍ أن يكون سببًا في خزي الناس وتحقيرهم، فمثل هذه الوقاحة لا علاقة لها بحقِّ استقصاءِ الأخبار أو إذاعتِها، فليس هناك دِين إلهي أو نظامٌ بشري سليم يسمح بذلك الحق ألبتة. أجل، الذنبُ ذنبٌ، ولكن سحقَ الناسِ بسبب هذا الذنب وتعريضَهم للخزي والهوان ذنبٌ أكبر.

ولقد ورد أن بني إسرائيل لحقهم قحطٌ على عهد موسى عليه السلام فاجتمع الناس إليه فقالوا: يا كليم الله ادع لنا ربك أن يسقينا الغيث، فقام معهم وخرجوا إلى الصحراء وهم سبعون ألفًا أو يزيدون، فقال موسى عليه السلام: “إلهي اسقنا غيثك وانشر علينا رحمتك وارحمنا بالأطفال الرضع والبهائم الرتع والمشايخ الركع”، فما زادت السماء إلا تقشعًا والشمس إلا حرارة.. فقال موسى عليه السلام: “إلهي اسقنا”.. فقال الله تعالى: “كيف أسقيكم؟ وفيكم عبدٌ يبارزني بالمعاصي منذ أربعين سنة فنادِ في الناس حتى يخرج من بين أظهركم ففيه منعتكم”.. فصاح موسى في قومه: “يا أيها العبد العاصي الذي يبارز الله منذ أربعين سنة اخرج من بين أظهرنا فَبِكَ مُنِعْنَا المطر”.. فنظر العبد العاصي ذات اليمين وذات الشمال فلم ير أحدًا خرجَ، فعلم أنه المطلوب، فقال في نفسه: إن أنا خرجتُ من بين هذا الخلق افتضحتُ على رؤوس بني إسرائيل، وإن قعدتُ معهم مُنِعوا لأجلي، فانكسَرت نفسُه ودمعَتْ عينُه، فأدخل رأسَه في ثيابه نادمًا على فعاله، وقال: إلهي وسيدي! عصيتُك أربعين سنة وأمهلْتَني، وقد أتيتك طائعًا فاقبلني! وأخذَ يبتهل إلى خالقه، فلم يتمّ الكلام حتى ارتفعت سحابةٌ بيضاء فأمطرت كأفواه القِرب، فعجب موسى وقال: “إلهي سقيتَنا وما خرج من بين أظهرنا أحد”، فقال الله: “يا موسى سقيتُكم بالذي به منعتكم”، فقال موسى: “إلهي أرني هذا العبد”، قال: “يا موسى إني لم أفضحه وهو يعصيني أأفضحه وهو يطيعني؟!”[2].إن هذا الخلقَ إلهيٌّ وعلينا أن نتحلى به، إلى جانب الاستغفار والتوبة الجماعية.

لكنه من المؤسف أن كثيرًا من وسائل الإعلام محرومةٌ من مثل هذه التربية؛ إنها تلعب بشرف العديد من الناس بهدف رفع نِسَب المشاهدة، حتى إنها لا تتورع عن أن تنشر في الصحف والمجلات ومواقع الانترنت أو القنوات التليفزيونية بعضَ أخبارٍ مختلَقَة تقدّمها دون مصدرٍ أو توثيق، تفعل هذا وكأنها فتحت عيونها وراحت تنتظر أن تفتضح عورات الناس كي يستغلوها وينشروها ويُتاجروا بها.

إنني حين أشاهد مثل هذه الأخبار لا أتمالك نفسي من أن أقول: “هذا يعني أنها تعاني ضحالة خطيرة في الفكر، ونظرًا لعدم امتلاكها أفكارًا مهمة تقولها للأمة تسعى إلى إثارة الهياج والحماس، والتعبير عن نفسها بأشياء غير سليمة.. إنها تحاول -من جهةٍ ما- سترَ عيوبها وأخطائها الشخصية بواسطة مثل هذه الأخبار والتعليقات”.

ومهما يفعل الآخرون فإنه يجب على المؤمنين بالله حق الإيمان ألا يذيعوا عيوب الناس وخطاياهم، وعليهم أن يكونوا قدوةً لغيرهم في هذا الأمر، وبدلًا من الانشغال بعيوب الآخرين لِينظروا إلى فضائلهم ويُقدّروها.. عليهم أن يسعوا إلى إعداد مواد إخبارية تُسعد الناس، وتُطلق وجوههم، لا تُخزيهم وتُخجلهم.. وكما أن الأخلاق الإنسانية تستلزم هذا فإن الأخلاق القرآنية التي تتمثل فيها الأخلاق الإنسانية بأسمى أشكالها وأعلاها تستوجب هذا أيضًا.. فلا يليق بالمسلمين أن يقولوا: “إن الناس جميعًا على هذا المنوال، ونحن نفعل مثلهم”، لأنه -وكما ذكرنا في البداية- لو تلبّس الجميع بالشرّ ولم يبق سوى إنسان واحدٍ فما يقع على كاهله هو مواصلة السير في الطريق الصحيح الذي يعرفه.

ولا تخفى الأهمية البالغة للأسلوب الذي يجب أن يتعامل به مَن يُمثِّلون الإسلام في هذه القضايا؛ فالتصرفات الصحيحة وكذلك الخاطئة التي يقومون بها لا تبقى قاصرة عليهم أنفسهم، بل تُعزى إلى الدين في الوقت نفسه، فإن كانت أحاسيسهم وأفكارهم كما يأمر الإسلام، وتصرفوا وفقًا للإسلام ونفذوا أنشطتهم كلها في إطاره؛ دفعوا الآخرين إلى التعاطف مع الإسلام، وعندها يقول من يراقبونهم “ما أجمل ما يحمله هذا الدين من نظامٍ بديع!”، وهكذا لا بد من العثور على السبل التي تؤدي بالآخرين إلى هذا القول، وجعلهم يغبطونهم على أنهم مسلمون، وإثارة الإعجاب والاستحسان لديهم.

(هذا المقال سيتابع في الأسبوع القادم).

 

[1] انظر: صحيح البخاري، المظالم، 4؛ صحيح مسلم، البر، 58.

[2] ابن قدامة: كتاب التوابين، 55.

الجَرَّة المشروخة: غيــــــرة الله

Herkul | | العربية

   سؤال: ذكرتم في مناسبات شتّى أن وقوع الظلم أو ارتكاب بعض الذنوب يفضي إلى إثارة غيرة الله، فما المعنى المقصود من أن الله غيور أو إثارة غيرة الله؟

   الجواب: لا يعزب عن علمكم أن اسم “الغيور” لا وجود له بين أسماء الله الحسنى، بل إننا لا نكاد نجد مثل هذا الاسم بين الأسماء الحسنى التي نصّ عليها القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، أو التي أفاض في ذكرها أمثال محي الدين بن عربي، أو التي ورد ذكرها في كتب الأدعية، ولا يعني ذلك أن هذا الاسم لا وجود له في الحقيقة؛ فربنا سبحانه وتعالى وإن كان قد أعلمنا ببعض أسمائه الحسنى في القرآن الكريم، وأخبر ببعضها أنبياءه العظام عليهم السلام، فقد اختص لنفسه بعضَ الأسماء الأخرى؛ لأن العوالم التي خلقها الله سبحانه وتعالى ليست عبارة عن العوالم المادية التي نعلمها فقط، إنما له سبحانه وتعالى عوالم أخرى لا نعلمها تتجلى فيها أسماء أخرى نجهلها، لكن نظرًا لأن معرفة هذه الأسماء والإيمانَ بها لا يعنينا كثيرًا ربما من أجل ذلك لم يخبرنا الله تعالى بها.

   الأفعال التي تثير غيرة الله

ومع ذلك فكما جاء في السؤال نصَّتْ بعض الأحاديث الشريفة عن غيرة الله تعالى، ويُفهم من ذلك أن هذه الغيرة هي خُلُقٌ ربّاني مهمّ، ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ اللهَ يَغَارُ وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ وَغَيْرَةُ اللهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ[1]، ويقول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: “مَا أَحَدٌ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ وَمِنْ غَيْرَتِهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ[2].

وعن الْمُغِيرَةِ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رضي الله عنه: “لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ”، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: “أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي[3].

لقد خلق الله الناس بفطرة سليمة سويّة، وفرض عليهم بعضَ الحدود والمحاذير، ودلّهم على العيش في عفة وطهارة دون الوقوع في الذنب، فلو لم يراع الناسُ الحدود التي افترضها الله عليهم وأفسدوا الفطرة السليمة التي فطرهم الله عليها بارتكابهم الذنوب والمعاصي ودنّسوا قلوبهم وضمائرهم كالصبية المشاغبين الذين يلعبون ويدنّسون ملابسهم؛ فقد تسببوا بحالهم هذه إلى استثارة غيرة الله تعالى.

وإذا أردنا مزيدًا من التفصيل فلنقل إن الله تعالى خلقنا من العدم، ولم يكتف بهذا، بل وهبنا الحياة والشعور والعقل والفكر، ودلّنا على سبل الهداية بأن أرسل إلينا أنبياءه عليهم السلام وأنزل علينا كتبه؛ أي إن الله تعالى وهو يأمرنا بأداء وظيفة العبودية وهبنا ما يلزم لنقوّي صلتنا به على الوجه الصحيح، من أجل ذلك فإن الإنسان لو انحدر في طريق الفسق والفجور، وارتكبَ المنكرات، فأفسدَ فطرته السليمة؛ فقد استثار غيرة الله عز وجل؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يترك للإنسان عذرًا بعدما أنعم عليه بكل هذه النعم وأرشده إلى الصراط المستقيم.

إن الإنسان إذا ارتكب ذنبًا لا يفسد فقط الفطرةَ السليمة التي فُطر عليها، بل يكون بذلك قد عصى الله أيضًا؛ لأنّ تجاوُزَ الحدود التي فرضها الله وانتهاكَ المحاذير التي وضعها سبحانه وتعالى يعني -من جهة ما- مجابهة الله بالتمرد والمعصية، وكما جاء في الأحاديث الشريفة التي ذكرناها آنفًا فإن ربنا سبحانه وتعالى يغار إذا أتى المؤمن ما حرّم الله عليه.

ولا جرم أن أعظم معصية تثير غيرة الله هي الإشراك به، وإنكار وجوده، لأننا إذا نظرنا إلى المسألة بمنظور بديع الزمان سعيد النورسي فسنجد أن كل من أنكر وجود الله فقد تعامى عن كل الآيات التكوينية التي تدل على وجود الله ووحدانيته، وضرب بكل صحائفها وسطورها وكلماتها عرضَ الحائط، ولا شك أن التعاميَ عن آثار الله البديعة التي عرَّفَنا ربُّنا بنفسه من خلالها، وغضَّ الطرف عن شهاداتها، وسدَّ الآذان عن سماعها بل وإنكارها؛ هو جرمٌ عظيمٌ لا شكّ أنه سيُثير غيرةَ الله.

ويمكن أن نشبِّه غيرةَ الله -من جهةٍ ما- بدفاع الناس إذا انتُهكت أعراضُهم واستولِي على أموالهم واعتدِي على حرياتهم، أو بتطبيق الدولة العقوبات على المواطنين الذين ينتهكون قوانينها؛ لأن الإنسان تكمن في طبيعته غيرة إزاء الحفاظ على هذه القيم المذكورة، فلا أحد يتحمّل أن يُنتهك عرضه أو يُدنَّس شرفُه أمام عينيه، وعلى هذه الشاكلة لا يرضى الله عز وجل -ولا أستطيع أن أقول “لا يتحمل” في حقّ الله تعالى- بأن تُداس القوانين التي وضعها، ولا أن يُتعدَّى على الحدود التي فرضها؛ أي كما أن في الإنسان غيرةً وإنكارًا للظلم فإنّ الله سبحانه وتعالى له غيرة، لكنها غيرةٌ خاصّة به، تليق بذاته العليّة، فهو يُمهل ولا يُهمل.

   إمهال الله تعالى

إن الله تعالى لا يتعجّل في معاقبة عباده على سيئاتهم وذنوبهم وخطاياهم، ولكنه يعطيهم مهلةً بعد أخرى حتى يتعقلوا ويُقلعوا عن أخطائهم التي ارتكبوها، حتى إن سيدنا أبا بكر رضي الله عنه كان يتعجب من إمهال الله للفجار والظالمين، ويقمع مشاعره وينفِّس عن نفسه بقوله: “مَا أَحْلَمَكَ يَا رَبَّنَا”.

فلو كانت العقوبات التي ستُفرض على الذنوب والجرائم متوقفةً على حكم البشر فلربما فَنِـيَ البشرُ، لكن سنّةَ الله تعالى اقتضَتْ ألّا يتعجل بمعاقبة عباده العاصين، وهذا الخُلُقُ الإلهي تبيِّنه الآية الكريمة: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (سورة النَّحْلِ: 16/61).

أجل، لا يتعجّل الله في معاقبة الناس لأن رحمته سبقت غضبه، ولكن يجب على الإنسان الذي يخوض في مستنقعات الذنوب والمعاصي ألا يتمادى في معاصيه لما يرى من صبر الله عليه وإمهاله له، بل عليه أن يفكرَ في المهلة التي مُنحَت له ويرتعدَ خوفًا؛ لأنه سبحانه وتعالى يُمهل ولا يُهمل، والآية الكريمة تقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (سورة الزَّلْزَلَةِ: 99/7-8).

وهنا يجب أن نعلم أن إمهال الله للإنسان الذي أبحرَ في لُـجّـةِ المعاصي هو نوعٌ من أنواع الابتلاء، فلو اعتقد الإنسانُ أنه أفلتَ من العقاب، وأن أموره ستبقى على ما يُرام، ولم يرجع عن خطئِه، وركَنَ إلى الغفلة؛ فقد خسر الامتحان، أما إذا تحرّك على بصيرةٍ وتعقُّل، وعمد إلى تلافي قصوره وأخطائِه فقد فازَ في الامتحان؛ وهذه واحدةٌ من الحِكَمِ الإلهية التي تقف وراء إمهال الله لعباده المذنبين.

وإلا ألزم الله الحدّ لمَنْ لا يلتزمون حدودهم، وأعلمهم قدرهم، وقد يأتي يوم تُثار فيه غيرة الله على الذنوب والمعاصي، ويستأصل سبحانه وتعالى شأفة الظالمين والعصاة، يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ[4]، وعقب ذلك يذكِّر بقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (سورة هُودٍ: 11/102).

   احترام التدابير الإلهية

إن الإمهالَ وعدم التعجيل بالعقاب من قوانين الله تعالى، أي إنه سنَّة الله؛ فالله عزّ وجل يسمح إلى وقت معين ببعض المخالفات في هذا النظام الذي أسّسه، أما نحن فربما لا نستطيع دائمًا أن نعي ماهية المسألة، ومن ثم ينبغي لنا أن نتجنب التصرفات التي تعني اعتراضًا أو تشكّيًا من المسائل التي عجزت عقولنا عن إدراكها، وإن عشنا حالة من الحيرة والدهشة بين الحين والآخر لعجزنا عن معرفة السبب في أن غيرة الله لم تمس الظالمين المستحقين للعقاب فيلزمنا إزاء هذه الإجراءات الإلهية أن نصبر دائمًا ونقول “لله في كل أمر حكمةٌ؛ فهو لا يفعل شيئًا عبثًا”، علينا أن نقابل بالصبر والشكر كل حادثة نطلع عليها أو نتعرض لها، وألا نقصر في تعظيم الله تعالى مهما يحدث لنا، وألا نتساءل عن أيٍّ من أفعاله على الإطلاق.

وكما تكون للإنسان مواضع يشعر فيها بالحماس والهيجان هناك أيضًا مواضع يجب أن يلتزم فيها الهدوء والصبر والحذر، فمثلًا ينبغي للمؤمن أن يكون مفعمًا بالهيجان والحماس والشد المعنوي فيما يتعلق بتطبيق أوامر الدين جميعها، وأدائِها أداءً تامًّا بكل دينامياته الداخلية والخارجية، والفوزِ برضا الله، وتعريفِ الجميع بالذات الإلهية، والإسهامِ في تلاقي القلوب بالله تعالى عبر إزالة الموانع التي بين الله والناس، وأداء الخدمات المنوطة به، ومهما تعرض لمختلف أنواع العقبات، ومهما دُمِّرت خططه وإستراتيجياته، واحتُلت قلاعه، عليه أن يواصل من جديدٍ المسيرَ في طريق الخدمة مستعينًا “بالله”، ذلك أن وقوف القلب إلى جانب التصرفات والأعمال المنجزة، ومخالطة الهياج والحماس الداخلي للأعمال المنفذة مهمة للغاية في سبيل فهم الإسلام الحقيقي ومعايشته.

إنّ التحلّيَ برباطة الجأش إزاء تقديرات الله ومشيئته واجبٌ حتميّ؛ لا سيّما إن جاءت مخالفةً لرغبات الإنسان.. حتى وإن أدّت لأحداثٍ ووقائع يتفطَّرُ لها وجدانه فعليه أن يقابلَها بصبرٍ ورضًا، ثم يُخضِعُها للتأمّل والتدبّر.. أي إنه يجب السيطرة على الهياج والحماس في مثل هذه الأوضاع، والتحرك بفطنة وتعقُّل.

تُرى ماذا يكمن وراء هذه الحوادث؟ ماذا تعني بالنسبة لنا؟ تُرى هل ذنوبُنا وأخطاؤُنا وغفلتُنا هي التي تسبَّبت في هذا؟ أيُّ نوعٍ من الذنوب والأخطاء تسبَّبَ في هذا؟ أم أن الله تعالى يريدُ تنبيهَنا وتحذيرَنا كي نفتح أعيننا ونركز أكثر؟ أم أنه تعالى يريد أن يمحصنا ويشحذنا ويقوّينا بالابتلاءات والمصائب حتى نستطيع التغلب على مشكلات أكبر في المستقبل؟

هكذا ينبغي تقييم كل هذه الأمور برباطة جأش وحذر، ثم القيام بما يجب القيام به؛ فالحماس حين يكون في موضعه يكون مفيدًا بالنسبة لنا، بل وكما أن ذلك يكون وسيلة لأن نرتقي عموديًّا إلى أفق القرب، فإن استخدام التدبير المناسب في موضعه، وكذلك الصبر والتؤدة يرقى بنا إلى ذلك الأفق بالشكل نفسه أيضًا.

ويمكننا أن ننظر إلى المسألة من خلال الحكمة القائلة: “مَنْ آمَنَ بِالْقَدَرِ أَمِنَ مِنَ الْكَدَرِ”؛ أي إن كل من يؤمن بالقدر وأحواله ينجو من كل كدر ودنس في عالمه العقلي والروحي، ويحمي خياله وتصوراته من الأفكار الدنسة، ويظفر بالأمن والطمأنينة في عالمه الداخلي.. وينبغي كذلك أن نتذكر أن كل أنواع السعي والاجتهاد الذي يبذله الإنسان ليحافظ على طهارة عقله وقلبه ويدفع عنهما الأفكار الدنيئة القذرة سوف تسجل في سجل حسناته من جملة العبادات.

   القشة التي قصمت ظهر البعير

أجل، قلنا إن الله تعالى يمهل العباد الغارقين في مستنقعات الذنوب والظلم حتى يستفيقوا ويتعقلوا، ولكنهم حين يصرون على عصيانهم وتمردهم يأخذهم سبحانه أخذ عزيزٍ مقتدر ويعاقبهم على فعلهم، غير أننا لا نعرف أية قطرة هي التي ستجعل الكيل يطفح، ولا القَشَّةَ التي ستقصم ظهر البعير، ومتى ستمسّ الذنوبُ غيرة الله، ومتى سيعاقبُ الله الظالمين!

وثمة منقبة تتعلّق بهذا؛ حيث يُحكَى أن مجموعةً من اللصوص وقطاع الطرق اعترضوا طريق قافلةٍ متجهة إلى الحج، وأخذوا كل ما تحمله من أموال قيمة ثمينة، وكان في القافلة شخص من أهل الله كان قد خرج بمفرده إلى الحج ولكنه انضم إلى هذه القافلة في الطريق لاحقًا، فلما رآه كبيرُ اللصوص يبدو هادئًا ومطمئنًّا جديرًا بالثقة هكذا ذهب إليه واثقًا بأنه سيصدقه القول، وسأله: “هل بقي عند أحدٍ مالٌ أو شيءٌ ثمينٌ آخر؟”، فأجابه على الفور: “نعم، إنَّ رئيسَ القافلة يرتدي قميصًا فاخرًا للغاية”؛ فأخذوه أيضًا بين جملة المسروقات.

لقد تأذّى رئيس القافلة مما فعله تجاهه هذا الشخص رغمَ أنه كان قد أحسن إليه وضمه إلى قافلته، ولكنه لم يرد قول شيء لهذا الشخص الذي ما زال يُحسن الظن به، وبعد مدة قصيرة قبض رجال الشرطة على هؤلاء اللصوص جميعًا، وأعلنوا للعامّة أن من سُرِقَ منه شيءٌ فليأتِ لاسترداده، حينها سأل رئيسُ القافلة هذا الشخص لماذا أخبرهم عن قميصه، فأجابه: “نظرتُ إلى ما فعله هؤلاء الظالمون، فإذا بي أرى مسافة قصيرة بينهم وبين استثارة غيرة الله، فتصرفْتُ هكذا بحيث يزداد ظلمُهم أكثر فأتعجّل بهم غيرةَ الله تعالى”.

وعلى أية حال فإنّ هذه حكاية من حكايات المناقب، والمناقبُ يُنظر إلى فصلها أكثر من أصلها، إلى الرسالة التي تريد إيصالها، ولذلك فإننا نفهم من هذا أن لكل شيء حدًّا، فإذا ما تجاوزه فإنه يمسّ غيرة الله، فالظلم يُرتكب مرة واثنتين وأكثر، ثم بعد ذلك يمسّ غيرة الله تعالى.

   كيفية تجلي غيرة الله

إننا ننزعج إزاء الاعتداءات والتجاوزات التي تمس غيرتنا، ونشعر بالقلق والاضطراب نحوها، ونفعل ما بوسعنا لمنعها، لكن عباراتٍ من قبيل الانزعاج أو القلق والاضطراب إن استُخدمت بحقنا لا يمكن استخدامها بالنسبة للذات الإلهية، بيد أنه ورد في القرآن الكريم حديثٌ عن غضب الله عز وجل، وعلينا هنا أن نفهم المسألة بما تستلزمه، أي حين يغضب إنسان يفعل ما يفعل، وهكذا ينبغي لنا أن نحاول أن نفهم معنى غضب الله، فكما أننا نعاقب المجرمين والمعتدين على حقوق الآخرين بيد العدالة سوف يجازي الله تعالى أيضًا الظالمين والعصاة بأشكال مختلفة سواء في هذه الدينا أو في الآخرة.

ومهما أُمهل السائرون في طريق الغي والضلال إلا أنهم إذا جاوزوا الحدَّ فأثاروا غيرةَ الله فسوف ينالون عقاب كل جرائمهم التي اقترفوها، وكما يمكن أن تكون هذه العقوبة من خلال التعرض للبلاء والمصائب أحيانًا، تكون أحيانًا أخرى بانتزاع الإيمان من العصاة والظلمة في لحظة الموت، لكن ليس من الصحيحِ أن ننتظر دائمًا حدوث هذا العقاب في الدنيا، ولا سيما العقاب على الكفر فأمره متروك للآخرة لأنه سيكون ثقيلًا وعظيمًا للغاية.

كنت سمعت من الأستاذ “يشار طونه كور” عن حادثة عاشها شخصيًّا أو أحد المقربين إليه على النحو التالي: بينما كان صاحب الحادثة يملأ دلوه عند نبع الماء كي يسقي حصانه جاء شخص ثانٍ، فتجاوزه دون أدبٍ وأراد أن يسقي حصانه، فلما طلبَ الأول من الثاني أن ينتظر لأنه لم ينته من عمله بعدُ؛ صفعَه الثاني دون وجه حق! ودون أن يقابل الأوّلُ هذا الفعلَ بأي ردٍّ؛ ذهب إلى شيخه، وقصَّ عليه ما حدث، ففطن شيخُه إلى الأمر، مما يدلّ على أنه كان من أهل الحال، وقال له: “اذهب إلى ذلك الشخص حالًا، وقل له إنك تسامحه! فإنك إن تركت الأمر لله فعقابُه سبحانه سيكون شديدًا”. وعليه، انطلق الرجل راكضًا، فلما وصل إلى البئر نظر فإذ بحصانه قد طرح الرجل أرضًا برفسة منه”.

ولكن ينبغي القول إن أسلوب المظلوم وحاله مهمّ للغاية في مسألة أن يُثير ظلمُ الظالم غيرةَ الله تعالى؛ فظلمُ المظلوم لنفسِه أحيانًا ما يُعادل ظلمَ الظالمِ له، أي إن الله تعالى حين يحكم بحقّ الظالم ينظر إلى المظلوم إن كان قد وفّى حقّ موقعه بالفعل أم لم يوفِّه، فإن لم يستطع المظلوم أن يكون عبدًا وفيًّا لله تعالى، ولم يتّجه إليه بإخلاص، وإن وقع في مجموعة من التصرفات السلبية، أَخَّر الله تعالى عقاب الظالمين، لذا فبينما يجب من جانب أن تصل المظالم المرتكبة إلى حدٍّ ما كي تتجلى غيرة الله تعالى، يجب من الجانب الآخر ألا يكون في تصرفات المظلومين والضحايا وسلوكياتهم ما يمكنه أن يكسر هذا ويحول دون تحققه.

لذلك فإن الأمر يدور ويدور ثم يرجع إلينا، وهذا يقتضي منّا أن ننظر إلى أنفسنا أولًا وقبل كل شيء، علينا أن نوقن بأن الله لا يظلم أحدًا من عبيده مثقال ذرة، وأنه لا يضيع حقّ أحد، ولكننا قد نضيع أنفسنا أحيانًا بأشياء صغيرة للغاية دون أن ندرك ذلك، ولذلك يجب علينا ألا نندهش إذا نظرنا إلى حال الظالمين وإمهال الله تعالى لهم، بالعكس ففي مثل هذه القضايا يلزمنا أن نضع في حسبانِنا حالَنا أنفسَنا بالدرجة الأولى، ونقول: “أي نوع من الأخطاء ارتكبناه يمكنه أن يكون السبب في إمهال الظالم؟!”، وعلينا حتى وإن كانت كل تصرفاتنا سليمة، وحياتنا رمزًا للصواب أن نتصرّف بشجاعة ونقول: “إن كان لدينا اعوجاج وانحراف، فأفسدنا تناغم الخدمات المبذولة، وتسببنا في اضطرابها فإن باطن الأرض خيرٌ لنا من ظاهرها”، إن نظرنا إلى المسألة هكذا لم ننتقد القدر، ولم نقع في أقوال غير لائقة عن الذات الإلهية، ولم نسِئ الظن في الآخرين.

***

[1] صحيح البخاري، النكاح، 6؛ صحيح مسلم، التوبة، 36.

[2] صحيح البخاري، النكاح، 107؛ صحيح مسلم، التوبة، 32-36.

[3] صحيح البخاري، الحدود، 42؛ صحيح مسلم، الطلاق، 17.

[4] صحيح البخاري، تفسير السورة (11) 5، صحيح مسلم، البر، 61.

الجَرَّة المشروخة: الموقف المتوازن

Herkul | | العربية

   سؤال: كيف يكون موقفُنا إزاء من يسيئون إلى قيمنا الذاتية التي نؤمن بها ونحترمها؟

   الجواب: بدايةً يلزم التنبيه إلى أن الوقت بالنسبة للمؤمنين ذو قيمةٍ بالغة؛ مما يستدعي استغلاله على الوجه الأمثل وعدم إهدار أي جزء منه؛ لأن صرْفَ الوقت فيما لا طائل منه يدخل ضمن الإسراف الذي حذَّر ربُّنا سبحانه وتعالى منه بقوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 7/31)، ولقد نوّه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيمة الوقت بقوله: “نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ“، فعلى المؤمن أن يحتاط للأمور التي يقضي فيها وقته، وألا ينشغل فيما لا طائل منه، وأن يتجنّب -بقدر الإمكان- الأمورَ التي تُشتّت ذهنه وفكره.

ولا شك أن مراعاةَ هذا الأمر، والعملَ على تنقيح الفيديوهات والمقالات المتاحة للمشاهدة والقراءة، والاستعانةَ بالوسائل التي تخدم مصالحنا وتفتح آفاق فكرنا وتُثري فلسفتنا وإستراتيجياتنا الخدمية؛ قد صار له أهمية أكبر، وخاصة في أيامنا التي ذاعت فيها وسائل الاتصال وانتشرت وأصبح بوسع كل إنسان أن يكتب ما يشاء ويتحدث كما يريد.

   ترك ما لا يعنينا

ويا ليتنا نجد وسيلةً -بمجرد الضغط على زر الإنترنت أو التلفاز- نصل من خلالها إلى برامج معيّنة تعود بالنفع على مصير أمّتنا، والوضع العام لعالمنا الإسلامي، ومستقبل الإنسانية؛ حتى نتمكن من تجنُّبِ ما لا جدوى منه، وما قد يُسبب في تشتُّتِ أفكارنا أو تلوّثِ أذهاننا بلا داع، ففي الحديث الشريف يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موصيًا المؤمن بالدقة والحذر في هذا الأمر: “مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ[1].

وكلمة “مَا لَا يَعْنِيه” الواردة في الحديث الشريف تعني الأمور الفارغة غير الضرورية التي لا يمكن أن تمثِّل غرضًا ومقصدًا أساسيًّا بالنسبة للإنسان، والتي لا تعود بالنفع على حياته الدنيوية أو الأخروية، فيجب على الإنسان أن يتجنب مثل هذه الأمور، ويهتم بالأشياء النافعة فقط؛ لأن لكل إنسانٍ قدرات محدودة، وما يقع عليه هو أن يستغل تلك القدرات في الأمور المناسبة التي تجلب النفع له، أما لو انشغل بالأمور التي لا تعنيه بشكل مباشر يتشتت ذهنُه وتخور قواه، ونتيجة ذلك يفقد تركيزه في الأمور التي يجب أن يكثِّف فيها فكره وذهنه.

من جانب آخر فلو شَغَلْنا أنفُسَنا أكثر من اللازم بما يتفوّه به البعض من وقاحات حول الأمور الدينية وسفاسف الأمور؛ فإنّ ذلك سيعود علينا بالسلب فيما بعد؛ كأن نشرعَ بالحديث فيما بيننا عن كلِّ ما نسمع به، وننشغل بمثل هذه الأمور التافهة بلا داع، وبعد فترة قد نتورط نحن كذلك في الأمر نفسه ونأخذ في الحديث بوقاحة حول مثل هذه الموضوعات دون شعور.. فإذا كانت كثرةُ الضَّحِكِ -كما قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم- تُميت القلب فإن مثل هذه الأشياء تتسبّبُ بِجرْح غائر في حياتنا الروحية والقلبية، ولهذا فإن المعيار في هذا الأمر هو الاشتغال بالموضوعات التي تَزيد من عشقِنا وشوقِنا وشَدِّنا المعنوي إزاء ديننا وتديُّننا.

إن الاشتغال بهذه الأمور التي تعارض مبادئنا الأساسية لا يرجع بأي فائدة، بل إنه يعود علينا بالضرر، بأن نشهد الظلم ونستمع إليه دون داعٍ؛ لا سيما إن لم نكن في موقع يؤهلنا للتصويب أو الردّ بمعقولية على هذه الأحاديث والبيانات.

من جانب آخر يجب على الذين يتحدّثون في الأمور الدينيّة خاصَّةً أن يتوخَّوا المزيد من الحذر، وذلك بأن يستعدوا ذهنيًّا قبل الحديث، ويتحرَّوا الدِّقَّـةَ والعنايةَ بالمسألة التي سيتحدثون فيها، حتى يمكنهم أن يعبروا عن مقاصدهم بشكلٍ صحيح، أما الحديث ارتجاليًّا، واستخدامُ عبارات مهلهلةٍ مهترئةٍ فلا تفيد الناس ولا تنفعهم في شيء، لا سيما إذا كان الحديث يدور حول أمور تتعلق بالدين أو يعني شريحةً كبيرةً في المجتمع، فمثل هذا الأمر يتطلب المزيدَ من العناية، والحفاظَ على الجدِّيَّـةِ، وتحاشيَ البيانات التي قد يُستَفادُ منها فهمًا خاطئًا، وتَمثُّلَ الأفكار المستقيمة على الدوام.

   الصبر والتحمل

ومن جانبٍ آخر فليسَ واجبًا على المؤمن أن يردّ على كل كلمة تُقالُ حول القيم التي يؤمن بها ولا على البيانات التي تُسِيءُ إليه مباشرة، ولا أن ينشغل بإعداد الردود على الدوام.. وإنما الواجبُ حيال هذا الأمر أن نهتديَ بهديِ القرآن الكريم، يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (سُورَةُ النَّحْلِ: 16/126).

وعلى هذا المنوال جاءت أفعالُ نبيِّنا الكريم صلى الله عليه وسلم، فعندما شَتَمَ رجُلٌ أَبَا بَكْرٍ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ، جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْجَبُ وَيَتَبَسَّمُ، فَلَمَّا أَكْثَرَ رَدَّ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ بَعْضَ قَوْلِهِ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَامَ، فَلَحِقَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَانَ يَشْتُمُنِي وَأَنْتَ جَالِسٌ، فَلَمَّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ، غَضِبْتَ وَقُمْتَ، فقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّهُ كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَنْكَ، فَلَمَّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ، وَقَعَ الشَّيْطَانُ، فَلَمْ أَكُنْ لِأَقْعُدَ مَعَ الشَّيْطَانِ[2].

   الردّ بتوازنٍ ومعقوليةٍ

ولكن رغم أنه ليس من الصواب الرد على كل الكلمات والبيانات التي تسيء لنا حيث قد يؤدي هذا إلى ضرر أكبر؛ إلا أنه من الواجب على الذين هم في موقع يؤهِّلهم لمخاطبة الآخرين والرد عليهم أن يقوموا بما يقع على عاتقهم ويتناولوا ما قيل بالتصحيح والتوضيح، ضمن المعايير والأُطُرِ الواجب مراعاتها.

ومن ذلك ألا ينساقَ الإنسانُ خلفَ مشاعره في هذا الأمر، وألا يتكلّم ساعة الحِدّة والغضب، وإلا أخطأ خطأً فادحًا في حين أنه لا يقصد إلا مجرّد الردّ، إذ إنّ الانسياقَ وراء المشاعر والبحثَ عن البدائل لإشباع الرغبة في الردّ على كلام الآخرين يوقعُ صاحبه في تصرّفاتٍ تفضي إلى الكثير من الأخطاء، وهذا يعني ضرورة تحرّي الحيطةِ والحذرِ، وألا نخرجَ عن طَورِنا، ونتحيّنَ الأوقات التي نكون فيها هادئين متيقظين، ثمّ بعد ذلك نقول ما نقول.

وهذا يعني أن الأمر لا يتحمّل العجلة، وأنه لا بدّ من التريُّثِ في الأمر، والتفكيرِ فيه مرة بعد أخرى، وخاصة إذا كان المخاطَبون يتميَّزون بالحدَّة والعصبيَّة.. وإذا توفَّرت لكم إمكانية الردّ فلا تردوا فورًا، بل رُدّوا بعد ذلك.. وكما أن الطعام لا يُبلَع إلا إذا مضغناه جيّدًا فكذلك الكلامُ، يجبُ أن يُمضغَ جيِّدًا في بوتقة الفكر قبل أن يَخرج، وكما أننا إذا ابتلعنا طعامًا دون مضغه تضرّر حلقومُنا أو معدَتُنا؛ فكذلك إذا تفوهنا بكلامٍ دون أن نصفّيه بمصفاة العقل والفكر فقد يُسبِّبُ مشاكلَ وأضرارًا لدى عقول الآخرين، بل ربما تُفهَم آراؤنا البديعة وأفكارنا الرائعة بشكلٍ خاطئ، ليس إلا لأننا لم نحسن تقديـمها للآخرين.

وإذا كان الردُّ ارتجاليًّا فإن القلّة القليلة من الناس هي التي تُحسِنُ التعبير عن مقصدها؛ ولطالما شاهدنا كثيرًا من الناس حولَنا عندما تُتاحُ لهم فرصة الردّ فإنهم يرتكبون مجموعةً من الأخطاءِ ولا يهتمّون سوى بتجريح من أمامهم فقط؛ مما يعني أن الردَّ الصحيحَ أمرٌ لا يستطيعه الجميع، ولذلك يجب قبل الشروع في الكلام أو الكتابة للرد على الآخرين من التأمل والتدبّر والتذكّر.

   التزام اللطف واللين في الأسلوب

من جانب آخر لا ينبغي لنا أن نثير مشاعر الحقد والكره لدى الناس ونحن نرغب في تصحيح أخطائهم وتصويبها والردّ عليهم، وأن نتجنب التصرفات الفظة الغليظة، وأيًّا كان مخاطبُنا فعلينا ألا نُفسد أسلوبَنا، وألا نتنازل عن شخصيّتنا وما تُمليه علينا، ومهما تحدّثَ هؤلاء بطيش دون روية ولا توازن فينبغي ألا يدفعُنا طيشُهم ذلك إلى الطيش أيضًا؛ إذ يجب أن يكون التحرك المتوازن والمعتدل صفةً لازمة فينا لا تفارقنا.

وفيما يتعلق بهذه المسألة ثمة واقعة خاصة بالأستاذ بديع الزمان؛ إذ يُروى أنه زاره ذات يوم صحفيٌّ كان يرسم الرسوم الكاريكاتيرية ضده، فأحسن الشيخ إليه كثيرًا، وبينما كان ذلك الصحفي يغادر قام الأستاذ بتوديعه بأدب واحترام لائق، فانزعج طلابه قليلًا من تصرفه هذا، ولم يكن انزعاجهم هذا نابعًا من عدم إعجابهم بتصرف أستاذهم، ولكن لكونهم يغارون عليه بشدة، ولما كان الشيخ قد فطن إلى مشاعر طلابه هؤلاء فقد بادر بشرح الأمرِ لهم قائلًا: “إن كان لكم مائة عدوّ أفلا تحبّون أن يقلّوا واحدًا فيصبحوا تسعةً وتسعين؟”.

أجل، هذا هو الجانب المنطقي من المسألة، فلا أحد يرغب في أن يزيد أعداؤه المائة فيصبحوا مائة وواحدًا. لكن كل شخص يُسرُّ من تناقص عدد أعدائه؛ وعليه ينبغي العمل على تحقيق ذلك.

