الجَرَّة المشروخة: أخلاقيات النقد والانتقاد

Herkul | | العربية

   سؤال: ما هي الأمور التي يجب على الناقد والمنتقَد أخذها في الاعتبار؟ وما هي المعوقات التي تحول دون الإنصاف وإحقاق الحق وغير ذلك من الأخلاقيات التي أولاها الدين أهمية كبيرة؟

   الجواب: النقد هو عبارة عن التدقيق في الأقوال والأفعال والتصرفات والأعمال التي يقوم بها شخص ما أو مجموعة من الأشخاص والكشف عما فيها من نواقص وزلَّات، فإذا ما صدر النقد وفقًا للأصول المتعارف عليها صار عاملًا مهمًّا في تصويب بعض الأخطاء وتلافي النقائص والزلات، وفي المقابل هناك النقد الهدّام وهو الذي يكبِّر المشكلة ويهوِّلها ويعمِّق من التخريبات، وبتعبير آخر هو استخدام أسلوب من شأنه تثبيط الروح المعنوية لدى الناس، واللجوء إلى الاستقصاء والاستجواب لدرجة تسوق إلى اليأس وتثبط الهمم عن القيام بأي فعاليات، أو تعميم القضايا وتهميشها، وهذا النوع من النقد غير مطلوب وغير مستحسن.

 ولذلك فالنقد يختلف عن السلوكيات والأساليب التي تهدف إلى الاعتراض من أجل الاعتراض مثل الغوغائية والمغالطة والتشهير بالطرف الآخر أو ذمّه والقدح فيه.

   النقد في الثقافة الإسلامية

وإذا ألقينا نظرة على التاريخ الإسلامي فسنجد أن النقد قد حافظ على وجوده من بداية نزول الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن بصور وأشكال وقوالب مختلفة، فعلى سبيل المثال يمكننا النظر إلى ما وضعه العلماء المسلمون من قواعد لنقد متون وأسانيد الأحاديث للتفريق بين الأحاديث الصحيحة والموضوعة، فلقد استخدم العلماء المسلمون النقد كأداة لتصفية الأحاديث الشريفة مما نُسب إليها كذبًا وزورًا، ومن خلال الفحص والتدقيق في رواة الأحاديث ومتونها والشروح والتعليقات المتصلة بها أسهم هؤلاء العلماء في أن تظل الأقوال الزائفة الملفّقة خارج دائرة الدين.

وكما هو معلوم فالقرآن الكريم نُقل إلينا كله متواترًا، ومن هذه الجهة فكل آياته قطعية الثبوت، ولكن كما أن بعض الآيات قطعية الدلالة فهناك قسم من الآيات القرآنية الكريمة ظنية الدلالة، ولذلك فمن أجل التيقن من المعنى الصحيح وضع العلماءُ كلَّ الاحتمالات، وأعادوا النظر في كل التأويلات والتفسيرات المطروحة، وكان غرضهم من كل هذا التدقيق هو الوصول إلى الحكم الأصح، وبذلك خضعت حتى الآيات القرآنية الكريمة لفحصٍ وتدقيقٍ شديدين للوصول إلى المعنى الصحيح لمدلولات الألفاظ.

ورغم أن العلماء يعون جيدًا أن نقدَ رواة الحديث أو علماء الدين قد يكون سببًا في اقتراف بعض الذنوب مثل الغيبة وسوء الظن وتتبّع عورات الناس إلا أنهم ورغم خوفهم الشديد من الوقوع في مثل هذه الذنوب قد فعلوا ذلك من أجل المحافظة على الدين، فمثلًا الإمام “شعبة بن حجاج” -وهو من كبار علماء الحديث- كان قبل قيامه بنقد الأسانيد يقول “تعالوا حتى نغتاب في الله عز وجل”[1]، مبينًا بذلك مدى حساسية المسألة وأهميتها، فهؤلاء العلماء لم يحبذوا الصمت عند الحديث عن الدين أو عند إسناد حديث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن مثل هذا الصمت قد يؤدي إلى وقوع بعض التصدعات والانكسارات في الدين.

وفي ظل تبادل الأفكار ومناقشتها تطور علم المناظرة، فأثناء المناظرة تُناقش كل الأفكار المطروحة وتخضع للنقد بغية الوصول إلى الحقيقة في النهاية، ولقد كانت تُراعى قواعد المناظرة وآدابها من أجل الوصول إلى الهدف المنشود منها وظهور الحقيقة عيانًا بيانًا.

وكل هذه الجهود التي قدمها علماء السلف جديرة بالتقدير والاحترام، ونحمد الله آلاف المرات على أن هؤلاء هم أسلافنا، لأن كل ما بذلوه من جهود رائعة في خدمة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والعلوم الدينية كان هدفه الحفاظ على الإسلام، وتمهيد السبل التي توصلنا إلى الله ورسوله، فكانوا لنا هُداة مهديين لنسير على الطريق المستقيم دون أن نضل السبيل، ولا يمكن فهم أو إدراك قيمة هؤلاء دون الدخول إلى عالمهم والتدقيق الشديد في حياتهم.

   الإنصاف في النقد

لقد أعطى السلف أهمية كبيرة للإنصاف داخل منظومة النقد وعلم المناظرة؛ ولقد جعلوا الأساس في الانتقاد هو ظهور الحق أكثر من ظهورهم محقين في انتقاداتهم، بل إنهم كانوا يرون الشخص الذي يسعد بظهور الحق على يديه ويتباهى بذلك أنه يفتقد إلى الإنصاف، ومن جهة أخرى كانوا يرون أن من خرج منتصرًا في المناظرة لم يكسب شيئًا جديدًا، وأن المنهزم هو من استفاد لأنه تعلم شيئًا جديدًا.

والحادثة التالية المروية عن سيدنا عمر رضي الله عنه خيرُ مثالٍ على ما نقوله في هذا الصدد: خَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ النَّاسَ فَحَمِدَ اللهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: “أَلَا لَا تُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَبْلُغُنِي عَنْ أَحَدٍ سَاقَ أَكْثَرَ مِنْ شَيْءٍ سَاقَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ سِيقَ إِلَيْهِ إِلَّا جَعَلْتُ فَضْلَ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ”، ثُمَّ نَزَلَ، فَعَرَضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مِنْ قَرِيبٍ، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَكِتَابُ اللهِ تَعَالَى أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَوْ قَوْلُكَ؟ قَالَ: “بَلْ كِتَابُ اللهِ تَعَالَى، فَمَا ذَاكَ؟” قَالَتْ: نَهَيْتَ النَّاسَ آنِفًا أَنْ يُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/20)، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “كُلُّ أَحَدٍ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ” مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ لِلنَّاسِ: “إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ أَلَا فَلْيَفْعَلْ رَجُلٌ فِي مَالِهِ مَا بَدَا لَهُ”[2].

ولكن مع الأسف فإن البرامج الحوارية التي تُقدّم في التلفاز، والأطوار والأساليب التي يتخذها السياسيون تجاه بعضهم البعض، وثقافاتنا الحديثة التي تفشّت فيها الأنانية؛ قد أفسدت كثيرًا من أفكارنا وأساليبنا وأقوالنا، وحوَّلتنا إلى كائنات هجومية، وأبعدتنا عن إنسانيتنا وعن امتثالنا وحبنا للحق والعدالة، فالناس اليوم عندما يتحدثون مع بعضهم البعض أو يتناقشون أو ينتقدون لا يفعلون ذلك ابتغاء الوصول إلى الحق والحقيقة، ولكن هدفهم هو إخضاع الطرف الآخر لأقوالهم وأفكارهم، والجميع يريد أن يكون هو المحِقّ، وأن ينفذ كلامه، وأن ينال التقدير والاستحسان من الجميع، وعندما يكون الوضع كذلك فإن ضرر النقد يكون أكبر من نفعه.

   العوامل التي تؤدي إلى عمى البصيرة

ولا شك أن هناك عواملَ كثيرةً تؤدي إلى عدم موضوعية الشخص الناقد في بحثه عن الحق والحقيقة وتجعله ينتقد بصورة ينقصها الكثير من الإنصاف، بل إن الإنسان الذي يتعرض لتلك العوامل تجعله لا يرى الحقيقة بل ربما تجعله يراها شيئًا أخر ولذلك تجد هذا الشخص يرى الأبيض أسود، والأسود أبيض، أو تجعله يرى المعوجّ مستقيمًا، والمستقيم معوجًّا.

فمثلًا من العوامل التي تؤدي لعماء بصيرة الإنسان حب الشهرة، فتصرفات الإنسان إن كان يقيسها بمدى تحقيقه لشهرته فوجهة نظره ستصبح ضيقة لهذا الحد، لأن مثل هذا الشخص لن يلفت نظره سوى الأشياء والأفعال التي ستوصله إلى أفق الشهرة الذي يرجوه فقط، بل الأكثر من ذلك سيكون كل بحثه وهمه هو البحث عن الأدوات والوسائط التي توصله إلى الشهرة، ولذلك فهذا الشخص وإن تصرف بموضوعية في بعض المسائل إلا أنه لن يكون موضوعيًّا بالمعنى العام.

وكذلك الشخص الذي ينصبّ كل تفكيره على مستقبله ومصالحه الشخصية فقط فهذا سيكون على عينيه غشاوة دائمة، فمن الصعب على من تطلع للوصول للرئاسة والسلطة وتقلد المقامات المختلفة أن يفكر أو يحلل الأمور بصورة سليمة، لأن تفكير هذا الإنسان وملاحظاته تتشكل وفقًا للأهداف التي يريد تحصيلها، وإن كان صائبًا في بعض الأمور إلا أنه بوجه عام سيحيد بفكره عن طريق الصواب، وحتى وإن كان هذا الشخص صالحًا ولديه عقل راجح إلا أنه سينظر إلى الأمور ويربطها بمصلحته ومنفعته الذاتية.

وثمة عامل أخر من العوامل التي تؤدي إلى عماء بصيرة الإنسان هو اتباعه أيديولوجية ما دون تدبّر وتبصّر.. نعم، فمن ينساق بلا وعي وراء أيديولوجية ما من الصعب عليه أن يرى الحقيقة وأن يكون موضوعيًّا، فهؤلاء أيا كانت الأيديولوجية التي يتبعونها، فإن تقييمهم للقضايا سيكون وفقًا لما تراه أيديولوجيتهم من صواب؛ ولهذا السبب سيضللون كثيرًا من الناس؛ لأنهم يريدون إجبار المجتمع على ما يرونه صحيحًا، ولذلك فكثيرًا ما سيؤدي هذا إلى انكسارات وانشقاقات وتغيرات غير طبيعية داخل المجتمع.

وإن الانحياز، والأنانية الذاتية، والأنانية الجماعية؛ يمثلون أحد أهم العوامل لعماء بصيرة الإنسان، فمن يحاولون إرغام الآخرين على مشربهم المنتمين إليه ويسعون إلى فرض آرائهم على الآخرين لن يروا المسائل بشكل موضوعي، لأنهم سيقيمون المسائل التي يتناولونها وفقًا للمعاني التي تعبر عنها بالنسبة لهم، ولكن عباد الله الذين تخلصوا من كل العبوديات ولا يريدون انفكاكًا عن عبوديتهم لربهم سبحانه وتعالى هم فقط الذين يمكنهم رؤية كل شيء حقيقة أو قريبًا منها.

والقوة أيضًا من أهم الأسباب التي تؤدي إلى عماء البصيرة، والأصل أن هناك حكمة من وجود القوة، فالقوة المستندة في وجودها للعقل والمنطق والمحاكمة العقلية فنِعمّ هي، أما القوة المتجردة من العقل والمنطق والتي يرى فيها صاحبها أنها الحل لكل مشكلة لن تؤدي بصاحبها إلا إلى أسارة عقله؛ ولذلك كنت دائمًا أنظر إلى مثل هذا الشخص بنسبة ثلاثة أرباع أعمى، ولا يمكن الاكتفاء بما يُعرَض من حلول ويجب البحث عن حلول بديلة، وكما أن هذا الشخص ستكون قوّتُه بلاءً على نفسه فكذلك سيكون بلاء على الأمة التي يتواجد فيها.

كثيرًا ما أتألم حين أنظر إلى تاريخنا؛ وذلك لاستخدام القوة في حل مشكلات كان يجب حلها عن طريق العقل والمنطق والتفكير، حتى إنني انتقدت بعضًا ممن أحبهم كثيرًا، وقلت متأسّفًا: “ليتهم حلوا تلك المشكلة بالتفكير والتدبّر، وليس بالقوة!”.. لقد حزنت بشدة لأن من يمتلكون القوة لا يبحثون عن حلول بديلة ولا يقومون بحل القضايا بطريقة أكثر ليونة وإنسانية؛ ففي رأيي أنه من الصعب للغاية حلُّ المشكلات من جذورها بواسطة القوة بعيدًا عن العقل والمنطق؛ حيث تزداد احتمالية تجدّدها مرة أخرى بعد فترة ما، وقد شهد تاريخ البشرية أمثلة عديدة على هذا حتى الآن؛ حيث تمرد المضطَهَدون والمقهورون لاحقًا بطرق مختلفة انطلاقًا من مشاعرهم.

لا يمكن الحديث عن الإنصاف في النقد الذي يوجهه من يعانون هذا النوع من العمى؛ فعندما ينتقدون أحدًا يتحدثون دائمًا بقصد تشويهه، بل إنهم لا يعتقدون أنهم ربما يكونون مخطئين، وبحسب ما يقول العامة “يحاولون دائمًا تقديم أنفسهم كملعقة بيضاء خرجت حديثًا من اللبن”، لذلك لا يمكن الاستفادة من كلامهم.

أجل، على المرء أن يبتعد عن كل هذه المظاهر من العمى حتى يكون منصفًا في نقده ويخدم ظهور الحقيقة.. ومن يرغبون في تنوير المجتمع بأفكارهم وإرشاد من حولهم إلى القبلة الحقيقية دائمًا ينبغي لهم التزام جانب الحق وعدم التضحية به أبدًا، وإلا فإن المصابين بأنواع العمى المذكور أعلاه ربما يُضِلُّون بأفكارهم أو كلماتهم أو كتاباتهم الآخرين في أحيان كثيرة، لأنهم في معظم الأحيان قد يعتقدون أن مشاعرهم وعواطفهم أفكارًا.

وعليه فينبغي لمن يتحدثون ويعلقون وينتقدون ما يتصل بالقضايا الاجتماعية أن يراجعوا أنفسهم جيدًا إذا كانوا يريدون خدمة الحق والحقيقة، عليهم أولًا أن يعرفوا كيف يحترمون الحقيقة، ولا يليق بهم التكلم دون تفكير ولا تدبرٍ.. وحتى وإن اعتقدوا لسنوات طويلة أن الفكرة التي قبلوها صحيحة؛ فيجب عليهم أن يعرفوا كيف يغيرون رأيهم وقناعتهم بسهولة شديدة حين يجدون الحقيقة كامنةً في فكرة معاكسة لما اعتنقوه؛ فيقول الواحد منهم: “المسألة ليست كما أعرف، كنتُ مخطئًا في ذلك، وهذا يعني أنني كنت أسيرًا لأهوائي الشخصية حتى يومنا هذا؛ فظننتُ أن أهوائي وحماسي فكرًا”.