الواجب علينا أثناءَ الردِّ ألا نُغضب أحدًا على الإطلاق ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا؛ إذ يلزم ألا يدفعُنا حبُّنا لمسلكنا إلى القيام بسلوكيات عدائية تجاه الآخرين، كما ينبغي للآخرين حين يمحصون كلامنا أو كتاباتنا بضمائرهم النقية أن ينصفونا على الأقل، أو يتكلموا عنا بإيجابية عندما يُسألون.

هناك مجموعة من الطرق والمسالك تصل المشاعر والأفكار عبرها إلى الآخرين، فإن دفعتم الناس إلى الخشونة والفظاظة عرّضتم سلامة تلك الطرق للخطر، فإن كنتم ترغبون في تأمين مسار الطريق الذي تسيرون فيه وألا تتسببوا في أية مشكلة مرورية؛ وَجَبَ عليكم بقدر الاستطاعة أن تلزموا القول اللين، وأن يكون مبدؤكم هو الحال اللين والقول اللين والسلوك اللين.

فهذا بندٌ مهمٌّ من بنود ديننا الحنيف؛ ذلك أن الله تعالى حين أرسل كلًّا من موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون طاغوتِ عصرِه الخطيرِ المفزِعِ أمَرَهما أن ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ۞ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (سورة طَهَ: 20/43-44) ولما كانت كلمة “لعلّه” الواردة في الآية الكريمة تفيد “الترجّي” فلنا أن نفهم أن المراد هو: إن كنتم ترجون أن ينتصح فرعون ويلين ويشعر بالخشية والخوف فإن القول اللين هو سبيلكم الوحيد إلى تحقيق ذلك.

ولا سيما أن الليِّنَ من القول وطيّبَه هو اللغةُ المشتركة التي يستخدمها متطوعو الخدمة الذين انفتحوا على شتى أرجاء العالم سعيًا إلى تحقيق غايتهم المثالية حيث يتقابلون أينما ذهبوا مع أناس نشؤوا وتربّوا في بيئات ثقافية مختلفة.. وبتعبيرٍ آخر طالما استخدمناه في مناسبات مختلفة: عليهم أن يوفّروا مقاعد للجميع في قلوبهم.. وقد يُسقِط هذه المقاعدَ أحيانًا بعضُ من يخالفونهم أو يناصبونهم مشاعر العداء عبر تصرفاتهم وسلوكياتهم، ومع هذا ينبغي لمتطوعي الخدمة أن يصفحوا إرضاءً لله تعالى ورسوله الكريم عما يُرتكب بحقهم من مساوئ وشرور، وألا يُقابلوها بمثلها، بل ينبغي أن يجد أعداؤهم -حين رجوعهم لهم- العوالم القلبية والروحية لديهم مفتوحة للجميع كما تركوها من قبل؛ فكما أن الخشونة والفظاظة تغلقان أبواب الأصدقاء، فإن اللين والرفق يفتحان أبواب الأعداء.

وهنا يجدر بنا أن نتذكر موقفًا حدث بين “مصعب بن عمير” و”سعد بن معاذ” رضي الله عنهما؛ حيث أرسل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير إلى المدينة المنورة ليعلم الناس الإسلام، إلا أن البعض هناك أثاروا ضده سعدَ بن معاذ زعيمَ قبيلة “الأوس”؛ فقالوا له إن مصعبًا يشتت أذهان الناس، ويُهاجم مقدساتهم.. فثارت ثائرةُ سعد مما جعَلَهُ يتقلّد سيفَه، ويتجه مباشرة إلى مصعب بن عمير، ولما وصل إلى مصعب هدده بالقتل أو الرحيل، وقال له: مَا جَاءَ بِك إلَيْنَا تُسَفِّه ضُعَفَاءَنَا؟ اعْتَزِلنا إنْ كَانَتْ لَك بِنفسِك حَاجَةٌ”؛ وبالرغم من أن مصعبًا كان لا يزال شابًّا غضًّا طريًّا في العشرين من عمره، إلا أنه تصرّف بلينٍ ونضجٍ وهدوءٍ ولباقة، فقال مخاطبًا سعدًا: “أَوَتَجْلِسُ فَتَسْمَعَ؟ فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ كُفَّ عَنْكَ مَا تَكْرَهُ؟”، وبعد أن سمعه سيدنا سعد رضي الله عنه تغيّر فجأةً وقال: “مَا أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ وَأَجْمَلَهُ!”، ودخل في الإسلام[3].

أجل، يجب أن يكون اللين والوداعة شعارَنا الذي يستحيل أن نتخلى ونتنازل عنه في أي وقت على الإطلاق، وحتى وإن أكسَبنا أنفسنا بعض الأشياء عبر الغضب والشدة والصياح والصراخ فإننا لا نستطيع أبدًا أن نعبّرَ عن أنفسنا بهذا الشكل، والأهم من ذلك أننا بفعلِنا هذا سنعجز عن تحبيب الناس في سيدنا رسول الله والتعريف بالله تعالى، كما أن الناس سينحرفون إلى الضلال والكفر لعجزهم عن معرفة الله ورسوله كما يجب.

وإذا نظرنا إلى المسألة من منظور أوسع وجدنا الإنسانية كلها تحتاج إلى التسامح والحب واللين أكثر من أي وقت مضى؛ لا سيما في زمن سباق الدول إلى التسليح، وإلى أسلحة الدمار الشامل كالنووي والهيدروجيني، ولقد أصابَ الفيلسوف الإنكليزيّ عندما قال: إنه في حال قيام حرب عالمية ثالثة سوف يذهب القتلى إلى القبور بينما يذهب القتلة إلى العناية المركزة.

   اختبار المسائل بواسطة العقل المشترك

إلى جانب كل ما تقدم يلزم أن نتجنب الوقوع في الأنانية الفردية والأنانية الجماعية أثناء أحاديثنا وحواراتنا على حد سواء، علينا ألا نتحدث عن أنفسنا بعبارات طنانة، وألا نحاول إسكات الطرف الآخر وإلزامه بقولنا فحسب، بل علينا أن نسعى من أجل ظهور الحق والحقيقة؛ لأن المسائل موضع الحديث إذا ما تعلقتْ بالأنانية الفردية والأنانية الجماعية أغلقت أبواب الأصدقاء أمامنا أيضًا، وليس أبواب الأعداء فحسب، وعندها يقولون كما قال الشاعر “سوزي”: “لا تتعب نفسك سدًى فالأبواب موصدة”.

إن نجاح إنسان بمفرده في النهوض بكل هذه الأمور أمرٌ في غاية الصعوبة، ولهذا ينبغي للإنسان ألا يكتفي بآرائه الشخصية فحسب، بل عليه أن يعرض المسألة على من يثق برأيهم وفكرهم، وأن يسألهم رأيهم ويستشيرهم، فإذا ما فعل هذا كانت احتمالية وقوعه في الخطإ أقلّ بكثير، حيث اختبر آراءه وأفكاره بواسطة العقل المشترك.

أجل، فإن المسألة ليست مجرّد مسألة إيمانية فحسب، وإنما هناك حاجةٌ إلى بيئة من الأمن والثقة أولًا كي يتنامى ويتطوّرَ ذلك الإيمان، ففي وسطٍ تسودُه الصراعات والشدّةُ والعنف والمناوشات والاحتكاكات يستحيل أن يُعرِّف الإنسان نفسه إلى الآخرين أو أن يشرح إليهم أمورًا تتعلق به، ربما تطمئننا مثل هذه السلوكيات نفسيًّا، ولكنها لا تجدي نفعًا لأحدٍ ألبتة.

***

[1] سنن الترمذي، الزهد، 11؛ سنن ابن ماجه، الفتن، 12.

[2] مسند الإمام أحمد، 15/390.

[3] ابن هشام: السيرة النبوية، 436.

الجَرَّة المشروخة: اتهامات وافتراءات على الخدمة – 2

Herkul | | العربية

   مظاهر عدم التّقبُّل والحسد

تحقد بعض الشرائح على متطوعي الخدمة، ومن أهم أسباب ذلك الحسدُ والغيرة، ومن ذلك رسالةٌ مكوّنة من ثلاث صفحاتٍ جاءتني قديمًا من شخصٍ قال فيها ما مفادُه: “إن الخدمة تشغل الساحة وتملأُ الميدان إلى درجةِ أنّها لم تُبقِ مكانًا للآخرين”! وكأنه لم يبق في هذا العالم الضخم مجالٌ آخر يُحتاج للخدمة فيه! والحقيقةُ أن هناك أماكن عديدة في العالم تحتاج مشاكلُ الإنسانية فيها إلى حلول، ويمكن إيصال الحق والحقيقة إليها. نعم، اذهبوا إلى إفريقيا، اذهبوا إلى الشرق الأقصى، اذهبوا إلى الصين، اذهبوا إلى روسيا، إلى أمريكا، اذهبوا إلى حيث شئتم، وحاولوا أنتم كذلك نقلَ عالمنا الثقافي الثري إلى الناس هناك، والاستفادة من ثرائهم وكنوزهم الإنسانية، ما أكثر الأماكن البكر في العالم، والتي يمكن استزراعها والحصول على ثمارها الطيبة.

ولكنّ عدمَ القيام بهذا والشكوى صراحةً من الخدمات المنجزة؛ إنما هو مؤشّرٌ على عِظَمِ ما يكمنُ في الصدور من مشاعر عدم التقبل.. وهذا يعني أنهم يتحدثون فيما بينهم عن مثل هذه الأمور، ويصرّحون بانزعاجهم من الخدمات المنجزة! إن مشاعر عدم التقبل ربما تدفع الإنسان إلى التخريب بقدرٍ لا يدفعه إليه الكفرُ؛ فبعض الأشخاص الحاقدين يبذلون قصارى جهدهم لمنع الاهتمام والتوجه إلى غيرهم، وتضييق مجال تأثيرِ غيرهم على المجتمع، فيلجؤون إلى كل أنواع الكذب والافتراء والتشويه، بل إنهم يحاولون أن ينسبوا إلينا مجموعةً من الجرائم لا علاقة لنا بها من قريب ولا من بعيد، ويسعون إلى جعلنا في مواجهة مباشرة مع الدولة، ويقدموننا وكأننا أعداء ألداء لها.

وكما سبق أن تعرّضنا لمثل هذه الغوائل مرات عديدة فإننا نتعرض لها الآن أيضًا، ولستُ أدري إن كانت طاقتُنا تكفي للقضاء على مشاعر المزاحمة والغيرة الكامنة لدى الناس أم لا؟ ولكننا مكلَّفون بتنفيذ ما يقع على عاتقنا، وهو التحرك بشفافية تامة، والتزام الحساسية لأقصى درجة تفاديًا لإثارة مشاعر الحسد لدى أي إنسان، والأكثر من ذلك تمهيدُ الطريق الذي نسير فيه للآخرين عبر جعل أهدافنا هدفًا يتبنّونه، إن كنتم ترغبون في اعتلاء قمة جبل “إفريست”، فادعوا الآخرين من مختلف الأفكار الذين يُكنون لكم الضغينة والحسد أن “هيّا بنا نصعد سويًّا”.. أَثبتوا أنكم لا تفرقون ولا تعادون أحدًا، بالإضافة إلى ذلك لا تنسوا أن أصحاب الأفكار المختلفة عنكم قد يُضيفون إليكم شيئًا مفيدًا، لا تربطوا المسألة بفلان أو علان فحسب فتُضيّقوا الفضاء الذي بسطه الإسلام، ولا تُحَوِّلوا ما أمامنا من طرق واسعة إلى دُروبٍ ومنعطفات من أجل الوصول إلى الهدف، وإلا تعثّرتم في الطريق، وعجزتم عن الوصول إلى المكان المطلوب.

لا تدخلوا مع بعض الأشخاص في خلافات وصراعات بشأن بعض القضايا الفرعية، لا سيما إن كنتم تستطيعون الاجتماع حول محكمات القرآن والسنة، احترموا تمامًا الطريق الذي يسير فيه كلُّ إنسان، والمنهجَ الذي يتبعه؛ فالاحترام مفتاحٌ سحري، إن تحترموا الآخرين تُثيروا مشاعر الاحترام لديهم تجاهكم، وإلا فإنكم تدفعونهم إلى مهاجمتكم، عبروا للآخرين عن مشاعر التقدير، ولا تفعلوا هذا انطلاقًا من مبدإ المُداراة، بل لأنكم تؤمنون بذلك في أعماقكم، ليسمعوا الصوت والنغمة نفسها كلّما سمعوكم في مناسبات وأوقات مختلفة تمامًا، وهذا سيكشف صدقَكم وإخلاصكم؛ لأن القولَ شيءٌ، والحفاظ َعليه، وجعلَه جزءًا من طبيعة الإنسان شيءٌ آخر.

إنكم لا محالةَ ستجدون صعوبة بالغة في هذا الأمر، ولن يوافق الطريقُ الذي يسلكه الآخرون فهمَكم وطبيعتَكم، وستُطلُّ الأنانية برأسها، بل وستصبح تلك الأنانية أكثر صلابة فيما يتعلق بالأنانية الجماعية، ولكن ينبغي أن تعرفوا أن التغلب على مثل هذه الصعوبات يتأتّى عن طريق إعطائكم إرادتَكم حقّها، وتحمّلِ المواقف المزعجة، بل إن التراجع إلى الوراء بضع خطوات -إذا لزم الأمر- سيمنحُكم ثوابَ العبادة من ناحية، ويجعل الآخرين يتعاطفون معكم ويتوقون إلى مشاركتِكم دربَكم ومنهجَكم من ناحية أخرى.. علاوة على أن من لم ير منكم إساءةً لسنوات طويلة فسيبدأ في بناء الثقة بكم.

وكما أكدنا سابقًا؛ فالطرق المؤدية إلى الله تعالى كثيرةٌ بعدد أنفاس المخلوقات؛ وذلك بحكم الفطرة، وعليه فإن الاختلاف في الفروع جنايةٌ طالما أمكن الاتفاق في القضايا الرئيسة، إن كنتم تبتعدون عن البعض بدعوى أنكم تتبعون الطريق الأجمل فهذا يعني أنكم على خطإٍ عظيم، وعلى حد قول الأستاذ النورسي فإن الحسن المتفق عليه أفضل من الأحسن المختلف فيه، ومن ثم فإن عصرنا الذي يحتاج بشدة إلى الوفاق والاتفاق في أمسِّ الحاجة إلى تناول مشاعر الحسد أو التنافس التي في الصدور، وعجنها ووضعها في قالب الإخلاص، فإن لم تُراعَ تلك المبادئُ فإن مسار الطريق سيكون في خطر، ومهما تحركتم بتضحية وفدائية فستقع حوادث مرورية لا يمكن توقّعها، ثم تضطرون إلى بذل عشرة أعوام من عمركم في مسافةٍ يمكنُ قطعها خلال عامين فقط.

   فتن المنافقين وإفسادهم

بالإضافة إلى كل ذلك، لا يمكن تجاهل دور المنافقين الذين يسيئون التصرف ويفسدون باستمرار، فإن كانوا يكرهونكم بسبب دينكم وتدينكم، وطريقكم ومنهجكم، ونموكم وتطوركم وتقدمكم فسوف يدبرون لكم المكائد والمؤامرات واحدةً تلو الأخرى باستمرار، وإن بلادنا لم تخلُ قطّ ممن يعادون الدين، ويثيرون الخلافات والشقاق بين أفراد الأمة باستمرار، ويرغبون في إفساد البنية العامة لبلادنا والزج بها في دوامة الاضطرابات، فهؤلاء الأشخاص الذين سيطرت عليهم فكرة الشر سيشعرون بالانزعاج من كل الحملات الإيجابية التي تعود بالنفع على البلاد، فيفعلون كل ما بوسعهم لعرقلتها وإفسادها.

إنهم يعملون ضدكم باستمرار؛ فيهمسون -أحيانًا- في آذان الحاكمِ بأشياء يُلَفِّقُونها ضدكم، وأحيانًا يختلقون بعضَ الحجج الواهية فيقدمونكم من خلالها إلى الرأي العام كمجرمين، وأحيانًا أخرى يُحرّضون عليكم الناس من قطاعات مختلفة، حتى إنهم عند عجزهم عن الوصول إلى أهدافهم بمثل هذه الفتن يضعون مختلف شرائح المجتمع في مواجهة مباشرة؛ فيضربون بعضها ببعض، ويحاولون إثارة الصدام فيما بينها، وبعد أن تقضي شريحة على الأخرى سوف يقفزون هم أيضًا على رأسها.

ولهم مؤسّسات فكرية ومراكز إستراتيجية أسّسوها للقيام بهذه الأعمال على وجه الخصوص، وفي أروقتها يضعون الخطط والمشاريع المتعلقة بكيفية القضاء على من لا يفكّرون مثلهم، وفي غرفها المغلقة يُلَفِّقُون شتى الأكاذيب والافتراءات بشأنهم، لدرجة أن رياح -وبعبارة أصح عواصف- تلك الفتن والمفاسد التي يثيرها مثل هؤلاء الناس يمكنها تقويض الدول؛ لأن التخريب أسهل من التعمير.

وهنا لا بد من القول إنه لا أساس إطلاقًا لكل المزاعم المثارة ضد الخدمة، وما هي إلا افتراءات وتشويهات، حتى إنّ مثيري تلك الافتراءات يعلمون هم أنفسُهُم أنه لا أساس لها من الصحة، ولا سيما أن وصف المنتسبين إلى الخدمة بالإرهابيين، واتهامَهم بخيانة الوطن ليس إلا نتيجةً للحقد عليهم والاغتياظِ منهم؛ لأنه حتى اليوم لم يخرج من بين المنتسبين إلى حركة الخدمة، الضاربين في شتى أصقاع الأرض حاملين إليها رسائل المحبة شخصٌ على الإطلاق لجأ إلى العنف أو تلوّثَ بالجريمة.

إن مُرَوِّجي هذه المزاعم يعلمون يقينًا أن رجال الخدمة لم يحملوا معهم ولو حتى شفرةً صغيرة، ناهيك عن أن يلجؤوا إلى العنف والإرهاب المسلح؛ فهؤلاء الأشخاص الذين نذروا أنفسهم للحب لا يدوسون ولو حتى نملةً عامدين، وبالرغم من كل هذا التحريض والضغط فقد حافظ رجال الخدمة على نهجهم، ولم يخرجوا إلى الشوارع بأي شكل من الأشكال، وهذا دليل كافٍ على صدقهم وإخلاصهم، كما أن متطوعي الخدمة الموجودين منذ ما يقرب من نصف قرن والنشطين في مجالات مختلفة لم يثبت بحقهم حتى الآن أيُّ دليلٍ على ارتكابهم لأية جريمة بالرغم من مراقبتهم من قبل أجهزة سرية مختلفة؛ لذا سُمح بالعمل للمؤسسات التي أنشؤوها في العديد من دول العالم.

لكنه وعلى الرغم من هذا البياض الناصع لسجلات المنتسبين إلى الخدمة إلا أن هناك أشخاصًا يُعادون متطوعي حركة الخدمة لأسباب مختلفة؛ منها ما ذكرناه سابقًا ومنها ما لم نذكره، ويختلقون ويُلفّقون الأدلة لإدانتهم، ويحيكون الخطط لإيذائهم، بدعوى الحفاظ على مستقبل الأمة ومصالح البلاد أحيانًا، وبذريعة حماية أسس الدين، ومتطلبات الجمهورية والديمقراطية وتحقيق السلام العالمي أحيانًا أخرى، مع أن الخدمة لم ولا ولن تمس هذه العناصر بأي سوءٍ أو ضرر.. الأمرُ على العكس تمامًا؛ فالخدمات المبذولة ترمي إلى دعم كل هؤلاء وتطويرهم، لذا فإن الواقع على عاتقنا هو بيان كل هذه الأمور وتوضيحُها مرارًا وتكرارًا.

   مواصلة العمل

وبغض النظر عما يفعله الآخرون من شرور؛ فإن الذين آمنوا بالله وحكمته، والتزموا أوامره بالسعي فهداهم سبحانه وتعالى إلى الطريق القويم؛ لا تدفعهم تلك الأفعالُ إلى التردد، ولا تُحيرهم أو تنالُ من عزيمتهم، ولا تجعلهم يتوقفون أبدًا.. إن هؤلاء المؤمنين بالله وحكمته ما داموا يثقون بأن طريقَهم يَعِدُ بنتائج طيبة لصالح أمّتنا والبشرية في العالم على حدٍّ سواء، وما داموا يفحصون طريقهم باستمرار ويتحقّقون من مدى صحة الموضع الذي يتم الوصول إليه بالنسبة للمقاييس العامة والقِيَم الكونية؛ فعليهم ألا يَنظروا إلى الكلام الصادر من هنا وهناك، وألا يرتبكوا أو يخافوا طالما تيقّنوا من عدم ارتكابهم الخطأ.

فقد رُميَ نبيُّ الله نوح عليه السلام بالحجارة، وتعرّض سيّدُنا هود عليه السلام للتضييق والتهديد، وهُدّد صالح عليه السلام بالقتل، واضطر سيدنا موسى عليه السلام إلى ترك وطنه، وأُرِيدَ صَلبُ المسيح عليه السلام، ونُشر زكرياءُ عليه السلام بالمنشار، وهناك الكثير والكثير من الأنبياء تعرضوا لشتى أنواع الظلم والقمع.. لكنَّ أيَّ فردٍ منهم لم ينكص عن الطريق الذي سلكه، وإذا كان أشرفُ عباد الله تعالى وأقربُ خلقه إليه قد سامهم الظالمون شتى أنواع الأذى وأذاقوهم صنوفَ الألمِ؛ فلا يمكن لسالكي دربِ السعادةِ على هداهم ألّا يُفتَنوا كما فُتِنَ سلَفُهم الصالح، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (سورة العَنْكَبوتِ: 29/2-3).

ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ فَمَنْ ثَخُنَ دِينُهُ ثَخُنَ بَلَاؤُهُ وَمَنْ ضَعُفَ دِينُهُ ضَعُفَ بَلَاؤُهُ[1].

وعليه يُعتبر المضحون الذين يستهدفون نيل رضا الله تعالى عبر إحياء مستقبل الإنسانية قد فازوا في النهاية حتى وإن أُلقوا في حفر الموت على قارعة الطريق، ولا ينبغي لهم أن يحزنوا لذلك، بل يحزنون على مَن ظلمهم وتأخذهم الرأفة بهؤلاء المعتدين الذين ضيّعوا آخرتهم بأيديهم، فعندما شُنق عبد الله بن الزبير رضي الله عنه من قِبَلِ “الحجاج بن يوسف” برزت أمه سيدتنا أسماء رضي الله عنها للحجاج وخطبت خطابًا مؤثرًا مزعزعًا، فكان مما قالته للحجاج: “يا حجاج! لَئِنْ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ لَقَدْ أَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ”[2]، إذًا يجب أن يكون هذا ما يُحزِنُنا.

بالإضافة إلى ذلك: تسامَحُوا وأحبّوا ما استطعتم، ولا تنسوا أنّ عَبَدَةَ الشيطان ومَنْ يتحركون بتوجيهاته لن يتخلّوا عن عدائهم لكم، فعليكم أن تواصلوا طريقكم بحذر ويقظة، وتذكّروا أنه كلّما منَّ الله تعالى عليكم بنعمٍ وألطافٍ انزعج من ذلك أعداء الله ورسولُه، وراحوا يحيكون المؤامرات في سبيل تشويه خدماتكم الطاهرة، والحقيقةُ أنه بالنظر إلى الخدمات المبذولة باسم الخدمة يتبيّنُ أنها لا يمكن أن تُزعجَ أحدًا سوى الشيطان المطرودِ من حضرة الله، غير أن هناك أشخاصًا كثيرين يُعينُون الشيطان على الشرّ، لذا فينبغي لكم وأنتم تواصلون طريقكم بعيدًا عن التوقف أو الذعرِ؛ أن تتحلّوا بالبصيرة الفائقة والحيطة والحذر التامّين.

ونظرًا لأن التعامل مع هذه الأشياء الواسعة الدائرة إلى هذا الحد لا يمكن أن يتحقق من خلال الاعتبارات الفردية، يلزمكم تناولُ الأمور الخاصة بكم وفقًا لمبدإ المشورة والوعي الجماعي، وإن كنتم لا ترغبون في التعرض للخيبة والخسران فعليكم بالتشاور حتى في أبسط الأمور، والالتزام بالقرارات الناتجة عن ذلك.

   المحاسبة

أخيرًا وليس آخرًا، من المفيد أن أذكركم بأمر كثيرًا ما نؤكد عليه؛ حيث إن الأستاذ النورسيَّ يحمّل نفسه المسؤولية ويعتبر -في أحد المواضع من كتبه- أن اعتداء الدنيويّين عليه إنما حصلَ بسبب بعض المشاعر التي قد تدبُّ بداخله، والتي لا يُقرُّها أصلًا.. لذا يجب علينا قطعًا أن نُخضع أنفسنا للمحاسبة في هذا الشأن، فنحن نقول إننا نبغي رضا الله تعالى فقط، وإننا متعلقون بغاية سامية جدًّا هي إعلاء كلمة الله التي هي أكبر وسائل نيل رضاه تعالى، تُرى هل نستطيع الحفاظ دائمًا على تلك الفكرة والشعور الأول في كل لحظةٍ من حياتنا؟ تُرى هل تخطر ببالنا -ولو شيئًا قليلًا- أفكارٌ مثل الاستفادة من النعم الدنيوية وتحقيق الراحة في الدنيا؟ تُرى هل نتدخل في شأن الربوبية من خلال التشوف إلى بعض الرغبات المتعلّقة بالمستقبل؟ تُرى هل نثق باتساع الخدمات المبذولة ونراها وكأنها مصدر قوة فننسى مصدر القوة الحقيقي الذي يجب الركون إليه والوثوق به؟!

من الممكن زيادة الأسئلة أكثر، ويمكنكم التفكير فيما هو أعمق من ذلك، ومحاسبة أنفسكم من هذه الناحية؛ فالتعبير عن أمرٍ ما شيء، وتمثل ذلك الأمر شيءٌ آخر، إنْ صدر منكم أيُّ خطإٍ أو تقصيرٍ في هذه القضايا فقد تنالون صفعة رحمة، وبالتالي فما يجب عليكم فعله هو سرعة التوجه إلى الله بالتوبة والاستغفار كمن أذنب، وبما أنَّ أحدًا منّا ليس مُبَرّأً ومزكًّى فلا نستطيع أن نزعم أن مشاعرنا وأفكارنا نظيفةٌ معصومةٌ على الدوام، تمامًا مثل بعض الدقيق الذي يخرج من بين حَجَرَيْ الطاحونة ويتطاير بعيدًا عن المخزن، فإن بعض أفكارنا أيضًا قد تذهب بنا إلى أماكن لا نريدها، ويستغل الشيطان فراغكم هذا فيُسلِّط عليكم بعضَ الناس، وهو ما يعتبر في الوقت نفسه عقابًا إلهيًّا لكم نتيجة أخطائكم.

ومن ثمَّ يجب علينا الحذر التام لئلا تكون هناك أية ثغرة في علاقتنا مع الله تعالى، ولنراقب أنفسنا باستمرار: هل نحافظ على قوامنا أم لا؟ فإن حدّدْنا أخطاءنا وأوجهَ تقصيرنا وجب علينا الإسراع بإصلاحها، وعندما نفعلُ ذلك ونوثق صلَتَنا بالله تعالى فإنه يحفظنا ويرعانا، وإن استطعنا التغلّب على أنفسنا وعلى الشيطان طاشت أفكار المخطّطين ضدنا، وضلت أعمال المنفذين، والخلاصة أن الله تعالى سيواصل إنعامه علينا طالما أننا لم نتعرّض للتشوّه والتفسّخ الداخلي.

[1] الحاكم: المستدرك على الصحيحين، 1/99.

[2] الحاكم” المستدرك على الصحيحين، 4/571.

الجَرَّة المشروخة: اتهامات وافتراءات على الخدمة

Herkul | | العربية

   سؤال: لماذا كلُّ هذه الاتهامات والافتراءات بل والإهانات لحركة الخدمة التي اختارت لنفسها منذ البداية طريقَ المحبة والتسامح والتضحية والتفاني؟ وما الذي ينبغي عمله إزاء كل هذه التصرفات؟

   الجواب: بادئ ذي بدء أرى من الضروري التنبيهَ إلى شيء طالما ذكرته في مناسبات عدة، وهو أنه ليس من الصواب قطعًا نسبة الخدمات التعليمية والثقافية والإغاثية التي بذلتها حركة الخدمة المنتشرة في كل بقاع الأرض إلى الأنانية الجماعية، أو عزوُها إلى أشخاص معينين، أو إرجاعها إلى بنية مركزية ذات تسلسل وظيفي هرمي، فمثل هذه الرؤى والتفسيرات ناشئةٌ عن الجهل بماهية الأمر؛ لأن كل هذه الفعاليات القائمة هي من أجل مكافحة ألدّ أعداء الإنسانية في أيامنا مثل الجهل والفقر والفرقة، والكشف عن إمكانية التعايش السلمي مع كل الإنسانية؛ إنما هي أثرٌ من آثار القلوب المضحية التي التفّت حول غاية سامية منطقية جليلة.

فكما أن بعض العبادات مثل صلاة الجمعة والطواف حول الكعبة والوقوف بعرفة تجمع الذين يسيرون إلى هدفٍ واحد ويحملون مشاعر وأفكارًا واحدة في المسجد أو المطاف أو عرفات؛ فكذلك وحدة الفكر والشعور هي التي تجمع محبِّي الخدمة حول فعاليات ومشاريع معينة؛ لأن بعض الأرواح المتفانية التي تجيش قلوبها بخدمة الإنسانية ويراودها حلم المستقبل المشرِق في حلّها وترحالها عندما ترى أيَّ تجمُّعٍ -ولو كان صغيرًا- يقوم بالخدمات التي يتصورونها ويحلمون بها؛ فإنهم يفكرون مباشرةً في ضرورة أن يكون لهم مكان ضمن هذا الأمر، ويشرعون في دعم الخدمات المبذولة.

لا سيما وأن الصدق والآمال والثقة والعشق والشوق الذي يحمله هؤلاء الذين انضمّوا إلى هذه القافلة المباركة من قبل وكرسوا حياتهم لها دون تشوّفٍ لأي منفعة؛ يجذب الكثيرين للانضمام إليهم، أي إن الخدمات التي يبذلها هؤلاء المتطوعون الذين يتمتعون بهذه الأخلاق الرفيعة وليس لهم هدف سوى خدمة الإنسانية تمثل مرجعًا مهمًّا للآخرين، وتشجعهم على الاشتراك في هذه الفعاليات ورعايتها.

علاوة على أنّ تقبُّلَ أصحابِ الثقافات والأعراق بل والديانات المختلفة لأنشطة الخدمة ودعْمَهم لها قد وسّع من نطاق الأمر، فرغم أنّ هذه الخدمات قد بدأت في أول الأمر على يد حفنةٍ من الرجال فإن العديد من الناس الذين لمسوا سلامة ونفع هذه الخدمات قد قاموا باستنساخ هذه المشاريع الخدمية في الأماكن التي يعيشون فيها؛ وبتعبير آخر: اجتمع العديد من الناس رغم اختلاف فلسفتهم الحياتية ورؤاهم العالمية حول منطقية الخدمة، وبينما تحمَّلَ بعضُهم المسؤولية في الأنشطة التعليمية والثقافية أو الحوارية مباشرة بدأ البعض الآخر في دعم هذه الأعمال ماديًّا ومعنويًّا.

فلو لم تكن هذه الأعمالُ سليمةً ومنطقيةً من حيث القيم الإنسانية العالمية وظروف الزمان الذي نعيش فيه لما كان من الممكن أن يتحرك نحوَ هذه الخدمات مثلُ هذا الكمّ الغفير الذي جاوز الملايين، ولكان من المتعذّر إقامة مئات المدارس في كل أنحاء العالم شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، ولمَا بذل رجال الأعمال كل ما بحوزتهم في سبيل رعاية الطلاب، ولما أقيمت جسورٌ للحوار بين الناس بمختلف الأفكار في بلاد مختلفة من العالم، فحتى يتحقق ذلك كان لا بدّ لهذه الأعمال والخدمات أن تكون من مقررات ومعاييرِ الدين الذي تتبعونه والعقلِ الذي تحملونَه والقيمِ التي تتبنونها.

إنني أرى أن العامل الأهم في نجاح هذه الخدمات هو عناية الله وإعانته سبحانه وتعالى، وإن كان البعضُ لا يُفكر على هذا المنوال إلّا أنني أؤمن بذلك، فالله تعالى يدلّل على عظمته أحيانًا بأن يوظِّف أناسًا صغارًا ضعافًا في أعمال شاقّة عظيمة، وهذا في رأينا ممكن أن نراه بوضوح عند النظر إلى الخدمات المبذولة، ولكن قد لا يبدو هذا الأمر منطقيًّا بالنسبة للجميع، غير أن الأعمال العظيمة التي قام بها فتيانٌ تخرجوا حديثًا في الجامعة، ليس بحوزتهم إمكانيات مادية كافية، ولا يحملون أي تجربة أو معرفة بالبلاد التي سيهاجرون إليها أو الأعمال التي سيقومون بها، ثم قيامهم خلال فترة يسيرة بإقامة المدارس في تلك الدول، وتقبّل شعوب هذه الدول لهم؛ لا يمكن تفسير هذا كله إلا أن عناية الله وإعانته كانت ترعاهم وتقف إلى جانبهم.

ولكن قد ينظر البعض إلى عظمة الأعمال المبذولة فقط، فيخطِئ في الاستنتاجات؛ لأنه لم يدرك عظمة الله تعالى من وراء هذه الأمور، ويتخيل وجود بعض البؤر الخفية؛ فبحسب معاييرهم المعوجّة لا بدّ من وجود عباقرة مثل “نابليون” أو “يوليوس قيصر” أو بعض المؤسّسات الفكرية وراء هذه المشروعات والخدمات، فيقومون بتشويش الأذهان عبر تساؤلهم الدائب عن مصدر هذه الخدمات أو تلميحهم إلى وجود بؤر خفية، ويواصلون النظر بارتياب إلى العديد من هذه الأعمال الجميلة؛ بسبب جهلهم وعدم إدراكهم لعناية الله، وكيف أن التضحية قوة كبيرة، والأدهى من ذلك أنهم يقومون بالهجوم ويركنون إلى الافتراء على الخدمة وأربابها.

وفي رأينا أن كل هذه الخدمات قد تحققت بمشيئة الله تعالى وعنايته أولًا، وبدعم وجهود القلوب الصادقة التي استوعبت معقوليّة هذا الأمر ثانيًا، وإننا على يقين بأن الله سبحانه وتعالى لن يتخلى عنا في سيرنا هذا طالما اقتربنا منه وتحركنا في سبيل مرضاته.

   لا تتقرر الأحكام بناء على الأوهام والاحتمالات

أما النقطة الأخرى التي دعت هؤلاء لمهاجمة الخدمة وأربابها فهي تحرّكهم وفقًا للأوهام والاحتمالات ومقارنتهم رجال الخدمة بأنفسهم، فهؤلاء لما ظفروا بالقوة والنفوذ حاولوا من خلالهما تعزيز مناصبهم وإمكانياتهم المادية، واستغلالهما في القهر والتضييق على الذين لا يفكّرون مثلهم، وخافوا أن يفعل الآخرون الشيء نفسه، ونظرًا لأنهم نفذوا بأساليب ملتوية إلى مفاصل الدولة في فترة ما، وبعد ذلك فرضوا نُظمًا للوصاية من أجل التحكم فيمن لا يفكر مثلهم فقد فسروا المسألة بما يتوافق مع أفكارهم ومشاعرهم، وزعموا وجود بعض الأجندات السرية لدى رجال الخدمة الذين فتحوا صدورهم للجميع، ومن أن هؤلاء ذوي الكسبِ غيرِ المشروعِ هم شرذمة قليلون؛ إلا أنهم أثّروا في شرائح كبيرة من الشعب، وشوّهوا أذهانهم.

فمثلًا عزّ على البعض أن يتقلّد غيرُهم وينجح في القيام بمسؤوليات ووظائف مهمّة في الدولة، فراحوا يتحدثون عن نفوذ رجال الخدمة داخل أركان الدولة، وتشكيلهم كادرًا فيها، علمًا بأن الجميع مواطنون في هذه الدولة ومن نسيجها، ولكلٍّ الحق في الاشتغال بالوظيفة التي يرغبها بعد استحقاقه لها، وادعاء خلاف ذلك ضربٌ من التمييز.. ولقد ذكرتُ هذا من فوق المنبر قبل أربعين أو خمسين عامًا، قلتُ لجموع المصلين حينها: “لماذا يرسل المتدينون في هذه الدولة أولادهم إلى المعاهد الدينية، ومدارس الأئمة والخطباء، وكليات الإلهيات فقط؟ ألا توجد مدارس أخرى في هذه الدولة؟ لماذا لا تعلّمون أبناءكم في كلية الطب؟ ولا توجهونهم إلى كلية العلوم السياسية والقضاء والأمن والكلّيات العسكرية؟ هذه الدولة دولتنا، وهذه المدارس مدارسنا، فيجب أن يوجه مواطنو هذه الدولة أبناءهم إلى كل المجالات التي يرونها جديرة بهم ونافعة لهم”.

لقد ناديتُ قديمًا بكثيرٍ من هذه الأفكار جهارًا نهارًا، وبأريحيةٍ تامّة من على متن المنبر، ولو تكرر الأمرُ اليوم لذكرتُ الشيءَ نفسَه، ولكن رغم ذلك ما زال البعض يتحدث عن مسألة تسلل رجال الخدمة إلى مفاصل الدولة، علمًا بأن التسلل يعني نفوذ عنصر أجنبي إلى بنية الدولة في خفاء؛ فقد يتسلل بعض الأشخاص من أممٍ مختلفة إلى بنية الدولة للتحكم في مقدراتها، أما مواطنو الدولة فلا يُسمّى عملُهم فيها تسلُّلًا، بل التحاقًا، لأن الالتحاق حق من حقوقهم؛ فمن حق أبناء هذه الدولة الحقيقيين أن يتقلّدوا الوظائف في كل مناصب الدولة المهمة، وأن يكونوا من المقرِّرين لمستقبلها، وادعاءُ خلافِ ذلك هو عطبٌ فكري.

من جانبٍ آخر فليس من الصواب مطلقًا الانزلاق وراء أوهام وشبهات متعلقة بالمستقبل؛ لأنه لا بد وأن رجال الخدمة غدًا سيتحركون على نفس النهج الذي يسيرون عليه اليوم، فمن بين الدساتير المهمة عند هؤلاء: أن يتوجّهوا بالمحبة والشفقة إلى جميع الإنسانية، ويحتضنوا الجميع، ولا يتخلّون عن المروءة والإنسانية حتى إزاء أعدائهم الألدّاء، فإن كان لا بد من الحديث عن أجندة هؤلاء فإنني أقول: إن هذه الأجندة لا وجود فيها لشهرةٍ أو صيت، أو منصب أو موقع، أو أي سلطنة دنيوية؛ الشيءُ الوحيد الذي ينشدونه هو رضا الله تعالى، أما ما دون ذلك من مصالح وأطماع فقد أوصدوا كل الأبواب دونها.