   الانتباه إلى المنهج والأسلوب في النقد

هناك عامل مهم آخر يجب مراعاته في النقد حتى يتقبله الآخرون ألا وهو الأسلوب المستخدم فيه؛ فطريقة الحديث مهمة للغاية بقدر أهمية صحة الكلام المطروح ومعقوليته، ولكيلا يُزعج النقدُ الطرفَ الموجه إليه يجب أن يكون الأسلوب صحيحًا ونمط العرض إنسانيًّا أيضًا، فإذا حدث هذا وُضعت في الحسبان اقتراحاتكم وأفكاركم التي تهدف إلى حل المشكلة أو تصحيح الخطإ، بل وتسنى لها أن تكون وسيلة لحدوث حالة من الانفراج.

وعليه فمن الأهمية بمكان مراعاةُ الحالة العامة للمخاطب قبل توجيه النقد إليه واستخدامُ الأسلوب الذي يناسبه، فإن كان المخاطب لن يستطيع استيعاب ما نقوله، فلا فائدة من التحدث إذًا؛ لأن الكلمات التي تقال لمثل هذا الشخص سوف تستفزه، وستُحرك فيه مشاعر عدم احترام الحق.

فأحيانًا ما يكون الأسلوب الذي نستخدمه حائلًا بيننا وبين المخاطب أكثر من الموضوع ذاته الذي ننتقده فيه، مما يؤدي إلى أن يرفض ولا يستسيغ النقد أبدًا، فإذا وجّهنا إليه النقد على شكل مطرقة ثقيلة وكأننا نضربها بها على رأسه أصابته الكلمات التي نقولها بصدمة روحية، وحتى إن اعتقد مثلُ هذا الشخص أن كلامنا صحيحٌ فقد لا يرغب في قبوله لأنه منزعج من الطريقة التي نتحدث بها.. بل إنه قد يختلق أنواعًا مختلفة من الفلسفات ليُثبت أنه على صوابٍ أو ليُلبس الباطل بلباس الحق، وبالتالي نكون قد جعلناه نائبًا ومتحدثًا بلسان الملاحظات والآراء الشيطانية.

وإلى جانب أهمية مسألة النقد وأسلوبه فهناك أهمية أخرى خاصة بشخص الناقد؛ لدرجة أن الشخص الذي يعترض بشدة على ما نقوله له ربما يتقبّله ذاته ويفرح به عندما يسمعه من شخص آخر، وهذا يرتبط إلى حد ما بالعلاقة بين الناقد والمنتقَد؛ فالمرء قد يرى نقد من يحبهم نوعًا من التقدير والثناء.. وعليه يجب ألا نصرّ على أن نذكر بأنفسنا بعض السلوكيات التي نراها خاطئة، وألا نعاند في هذا الأمر، بل يجب أن نُحيل الأمر إلى مَن نراه أكثر فعالية وتأثيرًا منا، فإن كان المهم هو أن تتقبل بعضُ الصدور الحقيقةَ، وتنتصر للحقّ، فما أهمية من يعبر عنه؟! 

هناك نقطة أخرى يجب مراعاتها من حيث المنهج وهي: إذا كان المخاطب سينزعج إذا صارحناه مباشرة بأخطائه، فيمكننا أن نبحث عن بيئة يتسنى له أن يتعلم منها الدرس، ونتحدث إلى الجمهور؛ فلقد حدث عدة مرات أن استخدم رسول الله الطريقة نفسها للحديث عن أخطاء رآها؛ فقد جمع صلى الله عليه وسلم أصحابه بالمسجد بسبب خطإ رآه من أحد الناس، فتحدث على العموم لا على الخصوص، وبالتالي تمكن الشخص الذي أخطأ من إدراك خطئه وتصحيحه دون أن تتأذى نفسه ولا يُساء إليه.

وفي عالم اليوم المشحون بالأنانية صار من الأهمية بمكان الانتباه إلى مثل هذه التفاصيل الدقيقة في باب النقد؛ فترى الأنانيّين -مثل الجبال الجليدية التي في القطبين- عاجزين تمامًا عن تحمل النقد والانتقاد، وإذا أردنا في مثل هذه المرحلة ألا يُزدرى الحق والحقيقة، فعلينا إيجاد الإجراء والأسلوب الذي نعتقد أنه صحيح وفعّال في هذا الصدد.

   الانتباه للانتقادات ومقابلتها باحترام

وعلى الجانب الآخر، فعلى من تعرض للنقد أن يكون منصفًا، بل وأن يعرف كيف يشكر من بيّن له أخطاءه، وعلى حد قول بديع الزمان: “إن نبهني أحدٌ على وجود عقرب في أي جزء من جسمي، عليّ أن أرضى عنه، لا أمتعض منه”.

وبتعبير آخر: إذا انبعث الدخان من مكان في منزلنا، وعندها قال أحدهم: “تُرى هل هناك حريق في هذا المنزل؟”؛ فيجب التحرك وفحص جميع الغرف، والتصرف وفقًا لهذا الوضع، وإلا فإن محاولة إسكات ذلك الشخص بقولنا: “كم أنك رجل شؤم! لماذا تقول ذلك!”؛ لن تُفيد أحدًا على الإطلاق.. فلسنا ندري؛ ربما يكون الشخص المتحدث يدُلُّ وينبّه إلى كارثة بالفعل، ولكن الطريق إلى فهم ذلك يتمثّل في مراجعة المسألة التي انتقدها مرة أخرى.

في السنوات الماضية جاءني ضيفٌ مثقفٌ وعلى دراية ووعي، وعندما همّ بالمغادرة مال عليَّ قليلًا ودون أن يُسمع الجلوس قال: “ليت الإخوة يقرؤون الكتب قليلًا”، وانتقد بطريقة ضمنية قلة قراءة الكتب، فكان ما يجب القيام به إزاء هذا النقد هو التأكد إن كان ثمّة نقصٌ في هذا الجانب حقًّا أم لا، ومحاولة تلافيه إن وُجد بالفعل؛ أي بذل الجهد اللازم من أجل تطوير أشكال جديدة من القراءة مثل تكليف الناس بقراءة كتب مفيدة، وتمكينهم من معرفة دينهم والعالم الذي يعيشون فيه معرفة أفضل، وتوفير المناخ لتكون قراءةُ الكتب عمليةً أكثر انتظامًا مع المواظبة عليها، وتطوير أساليب القراءة كاللجوء إلى المذاكرة والمدارسة دفعًا للإلف والتعود، واستيعابها وفهمها بشكل أكبر.

ربما لا تكون الانتقادات الموجهة دقيقةً وصائبةً أحيانًا، وقد تحتوي على أحكام مسبقة وضغائن، لكننا إن اعترضنا على الانتقادات، وطرحناها كلها جانبًا فقد أضَعْنا السمين مع الغث، فإن استطعنا بدلًا من ذلك أن ننظر باحترام وبقدر معين إلى النقود النحاس والحديد بل والمزيفة إلى جانب النقود الذهبية والفضية فقد مهدنا الطريق للاستفادة منها هي الأخرى.

من جانب آخر إذا كنا نريد أن تُحترم أفكارنا وآراؤنا وتنال التقدير فعلينا أن نقدر أفكار الآخرين وآراءهم حق قدرها، وإن كنا نريد مقابلة المعقول بطريقة معقولة فعلينا أولًا أن ننظر إلى أفكار الآخرين غير المعقولة وكأنها معقولة، وبمعنى أصح: يجب علينا أن نبحث عن جانب معقول في هذه الأفكار؛ ففي مثل هذه القضايا ينبغي التخلي عن الإساءة والفظاظة، ولا بد من مراعاة اللين والدفء في تصرفاتنا وسلوكياتنا، وفتح صدورنا حتى للأفكار التي تبدو مخالفة لنا.

والحقيقة أنه لا مكان في الإسلام للأفكار القاسية غير المهذبة ولا المنقحة، لقد تناول الإسلام بعض الأفكار وعالجها وشكلها وجعلها على نحو يسهل دخولها منه إلى كل قلب، هذه هي الطريقة التي يجب أن نستخدمها في النقد، فإذا استطعنا أن نكون رَحْبِيِّي الصدور، ونتبنى مبدأ احترام الحق، ونتحمل الأفكار المختلفة فسنحول دون أن تكون بعض الانتقادات سببًا للصراع والشجار.

ذات مرة اقترحت على الأصدقاء أن يتخذ كل واحد منهم أخًا ينصحه وينبهه إلى أخطائه، وليقل له: “يمكنك بكل سهولة أن تخبرني بكل الأخطاء التي تراها تقع مني فيما يتعلق بديني وحياتي الدينية، وما أقوم به في عملي وعلاقاتي الإنسانية”؛ لأننا عندما ننظر إلى حياة ساداتنا الصحابة، نرى أن بعضهم كان يُصارح بسهولة شديدة البعضَ الأخر بأخطائه، وإن لم تكن لدينا معلومات قاطعة بوجود مثل هذا الاتفاق بينهم، فهم بالنسبة لنا نجوم ومصادر نور تضيء طريقنا في ليالينا المظلمة.

***

[1] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، 7/152.

[2]  البيهقي: السنن الكبرى، 7/380.

الجَرَّة المشروخة: سبيل النجاة من الضلال والخسران

Herkul | | العربية

   سؤال: يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة الكهف ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (سورة الْكَهْفِ: 18/103-104)، ورغم ما يبدو لنا من أننا محاطون بدائرة صالحة؛ فما الأمور التي ينبغي علينا الانتباه إليها في حياتنا الدينية وخدمتنا الإيمانية، حتى لا نكون من “الأخسرين أعمالًا”؟

   الجواب: بادئ ذي بدء دعونا نتوقف قليلًا مع الآية القرآنية الكريمة التي ذكرتموها، فالآية تبدأ بلفظ “قل” وفي هذا إشارة إلى أن المقصود بالآية هو من عاند وأصر على الضلال فبقي بعيدًا عن الموضع الذي ينبغي أن يكون فيه.

ثم تقول الآية الكريمة “هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا”.. فكلمةُ “أَعْمَالًا” هنا جاءت بصيغة الجمع لتشمل جميع أشكال الطاعات من عبادات ومعاملات وأخلاق وكل الأعمال من حركات وسكنات وأطوار مختلفة، وهذا يذكرنا بما جاء في الحديث الشريف عن الرسول صلى الله عليه وسلم “اَلْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً” (رواه الشيخان)، ويمكننا أن نقول إن كلمة “أعمالًا” في الآية الكريمة تستوعب كل شعب الإيمان.

أما قوله تعالى “بِالأَخْسَرِينَ” فكما هو معروف من قواعد اللغة العربية جاءت الكلمة هنا بصيغة “اسم التفضيل” ولذلك فهي تعني “أكثر المتضررين، والذين يعيشون حالة تامة من الضياع، أو هؤلاء الذين كل أعمالهم تسوقهم إلى الخسران حتى كأنهم اتخذوا عرشًا لهم في قلب وادي الخسران”.

تقول الآية الكريمة بعد ذلك “الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا” فهؤلاء ضاعت كل أعمالهم واجتهاداتهم، واستحالت هباءً منثورًا، هذا ما تفيدُه الآية لتضيف بعد ذلك “وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا”.

والمعاني الواردة في الآيتين الكريمتين تفيد معاني مختلفة ومتفاوتة، كلٌّ حسب درجته وموضعه؛ فبالنسبة لأهل الشرك والكفر فإنّ هاتين الآيتين تتناولهما على النحو التالي: إنهم يعتقدون أنهم يعملون من أجل تحقيق الرفاهية الدنيوية ويقومون بمختلف الفاعليات والأنشطة، وكذلك وفقًا لتصوّرهم فإنهم يعملون على مساعدة الناس وتسهيل حياتهم وإعطائهم الإمكانات اللازمة لذلك، ولكنهم أثناء فعلهم ذلك يهملون أمورًا في غاية الأهمية ويغفلون عن الأساسيات الضرورية من إيمان بالله عز وجل، وتنفيذ ما أمر به الدين الإسلامي من أوامر، ونشر وترسيخ الأخلاق العالية بين الناس، واحتضان كل الناس بل كل الموجودات بالشفقة والرحمة.

فهم يغفلون عن كل هذه الأمور المهمّة وينكبّون على الأمور الدنيوية المادية ويكتفون بها، ليس هذا فحسب بل إنهم يعتقدون اعتقادًا جازمًا أنهم يقومون بأمور عظيمة ومهمّة، بينما هم في الحقيقة في ضلال وخسران كبير لعدم امتثالهم لأوامر الله ونواهيه، وعدم تمثيلهم لما وضعه الإسلام من جماليات، وهم لا يخدعون إلا أنفسهم باعتقادهم بأن ما يقومون به من أعمال هي من قبيل الأمور الجليلة، وذلك لأن كل ما يقومون به لن يجلب لهم أية فائدة أخروية.

ومن ناحية أخرى فإن هذه الآية القرآنية الجليلة تتوجه بالخطاب لأولئك المؤمنين المذنبين الذين لا يستطيعون التجرد أبدًا من الذنوب والآثام ويقضون حياتهم في تخبّط دائم، فمثل هؤلاء يكتفون بعبوديتهم لله سبحانه وتعالى بصلاة الجمعة من كل أسبوع، اعتقادًا منهم أن هذا وحده كاف لنجاتهم، بالطبع لا يمكن التقليل من شأن أي عمل يتم في سبيل الله، فمثلًا إن كان هناك إنسان على قارعة الطريق وجاء أحدهم بعربته فأقلّه إلى حيث يريد، فقد يكون هذا العمل ذو قيمة كبيرة عند الحقّ جل وعلا، فما بالنا بأداء شعيرة من شعائر الإسلام كصلاة الجمعة! لا يحق لأحد أن يستصغر قيمتها على الإطلاق، لكن إن كان الشخص يربط تقييمه للنجاة الأخروية بمعاييره غير المنضبطة، ويغض الطرف عامدًا عمّا وضعه الله سبحانه وتعالى من معايير فهو مغبون ويخدع نفسه، ولذلك فكما أن الكافر يقيم عرشًا لنفسه في قلب وادي الخسران، فمن المحتمل أن مثل هذا الشخص يقيم لنفسه عرشًا في وادي الضلالة.

وإذا عدنا للسؤال، فبالطبع هذه الآية تتوجه أيضًا بخطابها لمن نذرو قلوبهم للخدمة وغايتهم العليا هي إعلاء كلمة الله جل وعلا، فلو أنهم لم يتمسكوا بأصول الدين ولم يتخذوا القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة مرشدين لهم في الطريق، ونسو هدفهم ومقصدهم الأصلي، فبدون أن يشعروا سينحرفون عن الطريق ويمكن أن يعيشوا مثل هذا الخسران، فمثلًا يقوم هؤلاء بفتح بيوت ومراكز ثقافية، ومراكز للحوار، أو مدارس تعليمية أو أنهم هاجروا من ديارهم وأوطانهم وتوطنوا في بلاد جديدة من أجل تحقيق معنى الجهاد في صورته الأصلية المتمثلة في إعلاء كلمة الله، والغاية من هذا النوع من الخدمات هو ترسيخ اللبنة الأولى في سبيل شرح الحق والحقيقة للناس، وتذليل الصعاب أمام القلوب للوصول إلى الله سبحانه وتعالى، وتأمين محبة الله عند الخلق، وكنتيجة تأمين رضا الله عليهم وحبه لهم؛ فما يتم تحت اسم الخدمة من فاعليات وما يتم إنشاؤه من مؤسّسات تعد وسائل مهمّة لتحقيق هذا المعنى من الجهاد، وهكذا فالمسألة الأصلية هنا هي استخدام هذه الوسائل والوسائط الاستخدام الأمثل لتحقيق هذا المقصد.

وفي حالة تجاهلنا هذه الحقيقة ونسيانها، وشروعنا في الحديث عن أنفسنا عبر الأنشطة والمشاريع المقامة باسم الخدمة، والرغبة في نيل التقدير والثناء، والتطلع لأن يُشار إلينا بالبنان، وأن نرهن نجاحاتنا بالتقدير والتبجيل فعندها نخسر نحن أيضًا -حفظنا الله- الدنيا والعقبى، ونُهدر جميع الخدمات التي فعلناها دون أن نشعر ألبتة.

أما السبيل إلى الثبات على الاستقامة في هذا الأمر فهو: قد يستعملكم الله تعالى في أمور مهمة للغاية، وربما تحققون نجاحات أبلغ من أسلافكم، لكنه حتى إزاء نجاح كهذا يجب القول: “ربما لو كان هناك آخرون مكاننا لبلغوا بهذه الأعمال إلى ما هو أبعد، فماذا عسانا أن نفعل وهذه هي قدرتنا وطاقتنا! نسأل الله أن يعفو  عنا؛ لقيامنا بالعمل مكان أناس أكفأ وأفضل منا، وعجزَنا عن رسم البسمة على وجه الإنسانية كلها”.

ولكن إذا ما أُهمِلَت هذه الملاحظات، وطُلب في هذه الدنيا الحصول على التصفيق والتقدير مكافأة على ما أُنجز، وتم الاستسلام للكبر والغرور إزاء ما تحقق من نجاحات عندئذ تتحقق الخسارة بينما يُرجى الفوز والفلاح، ولا سيما أن الانخراط في تصرفات وحركات من قبيل استغلال المناصب والمواقع لصالح المصالح الشخصية، وإقامة دواليب المصلحة من خلالها، واستخدام رصيد المحبة والمكانة عند الله في سبيل تحقيق الثراء، والانكباب وراء الرغبة في العيش مثل الملوك باستغلال الإمكانيات المتاحة، واللهث لامتلاك السيارات الفارهة والقصور الفاخرة، وهو ما يمكن اعتباره ضلالًا وخسرانًا تامًّا، وهذه صفاتُ غير المؤمنين -حفظنا الله- ففي هذه الحالة قد يدخل المرء تحت إطار “الأخسرين أعمالًا”.

بالطريقة نفسها، ينطلق بعضهم بأفكار ونوايا جيدة مثل حماية الوحدة الروحية، وتوفير النظام والانتظام، ومضاعفة الخدمات، ويعتقدون أنهم يقومون بأعمال جيدة لتحقيق هذه الأفكار.. غير أنهم يتخبطون يمنة ويسرةً خبطَ عشواء ولا يتركون قلبًا إلا وقد آلموه وكسروه بسلوكهم الفظ الغليظ، ولا يمنحون أحدًا الفرصة للحديث عن خطئهم؛ لأنهم لا يستطيعون تحمل ذلك، وحتى وإن حسِبوا أنهم بطريقتهم هذه يفعلون خيرًا للأمة، فقد أسسوا بنيانهم على الخسران لأنهم اتصفوا بصفات الكافرين.

يا له من خسران أن تضيع هباءً كلُّ أعمال شخص يعتقد أنه يقوم بأعمال طيبة في هذا العالم، وأنه يصب ثواب هذه الأعمال الصالحة في حوض فيرسله إلى الآخرة ليحصل على ثوابه يوم القيامة، ثمّ يرحل إلى الآخرة مفلسًا من الحسنات؛ لأنه أدخل الرياء والسمعة في أعماله، وأسّس بكل هؤلاء عالمًا من المصالح في الدنيا!

والطريق إلى تجنب كل هذه الأخطار والبعد عنها هو الإخلاص في جميع الأعمال، وإذا كان الناس يثقون بكم، ويدعمونكم بإمكانياتهم، وتقومون ببعض الأنشطة منفتحين على جميع أنحاء العالم فيجب عليكم القيام بكل هذه الأعمال لوجه الله تعالى فقط، وينبغي ألا تخلطوها بأية حسابات دنيوية..

بالطبع سوف تنشئون المدارس والجامعات ومراكز التعليم والمراكز الثقافية ومراكز الحوار، ولكنكم ستستخدمونها في سبيل غايتكم المثالية فحسب، ولا شيء غير ذلك، ومن خلالها تشاركون الآخرين مشاعركم وأفكاركم، وعبر الاستفادة من هذه الوسائل واستثمارها تُفيضون إلهامات قلوبكم في صدور الآخرين، وتضمنون أن يطلع الآخرون ويتعرفوا على قيمكم الخاصة، وستأخذون في الوقت نفسه ما يمكنكم الحصول عليه من محاسن لدى الآخرين وتستفيدون منها من أجل تطوركم، هذه هي واجباتكم، لكنه وبما أن روح الأفعال هي الإخلاص والصدق، فلن تتطلعوا إلى أية منفعة مادية ولا معنوية في أثناء القيام بذلك، سوف تتصرفون باستغناء كامل وشعور تامٍّ بالتضحية والتفاني.

وزبدة القول إنه يجب على من يُكرسون أنفسهم لخدمة الإنسانية -مهما كان المجال الذي يخدمون فيه- أن يتبعوا طريق الأنبياء العظام، وألا يتشوفوا ولو حتى لقدر ضئيل من المكافأة على خدماتهم، حتى وإن افتُرض أنهم اقتلعوا الجبال من جذورها، وغيروا مدار الكرة الأرضية، ومنحوا النظام الشمسي شكلًا مختلفًا، فإن هذه الخدمات ستضيع جميعًا ولن تحقق من ورائها أية فائدة إذا كانوا يتشوفون إلى مكافآت مادية وروحية مقابلها، هذا هو أساس طريقنا، فإذا كان هناك من يميلون إلى الخروج عن هذا الإطار فعليهم مراجعة أنفسهم مرة أخرى، وإلا فقد يخسرون حيث يظنون أنهم يربحون.

 

الجَرَّة المشروخة: مساعدة المحتاجين بعيدًا عن الأنانيةُ الجماعية

Herkul | | العربية

   سؤال: من أهم ما يميز حركة الخدمة “مدّ يد العون إلى الآخرين”، فما أهم الفعاليات التي يتوجب القيام بها لتحقيق هذه الميزة وتفعيلها؟

   الجواب: الإسراع لمساعدة المحتاجين هي أبلغ دعوة لاستجلاب عناية الله عز وجل، ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ[1].

وفي حديث آخر يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ[2].

   صنوف العون

ولقد استطاعت جمعية “هل من مغيث (Kimse Yok mu?)”[3] أن تسدّ حتى اليوم ثغرة مهمة في هذا الميدان، ولكن علينا ألا نكتفي بالفعاليات التي تقوم بها.. والواقع أنه يجب على الجميع أن يؤسس مثل هذه الجمعية الخيرية في عالمه الذاتي، وأن يهرول لمساعدة الآخرين، وإذا أخذنا بعين الاعتبار كلَّ صنوف العون وأشكاله وأنواعه سنلحظ أن فعالياته تجري في إطارٍ ضيّق؛ لأن تقديم المساعدات المادية للمحتاجين ما هو إلا نوع فقط من أنواع الإعانة، فلو أننا فكرنا في الأمر من نواحيه المادية والمعنوية والدنيوية والأخروية فسنجد أنه يتعدّى إلى نطاق أوسع كثيرًا.

ولهذا يجب ألا نقنع بمدّ يد العون إلى الذين يعانون من الأزمات المادية فقط، بل يجب إلى جانب ذلك أن نسعى إلى إعانة الذين يعيشون في خضمّ الأزمات المعنوية، ويتلوَّوْن من الضغط والضيق، ويئنّون من الأزمات النفسية، وأن نبثّ الأمل والاطمئنان والسكينة في نفوسهم، وأن ندلّهم على طريق الحياة المطمئِنّة الآمنة.

فإذا ما نظرنا إلى المسألة من هذا المنظور الواسع لألفينا كل الناس في المجتمع مكلفين بمد يد العون إلى غيرهم؛ كلًّا حسب وضعه وموقعه، فكما أن الذي آتاه الله مالًا يستطيع تقديم العون إلى المحتاجين من خلال مساعدته المادية، فكذلك الطبيب يمكنه إعانة الناس من خلال العمل على تخفيف آلامهم، وكذلك الشرعيّون يستطيعون إعانة غيرهم من خلال إسداء النصيحة لهم، وعلى الشاكلة نفسها الأخِصائيون النفسيون يمكنهم أن يكونوا مرشدين لمن يعيشون في أزمات نفسية.

أما أهمّ هؤلاء فهم الذين يعملون على التقاء القلوب بربها وفوزها بآخرتها؛ وذلك من خلال إزالة العقبات التي تحول بين العباد ورب العباد سبحانه وتعالى. أجل، يجب على الذين عشقوا الحق تبارك وتعالى ونذروا أنفسهم لإعلاء كلمته أن يمدوا يد العون إلى الذين يجهلون الطريق، وانقطعت بهم السبل، فتاهوا في منعطفات الأودية بدلًا من السير على الجادة.. وكما أن الأزمات الدنيوية تعتبر من أكثر العقبات التي تمنع القلوب من الالتقاء بالله، وتحول دون تفكيرها في الآخرة فإن الجهود والمساعي المبذولة من أجل التخلص من هذه الأزمات تدخل -بمعنى ما- ضمن الأمور التي تساعد على التقاء القلوب بالله سبحانه وتعالى، وإن قضاء حوائج الناس المادية والمعنوية هو جسر مهم ينقذ الناس من الاشتغال بالأمور البسيطة التافهة، ويقربهم من الله سبحانه وتعالى، وإن أيّ دعم لمن يعانون الفقر والضيق سيكون عاملًا مهمًّا في تيسير استجابتهم للدعوة في سبيل الله.

والواقعُ أن تقديم الدعم المادي والمعنوي هو مسلك الأنبياء العظام عليهم الصلاة والسلام، فلو ألقينا نظرة على حياته السنية صلوات ربي وسلامه عليه لوجدنا أمثلة كثيرة على ذلك؛ فقد ظل صلى الله عليه وسلم طوال حياته يسعى إلى مساعدة الناس ورعاية المحتاجين على الدوام بصفته موظّفًا عزيزًا كريمًا من قِبل الله تعالى، حتى إنه لم يكن يردّ سائلًا ألبتة، إن كان معه أعطاه، وإلا وعده بالإعطاء، وفي الوقت ذاته لم يقصِّر في أداء كلِّ ما يلزم لإزالة العراقيل بين القلوب وربها، وإعانة القلوب على الوصول إلى الله والالتقاء به سبحانه وتعالى، حتى إنه في خطبة الوداع وقف صلوات ربي وسلامه عليه أمام الحشود الهائلة فأشهَدَهم وسألهم قائلًا: “هَلْ بَلَّغْتُ؟” ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فردّ الجميع في نفس واحد وكأنهم جوقة موسيقية: “نَعَمْ”، فقال عليه الصلاة والسلام: “اللَّهُمَّ اشْهَدْ“.

ولعلنا نفهم هذا السؤال النبوي الذي ينطلق من الشعور الكبير بالمسؤولية عند تفسيره على النحو التالي:

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه يقول لهم: “هل أديتُ مهمّة الرسالة بحق؟ هل أنا أبلغتُ دعوة الله بحق؟ هل ساندتكم بحق؟ هل دللتُكم على الحق بكل وضوح؟”، وهكذا فإن كلَّ إنسانٍ حسب موقعه ومستواه مكلّف بحمل مثل هذا الشعور بالمسؤولية، وبمحاسبة نفسه، وهل يا تُرى أدَّى حق الموقع الذي هو فيه أم لا؟ فمثلًا عليه إن كان واعظًا أن يسأل الناس بعد مرور عشر سنين أو عشرين سنة عن أفكارهم ومشاعرهم، قائلًا لهم: هل أديتُ وظيفتي نحوكم؟ أتشهدون على ذلك؟ لأن مثل هذا التصرف له أهمية بالغة من أجل الخلاص من براثن المسؤولية؛ فيجب على الإنسان ألا يدع مثل هذه الشهادة إلى ما بعد وفاته، بل ينبغي له وهو ما زال حيًّا يرزق أن يحاسب نفسه، ويعاني من التفكير وسؤال النفس هل أدى وظيفته بحق أم لا، وأن يكشف عن هذه المشاعر للرأي العام، وأن يُشهدهم على ما فعل، وينطلق بشهادتهم إلى الحق سبحانه وتعالى.

أجل، إن مدّ يدِ العون إلى الناس حسبَ حاجتهم وعدم ردّ الأيدي التي تمتد طلبًا للمساعدة؛ هو مطلبٌ إنساني وخُلقٌ إيماني، وكما يمكن أداؤه بالجهود الفردية يمكن كذلك القيام به عن طريق بعض الجمعيات كجمعية: “هل من مغيث؟”، فمن خلالها وأمثالها يمكننا مساعدة الفقراء والمحتاجين، والركض لإغاثة الملهوفين، والأخذ بيدِ مَن تقطّعت بهم السبل؛ فإن فعلنا ذلك تفضل الله تعالى علينا -وهو سند من لا سند له- بعونه وإعانته في أكثر أوقاتنا احتياجًا، ولقد ظلّ متطوّعو الخدمةِ يقومون حتى الآن بمثل هذه الفعاليات، وسيستمرون على ذلك بعون الله وإذنه فيما بعد.

   تجنّب الأنانية الجماعية

أُريد أن أتوقّف ههنا مع موضوع مهمٍّ من وجهة نظري، إن مثل هذه الأعمال الخيرية وتقديم المساعدات يجب ألا يُبتغى من ورائها سوى إعانة المحتاجين وبالتالي الفوز برضا الله سبحانه وتعالى، ويجب التجرد من أي أفكار أخرى تخرج عن هذا الإطار، وعدم استخدام تلك الأعمال الخيرية كوسيلة لنيل الشهرة أو الوصول لمنفعة دنيوية ألبتة.

فهل يا ترى استطعنا أن نصل إلى تلك الدرجة من الإخلاص ونحن ننجز تلك الأعمال؟ أم أننا ضحينا بتلك الأعمال الميمونة من أجل نيل الشهرة أو الشرف؟ إنني لا أريد أن أسيء الظن بأحد، ولكن ينبغي لنا ألا نغض الطرف عن ذلك التقصير الذي نرتكبه أحيانًا، فمع الأسف قد تُنسب بعض الأعمال الجميلة الخادمة للإنسانية إلى الأنانية الجماعية، فحينها تتسبب هذه الأنانية الجماعية في إظهار الحقد والكره لدى الذين لا يحبون الدين، وفي نفس الوقت تثير مشاعر الغبطة والحسد لدى بعض المسلمين المبتدئين الذين لم يصلوا بعد إلى درجة الإيمان الحقيقي.

ونتساءل هل يا ترى يمكن القيام بهذه الخدمات دون نسبتها إلى فلان أو علّان؟ لو اعتقدنا أنه يمكن تنفيذها بدون نسبتها لأحد ولم نفعل، إذًا فقد ارتكبنا خطأً منهجيًّا، وهذا الخطأُ قد أوقعَ الذين يُضمرون العداوة لنا في فخ ممارسة العدوان علينا، وأوقع أهلَ الإيمان بفخّ الحسد، وعلى ذلك يظهر في مواجهتنا أناسٌ لا يستسيغون وجودَنا، تراكمت في نفوسهم مشاعرُ الحقد والكره؛ حتى صار كلُّ ما يشغلهم في قيامهم وقعودهم هو القضاء على تلك الخدمات المنتشرة في ربوع الأرض شرقًا وغربًا.