دعكم من المناصب والسلطات الدنيوية، إن هؤلاء الرجال لا يرون من الصواب -أو لا ينبغي أن يروا- تعليق خدماتهم حتى على مصلحة أخروية؛ فمثلًا قد يتجرع الإنسان بعضَ المعاناة والآلام في سبيل الخدمة التي يبذلها إرضاءً لله، كأن يتعرض للملاحقات والتحقيقات والتهديدات والنفي والحبس وهجر الوطن، فلو أنه تمنى في نفسه الجنة مقابل ما يلقاه فقد طلب شيئًا زهيدًا للغاية، إذ كيف نطلب ما هو أدنى من رضا الله، طبيعيّ أن يسأل العبدُ اللهَ الجنةَ في دعائه والبعد عن النار، ولكن تعليق عمل الخير على هذا الأمر يعني طلب القليل رغم وجود فرص للفوز بمكاسب أفضل وأعظم.

والآن فإن لم تكن الجنة هي الهدف من هذه الفعاليات الجميلة التي تتحقق باسم الخدمة فإن أي سلطنة دنيوية -في رأيي- لا قيمة لها بجانبها، ولذلك فإذا كان جزاء هذه الخدمات رضا الله ومرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى، فلا نجعل من خدماتنا وسيلة للوصول إلى أي مقامات أو مناصب دنيوية.. ولذا فإن نيابة البرلمان، والوزارة، ورئاسة الوزراء، وغيرها من المناصب التي يُشار إليها بالبنان ويتهافت عليها الناس ويصفقون لأصحابها هي بعيدة كل البعد عنا، حيث إننا نراها تردّيًا عن الموقع الذي نتواجد فيه، فلا يصح لمن ظفر بالدخول إلى دائرة الحرم ومخاطبة السلطان أن يطلب ما يطلبه الذين يقفون في الممرات!

   اختلاف عالمهم الفكري

ومِن المعلوم لدى الكثيرين ما قام به متطوعو الخدمة من تضحيات رائعة في تركيا أو في أنحاء مختلفة من العالم، ومَنْ تربطه بهؤلاء الفدائيين علاقةٌ قريبة فقد اطّلعَ قطعًا على تلك التضحيات، ولا شك أنهم تحدثوا مرات ومرات عن الخدمات التي قام بها هؤلاء الفتية الذين أنهوا جامعتهم حديثًا ورحلوا إلى بلادٍ وراء البحار يجهلون حتى اسمها وموقعها على الخريطة، فقاموا بوظائفهم هنالك وعملوا كالعمّال عند تشييد المدارس بأجورٍ زهيدة يتقاضونها أحيانًا ولا يجدونها أحيانًا أخرى.

إن تضحيات هؤلاء ليست متعلقة بزمن معين، فما زال العديد من متطوعي الخدمة رغم بلوغهم أرذل العمر يواصلون هذه التضحيات.

وهذا يؤكد لنا أنه من غير الممكن أن تتحقق هذه التضحيات من أجل قضاء باقي سنوات العمر في أريحية وهدوء، أو بغية الحصول على بعض المقامات والمناصب الدنيوية؛ لأن الحصول على بعض المنافع الدنيوية لا يجدر به كل تلك المعاناة وهذا القدر من الحرمان، إن الهدف الكامن وراء هذه التضحيات كما ذكرنا سابقًا هو نيل رضا الله وتحقيق السعادة الأخروية، وهذا يعني أن هذه القلوب المضحية لا تنشد إلا النجاح بمدِّ يد العون للآخرين، وتخليصهم من مستنقع الجهل والفقر والفرقة.

ولكن من المتعذر أن يفهم هذا أولئك الذين تربوا في محيطات ثقافية مختلفة عنكم ولا عِلْمَ لهم بعالمكم الفكري، إذ كيف لهم أن يستوعبوا معنى هذه التضحيات دون أن يخالطوكم أو يعرفوا خصائص الطريق الذي تسيرون فيه!

إن أولئك الذين لم يقوموا بأي تضحية في حياتهم إلا وفكّروا في المصلحة التي تعود عليهم من خلالها؛ إنما هم دنيويّون، يقضون كل أعمارهم في الركض خلف الدنيا الفانية، ولذا من المستحيل أن يفهموا الخدمات التي تحققت بروح التفاني ودون تشوّفٍ لأي غرض دنيوي؛ لأن هؤلاء لم يفكروا في مثل هذا، ولم يسمعوا عنه، ولم يشاهدوه، ولم يعيشوه.

   أن نحسن التعبير عن أنفسنا

وإنني بهذا القول لا أقصد تبريرَ مخاوفهم وشكوكهم في هذه المسألة أو أبحث عن عذر لهم، بالعكس فإنني أقول هذا بغيةَ فهمِ ما يجري على الوجه الصحيح، وتحديدِ ما ينبغي عمله بشكل سليم، إذ علينا أن نواصل شرح المسألة وتوضيحها حتى وإن لم يفهموا، وأن نحاول الاقتراب منهم وإن كانوا بعيدين عنا، وألا نكتفي بالتبليغ مرة أو اثنتين أو ثلاثة، بل نواصل شرحنا وتوضيحنا كما كان يفعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرة الرابعة والخامسة والسادسة…

وكلكم يعلم ما فعله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمرو بن هشام المشهور بأبي جهل، وكيف أنه ذهب إليه يدعوه إلى الإسلام ربما خمسين أو مائة مرة، لقد كان أبو جهل بالفعل إنسانًا يصعبُ إقناعه بالإيمان باعتباره شخصًا مصرًّا على الكفر والضلالة، وكما كان عنيدًا إلى أقصى حدّ، كان أيضًا يرى نفسه أفضل من الآخرين، وينظر إلى الجميع من برج عاجيّ، كان -وهو سيدٌ من سادات بني مخزوم- يحلم باليوم الذي يرأس فيه مكة كلها، ولذا لم يستسغ ظهورَ إنسانٍ آخر يُدير هذا المجتمع ماديًّا ومعنويًّا، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم صاحبُ الفطنة العظمى على علمٍ بهذا كله، ومع ذلك لم يكترث بالأمر، ومضى يواصل تبليغه، لأن التبليغ واجبُه، أما الهداية فهي من الله وحده.

ولهذا يجب ألا نقنع بما نفعله في سبيل تبليغ مشاعرنا وأفكارنا، ونواصل التعبير عن أنفسنا مرة بعد أخرى، ذات يوم جاءني شخص مهم وقال لي: “ما زال هناك العديد من الناس من شرائح مختلفة يجهلون روح الخدمة ومعناها”، وهذا يعني أننا قد ركنّا إلى الدعة والخمول، فلم نستطع أن نعبّر عن ذاتيتنا للآخرين بشكل صحيح، ولم نقم بما ينبغي، سواء بأقوالنا أو بأفعالنا، ولم نعط الآخرين فرصةً للتعرف علينا عن كثب، ورغم أن خدماتنا ارتقت عموديًّا فقد ظلّ تعريف الآخرين بهذه الخدمات يجري بشكل أفقي.

ومن ثَمّ ينبغي ألا نتكاسل أو نتباطأ في هذا الموضوع، ولو لزم الأمر يجب السير إلى أقدام هؤلاء فردًا فردًا كما كنا نفعل أثناء فعاليات الحوار في التسعينات من القرن المنصرم. أجل، إذا كنا نريد ألا تعترضنا المشاكل في طريقنا، فلا بد أن نوسّع المحيط الذي نتواصل معه بقدر ارتقائنا وتوسُّعنا في الخدمات، وإن كنا لا نريد أن يقطع طريقنا على التوالي هؤلاء الذين أُشرِبت قلوبهم بالحسد والغيرة والعداوات التي ورثوها عن الماضي، فيجب أن نواصل تجديد خطواتنا في سبيل تحطيم هذه العداوات وتهيئة البيئات وتكثير عدد المتعاطفين معنا وإقامة الصداقات.

ألَا تودّون أن يدرك الآخرون جمالياتكم ويشاركوكم دربكم ذات يوم؟! ألا ترغبون في أن يدافعوا عنكم ضد المفترين؟! إذًا يجبُ عليكم إذا رأيتموهم يخطِئون في التعرف عليكم بسبب اختلاف ثقافتهم وفكرهم ويتمادون في اتهامكم دون وجه حق؛ أن تواصلوا بإصرار وعزيمة التعبيرَ عن استغنائكم وإخلاصكم وصدقكم ومحبتكم وسماحتكم وعدم تشوّفكم لأي غرض دنيوي، وحتى يتسنى لهم التعرّف على حقيقتكم وإدراك ما تحملونه من مشاعر في سبيل خير الإنسانية؛ فلا بد أن تخالطوهم فترةً مديدة، واعلموا أن شكّهم وريبتهم فيكم ستستمرّ حتى تأتي اللحظة التي تحسنون فيها التعبير عن أنفسكم.

فإن كنتم تريدون أن يأتي الناس إليكم سائرين فاذهبوا إليهم راكضين متخلّقين بالأخلاق الإلهية، وإن كنتم ترغبون أن يفتحوا صدورهم لكم فابدؤوهم أنتم بفتح صدوركم لهم، وإن كنتم تترقّبون منهم البسمة فقابلوهم بوجه طَلْق، افتحوا قلوبكم للجميع حتى يفتح الآلاف قلوبهم لكم، انفذوا إلى أعماق القلوب حتى لا تلقوا أيّ ردّة فعل في أي مكان، واقتربوا من الجميع حتى يقتربوا منكم.

وإلى جانب كلِّ هذا إن أردنا أن يفهمنا الآخرون ويتعرفوا علينا بشكلٍ صحيح فعلينا أن نعامل الجميع بوضوحٍ وشفافية مطلقة، وأن نظهر دائمًا ما نكنّ لهم من مشاعر صادقة، ولكن يجب علينا عند فعل ذلك أن نراعي مستوى فهم الآخرين، ولا نقع في خطإ انتقاء الأسلوب الذي نعاملهم به.

 فضلًا عن ذلك يجب أن نفعل ما نفعل بما يتوافق مع قوانين ولوائح البلاد التي نتواجد فيها، بل علينا قبل أن نخطو أي خطوة أن نتقابل مع المسؤولين في تلك البلاد، وأن نأخذ الإذن منهم في القيام بخدماتنا، وندعوهم إلى البرامج والفعاليات التي نقيمها، ونفتح مجالسنا للجميع حتى يتعرفوا علينا عن قرب، وأن نُظهر للجميع أننا جديرون بحفظ الثقة وصيانة الأمانة، ولا يمكن أن يأتي الضرر من قِبَلنا.

ومن ثَمّ يجب أن نتجنّب كلَّ فعلٍ أو سلوك يدعو الآخرين إلى التوجس خيفة منا؛ حتى لا نفتح المجال لأن يخطئوا في تفسيراتهم أو يراودهم حسٌّ بأننا نشتغل بأمور خفية من ورائهم، ويجب ألا تنسوا أن خطأكم في مثل هذه الأمور لن يضرّ فقط بخدمة أصدقاء دربكم الذين يعملون في الخدمة في كل أنحاء العالم، بل سيصعِّب أمر أصدقائكم المتعاطفين مع أفكاركم وأمرَ خلَفِكم القادمين من بعدكم.

ولا شك أن نجاحكم في هذا الأمر لن يتحقق في التوّ واللحظة، بل ستجدون صعوبة في البداية، ويظل الشك يساور هؤلاء نحوكم حتى اللحظة التي تستطيعون فيها التعبير عن أنفسكم بشكل صحيح، غير أن مخاطبكم بعد أن يجرّبكم سنوات طويلة ويرى أنكم أمناء ثقات سيشرع في الحديث عنكم لغيركم، ويقول: “إن هؤلاء موضعُ ثقة، لا يتأتى الضرر منهم ألبتة”، ولا شك أن حديثهم ودفاعهم عنكم سيكون تزكيةً مهمّة بالنسبة لكم، وسيَنتُجُ عنه تأثيرٌ أبلغُ من حديثكم عن أنفسكم.

لا مناص أن يتمخض الزمان عن أمثال أبي جهل وعتبة وشيبة، لكن صوت الرأي العام ونفَسه وحماسَه سيقطع أنفاسهم.

وجدير بالإنسان أن يفعل كل ما بوسعه للوصول إلى مثل هذه النتيجة؛ لأن ما نتحمله ولا نستسيغه اليوم سيأتي يوم ويُفرحنا، ولا ننسَ أن مهمتنا هي الاستثمار في الإنسان، أما نتيجةُ هذا الاستثمار فقد تستغرق على الأقل ربع قرن، وأحيانًا نصف قرن.

(هذا المقال سيتابع في الأسبوع القادم).

الجَرَّة المشروخة: الاستِدامة على الصفاء

Herkul | | العربية

   سؤال: حالف النجاحُ والتوفيقُ رجالَ الخدمة المهاجرين إلى خارج الوطن في سن الشباب؛ بسبب ما يتحلّون به من روح التضحية وعدم التشوف إلى أيّة منفعة، ولكن ما الأمور التي تجب مراعاتها في هذا الشأن كيلا يعتري هذه الخصالَ الحميدة بعضُ القصور مستقبلًا؟

   الجواب: يكمن وراء نجاح المؤسّسات التربوية المنتشرة في كل أنحاء العالم وغيرها من الأنشطة الخدمية التي ما زالت تواصل عملها في الوقت الحالي جهدٌ دؤوبٌ وسعيٌ حثيثٌ بذلهما فتيانٌ تخرجوا في الجامعة حديثًا وأقبلوا على الخدمة غير متشوّفين إلى شيءٍ من أحد. أجل، لقد نذر هؤلاء الفتية أرواحَهم من أجل الخدمة في سبيل الله، ويمّموا وجوههم إلى خارج الوطن يحركهم العشق والشوق إلى خدمة الإنسانية، فركزوا على المنوط بهم فقط، غير متطلعين إلى أي حساب شخصي يتعلق بالمستقبل، وإن الله سبحانه وتعالى لم يَدَعْ تلك الخطوات المباركة التي بذلوها بصدق وإخلاص دون مقابل، بل ضاعف لهم ثوابهم.

ومن جانبٍ آخر عند النظر إلى المسألة من الناحيتين النفسية والاجتماعية سنلاحظ أن متطوعي الخدمة الذين انتشروا في كل بقاع الأرض قد تقابلوا مع أناس يختلفون معهم في الثقافات والرؤى وفلسفة الحياة، وربما جعلهم هذا يحافظون على هويتهم الأصلية وقيمهم الذاتية، ومن المحتمل أيضًا أن تكون الأعراف والمعاملات والثقافات السائدة عند أهالي هذه البلاد -والتي لا تتوافق مع مشاعرهم وأفكارهم ومعتقداتهم- قد ألهبت صدورهم وشدّت من عزائمهم وجعلتهم يتوخّون الحيطة والحذر على الدوام. أجل، إن هؤلاء المتطوعين لما رأوا أنفسهم مضطرين إلى البقاء في مثل هذه البيئات التي لا تتوافق مع قيمهم الذاتية قالوا: لن نستطيع البقاء والثبات إلا بالحفاظ على هويتنا”، وراحوا يفكِّرون في ضرورة الحفاظ على قيمهم الذاتية حتى يتسنى لهم نفع شعوب البلاد التي رحلوا إليها.

ولكن يا تُرى هل استطاعوا الحفاظ على هذا الصفاء والنقاء مع تقدم العمر، وتزايد الإغراءات المادية؟ أم ستطِلّ الحسابات والمصالحُ الشخصية برأسها عليهم، وتُخَامِر أذهانَهم بعضُ المشاعر والأفكار الدنيوية من قبيل: الاستكانة إلى الراحة، والتشوّف إلى ما يضمن متاع الدنيا، والتطلع إلى مزيدٍ من السعادة، وامتلاك المسكن الدافئ؟

الأهم من ذلك هل سيتأثر هؤلاء الناس بمثل هذه الأفكار؟ وهل يمكن أن يقدِّموها على مشاعرهم تجاه الخدمة؟ وهل يا تُرى سيضطلعون بسلوكيات وأفعال يغلِّفها التظاهر والرياء من أجل الحفاظ على مكانتهم، واستدامة تقدير الناس وتوجههم إليهم؟ وهل سيشوب الكذبُ أفعالَهم وسلوكياتهم كأن يتظاهرون بأنهم يتحلَّون بأخلاقيات الخدمة، ويُشعرون من حولهم بأنهم يقومون بأعمال جادة؟

فإذا حصل ذلك فإن الخدمات المبذولة ستتأثّر قطعًا؛ نظرًا لاختلاط بعض الحسابات النفسانية والبشرية بالحسابات الإلهية، وربما يتسبب ذلك في وقوع بعض صفعات الشفقة من الله تعالى.

والحال أن المصيبة التي تقع بسبب ذنوب البعض وأخطائهم لا تقتصر على هؤلاء البعض فقط، لكنها تتعدى إلى الجميع بنص قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (سورة الأَنْفَالِ: 8/25)، وعلى ذلك فإن كان الكل سيتأذى من أخطاء البعض فينبغي للجميع أن يتوخوا المزيد من الحذر حتى لا ينالوا مثل هذا العقاب، بل يغلقوا ويوصدوا كلَّ المنافذ والأبواب التي تؤدي إلى ذلك.

من جانب آخر على الذين يتعرضون لمثل هذه الهزّة الجماعية أن يراجعوا أنفسهم مرة أخرى، ويفكروا في الحكمة من وراء ذلك، ويفطنوا إلى الأخطاء والغفلات والحماقات التي أدتْ إلى هذه النتيجة.

   المواظبة على التطبيق

وقد لا نلمس دائمًا الأداء الذي نتوقّعه من بعض الذين حازوا المقامات والمناصب ونالوا بسببها مزيدًا من المزايا؛ فنشعر بشيء من الخزي والانكسار والأسف، ففي هذا الموقف علينا أن نتخذ من هؤلاء موقفًا يشي باللوم والتأنيب، وأن نحاول إرشادهم إن وَاتَتنَا الفرصة، كأن نقول لهم: “بما أن الله خصّكم ببعض إحساناته وأفضاله فقد كان عليكم أن تكونوا هنا وليس هناك، وأن تتوجّهوا إليه سبحانه وتعالى بعبوديّة أكبر وأعمق، ولا تحيدوا عن الصدق والإخلاص”.

لا سيما إذا أخذت الأفكار والمشاعر التي يحملها هؤلاء الذين وصلوا إلى مقاماتٍ ومناصب معينة في الضعف والانطفاء؛ حينذاك سيبدأ هذا الوضع بمرور الزمن في التأثير على المحيطين بهم؛ حيث يلمسون ضعفًا في قوام هؤلاء الإداريين وتراخيًا في أداء خدماتهم، فيأخذون هم بدورهم أيضًا في الاستكانة إلى الدعة والخمول، بل دعك من المواقف والسلوكيات، فسوف تسري نوايا هؤلاء الإداريين ومقاصدهم إلى مَرؤوسيهم، وحتى وإن بدوا وكأنهم يسعون ويقومون بالخدمة مع ما لديهم من حسابات مزيفة فستدرك النفوس هذا التناقض، وتتخذ موقفًا إزاء ذلك.

ومن ثَمّ يجب على الرواد إذا رأوا في المسؤولين عنهم أطوارًا وتصرفاتٍ لا تليق بمكانتهم أن يراجعوا أنفسهم على الفور قبل توبيخهم، وألا ينسوا أنه ربما انعكست بعض الأخطاء والزلات الموجودة لديهم على مرؤوسيهم، وأن يعتقدوا في أنفسهم أنهم لم يعطوا المنصب الذي تبوؤوه حقه، ولم يحسنوا تمثيلَه.

 لأنني أعتقد أن ديمومةَ حُسْنِ التمثيلِ ستؤثر في الدائرة المحيطة بها يقينًا، وستلقى حسن القبول لديها على وجه القطع، فعلى سبيل المثال: أتيحت لي الفرصة قديمًا للإقامة مع بعض طلاب النور الذين كانوا يخدمون بديع الزمان رحمه الله ورؤيتهم عن كثب والتعرف عليهم، وفي خلال هذه المدة شاهدت فيهم عنايتهم البالغة بأداء الصلاة، ودوامهم على قراءة الأذكار والأوراد، وإحياءهم الليل دون انقطاع، واعتنائهم منقطع النظير بالوضوء والطهارة؛ وذلك لأن شيخهم الذي كانوا يتبعونه كان دقيقًا وحسّاسًا في مثل هذه الأمور، فانعكس حاله هذا على من حوله؛ لأنه قضى عمره كله حاملًا شعور العبودية الكاملة، ولذا لم يبق تمثيله الدائم بلا تأثير، ويمكنكم أن تستنبطوا من هذا الأمر قاعدة عامّة.

ومن ثمَّ فإن الناس إن لم يروا أمامهم مَن تعلّق قلبه بالله، وأدى عبادته بإخلاص، وقام بخدمته انطلاقًا من روح التفاني والتضحية فسيَبهَت عالمهم الداخلي ويُصاب بالضمور، لأنه كلما نزلنا من الأعلى إلى الأدنى انخفض المستوى وضعُف القوام، ولهذا يجب علينا إذا رأينا قصورًا أو خطأً في المحيطين بنا أن نشكو حالنا إلى الله بدلًا من أن نشكوهم، وأن نقول كما قال سيدنا يعقوب عليه السلام: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ (سورة يُوسُفَ: 12/86)، بل ينبغي أن نضيف إلى شكوانا غفلتنا وضلالتنا وتضاربنا وعدم كفاءتنا… إلخ.

وفي هذا الصدد أريد أن أنبه إلى شيء وهو: إنْ نَظَر كل إنسان يشغلُ أية وظيفة أو درجة أو مقام أو مسؤولية هذه النظرةَ إلى نفسه، وبدأ بمحاسبتها أولًا فإنَّ هذا هو التصرف الذي يليق به كمؤمن.

   طول الأمل

حذر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته من حب الدنيا وطول الأمل في حديثه الشريف “لَا يَزَالُ قَلْبُ الكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ فِي حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الأَمَلِ[1]، ذلك أن هذين الأمرين وراء العديد من التصرفات والسلوكيات المخالفة للدين، وحسبما يُفهم من الحديث فإن هذين الأمرين لا يتركان تلابيب الإنسان إلى أن يموت، بل يمكن القول إنّ طول الأمل بصفة خاصة يتنامى لدى الإنسان ويزداد أكثر كلما تقدم به العمر، والدنيا تدفع الإنسان ليلهث وراء تطلعات وتشوّفات لا تنقطع؛ لدرجة أنه يصبح بعد مدّة رمزًا للتشوّفات والتطلعات، بل إنه ربما يتخذ بعض الخدمات -التي تبدو وكأنه يضطلع بها لله- وسيلةً لتشوّفاته تلك، وإنسان كهذا سيفقد روح الاستغناء، ولن يستطيع الحفاظ على الإخلاص الذي هو روح الأعمال.

إن توهُّمَ الأبدية يكمن وراء طول الأمل، والواقع أن هذا ينبع من رغبة الإنسان الداخلية في الأبدية والخلود لأنه خُلق للأبدية؛ لهذا لن يرضيه إلا الذاتُ الأبدية سبحانه وتعالى، وعلى الرغم من أن الشعور والرغبة في الأبدية قد مُنِحَ للإنسان كي يكسب رضا الله ويتهيأ للجنة ويبتعد عن النار إلا أنّ الإنسان يقع في طول الأمل إن وجه ذلك الشعور توجيهًا خاطئًا؛ ثم يشرع في البحث عن إشباع نفسه لهثًا وراء المناصب والمال والأهواء والحظوظ والمتع.

والإنسان الذي لا يستطيع توجيه شعور الأبدية المكنون بداخله إلى النعم الأخروية الموجودة عند الله يتحير أمام مظاهر الجمال الدنيوية المؤقتة ويزيغ بصره؛ لأنه ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/14)، فالنعم الدنيوية جذابة وساحرة للغاية باعتبار جانبها المتعلّق بالنفس البشرية.

إن هذه النعم المذكورة في الآية الكريمة ليست جميلة في حد ذاتها؛ فكل واحدة منها متاعٌ دنيويّ خادعٌ يخاطب الهوى والرغبة، كل منها إغراء للعين، ووسيلة امتحان للإنسان، جوانب الجمال فيها لا تظهر إلا باستعمالها في المكان الصحيح، وهي وإن كانت تعني قيمة عند استعمالها لوجه الله في الدائرة المشروعة التي أمر بها سبحانه وتعالى إلا أنها لا تحمل قيمة في حد ذاتها، وهذا ما يعنيه أصلًا استعمال لفظ “زُيِّنَ” في الآية الكريمة، والتذكير في آخرها بأن العاقبة الحسنة تكون بالوصول إلى حضرة الله.

وعليه فإنه يجب على الإنسان أن ينتبه لهذه المشاعر التي تجعله يميل إلى الدنيا ويبتعد عن الله، ويستعملَ كل ما لديه من النعم زادًا ومؤنة للآخرة، وعليه في هذا الشأن أن يوفِّيَ إرادته حقها، وأن يعزم عزمًا حقيقيًّا ألا يكون عبدًا للدنيا، عبدًا للنفس، عبدًا للبدن، عبدًا للراحة والملذات وعبدًا للأهل والدار بالانخراط في نعم الدنيا المُزيَّنة له، ولما كانت كلُّ واحدة من مثل هذه العبوديات يمكن أن تخسف بالإنسان وتؤدّي إلى خسارته الأبدية فهي خطيرة في جانبٍ ما مثل عبادة الأصنام.

من جانب آخر فإنه ليس صحيحًا اعتبار هذه النعم الدنيوية -التي تشتهيها الأنفس- وكأنها سلسلة متينة تُقَيِّدُ الإنسان، لأن الله جل جلاله لا يقيد الإنسان بالسلاسل ثم يقول له “هيا تخلّصْ منها”، فتكليفٌ كهذا تكليفٌ بما لا يُطاق، وعليه إن كان الله يوجهنا إلى الآخرة ويريدنا أن نفوز بدار الخلود عبر هذه النعم فإنّ هذا هدف يمكنُ تحقيقُه، يكفي ألا يتكاسل ويتراخَى الإنسان، وألا يترك طرف الحبل الموصل لذلك الهدف، وعليه الاعتصام بحبل الله والعروة الوثقى، والتزام منهج القرآن، وطالما كان مُصرًّا وعازمًا على فعل ذلك فسوف يُعمّر دنياه وآخرته على حدّ سواء.

   الحاجة إلى تجديد الذات

عودٌ على ذي بدءٍ نقول: إن كنا نعيش حالة من التفسّخ الداخلي لأي سببٍ كان؛ سواء بسبب سيطرة توهّم الأبدية وشعور طول الأمل، أو الركونِ إلى الألفة والأنس مع مرور الزمن، أو إساءة تمثيل مَنْ في المقدمة، أو مغازلة الدنيا إيانا بما فيها من مظاهر جمال جذابة وفتانة، ولم نستطع الحفاظ على صفائنا وإخلاصنا الأول؛ فلا بد أن نراجع أنفسنا ثانية، ونسعى إلى تجديد ذاتنا.

ومِن ثمَّ يجب علينا أن نشغل أنفسنا بإجابة التساؤلات التالية: “تُرى ماذا يجب علينا أن نفعل كي نُحييَ من جديد الحسّ الديني الداخلي إزاء القيم التي نقدّسها ونُجِلُّها؟ تُرى ماذا يجب علينا أن نفعل حتى نستطيع تحقيق انبعاث عام في عالمنا الفكري والحسي والروحي؟”، ينبغي لنا أن نبدأ عملية إعادة تأهيل حقيقية لتحفيز حماسنا الديني وإحياء عشقنا وشوقنا للخدمة من جديد، يلزم أن نراجع أنفسنا ونجتمع حول روح تجديدية هكذا.

إنْ عَجَزْنا عن وضع مجموعة مشاريع إيجابية في هذا الصدد وعن جمع الناس حولها، ووقَفْنا عند عيوب الناس وظَللْنا نتحدث عنها فلن نستطيع إصلاح المشكلات العارضة، ولا تضميد الكسور والصدوع، ونتيجة لذلك نعجز عن الإصلاح وعن تجديد الذات، بل إن الحديث عن عيوب البعض دائمًا بدلًا من طرح الأفكار لصالح أنشطة إيجابية يؤدي إلى تحطيم القوة المعنوية لدى البشر وعرقلة تحقّق أية فائدة في النهاية.

لهذا السبب يجب علينا بدلًا من الانشغال بنقدٍ لا فائدة ولا طائل من ورائه أن نتلاحم من جديد، ونسعى للتخلص من عيوبنا وأمراض أنفسنا، ونتّجه مرة أخرى لأن نكون مؤمنين كما ينبغي، فالقرآن الكريم يخاطب المؤمنين قائلًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/136) ولما كان المخاطب هم المؤمنون فمن الأنسب أن نفهم هذه الآية هكذا “أيها المؤمنون! جدِّدوا إيمانكم بالله وبرسوله! توجهوا من جديد إلى الحق تعالى وعمّقوا مرة أخرى الإيمان في وجدانكم”.

يستحيل في أي مجتمع أن يبلى فيه جميع الناس وينهاروا في وقت واحد، فلا شك أن فيهم أشخاصًا يحافظون على حيويتهم ونشاطهم في أوقات مختلفة من اليوم وإن لم يكن دائمًا، ومن ثمَّ فإن اجتمع أفراد ذلك المجتمع وساهم كلٌّ منهم بقدر حيويتهم الذاتية وتَشَاوَرُوا؛ استطاعوا أن ينفثوا الحياة ويبعثوها في بعضهم البعض، فلا شك أنه سيكون لهذا تأثير مهم للغاية في ذلك المجتمع يشبه تمامًا تأثير أحوال المصلين وسلوكياتهم في بعضهم البعض.

ليس صوابًا تحميل مهمة البعث هذه لبضعة أشخاص فحسب؛ إذ يجب على كل إنسان القيام بما يقع على عاتقه في هذا الشأن، والاشتراك في هذا الأمر بما يحمله في فلك روحه، وكما يمكن أن تجتمع طائفة من الناس في بيت واحدٍ منهم وقد أحضر كلٌّ منهم صنفًا مختلفًا من الطعام حضّره في بيته وتسنّى لجميع الحاضرين تذوّق جميع هذه الأصناف؛ فإن استفادة المجتمعين على فعل الأعمال المعنوية والأخروية بفعل الواردات القلبية والروحية والحسية ستكون واسعة النطاق هكذا أيضًا، وإنّ انبعاثَ وصحوةَ من أَلِفوا الدنيا واطمأنوا بها، وبالتالي فقدوا بركةَ ما قاموا به من أعمالٍ مرهونٌ بتكوين مائدةٍ سماويّةٍ هكذا.

[1]  صحيح البخاري، الرقاق، 5.

الجَرَّة المشروخة: المنهج النبوي

Herkul | | العربية

   سؤال: ما هو أثر اتباع نهج النبي صلى الله عليه وسلم على حياة المؤمن؟

   الجواب: كما هو معلوم فقد وضع علماءُ الكلام ثلاثةَ أسباب تُفضي إلى العلم هي: الحواس السليمة، والعقل السليم، والخبر المتواتر، فكما أن للعقل السليم مجالَ إدراكٍ خاص به فكذلك أعضاء الحسّ السليمة تتمتع بنوعٍ من الحدس والإدراك والتقويم، وباستعمال الإنسان لهذه الأعضاء في مكانها المناسب يستطيع أن يصل إلى الحقائق التي ينشدها، وباعتماده على وجدانه ينفتح على عوالم مختلفة، ويدرك حقائق أخرى، ويُسمِّي “برغسون (Bergson)” مسألةَ حدس الوجدان بـ”intuition”، أما نحن فنسمّيها “الحدس”.

الوحي كمصدر للمعرفة

ولكن توجد حقائق لا يستوعبها العقل ولا يدركها الوجدان ولا تحدسها الحواس، بل توجد أشياء وحوادث قد تُدرَك بالعقل والحواس إلا أنه يتعذر في أكثر الأحيان اكتشافها والوقوف على مكنونها وماهيتها الحقيقية؛ فكما أنها تحتوي على جوانب متعددة يتيسر معرفتها واكتشافها فهي كذلك تنطوي على أبعاد مختلفة لا يقدر العقل والحواس على استيعابها، لا سيما الموضوعات المتعلقة بالذات الإلهية والعوالم الأخروية والميتافيزيقية فإنها تظل جميعها خارج دائرة استيعاب العقل والحواس، وبما أن الإنسان لا يقدر بعقله وحواسه أن يتعرف على الذات الإلهية بماهيتها الحقيقية فكذلك يعجز عن إدراك كيفية إقامة العبودية لهذه الذات المقدسة.

فالله تعالى وحده هو المحيط بكل هذه الموضوعات التي يتعذّر على العقل والحواس إدراكها أو استيعابها، ونصيب العباد من العلم الإلهي بقدر إخبار الله لهم كما يُفهم من قول الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/255)؛ ولذا فإننا كثيرًا ما نكرِّر في أدعيتنا: “اللَّهُمَّ عَلِّمْنَا مِنْ لَدُنْكَ عِلْمًا”، وكما خرج سيدنا موسى في رحلة طويلة مع الخضر عليهما السلام لإدراك الحوادث بماهيتها الحقيقية فقد سعى أولياء الله إلى الاطلاع على ما وراء الأشياء بالسير والسلوك الروحاني ووسائل أخرى، بل هناك أناس في زماننا ينتسبون إلى بعض الأديان التي عجزت عن الحفاظ على وضعها الأصلي القديم أو ينتمون إلى بعض الأديان التي من صنع البشر قد حاولوا الوصول إلى معرفة الحقيقة عن طريق اليوغا والتأمل وغير ذلك من الوسائل.

غير أن المعرفة التي ينبغي الوثوق بها في هذا الشأن هي المعرفة القائمة على الوحي الذي أبلغه الله للناس عن طريق أنبيائه، ومن ذلك أيضًا الخبر المتواتر الذي اعتبره العلماء المسلمون مصدرًا للمعرفة، فلقد نُقِل القرآن الكريم إلينا متواترًا من أوّله إلى آخره؛ أي من خلال جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، وعلى الشاكلة نفسها نُقل إلينا جزء مهم من السنة النبوية سواء باللفظ أو بالمعنى.. وهذا يعني أن القرآن الكريم وحيٌ ألقاه الله عز وجل على قلب نبيه صلى الله عليه وسلم لفظًا ومعنى، وكذلك السنة الصحيحة أوحى الله تعالى بها لنبيه صلى الله عليه وسلم معنًى وصاغها النبي لفظًا، ولذلك سُمِّي القرآن الكريم بالوحي المتلو، والسنة بالوحي غير المتلو.

فضلًا عن ذلك بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أعلى درجات الكمال في تطبيقه للدين الإسلامي الذي أكمله الله وأتمه بصريح قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (سورة الْمَائِدَةِ: 5/3). والواقع أنه لا يقدر على تمثيل هذا الدين بأكمليته وأتميته هذه دون نقص أو قصور إلا “الإنسان الكامل” الذي عنون به الصوفي الشهير عبد الكريم الجيلي كتابه، وقد أدّى صلوات ربي وسلامه عليه ذلك، علاوة على أن فهمَ القرآن الكريم بشكلٍ صحيح وتطبيقَه على الوجه الأمثل لا يتأتى إلا بهذا التمثيل الكامل لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا فإننا عندما نقول “نهج النبي” فإننا نقصد الوحي المنزل على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتطبيقه الكامل لهذا الوحي.

   الفهم الخاطئ للذات الإلهية

والواقع أن كلا المرجعين مصدر معرفي لا يضلّ ولا يزلّ، إذ لا يتحقق اهتداء الإنسان إلى الصواب لا سيما في القضايا الإيمانية والتعبدية إلا بالتمسك بهذين المصدرين، أما إذا لم يعرض الإنسان القضايا التي يتناولها على مشكاة النبوة فسيقع في الخطإ حتى ولو افترضنا محالًا أنه تقابل بالذات الإلهية مباشرة؛ كأن لا يقدر على إدراك ضرورة أخذ الحيطة والحذر في حضرته، ومراعاة الآداب بين يديه، بل لا يستطيع الوقوف على كيفية إقامة العلاقة بين العبد والمعبود، بل قد يدخل الفخر والعجب إلى نفسه من أجل أنه نال هذه الحظوة، فيتردى من هذه القمة إلى أسفل سافلين.

وقد يحمل الإنسان بين جوانحه محبةً وعشقًا عميقًا للذات الإلهية، ومن ثمّ يتحرّق شوقًا للقاء ربه سبحانه وتعالى، ويعتبر أن التواني والتراخي في هذا الشأن قلة احترام للذات الإلهية التي يحبها بجنون، فلو لم يسِرْ مثل هذا الإنسان على نهج النبي فلن يقدر على الحفاظ على توازنه، وربما يرفع أكفَّ الضراعة إلى الله بالدعاء قائلًا: “اللهم اسلبني روحي على الفور لألقاك”.

فمثل هذا الدعاء وإن بدا جميلًا إلا أنه مخالفٌ لمنهج السنة، حيث يعتريه شيءٌ من عدم التوازن؛ ففي الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تمني الموت، فقال: “لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي[1]، لأن هذه الدنيا ساحة تعليم وتدريب، وقد أرسل الإنسان إليها ليكتسب لياقة وجاهزية تؤهله للعالم الآخر، وما عليه إلا أن يكون مثل الجندي يصبر حتى يحين تسليمه شهادة تسريحه من قِبل الله الذي أرسله إلى هذه الدنيا؛ فهذا هو ما يتطلبه النهج النبويّ، فمن الصعوبة بمكان الاهتداء إلى الصواب حتى في مثل هذه المسألة البسيطة دون السير على “نهج النبي”.

وحتى يتسنى لنا فهم المسألة بشكل أفضل نوضّحها بمثال: قد يهتدي الإنسان بعقله إلى وجود خالق الكون مثل العديد من الأشخاص الذين عاشوا في عهد الفترة ولم تُسعفهم الفرصة للتعرف على رسالة أيّ نبي من الأنبياء عليهم السلام، ولكنهم انطلاقًا من الآثار الرائعة في الكون خلصوا إلى القول بوجود خالق لهذا الكون، ولكن ليس بالإمكان أن يتعرف الإنسان وحده على خالقه، وعلى الأسماء والصفات التي يتصف بها، وكيف يجب أن يكون التفكير نحوه؛ لأن ذلك الشخص إن لم يفكر في مثل هذه الأمور على النحو الذي وضعه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلربما يسيء الفهم للذات الإلهية، وينزلِقُ إلى درَكةِ فكرةِ التجسيم كما فعل بنو إسرائيل في وقت ما، أو يقول -حاشا لله- بحلول الله واتحاده بالبشر كما قال بعض النصارى وغلاة الشيعة، أو يتفوّه بما لا يليق كما قال المعتزلة الذين وقعوا تحت تأثير الثقافة الإغريقية؛ فيقول بأنّ الله مضطرٌّ إلى خلقِ كلّ شيء وفقًا للمصلحة.. والحق أن جميع إجراءات الله تعالى تكتنفها الحكمة، فهو سبحانه لا يفعل شيئًا عبثًا، لكنه غير مكلف بأي شيء، ولا مضطر إلى فعل أي شيء، فكل هذه الأقوال لا تتوافق مع مفهوم الألوهية.

وأيًّا كان الدافعُ وراء هذه الأفكار فهي مخالِفةٌ لنهج النبي صلى الله عليه وسلم حتى وإن كان صاحبها يحمل عشقًا واشتياقًا كبيرين لله تعالى، وما دام التفكير في هذه الموضوعات لا يستند إلى وحي سماوي فلربما يفضي إلى ادعاءات لا تليق بالذات الإلهية حفظنا الله، ويسوق إلى الضلالة والانحراف.

   السبيل إلى تجنب الشرك والضلالة

والواقع أن السبب الرئيس في انحراف بعض الفرق وخطإ تأويلها في المسائل المتعلقة بالذات الإلهية مثل الجبرية والمرجئة والمشبهة والمجسّمة هو عدم اتباعها لنهج النبي صلى الله عليه وسلم بدقة بالغة.. بل إن هناك عالمًا كبيرًا وعبقريًّا فذًّا مثل شيخ الإسلام “مصطفى صبري” رغم أنه عاش في عهدٍ تهاوى فيه المسلمون تباعًا، وشهد انهيارَ أسوارِ حصون الإسلام رغم كل الجهد والمساعي للحيلولة دون ذلك، وله دفاعات كثيرة عن أهل السنة والجماعة؛ فإنه انخدع بمسألة الجبر في كتابه “موقف البشر تحت سلطان القدر” عند تأويله لبعض الحقائق متأثرًا بالأحداث القاسية التي مرّ بها، وكما تقول الحِكمة العربية “تجري الرياح بما لا تشتهي السفنُ”؛ فكذلك مثل تلك الأحداث القاسية لا تجري وفقًا لأمزجة الناس وطبائعهم.

وفي ذلك يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/26)، ويقول في موضع آخر: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/140)، فيوم يكون عيدًا لبعض الناس، ويوم آخر يكون عيدًا للبعض الآخر، فالله تعالى هو صاحب الملك والملكوت، وفاعل مختار في إجراءاته، ومن ثمّ فلا حقّ لأحدٍ في الشكوى والاعتراض، وهذا هو نهج النبي.

وعلى ذلك فإذا لم ينتهج الناسُ الهديَ النبويَّ فلن يتأتى لهم التفكير بتوازن فيما يقع من أحداث، ولن يستطيعوا أن يتجنّبوا التفكير الخاطئ حول الذات الإلهية، لا سيما إذا كانوا يعيشون فترات تشتدّ فيها الخطوب ويتعاقب فيها الظلم، وغير ذلك سيقعون في مشكلة انتقاد القدر، وينخرطون في فكرة الجبر؛ بسبب ما يعيشونه من آلام وأحزان.

وقد يحدث خلاف ذلك، فقد يحرز البعض الكثير من النجاحات ويحالفهم الحظُّ والنصر دائمًا وتجري الأمور كما يشتهون، وبعد فترة يزعمون كما يفعل بعض الغافلين والجاهلين أنهم هم الذين فعلوا وانتصروا وأحرزوا وغنموا، فيتردّون في الشرك بمعنًى ما، كما وقع من سبقهم في الضلالة.

أما السائرون على نهج النبي صلى الله عليه وسلم فينسبون كل نجاحاتهم إلى الله عز وجل، ويعتبرون أنفسهم مستخدَمين فيما يقومون به من خدمات، فيملأَهم شعور بالحمد والشكر لله تعالى المالك الحقيقي لكل الجماليات.. إنهم لا ينكرون الإرادة الجزئية، ويعتبرونها على مستوى الشرط العادي سببًا للأفعال الإنسانية، ولكن لا ينسبون التأثير الحقيقي إليها، ولا ينسون مطلقًا حقيقة أن الله تعالى هو الخالق لكل شيء، ولذلك فهم لا ينكرون الإرادة الجزئية كلّية، ويقدّرونها بقدرها، ولكن يعتبرون إرادة الله فوق كلّ شيء.

إن هؤلاء السعداء المحظوظين السائرين تحت المشعلة التي أوقدها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبالون بعدم التواؤم بين السبب والنتيجة، غير أنهم لا يقيّمون الأحداث بأسبابها الظاهرية فقط، بل يتحرون خلفية الأمر؛ وعليه يقطعون بالحكم السديد فيه، فهم يرون أن انبثاق النتائج العظيمة من أسباب صغيرة أمارة كبيرة على عظمة الخالق سبحانه وتعالى، حتى إن ربنا سبحانه وتعالى يعدّ رفع الأيدي بالدعاء له سببًا، ويبني عليه أشياء عظيمة.

فمثلًا قد تدعون الله قائلين: “اللهم اجعلنا من أهل القبول في السماء والأرض”، ثم تنظرون حولكم فإذا بإخوانكم الذين انتشروا في سبيل الخدمة في كل بقاع العالم قد وضِع لهم حسن القبول حيث ذهبوا، رغم أنهم لم يتعرفوا جيّدًا على البلاد التي رحلوا إليها ولا على لغتها وثقافتها، فإنهم يجدون أهالي هذه البلاد يرعونهم ويحتضنونهم.. وهكذا لا يمكن تفسير هذه النتيجة بالجهود التي بذلتموها؛ وإنما تُفَسَّرُ بأن الله تبارك وتعالى لم يردّ دعاءكم، واستجاب لكم.

ولكم أن تفكروا في كل هذا بالنسبة للأسس الإيمانية الأخرى؛ فمثلًا ليس بالإمكان أن يحمل الإنسانُ أفكارًا مستقيمة متوازنة دون أن يتبع النهج النبوي. ففي حالة عدم اتباع الضوابط التي وضعها الأنبياء عليهم السلام فيما يتعلق بحقيقة النبوة فستظهر بعض الادعاءات التي تشي بالغلو والمبالغة في هذا الشأن، بل قد يهمّ البعض وهم أهل التفريط ويصف الأنبياء -حاشا لله- بسعاة البريد، وأن مهمتهم تنحصر في توصيل الكتاب المنزّل عليهم إلى الناس، وألا مكان لسنتهم القولية والفعلية في التشريع، ويدّعي الآخرون وهم أهل الإفراط أن الذات الإلهية -حاشاه- كانت في حاجة للأنبياء حتى تعبّر عن نفسها.

ولا جرم أنه طالما لم تعتمد مثل هذه المسائل على الخبر المتواتر، وهُجر طريق أهل السنة العام وسُلكت المنعطفات فستظهر انحرافات أخرى.

فبدون تعاليم الأنبياء عليهم السلام يتعذر على الإنسان أن يبين موقفه الصحيح في بعض القضايا مثل: كيفية العبودية لله، ونوع الأعمال التي جعلها الله عبادةً وطاعةً وقربًا منه، وعلى ذلك فالإنسان في حاجة ماسة إلى أطياف الوحي النورانية للتعرف على كلّ هذه المسائل، فلا يكون الإنسان مؤدّيًا للعبادة على وجهها الأمثل إلا بهذه الأشكال التوقيفية التي أمر الله بها، إذ لا مجال للعقل في تأويلها أو تبديلها، والإنسان لا يستطيع بمفرده أن يبتدع أشكال العبادة الجديدة، بل لو افترضنا أنه ابتدع أشكالًا أقسى وأشدّ من أشكال العبادة التي أرشد إليها الأنبياء حتى يتقرب إلى الله أكثر ويعبده كما يعتقد بشكلٍ أفضل فلن يجدي كل هذا نفعًا ألبتة، بل سيدخل في زمرة “المغضوب عليهم والضالين” الذين ورد ذكرهم في سورة الفاتحة، ومن ثم لا سبيل للاهتداء إلى الحقيقة والثبات على الطريق المستقيم في القضايا المتعلقة بالإيمان والإسلام سوى اتباع نهج النبي صلى الله عليه وسلم.

   هل بنهج الأنبياء أم بسبيل الطغاة والمستبدين؟!

ولنضرب مثالًا على ذلك من المسائل المتعلقة بالحياة الاجتماعية أو الإدارية: فمثلًا عندما يتولى أحدُهم منصبًا يعتقد ثقة بعقلِه وخبرته أو سلطته أنه يستطيع القيام بالعمل وحده دون حاجة إلى استشارة أحد، ولا يقبل إلا ما يراه هو، معتقدًا أنه مصيبٌ في قراراته، وتمنعه أنانيته وكبره من استشارة غيره؛ فمثل هذا الإنسان -وإن كان مؤمنًا- فقد فضّل سبيل المستبدين على نهج الأنبياء.

فنبينا صلى الله عليه وسلم؛ رغم أنه مؤيَّدٌ بالوحي، ومرتبطٌ بالرسالة التي جاءه بها جبريل الأمين، ويرى ما وراء السماوات، فإنه يستشيرُ أصحابه ولا يُجبِرُ أحدًا على شيءٍ دون أن يأخذ برأي أهل الحل والعقد من أصحابه رضوان الله عليهم، بل كان أحيانًا ما يُعرض عن رأيه تقديرًا لرأي أصحابه وتقعيدًا لضوابط الاستشارة، وخيرُ مثالٍ على ذلك ما حدث يوم أُحُد، إذ إنه تنازل عن رأيه بالتحصن في المدينة والدفاع عنها لصالح رأيِ أصحابه القاضي بالخروج إلى أُحُدٍ وملاقاة الأعداء هناك.

وقد وقع الأمر نفسه في شيء بسيط مثل تأبيرِ النخلِ، ففي هذه الحادثة ترك النبي صلى الله عليه وسلم تطبيق الأمر إلى الصحابة قائلًا: “أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ[2]، والحقّ أنه صلى الله عليه وسلم يعلمنا كيفية التصرف في مثل هذه الأمور؛ ولذا لو قال أحد أصحاب المقامات الرفيعة بعد أن استشار من حوله: لقد فكرت في هذا الأمر مرارًا وتكرارًا، ورأيت فيه هكذا، ولكن أنتم بلا شك أعلم”؛ فقد انتهج سلوكًا يتوافق مع نهج النبي صلى الله عليه وسلم. أجل، إن هذا النهج يتطلب التخلي عن النرجسية والأنانية، واحترام الإنسان لآراء الآخرين ومشاعرهم أكثر من احترامه لمشاعره وآرائه نفسه.

فيجب على الإنسان أن يحدِّد منذ البداية أيَّ الطرق يتبع، ويراجع نفسه وينظر هل هو بأفكاره ومشاعره وأحواله وحركاته يتبع سبيل الفراعنة والمستبدين أم يتبع نهج الأنبياء؟! وفي اعتقادنا أن النهج الوحيد الذي يجب سلوكه والتمسك به هو نهج الأنبياء العظام، ثم نهج الصحابة رضوان الله عليهم الذين تحرّوا الدقة البالغة في اتباعهم، وبلغوا الدرجة المثلى في تمثيلهم.

   الممثلون المباركون لنهج النبي صلى الله عليه وسلم

لا جرم أن أكثر مَن فهم نهج النبي صلى الله عليه وسلم ومثّله على الوجه الأكمل هم الخلفاء الراشدون رضوان الله تعالى عليهم، فقد طبقوا الإسلام بأبهى صُوَرِهِ وأنقاها، ولذلك يدعو النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين إلى الأخذ بسنته والسير على خطى الخلفاء الراشدين من بعده، فيقول: “فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ[3]، بل إنه يدعونا بقوله “عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ” إلى التمسك بسنته صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، وألّا نحيد عنها أبدًا.

وفي حديث آخر يشير النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم إلى قدر سادتنا الصحابة رضوان الله عليهم بقوله: “خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ[4]، فمن لم ير الذين يعيشون في خير القرون ولم يسِرْ على هديهم فلن يقدر على فهم نهج النبي صلى الله عليه وسلم فهمًا صحيحًا، وسبيلُ فهمِ الإسلام حقًّا وتفسيره صدقًا هو الرجوع إلى فهم هؤلاء العظام في هذا الشأن، والالتزام بتطبيقهم له دون خلل، ولذا يقع على المؤمنين ومرشدي هذا العصر أن يُحبِّبوا إلى الناس الخلفاءَ الراشدين وآلَ البيت وسائرَ الصحابة الكرام رضوان الله عليهم دون تمييز.

أما أفضل ممثلين للنهج النبوي بعد الصحابة رضوان الله عليهم فهم علماء السلف، وعلى رأسهم الأئمة أصحاب المذاهب الفقهية الذين لم يكن لهم هَمٌّ سوى الفهم الصحيح للدين، فبينوا أيَّ الأشياءِ التي يمكن تفسيرها وكيف يمكن، ووضعوا العديدَ من الضوابط التي يمكن من خلالها فهم النصوص، وكما بُعث مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم بجاهزية خارقة لإنارة الإنسانية، فكذلك كان الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، فقد اختصّهم الله تعالى بمؤهلات خاصة، وبفضلهم لم يعد هناك أيُّ أمرٍ مغلقٍ في القضايا الدينية، وانتقل الدين إلينا غضًّا طريًّا كما فهمه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وعلى ذلك فلا بدّ من التعرف على الجهود العظيمة التي بذلها هؤلاء المجتهدون العظام لفهم نهج النبي ومعايشته، وعلى ما قدّموه من خدمات في هذا الميدان، وألّا نقصّر في احترامهم وتوقيرهم والاقتداء بهديهم.

ولكن هذا كلّه لا يعني تجاهلَ ظروف العصر الذي نعيش فيه، أو الفصل بين أحكام الدين والمسائل التي تقع في العصر الراهن، بل يجب الاستفادة مما يأتي به الزمان من مستجدات وتكييفها وتهيئتها عند اللزوم؛ بشرط التمسك بالضوابط الأساسية في الدين، فضلًا عن السعي إلى استنباط المبادئ المهمة من الأحدث الواقعة في زمانهم، وتطبيقها بما يتواءم مع ظروف عصرنا الراهن.

[1] صحيح البخاري، المرضى، 19؛ صحيح مسلم، الذكر، 10.

[2] صحيح مسلم، الفضائل، 141.

[3] سنن الترمذي، العلم، 16؛ سنن أبي داود، السنة 5؛ سنن ابن ماجة، المقدمة، 6.

[4] صحيح البخاري، الشهادات، 9؛ صحيح مسلم، فضائل الصحابة، 210.

الجَرَّة المشروخة: الموقف من الظلم

Herkul | | العربية

 

سؤال: ما الموقف الذي ينبغي اتخاذه لاتقاء الظلم، لا سيما في هذا الزمان الذي شاع فيه هذا الأمر بكل أنواعه؟

الجواب: ورد مفهوم الظلم بشكل واسع للغاية في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، وهو يعني باختصارٍ: تجاوزَ الحدّ وانتهاك حقوق الغير.. ولا ريب أنه على درجات متفاوتة؛ فمثلًا قتلُ النملة يُعدّ ظلمًا؛ فلا حقَّ لأحدٍ أن يسلب حيوانًا حقَّه في الحياة دون وجه حق، والأفظع من ذلك أن يجري هذا الظلم في حقّ إنسان، والأكثر خطرًا وفداحة ًمن ذلك أن يُرتكَب هذا الظلم في حق طائفة أو فئة معيّنة.

فالظلم أيًّا كان نوعه هو ضلال وانحراف نبَّهَ النبي صلى الله عليه وسلم إلى مردوده الأخروي بقوله: “اِتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ[1]، أي إن كلَّ ظلم ارتكبه الإنسان سواء كان في حق إنسان أو حيوان أو في حقٍّ من حقوق الله تعالى سيتمثّل له آلامًا وعذاباتٍ في الآخرة، وما من ظالمٍ إلا وسيجازيه الله تعالى في الآخرة.

ولقد اعتبر العلماء المحققون الظلم واحدًا من العوائق التي تحول دون الإيمان، وهذا أمر جدير بالوقوف عنده، فكما أن الظلم يعيق صاحبه من الدخول في دائرة الإيمان بالله فهو كذلك يعتبر عاملًا مهمًّا للخروج منها.

منع الظلم

وبما أن الظلم أمر قبيح وفظيع إلى هذه الدرجة بالنسبة للإنسانية فلا بدّ من الحيلولة دون ارتكابه ومقاومته، كلٌّ حسب سلطانه وطاقته وموقعه، كما يقول الحديث الشريف: “مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَاسْتَطَاعَ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ بِلِسَانِهِ، فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ[2]، وقد اشتهر الأثر الذي يقول: “السَّاكِتُ عَنِ الْحَقِّ شَيْطَانٌ أَخْرَسُ”.

وإن منعَ بعض أنواع الظلم البسيطة قد يكون في استطاعة ومقدور الأفراد، إلا أن هناك صنوفًا من الظلم لا يمكن قمعها إلا بيد الدولة، بل والأدهى من ذلك أن هناك ظلمًا يُرتكَب في عالم اليوم الذي تسوده العدالة والديمقراطية -وإن كانتا لا تتحققان على الوجه الأمثل- لا تقوى حتى الدول على التغلب عليه، ولذلك فإن منع هذا الظلم الذي تنشأ عنه شلالات الدماء، والذي تُهدّم بسببه البيوت ويُيتَّم الأبناء وتُرمّل النساء، وتتوالى فيه الفظائع والشناعات؛ لا يتأتى إلا بقوة مؤسساتٍ وهيئاتٍ دولية معينة، وعلى ذلك فإن سكت الأفراد أو الدول أو المؤسسات الدولية -كلٌّ حسب موقعه- على الظلم غدا كلٌّ منهم شيطانًا أخرس، وصار مشاركًا في هذا الظلم لأنه غض الطرْفَ عنه على الرغم من قدرته على التصدي له، وسيحاسب على ذلك في الآخرة.

وكما أن اتخاذَ موقف ضدّ الظلم والعملَ على مقاومته ومنعه أمرٌ مهمّ للغاية فإن اتباع إستراتيجية سليمة في هذا الصدد وتجنّبَ الخطإ في أسلوب ومنهج مقاومته لا يقلّ أهمية عن ذلك، فعلى الإنسان منذ البداية أن يحدد متى يستطيع منع هذا الظلم والجور، وأن يكون على وعي بإمكانياته، وألا يتسبب في وقوع فتن أكبر بينما يحاول منع الظلم؛ أي عليه أن يتحاشى عمل المنكر عند تقديم المعروف.

بالظلم يتعذر الوصول إلى أي غاية

يعتقد البعض أن بإمكانهم الوصول إلى أهدافهم وغاياتهم عبر ارتكابهم الظلم والاضطهاد، وإنّهم لَعَلَى خطإٍ كبير، فما أقِيم حقٌّ أو تم التوصل إلى هدف حتى اليوم من خلال الظلم.

من جانبٍ آخر فكما لا تتحقق أيُّ غايةٍ سامية بارتكاب الظلم فكذلك لا يمكن إعادة الحقوق المسلوبة من خلاله، ولو حدث خلاف ذلك لأدى هذا إلى وقوع ظلم جديد وانتهاكٍ وتدميرٍ للحقوق والعدالة، ولذلك فإن كانت الغاية هي سيادة الحق وتحقيق العدالة فلا بد من التعلق بالحق من بداية الأمر إلى نهايته، ويمكن أن نعبِّر عن ذلك بقولٍ طالما ذكرناه في مناسباتٍ عدّة: “وكما يجب أن يكون الهدفُ مشروعًا فلا بدَّ أن تكون الوسيلةُ الموصلةُ إليه مشروعةً أيضًا”.

حسنٌ، فهل من سبيل لمنع هذا الظلم المستشري بكافة أنواعه في أيامنا الحالية؟ وإلى أيّ مدى يمكننا النجاح في ذلك؟ لا نعلم هذا، ولكن المهم هو السير في طريق الإصلاح والتعمير.. وما يقع على عواتق سالكي هذا الطريق هو تمثيلُ الحقّ والحقيقة على الدوام، وفتح الصدور للجميع، وتحاشي مقابلة الظلم بمثله، كما يقول الشاعر نابي:

لا تضايق أحدًا بظلمك

ولا تظلمه وإن ظلمك

ولا تطرق بالشكوى بابَ الملك

وفوِّض أمر من ظلمك إلى ربك

أن نكون مثل مولانا جلال الدين الرومي!

ربما أننا كثيرًا ما نذكر -بشيء من الحماسة والفخر- كلًّا من مولانا جلال الدين الرومي ويونس أمره وأحمد يسوي أو حاجي بكتاش ولي، ونشير إلى تسامحهم، بيد أن ذكر مولانا سهل، ولكن أن نكون مثله فهذا صعب، فهل تستطيعون فعلًا احتضان واحتواء من يُهينكم ويشتمكم بينما تتحدثون عن مولانا جلال الدين الرومي؟ هل إذا ما ظُلمتم بحثتم عن سبل لحل تلك المشكلة بشكل لطيف؟ هل تستطيعون أن تقربوا إلى أنفسكم من أعتدى عليكم وظلمكم؟ هذا هو أن نكون مولانا حقًّا.

ثمة حكاية تُروى بشأن تسامح مولانا؛ إذ جاءه تلميذ جِلف ذات يوم ينتقد قوله “لي قدم في قلب الإسلام، وأخرى في اثنتين وسبعين أمة”، ويتهمه بالزندقة وتضليل المسلمين ويعيب عليه قوله ذلك.. ودون أن يقطع مولانا كلام ذلك الرجل ظل يستمع إليه في هدوء ووقار منحهما الله تعالى إيّاه، فلما رأى أن ذلك التلميذ قال ما أراد قوله ولم يبق لديه شيء آخر ليقوله؛ سأله: “هل انتهى كلامك؟” فأجابه “نعم”، عندها قال له مولانا بصوت لين ورقيق للغاية “أقبِلْ، فصدري مفتوح لك أنت أيضًا”.

هنا مربطُ الفرس وبيتُ القصيد؛ ففي موقف كهذا تذوب وتنمحي جميع المشاعر السلبية التي يُكِنُّها الطرف الآخر، ويتحوّل ما بداخله من الأحقاد والضغائن إلى أطياف من المحبة تغمركم من مفرق رأسكم وحتى أخمص قدميكم، وبينما ثمة سبل ومناهج لإمطار الأنوار على هامات الناس فلماذا نمطرهم شُهُبًا ونيازك؟!

إن ظلَمَكم وبَغَى عليكم من يُعادونكم مرة أو أكثر.. فإنهم سيتخلون عن ظلمهم وجورهم هذا بعد مدة حينما لا يجدون منكم رد فعلٍ على ما اقترفوه بشأنكم.. وبينما حلُّ المشكلات بطريق الحِلمِ واللين ممكنًا فلماذا اللجوء إلى طرق من شأنها أن تثير مشاعر الحقد والبغض وتُذكِي نارَها؟!

ولكنني أرى ثمة فائدة في توضيح أمر سبق الحديث عنه في مناسبات مختلفة، ألا وهو أننا نستطيع التخلي عن حقوقنا الشخصية والتسامح فيها.. ولكننا لا نستطيع اتخاذ الموقف نفسه حين يُهاجم دينُنا ومقدساتنا وقيمُنا أو بلادنا.. وما يجب فعله هنا كالتالي: أولًا شرحُ الأمر بشكل معقول لمن يمارسون تلك الشرور ضدنا، ثمّ السعي إلى تصحيح أخطائهم، فإن عاندوا كذّبنا ما يدّعونه، فإن لم يتراجعوا عن أخطائهم، وواصلوا تمردهم وبغيانهم توجهنا للقضاء ليحكم بيننا.

بيد أنه ينبغي لنا في أثناء فعل هذا كله الالتزام بالحدود التي وضعها لنا القانون والأخلاق، وعدم التضحية بالشهامة والأخلاق السامية أبدًا، وأن نتصرف بصورة إنسانية دائمًا، وعلينا إبَّان القيام بمجموعة من الشروح والتصحيحات وتكذيب الافتراءات أن نجتهد دائمًا كي نقدم إلى الطرف الآخر رسائل إيجابية عبر أقوالنا وتصرفاتنا ونظراتنا وأسلوبنا في التعبير، وألا نتنازل أبدًا عن شخصيتنا وهويتنا، وأن نتحدث ونتكلم بصوت جبريل عليه السلام وأنفاسه، وليس بمزامير الشيطان ووساوسه؛ فَظُـلْـمُ الآخرين واعتداءاتهم تكشف عن شخصياتهم، وعليه ينبغي ألا يمنع ذلك الموقفُ أولئك الملتزمين بالقيم الإنسانية العالمية وفكر الإسلام ومبادئه من أن يفعلوا ما تُملِيه عليهم شخصيتهم وهويتهم.

هل يجدُر ارتكاب هذا القدر من الظلم؟!

أرى أن هذه الحياة الدنيا القصيرة لا تستحق ظلم الآخرين ولا حتى مقابلة ظلمهم بمثله؛ فنحن جميعًا ضيوف فيها؛ إذ إننا بعد إقامة محدودة في دار ضيافة الدنيا الفانية سننتقل إلى الآخرة الأبدية كي نُحاسب عما فعلناه، فهل تستحق العراك والشجار؟! هل تستحق إثارة الفرقة والاختلاف؟! هل تستحق ارتكاب الظلم والجور؟! إنها لا تستحق أيًّا من ذلك.. وفي قول مجهول صاحبه قيل عن الدنيا وفنائها:

انظر بعين العبرة إلى الدنيا فهي دار ضيافة

ليس فيها مقيمٌ؛ فما أشدّ فتنتها الجارفة!

رأسمال السيد والعبد فيها كفنٌ في النهاية وفي نفس المكان يُدفنون

فإن لم يكن المغرور بها مجنونًا فماذا عسى أن يكون؟!

وكي يستطيع الإنسان حلّ المشكلات التي واجهها حتى اليوم فقد استغلّ مشاعر الحقد والبعض مرات عديدة، ويا ليتنا من الآن فصاعدًا نستخدم مشاعر الحب والتسامح بدلًا منها! ليتنا نستطيع فتح قلوبنا للجميع، وليت كلَّ داخل فيها لا يخاف من ألَّا يجد لنفسه مكانًا فيها! ليتنا نستطيع التعامل مع الجميع بشعور عميق من الاحترام والتقدير! ليتنا نستطيع أن نقرأ مشاعر الناس والبيئات الثقافية التي نشؤوا فيها قراءة صحيحة عبر شعور حقيقي من التعاطف، وليتنا نتصرف تجاه الجميع وفقًا لهذا! ذلك أن نمط التصرف الذي نرجوه من الآخرين هو عينه الذي يرجونه وينتظرونه هم منّا.. فإن كنا ننتظر احترامًا من الآخرين فعلينا أن نُباشرهم به، وإن كنا نريد أن تُراعى حقوقنا فعلينا أن نراعي حقوق الجميع.

من المفيد معرفة أن مشكلات اليوم أصبحت معقدة للغاية بحيث يستحيل على أصحاب الفكر الضيق والمتحجر القيامُ بحلها، وكذلك أصحابُ الأفكار الراديكالية الذين تحرّكهم مشاعر التعصب لا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا لصالح فتح القلوب وتحقّق السلام الإنساني.. ناهيك عن عدم قدرتهم أساسًا على استثارة مشاعر احترام قيمهم الذاتية في قلوب الآخرين، إنهم عاجزون عن تحبيب مفخرة الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم إلى الآخرين؛ لأنهم أسرى أنفسهم.

ولهذا السبب فإن حلّ مشكلات البشرية اليوم تتطلَّبُ ضمائر حيّة رحبة، وقلوبًا عامرةً غنيّة، وأفكارًا عميقة.. وكما استطاع مولانا جلال الدين الرومي أن يجمع -قبل حوالي سبعة قرون- شمل المسلمين من جديد بوصفات معقولة وضعها إبّان فترةٍ شهد فيها المسلمون انحطاطًا وتشرذمًا حادًّا؛ فإن الواجب على القلوب المؤمنة اليوم أن تستحضرَ وتُـحْيِـيَ روح مولانا جلال الدين الرومي من جديد، لا سيما في هذا العالم الذي تفكّكت فيه الإنسانية، وسلك البشر فيه اتجاهات معاكسة لبعضهم، وتأسست العلاقات بينهم على النزاعات والأعمال العدائية.. وما لم يتمّ ذلك فلن يتسنى منعُ مظاهر الظلم والعدوان المنتشرة في مختلف أنحاء العالم.

إننا إذا فكرنا في الطغاةِ ومطامعهم ومدى الخطورة التي يتعرض لها السلام والأمن العالمي بسبب الأسلحة المرعبة التي يعملون على إعدادها انتقامًا وثأرًا؛ حينها يتبين مدى عظم المسؤولية الواقعة على ذوي القلوب الفدائية الذين نذروا حياتهم لتحقيق الحب والتسامح.

 

[1]صحيح البخاري، المظالم، 9؛ صحيح مسلم، البر، 56.

[2]صحيح مسلم، الإيمان، 78؛ سنن الترمذي، الفتن، 11.

الجَرَّة المشروخة: سمات المستشار الصالح

Herkul | | العربية

   سؤال: رغم أن سيدنا موسى عليه السلام كان مؤيَّدًا بالوحي الإلهي فقد طلب من ربه أن يجعل له وزيرًا، أي مستشارًا ومعاونًا، فكيف نفهم طلبَه هذا؟ وما الأمور التي يجب أن نراعيها عند اختيار المستشار؟

   الجواب: كل نبيّ من الأنبياء مرشدٌ عظيم ينبغي اتباعه والاقتداء به والسير على نهجه، وقد أورد القرآن الكريم الكثيرَ من قصص هؤلاء الأنبياء في آيات متعددة، وأمر باتباعهم إما صراحةً أو ضمنًا.

فمثلًا يقول القرآن الكريم عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (سورة الأَحْزَابِ: 33/21)، ثم يأتي في آية أخرى ويستعمل الحق سبحانه وتعالى التعبير نفسه في حق سيدنا إبراهيم عليه السلام فيقول: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ (سورة الْمُمْتَحَنَةِ: 60/4)، وعليه فإذا كان كل نبي من الأنبياء يمثِّل أسوة حسنة بالنسبة لنا ففي طلب سيدنا موسى عليه السلام من ربه أن يجعل له وزيرًا من أهله دروسٌ وعبرٌ لنا أيضًا.

ولنتناول هذه الحادثة باختصار: فقد أرسل ربُّنا سبحانه وتعالى موسى عليه السلام صاحب الفطنة العالية إلى فرعون محمّلًا برسالةٍ مهمّة، غير أن المخاطب بهذه الرسالة لم يكن فرعون فقط، بل كانت الرسالة تستهدف أيضًا أولئك الذين يتربّعون على قمة نظام الطبقات الذي وضعه فرعون أمثال هامان وقارون، فهامان كان يسعى بكل جهده إلى أن يجد مبررات معقولة لما يفعله فرعون، ويعمل على تخديره وتنويمه بتقديره وثنائه، وقارون كان مغلوبًا وأسيرًا لماله وثروته، أما سيدنا موسى عليه السلام فكان عليه أن يواجه مثل هذه الجمع المعاند، ويبلغهم رسالة ربه التي لم يعرفوها من قبل.

وينبغي ألا ننسى الآثار النفسية التي نتجت عن نشأة موسى في قصر فرعون، فلقد كان موسى عليه السلام ينظر إلى فرعون ومعاونيه على أنهم قادة وإداريون على الدوام، والأكثر من ذلك أن فرعون كان يعامل موسى عليه السلام وكأنه ابنه أو أخوه الأصغر، ومن ناحية أخرى كان بنو إسرائيل يتبوؤون الطبقة الأدنى في النظام الطبقي الذي وضعه فرعون، وموسى عليه السلام وإن كان قد نشأ وترعرع في قصر فرعون فمن المحتمل أنه كان يلقى هذه المعاملة الدُّنيا نفسها على اعتبار أنه ليس من سلالة فرعون.

وهكذا فإننا إذا وضعنا في اعتبارنا كلَّ هذه الأمور سندرك أن طلب موسى عليه السلام من ربه أن يجعل له وزيرًا قبل القيام بهذه المهمة الشاقة يدلّ على استيعابه الجيّد للمسألة منذ البداية بفطنته وفراسته العالية، وهذا أمر يجب علينا أن نقدّره فيه بدايةً.. وما حدث هو أن موسى عليه السلام قبل أن يتوجّه إلى قصر فرعون طلب من ربه أن يجعل له هارون وزيرًا، كما قال القرآن: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ (سورة طَهَ: 20/29-32)؛ لأن هارون مقارنة بموسى عليهما السلام قد نشأ في مجال يتمتّع بحريّة أكبر بالنسبة لبني إسرائيل، ونظرًا لأنه جاء من نسل الأنبياء فلا بد أنه كان يخاطب قومه على الدوام ويحدّثهم عن الدين والديانة؛ بمعنى أنه كان إنسانًا لديه خبرة كبيرة في هذا الأمر.

كما أن في طلب موسى عليه السلام جانبًا نفسيًّا؛ لأن الإنسان عادة ينزعج إذا واجه وحده كبيرًا من الكبار، فيتعسّر في التعبير عن مقصده، ولذا طلب موسى أن يكون معه مساعدٌ ينصرُه ويدعمه؛ حتى يستطيع أن يمهِّد لدعوته ويعبِّر عنها أفضل تعبير.

وبعد أن ألقينا نظرةً عابرةً على الجوانب الرئيسة في قصة موسى عليه السلام يمكننا أن ننتقل إلى الناحية الخاصة بنا في هذه المسألة، ونقرر ما يلي: إن قيام أصحاب المهام العظيمة والمسؤولين والإداريين على اختلاف المستويات باتخاذ مستشارين حصفاء لهم يسدّون نقصهم ويقوِّمون خطأهم؛ هو أمرٌ يقتضيه العقل والمنطق والفراسة والفطنة.

   اختيار المستشار

ولكن ننوّه على الفور بأن اتخاذ الإنسان مستشارًا له وإن كان مهمًّا فالأهم هو الأوصاف والسمات التي لا بد أن يتحلى بها هذا المستشار؛ لأن الخطأ في القيام بهذا الأمر يجعل ضرر المستشار أكثر من نفعه؛ إذ لا بد أن يتّسم المستشار الذي وقع عليه الاختيار بمزيد من الحصافة والدهاء، ولا يكن كهامان وزيرِ فرعون الذي كان يقرّر كل أفعاله ويتغاضى عن جميع أخطائه، بل يجب أن يتحلّى بأسلوبٍ حكيمٍ يوجّه من خلاله مخاطبَه دون أن يؤذيه، ثم لا يغضّ الطرف حتى عن أدنى خطإ قد يقوم به، ولو كان وطْءَ نملة، أما أن يحيط الإداري نفسه بمستشارين يصمتون أمامه صمتَ هامان على قول فرعون لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (سورة النَّازِعَاتِ: 79/24) بل ويؤيدون ما يفعله تزلُّفًا إليه وتقرُّبًا منه فلا جرم أنه بذلك يمهِّد لهلاك نفسه.

والأدهى من ذلك إذا حاول هؤلاء المستشارون استغلالَ مكانة رؤسائهم ومناصبهم في تأمين مصالحهم الشخصية، فإنهم حينذاك لن يغامروا أبدًا بخسارة مواقعهم؛ ومن ثمّ سيحاولون أن يظهروا أمام مديريهم لطفاء ظرفاء، بغية كسب حبّهم وثقتهم على الدوام، ولذلك يقدّرون كل ما يقوم به هذا المسؤول من أعمال وإن كانت تافهة، ويؤولون كل كلامه وإن كان سلبيًّا.. الخلاصة أنهم يفعلون كل ما بوسعهم للحفاظ على مناصبهم التي تضمن لهم تحقيق مصالحهم ودوامها.

ولا شكّ أن هؤلاء وأمثالهم هم السبب المباشر في زيغ المسؤول وضلاله مع مرور الوقت بسبب ثنائهم ومدحهم المستمر له، فيُدخلونه في قالب غير قالبه، ويلبسونه لباسًا غير لباسه، عندها يبدأ هذا المسكين مع الوقت يرى نفسه مختلفًا ومتميزًا عن الجميع؛ لأن الإنسان يغويه المدح والثناء.

   دائرة الحجبة

من جانب آخر فإن هذه النوعية من الناس ذات الأرواح المظلمة تشكِّل مع الوقت حجابًا أمام الإداريين، وتحجب الأصوات القادمة إليهم عن الوصول إلى المركز، وكلما أتى صوت من اليمين أو الشمال اصطدم بهم وارتدّ إلى الوراء، ولا يُسمع إلا صدى صوتهم؛ حيث إن هؤلاء يشكِّلون حول الشخص الذي جعلهم مستشارين له هالات كالهالات التي تحيط بكوكب زحل، فإذا ما لاحت فكرة لامعة وحاولت الوصول إليه اصطدمت بداية بهذه الهالات المظلمة وتغير لونها، وبالتالي يتراءى الصالحون الأخيار نقاطًا سوداء أمام ناظريه، بل ولو حاول بعض الأشخاص الذين يسيرون على نهج الأنبياء إسداء النصح والإرشاد له كما هو الحال في الرسالات السماوية اعتبر ما يقومون به جدلًا يهدف إلى خداعه؛ لأن مقاييس القيم تختلّ مع الوقت نتيجة التوجيهات الخاطئة، فيبدأ في رؤية الصحيح معوجًّا والأعوج صحيحًا.

وكما هو معلوم كان المعاونون والمديرون -أو المستشارون بالاصطلاح الحديث- بمنزلة وسطاء للسلطان في الدولة العثمانية، فكان الحكام يستشيرونهم في كل ما يعترض الدولة من مشاكل وأزمات، وكانوا هم أيضًا يشكلون درعًا حصينةً للسلطان إزاء المخاطر التي قد تأتيه من الخارج، وبذلك قاموا بمهام عظيمة خلال الآونة التي كانوا يتسمون فيها بالخير والصلاح.. وإلى جانب ذلك لم يمثلوا أدنى عقبة أمام وصول مطالب الشعب واحتياجاته للسلطان أو إيصال مقترحات ووصايا أعيان المجتمع وأشرافه إليه دون غضاضة.