يا ليتنا كنا مسمّى بلا اسم، ويا ليتنا قمنا بأضعاف تلك الأعمال ولكن بلا عنوان وبلا اسم، إننا لو نظرنا إلى عصور الإسلام الأولى لوجدنا كثيرًا من الأمور تم إنجازها وأداؤها وكانت عبارة عن مسمى بلا اسم، فرغم أن المسلمين في ذلك العصر وصلوا إلى قمة الزهد والتقوى والورع والإخلاص إلا أننا لم نرَ لا منظّمات ولا مؤسّسات ولا طرق ولا حركات، وإلى القرن الثالث الهجري لم يكن هناك لا طريقة نقشبندية ولا طريقة قادرية ولا رفاعية، ففي تلك القرون الثلاثة الأولى كان المسلمون لا يحيدون عن أوامر الله قيد أنملة، وكانوا يحيون حياة القلب والروح بكل أعماقها ودقائقها؛ دون أن يعرفوا معنى الصوفي أو يدرسوا التصوف أو أن يكون لديهم علم بالطرق أو يدخلوا التكايا والزوايا .

وهذا لا يعني أنني أتهم هؤلاء الذوات الذين أنشؤوا تلك الطرق وأقول بأنهم مبتدِعة.. بالعكس، فكل واحد من هؤلاء اتخذ طريقًا ومسلكًا منشؤه خصوصيات الرسول صلى الله عليه وسلم أو خصوصيات الخلفاء الراشدين، ولقد أخذ هؤلاء الظروف التي عايشوها بعين الاعتبار فمنهم من جعل الخلوتية مشربه، ومنهم من جعل الجلوتية مرتكزه.. ومنهم من أصبح ذكره جهريًّا ومنهم من أصبح ذكره خفيًّا.

ولقد ظل هذا المسمى الذي كان موجودًا دون اسم حتى العصر الثالث الهجري، ثم وضعت الأسماء رويدًا رويدًا فظهرت بعض الأنانيات الجماعية دون شعور، وبدأ ينتشر في المجتمع ما يسمى بالانتماء لفلان وفلان.. ورغم أن المؤسسين الأوائل بريئون من ذلك -فهم كالتاج فوق رؤوسنا- إلا أن الخلف تسربت إلى نفوسهم نسبةُ ما يقومون به إلى الأنانية الجماعية، ونشأ عن ذلك أيضًا ظهور الانقسام داخل المجتمع، حيث بدأ الجميع يتحدث بصيغة “نحن” و”أعمالنا”، وأصبح تقييم الناس على أساس هل هذا الشخص ينتسب إلى حزبنا أو منهجنا أو طريقتنا أم لا؟ ولا ريب أن هذا الانحياز قد صاحبه شيء من الظلم والجور.

فبما أنكم لم تصلوا إلى المستوى الذي وصل إليه عبد القادر الجيلاني، ومولانا خالد البغدادي، وشاه نقشبند… في الزهد والورع، فإنه لَـخَطر العظيم أن تعتمدوا في أفعالكم على انتسابكم لهذا أو ذاك، بل إن الفرد لو لم يأخذ حذره وينتبه فإن الأمر يكون بمثابة السم الزعاف، وهؤلاء الذوات الكبار حتى وإن لم يرتكبوا مثل تلك الأخطاء فإن اتخاذ النسبة والانتماء إليهم أساسًا للقيام ببعض الأعمال يوقع عوام الناس من أمثالنا في ورطات خطيرة، وطريق السلامة من تلك المهالك هو معاملة جميع المنتسبين للطرق المختلفة وللمشارب المتباينة بمعيار واحد، واحتضان الجميع وإظهار المحبة لهم، وتقدير كل عمل جيد يقومون به.

ولكنني أرى في نفس الوقت أن أسلم طريق وآمنه هو أن نكون مسمى بلا اسم، ليتنا اتخذنا هذا المعيار فيما قدمنا من خدمات! ربما حينها ما كان الناس ليتوقفوا عند نسبتها إلى هذا أو ذاك وكانوا سيُقبلون على الأعمال الخدمية هذه ولا يبتعدون عنها، وفي الأساس فإن هذا المنهج هو الذي يتناسب مع حقيقة الأمر؛ لأن كل الخدمات الجيدة التي قدمت لا يمكن نسبتها إلى فلان ولا إلى علان؛ فالمخطِّطُ لها وفاعلُها وخالقُها على الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى، وقد استخدم الله سبحانه وتعالى بعض الناس على وجه خاص لإنجاز هذه الخطة القدرية ولذلك لا يحق لأحد أن ينسب تلك الخدمات الجميلة لنفسه.

ويا تُرى هل اشتغلنا بموضوع الاسم كثيرًا؟ ولم نتجاوزه ونضعه خلف ظهورنا؟! إن الخالق جل جلاله يقول في سورة الكهف: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (سورة الْكَهْفِ: 18/20)، ألم ننتبه إلى النقطة التي تشير إليها هذه الآية! هل اشتغلنا بالاسم كثيرًا حتى أَثَرْنا حِقد الأعداء وحسَدَ الأصدقاء؟ إن مثل هذه الموضوعات يجب علينا أن نطيل الوقوف عندها والمناقشة والبحث.

والخلاصة، فكل خدمة تبتغي وجه الله سبحانه وتعالى وإقامة صرح الروح المبتغى، يجب أن تبتعد كلَّ البعد عمّا يمنع إتمامها، أما إذا اعتمدنا في هذه الأمور على الأنانية الجماعية وتضرّرت الخدمة، فيجب أن يكون موقفُنا نحن كمؤمنين على النحو التالي: إذا كانت أرواحُنا وأموالُنا -وليست الأنانية الجماعية فحسب- تعوق دون سير الخدمات فليسلبها الله منا كلها ولْتَبقَ الخدمة، والحقيقة أن رأيي أنا الفقير كان هكذا على الدوام، ودائمًا كنت أرفع أكف الضراعة إلى الله سبحانه وتعالى داعيًا “اللهم إن كان وجودي يضرّ بالخدمة فاقبضني إليك”.

ولأن المهم هو استدامة الفاعليات الخادمة للدين وللأمة ولكل الإنسانية فعندما نؤدي ما علينا ونرسل أطياف الإيمان إلى القلوب، وننشر نسمات المحبة والتسامح بين الناس، فلا حاجة لأن نُعرف ولا لأن يُحتفى بنا ولا لأن يُصفق لنا الناس، وإلا حينها سنكون أضعنا رضا الله من أجل تصفيق الناس، وهذا نوع من أنواع الشرك.. وطريقُ الانعتاق من هذا الشرك هو أن نقوم بما علينا من خدمات دون إثارة أية جلَبة، وأن نتجنب الأبّهة والعظَمة، ونسيرَ في طريقنا إلى الله بهدوء.. هذا هو طريقُنا ومسلكُنا.

 ولكن لا أستطيع الجزم بأننا حافظْنا على تلك الآداب والأركان، ربما أحيانًا أضَعْنا أعمالَنا بسبب جهلِنا وسذاجتِنا.

   التحرر من الشكل والنزول إلى الجوهر والروح

من المؤسف أن الأسماء في العديد من القضايا الدينية تقدّمت على المسمّيات كثيرًا في يومنا هذا، وأصبح كلُّ شيء يجري على الأسماء، وعندما يكون الأمرُ كذلك يتعذّر التغلّب على هذه النوعية من الأشكال والقوالب، ويتعذّر كذلك إدراك الجوهر والروح.

وكمثال على ذلك فالصلاة والصيام والزكاةُ يؤديها الجميع ولا يستهينُ بها أحد، بيد أنه إن تعذر التغلب على الشكلية في أدائها، وإدراكُ المعنى الذي تحمله، والإحساسُ بتعمق شعور العبادة في الوجدان، أي إنه حين يتعذر إدراك أنَّ كل واحدة منها بمثابة جسر يُوصّل إلى الحقيقة؛ يستحيل الانتقال من الاسم إلى المسمى، والارتقاءُ من الإسلام النظري إلى الإسلام القلبي والروحي، ويصعبُ السير قُدمًا إلى المنتهى؛ لا سيما أن الأسرار مثل السر والخفي والأخفى لا يمكن الإحساس بها قط، ذلك أن هذه العبادات وأمثالَها بمثابة قوالب وأظرفٍ وأردية للجوهر، والأساس هو السعي من أجل الوصول إلى ذلك الجوهر من خلال تلك القوالب، ومحاولة الإحساس به وتمثيله.

أجل، الأساس هو العمل على تطبيق الإسلام بمفهومه الحقيقي، والإخلاص التام، والقدرة على تشكيل النموذج والقدوة للآخرين في هذا، فإن كان القلب يلهج دائمًا بـ”الرضا” وينبض به، ويتحرى مراد الله تعالى في كل شيء فهذا يعني أنه يعيش إسلامًا حقيقيًّا، والأساس أن الحركة المنتظمة حول أشخاص معيّنين وكذلك ما تريد المؤسسات فعله هو عبارة عن هذا الأمر، والهدف الرئيس المُراد الوصول إليه خلف هذه الأسماء الظاهرة على الساحة هو تطبيق الإسلام بحذافيره وبحساسية بالغة، وتمثيله بالطريقة التي مثَّله بها سادتنا أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم أجمعين، ذلك أنه عند النظر إلى العديد من الأشخاص الذين كانوا يصلون مائة ركعة كل ليلة في العهد الأول، ويصومون صوم داود، ويختمون القرآن مرةً كل أسبوع، بل كل ثلاثة أيام؛ يمكننا القول إنهم أدَّوا وظيفة هذه المؤسسات تمام الأداء.

لكن الاسم بدأ يتقدم على المسمى مع مرور الزمن، وراح المسمى ضحية للاسم، والروحُ للجسد، والمعنى للقالب.. وكلما أُمعِن في الاسم تمادى الناس أكثر فأكثر بالأنانية الجماعية، وبدؤوا يفاخرون ببعض انتماءاتهم، وبعد أن التزموا طرقًا مختلفةً لصالح تطبيق الدين وتمثيله، بدؤوا يحوِّلون كل واحدٍ من تلك الطرق إلى مذهب يربطون كل شيء به، ويعتبرون ما يجب القيام به لصالح الدين عبارة عن هذه الأمور فحسب.. عندئذ أصبحت هناك حالة من العمى والصمم وقسوة القلب تجاه الجوهر والمعنى، وحين تم تقييم القضايا وتناولها من منظور الأنانية الجماعية شُرِعَ في القول بتقييمات ضيقة ومتعصبة إلى حد كبير من قبيل “من يلتحق بنا ويفكّر مثلنا ينجُ، ومن لا يتبع سبيلنا لا يُفلح”، وراح الدين وقيَمُه الحقيقيّة يتعرّضان للغدر ويُستهان بهما.

من ناحية أخرى فإنَّ التحرك التزامًا بالأنانية الجماعية يتسبب في نسبة بعض النجاحات والإنجازات إلى فلان وعلان، وبالتالي إلى نسيان الله تعالى، وبينما الأصل هو التقرب إليه تعالى خطوة في كل شيء مرئي ومسموع ومتذوق، والقدرة على رؤية يد قدرته خلف كل حادثة، والقدرة على قول “هو” دائمًا عبر إفناء الذات؛ فإن من يتحركون وقد سيطرت عليهم الأنانية الجماعية لن يستطيعوا قول هذا، وسيشرعون في الابتعاد عن جوهر الأمر.

إن أخطر أحوال الابتعاد هو عدم الفطنة إلى ذلك الابتعاد؛ لأن الإنسان إذا أدركَ ابتعاده فإنه يفكّر في تلافيه بطريقة ما، ويتوجه إلى الله بالتوبة والاستغفار من جديد، إلا أنه من الصعب أن يتراجع عما ارتكبه من خطإٍ ما لم يكن يدرك ذلك الخطأ، ولا سيما إذا كان يرى الصدق والصواب لدى المجموعة المرتبطِ بها فقط، ولا يستطيع أن يرى مثل هذا الصدق والصواب عند سواها، وكان يعزو الأشياء التي يفعلها في كل المجالات -إدارية ودينية وغيرها- إلى نسبته وارتباطه بالمجموعة وإلى فلان وعلان فيها؛ فهذا يعني أنه ينحدر إلى الهاوية دون أن يدرك على الإطلاق، وبعبارة أخرى: رغم أن الطرق المؤدية إلى الله تعالى كثيرة بعدد أنفاس المخلوقات؛ فإن رؤيةَ إنسانٍ الطريقَ الذي سلكه فحسب من تلك الطرق، وعدمَ اعترافه بشيء صحيحٍ خلافه، واعتبارَه كلَّ الطرق الأخرى باطلةً -حفظنا الله- قد يتسبب في هلاكه.

وسبيلُ البعد عن خطر كهذا يتمثل بالدرجة الأولى في تجديد الإيمان باستمرار، وتقوية الصلة بالله، وتقديم رضاه تعالى على كل شيء، إلى جانب هذا أيضًا يجب على الإنسان ألا يتعلق بالخدمات التي اضطلع بها بنفسه وألا يعول عليها، وعليه أن يشجع الخدمات التي ينجزها الآخرون، وألا يتجاهل أنشطة من يخدمون بطرق مختلفة في شتى بقاع الدنيا، بالعكس يجب عليه أن يبحث عن سبل للعمل سويًّا معهم، والمضي قدمًا إلى الأهداف المشتركة.

ثانيًا، إن من يمدحون الأنشطة والمشاريع النافعة للإنسانية والتي تعدها بمستقبلٍ زاهر، ويثنون عليها ويروجون لها؛ يجب ألا يكونوا هم القائمين بها، فإن كان في هذه الأعمال جانب يستحق أن يُعظم ويُفخّم فيجب أن يقوم بذلك الآخرون؛ وعلى الآخرين ألا يمدحوه إلا إن كان يستحق المدح والثناء، والأكثر من ذلك أيضًا أنه يجب أن تُردَّ كل هذه المحاسن وتُعزى إلى الصاحب الحقيقي جل جلاله لكل أنواع الحسن والجمال ، وإن كانت ثمة أشياء تُعزى إلى بعض الناس -بمقتضى السنن الفطرية- فيجب أن يُقال من الأعماق وبشكل صادق تمامًا “ليس لنا تدخل في الأمر، لو لم يهيئ الآخرون الأرضية لذلك، ولم تُهَيَّأ الأذهان في هذا الشأن؛ لما استطعنا نحن أن ننجح في هذه الأمور”، وهذا تصرُّفٌ ضروري إحقاقًا للحق، واحترامًا لله، وتجنبًا لإثارة مشاعر الحقد والحسد لدى الناس، وإلا فإن الإخلاص يكون قد تعرض للخدش من جانب، وأُخِلَّ بأمن الطريق من جانب أخر.

   الفيروسات القاتلة للإنسان

إن من عجزوا عن التمسك بحبل وثيق وعن الحصول على قوامهم المعنوي خاصةً قد يتطايرون يمنة ويسرة ويهلكون مثل أوراق الشجر التي حل عليها الخريف، فهناك أنواع شتى من الفتن تؤدي بِقَدَمِ الإنسان أن تزل، فمثلًا إن كانت القوة الواجب استخدامها في تقويم الظالمين، وتخفيف آلام المظلومين، ومد يد العون إلى المحتاجين وإعانة الحق وإنهاضه تُستخدم في سحق الآخرين، وتُسخّر لصالح المنافع الشخصية، فتُعمي الإنسان عن الحق والحقيقة، فإن قوَّةً كهذه تُعتبر بالنسبة للإنسان فيروسَ بلاءٍ من الله تعالى.

وبالشكل نفسه فإن الشهرة والسُّمعة والصيت الذي يمكن استخدامه كرصيد لدى الناس لإبلاغهم بالحق والحقيقة وإرشادهم إلى الطريق الحق إن كانت تستخدم كوسيلة لإرضاء مجموعة من الأهواء والرغبات الشخصية وتجعل الإنسان يتشوف إلى تقدير الآخرين وإجلالهم له فهي مصيبة أخرى بالنسبة للإنسان. ويصف الأستاذ بديع الزمان شهرة كهذه بمقولة “عسل مسموم”، ذلك أننا نشاهد بكل أسى وحزن كثيرين من المشتاقين للشهرة والمبتلين بها في يومنا الحاضر يتسمّمون ويهلكون أمام أعيننا.

الشهوةُ الجنسية سيفٌ ذو حدين، تمامًا كالقوة والشهرة، يمكن أن تكون نعمة بالنسبة للإنسان ويمكن أن تكون فيروسًا قاتلًا أيضًا، فإن استُخدمت في إطار الدائرة المشروعة من أجل استمرار النسل كانت نعمةً عظيمة، ولكن إنْ دخَل الإنسانُ في البوهيمية غير مكتفٍ بالمتع واللذائذ التي في إطار الدائرة المشروعة، وانحرف إلى مختلَف طرق الإشباع في الدائرة غير المشروعة كانت الشهوةُ بلاءً بالنسبة له، ولقد هلك كثيرون في زماننا بسبب فيروس الشهوة، كما أن البعض استفاد من نقطة الضعف هذه فاستغلّها لدى الآخرين وأسَرَهم ورهنَهم من خلالها، ثم استخدمهم في الاتجاه الذي أراده.

كذلك الثروة المُكتسبة من طريق مشروع، والمستخدمة في سبيل إعلاء الإسلام الدين المبين، ومساعدة المحتاجين في المجتمع تعتبر نعمة عظيمة بالنسبة للإنسان، بينما الثروة المُكتسبة من طرق غير مشروعة والتي تجعل الإنسان وقحًا ترِفًا فهي بلاء.. وعند النظر إلى أحوال المساكين الذين يستغلون المناقصات وجميع إمكانيات الدولة لحسابهم الشخصي، ويسيطرون على ثروات عظيمة في فترة قصيرة بينما هم جاؤوا من أماكن فقيرة عشوائية، ويستخدمون ثرواتهم تلك في إشباع رغباتهم التي لا تنتهي نفهم بصورة أفضل كيف أن الثروة تحولت إلى مصيبة، وكما أن الثروة كانت وسيلة لارتقاء أشخاص عظام مثل سيدنا عثمان رضي الله عنه ارتقاء مباشرًا إلى الله تعالى فقد تكون سببًا لأن يغرق آخرون في أعماق الأرض مثلما حدث مع قارون.

وهكذا فإن “الأنانية الجماعية” أيضًا قد تكون فيروس بلاءٍ، والحقيقةُ أنّ أناسًا يحملون شعورًا وفكرًا مختلفًا وبنفس الوقت يستطيعون أن يُشكِّلوا وحدة واحدةً عبر الالتفاف حول غاية وفكرة مثالية مشتركة ثم يستثمروا تلك الطاقة في الخير والبر لَيُعد نعمة كبرى بالنسبة لهم.. لكن إن كانت الأنانية الشخصية تكتسب مزيدًا من القوة عبر الأنانية الجماعية كما أشار الأستاذ بديع الزمان فإن المجموعة -التي يُفتَرَضُ أن تُشبه في الأساس نقوشًا مختلفةً في شريط زينة- تتحول إلى وسيلة للفرقة والصراع من خلال تهويل الفروق الدقيقة الفرعية بين الطرق والحركات، وحين يقع الناس في صراع من أجل الاستحواذ على المكان بدافع الحقد والحسد تصبح الأنانيّة الجماعية مرضًا اجتماعيًّا.

لقد تسلطت هذه النوعية من الاختلافات والفروق على شعوب ودول شتى منذ القديم، بل إنها دكت حتى أعظم الإمبراطوريات وخسفت بها الأرض.. يجب الانتباه إلى أن كل واحدة من هؤلاء كافية لإغراق الإنسان، ولا بد من مكافحة هذه الفيروسات والميكروبات، والسعي إلى تحويل وجهها إلى الخير والبر، فإن استطعنا النجاح في هذا كانت له نتائج خيرة ونافعة للغاية، وفي حال حدث العكس تسبَّبَت في هلاك الأفراد والمجتمعات على حد سواء.

***

[1] صحيح مسلم، الذكر، 38؛ سنن أبي داود، الأدب، 68.

[2] الطبراني: المعجم الأوسط، 6/58.

[3] جمعية “هل مِنْ مُغِيث؟ (Kimse Yok mu?)”: هي إحدى جمعيات العمل المدني العالمية المؤسسة في (03 يناير 2002م)، وكان يعمل معها عشرات الآلاف من المتطوعين، وهي كانت تقدم المساعدات الإنسانية في كل أنحاء العالم دون أدنى تمييز بسبب الدين واللغة والعرق والنوع، وكانت تمدّ يد المساعدة في محافظات تركيا كلها عبر 40 فرعًا لها، وفي 110 دول بالعالم، وهي عضو استشاري بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة (ECOSOC)، وقد فازت الجمعية في 10 يوليو بـ”جائزة البرلمان التركي لأفضل الخدمات المقدمة”، ومنذ عام 2010م وحتى اليوم وهي تعمل بالتعاون مع المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) من أجل توفير احتياجات اللاجئين في تركيا في مجالات مثل الصحة والتعليم والغذاء؛ وتأتي فلسطين وغزة على رأس المساعدات التي تقوم بها الجمعية خارج تركيا، ومنذ (2006م) وحتى الآن تزداد تدريجيًّا فعاليات المساعدات والمعونات التي تقدمها الجمعية في المنطقة، وقد اكتسبت صفة “الجمعية العاملة للصالح العامّ” بقرار مجلس الوزراء التركي الصادر في 19 يناير (2006م)، كما حصلت بقرار مجلس الوزراء التركي الصادر في 6 فبراير (2007م) على صلاحية “جمع التبرعات دون تصريح”، إلا أن هذه الصلاحية أُلغيت من التنفيذ بقرار مجلس الوزراء الصادر في 2014/09/22؛ فقامت الجمعية برفع دعوى قضائية ضد هذا القرار الأخير لدى محكمة مجلس شورى الدولة في 2 أكتوبر (2014م) تطالب فيها بوقف القرار من التنفيذ، وكانت لا تزال الإجراءات القانونية مستمرة ولكن أغلقتْ من قبل الحكومة في تاريخ 23 يوليو/تموز (2016م).

الجَرَّة المشروخة: معيارُ الاستفادة من النعم الدنيوية

Herkul | | العربية

   سؤال: مع تطور مستوى الرفاهية وزيادة الإمكانيات تزايدت درجة الاستفادة من النعم الدنيوية، فكيف يمكن تحقيق التوازن في هذا الأمر حتى لا ندخل ضمن شرذمة “المترفين” الذين ذمّهم الله عز وجل في القرآن الكريم؟

   الجواب: “المترفون” مصطلح قرآني يُطلَق على الغارقين كلّيةً في المتع والملذات، يأكلون ويشربون ويركنون إلى الدعة والخمول، يرتعون ويلهون كما يحلو لهم، ولا يعيشون إلا لتلبية الحاجات النفسيّة والجسمانية، وفيهم يقول ربُّنا سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (سورة الإِسْرَاءِ: 17/16).

وفي آية أخرى يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (سورة الأَحْقَافِ: 46/20)، وهذه الآية تذمّ الذين يُهدرون ما يملكون في الدنيا، ولا يستبقون شيئًا للآخرة، ولقد تنبّه أمثال عمر بن عبد العزيز وأبي ذر رضي الله عنهما لمضامينِ هذه الآية وما كان على منوالها؛ فاعتقدوا أنهم سيعيشون خسرانًا في الآخرة بقدر استمتاعهم بالنعم في الدنيا، أما إذا حافظ الإنسان على توازنه عند استعماله للنعم التي وهبها الله له، ولم يُسرف، وتجنَّبَ الترف والأبّهة؛ فلن يعيش حرمانًا في الآخرة.

وفي آيةٍ مشابهةٍ جعل الله تعالى إيثار الحياة الدنيا على الآخرة من خصال غير المؤمنين، فقال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ (سورة إِبْرَاهِيمَ: 14/3)، فإذا لم يعِ الإنسان للصيف شتاء، ولم يفكر على الأقل كالنملة في الاحتفاظ بحبات من القمح من أجل الشتاء، وأهدر كل النعم التي جناها في الدنيا، ولم يحتفظ بشيء لما بعدُ؛ فلن يبقى له شيء في الآخرة، وهذا يعني أن من أسباب الخسران في الآخرة أن يعتبر الإنسان الدنيا كلّ شيء، وأن يستنفذ كل الإمكانيات التي بحوزته دون تفكير في الآخرة، وأن يكيّف حياته وفقًا لهذه الدنيا، فيجعلها أكبر همه ومبتغى علمه.. وهكذا تشير هذه الآية وما شابهها من ناحية ما إلى خصال المترفين.

   العدالة الاجتماعية

ولقد عني الرأسماليون والشيوعيون وبعض العلماء المسلمين المتأثّرين بهم بمفهوم العدالة الاجتماعية عناية كبيرة، وقد يكون الحديث عن هذه المسألة والكتابة حولها أمرًا سهلًا ميسورًا إلا أنّ الأهمّ والأصعب هو تطبيقها؛ فعلى الناس أن يقتدوا في حياتهم بنبيّهم صلى الله عليه وسلم، ثم بالخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين، فهؤلاء لم يتخلّوا عن البساطة في حياتهم حتى في الوقت الذي أقبلت عليهم الدنيا بمتَعها وزخارفها عندما كانوا يحكمون الدولة؛ حيث جعلوا مستوى معيشة السواد الأعظم من الناس معيارًا بالنسبة لهم، فما يقتات منه الشعب وما يأكله ويشربه أقاموا حياتهم على أساسه، لم يلبسوا الألبسة الغالية، ولم يقيموا الموائد الفاخرة المتكلفة، بل أحيانًا كانوا يرقدون على الرمال في المسجد النبوي فتطبع على جنوبهم وأطرافهم.

وكذلك سار الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز على نهج الخلفاء الأربعة، وفي الفترة التي امتلأت فيها خزينة الدولة بالأموال وطفحت لم يغير قط من حياته البسيطة، وداوم على أكل الخبز والزيت، هذه هي حقيقةُ العدالة وجوهرُ الحقانية، إنه في مدّة خلافته التي استمرت سنتين ونصف أنجز من الأعمال ما يحتاج إلى مائة سنة، وأعاد النظر في النظام الذي أخلّ به مَن سبقوه من خلفاء بني أمية، ووضع النظام من جديد، ومع أفول شمس الخلافة الأموية في الشام بزغت شمسها مجددًا في الأندلس بفضل جهوده ومساعيه، فأقامت العمران، وظلت تنير أوروبا على مدى ثمانية قرون، حيث مهّد الله تعالى السبيل أمام هؤلاء العظماء الذين كانوا يراعون هذا القدر من الحساسية والدقة في حياتهم، ووفقهم إلى إحراز العديد من النجاحات الباهرة.

فإن راعى حكام الدولة وضعَ السواد الأعظم من الناس رغم وفرة الإمكانيات؛ فعاشوا على الكفاف وطبقوا القاعدة الذهبية التي جاد بها عمر بن عبد العزيز عندما قال: “خيرُ القصد عند الجدة”[1]، واستحبوا الفقر بإرادتهم؛ تحقّقت حينذاك العدالة الاجتماعية الحقّة.

أما إن استحوذت فئة من الأرستقراطيين على كل الثروات في المجتمع، فأقامت الموائد الفارهة، وارتدت الملابس الغالية، وعاشت الحياة الفاخرة؛ ثارت حفيظةُ الشعب وشهيّته، وإذا ما نظرنا إلى الثورات الاجتماعية في أوروبا وروسيا والصين في وقت ما سنلحظ أن السبب وراء هذا كله هو صراع الطبقات بين الأغنياء والفقراء، لقد تضجّر هؤلاء الفقراء من تداول الثروات بين أقلّيّة معينة، وللحيلولة دون ذلك جنحوا إلى ديكتاتورية البروليتاريا، لكن الأمر انقلب هذه المرة رأسًا على عقب، وأسفر الإفراط في هذه الناحية عن تفريطٍ في ناحية أخرى. وفي اللحظة التي حسبوا فيها أنهم حلوا المشكلة اتخذ الصراع منحى آخر.

وكما لاحظنا فإن شرذمة المترفين تدمّر عاقبتها من جهة، وتُشعل فتيل النزاع والصراع في المجتمع من ناحية أخرى، أما سبيل الخلاص من هذا فيكمن -كما أشرنا سابقًا- في أن يراعي الإداريون والأغنياءُ الوضع العام للمجتمع في حياتهم ونفقاتهم، بل يجب أن يتقاسموا ثرواتهم مع المحتاجين، ويمدوا إليهم يد العون من خلال الزكاة والصدقة والإنفاق حتى يتحقّق نوعٌ من التوافق والتصالح بين جناحي المجتمع، وبذلك لا يتعرّض الضعفاء للضغط والظلم والاستبداد أو الاحتقار، ولا تشتعل مشاعر الكره والحقد في نفوس الفقراء ضد الأغنياء، وكذلك فإن الخلفاء الراشدين لما عاشوا كعامة الناس كسبوا ثقة المجتمع واحترامه، ولما عاش بعضُ سلاطين بني أمية في رفاهية وبحبوحة من العيش جلبوا على أنفسهم كرهَ وحقدَ وبغضَ المجتمع لهم.

قد يضيّق الله تعالى على بعض عباده في الرِّزق لعلمه أنهم لا يستطيعون أن يؤدوا غناهم حقه، وهذا نوع من اللطف الجبري؛ لأن الله تعالى بذلك يصونهم من السفاهة والغفلة؛ بمعنى أن تقشّف الفقير وتواضعه لطف من الله له، المهم هنا هو أن يتحقق هذا التوازن مع الإرادة؛ فما يُكسب الثوابَ للإنسان في الواقع هو أداؤه حق إرادته، وعدم استغراقه في المتع والملذات، وعدم نسيانه لربه وللحشر والنشر، وعدم تقصيره في عبادته وطاعته رغم توسيع الله عليه في الرزق؛ لأن الثروة وسعة الرزق كثيرًا ما تكون سببًا في الغفلة، والغفلةُ يصاحبها الانشغال بالدنيا والبعد عن الله، وبذلك يكون التوسيع في الرزق رزيّة وليس مزية، فإذا صبر الإنسان، ولم ينحرف، ولم يُثِر شهية الآخرين وحفيظتهم ضده بأفعاله وتصرفاته، ولم يستثر غضبهم عليه، بل مدَّ يد العون للمحتاجين منهم بما لديه من إمكانيات، وكسب محبتهم وتعاطفهم؛ فبذلك يكون قد أوفى حقَّ نعمِ الله عليه، وأدى شكرَه نحو ربه جل وعلا.