وبالنظر إلى تاريخنا القديم والحديث نجد أن الوضع قد اختلف عن ذي قبل، فمع الأسف أخذت “دائرة الحجبة” تشكل عائقًا وسدًّا منيعًا بين الحاكم والمحكومين، ولا تسمح للأصوات التي تتناهى من الأسفل أن تصعد إلى الأعلى دونما انكسار، وخاصة بعد أن تحلّق المراؤون والنفعيّون في بعض الأوقات بالمسؤولين في الدولة تحت أسماء وألقاب مختلفة مثل مستشار ومعاون ومدير عام وحارس، وحاولوا بِرِيائهم التودّدَ إليهم وكسب ثقتهم، وبالتالي توجيههم إلى الخطإ، فلم ينقلوا أفكار الآخرين ومشاعرهم إلى المسؤولين بشكلٍ صحيح، بل حرّفوا الكلام وفقًا لأهوائهم، وبذلك خدعوا حكامهم وخانوا شعوبهم، والحال أن المسؤول في الدولة لا قبل له بمعرفة سرائر المحيطين حوله ونياتهم الحقيقية وإن كان وليًّا عظيمًا، ولا يستطيع أن ينأى بنفسه عن دسائسهم وحيلهم.

السلطان عبد الحميد الثاني هو من أكثر الأفراد الذين أحمل في قلبي لهم محبة خالصة؛ إذ لما كنتُ في الرابعة أو الخامسة عشرة من عمري أقمت مع المقدّم “مدد أفندي”، وهو شيخٌ في الثمانين من عمره، كان يعمل معاونًا للسلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله، واستمعت منه إلى خصال وفضائل السلطان عبد الحميد المتعدّدة، ومنذ ذلك الحين والسلطان عبد الحميد يمثِّل في داخلي صرحًا من الحب؛ ولهذا لا أسمح بالتطاول عليه، رغمَ أنّ عددًا من المثقفين والأدباء الذين عاصروه قد اتخذوا ضده موقفًا معارضًا، فمثلًا الشاعر محمد عاكف هو أيضًا من أكثر الذين أحبّهم وأكنُّ كلَّ تقدير لهم، لأنه كان إنسانًا صادقًا مخلصًا لا يعرف الرياء، ولم يتطلع إلى أي عرض من أعراض الدنيا قط، ولكن لم يكن الاثنان على توافق فيما بينهما، فمن المعلوم لدى الكثيرين أن محمد عاكف قد كتب قصيدة مناهضة للسلطان عبد الحميد، وكذلك كان موقف العلامة “محمد حمدي يازِرْ” أحد المفسرين المعدودين في تاريخ التفسير، والذي برع في الجمع بين الدراية والرواية.

وفي رأيي أن أهم الأسباب التي دعت مثل هذه الشخصيات العظيمة في وقتها إلى اتخاذ هذا الموقف المعارض هو “دائرة الحجبة” التي كانت تحيط بالسلطان عبد الحميد، حيث كانوا يحولون دون وصول أفكار ومشاعر المثقفين الصاعدة من الأسفل إلى السلطان، بل إن أنقى الأصوات والكلمات كانت تتحطم وتختلّ قبل وصولها إليه، ولذلك لم يستطع السلطان عبد الحميد أن يرى حقيقة ما يجري، ولعله وجِّه من قِبل هؤلاء إلى الخطإ وضُلِّل؛ فلا يستطيع الإنسان ولو كان وليًّا من أولياء الله أن يعرف حقيقة غيره طالما لم يُطلِعه الله على ذلك.

   الاستعمال وفقًا للكفاءة

وبما أن دائرة الحجبة لها أهمية بالغة في القيادة والإدارة فينبغي أن يكون بجانب الإداري معاونون صالحون يحضّونه على الخير ويمنعونه من الشر، ويقع على عاتقهم من ناحية أن يقدموا الحلول للمشاكل التي تعترضهم والمصاعب التي تقابلهم، ومن ناحية أخرى أن ينقلوا المقترحات أو الشكاوى التي يتقدم بها الشعب إلى المسؤولين بشفافية دون تدخل منهم.

وهذه مع الأسف من أهم المشاكل التي نقابلها في عصرنا الحاضر، فلقد بات هؤلاء لا يستمعون إلى أفكار الآخرين ولا يأخذونها على محمل الجد، بل وينقلونها بشكل خاطئ إلى من هم في الأعلى، ويتسبّبون في إصدارهم أحكامًا خاطئة، ونظرًا لأن المستشارين ومديري الأقلام الخاصة والحرس وغيرهم ممن يمثلون دائرة الحجبة يشكّلون حاجبًا بين الإداريين والمجتمع فإنهم يفصلون الإداريين عن المجتمع، ويحولون دون فهم الطرفين لبعضهما بشكل صحيح.. فالإداري لا يرى سوى الحشود التي تتجمع في الساحات والميادين وتهلل وتصفق له، والشعب لا يجد الفرصة للتعرف على الوجه الحقيقي للإداريين، ولذا لا بد أن يكون لدى دائرة الحجبة شفافية تامة وأن تُزال العراقيل التي تحول دون فهم كلا الطرفين لبعضهما البعض بشكل سليم.

فمن الأهمية بمكان جعل الكفاءة هي الأساس عند اختيار الفرد لمثل هذه الوظيفة؛ بمعنى أنه لا بد من النظر إلى التجارب السابقة لهؤلاء المرشحين وخبراتهم المعرفية وقدراتهم العملية، واستعمالهم وفقًا لذلك، علاوة على أنه لا يجوز أن تكون القرابة والصداقة هي أساس الاختيار، فرغم أن التعامل بمروءة مع الأقارب يعتبر فضيلة من الفضائل العظيمة إلا أنه لا تجوز محاباةُ أيٍّ من هؤلاء الأقرباء لتولِّي أي وظيفة إدارية ولو كانت الوظيفة مختارًا في قرية.. فهذه المسألة لا تخضع للمحاباة والمحسوبية، ولا يصح أن تكون صلات القرابة أو علاقات الصداقة أو المنافع والمصالح عاملًا موجهًا في هذه المسألة ألبتة، وإذا لم نراع الدقة في هذا الأمر ولم نستعمل صاحب الكفاءة وولَّينا أناسًا لا يفهمون في الأمر شيئًا لسبب ما؛ فقُلْ على الدولة السلام.

من جانب آخر فقد بات من الصعوبة بمكان أن يتجرأ هؤلاء المستشارون ويعترضوا على الأخطاء التي تصدر من رؤسائهم أو يحاولوا تصحيحها وإن كانوا أصحاب كفاءة، حيث بات هؤلاء لا ينظرون بعين ناقدة إلى ما يفعله هؤلاء الرؤساء نظرًا لتوطد العلاقات التي تقوم على أساس الصداقة والاحترام فيما بينهم، كما أن سعي هؤلاء للحفاظ على عملهم في الإدارة وعلى الوضع والمستوى الذي وصلوا إليه، بل وتَطَلُّعهم إلى مقامات أسمى وأرفع هو عامل مهم لعدم التعبير عن أفكارهم بحرية. أجل، إن هؤلاء الذين ينطلقون بناء على حسابات مستقبلية خاصة مثل نائب البرلمان الذي يتطلع إلى مقام الوزارة أو المستشار الذي يترقب اليوم الذي يصبح فيه نائبًا في البرلمان؛ من الصعب لمثل هؤلاء أن يعبروا عن الحقيقة أمام رؤسائهم، أو يتخذوا موقفًا معارضًا من الأخطاء التي يرونها، ولكن طالما يحافظ هؤلاء على مصالحهم ومنافعهم فستخسر الإدارة والنظام، وستخسر الأمة في نهاية المطاف.

من هنا ينبغي ألا يقتصر الإداريون على المستشارين والمعاونين الذين يحيطون بهم، وأن يستفيدوا من أفكار الذين يحبون دولتهم وينظرون نظرة شاملة إلى الأحداث وإن كانوا يخالفونهم في الفكر والسياسة؛ لأن مثل هؤلاء الناس لن يحاولوا الانتفاع من وراء هؤلاء الإداريين، ولن يعملوا لمصلحة الأحزاب. أجل، من المهمّ للغاية أن يؤخَذ بآراء هؤلاء الناس الذين ينظرون بموضوعية إلى هذه القضايا قبل أن تُخطَى أيُّ خطوة تتعلق بمواطني الدولة على الأقل.

   الجانب المتعلق بأرباب الخدمة في هذه المسألة

إن حصر المسائل التي عرضناها آنفًا والتي تتعلق بتعيين المستشارين ودائرة الحجبة على إدارة الدولة فقط هو تضييق للأمر، فهذه الأمور تنطبق على كل من يعمل في الإدارة والتوجيه في أي مكان وعلى كل المستويات، ومن هنا يمكن القول إن المبادئ التي ذكرناها سلفًا تسري أيضًا على الذين يخدمون في سبيل الله.. فرغم عدم وجود دائرة للحجبة بين أرباب الخدمة كالتي في إدارة الدولة فقد يقوم بعض الأشخاص باتخاذ بعض الأبنية الشبيهة بها في المقامات والمناصب التي يديرونها، ويضعون عوائق وحجبًا بينهم وبين من يعملون معهم، فيؤدي ذلك إلى وجود نوع من الخسوف والكسوف بينهم وبين الآخرين؛ حيث لا شيء يبدو أمامهم حينذاك ظاهرًا واضحًا، ولا يستطيع العاملون معهم في الخدمة أن يصلوا إليهم ويبثوهم همومهم، والحال أنه يقع على عاتقهم أن يكونوا مُهيَّئين لاستقبال الجميع في كل زمان ومكان، وأن يستشيروا الآخرين في كل أمورهم.

 ولهذا يجب على كل من يتولى أمرًا كأن يكون مسؤولًا عن مؤسّسة ما كالمدرسة أو السكن الطلابي، أو ممثِّلًا لأي نشاط خدمي أن يتّخذ لنفسه معاونين يقوّمونه إذا انحرف، ويصحّحون خطأه إذا أخطأ دون أن يتخلوا عن الرفق والحكمة في التوجيه، كما على الأشخاص الذين يشاركونه الدرب نفسه أن يتحلوا بالاستقامة والشجاعة، ويتمثلوا ما نُسِبَ إلى بعضِ الصحابة في خطابِ سيدنا عمر رضي الله عنهم أجمعين: “لو علمنا فيك اعوجاجًا لقوّمناك بسيوفنا”.

فإذا كان سيدنا موسى عليه السلام وهو المؤيَّد بالوحي يطلب من ربه أن يشاركه هارون عليه السلام في أمره حتى يسانده ويؤازره في دعوته فالأولى بنا نحن أن نحرص على هذا الأمر؛ لأنه لا أحدَ منا مؤيدٌ بالوحي، ولا نحن أصحاب فطنة كالتي يتصف بها الأنبياء، ولهذا يجب علينا أن نتخذ مستشارين صالحين يدعمون منطقَنا بأفكارهم المفيدة النافعة، إذ إننا بأمسّ الحاجة إلى أن نتّخذ هذا الأمر أساسًا في كل مناحي حياتنا، فإن نجَحْنا بذلك فلن ننهزم لضعفنا ولن نُغلب بسهولة.

الجَرَّة المشروخة: معايشة الحياة بدقة وإمعان نظرٍ

Herkul | | العربية

سؤال: تكلمتم في مناسبات عديدة عن أهمية معايشة الحياة بفهمٍ وإدراكٍ ووعي وإمعان نظر، فما معنى هذا؟

الجواب: من الأهمية بمكان أن يُحسِن الإنسان قراءة لغة الحوادث والأشياء التي تحيط بحياته، وأن يفكر في الآيات الكامنة في الآفاق والأنفس، وأن يغذِّي حصيلة معارفه باستمرار، بغض النظر عن الاسم الذي يمكن أن يُطلق على هذه العملية.. فما من إنسانٍ يدقّق النظر في حياته كلَّ يوم، ويزيد من حصيلة معارفه بكل ما هو جديد إلا ويوسِّع من باقاته المعرفية ومحبته وشوقه؛ لأن الإنسان إذا غذَّى حصيلةَ معارفِه باستمرار تعمّق في المعرفة مع الوقت، وألهب هذا التعمق محبته، وبالتالي يزداد شوقه للوصال مع ربه سبحانه وتعالى، وكل هذه أرصدة مهمّة بالنسبة للمؤمن من أجل الفوز بالحياة الأبدية.

التفكّر في الآفاق والأنفس

إذا نظرنا إلى بنية الإنسان -ولو بنظرة سطحيّة- وتفكّرنا في آفاقه الأنفسيّة؛ فستَنْفَتِحُ مداركُنا على أشياء كثيرة؛ ومثالُ ذلك: وضعُ العين والأنف وسائرِ الأعضاء الأخرى، كلٍّ في مكانه المناسب، وقيام كُلِّ عضو بوظيفته المتوقعة منه على أكمل وجه، وتنظيم الأنشطة التي تقوم بها هذه الأعضاء بلا قصور كالتنفس والأكل والكلام، فضلًا عن الأنشطة الفسيولوجية الأخرى مثل تنفيذ الأوامر والإشارات بين المخ والأعصاب والأعضاء بشكلٍ سريع ومتناغم للغاية؛ كل هذا يكفينا لندرك كيف أن هذا المجهول الذي يطلق عليه الإنسان مزود بجاهزية رائعة وعجيبة.

وكذلك لو فكّرنا في خلق الكائنات والموجودات بشكلٍ يتواءم تمامًا مع أفكار الإنسان وآماله واحتياجاته، وفي ذلك التواؤم الكامل بين كل كائن في الكون وبين المخلوقات الأخرى المرتبطة به، والروعةِ التي خُلِقت عليها هذه الكائنات بحساب دقيق يَبُزُّ قوانينَ الاحتمالات، وتجهيزِ الإنسان بإمكانياتٍ وخصائصَ وقدراتٍ تؤهّله أن يكون فهرسًا ومثالًا مصغَّرًا للكون؛ لقادَنا كلُّ هذا بالضرورة إلى أن وراء هذا النظام وذلك التناغم ناظمًا حكيمًا.

ولكن مع الأسف بات البعضُ لا يقدر على قراءة هذه الآيات البيِّنات، فَحَصَرَ حياتَه في الدنيا فقط، وراح يعيش حياة اعتياديّة بلا معنى ولا وعيٍ، بل صار يتصرف وكأنه لن يموت أبدًا، انطلاقًا من شعوره بتوهّم الأبدية الناشئ عن طول الأمل، ولا جرم أن هؤلاء سيرحلون مع أوزارهم كما رحل غيرهم، ومن جميلِ حكمتِه جل شأنه أنه يبتليهم أحيانًا ببعض الأمراض والبلايا والمصائب التي تنفّرهم من الحياة وتسبِّب لهم متاعبَ وآلامًا؛ حتى يكسر فيهم هذه المشاعر السلبية، ويُوقظهم من غفلتهم، ويدفعهم إلى محاسبة أنفسهم مرة أخرى.

بيد أن الحياة ليست شيئًا متراكمًا ومكدّسًا بعضُه فوق بعضٍ هكذا اعتباطًا ودون معنى، بل هي نعمةٌ إلهية عظيمة علينا أن نعيشها حِسًّا وشعورًا ومعرفةً، وذلك من خلال إخضاعها لدراسة وتحليل جدّيّيْن، وعلينا أن نضع كلَّ شيء في مكانه الصحيح، فبها يتميز الإنسان عن سائر المخلوقات، وبفضلها يكتسب الإنسان أفضلية حتى على الملائكة والروحانيين، فالحيوانات ليس عندها إدراك للزمان، وتتحرّك وفق غرائزها، وأما الملائكة والروحانيون فيعيشون فيما فوق حدود الزمان، ولذا يمكن القول إن الإنسان والسلوكيات الإنسانية هي مظروف حقيقي للزمان، بناء عليه فإن الحياةَ دون علمٍ بهذا كلّه لا تُعَدّ حياةً في الحقيقة.

بل يجب على الإنسان أن يركِّز على الجهة الخاصة بعالم الملكوت إلى جانب عالم الملك، وأن يحاول فهم نفسه، وأن يفكر في روحه، وينظر في علاقته بربه سبحانه وتعالى، وأن يضع في اعتباره أن هناك مَن هُم أكثر منه عقلًا وذكاءً ما زالوا تائهين في أودية الكفر والضلال، وأن يشكر ربه على إيمانه الذي أنعم عليه به، فثمة أناسٌ يحملون منطقًا ومحاكمةً عقليّةً أعمق منّا، لكنهم للأسف لم يستغلوا هذه النِّعمَ التي خصّهم الله بها، فلم يستطيعوا التعرّف على مفخرة الإنسانية سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يَقُدْهم ذلك إلى الاستفادة من القرآن الكريم، وعليه فإن التفكير في هذا كلِّه سيثير مشاعرَ الشكر لدى الإنسان، وسيساعده على انتهاز الفرص واستغلال الإمكانيات التي بحوزته بما يمكن أن يعود عليه بالنفع الأكبر.

والخلاصة أنه يجب على الإنسان أن يُطَـــرِّزَ حياتَه كلَّها بنسيج التدبُّر والتفكُّر والتذكُّر، وإذا ما أراد أن يحصل على نقشٍ جميلٍ ونتيجةٍ ذات مغزى فعليه أن يعتنيَ بحركةِ الإبرة بينما يزخرف بها ويطرّز، ولا سبيل إلى ذلك إلا بأخذ الحياة التي يعيشها على محمل الجدّ. أجل، يجب على الإنسان أن يَعِيَ علاقَتَه مع ذاته مادّيًّا ومعنويًّا، وأن يَعِيَ علاقتَه مع الحوادث والأشياء أيضًا؛ وبتعبير آخر: يجب على الإنسان -رغم جِرْمِهِ الصغير- أن يحسن دراسة العلاقة بينه وبين الذات العليّة المقدّسة المنزهة عن الجوهر والعرض من ناحيةٍ، ويدرسَ ويدقِّقَ النظرَ في الحوادث المتعلقة بنفسه من ناحية أخرى.

ولقد كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على وعي بهذه الحقيقة فأراد أن يخلّف قدوةً حسنة لأمته، وأن يرى ويسمع أشياء جميلة فيما حوله، فاهتمّ بكلِّ شيء، ودقق النظر فيه، واستنبط من أسماء الجبال والأودية التي كانت تقابله في أسفاره معانيَ جميلة، وتفاءل ببعض الأحداث التي وقعت حوله، وحينما كان يمرّ مع أصحابه على بعض الأماكن التي هلكت فيها الأمم السابقة كان يحثّهم على السرعة في المسير، كما أنه غيَّر بعضَ الأسماء التي تنبئ عن معانٍ سيّئة، واستبدلَها بأسماء ذات دلالة إيجابية، ولو نظرنا إلى كتب الأحاديث والسيرة فسنجد أنه صلى الله عليه وسلم قد غيّر أسماءَ العديد من صحابته، وسمّاهم بأسماء جميلة، وهذه الأحداث وغيرها تدل على دقّة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، وتُبيّن أنه كان مرهفَ الحسِّ إزاء الأحداث الواقعة من حوله.

الجانب الملكوتي للأشياء

من المعلوم لدينا أنه ما من شيءٍ في هذا الكون يقع عبثًا أو على سبيل الصدفة؛ إذ كلُّ شيءٍ يجري في إطار برنامجٍ وخطة محددة، لذا فعلينا أن نستوعب هذه الحقيقة جيّدًا، وأن نعالج ما قد يختلط منها في الأذهان، حتى إنه لا يصحّ أن ننسب إلى الصدفة حتى عدم القدرة على تمرير الخيط من الإبرة أو سقوط الإبرة من أيدينا أثناء فعل ذلك، فما من شيء في الكون يقع صدفةً ألبتّة، ولو استشعرنا هذه الحقيقة وفطنَّاها بإيمان عميق فسنرتقي في مدارج التعرف على خلفية الحوادث الواقعة وحِكَمها.

أجل، ثمة معانٍ تشير إليها الأحداث من حولنا، فمثلًا قد نتصبّبُ عرقًا ونحن نتكلّم في مكان ما ونشعر بالملل والاضطراب، أو يقع من أيدينا كوب ماء خطأً أو نتعثر عند سيرنا، فيجب آنذاك أن نفكر في دلالة هذه الأحداث بالنسبة لنا، وفيما اقترفَتْه أيدينا من ذنوبٍ جعلَتْنا نقع في مثل هذه العثرات؛ لأن المصيبة التي تحلّ بنا وفقًا للمعنى الذي ذكرَتْه الآية الكريمة ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (سورة الشُّورَى: 42/30)، هي بمنزلة قلنسوة حِكْناها بأيدينا ووضعناها على رؤوسنا، وكأنه سبحانه وتعالى يقول: إنكم لو نَظَرْتم إلى ظاهر هذه الأحداث فحسْب أو عَزَوتموها إلى بعض الأسباب الظاهرية ليس إلا؛ فستضيقون بذلك من إطار المسألة، علمًا بأنكم عندما توسِّعون نظرتَكم إلى هذه الأحداث فإنه يسهُل عليكم استقراء الكثير من المعاني الكامنة فيما وراء هذه الأسباب المادّية.

فمثلًا قد يؤلمكم موضع في جسدكم فتلجؤون إلى بعض السبل للتداوي وتنسبون الأمر إلى الأسباب الظاهرية، والحال أنه لا حرج في ذلك، بل إنه يقع على عاتقنا المحافظة على نعمة الصحة التي وهبها الله لنا، إلا أنه من الخطإ الاقتصار على ذلك فقط وتجاهلُ وجودِ مسبّب الأسباب سبحانه وتعالى وراء مثل هذه المعاناة والأزمات؛ لأن هذه المصائب قد تكون ناشئةً عن بعض العثرات والانحرافات التي وقعنا فيها، وقد تكون إشاراتٍ لتفعيل شعور الاستغفار لدينا، فما علينا إلا قراءة هذه الإشارات بشكلٍ صحيح، والتوجه إلى الله بالاستغفار والتوبة، فإن تجاهَلْنا هذا الأمر تعرّضْنا لمصائب أكثر فداحة.

يجب علينا أن نعتبر كل أزمة نتعرض لها -صغيرة كانت أو كبيرة- قطرة مطر تنزل علينا من سحائب رحمة الحق تعالى. فينبغي أن تقرّبنا الابتلاءات التي نتعرض إليها إلى الله أكثر وتجعلنا أكثر لجوءًا إليه، وبذلك يكفّر الله تعالى ذنوبَنا بمثل هذه العقوبات الصغيرة ولن يُبقِيها إلى الآخرة، علمًا بأنّها لو بقيت إلى الآخرة لكان عقابُها هناك أكبر بكثير، ومن ثمَّ فعند تدقيق النظر في المسألة من هذه الناحية يمكن رؤية تجلّيات رحمة الله تعالى في باطن حوادث عديدة يبدو ظاهرُها مؤلمًا ومريرًا.

وبقدر ما تُمنَحُ الحياةُ عنايةً وتفحّصًا لكل صغيرة وكبيرة؛ بقدر ما يتمكن صاحبها من رؤية المنافذ المنفرجة من العالم المادّي الذي يحياه، ومن هنا يستطيع أن يشاهد بعضَ الحقائق الخاصة بعوالم الملكوت، ويرى يقينًا بأنه ليسَ متروكًا وحيدًا، ويشعر دائمًا بأنّ قوّة الله تعالى وقدرتَه وعنايتَه ورعايتَه تحيط به من كلّ حدَبٍ وصوب، ويشاهد في الوقت عينه كلَّ أزمة يعيشُها تحذيرًا وتنبيهًا له؛ فيستفيد منها باعتبارها فرصةً للتعافي والنجاة من التشتت والفرقة.

ومن جانب آخر إنّ الإنسان عندما يتناول الأحداث التي يتعرّض لها بنظرةٍ مدقّقةٍ متفحّصة ويرى الأسباب الحقيقية التي وراءَها يستطيع أن يتخلّص من الوقوع في خطإ إرجاع التأثير الحقيقي في الأشياء إلى الأسباب.. وهذا هو طريق الوصول إلى أفق التسليم والتوكل، وحينها يَترك الأثقال التي يحملها على ظهره في السفينة التي يسيح داخلَها، ويُصبح هذا المبدأُ -في جانب منه- وسيلةَ بلوغٍ إلى المعية الإلهية، وأداةَ حصولٍ على قوّة خارقةٍ يستطيع أصحابها أن يغيّروا تغييرَ مدار الكرة الأرضية.. وبالتالي فإن مشاعر التوكل لا تعني التعبير عن العجز، وإنما هي تعبيرٌ عن الاستناد إلى مصدر القوة والقدرة الحقيقي.. وهنا يلزم التأكيد على أن كلّ كلامنا هذا لا علاقة له بنفي الإرادة أو بتجاهل الأسباب.

لكنه ربما لا يستطيع الجميعُ فهْمَ ذلك نظرًا لأن مثل هذه الأمور ليست مادّيّة مرئية.. فهذه المسألة مرتبطة بعض الشيء بالتعمق في التوحيد، والإيمانِ التام والقاطع بأن زمامَ كلّ شيء في يد الله تعالى، فمَن يُؤمن بأن كلّ الحوادث تجري وفقًا لمقتضى إرادة الله تعالى وعلمه المحيطين، ويعيشُ حياته مدقّقًا فيها يصل إلى حقائق شتى وعديدة تتعلق بحياته الشخصية وبالأوامر التكوينية والتشريعية على حد سواء، ويستطيع مشاهدةَ الحوادث واضحة جليّة.

إلا أنه يتعذر علينا أحيانًا فَهْمُ الحِكَمِ الخفية للأحداث التي تقع من حولنا فهمًا تامًّا، وبالتالي لا نستطيع رؤية التجليات الإلهية الكامنة فيها، ولا ندرك نوعيَّة النتائج الجميلة التي تخفيها لنا، وفي مثل هذه المواقف يجب علينا التزام اليقين التام بأن الله سبحانه وتعالى ليس بظلّامٍ للعبيد، وأنه لا يفعل شيئًا عبثًا.

حياة منتظمة ومنهجية ومتوازنة

إلا أن تحول عصرنا إلى عصر السرعة ومواصلة الناس في عصرنا حياتهم ومعيشتهم في دوامة الكد والسعي، ومحاولتهم الدائمة من أجل الوصول إلى مواقع أو أشياء معينة يتسبب -للأسف- في فقدانِهم كثيرًا من هذه المعاني، ولهذا السبب فإن كنا نريد أن نعيش حياتنا متفحّصين إيّاها وشاعرين بها ومفكّرين فيها يجب أن نبرمِجها من جديد، ونربطَها بنظامٍ جادّ.

إننا إن أردنا أن نجعل السرعة والحركة تجريان لصالحنا فعلينا أن نقسم أعمالنا فيما بيننا، وأن نفعّل دستور التعاون، وننظم ساعات عملنا تنظيمًا جيّدًا، ونرتب الوظائف الواجبة علينا وفقًا لخطة معينة، ونبذل لها أعلى معدّلات التركيز.
أي إن نجاحَ الإنسان كما أنه مرهونٌ بعدمِ تراخيه وسرعتِه في إنجاز الأعمال الواجبة عليه باستخدامه قوَّتَهُ حتى نهايتها؛ فإنه مرهونٌ أيضًا وبالقدر ذاته بأن يعيش حياته بشكل منظّم ومنهجيّ.. ومن المفيد هنا إدراك جزءٍ من حكمة فرض الصلوات الخمس؛ إذ إنها تقسِّم اليوم إلى خمسة أقسام فتُعلِّم المسلمين تنظيم أوقاتهم وما يجب أن تكون عليه حياتُهم من التنظيم والتخطيط.

فإن لم ينتبه الإنسان لهذا فقد ينسحق شيئًا فشيئًا بين تروس الأحداث دون أن يُدرك، حتى وإن ركض فرارًا منها كما يركض الكحيلان.. ويمكن للأعمال المُباشرَة أن ترهقه وتضجره؛ فيتعذّر عليه التفكير بصورة صحيحة في المشاكل التي تواجهه، وكذلك يستحيل عليه اتخاذ قرارات صائبة بشأنها.. وهذا يحولُ دون الحصول على نتيجة وثمرة من تلك الأعمال.. وبالتالي يُخفق فيما يوكَل إليه من أعمال، والأمرُّ من ذلك أنه ربما ينهار بعد مدة ويتعثر في الطريق، وعليه فإن كنّا نرغب في استثمار الحياة على أفضل نحوٍ والحصول منها على أفضل النتائج فنحن مضطرون إلى العمل والحركة ضمن أُطُرِ النظام والمنهج، ومثل هذا النمط من السعي والحركة سيكون أكثر بركةً بالنسبة من قطع الطريق بسرعة تفوق ذلك بعشرة أضعاف.

وهناك عامل آخر يُعتبَر من أهم العوامل لِعَيشِ الحياة بتفحصٍ واستغلالها بصورة مثمرة، ألا وهو التوازن، فلا بدّ من توفّر نظام دقيق وانتظامٍ كامل في جميع الشؤون التي تُؤتَى بدءًا من تناول الطعام حتى النوم، ومن العمل حتى العبادة، ويجب ألا يَمنعَ أيٌّ من هذه الآخرَ، ولا يُستغنى بأحدهم عن الآخر؛ فيجب ألا تُهمل حاجاتنا البدنية ولا عوائلُنا، وألا يقعَ إخلالٌ بمسؤولياتنا تجاه المجتمع، وتجاه الله تعالى.. يجب الوفاء بشتى هذه الوظائف في إطار توازنٍ دقيق، وإعطاءُ كلِّ ذي حقّ حقّه، وحسب قول الله تعالى ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ (سورة الشَّرْحِ: 94/7) يجب علينا إذا ما تعبنا من عملٍ معيّن أن نتوجه إلى آخر، وهكذا فإذا ما أردنا أن نستريح من عملٍ ما علينا أن نكون على رأس عملٍ آخر، وفي ظل هذا يُمكن إنجاز أعمال عديدة معًا، ودون تأخير أي منها.

إن العيش وفقًا لمنهج وبرنامج محدد يمثل في الوقت عينه ضرورة من ضروريات التحلّي بالأخلاق الإلهية؛ لأن الله تعالى حين خلق الكون خلقه وفقًا لخطة وبرنامج معين نسميه نحن القَدَر؛ فجميع الموجودات التي في الكون بدءًا من أفعال الإنسان مثل رؤيته وسمعه وحديثه حتى حركات المجرات والسدم تتحرك في إطار توافق ونظام محدد وفقًا لبرنامج علمي وضعه الله تعالى في محيط علمه، ولما كان الله تعالى يطلب من عباده أن يتحلّوا بالأخلاق الإلهية فقد وجب عليهم أن يتحركوا وفقًا لبرنامجه القدري.

ناهيك عن أننا لا نستطيع إنشاء مبنى عادي دون مخطط؛ حيث إننا نفحص التربة قبل البدء في المبنى، وفي الوقت نفسه نضع في حساباتنا الزلازل المحتملة، فندعم المبنى بأساساتٍ مقاوِمة، وبالشكل عينه فإننا حين نُقبلُ على زرع الحقول نزرعها وفقًا لبعض الحسابات حتى ولو كان المطلوب أمرًا بسيطًا مثل بذر الحبوب، فمثلًا ننظر إن كانت الأرض خصبة أم لا، ونبحث إن كانت إمكانات الري كافية أم لا، ونراجع اتجاهات الرياح ونأخذ بعين الاعتبار تأثير أشعّة الشمس، فإن كانت مثل هذه الأعمال الجزئية تخضع لمجموعة من الحسابات الجادة فيستحيل القبول بأن الإنسان يحيا حياة عشوائية ودون تبصُّر..

نعم، يجب على الإنسان أن يقوم بعمل إحصائية جادة لسلوكه وتصرفاته، ويفكر في مقدمات هذه السلوكيات والتصرفات ونتائجها، وإيجابياتها وسلبياتها.

 

الجَرَّة المشروخة: الواقعُ، ومراعاةُ الأسباب والآلامُ

Herkul | | العربية

سؤال: ما أثر تجرع الآلام إلى جانب إدراك الواقع ومراعاة الأسباب في حل المشاكل التي تعترضنا؟ وما طبيعة العلاقة بين هذه الأمور؟

الجواب: يأتي على رأس الأولويات التي ينبغي القيام بها عند حلِّ المشاكل التي تعترضنا على مستوى الحياة الفردية والاجتماعية؛ قراءة الوضع الراهن بشكل دقيق، وتشخيص المرض تشخيصًا صحيحًا، فلو توهم الشخصُ أنه يعيش في أجواء رحبة بينما هو يعيش في قاع البئر فمن الصعوبة بمكان أن يتخلص مما هو فيه؛ لأن ذلك يعني أن هذا الشخص لا يتجرع آلام البؤس الذي تردّى فيه، ولا يتوجه إلى الله بقلب مضطر، ولا يخطو الخطوات اللازمة كي ينجو مما سقط فيه.

أما لو أدرك الإنسانُ الهوّةَ التي سقط فيها فتبرّم من حاله؛ فإنه يتوجّه إلى الله بحاجته وفاقته وقلة حيلته، ويفعل كلّ ما بوسعه ليتخلّص من هذا الوضع المزري؛ كأن يستغيث بمن هم خارج البئر ويتمسك بما يُدْلون إليه من حبلٍ أو دلو، أو يسعى لأن يحفر بأظفاره المواضع التي سيضع عليها قدميه حتى يخرج من البئر، وفي النهاية لن يتخلى الله عن مثل هذا العبد الذي توجّه إليه بقلبه وأخذ بكل الأسباب، بل سيوصّله سبحانه وتعالى إلى برّ الأمان مظلَّلًا بتجلي سرّ الأحدية في نور التوحيد.

مَن هم داخل البئر ومَن هم خارجه

ولذا يجب أن يكون أول ما نقوم به هو أن نفحص الوضع جيّدًا، ونحدّد خارج البئر وداخله، وهنا لا بدّ أن أنوّه بأن العصر المثالي بالمعنى الحقيقي بالنسبة لنا هو العصر الذي عاش فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ويتبعُهُ عهدُ الخلفاء الراشدين، ليس هذا فقط، بل كانت هناك فترات من بعدهم تحقّق فيها هذا الحال أحيانًا على مستوى الظلّيّة؛ فمن هذه الفترات: عهدُ “عمرَ بن عبد العزيز” في العصر الأموي، وعهدُ “الهادي” و”المهدي” و”هارون الرشيد” في العصر العباسي، أما أطول مرحلة زمنية حياتية كانت أقرب إلى المثالية على مستوى الظلّيّة فقد كانت في عهد الدولة العثمانية؛ إذ تنسّم المسلمون تلك الأجواء طيلة مائة وخمسين أو مائتي عام، بشكل لم يُقدّر لأية دولة إسلامية أخرى.

وهكذا لـمّا شعر هؤلاء بالجماليات خارج البئر وتشبعوا بها حتى النخاع أدركوا على الفور أن السقوط في الحفرة أو العيش داخل البئر كارثةٌ لا سبيل إلى تحملها، والواقع أن هؤلاء قد أدركوا ذلك بمجرد ابتعادهم قدر مترٍ عن الجنة التي فقدوها وعن قيمهم الذاتية الخاصة.

أما سواهم -لأنهم لم يتذوّقوا هذه الحياةَ التي تشبه الجنة- فلم يستطيعوا أن يدركوا أنهم قد ابتعدوا عن الجنان في الخارج وفقدوا قيمهم، بل لم يتألموا لذلك؛ إذ لا علمَ لهم بأن المشاعر قد تبلّدتْ وأن العشق والشوق قد انطفأ وأن الدموع قد تحجرتْ وأن الإفلاس المعنوي قد وقع؛ لأن المساجد التي يرتادونها لم تعد الأماكن التي يجيش فيها العشق والحماس، بل إنهم في الوقت عينه لم يدركوا أن المدرسة معراجٌ يرفع الإنسانَ إلى الله تعالى، ولم يشهدوا طهارة الشوارع ونقاءها المعنوي؛ ومن ثمّ حُرموا من مثل هذه الحياة، ولقد أعاقهم هذا الحرمان من رؤية الهاوية التي يقبعون فيها.

أما السبيل إلى اجتياز هذا الحرمان وإدراك هذه الحقائق فهو استحضارُ العصرِ الذي سادت فيه الحياة المثالية التي نرنو إليها، والسعيُ إلى وعيه وفهمِه بكل ألوانه ونقوشه وزخارفه، فلو أنكم تعرّفتم إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حقّ المعرفة، وانتقلتم منه إلى أصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، واستوعبتم الزمنَ الذي عاشوا فيه بكل أبعاده فقد فزتم بالمقياس الذي يمكنكم أن تقيِّموا فيه وضعكم وموقفكم بشكلٍ صحيح؛ وهذا هو السبيل إلى فهم الانحراف الذي وقعنا فيه، فإذا توفّر لكم مقياسٌ تستطيعون من خلاله معاينة صحة عالمكم الفكري والحركي فستستطيعون حينذاك -وبكل أريحية- تعيينَ زيغكم وانحرافكم وإدراك الوضع المزري الذي أنتم فيه.

أجل، إن كنا نريد أن نتخلص من البؤس الذي نعيش فيه فعلينا أولًا أن نستوعب جيدًا عصر خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم حتى نسدّ جوعنا ونروي ظمأنا ونشحذ عشقنا وشوقنا به ونعزّز علاقتنا مع ربنا سبحانه وتعالى، فإن أفلحنا في ذلك واستطعنا أن نطلّ من هذه النافذة على العصر الذي نعيشه فسندرك البؤسَ الذي يهيمن على الأسر، ومنكراتِ الشوارع التي تتحدى الجميع، والوضعَ المزري الذي آلت إليه مؤسساتنا التعليمية، بل سنشعر كيف غدت دورُ العبادة -التي كانت تجيشُ فيها النفوس وتطربُ- بكماءَ لا صوت لها؛ فلا الوعاظ فيها يقولون شيئًا ذا بال، ولا المتعبدون فيها يعون ما يفعلون؛ ومن ثم يجب على الذين يدركون هذه الحقيقة أن ينقلوا لنا صورة الحياة خارج البئر بشكل جيّد، وأن يعبّروا عنها وعن الوضع البائس الذي نعيش فيه بشكلٍ درامي، حتى تنفتحَ أعينُ الناس اليوم على الحقيقة، فينظروا هم أيضًا إلى حالهم ويقولوا: ما أسوأ هذا الوضع المزري الذي وصلنا إليه؟!

دعاء المضطر

فإن نجحنا في ذلك ووضّحنا للناس ماهيّة البئر الذي يعيشون داخله؛ فسيتوجّهون إلى الله بفقرهم واضطرارهم، ويطلبون المعونة منه، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (سُورَةُ النَّمْلِ: 27/62)، في إشارة إلى أن دعاء المضطر أحرى بالقبول والإجابة.