   دور المتع والملذات في انهيار الدول

من أهم الدساتير التي جعلتُها نبراسًا لي في حياتي هي توقير الآباء والأجداد، وذكر السلف بكل خير؛ لأن هؤلاء بذلوا كل وسعهم في خدمتهم للدين، ولهذا فإنني أتجنب بقدر الإمكان مساءلتهم ونقدهم، ومع هذا لا تُنكَر أهمية إدراكِ بعض الحقائق التاريخية واستنباطِ العبرة منها.. وإننا إذا ما درسنا أسباب انهيار الدول الإسلامية منذ فجر التاريخ مثل الدولة الأموية، والدولة العباسية، والدولة العثمانية، والأندلس؛ سنلحظ أن الميل إلى الدنيا والبذخ والإسراف له دور كبير في وقوع هذه الدول وانهيارها.

فمثلًا منذ نشأة الدولة العثمانية حتى عهد السلطان القانوني كان السلاطين العثمانيون يخرجون على رأس الجيش إلى المعركة، فكانوا بذلك يرفعون الروح المعنوية لدى الجنود، ولكن في الفترات التالية تخلى السلاطين عن تلك العادة، ولم يشعر الجيش بحاجة إلى إظهار بطولاته الخاصة به، ومن ثمّ توالت الهزائم إثر بعضها البعض، فمثلًا بعد هزيمة “فيينا” حُكم على الصدر الأعظم “قره مصطفى باشا الميرزفونلى (Merzifonlu Kara Mustafa Paşa)” بالإعدام، ولكن يا تُرى هل الجرم يقع فقط على عاتق الجيش والميرزفونلى؟ كما أن هناك تساؤلات أخرى تصرّ على ذهن الإنسان مثل: “سلطاننا المعظم، لماذا لم تخرج مع الجيش إلى فيينا؟ إن العديد من أجدادك مثل السلطان القانوني والسلطان سليم الأول قد رحلوا إلى أفق أرواحهم وهم في جبهة الحرب أو عند خروجهم إليها، فَلِمَ انحرفت أنتَ عن طريقهم؟

فمع الأسف أدى انزواء السلاطين العثمانيين في القصور واستغراقهم في الملذّات إلى تثبيط عزائمنا وركوننا إلى الدعة والخمول، كما أن الرغبة في العيش بالبيوت المبهرجة، وعدم القناعة ببيت واحد، وتشييد البيوت للأبناء والأحفاد، بل والتفكير في الأصهار من الرجال والنساء، باختصار صار الولع بالحياة، والتخلي عن فكرة الإحياء سببًا كارثيًّا كبيرًا بالنسبة لنا.. ولو قرأتم كتاب “ليالي القمر على البوسفور (Boğaziçi Mehtapları)” للأديب التركي “عبد الحق شيناسي حصار” لأدركتم بوضوح كيف كان العثمانيون غارقين في الملذات في العهد الأخير للدولة العثمانية، لقد كان هذا الوضع أشبه ما يكون بفيروس “إيدز” الفتاك بالنسبة لنا.

   السبيل إلى العيش بعفة وعدم الانزلاق وراء الإغراءات

يحب ألا ننسى أن مثل هذه الغفلة التي قد تقع دائمًا في حياة البشر يمكنها أن تأسرنا، وعليه يجب أن نكون في حالة تيقّظ وانتباه دائمة.. إنني أنزعج حتى من المكان الذي أقيم به حاليًّا لأنني أراه فاخرًا جدًّا، إنني أتضجّر من الجلوس على المقعد، ولا تزال في روحي رغبة بأن أقيمَ في كوخ خشبي، وعند نافذة الجامع، ولكنني بدأت أرقد في الفراش بسبب آلام معينة أعانيها بعد سن الستين فحسب؛ فما جلست في مقاعد فاخرة لا في سنوات دراستي، ولا خلال المرحلة الطويلة التالية لها من حياتي، ويجب ألا يُعتبر قولي هذا تواضعًا مصطنعًا، فذلك شيءٌ يخالف طبيعتي.

في الواقع يجب على كل مؤمن أن يكون حذرًا في هذا الموضوع، وأن يحقق التوازن من تلقاء نفسه وبإرادته الخاصة؛ لدرجة أنه لا ينبغي أن يسمح للمشاعر والمتع والرغبات والأهواء الدنيوية بأن تغريه فيظن بأنه سيستطيع أن يحافظ على توازنه رغم وجودها، وأنه ربما يستطيع التعبير عن نفسه أكثر من خلالها، كلا.. بل يجب على الإنسان أن يُكَوِّن أرضية يستطيع العيش عليها بشكل يوائم فطرته ويكفي حاجاته، وأن يُغلق جميع المنافذ التي قد يتسلل إليه الشيطان والنفس منها، أما مَنْ يغوص في البوهيمية فإنه ينخدع بوهمٍ يُسيطر عليه ويأسره ويُسيِّره ويتحكّم به، وكأن رُقاقة إليكترونية قد ثُبِّتت في عقله للتحكم فيه.

إن لم يسيطر الإنسان على نفسه بخصوص الاستفادة من النعم الدنيوية، ولم يكتفِ بالدائرة المشروعة فقد يصبح عُرضةً لاستغلال الآخرين إياه؛ حتى إنه يقع في فخاخ أناس يضطر بعد فترة أن يكون ذيلًا لهم فيتحرك كيفما يشاؤون، ومن قضوا علينا وفرّقونا منذ الأمس وحتى اليوم فعلوا ما فعلوا عبر استخدامهم هذه النوعية من الطرق، ولا نَنْسَ أنه يوجد في يومنا أيضًا بعضُ بُؤر الشر سيئة النية لن تتوانى عن إزعاج ومضايقة حركة كهذه التي نذرت نفسها للخدمة ولتحقيق السلم والطمأنينة في العالم، وقد تتزلف تلك البؤر الشريرة إلى بعض الناس كي تستخدمهم في سياق آمالها المظلمة، وتعرض عليهم أشياء من المتع الدنيوية، حتى إنها قد تظهر أحيانًا على أنها تنافح عن الحق، فتزين لهم الشرور، وتقدم لهم بعض الإمكانيات الدنيوية، وبينما هي تفعل ذلك تقدم لكم شتى أنواع الإغراء، فتجعلكم أسرى وأرقاء لها، فإن لم تُظهروا الحساسيّة اللازمة في هذا الشأن ولم تنتبهوا فإنكم، ودون أن تدركوا أبدًا، قد تُشِلُّون إرادتكم وأنشطتكم التي ستقومون بها.

إنكم تمثلون رسالةً حياتيّة للغاية.. أنتم أبطالُ الإحياء، وإذا ما أُصبتم بحبّ الحياة فإنكم تئِدون مهمّة الإحياء، وإن تستسلموا للحياة تخسروا نشاطاتكم الإحيائية، وعندئذ يستحيل الحديث عن وجودكم؛ إذ إن هذا يعني أنكم صرتم عدمًا، وحكمُ الله تعالى بشأن جماعةٍ هكذا حكمٌ واضحٌ صريحٌ، إذ يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة الْمَائِدَةِ: 5/54) وكما ورد في هذه الآية الكريمة يذهب الله تعالى بهؤلاء، ويقضي عليهم، ويأتي بأناس آخرين جدد ونُضرٍ تمامًا.

و”الارتداد عن الدين” المذكور هنا له مستويات مختلفة؛ فالبعض يرتد من الإيمان إلى الكفر، والبعض يظهر تراخيًا في تطبيق الأركان الإسلامية، والبعض الآخر يفقد تمامًا ما لديه من عشق وشوق للخدمة؛ فيُنحّيَ جانبًا المشاعرَ والأحاسيس مثل: حس الإحياء، وحس التضحية، ومفهوم الإيثار، ويرجع عن الطريق الذي يسير فيه فيتخلى عن الخدمات التي يقوم بها، وكل واحد من هذه الأمور ارتداد بمعنى مختلف عن الآخر، ويعني تراجعًا إلى الوراء.

أجل، إذا ما ارتد قوم عن الطريق والغاية والإدارة والنظام والرؤية الكونية وفلسفة الحياة التي تبنّاها المجتمع -أيًّا كان نوع ذلك الارتداد- فإن الحق عز وجل يقول لهم: “إنكم باستسلامكم للفساد والتعفّن تُعلنون عن أداء مهمّتكم وانتهاء أمركم؛ لذلك حقّ عليَّ أن أستبدلكم بقوم آخرين يحبون الله ورسوله حبًّا جمًّا، ويحبهم الله ورسوله حبًّا عظيمًا”.. وبينما هؤلاء ينحنون أمام المؤمنين رأفةً وتواضعًا يقفون صامدين في مواجهة الكفر والإلحاد، ويقومون بواجبهم في إعلاء كلمة الله؛ أي إنهم يسعون كي يبلغوا ثقافتهم وقيمهم إلى كل أرجاء الدنيا، وبينما يقومون بهذه الوظيفة لا يُلقون بالًا إلى انتقادات ولَوم بعض الأفواه الثرثارة، لأن هؤلاء الناذرين أنفسهم حين يُقبلون على خدمة كهذه دون تشوف إلى أي شيء فقد يرميهم بعضُ المنزعجين من النور بِتُهم ومزاعم لا أساس لها من الصحة، ويسعون إلى تشويههم بأكاذيب وافتراءات مُختلقة، غير أن مَن نذروا أنفسهم يواصلون مسيرهم دون أن يقفوا عند هذه النوعية من العراقيل.

لذا يجب علينا أن نسعى كي نظل جددًا نضرين دائمًا؛ فأهمُّ ديناميات هذه الخدمة هو روح التضحية، إنْ نذَر إنسان نفسه لقضية معينة فيجب ألا يتشوّف إلى شيء آخر، فلا يركض وراء المنافع المادية، ولا يفكر في الرفاهية الدنيوية، ولا يركن للمتعة والدعة، وتراه يهرب من المكاسب غير المشروعة والمتع الحرام كمن يهرب من الشيطان، ويدعو الله دائمًا ويتوسل إليه: “اللهم لا تحرمنا من روح الإحياء والتضحية! اللهم لا تدعنا إلى علةٍ هي بلاء منك مثل علة حب الحياة والعيش!”، وكما يتنبه من نذروا أنفسهم إلى هذا يسعون كذلك إلى أن يظل رفاقهم أيضًا على هذا الدرب، وإن انزلق وانحرف في هذا الشأن أحدٌ سعوا إلى إعادة تأهيله وإصلاحه، ويستخرجون الدروس والعبر من حال السابقين الغابرين، ويعيشون عازمين جاهدين على ألا يقعوا في مثل ما وقع فيه السابقون من خطإ وزلل.

   طريق من نذورا أنفسهم للخدمة

أرى أنه يجب على الناذرين أنفسهم للخدمة العملُ في هذه الشؤون بالعزائم وليس بالرخص، يجب عليهم الانتباه في كل شيء يستخدمونه بدءًا من دور إقامتهم إلى مطاياهم وملابسهم، وألا ينخرطوا في حياة الرفاهية أبدًا، فإن كان منزل من حجرتين يفي بحاجتهم لزمهم ألا ينتقلوا إلى ما هو أكبر، وعليهم عند شراء سيارة أن ينظروا أيحتاجونها أم لا، وألا تحتوي خزائن ملابسهم على ما زاد عن حاجتهم، وإن كانوا سينتقلون من مكان إلى آخر وجب عليهم اختيار أكثر الطرق اقتصادًا، عليهم أن يجعلوا منهجهم في الاستفادة من نعم الدنيا تذوُّقًا لا شبعًا منها، وعليهم تعويدُ أنفسهم على حياة الاقتصاد والتدبير.. -والحقّ أن اقناعَ الفقير الفاقد للإمكانيات المادية واقتناعه بالاقتصاد والتدبير ليسَ فضيلةً، وإنما الفضيلة والأساسُ في القدرة على الاقتصاد مع توفر الإمكانيات لأنَّ خيرَ القصد عند الجدة- فإن لم يراجعوا حياتهم ثانية وتعذّر عليهم تصميمُها وفقًا لهذه المبادئ استحال عليهم أن يمنحوا غيرهم النظام والانتظام.

والخلاصة أنه يجب عليهم أن يُؤسسوا حياتهم على الاقتصاد والقناعة، ويبتعدوا عن الإسراف بكل أنواعه؛ فكما أن الاقتصاد سببٌ للبركة فإن الإسراف سبب للخيبة والخسران، وينبغي أن نتّخذ مفخرة الإنسانية أسوةً حسنة لنا في هذا الشأن أيضًا كما هو الحال في كل شأن؛ ذلك أن الحجرة التي أقام فيها هو وزوجتُه صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها كانت ضيّقة لدرجة أنه ما كان يبقى له موضعٌ يسجد فيه ما لم تطْوِ أمُّنا المباركة قدميها[2]، لقد كان ينام على الحصير صوات الله وسلامه عليه، وكما أن ميل الناس في زماننا إلى الحياة الفارهة والترف يستحيل أن يكون حجةً لنا يستحيل أيضًا أن يكون معيارًا؛ فلدينا معيار واحد ووحيد: إنه الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم؛ ومن كان ذا رؤيةٍ ومعايير مخالفة لما نراه فليعش وفقًا لفهمه وعاداته الخاصة كما يحلو له، لكن يجب ألا ننسى أبدًا أن الإنسانية لن تجني نفعًا ممن يعيشون حياتهم من أجل جسمانيتهم وراحتهم فقط.

كم هو مؤسف أن عصرنا يعاني قلّةَ عقلٍ، وقسوةَ قلبٍ، وذلّةَ روح؛ فلا تقشعر القلوب عند ذكر الله، ولا تدمع العيون، والحياة ترتكز على البدن والجسمانية؛ لقد سُلّمَت أزِمّة الأمور إلى النفس، وراح الناس يفكرون في الأكل والشرب والراحة والاستمتاع بالحياة فحسب.. فلا حديث عن سلامة الروح والعقل والقلب، كم أنه صعبٌ جدًا! وبالتالي تبدو الإنسانية سائرةً في طريق من شأنه أن يمهد الطريق إلى الشقاء والسفه، في حين أن تحويل ديار المحنة هذه إلى ممرٍّ يؤدّي إلى الجنة يمكن أن يتحقّق بالحيوية في حياة القلب والروح، والسبيل لنيل راحة الدنيا والعقبى كليهما مرهون بالعقل السليم والقلب السليم والروح السليمة، لكن المؤسف أنّنا فقدنا ذلك منذ بضعة عصور، ويستحيل القول إن أمّتنا على وعي بهذا الذي فقدناه.

إن إنسانًا يبحث دائمًا عن الفُرش الدافئة والوسائد الناعمة، والأرائك الملائمة للراحة والدِّعة، ولا يفارق الموائد الفاخرة، واعتاد على الاستفادة من شتى النعم يستحيل أن يشعر بالشوق إلى الله الذي هو المتعة الحقيقية.. تُرى كم يبلغ عدد الأشخاص الذين يمكن القول إن صدورهم تخفق بإعلاء كلمة الدين؟ كم شخصًا يرفع الواحد منهم يديه ويتألم داعيًا الله “اللهم إن كانت حياتي تفيد شيئًا لصالح إعلاء الدين فأحيني، وإلا فخُذني إليك!”؟ إنّ ما يقع على عاتقنا هو السعي إلى بلوغ هذا الأفق وبعث هذه الروح بيننا من جديدٍ.