ولو نظرنا إلى حياة الأنبياء لألفينا نماذج عدة على ذلك؛ فهذا سيدنا “يونس” عليه السلام لما ابتلعه الحوت عرض حاله على الله تعالى قائلًا: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ: 21/87)، وبدلًا من أن يدعو الله قائلًا: “اللهم أنقذني من بطن الحوت وظلمات البحر وظلمة الجو”؛ فوّضَ الأمر كله إلى الله، فلما فعل كلّ ما يقع على عاتقه من واجبٍ وتوجّه إلى الله بحاجته واضطراره ظهرَ سرُّ الأحدية في نور التوحيد.

بمعنى أن تجليات جمال الله تعالى قد ظهرت وفقًا للحالة الشخصية التي كان عليها سيدنا يونس بن متى عليه السلام مع أن السياق العام كان يقتضي ظهورَ تجليات جلال الله عز وجل، فلما عاد إلى قومه آمن به مائة ألف شخص أو يزيدون، كما نصَّ على ذلك القرآن الكريم[1]؛ أي إنه وإن كان قد سقط في بطن الحوت بسبب هجره لقومه قبل أن تأتيه إشارة من ربّ العالمين فقد أدى كفارة ذلك، وتضرع إلى الله بصدقٍ وإخلاص.

وكذلك لما هاجر مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة تعقبه المشركون، فلجأ إلى سلطنة غار ثور (والحق أنني أنزعج من استخدام هذا التعبير حرصًا مني على عدم إساءة الأدب معه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه صلوات ربي وسلامه عليه لم يلجأ إلى سلطنة غار ثور أو سلطنة غار حراء ولا إلى سلطنة المدينة أبدًا، بل لجأ إلى الله فقط، وما فِعْلُه صلى الله عليه وسلم واختباؤُه وإخفاؤه الأثر إلا إعطاءُ الإرادة حقّها ومراعاةٌ للأسباب)، ولكن لا علم لنا بالدعاء الذي توجه به إلى ربه في هذا المكان، من المؤكد أنه قال شيئًا مهمًّا، وتوجه إلى ربه توجُّهًا كاملًا، فما كان من الله تعالى إلا أن حفظه من المشركين بوسائل بسيطة للغاية.

وكذلك يمكننا أن ننظر النظرة نفسها إلى حال سيدنا يوسف عليه السلام، وكيف ألقِي في البئر، ونجا منه بحبلٍ أُدْلِي إليه؛ أو إلى حال سيدنا موسى عليه السلام الذي ضرب البحر بعصاه فانفلق فكان كل فَرْقٍ كالطود العظيم.. ورغم أن القرآن الكريم لم يزوِّدْنا بمعلومات تفصيلية عن صِيَغِ الدعاء الذي دعا به هذان النبيان الكريمان، فالذي لا جدال فيه أنهما توجّها إلى الله بكل كيانهما، وتضرّعا إليه من صميم قلبيهما في وقت نفدت فيه الأسباب بالكلية، وفي النهاية ظهر سرُّ الأحديّة في نور التوحيد، وظفر هؤلاء الأنبياء المباركون بمددٍ من الله تعالى.

وظهورُ سرِّ الأحدية في نور التوحيد يعني تنزُّل التجليات الجمالية والرحمانية من قِبل الله تعالى على العبد وفقًا لحالته ووضعه وحاجته في تلك اللحظة، وبالتالي وصول ذلك المضطر إلى برّ الأمان، ولكن ينبغي لتحقيق ذلك إدراك الفرد للمصيبة التي يتعرض لها، وإحساسه بضعف قوته وقلة حيلته، ثم توجهه إلى ربه بكل كيانه، وهذا منوطٌ بتمييز الشخص للحسن والقبيح والنور والظلام، وبثّه لشكواه في الظلمات وهو يتحرّق شوقًا وعشقًا إلى النور.

مراعاة الأسباب

بعد إدراك المرء للسلبيات التي يتعرض لها يجب عليه -إلى جانب التوجه إلى الحق تعالى في حالة الاضطرار والحاجة هذه- أن يعطي الإرادةَ حقَّها، ويراعي الأسباب أيضًا، لأنّ فعلَ هذا استدعاء مهمّ لمشيئة الحق تعالى وإرادته وقدرته المحيطة بكل شيء، ولذا فحتى وإن بدت الأسباب الظاهرة غير كافية لإنقاذنا من المصيبة التي ألـمّت بنا فإن الله تعالى لن يضرب صفحًا عن إجابة خلجان قلوبنا وخفقانها ولجوئنا إليه تعالى إذا أعطينا إرادتنا حقّها، وقمنا بالواجب علينا حسب الموقف الذي نحن فيه.

ومثل ذلك ضربةُ موسى عليه السلام البحر بعصاه؛ فإنها سبب من هذا القبيل كي تتحقق النتيجة، ومهما غاب التوافق بين هذا السبب والنتيجة فإن مراعاة الأسباب تعني من ناحية ما التشبّث بمطرقة باب رحمة الله تعالى، فإن تفعلوا هذا وتعطوا إرادتكم حقَّها فسيبلّغكم الله تعالى مقصدَكم وغايتكم.

إننا لا ندري ماذا فعل يونس بن متّى عليه السلام في بطن الحوت عملًا بالأسباب، ولكن ربما أنه ضربَ معدَة الحوت بضعَ ضربات فانزعج الحوتُ؛ فألقاه إلى الساحل.. وبالشكل نفسه ليست هناك معلومات مفصّلة حول ما فعله سيدنا يوسف عليه السلام عملًا بالأسباب؛ لا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية، لكن من المحتمل أنه حين رأى الدلو المتدلي نحو قاع البئر أمسك به أو نادى على من في الخارج.

وثمة مثال آخر على الأخذ بالأسباب نسوقُه من حياة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمعلوم أنه عليه الصلاة والسلام عند هجرته إلى المدينة المنورة كان غيرُ المسلمين أكثر عددًا من المسلمين.. ونظرًا لأن بعض هؤلاء لم يؤمنوا برسالة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بِصِلته بالله تعالى فقد كانوا يرسمون الخطط ويعدّون شتّى المؤامرات ضده صلى الله عليه وسلم دونما توقُّف، ولقد كان صلوات الله عليه يراعي الأسباب العادية ويُعطي إرادته حقها في مدافعة ذلك كله والاحتراز منه، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: “سهرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينةَ ليلةً؟ فقال: “ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة!”، قالت: فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح -أي: صوت سلاح- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ؟”، قال: سعد بن أبي وقاص، قال: “وما جاء بك؟“، قال: وقعَ في نفسي خوفٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئتُ أحرسُه، قالت عائشة رضي الله عنها: فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نام حتى أصبحْنا”[2].. فلقد وافق له النبي على أن يكون عينَه الساهرةَ على الحراسة، وفعلًا فقد ظل متوشّحًا سيفه ممشوق القوام دون أن تطرف له عينٌ حتى الصباح..

إن ما فعلَهُ سيدُنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يعبّر عن حالة الضرورة التي ألمت به، وهو يعبّر في ذات الوقت عن كيفية مراعاته صلى الله عليه وسلم الأسبابَ وأخذه بها.

الحاصل أن كلًّا من الفرد والمجتمع إذا ما أرادا حلًّا لمشكلاتهما فلا بد لهما من امتلاك القدرة على التمييز بين النور والظلام، وبين الخير والشر، ثم لا بدّ لهما من الاهتمام ومكابدة الآلام؛ لأن المعاناةَ وتجرُّعَ الآلام دعاءٌ أهمّ من رفع الإنسان يديه من الصباح حتى المساء واستمراره في التضرع إلى الله، وإنَّ رفع إنسان يديه ودعاءه متضرِّعًا: “اللهم إنني أسألك وأرجوك! اللهم إنّ العالم الإسلامي قد انحنى ظهرُه فاجعله برحمتك يستقيم ويعتدل من جديد!”؛ دعاءٌ مهم بقدر أهمية التضرع ليلًا حتى يشرق الصباح، وبعد هذا التضرع والدعاء يجب علينا أن نبحث عن طرقٍ منطقية للتخلص مما نحن فيه من أوضاع مأساوية، وأن نلجأ إلى كل الطرق المشروعة في هذا السبيل؛ فذلك يمثل في الوقت عينه ضرورةً من ضروريّات تعظيم الله؛ لأنه سبحانه وتعالى هو خالق الأسباب.

 

[1] سورة الصافات: 37/147-148.

 [2] صحيح مسلم، فضائل الصحابة، 40.

الجَرَّة المشروخة: الطامحون إلى الأهداف السامية

Herkul | | العربية

سؤال: يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ[1]، فما المسؤوليات التي تقع على عاتق المسلمين حتى يتمّموا تحقيقَ هذه الغاية؟

الجواب: تكلم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العديد من أحاديثه عن الأحداث المستقبلية، ولا جرم أن هذه الأحداث التي شاهدها بعين الغيب وأنبأ بها هي دليلٌ آخر على نبوته عليه الصلاة والسلام، ولو أردنا تناول المسألة ضمن وجهة نظرنا العامة التي ما زلنا نتبنّاها حتى اليوم نقول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يهدف بحديثه عن الأحداث المستقبلية إعلامَ أمّتِه بها، بل كان يستهدف في الوقت ذاته أن يضع نصب أعينهم هدفًا أعلى يسعون إلى تحقيقه ويرشدهم إلى ما يحقِّق ذلك الهدف، ولقد فهم سلفنا هذه الأخبار الغيبية على هذه الشاكلة، وحاولوا القيام بالمسؤوليات التي تقع على عاتقهم في هذا الصدد.

فمثلًا يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثٍ له: “لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ فَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ[2]، فالنبي صلى الله عليه وسلم بهذا القول يخبر عن حادثةٍ ستقع، وإلى جانب ذلك يحضّ أمته على تحقيق ذلك الهدف المنشود ويرشدهم إليه.

ورغم أنه تكلم عن وقوع هذا الفتح بشكلٍ واضحٍ وقاطعٍ فإن سادتنا الصحابة رضوان الله عليهم والمسلمين من بعدهم لم يقعدوا منتظرين وقوع هذا الأمر، لكنهم بدؤوا منذ عصر السعادة يسدِّدون أنظارهم نحو إسطنبول، حتى إنهم شدّوا الرحال إليها وصارعوا أسوارها، حتى استشهد بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام تلك الأسوار، ومن هؤلاء سيدنا خالد بن زيد المشهور بأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، ورغم أن هذا الصحابي الجليل كان قد تجاوز الثمانين من عمره فإنه قطع طريقًا يبلغ مئات الكيلومترات إلى إسطنبول عسى أن يحظى بتحقيق بشارة النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه استشهد عند مشارف المدينة، ودُفن حيث استشهد، وكأنه بقبره قد سجّل المكان الذي استشهد فيه باسمه، وكأن إسطنبول لما رأت حسنَ استضافته لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هجرته من مكة إلى المدينة فتحت له أحضانها واستضافَتْه وهي تقول: “استضفتَ نبيَّنا صلى الله عليه وسلم فضيّفناك”.

السبيل إلى أن نكون ذكرى جميلة

وعلى هذا فإذا كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن هذا الأمر سيبلغ ما بلغ الليل والنهار؛ فالواجب علينا السعي إلى تحقيق هذا الأمر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم بخبره الغيبي هذا قد أرشد أمته إلى هدف منشود، من هنا يجب على المؤمنين -بدلًا من أن ينتظروا تحقُّقَ هذا الأمر- أن ينظّموا هجراتٍ إلى كلّ أرجاء العالم، وأن يعمِّقوا هجراتهم بروح الإرشاد، ويسعَوا إلى تحقيق هذه الغاية المثلى.

للأسف الشديد تعذّر تحقيق هذا الخبر الغيبي الذي أنبأنا به النبي صلى الله عليه وسلم بالمعنى التام حتى الآن؛ وهذا يعني أننا نحن المسلمين لم نبذل غاية ما بوسعنا في سبيل تحقيق هذا الأمر، ولم ننفتح على العالم، والواقع أننا لو فشلنا في تحقيق هذا الأمر في الوقت الحالي فسيأتي مَن خلفنا ويحمِّلوننا وبال ذلك، وكما نسعى إلى أن يُذكر أجدادُنا بالخير دائمًا وتُعَدَّدَ محاسنهم وألا توجد في حياتهم ثغرات ولا عليها ملاحظات؛ فعلينا كذلك أن نساعد الأجيال القادمة من بعدنا في أن يذكرونا بالخير، وألا نسوقهم إلى سوء الظن بنا بسبب بعض إهمالنا وكسلنا، وألا نجعلهم يقولون عنا: “تبًّا لأجدادنا الذين استسلموا للدعة والخمول ولم ينفتحوا على العالم”.. من أجل ذلك يجب أن نحول دون ذكرهم لنا بهذه الكلمات الشديدة على النفس يومًا ما، وأن نسعى بأقصى جهدنا ونعمل كل ما بوسعنا للانفتاح على كل أرجاء المعمورة.

ويمكن القول إن هناك محاولات على هذه الشاكلة الآن، فقد جاب رفقاؤنا في الخدمة معظم دول العالم، والحمد لله حمدًا طيبًا مباركًا كثيرًا، فلقد لاقوا حسن القبول في كل مكان ذهبوا إليه، ولم توصَد دونهم الأبواب، ولقد كان الأستاذ النورسي يرى وجودَ طالبٍ واحد من طلاب النور في مكانٍ ما كافيًا لتجدَ المشاعرُ والأفكار الإيمانية حسنَ القبول هناك، وهو هنا يذكِّرنا بأهمية التمسّك بالأفكار والغايات السامية، وينصحنا بإعلاء همتنا، وأن نقوم بما يجب علينا في كل مكان نذهب إليه في سبيل تحقيق غايتنا المثالية تلك مهما كلفنا من ثمنٍ.

فإن لم تتمسكوا بالغاية المثالية حيث تذهبون، ولم تعيشوا وفقًا لها، فمن الصعب أن تتخلصوا من أسارة الأنانية، وستتردون في هوة النرجسية، ويمكن أن نرجع أساسَ هذا الأمر إلى الحقيقة التي يذكرها فضيلة الأستاذ النورسي رحمه الله في قوله: “إذا لم تكن ثمة غايةٌ ومثلٌ عليا، أو نُسيت تلك الغاية، أو تنوسيت؛ تحوّلت الأذهان إلى “أنا” -الأفراد- ودارت حولها”[3]، والواقع أن هذا يُعدّ بمثابة عقاب الله للإنسان؛ لأن الإنسان إذا لم يسعَ لتبليغ القيم التي نذر حياته في سبيلها فسيوكله الله إلى نفسه، عندها يشرع ذلك الإنسان في السعي إلى إظهار نفسه بأقواله وأفعاله وتصرّفاته ومشاعره وأفكاره، ولا شك أن هذا عقابٌ آخر يسلطه الله على الإنسان، وسبيل النجاة من هذا الأمر هو تسديد الأنظار إلى الأهداف السامية.

وأما النقطة التي يمكن أن يصل إليها المتحرّكون في سبيل مثل هذه الغاية السامية فهي شيء آخر، والله تعالى هو من سيقدّر هذا.. المهم هو أن نحيا ونموت في مدار ذلك الهدف المنشود.

لقد خرج أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه غازيًا في سبيل الله، ومسافرًا من أجل فتح إسطنبول، لكنه استشهد على أسوارها وقد تعذر عليه الوصول إلى غايته المنشودة، إلا أنّ التوفيق حالف قائدًا آخر جاء بعد ذلك فيسّر الله الفتح على يديه، وما يجب على أجيال اليوم هو السعي إلى إنجاز غايتها المثالية، ومن المتعذر علينا أن نعلم كم سيقدّر الله تعالى لهم من الإنجازات في هذا السبيل، ولكنهم يستلمون الراية فيصلون بها إلى نقطة معينة؛ فيأتي خَلَفُهم فيستلمونها من حيث تركوها، ويتقدمون بها إلى الأمام أكثر فأكثر.. وحين يقومون بهذا يذكرون تلك الأجيال بالخير؛ أي إنكم ستُصبحون ذكرى جميلة وستنتشر سيرتكم الحسنة بين الأجيال القادمة.

وكما أن الفدائيين المتحلقين حول غاية مثالية لا يتشوّفون من وراء الخدمات التي يقومون بها إلى أن يجنوا ثمارها ويروا خيرها بأمّ أعينهم؛ فإنهم لا يرهنونها برؤية الآخرين إياها ولا مدى معرفتهم بها وتقديرهم لها، إنهم يسعون دائمًا إلى ضبط تصرفاتهم وسلوكياتهم وفقًا لصوت قلوبهم، ويفكرون في رضا الله تعالى فحسب، ولكن الله جل جلاله يُجري ذكرَهم بالخير على ألسنة اللاحقين بهم دون أن يتشوّفوا هم لذلك أصلًا، وهكذا فالطريق التي تُؤدّي بالسابقين إلى أن ينالوا دعاء اللاحقين وثناءَهم تتمثل في الاستفادة لأقصى درجة من الإمكانيات والقدرات التي منَّ الله تعالى بها.

مِن حُلمٍ خَرِبٍ إلى واقع عَامرٍ

أجل، إن كنا نرغب في أن يتحول حلمنا الخرب الممتد من الماضي إلى واقع عامرٍ في المستقبل بعد أن تحطم في وقت سابق، وأن تتعرف الأجيال اللاحقة بقيمنا، وأن تذكرنا بالخير فيجب علينا من الآن فصاعدًا أن نستخدم إمكانياتنا كلها ودون استثناء، فننفّذ بحساسية ودقّة المهامَّ المترتّبة علينا في سبيل تحقيق غايتنا المثالية، وعندما نؤدي ما يجب علينا القيام به فإن الله تعالى لن يضيع جهودنا تلك، وسوف يسوق إلينا مواسم ربيعية جديدة بعد هذا الشتاء الطويل.

لقد أخذت العلامات تظهر والأمارات تتوالى تباعًا، وراحت ديكة الفجر تؤذّن مبكّرة، وبدأ الفجر الصادق يتنفّس.. فلا نَنْسَ أنَّ الولادات العظيمة غالبًا ما تصحبها آلام مخاضٍ شديدة، وكما أن بعض حالات الولادة تودي بحياة الأم؛ فإن الولادات العظيمة على المستوى المجتمعي قد تودي بحياة جيل كامل، ولكن هذا ليس أمرًا مهمًّا للغاية؛ إنما المهمّ هو أن تتمّ الولادة بنجاح.. ثم ماذا يحدث إن فنينا نحن أو لم نفنَ! ألسنا سنرحل من هذه الدنيا إلى الآخرة يومًا ما؟ إذًا فلا أهمية لِمَا إِن كنّا سنتذوق لذائذ الدنيا ومتعها أو أننا لن نتمكّن من ذلك.
بل وهناك ما هو أكثر من ذلك؛ فقد يُحوِّلُ بعضُ الظالمين والمعتدين الحياة إلى سجنٍ لنا؛ حتى إنه قد تتوالى حالات الهجرة والنفي والاعتقال والسجن والظلم.. ولا يسمحون لكم بأن تتذوّقوا شيئًا من متع الدنيا على الإطلاق، بيد أنه ينبغي لنا أن نقول فورًا: “إنّ كلّ هذه الأمور لا تعني شيئًا ألبتة بالنسبة لمسؤوليّتنا؛ فلقد حُدِّدت غاية فطرتنا ونتيجة خلقنا، وما يقع على عاتقنا هو التحرّك من أجل تحقيق ذلك، وإن كلّ هذه الأشياء لن تعني لنا شيئًا بعد أن نحقّق غايتنا!”.. غير أنكم إذا ما فارقتم هذه الدنيا دون الاضطلاع بشيء في سبيل إعلاء اسم الله تعالى وإيصال اسم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العالم أجمع فإنكم ستنتقلون إلى الآخرة وكلكم حسرة على ما فاتكم فعله فيها.

وعليه فثمة حاجة في يومنا إلى فدائيين مستعدين للتضحية بمشاعر الفيوضات المادية والمعنوية، أوفياء لرسالتهم مخلصين لها بحيث يكون إخلاصهم بذلك القدر الذي عبر عنه الأستاذ سعيد النورسي في قوله “إن رأيتُ إيمان أمّتنا في خيرٍ وسلام فإنني أرضى أن أُحرق في لهيب جهنم، إذ بينما يحترق جسدي يرفلُ قلبي في سعادة وسرور”[4]، وإلا فإن هذه الرسالة لا يمكن تحقيقها بالتركيز على الأنانية الذاتية أو الجماعية أو اللجوء إلى انتماءات متعدّدة تحت مسميات شتى بعيدًا عن اللب والجوهر.

وأرى أن المهم هو الالتزام بالقواعد والمبادئ النابعة من الوحي؛ قرآنًا وسنّةً، بدلًا من تعزيز الأنانية الشخصية عبر الافتخار بالشهرة والصيت أو الانتساب إلى فلان أو علان..

 وكما أن هناك مَن يرغب في الوصول إلى مواقع أو مراكز معينة عن طريق قتلِ الآخرين؛ فنحن بأمس الحاجة إلى أرواحٍ نذرت نفسها للحق وتفانت تضحيةً وفداءً أثناء سيرها في الطريق حتى ينقطع صوتها ونفسها وتموت وهي على منوال النبي صلى الله عليه وسلم الذي كاد أن يُهلك نفسه من أجل إحياء الآخرين، فخاطبه ربه قائلًا: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)..

وفي ظل هذه الأرواح المُضحِّية القادرة على التخلي عن متعها الجسمانية وراحتها الشخصية في هذا السبيل، والقادرة على الاستغناء عن الأطماع المادية والفيوضات المعنوية سوف يصبح حلمنا واقعًا معمورًا من جديد.

إنّ مجرّد السير في طريقٍ ضحى الأنبياء بحياتهم من أجله وفيه؛ لهو شرفٌ عظيم، وأيّ شرف! لأن من يسير خلفهم على الطريق نفسه ويشاركهم الغاية المثالية عينها فسيكون معهم في الآخرة أيضًا، وسوف يرتقي معهم إلى المرتبة ذاتها، وكما فهمنا من بعض الأحاديث النبوية الشريفة فسوف يُصنَّفُ الناس ويُقسَّمون إلى فئات مختلفة في الآخرة، وهكذا يُحتمل أن يُوضع من أنفقوا أموالهم، ومن هاجروا في سبيل الله، ومَنْ عمّقوا تلك الهجرة وعززوها بالإرشاد… إلخ في فئات مختلفة.

وكذلك فإن الساعين في طريق إعلاء كلمة الله سوف يجتمعون بمن ساروا وسَعَوا معهم، وأيًّا كانت الفئة التي يتجانَسُ الإنسان معها بحسب أعماله في الدنيا فإنه سيُحشر معها في الآخرة، ومن ذا الذي لا يريد أن يُحشَر مع أشخاص عظام كالأنبياء والعلماء من أمثال الإمام السرهندي ومولانا خالد البغدادي والأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي! ومهما يقدم الإنسان من أجل الحصول على مثل هذه النتيجة فإنها تستحقه وتجدرُ به.

 

[1] صحيح مسلم، الفتن، 19؛ سنن الترمذي، الفتن، 14.

[2] الحاكم: المستدرك، 4/468؛ أحمد بن حنبل: المسند، 4/335.

[3] بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، نوى الحقائق، ص 574.

[4] بديع الزمان سعيد النورسي: سيرة ذاتية، ص 492.

الجَرَّة المشروخة: طرق تحقيق الشرعية في الدعوة

Herkul | | العربية

سؤال: ما الأسس التي يجب مراعاتها حتى تستمر الخدمات المبذولة في سبيل الله ضمن الإطار الشرعي؟

الجواب: بادئ ذي بدء نقول: إنه كما يجب على المؤمن أن يؤدي عباداته وفقًا لأوامر الدين وتعاليمه، فعليه كذلك أن يراعي هذا بقدر الإمكان في علاقاته مع الناس، وأن ينعكس هذا على سلوكياته وتعاملاته عند القيام بعملية الإرشاد والتبليغ؛ لأن المؤمن يكسب ثوابًا حتى بعزمه على البحث والتحري في هذا الموضوع ومراعاة الدقة فيه، فمَن يجعل اتباع السنة السنية عادته، فقد حوّل عاداته إلى عبادات.

أما عن المصدر الرئيس الذي ينبغي الرجوع إليه في هذا الأمر فهو الكتاب والسنة، ثم مصادر التشريع الأخرى مثل الإجماع والقياس والاستحسان والمصلحة المرسلَة والعرف.. لقد استطاع الفقهاء العظام من عصر السعادة إلى يومنا هذا حلَّ جميع المسائل الفقهية التي قابلتهم، وسدّ الثغرات الحقوقية التي واجهتهم من خلال اعتمادهم على هذه المصادر في التشريع، وكذلك يمكن للمجتهدين في عصرنا الحاضر استنباط حلولٍ لتنظيم الحياة وفقًا للدين معتمدين على المصادر النيّرة نفسها.

ولكن بدلًا من التوجّه إلى الاجتهاد مباشرة في مسألةٍ ما؛ فالأسلَمُ هو البحثُ أولًا في الاجتهادات الصادقة الصافية للسلف الصالح عن حلٍّ لهذه المسألة؛ لأن هؤلاء سدّوا باجتهاداتهم واستنباطاتهم كلَّ الثغرات التي برزت في عصرهم خاصة، ولم يتجاهلوا أي ثغرة حقوقية، ولذا فإن اجتهادات هؤلاء هي مصدرٌ مهمٌّ للغاية، علينا أن نستفيد منه، فإن تعذر الوصول إلى حل المسألة عندها يُرجَع إلى مصادر التشريع الأخرى التي تحدثنا عنها آنفًا، ويؤخَذ بالاجتهادات الجديدة التي توصل إليها العلماء المؤهلون لهذا الأمر.

نعم، يجب أولًا حلُّ النوازل اعتمادًا على مصادر التشريع وإرجاعُ الخطط الموضوعة إلى أصل شرعي، لكن إذا تعذر هذا فعلى الأقل ينبغي ألا تتنافى مع الشرع؛ فكما هو معلوم إذا لم يأمر الشارعُ بشيءٍ ولم ينهَ عنه فقد دخل في دائرة المباح، وهذه الدائرة واسعة للغاية، فقد نصَّ الكتابُ والسنة على إباحة بعض الأمور، إلا أن من المسائل ما لم يرد في حكمها نصٌّ، مما يجعلها داخلة في دائرة المباح أيضًا؛ لأن القاعدة الشرعية تقول: “الأصل في الأشياء الإباحة”؛ وهذا يعني أنه إن لم يرد أيُّ حكمٍ شرعيٍّ ينصّ على تحريم شيءٍ ما فالأصل فيه هو الإباحة، فالمؤمن يتمتّع بحريّة التصرّف في هذه المسائل المسكوت عنها في إطار مقاصد الشريعة العامة.

فقه السيرة

ولقد اعتنى علمُ أصول الفقه بتوضيحِ مصادر التشريع؛ ومن المؤكد أن هذه المصادر هي أوّلُ ما يجب إعمالُ النظرِ فيها عند النوازل والمستجدّات، ولكن إلى جانب ذلك ينبغي عدم إغفال “فقه السيرة”؛ لأن فقه السيرة يعينُنا على حلّ المشكلة التي تعترضنا في الآونة التي لا نستطيع التوصل فيها إلى حكم واضح من خلال مصادر التشريع الأصيلة، فضلًا عن أنه يساعدنا على الفهم الصحيح لمصادر التشريع، فلا شك أن مواقفَ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابتِه الكرام من الأحداث التي وقعت في عصرِهم وأفعالَهم وتقريراتِهم بل وحتى سكوتَهم؛ هي مرجعٌ مهمّ بالنسبة إلينا؛ ولذا لا بد من الرجوع إلى فقه السيرة والاستفادة منه إلى جانب عموم مصادر التشريع في استنباط الأحكام.

إن رجالَ الخدمة اليوم يهتمّون بالجميع ويفتحون لهم صدورهم، ويقيمون حوارًا مع أتباع الثقافات الأخرى وأصحاب الديانات المختلفة، ويطوّرون علاقاتهم الاجتماعية معهم، ومن يقوّمون هذه الأنشطة يُرجعون الأمر إلى ما قام به أمثال مولانا جلال الدين الرومي، والشيخ أحمد يسوي، وحاجي بكداش ولي، ويونس أمره… ويعتبرون رحابةَ الصدر هذه تشبُّهًا واقتداءً بهذه الشخصيات العظيمة، إلا أن هؤلاء ليسوا سوى تلامذة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر، اتبعه أكبرُ المرشدين، بل ورأوا أن إرجاع كل المسائل التي تعترضهم إلى أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته هو أَقْوَمُ المناهج وأصحّها وأعلاها، فيتحتم علينا نحن توفيقُ تصرفاتنا مع سنته السنية صلى الله عليه وسلم كما هو الشأن في كل فعالياتنا ونشاطاتنا، فإننا لو نظرنا إلى حياته السنية وكيف كان يقيم جسور الحوار والتسامح مع أتباع كل الثقافات والديانات فسنقف على أمثلة لا حصر لها في هذا الصدد، ولذلك فمن الضروري إرجاع مثل هذه الفعاليات الحالية إلى الأسس والمبادئ المستفادة من سيرته صلى الله عليه وسلم.

يمكن القول بأن أصحاب الخدمة اليوم يحاولون في العديد من المواقف والإستراتيجيات التي يتبعونها في خدماتهم إجراءَ هذه الأنشطة وفقًا لفقه السيرة، وأن الذي يقتدون به في هذا الموضوع -كما في كل موضوع- النبيُّ الأكرم صلى الله عليه وسلم وسنّتُه وسيرتُه، وأنهم يبذلون كل جهدهم كي يبلغوا هذه الغاية السامية، فمن هذا مثلًا:

  • بذلُ المزيد من السعي والجهد الخارق لإيصال قيمنا الذاتية إلى القلوب الظامئة دون التخلي عن حسن العرض وصحة المنهج عند القيام بذلك، وإلا ضاق مجال الحركة.
  • والتعاملُ بوضوحٍ وشفافية مطلقة لعدم إثارة القلق في نفوس الآخرين تجاهنا.
  • وكسبُ ثقة الجميع بالتمثيل الأكمل لحقائق الدين.
  • واستغلالُ رصيد الثقة على الوجه الأمثل.

ولكن للأسف صار فقه السيرة بشكل عام من العلوم التي لا يُعبأ بها كثيرًا حتى في وقتنا الحالي، فأنا مثلًا لم أسمع عن تدريس مادة فقه السيرة في المدارس الشرعية التقليدية عندنا، ولم تدخل هذه المادة ضمن المقررات والمناهج الدراسية، ورغم تحرير الكثير من المؤلفات المهمّة حول السيرة النبوية فقد أُهمِل تقييم ما جاء في السيرة من أحداث ولم تتناول بفلسفاتها الرئيسة وخلفياتها التاريخية، علمًا بأن السيرة هي مصدر مهم وثريّ يجب دراسته وفهمه على الوجه الصحيح حتى يحسن فهمنا للدين ويتسنى لنا معايشته بشكل سليم.

ورغم أن معرفة اللغة العربية والعلوم الشرعية لها أهمية كبيرة في دائرة الفهم الصحيح للقرآن الكريم؛ إلا أن هذه الدائرة لا تكتمل دون الرجوع إلى فهم الصحابة الكرام في هذا الموضوع؛ لأن هؤلاء الصحابة هم أفضل الناس فهمًا للقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة بما يتوافق مع المراد الإلهي، ومن ثم كان لا بد من الرجوع إلى فهم الصحابة الكرام قبل آراء علماء اللغة عند استخراج أحكام القرآن الكريم ومقاصده في عهد التدوين، وتحري هذا الأمر في منبعه، وأريد أن أعبر عن أسفي وحزني في هذا السياق. أجل، رغم أن احترام السلف الصالح مبدأ عام ومهم بالنسبة لي إلا أنني لا أتمالك نفسي من إظهار هذا الأسف.

العرف العام والمصالح المرسلة

وإلى جانب هذا كله ينبغي عدم غض الطرف عن المستجدات التي أتى بها الزمان، فنحن لا نعيش في عهد الصحابة أو عهد التابعين أو عهد تابعي التابعين.. وإنما نعيشُ في عهد له ظروفه الخاصة، ونحن أبناءُ زماننا، ولذا يجب قطعًا أن نضع في حسباننا الوضع الراهن عند تحديد طريقنا ووجهتنا، وأن نعي جيّدًا ما يطلبُه منّا الزمان، ونفسِّر المسائل القابلة للتغيير وفق معطيات الزمان والمكان.

والواقع أن استخدام الفقهاء للعرف العام والمصلحة المرسلة باعتبارهما مصدرين مهمين من مصادر التشريع في استنباط الأحكام يؤيد هذه القضية، فمنذ عصر السعادة حتى يومنا هذا استطاع الفقهاء اعتمادًا على هذين المصدرين وضع الحلول للعديد من المشاكل، وسدّوا بهما الكثير من الثغرات الحقوقية، فالإسلام لم يعارض عمومَ العادات والتقاليد السائدة في المجتمعات التي دخل فيها، بل أقرّ الصالحَ منها بعد فَـــلْــتَـــرَتِــهِ بمصفاة أحكام الشرع، وما لم يصلح استبعَدَه نهائيًّا.

ولهذا يجب على الذين يتحركون ضمن دائرة الإرشاد أن يأخذوا بعين الاعتبارِ العاداتِ والأعرافَ السائدة في زمانهم، إلى جانب تمسّكهم بمصادر التشريعِ الرئيسة المذكورة سلفًا والأحكام المستنبطة منها عند قيامهم بأي فعالية أو اتخاذهم أي خطوة، كما يجب عليهم أن يحددوا ما فيه مصلحة مما لا مصلحةَ فيه؛ بعبارة أخرى لا بد أن تكون قراراتهم متماشيةً مع مراد الله سبحانه وتعالى ومصلحة المجتمع.

عموم البلوى

إذا كانت الأنشطة التي سيتم تنفيذها تخدم الدين، إلى جانب نفعها المجتمع، كأن تهدي قلوب الناس إلى الله، أو تهيّئَ بيئات مناسبة لتعريف الآخرين بالقيم الدينية التي تتبنونها فيتحتّم علينا الوفاء بمسؤولياتنا على الوجه الأمثل في هذا الشأن، وبذْلُ غاية ما في الوسع لتحقيقها، وإذا لزم الأمر فيجب علينا أن نُقَدّم بعضَ التنازلات فيما يخصّ حياتنا الشخصية -حتى وإن لم نرغب في ذلك- حتى تُحَقَّقَ مثل هذه الغاية السامية.

هناك مَنْ لا يضعون ظروف العصر الذي نعيشه في حسبانهم، ولذلك فقد ينتقدون مثل هذه المقاربة، وبصرفِ النظر عن العمل على تحقيق أهداف دينيّة سامية كالمشاركة في فعاليات الإرشاد فإن مسلمي عصرنا لا يستطيعون إنقاذ أنفسهم من الوقوع في بعض الذنوب ولا إعفاء أنفسهم من التنازل مرات عديدة في بعض شؤون حياتهم اليومية، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر أن القرآن الكريم يقول: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ (سورة النُّورِ: 24/30)، في حين أنه يلزمُ المسلم الراغبَ في الالتزام بأمر هذه الآية في يومنا هذا ألا يخرج من منزله وألا يذهب إلى السوق، بل ويُحتمل الوقوع في الحرام حتى أثناء الذهاب إلى المساجد لأداء عبادة مهمّة للغاية كالصلاة.

لا بد من الإقرار بأننا لا نعيش في عصر السعادة (صدر الإسلام) حيث عاش كل إنسان بأدبه وأخلاقه، محترمًا الأفكار والآراء، محافظًا على سلامة مشاعر الآخرين.. لذلك فإنه ما لم تضعوا في حسبانكم أن بعض المواقف المخالفة لحساسيتكم الدينية والتي لا تَرُوقُكم هي “بلوى عامة” فيستحيل عليكم العثور على فرصة تعبّرون من خلالها عن أنفسكم لأي شخص، ومن ثم تكونون قد ضيقتم نطاق حركتكم ومجالكم، وحتى وإن تحركتم شخصيًّا بحساسية وحذر تامٍّ فعليكم ألا تُعاملوا من رأيتموهم يقصرون في بعض الأمور الدينية الفرعية وكأنهم يرتكبون كبيرة أو يمرقون من الدين، وألا تُغلظوا لهم التهم والإدانات.. فإن فعلتم ذلك تسببتم في تعطيل العديد من أوامر الدين.

وزيادة في التوضيح؛ فإن فدائيي الخدمة ينفتحون في يومنا هذا على كل أنحاء العالم من أجل إيصال القيم الإنسانية والأخلاقية المتأصلة فيهم والمتجذرة في طبائعهم إلى صدور متعطشة ومحتاجة إليها، وكي يورِّثوا للأجيال القادمة عالَـمًا جميلًا يسوده مناخٌ من المحبة والتسامح عبر وَأْدِ الأحقاد والضغائن المتوارثة من الماضي، وهم أثناء ذلك يواجهون عادات وأعرافًا كثيرة في البلاد التي يذهبون إليها؛ فلكل بلد مناخه الثقافي الخاص به، كما أنَّ أنماط الحياة والناس والعادات… إلخ مختلفة ومتباينة، وفي هذه الفروق والاختلافات يصعب للغاية على الإنسان أن يطبق الأمور الدينية الفرعية بحذافيرها، وعلينا ألا ننسى أننا نعيش في عالمٍ يصعب فيه للغاية أداءُ وظيفةٍ كالتدريس في المدارس أو في الجامعات دون مواجهة الذنوب، حتى ولو كان ذلك في البلاد الإسلامية.

إن كنتم تجالسون أناسًا يخالفونكم في المعتقدات والمفاهيم وتريدون أن تسكبوا في صدورهم إلهامات أرواحكم، وأن تعرّفوهم بميراثكم الثقافي، وأن تستفيدوا من أوجه الجمال والحسن التي يمتلكونها؛ فيجب عليكم أن تكونوا جاهزين لتجاوز الطرق الموحِلة، وتسلُّق المرتفعات الحادة، والعبور من الجسور المنهدمة؛ لأنه ليس بإمكانكم تحقيق غايتكم المثالية ما لم تضعوا هذا في حسبانكم وتَجْسُروا عليه.. فإن قلنا “يلزم ألا تتسخ أعيننا ولا آذاننا ولا أفواهنا ولا أيدينا بالذنوب أبدًا؛ ولننفذ كل أوامر الدين بحساسية بالغة بواجباتها ومستحباتها وحتى آدابها”؛ فنعم القولُ هذا، ويدل على الدقة والحساسية الإيمانية، إلا أننا في ظروف عصرنا هذا لو ربطنا كل أمورنا بهذه الحساسية الإيمانية وقدَّمناها على كل شيء؛ فقد أهملنا وظائفَ وواجبات عديدة يجب علينا الوفاء بها في الحياة الاجتماعية، لأن ذلك سيقتضي -نوعًا ما- ألا نندمج في المجتمع الذي نعيش فيه وننعزل عن الناس، وربما أن البعض تعثروا بمثل تلك الأشياء في حقبة معينة؛ مما أدى بهم إلى ترك الساحة لغيرهم، وإحداث فراغ يصعب ملؤه، مع أنه حين يغيب المسلمون عن الحياة والمجتمع لن تكون الحياة التي يعيشونها موافقة لهم أيضًا، فإن كنتم تريدون للحياة أن تتشكل وفقًا لقيمكم فلا بد أن تتواجدوا فيها وألا تنسلخوا منها أبدًا.