 

[1]  الغزالي: إحياء علوم الدين، 3/356، ومعنى العبارة: أي إن أفضل أنواع الاقتصاد ما كان عن غِنى وليس عن فقر.

[2]  صحيح البخاري، الصلاة، 106.

الجَرَّة المشروخة: السبيل الأقوم للاستفادة بحق من القرآن الكريم

Herkul | | العربية

   سؤال: تكلمتم فيما سبق عن أهمية مراجعة القرآن الكريم بصفاء الحسّ والشعور بالحاجة حتى تتحقق الاستفادة الكاملة منه، فما المقصود بصفاء الحس والشعور بالحاجة هنا؟

   الجواب: ثمة عديدٌ من المبادئ والقواعد التي يجب مراعاتها من أجل فهم القرآن الكريم فهمًا صحيحًا وإدراك ما فيه من مقاصد إلهية، وكما تتبوّأ إيضاحات وهدي النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم مكانة مهمة في هذه المسألة فكذلك لا بد من تفعيل الضوابط التي وضعها علماء الإسلام فيما يتعلق بهذا الأمر، ولكن قبل الأخذ بهذه القواعد المتعلقة بعلوم القرآن فمن الأهمية بمكان أن يتحلى الإنسان بصفاء الفكر والشعور، وأن يشعر بحاجته الماسة إلى الأحكام والمبادئ التي بيّنها القرآن الكريم.

   صفاء الحس

صفاء الحس يعني أن يصفِّي الإنسانُ أفكاره، ويلتزم بالصدق والإخلاص، ويركز على المسألة التي يدرسها ويحاول فهمها، ويتجنب ما عداها من أفكار أخرى، ومن ثمَّ كان لهذا الأمر أهمية كبرى في كل مسألة، أما التعامل بصفاء الحسّ مع القرآن والسنة فيشير إلى سعي الإنسان وعزمه وتصميمه على فهم هذين المصدرين الكريمين بما يتوافق مع المراد الإلهي، مع الانسلاخ من كافة الأحكام المسبقة، والانغلاق دون الأيديولوجيات والأفكار الغريبة، والإنسان الذي يتحلى بصفاء الحس لا يفكر إلا في مرضاة الله تعالى فحسب، وبالتالي لا يجعل القرآنَ أداةً للحديث عن نفسه، أي إن الإنسان ذا الروح القرآنية لا يتّخذ من كلام الله وسيلة لأي منفعةٍ؛ لأن مقصده الأساس هو فهم البيان الإلهي وفقًا لمراد الله، والسعي على تبليغه للآخرين.

فلو كان الإنسان على علمٍ بحقٍّ بآيات القرآن الكريم وكلماته وموضوعاته ومحتواه لكنه يستغلّ كل هذا للتعبير عن نفسه وإبراز ذاتيته فحينها لا يمكننا وصف أفكاره ومشاعره بالصفاء والنقاء، لأن الإنسان إن كان يصبو من وراء علمه بالقرآن الكريم إلى احترام الناس له وإقبالهم عليه أو الوصول إلى منصب أو مقام معيّن فهذا يعني أن مشاعره مشوبةٌ بالنجاسة والقذارة، وأنه عديمُ المعاني القلبية، فاقدٌ للروح القرآنية، ومن المحال أن يصل إلى ما يأمله، فحتى وإن انخدع به الناس واتبعوه مؤقّـــتًا، فلن يظلّ الأمر يصبّ في صالحه على الدوام.

فثمة علاقة وطيدة بين صفاء الحس وبين النية والمقصد؛ حيث إن استفادة الإنسان من القرآن الكريم تختلف تبعًا لصلاح النية وفسادها، فمن توجَّهَ إلى القرآن الكريم رغبةً منه في أن يكون صاحب علم في هذا المجال، ولكن استولت عليه بعض النوايا الفاسدة كرغبته في إبراز سعة علمه ومعارفه، وتشوّفه إلى إقبال الناس عليه وتوجههم إليه واحترامهم وتقديرهم له؛ فلن يستفيد حقَّ الاستفادة من القرآن الكريم حتى وإن وصل إلى بعض آماله مؤقتًا.. وفي المقابل لو أن الإنسان ابتغى رضا الله فحسب، ولم يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ولم يركض وراء حساباته الخاصة، وحاول أن يفهم مراد الله عن طريق القرآن الكريم الذي أنزله الله على كل الإنسانية ورغب عن طريق ذلك في أداء العبودية الكاملة لله تعالى؛ فلا شك أنه سيفهم القرآن بشكل أكبر وأعمق، وسيطّلع على الحقائق التي لم يستطع الكثيرون فهمها.

ولهذا ينبغي للإنسان أولًا أن يراجع أحاسيسه وأفكاره تجاه القرآن الكريم، وأن يراعي المكانة التي يضعها له في ذهنه، ولا ينسى أن القرآن هو كلام الله، ولا ينظر إليه نظرة سطحية وكأنه كلام بشر حاشا لله، وأن يتذكر دائمًا أن القرآن يتميّز بأسلوبٍ وأداءٍ معين خاص به، فإذا أراد أن يفتح القرآنُ له أبوابه ليدلف منها؛ فعليه ألا يجعل من أفكاره ومشاعره حائلًا دونه، ولا يجعلانه يعيش حالة من الخسوف والكسوف، إذ لا بد من صفاء النية والتخلص من شتى الأفكار القذرة؛ حتى يتسنى له رؤيةُ القرآن بشكلٍ صحيحٍ وإدراكُ معانيه على نحوٍ سليم، والوصولُ إلى مراد الله الكامن بين ثنايا عباراته.

ولا حرج على الشخص الذي يرغب في الوصول إلى مثل هذا الصفاء في النية في تعامله مع القرآن الكريم أن يدعو الله بلا حدود حيث إنه أمرٌ صعب المنال، فمن الأهمية بمكان أن يرفع الإنسانُ أكفّ الضراعة إلى الله عزّ وجلّ ويقول: “اللهم إني أريد فهمَ مقاصدك العليا في قرآنك الذي أرسلته إلينا، أريد أن أعرفك وأشعر بك من خلال كلامك، أريد أن أسمع كلامك وكأني أسمعه منك، أو أسمعه على الأقل من حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم الذي يتناثر الدر والياقوت من فمه الشريف، فاللهم وفقني لفهم القرآن”، ولو دعا إنسانٌ ما بهذا الدعاء ألف مرة لقلنا له: “ولم لا يكون ألفي مرة”.

   الشعور بالحاجة

أما الشعور بالحاجة فيعني أن يرى الإنسانُ القرآنَ الكريم المنهلَ العذب المورود، وأن يشعر باحتياجه إليه، وبذلك سيُعمِل فكره ومنطقه ومحاكمته العقلية في سبيل الاغتراف منه، بل لن يقتصر على استيعاب المسألة بحدود عقله، وسيحاول سبر أغوارها بسعة قلبه وأعماق وجدانه، وينهل منها ما يستطيع، وإلا فمن المتعذر على ذلك الذي أدلى دلوَه أن يغترف شيئًا من ذلك المنهل، ومن المحقق أنه سيرجع خالي الوفاض.

وكما هو معلوم فالحاجة أمُّ الاختراع؛ إذ إنها عامل مهم يسوق الإنسان لتعلم أشياء جديدة واختراع أشياء مبتكرة، وإن الدرجة التي تفوق الحاجة هي الاضطرار، فالاضطرار هو أسلوب في غاية الأهمية للالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى، والله تعالى يجيب المضطر ويكشف عنه السوء بنص القرآن الكريم.

وهكذا إذا توجه الإنسان إلى القرآن بحاجةٍ تصل إلى مستوى الاضطرار، ودعا الله قائلًا: “اللهم إني لا أستطيع العيش ولا الاستقامة على الطريق السوي بدون القرآن”؛ وجد فيه ما ينشده.. فمثلًا لو صادف الإنسان محتاجًا مترفّعًا عن السؤال، معرضًا بوجهه عنه، غير مكترث بإعطائه من عدمه فهل سيهتم به ويعطيه شيئا؟! كلا، وفي المقابل لو أن هذا المحتاج أشعرَنا بحاله ومقاله وأفعاله باحتياجه الشديد فهل من الممكن أن نرد طلبه؟! كلا، ولذلك فإن من الأهمية بمكان في تحقيق الطلب والوصول إلى المقصد أن يدرك السائل لحاجته حقَّ الإدراك.

وكذلك فإن من يسأل سؤال المستغني المتعالم سيلقى ردًّا موافقًا لسؤاله، بمعنى أن مخاطبَه لن يردّ عليه، أو سيجبيه اعتباطيًّا ببضع كلمات كي يتخلّص من الموقف، ولكن إذا سأل الإنسانُ سؤالًا وهو يثق في المسؤول ويُظهِرُ حاجته إلى إجابته بالفعل فإن المخاطبَ المسؤول سيسعى حتمًا إلى إجابة طلبِه بكلّ وسعه.

وهكذا المؤمن إذا توجه إلى القرآن الكريم مستشعرًا حاجته إليه فلا ريب أن فهمه له سيكون على نحو أعمق وأوسع؛ لأن القرآن الكريم لا يفتح خزائنه إلا لمن أقبل عليه بمشاعر صادقة، أما من يتعامل معه باستغناء فسيضنّ بنفسه عليه، وسيسدل ستائره أمام وجهه، ويغلق أبوابه، ويقول: “لا تحاول عبثًا، فالأبواب موصدة”، ومهما فهم ذلك الإنسان شيئًا من معاني القرآن الظاهرة فلن ينفذ حتمًا إلى أعماقه، أو يصل إلى حقائقه، أو يدرك المقاصد الإلهية الكامنة بين ثنايا آياته.

   إدراك المرء حاجته إليه

من المفيد هنا الوقوف على أمر آخر، ألا وهو ضرورة أن يكون المرء واعيًا بحاجته إلى القرآن الكريم أولًا حتى يستطيع اللجوء إليه عبر الشعور بالحاجة، ومن ثمَّ تنبغي الاستفادة من بعض الديناميات حتى يتسنى الشعور بهذه الحاجة، فمثلًا يلزمنا أن نتمكن من تحذير وتوجيه بعضنا بعضًا في أمور مثل فهم ماهية القرآن الكريم، وإدراك دوره الحيوي في تلبية حاجاتنا الدنيوية والأخروية، وإذا لزم الأمر نستثمر إمكانياتنا لنكون أكثر تأهّلًا في هذا الشأن، وذلك عبر مدارسة ومذاكرة الكتب الخاصة بالقرآن الكريم، ونستطيع أن نبين للناس مدى حاجتهم إلى القرآن عبر عقد دروس ومجالس قرآنية، وتناول مجموعة من المواضيع في هذه المجالس، فإن نعمل دائمًا حول هذه القضايا، ونستنتج بعض المسائل المتعلقة بالقرآن بواسطة محاولاتنا لسبر أغواره ونسعى لجذب الانتباه إليها فإننا نستطيع أن نُشعر الناس بحاجتهم إلى القرآن الكريم ونوجههم إليه.

وإلا فإن القرآن يظل أمامنا مثل كنز نعجز عن الحصول على مفاتيحه، ويتعذر علينا الاستفادة منه بالشكل اللائق؛ إذ ثَمَّة حاجة إلى مفتاح حتى تتسنى الاستفادة من هذا الكنز السماوي العظيم.. وهكذا فإن الشعور بالحاجة وصفاء الحسّ مفتاحان مهمان لبوابات الاستفادة منه، ومن هذه الزاوية يجب أن نبحث بالدرجة الأولى عن طرق امتلاك هذه المفاتيح ومساعدة الآخرين في امتلاكهم لها أيضًا.

وفي القرآن الكريم يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (سورة الأَنْفَالِ: 8/24) وهذا يعني أن انبعاثَنا يتحقق باستجابتنا لدعوة الله ورسوله، أي باتّباعنا أحكام القرآن الكريم، ولا يمكن للحياة أن تستمرّ مع أولئك الذين انغلقوا دون هذا النداء، والطريق للقدرة على إجابة هذا النداء إجابة تامة هو أن يتخلص الإنسان من كل أنواع الأحكام المسبقة ومن الألفة والأنس، فيتمكن من النظر إلى القرآن الكريم بمشاعر صافية، ويكون مدركًا لاحتياجاته في الوقت نفسه ويسعى لتلبيتها بالقرآن.

وبعبارة أخرى يجب أن نستفيد من القرآن الكريم حتى يتسنى لنا الانبعاث، والقدرة على الاستفادة منه تتحقق بالشعور والإحساس به وأن نرتشف من معينه ما يقر ويستقر في صدورنا بالمعنى التام، فنجعله طبعنا وطبيعتنا، وبعبارة أبسط: يجب أن نستوعبه.. بل إنكم حين تلِجون القرآن بعقلكم ومنطقكم يجب عليكم التسليم التام الكامل بأنه كلام الله تعالى، وهذا التسليمُ الكاملُ بذلك هو أحد أهم الأشياء التي يجب علينا أن نطلبها منه تعالى.

علينا أن نُشبع عقلنا ومنطقنا وأحاسيسنا ولطائفنا -أو قُلْ: ماهيَّتنَا- بالإيمان بالقرآن وليس بالنظر إليه نظرة بسيطة من خلال العقيدة البسيطة والصافية التي دُرِّسَت لنا ونحن صغار، حتى إننا حين نقابل شيئًا ضده نستطيع أن نتمثّل رد فعل مناسب بصورة مباشرة ولا إرادية، وهذا يعني أنه من الواجب علينا أن يُصبح رد فعلنا بشأن الدفاع عن القرآن حالةً طبيعية فينا.. فيجب ردُّ الأفكار الخاطئة الواردة من الخارج، المخالفة والمنحرفة برد فعل نابع من طبيعتنا، فإن ظهرت شكوك بداخلنا في هذا الشأن ووقفنا على منحدر التعرض لهزة فإن هذا يمنعنا من فهم القرآن.

وعليه يجب علينا أن نرفع أيدينا إلى الله تعالى وندعوه “اللهم امنحنا إيمانًا تامًّا بالقرآن حتى إن اعترض طريقي ألفُ شيطان وشيطان وحاولوا إقناعي بالأدلة العقلية والمنطقية أن القرآن ليس كلام الله أستطع أن أردهم جميعًا بظهر يدي، اللهم جنِّبني أن تتسلل إلى إيماني بالقرآن أيةُ فكرة مخالفة تخالط خطتي الذهنية وخيالي وتصوري، وأعنّي على أن يتلاشى وينمحي أمام سبحات وجه إيماني كلُّ ما تسلل إليّ من ذلك”، وأن نتحلّى بالصمود والثبات، وكما قلنا سابقًا يجب علينا أن نلحّ على الله تعالى في الطلب، ومهما طلَبْنَا فليس على الله بكثير.. لكنه للأسف حينما نطالع الحالات الروحية للناس ونطّلع على كيفية دعائهم نجدهم لم يجدّوا ويجتهدوا في الطلب من الله تعالى.