والمسلمون المطالبون بالعبور من هذه الطرق جميعها يجب عليهم السعيُ إلى تحمل مجموعة من الامتحانات التي شاعت من ناحية، وتحرّي “أخفّ الضررين” -بتعبير أصول الفقه- من ناحية أخرى.. أي يجب عليهم اختيار أكثر أنماط الحركة موافقةً للدين أو أقلها مخالفة له، وينبغي لهم القيام بالخدمات الواجبة عليهم في سبيل غاياتهم المثالية.

والحقيقة أننا عندما ننظر إلى المسألة من زاوية المقاصد الشرعية التي يهدف الإسلام بأحكامه إلى تحقيقها منذ ظهوره يتضح أن مثل هذا النمط من التصرف والحركة موافق لروح الدين، لأنه عبارة عن دراسة المسائل بمصالحها ومفاسدها، بإيجابياتها وسلبياتها ثم التحركِ وفقًا لها، لا سيما وأنَّ مبدأ “المصلحة المرسلة” الذي اعتبره المالكية مصدرًا مستقلًّا من مصادر التشريع يستند إلى هذا الأساس.

وإن هذا النمط في الوقت ذاته موافق لمسألة نزول القرآن الكريم منجمًا وتشريع الأوامر والنواهي الإسلامية على مدى ثلاث وعشرين سنة. نعم، ليس لأحدٍ أن يغيّر من أحكام الشريعة شيئًا بعد أن تمت واستقرَّتْ، ولا يمكن أن نتجاهل الأحكام التي جاءت في العهد المدني، وأن نرجع للعمل من جديد بتلك التي كانت في العهد المكي، فبعد أن ثبتت أسسُ الدين وأحكامه المحكمة يستحيل أن نرجع إلى نقطة البداية من جديد، ولكننا إلى جانب هذا لا نستطيع أن نغفل ونتجاهل أن ثمة حكمةً تشريعيّةً في ذلك الانتقال التدريجي في فرض الصلاة والزكاة، ولا التدرّج في تحريم الربا على أربع مراحل، والخمر على ثلاث.

ومع ذلك كله ينبغي لي القول إنه ربما يتناثر الوحل بين الحين والآخر على ملابسنا بسبب ضرورات الزمان والظروف، وقد نتعرض لبعض الأشياء المحظورة المتعلقة بالفروع التي لا مفر منها بسبب شيوعها، وإننا لنعتبر هذه الأمور من قبيل “عموم البلوى”، ونواصل المسير على النهج النبوي حتى لا نضيّع الوظائف التي نجدها مهمّة للغاية، غير أنه يجب علينا أن نعزم بسعة نيّاتنا على المسير إلى الدار الآخرة أنقياء أطهارًا تمامًا كما ولدَتْنا أمهاتنا، ودون أن نُدَنِّسَ نيّاتنا بأيِّ وحلٍ وقذَر حتى وإن لم يكن ذلك ممكنًا فعلًا، بالإضافة إلى ذلك ينبغي ألا نتهاون في مثل هذه القضايا بدعوى أنها من البلوى العامة؛ بل يجب علينا أن نسعى من ناحية إلى عدم تلطيخِ أنفسنا بالوحل، وأن نشعر من ناحية أخرى بألمِ ما تعرضنا له على الأقل.

الخلاصة: ما دام الطريق الذي نسير فيه هو طريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؛ فإننا مطالبون بالالتزام بأسسه الخاصة، وكما أن هدفَنا مشروعٌ فيجب علينا أثناء السير نحوه ألا نستخدم سوى الوسائل المشروعة، ولا ريب أن السبيل الرئيس لتحقيق هذا هو أن توافق تصرفاتُنا وسلوكياتُنا القرآنَ الكريم والسُّنةَ المطهرة، غير أن لتحقيق هذا التوافق سبلًا شتَّى؛ فكما يمكن أن يتحقق هذا من خلال استنباط الأحكام من هذين المصدرين الأساسيين بصورة مباشرة بالنسبة لذوي الكفاءة والمؤهلين، يمكن أن يتحقق من خلال اتباع الأحكام التي استنبطها أهلُها، وبالشكل نفسه أيضًا فإن التحركَ وفقًا للأعراف والمصالح الموافقة أو غير المخالفة للإسلام وروح الإسلام، والتي تمثل ديناميةً مهمة تسهل تطبيق الأحكام الدينية وفقًا لظروف العصر؛ يُعدُّ واحدًا من طرق تحقيق هذه المشروعية.. وإلى جانب هذا كله فإن كانت القدرة على الوفاء بحق واجب إعلاء كلمة الله أسمى غاياتنا في عصرنا تستلزم -بين الحين والآخر- مراعاة أمورٍ مثل الضرورات والمصالح وعموم البلوى والتدرج في التشريع واختيار أهون الشرين.. فإن التحرّكَ وفقًا لهذا يُعد تعبيرًا من وجهٍ آخر عن التحرك في حدود المشروعية.

الجَرَّة المشروخة: العداء لأولياء الله

Herkul | | العربية

سؤال: يقول الله تعالى في الحديث القدسي الجليل: “مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ…”[1]، فما معنى إيذان الله بالحرب، وما كيفية القرب من الله تعالى، وكيف نفهم العلاقة بين الإيذان بالحرب والقرب من الله عز وجل.

الجواب: لقد ورد في القرآن الكريم آيات مختلفة على غرار هذا الحديث تتكلم عن أولياء الله تعالى، فمثلًا في سورة يونس يبشِّر ربنا سبحانه وتعالى أولياء الله بقوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (سورة يُونُسَ: 10/62)، وفي الآية التي تليها يقول سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (سورة يُونُسَ: 10/63)، وفيها إشارة إلى وصفين مهمّين في أولياء الله وهما الإيمان الكامل والتقوى، أما في الآية الثالثة فيقول سبحانه وتعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (سورة يُونُسَ: 10/64)، وفيها يلفت المولى تبارك وتعالى الأنظار إلى الثواب العظيم الذي ينتظر هؤلاء الأولياء الذين يتسمون بهاتين الخصلتين.

وفي سورة الأعراف يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/196)، أي يتولى أمرهم، ويقوم بإدارتهم وتوجيههم، ويهديهم إلى الطريق الصحيح بما خصّهم من إلهامات وواردات ومواهب، وأما في سورة البقرة فإن ربنا سبحانه وتعالى يذكر أنه ولي جميع المؤمنين بالمعنى العام، وهو الذي يتكفل بهدايتهم، فيقول: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/257).

الولاية العامة والولاية الخاصة

وعند النظر إلى الآيات الكريمة السابقة يتبين لنا أن الولاية في القرآن الكريم مطلقة عامة ميسّرة للجميع، ولذا يمكن القول إن كل من آمن بالله وعمل صالحًا وليٌّ لله، ويدخل ضمن دائرة الولاية.. بناءً على ذلك يعين الله عباده الأولياء السائرين في طريقه، ويهديهم إلى الطريق القويم.
 ولمزيد من الإيضاح نقول: مَنْ جعل مرادَ الله نصب عينيه في طريقه الذي سلكه، وابتغى رضا ربه، وبذل جهده وسعيه لإعلاء كلمة الله التي هي وسيلةٌ عظمى للفوز بمرضاته سبحانه وتعالى؛ جعله الله من أوليائه، ولا يَكِله إلى نفسه طرفة عين في الدنيا ولا في الآخرة كما جاء ذلك في الآيات الكريمة.

وتُسمّى هذه الولاية التي عبر عنها القرآن الكريم “ولاية عامة” لأنها متاحة للجميع، ولكن إلى جانب هذا النوع من الولاية ثمة ولايةٌ بالمعنى الاصطلاحي، ولقد فسّر السادة الصوفية كلمة “ولي” بمعنًى أكثر خصوصية، وقالوا بأن هناك طرقًا مختلفة لا بدّ للشخص من اجتياز إحداها كي يحرز الولاية بمعناها الاصطلاحي؛ أي يجب على العبد أن يسلك واحدة منها، ويعمل بما تقتضيه آداب وأركان الطريقة التي ينتسب إليها، ويكمل سيره وفقًا لذلك. وأيًّا كانت الطريق التي يسلكها الشخص أو النهج الذي يتبعه فالمهم أن يصل في النهاية إلى الله سبحانه وتعالى بترك الحظوظ الجسمانية، والسير في مدارج حياة القلب والروح، وهذا ما يُطلق عليه “الولاية الخاصة”؛ لأنها غير متاحة للجميع، وتتطلب مكافحة النفس ومجاهدتها بشكلٍ جدّي للغاية.

وقناعتي أن الولاية الواردة في الحديث والآيات السابقة هي الولاية العامة، حيث إنها ميسرة للجميع؛ وعندئذٍ إذا حافظ الذين آمنوا وعملوا الصالحات على استقامتهم فازوا ببشارات الله لهم الواردة في الحديث والآيات السابقة، ونالوا أنواع الثواب التي نصّ عليها القرآن الكريم.

أعداء أولياء الله والجزاء الإلهي

ولقد لاحظنا في هذا الحديث القدسي الذي يستهله ربنا سبحانه وتعالى بقوله: “مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا” أن الله تعالى قد أضاف هؤلاء الأولياء إلى ذاته مباشرة، وعلى ذلك يمكن أن نفهم هذا البيان الإلهي على النحو التالي: “من عادى لي أحدًا تحت ولايتي ووصايتي…”؛ إذ لا تقتصر العداوة الموجَّهة لـهؤلاء الأولياء على أشخاصهم، بل ترجع هذه العداوة لأولياء الله إلى ارتباطهم بالله تعالى، والهجوم عليهم يعني انتهاك حقوق الله؛ أي إن ما يكمن وراء هذه العداوة هو عداوة الله، وعداوة الدين، وعداوة النبي صلى الله عليه وسلم، وعداوة القرآن الكريم.

ولهذا السبب صرح الله تعالى بأنه سيعلن الحرب على كل من يضمر العداوة في الحقيقة للدين، وإن كان يتراءى في الظاهر بأنه عدو لأولياء الله جل وعلا، وكأن المقصود بقول الله تعالى: “آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ“، أي: “سأنهي أمره وأستأصلُ شأفته إن لم يكن اليوم فغدًا”.. كما أن إعلان الله تعالى الحرب بنفسه على كل من عادى أولياءه يشير إلى أن أولياء الله تعالى في ذمته جلّ جلاله؛ أي تحت عنايته ورعايته وكلاءته سبحانه، ولهذا لو حاول أحد أن يمس هؤلاء الأولياء بسوءٍ بسبب ارتباطهم بربهم فسيجد العزيزَ القهارَ له بالمرصاد.

لكن من الخطإ أن نفسِّر عقاب الله وفقًا لأهوائنا ورغباتنا، فالعقاب هنا يقع وفقًا لمراد الله، ولذا فمن المتعذر معرفة موعد أو كيفية هذا العقاب، فمثلًا في الحديث الشريف يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ“، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (سورة هُودٍ: 11/102)[2].

وفي هذا الصدد يمكن أن تستحضروا في أذهانكم عاقبةَ الأمم السابقة التي ورد نبؤُها في القرآن الكريم، فما زال الهلاك والعذاب الشديد الذي حلّ بقوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم موسى وقوم شعيب وقوم لوط ماثلًا أمام أعيننا كلوحاتٍ تطفح بالعبرة والعظة.

ولا جرم أن هناك حِكَمًا من وراء إمهال الله للظالمين وعدم هلاكهم على الفور؛ ومن ذلك أن الله تعالى بإمهاله لهم يعطيهم الفرصة للتخلي عن ظلمهم، وبذلك لا تبقى لهم معذرة يحتجون بها؛ أي لا يبقى لهم حقّ الاعتراض في الآخرة بعد أن منحهم ربنا سبحانه وتعالى الإمكانيات والفرص حتى يتوبوا ويطرقوا بابَ رحمته من جديد.

وهكذا لا بدّ من استيعاب هذا الملمح اللطيف الذي يكمن وراء إمهال الله للظالمين، وألا نتخذ موقفًا ضدّهم على الفور بسبب هفواتهم وظلمهم، وأن نفوّض أمرهم إلى الله تعالى. أجل، قد يجرحكم البعض بأقواله، ويتعامل معكم بخشونة فيعكّر صفوكم، وقد يلجأ إلى الغيبة والافتراء أو يحاول أن يعيق طريقكم، فإن أردتم معاقبة هذا الشخص على الفور فلن يبقَى حينذاك إنسانٌ على وجه البسيطة.

وفي هذا الشأن ينبّه القرآن الكريم المؤمنين قائلًا: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/128)، والواقع أن في هذه الآية درسًا للأمة المحمدية عبر توجيه الخطاب إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه صلى الله عليه وسلم في الحقيقة إنسانٌ حَذِر ونبِهٌ للغاية في هذا الصدد.

لذا إن كان البعض يُعادونكم لأنكم تعيشون كما يأمركم دينكم، وتمثلونه تمثيلًا صحيحًا فلا ينبغي لكم أن ترفعوا أيديكم في الحال وتدعوا عليهم.. فعدم “التأمين” على الدعاء على الغير أساسٌ في فلسفتنا وفهمنا؛ فنحن ندعو الله تعالى أن يُصلح مثل هؤلاء الناس ويهديهم، ونفوّض أمرهم إلى الله تعالى إن تعذّر صلاحهم، فإن كانوا لا يتورعون عن ممارسة الظلم، بل ويؤدون بظلمهم وجفائهم هذا إلى أن يترك المسلمون بلادهم وألا تقوم لهم قائمة مرة أخرى؛ حينها يمكننا أن ندعو عليهم، لا على شخصهم بالذات، وإنما على ما يحملون من ظلم وفساد وفِتن، ندعو لنردَّهم ونردعَهم.

والحقيقة أن قول هذا بالنسبة لأهل التوكل والتفويض والثقة ربما لا يكون صحيحًا من حيث العلاقة مع الله، بيد أنه يجب ألا يُنسى أن لكل شخص قوة وطاقة معينة على التحمل والصبر، كما أن مراعاة الإنسان للمشاعر العامة لرفقاء دربه، فضلًا عما يحمله من آفاق ومشاعر قد يسوقه إلى طلب مثل هذه الأشياء من الله تعالى، فقد يتعرض مثل هؤلاء الأشخاص لأزمات خطيرة، وتبلغ القلوب الحناجر، ومع ذلك لا يستطيعون الدعاء على غيرهم أو لعنهم، فيقوم بعض المطلعين على أمرهم بالتوجه إلى الله تعالى داعيًا لهم ومترجمًا لأحاسيسهم.

أما بالنسبة لإعلان الله عز وجل الحرب، ومعاقبته الظالمين فقد يتحقق في أشكال وصور مختلفة، لأن الأسلوب الإلهي في التأديب يختلف ويتعدّد كما تبيّن في القرآن الكريم بشأن إهلاك أقوام شتّى، والقول بضرورة وقوع عقوبة معينة دون سواها على جريمة ما -كما في قوانين العقوبات- والذهاب إلى مثل هذه التفسيرات المحدّدة ليس صحيحًا؛ فالعقل البشري قاصرٌ عن إدراك مثل هذه الإجراءات الإلهية، ولذلك ينبغي لنا أن ندرك جيدًا بأن الأمور تجري وفقًا لحكمة الله وإرادته.

وعليه فقد تأتي هذه العقوبة في صورة صفعات الرحمة أحيانًا؛ لأن هذا النوع من الصفعات يكفي بعض الناس كي يتعظوا، إلا أن هناك بعضًا آخر يحتاج إلى صفعات أكثر قهرًا وقوة حتى يستفيق ويتعقّل، ولذلك فإن هذه العقوبات تكون خفيفة أحيانًا، وثقيلة أخرى، وأحيانًا ما يكسر الله أيدي الظالمين وأرجلهم عبر سلبهم كل ما لديهم من إمكانيات.. وأحيانًا أخرى يستأصل الله تعالى شأفتهم تمامًا، ويأتي بأناس جُدُد يُقيمُهم على أمر المجتمع ويوليهم عليه كما تشير الآية الكريمة ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (سورة إِبْرَاهِيمَ: 14/19)، فالله تعالى يحكم في هذا الأمر كيف يشاء.

 عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ!

الواقع أن جميع المسائل المذكورة لا تعنينا بشكل مباشر، ونيلُ الظالمين عقابهم إنما هو أمرٌ بيد الله، أما ما يقع على عاتقنا نحن فهو البحث عن الطريق التي تمكننا من اللحاق بِرَكْبِ أولياء الله، وأن ندخل في ذمته وكنفه سبحانه وتعالى، وأن نتحرى مدى استقامة الطريق الذي سلكناه؛ تُرى هل نحن أهلٌ لأن نحظى بالبشارات والمكافآت المذكورة في الآيات بالنظر إلى الأوصاف التي نحملها بالفعل؟ وهل إيمانُنا قوي كما ينبغي؟ وهل نعيش ضمن دائرة التقوى؟ وما مدى حساسيتنا بشأن تنفيذ أوامر الدين؟ هل نستطيع قراءةَ الأوامر التكوينية قراءة جيّدة وتطبيقَها في حياتنا بشكل منظّم؟ هل نستطيع من خلال مراجعتنا لتصرفاتنا وسلوكياتنا معرفة الأسباب الحقيقية للمصائب التي نتعرض لها؟

وإن تضرُّعَ سيدنا يعقوب عليه السلام بقوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ (سورة يُوسُفَ: 12/86) عبرة وعظة لنا، كما أن تضرع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى بقوله “اَللّٰهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ ضَعْفَ قُوَّتِي وَقِلَّةَ حِيلَتِي وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، أَنْتَ رَبُّ المُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟! إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي! أَمْ إِلَى قَرِيبٍ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي! إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَك هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ، أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سَخَطُكَ، لَكَ العُتْبَى حَتَّى تَرْضَى وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ[3]، أثناء عودته من الطائف تعبيرًا عن الأزمات التي عاشها هنالك؛ يكشف لنا عن أهمية التوجه إلى أنفسنا أولًا.

فقد آذى المشركون في الطائف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بألسنتهم أولًا، ثم رموه بالحجارة؛ حتى دَمَتْ قدماه الشريفتان، غير أنه عليه الصلاة والسلام توجه إلى الله يعرض عليه حاله -وهو به عليم- دون أن يأبهَ بما فعلوا به.

 إنّ هذه الصيغة الدعوية التي أطلقها صلوات الله وسلامه عليه فيها من الدروس والمواعظِ ما فيها؛ فلم يكن النبي يومًا حقيرًا ولا ضعيفًا ولا مستضعفًا ولا مهانًا ولا عاجزًا.. حاشا وكلا، ومن يطلق هذه الصفات بحقِّ نبيِّنا المصطفى صلى الله عليه وسلم يُخاف عليه من الكفر.. ولكنّه بفعله ذلك علَّمَنا وجسَّدَ لنا كيفية التوجّه إلى النفس وتحميلها المسؤولية أوّلًا، ومن ثم يجب تقييم تضرُّعِه ذلك من حيث خصوصية علاقته بالله؛ فيمكن للعبدِ أن يجأر بآلامه بين يدي ربه من حيث أفقه نفسه، ولكن من الخطإ أن ننظر نحن إليه عليه الصلاة والسلام هكذا.

إنه يعرض حاله على الله تعالى في أفق تفويض الأمر إليه والثقة به قائلًا “إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي“، وفي الوقت نفسه يعطينا درسًا مهمًّا في هذا الشأن.

ولهذا السبب فإن أول ما يجب علينا القيام به إذا ما أصابتنا ضربة من أي اتجاه، وبدأت تتحرك التصدعات التي تحت أقدامنا، واعترض طريقَنا البعضُ، وخُرّبَت الطرق التي نسير فيها أو هُدّمت الجسور -واجبنا- هو أن ننظر إلى أنفسنا ونفحص مرة أخرى أين نحن من تلك الشؤون جميعها! وينبغي لنا التفكير بعمق في حساباتنا وشؤوننا أنفسنا بدلًا من الانشغال بحسابات الآخرين، وعلينا أن ننظر هل نمتلك المقومات اللازمة لننالَ ولاية الله لنا أو لا نمتلك؟! فإن كان لدينا بعض القصور والثغرات وجب علينا الانشغال بها أولًا، وعلينا إزاء مثل هذه الأزمات التي نتعرض لها أن نضع جباهنا على الأرض ساجدين لله متضرعين إليه؛ فكل هذا تعبير عن صدقنا ووفائنا لله، والاعتماد عليه والثقة به.. وإذا نظرتم إلى أدعية الأولياء الواردة في كتاب “القلوب الضارعة”[4] وجدتم أنهم جميعًا اتبعوا الطريق نفسه دائمًا، وحاسبوا أنفسهم باستمرار.

والواقع أن العبارات التالية من الحديث ترشد المؤمنين إلى سبل التقرب من الله، وإحراز ولايته، واتقاء شرور الأعداء؛ إذ يقول سبحانه وتعالى: “مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، فَإِنْ سَأَلَنِي عَبْدِي أَعْطَيْتُهُ، وَإِنِ اسْتَعَاذَنِي أَعَذْتُهُ“.

فإن كان المؤمنون يؤدّون ما يقع على عاتقهم في هذه القضايا، ويعبدون الله على الوجه اللائق، ويقومون بمقتضيات تحقيق ولايته لهم فسوف يقتص الله تعالى لهم، إن عاجلًا أو آجلًا، ممن يؤذيهم ويظلمهم، والتاريخ مليءٌ بأمثلةٍ على ذلك، بل إن المؤمنين الكاملين إذا دقّقوا في الحوادث التي تعرضوا لها في حياتهم أنفسهم رأوا عيانًا بيانًا أنَّ أحدًا لم يُترك حرًّا طليقًا دون حساب، وكيف عُوقب بعض من أساؤوا إليهم ولو بعد حين.

 

[1] صحيح البخاري، الرقاق، 38.

[2] صحيح البخاري، تفسير السورة، (11)5؛ صحيح مسلم، البر، 61.

[3] ابن سعد: الطبقات الكبرى، 1/211-212؛ ابن هشام، السيرة النبوية، 2/266-269.

[4] كتاب “القلوب الضارعة” لمحمد فتح الله كولن، جمع فيه المؤلف الأدعية المأثورة وأدعية الخلفاء الراشدين وأدعية وأوراد العلماء البارزين في التاريخ الإسلامي على مختلف مشاربهم. (المترجم)

 

الجَرَّة المشروخة*: الخدمة والعلاقات الإنسانية

Herkul | | العربية

سؤال: أحيانًا ما تنشأ بعضُ المشاكل بين الروّاد الإداريين الذين يسعون سعيًا حثيثًا لتبليغ الحق والحقيقة للإنسانية والمحيطين بهم؛ كأن يقوم أحد الإداريين بتجريح المحيطين به وقمعهم ، فكيف نحافظ على التوازن في هذا الأمر؟

الجواب: من أعظم الفضائل الاهتمام بأمر الإنسانية، ووضع الخطط الجديدة التي تسهم في حل مشاكلها، غير أن أفضلية هذا الأمر تتوقّف على القيام به بصدقٍ وإخلاص، وإلا فإنْ ربطَ الإنسانُ الخدمات التي يقوم بها بالمصالح الدنيوية كالتعبير عن الذات وتبوّؤِ المقامات والمناصب فهذا يعني أنه ضيّع جميعَ المكاسب الأخروية التي يُرجى حصوله عليها وجعلَها هباءً منثورًا.. قد يجد الإنسانُ الذي يُسارع في الخيرات من أجل الإنسانية تقديرًا وثناءً من الآخرين، وقد يوضع اسمُه على بعض المؤسّسات، وتُعلَّق صُوَرُه في كلّ مكان، وتُنصب له التماثيل، ولكن لا فائدة تُرجى من ذلك إن لم يستهدف الإنسانُ الرضا الإلهي فيه؛ لأنه حَظيَ من الناسِ بإقبالٍ وتوجّهٍ وتقديرٍ يناسب تطلّعاته، وبالتالي ضيّع الثواب الأخروي على أعماله في الدنيا.

بعبارة أخرى لن يبقى له ثوابٌ عند ربه لأنه نال ثواب عمله من الناس، والقرآن الكريم يشير إلى هذه الحقيقة بعبارات مشحونة بالوعيد والإنذار، فيقول: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (سُورَةُ الأَحْقَافِ: 46/20)، وفي الحديث الشريف يصوّر النبي صلى الله عليه وسلم الحالة المزرية التي يكون عليها الذين ربطوا أعمالهم بأمانيهم الدنيوية وليس رضا الله فيقول: “إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ[1].

إننا نأمل من هذه الدائرة الإيمانية التي تتشكل من المتطوعين الناذرين أنفسهم لخدمة الإنسانية ألّا يكون فيها -إن شاء الله- مَن هم على هذه الشاكلة ممن يركضون وراء مصالحهم الدنيوية فقط، ويحصرون أنفسهم في إطارها الضيّق.. وإنني على قناعة بأنه لا يوجد بين هؤلاء المتطوعين الذين نذروا أنفسهم لخدمة الإنسانية من يتحرك وفقًا لمصالحه الشخصية ومطامعه الدنيوية، إنهم بإذن الله تعالى مرشحون لنيل رضا الله تعالى بسبب الخدمات العظيمة التي قاموا بها، كما أن الأجيال القادمة ستظل تذكرهم بالخير بسبب ما قدموه للإنسانية رغم أنهم لم يتشوّفوا إلى ذلك، بل إنهم بحقِّ سرِّ القاعدةِ التي تقول: “السَّبَبُ كَالْفَاعِلِ” سيتشاركون في الثواب مع كلِّ من سار على دربهم أو اهتدى بهداهم.

الأخلاق القرآنية في العلاقات الإنسانية

ولكن كما جاء في السؤال قد تَصدُر عن البعض تصرفاتٌ سلبية منافية للأخلاق الإسلامية؛ رغم ما يقومون به من خدمات عظيمة للإنسانية، فمثلًا يأتي أحدهم ويضع عددًا من الخطط التي تسهم في خدمة الإنسانية، ويرشد الناس إلى الأهداف السامية، قد يكون بالفعل مخلصًا في عمله إلى أقصى درجة، ولكن إذا وقع الأمر على غير ما يتمنى ويتطلّع همّ بتوبيخ العاملين معه وكسرَ خاطرَهم، بل قد لا يعفو عن أدنى قصور أو خطإ أو إهمال يصدر عنهم، وعلى ذلك يغضب على الفور ويحتد عليهم ويكسر خاطرهم.

فلا شك أن مثل هذا الإنسان إلى جانب ما يحمله من صفات إيمانية مثل الخدمة والسعي في سبيل الله؛ يحمل كذلك صفات كفرية مثل ظلم الآخرين وكسر خواطرهم، أي يخلط العمل الصالح بآخر سيئٍ كما قال القرآن الكريم عن بعض الصحابة الذين لم يشاركوا في غزوة تبوك: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ (سورة التَّوْبَةِ: 9/102).

ولهذا السبب يجب على الإداريين أن يتّسموا بحساسية بالغة في علاقاتهم الإنسانية بقدر نجاحهم في خدماتهم على الأقل، أي لا بدّ أن تتسع صدورهم لما يلاحظون من قصور وأخطاء، وأن يتعاملوا مع رفقائهم في نفس الدرب بأعلى درجات الشفقة واللين والمرحمة، وأن يلتمسوا طريق العفو قدر المستطاع، فكل هذا من مقتضيات التخلق بالأخلاق الإسلامية، أما أن يغضبوا لأشياء تافهة، ويجرحوا شعور المحيطين بهم، ويضخّمون عثراتهم البسيطة؛ فلا ريب أنهم سيضرّون بالخدمات التي قاموا بها بداية، لأن الواحد من هؤلاء -بفعله هذا- يكسر خاطر المحيطين به، ويُضعف قوتهم المعنوية، ويصيبهم بالإحباط، وربما يجعلهم يمتعضون؛ فيبتعدون عن الدائرة التي يتواجدون بها.

أجل، إن كل واحد من هؤلاء يحمل عددًا من الصفات الكفريّة، ومن الصعب على إنسانٍ يحمل هذا القدر من الصفات الكفرية في نفسه أن يحافظ على استقامته مدة طويلة، وكما يقول بديع الزمان سعيد النورسي: “احذر! انتبِه إلى موضع قدمك، وخَفْ من الهلاك، فلا تهلك في أَكلةٍ، أو كلـمة، أو طَرْفة، أو شارة، أو بقلة، أو قبلة… فتَهلِكَ معك لطائفُك العظيمة”[2]، ومن الممكن أن نضيف فنقول: “أو عنف أو حدة أو غضب”.

من هنا يقع على عاتق روّاد الخدمة إشعالُ حماس رفقاء دربهم، واستثارة آمالهم؛ حتى ينهضوا بأعباء الخدمة على أكمل وجه، كما يجب عليهم أن يكونوا عازمين على القيام بالخدمة دون الغضب على أحد أو توبيخه أو قمع عشقه وشوقه، وأن يرغموا أنفسهم على فعل ذلك بالمران والمثابرة.

والواقع أن تبني الإنسان لفلسفة الخدمة والتعايش معها يشكِّل جانبًا واحدًا من نواحي الجمال، أما الجانب الآخر فينطوي على السلوكيّات والتصرفات والعلاقات التي يقيمها الإنسان مع رفاق دربه أثناء الخدمة، فلو عكس الإنسانُ الجماليّات التي يبلّغها للآخرين بحق وجعل من حياته نموذجًا للآخرين؛ عندئذ يكون قد جمع في نفسه الجمالَين في وقت واحد، وإلا اختلّ طرف من طرفي الجمال عنده؛ مما يعني ضرورة خضوعه هو في الأساس لإعادة تأهيلٍ مجدّدًا.

من المذنب الحقيقي؟!

من ناحية أخرى علينا ألا ننسى أن مقتضى الإيمان أن يعتبر الإنسانُ الأخطاءَ والسلوكيات التي يلحظها لدى الآخرين ولا تعجبه انعكاسًا لذنوبه في الحقيقة، ومثل هذا الإنسان لن يُجهِدَ نفسَه أو يُتعبها في البحث عن عيوب الآخرين، فطالما وجدَ المذنبَ الحقيقيَّ سيلتفت بسهولة إلى البحث عن حل، ولو ظللنا نبحث عن المذنب الحقيقي في الخارج رغم أن قصورنا هو السبب في أن يُعاملنا الآخرون معاملةً سلبية؛ فلا يمكن مطلقًا أن نجد هذا المذنب الحقيقي.

ولهذا فمهما كانت نوعية المعاملة التي نلقاها من رفقاء دربنا فعلينا أن نرجع إلى أنفسنا ونقول: “ماذا فعلنا حتى نصاب بهذا”، وبعد ذلك نتوجه إلى الله سبحانه وتعالى ونستغفره، ونحاسب أنفسنا؛ فلربما رمينا الحجر في المكان غير المناسب، أو سدّدنا السهم نحو الشخص الذي لا يستحق، فارتدّ علينا مرة أخرى، أو أننا تهكّمنا وسَخِرنا من شخص ظلمًا، فلقينا جزاء عملنا على يد غيرنا، أو ربما أسأنا الظن في شخص ما، ووجهنا له اللوم والتوبيخ بسبب عيب فيه، فابتلانا الله بالعيب الذي وبَّخْنا غيرَنا عليه.

وربما لم نستطع أن نحافظ على حُسنِ الظنِّ في ملاحظاتنا، وانغمسنا في تصورات خاطئة، فكان من نتيجة ذلك أن أُصِبنا ببعض الحوادث المؤلمة، بمعنى أن بعض المصائب التي يتعرّض لها الإنسان حتى الشوكة يشاكها هي نتيجة قصوره وأخطائه، ويمكن النظر بالرؤية نفسها إلى بعض المشاكل التي يثيرها أصدقاؤنا؛ فربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (سورة الشُّورَى: 42/30)، وكأن هذه الآية تشير إلى أن هذا قانونٌ إلهي.

رصيدُ الأقدمية

الجانب الآخر من القضية أنَّ البعض ربما سبق لهم الالتحاق بقافلة الخدمة وتولوا بعض الوظائف الإدارية فيها؛ فإذا استخدم هؤلاء أقدميتهم تلك للتحكم في رفقائهم ولم يقدروهم كما ينبغي فقد أساؤوا استعمال مناصبهم؛ فالأقدمية رصيدٌ مهمّ، ويجب استغلال التوجه والإقبال الناشئ عن هذه الأقدمية في سبيل الخدمة ؛ فهذا يُسهّل إدارة الأشخاص وقيادتهم، وإذا كان الناس قد أعرضوا عنكم فإنكم بحاجة إلى حركتين اثنتين حتى تستطيعوا تكليفهم بالأعمال؛ الأولى: رَدّهم إليكم، وبعدها تأتي الثانية: وهي توجيهكم إياهم إلى الهدف المطلوب.. فإن توجه الجميع ونظروا إليكم كزهور دوار الشمس التي تنظر إلى الشمس دائمًا وصاروا يقدرونكم فما أسهل أن تستخدموهم وتوجهوهم؛ لذا ينبغي للرواد والقادة أن يكونوا قادرين على تحويل أقدميتهم إلى رصيد مهم، ويتمكنوا من الحفاظ عليه، ثم يستخدموه لصالح الخدمة.

والطريق إلى هذا إنما يتحقق من خلال التخلق بأخلاق القرآن، واعتماد الرفق والوداعة أساسًا في العلاقات الإنسانية، فإن نجحتم في هذا تمكنتم من توجيه كل الأنظار إليكم، ولكنكم إذا قسوتم على المحيطين بكم وأغلظتم لهم القول فإنكم تكسرون خواطرهم؛ فيُعرِضُون عنكم.. وكما أنهم قد يخسرون بعض الأشياء نتيجة لهذا، فإنكم ستحرمون من عشرات الأعضاء المهمين؛ لأن كل واحد ممن تعملون معهم يعتبر عضوًا من أعضاء جسدكم كما أشار سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف “مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى[3]، ولما كانت أية حركة شرسة وطبع سيّئ يصدر منكم يعني إتلافكم أحد أعضاء جسدكم، فإن فعلكم ذلك يضيق عليكم نطاق الاستفادة والنفع، وبالتالي تُعانون حرمانًا خطيرًا.

ستر الذنوب

الستّار من أسماء الله تعالى، وينبغي لنا من باب التخلق بأخلاق الله جل جلاله ألا نكاشف الناس بعيوبهم، وألا نخبر الآخرين بها، بل وعلينا أن نسترها، حتى لا نقع نحن في إثمٍ عظيمٍ، ولا يتردّون هم في براثن اليأس؛ لأن إشهارَ الذنوب وفضحَ صاحبها على الملإ بما هو سرٌّ بينه وبين ربه أصلًا له سلبيتان؛ الأولى: أنّ المذنب سيتعزّز لديه شعورٌ بأنه هو فعلًا على هذه الدرجة من السوء وأنه لا يمكن له أن يتخلص من ذلك، والثانية: أن المجتمع سَيُسِيء الظن به دائمًا، وبهذا قد يصر على ممارسته الذنبَ يائسًا من النجاة أصلًا، ومن ثم فإن كان ارتكابُ الذنبِ والإثمِ سيّئًا أصلًا فإن إيقاع الناس في اليأس والقنوط بسبب ذنوبهم وعيوبهم أكبر إثمًا وأشدّ جرمًا.

لا ينبغي أن يُساءَ فهمُ كلامي هذا، ويُحملَ على الدعوة إلى عدم اتخاذ أي إجراء أو تدبير لأجل القضاء على الذنوب وإصلاح العيوب.. بل لا بد من إرشاد الناس، والسعي إلى الإحسان إليهم ودفعهم إلى الخير.. بيد أنه يجب ألا ننسى أن القيام بهذا له أسلوبٌ وطريقة إذا لم تُراعَ تعذَّرَ الحصول على النتيجة المرجوة منه، لذا فعلينا أن ندقق جيدًا فيما سنقول، وأن نحترم مشاعرَ مخاطبينا، وندرس تصرّفاتنا وسلوكياتنا بشكل جيد للغاية قبل الاعتراض على أي خطإ، وندرس كذلك ردود الفعل المحتملة ونضعها في حسباننا.

بل إن كنا نتوقع رد فعل من مخاطبنا على كلامنا لزم علينا البحث عن شخص آخر يحظى بالقبول والتقدير لدى المخاطب؛ فيحدثه هو في ذلك.. فهناك أشخاص قد يقابلون حتى أكثر كلامنا عقلانيةً ولينًا برد فعلٍ سلبي، سيما إن كان مخاطبنا شخصًا وقع بيننا وبينه بعض الاحتكاكات ومظاهر التوتر سابقًا؛ فسيصعب عليه أن يتقبل كلامَنا ويحسن الظن فيه، ولكن إن كان هناك أشخاص يحبّهم ويحترمهم فإنه يتقبل تنبيهاتهم وتحذيراتهم على أنها نوع من الاهتمام والعناية به، لذا فلنترك هؤلاء الأشخاص يصححون الأخطاء، ويقولون ما يجب؛ ذلك أن الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي أوصى بهذا في رسالة الإخلاص، بل وذكر ضرورة الرضا عن تصدي الآخرين للقيام بهذا، إن المهم هو أن يَعتَبِرَ المخاطبُ بما يُقال له، فيرجع عن خطئه، ولا أهمية لمن يكون قائل هذا الكلام.

مراعاة القدرات والكفاءات

لقد أوصى القرآن الكريم المؤمنين بالركض والتسابق في الأعمال الخيرية[4]، لكن ينبغي ألا ننسى أن كل إنسان يقوم بهذا وفقًا لقدراته واستعداده، وبالتالي ليس صحيحًا أن نتوقع نفس الجهد والسعي من الجميع.

والخدمةُ أيضًا سباقٌ في الخيرات، غير أن فيه حارات شتى؛ حيث سيواصل كل فرد هذا السباق في حارة منفصلة عن الآخر بحسب قوة رجليه وقوة نَفَسِه، وبالتالي ستتباين سرعات الجميع، فإن لم يضع القائمون على الأمر هذه الحقيقة في حسبانهم وحمّلوا الجميع نفس العبء وانتظروا الشيء نفسه منهم فهذا يعني أنهم مخطئون؛ لأنهم بهذا الموقف يحملون الناس ما لا يُطيقون حمله.

ومثل هذه المعاملة لا تتفق والأخلاقَ الإلهية؛ فليس هناك “تكليف بما لا يُطاق” في القوانين الإلهية ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/286)، والأمر نفسُه حدث من جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ لم يكلف أبا ذرٍّ رضي الله عنه بما كلف به عليًّا رضي الله عنه، ولم يُحمل أبا هريرة بما حمّل به خالد بن الوليد، وهؤلاء كلّهم أشخاص كرام، بيد أن لكل واحد منهم مجالًا ينجح فيه، ويقدر عليه، فإن حمّلتم أحدًا شيئًا لا طاقة له به فقد دفعتموه إلى الفشل وكسرتم ظهره، وإن فَشَلَ أيّ فردٍ من فريقكم هو فشلٌ لكم أيضًا.

يجب على الرؤساء حين يستخدمون الناسَ في الأعمال أن يضعوا في حسبانهم حالةَ كلِّ فردٍ ووضعه الخاص، وعلى المرؤوسين كذلك ألا يتحمّلوا ما لا يُطيقون، واعتقادُ أيِّ إنسان أنه قادرٌ على التغلب على كل شيء وأنه أهل للقيام بكل شيءٍ خطأٌ صريح، وكما أنه لا يحق للرؤساء تحميل رفقائهم ما لا يستطيعون القيام به؛ لا يحق لمن دونهم أيضًا الدخول في أعمال لا طاقة لهم بها، وينبغي لمن في مثل هذا الموقف أن يعترف بعدم الاستطاعة، ذلك أن اعترافه منذ البداية بعجزه عن القيام بالأمر وطلبه أن يُكلّف بما يستطيع أفضلُ من أن يتحمله ثم يعجز عن إتمامه.

التحرك بحسب الموقع

إن الوفاء بحق الموقع والتصرف وفقًا لمتطلباته من الأمور التي يتم التأكيد والتركيز عليها باستمرار، وإنني لا أعتبر التذكير بهذا مرة أخرى تكرارًا زائدًا لا حاجة له؛ فهذا مكانه بالضبط، وكما ينبغي لأي رئيسٍ أو رائدٍ ألا يستغلّ أقدميّته وريادته كوسيلة للتحكّم فيمن دونه؛ يجب كذلك على من دونه ألا يقصروا في احترامه وتقديره.

ولمزيد من التوضيح نقول إن التواضع والتفاني علامة على العظمة، واستخدامُ المرء سبقَه غيرَه وتقدُّمَه الآخرين لإخضاعهم لأوامره علامةٌ على الغرور والكبر، والكبرُ علامةٌ على الوضاعة.. وقصارُ القامات يسعَون إلى التكبّر والتبختر حتى يبدو وكأنهم في مكانة أكبر مما هم عليها أصلًا، وهذا نابع عن مرض نفسي بعض الشيء، والأكثر من ذلك أن محاولة شخص إظهار نفسه عن طريق التحكم، واكتساب مستوى أعلى يَكشِفُ أن شخصيَّتَه غيرُ سليمة وجبلَّتَه غيرُ سوية، بل إن مجرد تفكير إنسان بضرورةِ أن يُقدِّره الآخرون ويُصغوا إليه -دون أن يظهر ذلك في تصرفاته وسلوكياته- غيرُ مستحسن ولا مقبول؛ إذ إن ذلك لا يمكن أن يتوافقَ مع تعاليم الإسلام الكريمة.

الحقيقة أنه لا يحق لأحدٍ على الإطلاق أن ينشد الاحترام والتقدير لذاته.. بل يجب قبول هذه الأمور كرهًا حتى وإن جاءته بلا طلب؛ لأن من يتشوف لمثل هذه الأمور يكون بفعله ذلك قد قلَّل من قيمة الخدمة، كما يكون قد استبدل الأشياء البشَريّة التافهة الحقيرة بالمكافأة الإلهية الكبرى، وبالرغم من أن الأنبياء العظام جاؤوا برسالة تبلّغ الناس الجنة وعملوا في سبيلها طيلة أعمارهم إلا أنهم لم يتشوفوا إلى أي شيء؛ ماديًّا كان أو معنويًا، وكان منهجُهم ﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ﴾ (سورة يُونُسَ: 10/72).

من جانب آخر يقع على عاتق الصغار الاعترافُ بقدر الرواد والكبار الذين منحوهم الفرصة للخدمة، ومهّدوا لهم الطريق فكانوا خيرَ نموذجٍ لهم في إنجاز الخدمات، وعندما يحصل ذلك ينشأُ نوعٌ من التناغم الجميل بين طبقات المجتمع، ويتسنّى أداء الواجبات اللازمة بكل أريحيّة وسهولة.

وفي الختام أريد التطرق إلى أمر آخر؛ وهو أنه قد يكون لدينا جميعًا بعض أوجه القصور في المعايير المذكورة هنا، وربما لا نستطيع تمثيل هذه المبادئ بشكل تام في حياتنا، مما يجعلنا ننخرط في مجموعة من الانتقادات والتساؤلات، وعليه ينبغي ألا نرسم مجموعة من المشاهد التشاؤمية، كيما تتزعزع قوتنا المعنوية، وعلينا أن نحذرَ من استخدام عبارات مخيِّبة للآمال عند الحديث عن القصور والتقاعس الواقع، فلا ننسى أنه ربما يقع بعض مظاهر القصور بدرجة ما في أي وقت حتى في القضايا والخدمات المهمة للغاية، وما يجب علينا القيام به هنا أساسًا هو بعث الحماس تصدّيًا للمواقف المحبطة، والسعي من خلال التكاتف إلى إعادة إصلاح ما فسد وتحطم.

 

[1] صحيح مسلم، الإمارة، 152؛ سنن الترمذي، الزهد، 48.

[2] سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة السابعة عشرة، المذكِّرة الرابعة عشرة، ص 187.

[3] صحيح البخاري، الأدب، 27؛ صحيح مسلم، البر، 66.

[4] انظر: سورة البقرة: 2/148؛ سورة المائدة: 5/48.

***

ماذا تعني “الجَرَّة المشروخة”؟

إن الأستاذ المربّي “فتح الله كولن” شخصية جامعة، وأحاديثه مشحونة بمعان عميقة تخاطب طبقات مختلفة من الناس، ولا جرم أن مَن يستمع إلى مثله من العلماء يتعلم أمورًا كثيرة، وينال نصيبه حسب مستواه، غير أن أكثر الناس فهمًا هم أكثر الناس علمًا، فمن بلغ مرتبةً سامية في العلم يرى أن هناك كثيرًا من الحقائق الخفية بين الكلمات والجمل والفقرات، وأنه قد جمع في كلمة واحدة دروسًا عظيمةً لا يسعها إلا كتاب كامل. فمثلًا عندما يشرح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ…” (رواه الترمذي) يصف ما في الحديث بـ”الخشية ذات بُعد الالتجاء” فيسحر من يسمعه بهذه العبارة النفيسة التي تنطوي على معان عميقة وعظيمة تملأ الصفحات.

وها نحن نسمّي صفحتنا هذه بـ”الجرة المشروخة” اعترافًا بعجزنا في فهمه كما ينبغي، وتقصيرنا في تلقِّي ما يطرحه علينا من حقائق، وقصورنا في تسجيلها والاستفادة منها وإفادة الآخرين بها. أردنا بهذا العنوان الإشارةَ إلى أن هذه الصفحة ما هي إلا مرآة أصغر بكثير من أن تعكس عِلمَ أستاذنا الجليل وحياتَه الروحية والقلبية وزُهدَه وتقواه. وقد استوحينا هذه الفكرة من المنقبة التالية التي يذكرها مولانا جلال الدين الرومي:

في قديم الزمان نصب سلطان فسطاطه على نهر الفرات، فأحَبَّه الناس، نظرًا لأنه استطاع أن يستولي على القلوب لا على الأراضي فحسب. أجل، أحبّوه وتمنوا أن لو تعرف عليهم ذلك الإنسان الخيّر ونالوا حبه واستحسانه، ولذلك كانوا يَمثُلون في حضرته في بعض الأيام ويقدمون له الهدايا. وفي يوم قدّم فيه الأغنياء وذوو الأحوال الميسورة هداياهم الثمينة للسلطان بحث أحد الفقراء عن هدية تناسب السلطان، فلما لم يجد شيئًا قيِّمًا خطرت على باله تلك الجرة المشروخة التي تقبع في ناحية من بيته، فأخذها وملأها بماء بارد من ماء القرية، وسلك بها الطريق إلى السلطان، فقابله أحدهم وسأله عن صنيعه ووجهته، فلما أجابه الفقير قال له الآخر في سخرية: “ألا تعلم أن السلطان يقيم على منبع الماء، فضلًا عن أنه يملك ماء العين الذي تحمله جرّتُك”. فامتقع لون الفقير وابتلع ريقه وانعقدت الكلمات في حلقه، ثم قال: “لا ضير، السلطنة تليق بالسلطان، والفقر يليق بالفقير. فإن لم أكن أمتلك هدية قيّمة للسلطان يكفي أنني أحمل قلبًا مفعمًا بحبه ومشتاقًا لتقديم مائه إليه”.

وعلى ذلك عزمنا على تقديم هدية للسلطان بـ”جرتنا المشروخة” التي تحملها أيدينا؛ رغبة في أن تكون هديتُنا مشاركتَكم معنا هذه الجماليات التي أفاضها الله علينا. ونحن -القليل من إخوتكم- على اعتقاد بأن مشاركة الكثيرين لنا في ماء هذا المنهل العذب يعيننا على أداء شكر نعمة القرب من هذه العين المباركة.

كنا بداية نسجل ملاحظات صغيرةً حتى نستعين بها في تذكر أحاديثه، لكن كان يفوتنا الكثير، فشرعنا فيما بعد في تسجيلها بدقة على الحاسوب لنقل ما يذكره دون تغيير أو نقص، ثم نأخذ ما سجّلناه على الحاسوب ونقوم بعملية التبييض والتنقيح والتصحيح، ثم نتذاكر ما ينتج من نصوص فيما بيننا.

فبدأنا نقدّم لكم ماء الحياة الذي ملأنا به جرّتنا، في هذه الصفحة الإلكترونية المسماة “الجرة المشروخة” والتي تعدّ جزءًا من موقعنا الإلكتروني “Herkul”؛ وما فعلنا ذلك إلا أننا شعرنا بشيء من النكران للجميل عندما احتكرْنا عينَ أفق القلب والروح هذه.

الجَرَّة المشروخة*: التمسك بالجوهر والتخلص من الفوضى

Herkul | | العربية

التمسك بالجوهر والتخلص من الفوضى

سؤال: كثيرًا ما تشغلنا الحوادثُ المؤلمة التي تقع حولنا والمصائبُ التي تعترينا؛ فنبتعد عن قيمنا الذاتية، فما الأمور التي يجب مراعاتها حتى نحافظ على استقامة قلوبنا؟

الجواب: ننوّه بدايةً بأن الأساس هو علاقة المؤمن بربه أيًّا كان نوع الحوادث الواقعة في العالم الخارجي، فلا بد أن يتوجه المؤمن إلى نفسه أولًا، ويَحْذَر من انقطاع علاقة قلبه بربه جل وعلا، ويسعى إلى أن يواصل ارتباطه دائمًا بمنبع النور؛ لأن القرآن الكريم يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (سورة الْمَائِدَةِ: 5/105)، فهذه الآية تدعو المؤمنين إلى أن يتوجهوا إلى عوالمهم الداخلية، وأن يعملوا بدايةً على إصلاحها، ولذا يجب على المؤمن أن يراجع نفسه كل يوم عدة مرات، ويتحرى مدى استقامة نفسه من عدمها.

ولا شك أن هذا التحري يحتاج إلى بعض المعايير، وإن على رأس هذه المعايير الكتاب والسنة، واجتهادات السلف الصالح القائمة على هذين المصدرين القدسيين، فضلًا عن المصادر الأخرى -التي قرروها وأجمعوا عليها مراعاة لبعض الحِكم- مثل المصلحة والاستحسان.. والحق أن هؤلاء قد بذلوا جهودًا فائقة لِفَهمِ الدين وتوضيحه، وكأنهم بذلك لم يدَعوا نقطة مظلمة في هذه المسألة إلا وبيّنوها.

المحافظة على الاستقامة

ومع وجود كلّ هذه الينابيع المضيئة أمام الإنسان إلا أنه ما زال غير قادر على بلوغ الاستقامة، وقد ينحرف أحيانًا ويظل في الظلام؛ وهذا يعني أنه هو من يصنع هذا الظلام، والواقع أن الآية الكريمة “عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ” تعبّر عن هذا المعنى في الوقت ذاته؛ أي إن أخطاءنا هي السبب الحقيقي لكل المشاكل والهموم التي نعانيها، فلو استطعنا أن نحاسب أنفسنا جيدًا لَلَمسنا معظم هذه الأخطاء؛ ومثال ذلك:

تقديمُ الإنسان أهواءه ورغباته على أوامر الله سبحانه وتعالى، والبيان القرآني الذي يقول: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ (سورة القِيَامَةِ: 75/20-21) يشير إلى هذا الضعف الكامن في طبيعة الإنسان، وفي آية أخرى يعبر القرآن الكريم عن حب الإنسان للدنيا فيقول: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (سورة العَادِيَاتِ: 100/8)، ولأن الإنسان مولع فطرةً بالدنيا وبالمتع الحاضرة فقد يقدّم مثل هذه الأمور الفانية على أوامر الدين رغم أنه مؤمن، بل قد يتطلع أحيانًا إلى احترام الآخرين وتقديرهم له، لا إلى الثواب الأخروي أو مرضاة الله سبحانه وتعالى، ومثل هذا الشخص لا يستحسن الخدمة الإيمانية التي لا يصاحبها إقبال الناس عليه وتهليلهم له، أو التي يتعرض بسببها إلى بعض المشقات والأذى، ومن ثمّ يتخذ موقفًا سلبيًّا تجاه هذه الخدمات.

ولا جرم أن المؤمن إذا كان يخدم نفسه معتقدًا أنه يخدم دينه، وأغراه وأطغاه تهليل الجهلاء الغافلين المحيطين به، وادعى جدارته وأحقيته بهذا التقدير والثناء الموجه إليه خسر في موضعٍ هو أدعى للكسب، وسبيل السلامة من هذه الورطة يكمن في أن يسعى الإنسان عمليًّا لبلوغ مستوى أحسن تقويم الذي خلقه الله عليه استعدادًا وقابلية؛ بمعنى أن يتحرى السبيل ليكون إنسانًا حقيقيًّا، وأن يجادل نفسه على الدوام حتى لا ينحرف عن هذه الاستقامة، فإذا نجح في ذلك فلن يضره من ضلّ إذا اهتدى وفقًا لتعبير الآية.

“عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ”

فلو كنّا نريد سلامًا وأمانًا اجتماعيًّا فعلينا أن نسعى إلى إصلاح أنفسنا أوَّلًا وبلوغ مستوى الإنسان الحقيقي؛ لأنه لا سبيل لنا إلى أن نرجو إصلاح غيرنا دون أن نكون نحن مستقيمين أصلًا، فقد كان أول أمر إلهي إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (سُورَةُ العَلَقِ: 96/1)، وبعدها نزلت هذه الآيات الكريمة على غرارها: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (سورة الْمُدَّثِّرِ: 74/1-7).

وهذا يعني أن ربنا سبحانه وتعالى قد خاطب شخصَ النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أوّلًا، وكأنه يقوله له: “عليك نفسك، ابدأ بها أولًا”.

والواقع أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان صرحًا للثقة والأمان حتى قبل بعثته، فقد كان يمثّل بالمعنى الحقيقي الخصال التي منحها الله للأنبياء العظام مثل العصمة والعفة والفطانة والتبليغ، ولما صعد صلى الله عليه وسلم جبل أبي قبيس بغية دعوة قومه إلى الإسلام، وسألهم: “لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟”، فأجاب الجميع بـ”نعم”.

من هنا نقول: إن مثل هذه الآيات ترشد الأمة في شخص نبيها صلوات ربي وسلامه عليه؛ بمعنى أننا إذا أردنا أن نكون مقنعين في نظر الآخرين فعلينا أولًا أن نتحلى بالثقة والتواضع والإخلاص، وأن نعمل على بثّ الثقة والأمان في نفوس الجميع؛ فمن لم يكن على ذلك استحال عليه أن يكون مقنعًا لغيره، فلا يخفى أن من يرتاب الناس في عفته وعصمته يفقد مصداقيته ونزاهته لدى الآخرين.

ولهذا قد تحدث بعض الاضطرابات في المجتمع، ويتولى أمر الأمة بعض الظالمين المستبدين، حينئذ تدعوهم الفرصة إلى اضطهاد مخالفيهم وسحقهم، وأحيانًا يتسبّبون في وقوع المزيد من الحوادث التي تسوق مجتمعاتهم إلى الفوضى، عند ذلك يقع على عاتق المسلمين أن ينشغلوا بأمر أنفسهم ويعملوا على استقامتها أولًا بدلًا من التشنيع بهذا وذاك، وأن يفكروا في الحكمة من وراء تسليط الله هؤلاء الظالمين عليهم بدلًا من التذمر والشكوى من الظالمين الذين يرأسونهم؛ لأنه لا فائدة من اشتغالهم بالآخرين طالما هم غير مستقيمين في الحقيقة، وفي الأثر “كَمَا تَكُونُوا يُوَلَّى عَلَيْكُمْ“، أي كما يكون الناس في القاعدة يكون حكامهم على الشاكلة نفسها في القمة.

فكما تنشأ القشدة عن الحليب ينشأ الزَّبَدُ عن الماء، جاء في بعض الروايات أن الحجاج بن يوسف الثقفي أتاه رجل يذكّره بعدالة سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه، فقال الحجاج لمن بجواره: “كونوا كالمحيطين بعمر أكن لكم كعمر”، وبذلك أراد الحجاج أن يذكّرهم بأنه الحاكم الجدير بهم تمامًا.

الطريق الموصِّل إلى الإنسانية الحقة

من جانب آخر فإن من لم يشتغل بنفسه ويعمل على إصلاحها ستتقطّع مع الوقت علاقته بربه، وتنتاب صلة قلبه بربه حالةٌ من الخسوف والكسوف؛ لأن مثل هذا الشخص يتعلق أحيانًا بأنانيته الشخصية، وأحيانًا يدّعي العلم، وأحيانًا أخرى يتحرك وفقًا لأنانيته الجماعية؛ ولذا تراه ينسب الأمر إلى نفسه معتقدًا أنه يقوم بعمله خدمةً للدين، فلو حدث ومُنِح هذا الشخص القوة والقدرة لَفَعلَ ما يفعله المستبدون؛ فكما أن الأنانية والمعرفة والثروة تصيب الإنسان بالعمى فكذلك هو حال السلطة والحاكمية، وخاصة لو انساقت الجماهير وراء هذا الشخص انسياقًا أعمى وهللت له وصفقت فمن المسلم به أن مثل هذا الشخص سيصيبه السمّ والعمى المعنوي، ولن يقدر على رؤية الحقائق البيّنة الواضحة، ولا على تمييز الصحيح من الخطإ.

ولذلك يجب على الإنسان أن يتنبّه لحياته القلبية والروحية، وألّا يسمح لنفسه ورغباته الحيوانية وحقده وكرهه أن تحول بينه وبين ربه؛ فتفضي إلى انقطاع لا سبيل إلى إصلاحه، وفوق ذلك عليه أن يتجنب “المهلكات” التي نص عليها الإمام الغزالي رحمه الله في كتابه “إحياء علوم الدين”، وأن يتمسّك بـ”المنجيات” المنصوص عليها في ذات الكتاب؛ لأن المهلكات تتسبب في وضع بعض الحجب بين العبد وربه، أما المنجيات فهي وسيلة عظيمة لإزاحة هذه الحجب، وتلاقي القلوب بالتجليات الإلهية من جديد.

إذًا على العبد أن يتحاشى كل هذه السلبيات ويفرّ منها فراره من الثعبان والعقرب، ولا شك أن هذا هو سبيل الارتقاء إلى الإنسانية الحقة، وقد عبر الشاعر أبو الفتح البُسْتي عن هذه الحقيقة بقوله:

أَقْـبِـلْ عَلَى النَّفْسِ وَاسْتَكْمِلْ فَضَائِلَهَا

فَأَنْـتَ بِالنَّفْــــــــسِ لَا بِالْجِــسْـــــمِ إنْـسَــانُ

وهذا يعني أن الإنسان لو فقد هذه الخصال فقدْ فقدَ إنسانيته.

وهنا قد يسأل سائلٌ فيقول: هل ينقلب الإنسان إلى جهنم إن لم يراعِ هذه الأمور التي ذكرناها؟ بالطبع لا.. فليس لأحد أن يقول بمثل هذا القول، لأن هذا ينافي رحمة الله الواسعة، ونحن يحدونا الأمل والرجاء في عفو ربنا وغفرانه لنا بواسع رحمته رغم قلة أعمالنا وصغرها، ولكن من جهة أخرى يجب علينا التوجه إلى الله تعالى بأعلى درجات التقدير والتعظيم، وأن نحقق العبودية دون انقطاع أو تقصير، فهذا حقٌّ لا ينبغي لنا أن نتوانى عن القيام به تجاهه سبحانه وتعالى، ومسؤولية عظمى ليس لنا أن نهملها؛ ولهذا علينا أن نحافظ دائمًا على استقامة ماهيتنا الإنسانية، وأن نتحرى المنجيات، ونتجنب المهلكات.

فإن لم نراجع حالنا ولم نعرف المكان الذي نقف فيه أو الذي يجب أن نقف فيه، فسنشرع حينذاك في تغيير وجهتنا ومكاننا حسب أفعال الآخرين وتصرفاتهم، فمثلًا قد يهمّ بعض الأشخاص من أهل الإيمان بالهجوم علينا نتيجة انهزامهم لمشاعر الحسد والغيرة والتنافس الممقوت، وقد يتخذ البعض الآخر جبهة ضدنا بمقتضى إنكارهم وإلحادهم، ثم تقوم كلتا الطائفتين بتدبير بعض المؤامرات ضدنا.. ولكن بصرف النظر عن ضرورة وعينا بهذه المكائد والمؤامرات، وابتكارنا لإستراتيجيات معقولة بديلة؛ فإننا لو انشغلنا بهؤلاء على الدوام، وشاركناهم جنون العظمة الذي أصابهم، وتحركنا وفقًا للأوهام والاحتمالات؛ فسنخالف مقتضى الآية التي ذكرناها آنفًا: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، وفي النهاية لن ننجو من ضرر هؤلاء، ولن نجد الفرصة لإصلاح أنفسنا ولا للقيام بواجبنا الأساسي.

واجبُنا الأساسي

حسنٌ، ما هو واجبنا الأساسي؟ يجب علينا -بقدر المستطاع- إرشاد البشرية جمعاء إلى طريق الخلاص الأبدي، وتوجيهها إلى الجنة، والاجتهاد والسعي ألَّا يدخل أحدٌ منهم جهنم، ولأن الله تعالى قد عَلِم أزلًا من سيعمل ماذا، فربما أنه قدَّر جهنم مصيرًا لبعض الناس، وربما لا يستطيع أحد على الإطلاق أن يمنع هذا الأمر، ولكن ذلك لا يعنينا، وما يقع على عاتقنا هو الإصرار والعزم على أن تنجو البشريةُ كلّها حتى آخر فرد فيها من النار.

والواقع أن التمسك بغاية كهذه، وإهلاك النفس حتى لا يفقد الآخرون سعادتهم الأبدية، والخوف من أن يتعرض البشر للهلاك والخسران الأبدي.. كل ذلك من مقتضيات نهج النبوة؛ إذ إن الله تعالى يُلخص موقف مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم بشأن حرصه على هداية الأمة فيقول: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الشُّعَرَاءِ: 26/3)، وهذا الأمر سرٌّ بين الله تعالى وأحب عباده إليه سبحانه، فربما أن الله تفضل بهذا القول الوارد في الآية الكريمة تثبيتًا لنبيه وحفظًا لتوازنه، غير أن قولنا مثل هذا بحقه عليه الصلاة والسلام وانشغالنا بمثل هذه الأفكار ليس صحيحًا.

وما أردت التأكيد عليه هنا أساسًا هو أن هذه الآيات بينما تصحح موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم من إيمان البشرية، فهي في الوقت ذاته تقدّر موقفه عليه الصلاة والسلام وتعلي من شأنه؛ مشيرةً إلى معنى كهذا: “أنت قامة عظيمة لدرجة أنك لا تعيش لأجل نفسك؛ إنك تكاد تهلك نفسك في سبيل نجاة الآخرين”.

هذا هو شعور الإحياء، وهو في طليعة الواجبات التي ينبغي أن يضطلع بها أتباع المنهاج النبوي في عصرنا هذا، حتى وإن كانت هناك فرقةٌ تكيد لهم وفقًا لهواجسها وهوسها، وتراهم مثلها طلبةَ مناصب ومصالح ومتطلعين للسلطة.. ومهما كاد الكائدون اعتمادًا على سوء ظنهم؛ فإنه ينبغي لأتباع المنهج النبوي ألّا تُقيّدهم كل هذه الأمور، وألا تمنعهم من مواصلة طريقهم، عليهم أن ينشغلوا بتحبيب الله ومفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم إلى البشرية، وأن يُسخِّروا كل إمكانياتهم في هذا السبيل؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “حَبِّبُوا اللهَ إلى عِبَادِهِ يُحْبِبْكُمُ الله[1]، ويشير هذا الحديث أيضًا إلى أن مَن يشتغل بتحبيب الله إلى عباده فإنه سيحظى بحب الله له، لأن حبّ المرءِ اللهَ ورسولَه كالمُتيّم من العناصر والوسائل الأساسية للفوز الأبدي.

المؤسف أن المسلمين لم يؤدوا هذا الواجب على الوجه الأمثل، ولذلك تسببوا بأن تعيشَ البشريّة مرة أخرى مرحلة “الفترة”.. إنهم لم يستطيعوا أن ينسلخوا من متعهم البدنية ورغبتهم في الحياة والعيش فينفتحوا على كل أنحاء العالم كالصحابة الكرام والحواريين؛ ويُبلِّغوا قيمهم الأصيلة إلى الصدور الفارغة المتعطشة إلى النجاة.. لقد عجزوا أن يُعرّفوا الإنسانية بمفخرتها عليه الصلاة والسلام وبجلاله وعظمته.. ما استطاعوا ولوج القلوب عبر تمثيله بشكل كامل من خلال تصرفاتهم وسلوكياتهم، وما استطاعوا أن يبيّنوا أن ذلك النور الخالد صلى الله عليه وسلم مصدرُ ضياء ينير العوالم كلها، لم يقدروا على الأقل على إزالة الأفكار والآراء السلبية بشأنه؛ فيجعلوا الناس تنطق وتُقِرُّ بــ”أن هذا إنسانٌ عظيم”.. الخلاصةُ أنهم عرضوا البشرية لمرحلة “الفترة” مرّة أخرى، ولا نزال نعاني من تأثيرها حتى في عصرنا، لا ريب أن غفلةَ غير المؤمنين وتبلدهم الحسي وأحكامهم المسبقة تؤثرُ في هذا، ولكن السؤال الأهم؛ هل قام المسلمون بواجبهم المنوط بهم على الوجه الأكمل، أم لم يقوموا به؟!

ساداتنا الصحابة انفتحوا على ثلث العالم تقريبًا، وخلال فترة قصيرة للغاية أناروا العالم الذي كان يسبح في ظلمات حالكة، وتربعوا في القلوب حيث ذهبوا، وأثاروا اهتمامًا حقيقيًّا لدى الناس بشأن قيمهم الأصيلة، وليس بادعاء العلم ولا بقوتهم وقدرتهم نجحوا في هذا، وإنما بإيمانهم وصدقهم وتمثيلهم الحقيقي للدين، ورغم ما نحن عليه اليوم لو أننا نستطيع أن نطبق جماليات الدين، ولو حتى بشكل غير محكم، فسنعيش في ظل تأثير قوة الطرد المركزية، لأن القوة التي أوجدوها عن المركز وصلت حتى يومنا.

وعليه أريد أن أقول ثانية أيًّا كان تفكير من يقفون بجواركم ويسجدون معكم ويتلوون في حضرة الله، أو من يتآمرون عليكم منذ الأزل ويخططون ضدكم تأثرًا بهواجسهم وجنون العظمة لديهم فالواجب عليكم أن تحببوا اللهَ ورسولَه أولًا إلى البشرية، ثم تُمكِّنوا الناس من محبة بعضهم البعض لأجل الله ورسوله، وتُسهِموا في أن تسود حالةٌ من السلم والسلام في العالم أجمع.

التوازن في المحبة وحسن الظن

إن من نذروا أنفسهم يجب عليهم -إلى جانب أدائهم واجباتهم على الوجه الأتم- السعي لأن يكونوا متوازنين لأقصى درجة في إقامة العلاقات مع الآخرين، فمثلًا إن كانت علاقة مودة وعشق ووَلَهٍ ستكون لأحدٍ فلا بد وأن تكون لله تعالى ورسوله الكريم أولًا، ثم يليهما الخلفاء الراشدون، ثم ساداتنا الصحابة، والمؤسف أننا مثلما خسِرنا كثيرًا من قيمنا الخاصة تأخَّرْنا في حبِّنا اللهَ ورسولَه، فهل رأيتم أحدًا قطُّ يُغمى عليه أو يسقط مغشيًّا عليه إذا ما ذكر سيد الأنام صلى الله عليه وسلم أمامه كما كان يحدث سابقًا؟!.. لقد سرقوا حبنا اللهَ ورسولَه، وربطوا كلَّ قدرات الحب لدينا بدنيانا وأنفسنا، ولذلك صرنا نحن أيضًا محرومين من المحبة.

لم نستطع محبة الأشياء الواجب حبها حبًّا عميقًا كما ينبغي.. كما أننا أسأنا استعمال هذا الحب أحيانًا، وارتكبنا أخطاء دون أن ندرك أحيانًا أخرى، فمثلًا فُتِنَّا بمحاسن البعض وأبرزنا نحوهم حبًّا كبيرًا، وهو ما مسَّ غيرة الله؛ فكانت النتيجة أننا تعرضنا لصفعات الرحمة الإلهية علَّنا نستفيق، لقد تلقينا صفعات قاسية جزاء محبَّتنا غير المشروعة تلك، وبهذا كشف لنا سبحانه أن من نحبّهم هم خلاف ما نظن؛ فليسوا جديرين بهذا القدر من التوجه والتقدير، أي إن عدمَ الإفراط والحفاظ على التوازن في علاقة الحب التي ستُكَنُّ للناس عاملٌ مهم للغاية.

وثمة موضع آخر يستلزم التوازن في العلاقات التي ستقام مع الآخرين، ألَا وهو آراؤنا وظنوننا بحقهم، وعلى حد قول الشيخ بديع الزمان سعيد النورسي فإن المؤمن ينبغي له أن يُحسن الظن وألا يقع في إساءة الظن ما أمكن، وألا يضع الخطط ويرسمها بناءً على أوهامه وظنونه بشأن الآخرين، وألا يمارس أفعالًا مبنيّةً على الظن بأن الجميع سيرتكب الشر؛ لأن ذلك كله يندرج تحت بند “سوء الظن”، وسوءُ الظن ذنبٌ كبير من شأنه أن يقلب أمور الإنسان رأسًا على عقبٍ، ومع هذا فإن كنتم ضُربتم مرات عديدة من أحدهم، وأوذيتم، وصُفِعتم يجب عليكم حينها أن تُفعِّلوا مبدأ عدم الثقة إلى جانب حسن الظن، وإن كان البعض يطعنونكم من الخلف إذا ما أدرتم ظهوركم فلا تولوهم الأدبار مرة أخرى.

خلاصة القول: إن واجبنا الحقيقي هو الانشغال بأنفسنا وبتحقيق غايتنا المثالية، ولأجل ذلك فعلى الناذرين أنفسهم للحقّ والحقيقة أن يتخلّصوا من التشتت والتشرذم حتى يتسنى لهم تحقيق مثل هذا الهدف السامي.. عليهم أن ينأوا بأنفسهم عن كل العوامل التي تشتت هممهم ومساعيهم وأفكارهم، وألا ينشغلوا بالأكاذيب والافتراءات التي تُروَّج بشأنهم سواء عن طريق وسائل الإعلام أو عن طريق غيرها من المنتديات والمنصات، حتى وإن قَضَّت مثل هذه الأشياء مضاجعَهم من حين لآخر، وأحدثت في أفئدتهم خفقانًا مقدَّسًا فعليهم ألّا ينسوا واجباتهم الخدمية، بل عليهم أن يجعلوها في المقدمة من الفروض؛ فرجال القلب عليهم أن يركزوا على قضاياهم الذاتية بكل قواهم الروحية وكلياتهم العقلية، وأن يواصلوا المسير في هذا الطريق، وكما قال فضيلة الشيخ بديع الزمان سعيد النورسي فإننا نملك يدين اثنتين؛ فإن امتلكنا أربعًا وجب علينا استخدامها في هذا الطريق أيضًا.

[1] الطبراني: المعجم الكبير، 8/90-91.

***

* ماذا تعني “الجَرَّة المشروخة”؟

إن الأستاذ المربّي “فتح الله كولن” شخصية جامعة، وأحاديثه مشحونة بمعان عميقة تخاطب طبقات مختلفة من الناس، ولا جرم أن مَن يستمع إلى مثله من العلماء يتعلم أمورًا كثيرة، وينال نصيبه حسب مستواه، غير أن أكثر الناس فهمًا هم أكثر الناس علمًا، فمن بلغ مرتبةً سامية في العلم يرى أن هناك كثيرًا من الحقائق الخفية بين الكلمات والجمل والفقرات، وأنه قد جمع في كلمة واحدة دروسًا عظيمةً لا يسعها إلا كتاب كامل. فمثلًا عندما يشرح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ…” (رواه الترمذي) يصف ما في الحديث بـ”الخشية ذات بُعد الالتجاء” فيسحر من يسمعه بهذه العبارة النفيسة التي تنطوي على معان عميقة وعظيمة تملأ الصفحات.

وها نحن نسمّي صفحتنا هذه بـ”الجرة المشروخة” اعترافًا بعجزنا في فهمه كما ينبغي، وتقصيرنا في تلقِّي ما يطرحه علينا من حقائق، وقصورنا في تسجيلها والاستفادة منها وإفادة الآخرين بها. أردنا بهذا العنوان الإشارةَ إلى أن هذه الصفحة ما هي إلا مرآة أصغر بكثير من أن تعكس عِلمَ أستاذنا الجليل وحياتَه الروحية والقلبية وزُهدَه وتقواه. وقد استوحينا هذه الفكرة من المنقبة التالية التي يذكرها مولانا جلال الدين الرومي:

في قديم الزمان نصب سلطان فسطاطه على نهر الفرات، فأحَبَّه الناس، نظرًا لأنه استطاع أن يستولي على القلوب لا على الأراضي فحسب. أجل، أحبّوه وتمنوا أن لو تعرف عليهم ذلك الإنسان الخيّر ونالوا حبه واستحسانه، ولذلك كانوا يَمثُلون في حضرته في بعض الأيام ويقدمون له الهدايا. وفي يوم قدّم فيه الأغنياء وذوو الأحوال الميسورة هداياهم الثمينة للسلطان بحث أحد الفقراء عن هدية تناسب السلطان، فلما لم يجد شيئًا قيِّمًا خطرت على باله تلك الجرة المشروخة التي تقبع في ناحية من بيته، فأخذها وملأها بماء بارد من ماء القرية، وسلك بها الطريق إلى السلطان، فقابله أحدهم وسأله عن صنيعه ووجهته، فلما أجابه الفقير قال له الآخر في سخرية: “ألا تعلم أن السلطان يقيم على منبع الماء، فضلًا عن أنه يملك ماء العين الذي تحمله جرّتُك”. فامتقع لون الفقير وابتلع ريقه وانعقدت الكلمات في حلقه، ثم قال: “لا ضير، السلطنة تليق بالسلطان، والفقر يليق بالفقير. فإن لم أكن أمتلك هدية قيّمة للسلطان يكفي أنني أحمل قلبًا مفعمًا بحبه ومشتاقًا لتقديم مائه إليه”.

وعلى ذلك عزمنا على تقديم هدية للسلطان بـ”جرتنا المشروخة” التي تحملها أيدينا؛ رغبة في أن تكون هديتُنا مشاركتَكم معنا هذه الجماليات التي أفاضها الله علينا. ونحن -القليل من إخوتكم- على اعتقاد بأن مشاركة الكثيرين لنا في ماء هذا المنهل العذب يعيننا على أداء شكر نعمة القرب من هذه العين المباركة.

كنا بداية نسجل ملاحظات صغيرةً حتى نستعين بها في تذكر أحاديثه، لكن كان يفوتنا الكثير، فشرعنا فيما بعد في تسجيلها بدقة على الحاسوب لنقل ما يذكره دون تغيير أو نقص، ثم نأخذ ما سجّلناه على الحاسوب ونقوم بعملية التبييض والتنقيح والتصحيح، ثم نتذاكر ما ينتج من نصوص فيما بيننا.

فبدأنا نقدّم لكم ماء الحياة الذي ملأنا به جرّتنا، في هذه الصفحة الإلكترونية المسماة “الجرة المشروخة” والتي تعدّ جزءًا من موقعنا الإلكتروني “Herkul”؛ وما فعلنا ذلك إلا أننا شعرنا بشيء من النكران للجميل عندما احتكرْنا عينَ أفق القلب والروح هذه.

الجَرَّة المشروخة*: العالِم الحقيقي والمسؤولية الاجتماعية

Herkul | | العربية

سؤال: ما المقصود بالعالم الحقيقي؟ وما نوعية الوظائف المجتمعية التي قام بها العلماء على مرّ التاريخ؟ وما المسؤوليات التي تنتظرهم في مجتمع اليوم؟

الجواب: بدايةً إن أوّل مَن ينصرف إليه الذهن عند قولنا “عالِم” هو الله جل جلاله؛ على اعتبار أنه الأعلم بكل شيء، زيادة على ذلك فلله تعالى ثلاثة أسماء مباركة مشتقة من جذر “العلم”، وهي على التوالي العالِم والعليم والعلَّام، ولقد عُبِّر عن الاسمين الأخيرين بصيغة المبالغة نظرًا لأنهما يدلّان على أن الله تعالى ذو علم محيط يتجاوز آفاقنا، ثم إن اسم “علّام الغيوب” الذي يوصَف به ربُّ ال