إذا ألحَّ الإنسان على الله تعالى في الطلب حيال هذا الشأن فسوف يقول على الأقل: “تُرى كيف لي أن أحقق إيمانًا كهذا؟”، وسوف يسعى وراء تحقيق هذا الأمر، سوف يبحث عن هذا كالرَّحَّالة، ولن يكتفي بما يجد، وسيقول باستمرار “هل من مزيد؟”.. والإنسانُ الذي يسعى وراء هذا يكون جادًّا ومثابرًا، فإن انخرط في الأمر بكل ذاته وهويته وصل إلى مقصوده إن عاجلًا أو آجلًا.. لكنه يستحيل على القاعد عن البحث أن يصل إلى شيء.

لهذا السبب علينا أن نحاسب أنفسنا دائمًا، ونتحرى أين نحن في هذا الشأن، يجب أن نراقب ما نأمل فيه، وأن نفكر حول “ما هي أهم مسألة في حياتنا بالنسبة لنا”، وأن نجعل التعمق في الإيمان والمعرفة الغايةَ المثالية في حياتنا، وأن نمارس بعض الأنشطة الدنيوية أيضًا مثل المأكل والمشرب والزواج والإنجاب على نحو مرتبطٍ بهذا أيضًا، وإلا يتشتت أمرُنا، فننسى الغاية الأصلية من خَلْقِنا، ومع مرور الزمن تصبح بعض الأمور الدنيوية الغاية الأولى بالنسبة لنا.

الجَرَّة المشروخة: معيار الاشتغال بوسائل الإعلام

Herkul | | العربية

   سؤال: ما هي المعايير الرئيسة التي يجب مراعاتها عند الاشتغال بوسائل الإعلام وتتبّع الأحداث الراهنة؟

   الجواب: على الإنسان أن يطّلع على مستجدات عصره حتى يتعرف جيدًا على العالم الذي يعيش فيه، ولا جرم أن أيسر الطرق العملية لتحقيق هذا الأمر هو متابعة مختلف وسائل الإعلام، والواقع أن هذه المؤسسات الإعلامية قد أضحت أكثر الوسائل السريعة والعملية للوصول إلى المعلومة في أي مجال، ناهيك عما تتيحه من فرصٍ للاطلاع على الأحداث الجارية، لا سيما وأن الإنسان في ظل الإنترنت يستطيع الحصول على المعلومات التي يحتاجها بيسر وسهولة، وإجراء دراساته وأبحاثه بشكل سريع.

   وسائل الإعلام وبحور الخطايا

ولكن الأمر ليس بهذا القدر من البساطة؛ لأن وسائل الإعلام وإن كانت تتيح للناس الفرصة للاطلاع على التطورات الراهنة والوقوف عليها فإنها تفتح الباب لدخول العديد من السلبيات؛ فقد تأخذ الإنسانَ وتجرّه إلى المنكرات، وتغمسه في النجاسات، فمن الممكن أن تكون هذه الوسائل أنفاسًا وأصداءً للملائكة، وقد تكون مصيدةً للشياطين، وكما يصل الإنسان إلى بعض المعلومات النافعة من خلال هذه الوسائل فكذلك قد يُبحر بسببها في بحور الخطايا والعصيان، وبينما يعتقد الإنسان أنه في طريقه إلى الكعبة يُفاجأ بمنافذ وممرات تنحدر به إلى أودية مختلفة تمامًا.

بتعبيرٍ آخر فإن وسائل الإعلام لو استُخدمت بنيةِ التعرّفِ على ما يجري في الدولة والعالم، ومشاهدةِ البرامج الوثائقية، والتزودِ بمعلوماتٍ عن بعض الموضوعات، وإثراءِ الحياة العلمية والمعرفية؛ فحينها يمكن الاستفادة منها استفادة جمّة، ولكن كثيرًا من الناس يتعذر عليهم التحكم بأنفسهم، وبعد الإبحار في نهر النيل أو نهر دجلة يكتشفون أن لهما فروعًا أخرى، وحينذاك يقومون باختراقها واستكشافها، فما يكون من هذه الفروع إلا أن تأخذهم دون وعيٍ منهم إلى ساحات مختلفة؛ ولهذا يجب قطعًا مراعاة بعض الضوابط والمعايير في هذا الشأن.

أجل، إن الإنسان لو عكف على قراءة الجرائد، وأصبح لا يفارق الإنترنت؛ فقد يعيش تناقضًا مع نفسه من حيث القواعد الدينية؛ لأنه قد يُفاجأ بصورٍ مُخلّة على صفحات الجرائد أو مواقع الإنترنت؛ فيتكدر سمعه وبصره وفمه وقلبه، ويبتعد عن عالمه الخاصّ، ولا يستطيع الحفاظ على قيمه الذاتية، ويُقلع إلى بحار الخطايا والذنوب، وقد لا يقدر على العودة مرة أخرى، ومع الأسف بِتْنا نشاهد اليوم كيف اختلت الأساليب، وتكدّرت الأفكار، وغدا الناس غير متزنين، يتأرجحون بين الإفراط والتفريط، ولم يعد لديهم أيُّ معيارٍ يحتكمون إليه، وعلى ذلك فإن السبيل إلى تجنب هذه الأمور هو تحديد المساحة التي يتجول فيها منذ البداية والالتزام ببعض المعايير المحددة.

ورغم المنافع الجمة التي يجنيها الناس من وراء الإنترنت ووسائل الإعلام فلطالما تكلم المختصون عن الأضرار الجسيمة التي تسببها هذه الوسائل في أيامنا؛ فقد تسبب يُسر الوصول إلى الإنترنت، واستخدام غالبية الناس له إلى ظهور العديد من المساوئ والمفاسد، فمثلًا بات الكثيرون يهدرون أثمن أوقاتهم أمامه، وتزلزلت العديد من الكيانات الأسرية بسببه، وانتُهكت حياة الناس الخاصة تحت مُسمّى أخبار النجوم، وانحطت الأخلاق، وشُوِّه المجتمع، وطبيعي أن تظهَر مثل هذه الأضرار في بيئةٍ بات الوصول فيها إلى المنكرات سهلًا ميسورًا، فكما تأمر النفسُ الأمارةُ الإنسانَ بالسوء دائمًا فإن الشيطان أيضًا يدعو إلى الأغراض النفسية والعبثية على الدوام.

فمن الصعوبة بمكانٍ على الإنسان الذي يستخدم التلفاز أو الإنترنت أن يتحكم في إرادته، وأن يعرف النقطة التي يتوقف عندها، وأن يستغلّ هذه الوسائل في الاتجاه النافع فقط، فيا ليتنا نُجمِعُ على “ميثاق شرفٍ” يصون المجتمع، ونَضَعُ بعضَ المعايير الخاصة باستخدام وسائل الإعلام، وتُفرَض عند اللزوم بعض القيود فيما يتعلق بهذه المسألة، أو تُغلَق السبل التي تتسبّبُ في سوقِ الناس إلى الموبقات وتشويهِ المجتمع وتآكلِ الأسر.. ويا ليته يُحظَر الدخول إلى المواقع أو القنوات التي تدفع الناس إلى الخطايا. أجل، ثمة حاجة ماسّة إلى فرض بعض القيود والضوابط حول هذا الأمر، لا سيما في هذا العصر الذي تيسر فيه الوصول إلى كل شيء، وبات الإنترنت فيه هو الشغل الشاغل للجميع صغيرهم وكبيرهم، كما أننا بحاجة مُلحّة أيضًا إلى أشخاصٍ يضعون حدًّا لهذا التخريب والإفساد، وكما أن مثل هذا التدبير يفوق استطاعتنا فأعتقد أنه قد يتجاوز حتى قدرة الدولة، فيا ليت هذه القضايا تُعالج على الصعيد الدولي، وتُقدَّم بعض التدابير حول هذا الأمر.

   وسائل الإعلام وتشتت الأذهان

من جانب آخر فإن تعقُّبَ الأحداث الراهنة، والوقوفَ على كل حادثة بتفاصيلها، ومعرفة خلفيّاتها؛ ليس مسعًى يضطر إليه الجميع؛ لأنه لا فائدة ألبتة تعود على حياة الإنسان الفردية والأسرية والمجتمعية والدينية من معظم هذه الأشياء.. وَدَعْكَ من الفائدة التي لا تعود؛ فإن هذه الوسائل تجرّ الناس إلى بحار الخطايا والذنوب، فمثلًا قد تعوّدهم على الثرثرة وإطلاق الشائعات، وتُلجئهم إلى ادعاء المعرفة؛ بمعنى أنهم يتكلمون أو يفترون أمام الناس حتى يظهروا بمظهر العلماء وذوي الخبرة الواسعة؛ أي إنهم يُبرزون أنفسهم، ويسوِّقونها عن طريق هذه الوسائل الإعلامية.

فضلًا عن ذلك فإن الناس عندما يستغرقون كثيرًا في الاطّلاع على الأحداث الجارية فإنهم يُهملون الأعمال التي من المفترض القيام بها، ويبتعدون عنها؛ ومن المسلَّم به أن لدى الناس قدرة استيعابية معينة، فلو أنكم شحنتم أذهانكم التي تتمتع بهذه القدرة الاستيعابية بالكثير من المعلومات الخانقة التي لا فائدة منها، وقصرتموها على هذه الحوادث الجارية فقط؛ فإنكم بذلك تضيِّقون على الذهن وتمنعونه من القيام بوظيفته في الساحات والأعمال النافعة التي لا بدّ منها، وتحرمونه من المعلومات المفيدة التي يجب معرفتها، وتهدرون هذه القوة الاستيعابية المحدودة في مثل هذه المسارات، ولا تجدون فرصة مواتية للقيام بالخدمات التي يجب القيام بها في الأصل.

ولأضرب لكم مثالًا من المجال الذي أعرفه: فمثلًا يتمتع الطلبةُ الذين يحفظون القرآن بقدرة محددة يستطيعون بفضلها حفظ قدر معين كل يوم، فلو أنكم حاولتم أن تجعلوا أحدَهم يحفظ مثلًا عشرين صفحة في حين أن قدرته على الحفظ لا تتجاوز خمس صفحات يوميًّا فسترهقونه وتُتْعِبونه وتجعلونه غير قادر على حفظ الخمس صفحات المعتادة التي يجب عليه حفظها.

ولذا يجب على الإنسان أن يكون على وعي بقدرته، وأن يستغلّها في مكانها الصحيح، وأن يبني تعامله مع وسائل الإعلام على ضوابط وأنظمة محددة، وأن يتجاهل بعض الأشياء وإن كان يُبصرها أو يدري بها؛ حتى لا يتشتت ذهنه؛ لأنه من الصعب على الأذهان التي جُرِحت وتأذَّتْ بشيءٍ من الأحداث الصادمة أو السلبية أن تكون مثمرة ومنتجة أو أن تقوم ببعض الأمور النافعة، ومن ثم يجب علينا ألا نلتفت أو ننشغلَ بما لا يمثِّل أهمية أو فائدة بالنسبة لنا.

فضلًا عن ذلك لا يقتصر الأمر على سريان المعلومات المتعلقة بالأحداث الراهنة إلى قشرة الدماغ وإشغالها لهذا المكان، بل تأخذكم وتتجول معكم في أودية مختلفة، وتُذهب نومكم، وتُشغل نهاركم، بل وتقلِب أحيانًا عالمَكم الحسّي والشعوري والقلبي رأسًا على عقب، فإذا اجتمعتم بأصدقائكم انشغلتم بتفسير وتحليل الظواهر التي ترونها أو تقرؤون عنها بدلًا من مدارسة الكتب النافعة، بل وتسرقون وقت الآخرين بحديثكم عن الأمور التي لا لزوم لها.

وكما أنَّ بِنيةَ الإنسانِ المادية تضمّ جهازًا مناعيًّا يشكِّل درعًا وستارًا للحماية من هجوم الجراثيم على الجسم فكذلك بنيتُه الروحية تضمّ جهازًا معنويًّا يوافق طبيعتها، ويحمي الإنسانَ من الضغط والتشوه والانهيار أمام الأحداث السلبية المؤذية الخانقة التي تفسد الأمزجة، ولكن لهذا أيضًا حدٌّ معين، فمهما حاول الشاغلون أنفسهم دومًا بالأخبار السلبية لوسائل الإعلام أن يستمرّوا واقفين في ثبات وشموخ فإنهم لن يستطيعوا ذلك، ولا يُتَصوَّرُ ثباتُهم وشموخهم دون الوقوع في اليأس وفساد الأمزجة، وأسوق مثالًا على ذلك؛ فلو أن الحرب قامت على قدميها، وأصبحت القذائف والقنابل تنفجر في كل مكانٍ حولكم، وأحيط بكم من كل ناحية وكنتم في وسط الميدان، فهل يمكنكم حينها أن تقولوا: “لن يصيبنا ضررٌ من هذا، علينا أن ننشغل بأعمالنا فقط”؟، أو أن تتبرؤوا من كل هذا قائلين: “قلْ كلٌّ يعمل على شاكلته، وهؤلاء بأكاذيبهم وافتراءاتهم وتشويهاتهم يعملون على شاكلتهم”؟ كلا، لا يمكن ذلك أبدًا؛ لأن جهاز مناعتكم الروحي سينهار بعد فترة، وتتدمّرون روحيًّا، ولا يُتصوَّر من روحٍ انهار أو عُطِبَ جهازُها المناعي أن تنجح في أعمالها، أو أن تقوم بخدماتٍ معتبرة، ولذلك علينا أن نراجع أنفسنا في كلِّ هذه الأمور مرة أخرى.

نعم، صحيح أن وسائل الإعلام أصبحت مهمة للغاية في عصرنا، وأنها تعنينا في كثير من النواحي، ونظرًا لأن الجميع لا يمكنهم القيام بالأعمال اللازمة بشأن وسائل الإعلام، فإن كثرة انشغال من ليس هذا عملهم بالأمر ومحاولتَهم معرفة كل الأخبار المتعلقة بوسائل الإعلام حتى أدق تفاصيلها سوف يُشتتهم ويوقعهم في الفُرقة، لذا فمن الضروري تطبيقُ مبدإ تقسيم الأعمال الذي تحدث عنه الأستاذ بديع الزمان، وتركُ الأعمال التي يتعين القيام بها في هذا المجال لخبراء المجال نفسه، وبالطبع فمَنْ يتعين عليهم بحسب موقعهم معرفةُ ما يحدث في البلاد وفي العالم على حد سواء، وتحديدُ بعض الإستراتيجيات وفقًا لذلك سيكونون على دراية بهذه الشؤون إلى حد ما عبر تلك الوسائل، ولكنه ليس صحيحًا بالنسبة للجميع أن يُصِرُّوا على متابعة وسائل الإعلام عن كثب وإضاعة ساعاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي وعلى شبكة الإنترنت.

   وسائل الإعلام وتضييع الوقت

ومما لا شك فيه أن تضييع الوقت أحدُ أعظم أضرار الانشغال بالقضايا اليومية وبوسائل الإعلام في عصرنا؛ لأنه مع زيادة عدد الصحف وأجهزة التلفزيون، وانتشار مواقع الإنترنت وتطوير وسائل التواصل الاجتماعي بدأت تُبَثُّ أشياء كثيرة تجذب الإنسان إليها، أما تتبع الأخبار والتعليقات والمقالات وما إلى ذلك فإنه يسلُب الناس جزءًا مهمًّا من وقتهم لدرجة أن البعض منهم -على سبيل المثال- يُهملون صلواتهم أو يؤدّونها بسرعةٍ كيفما اتفق، ولا يستطيعون تخصيص وقتٍ كافٍ للدعاء وللأوراد والأذكار، ولا يقومون بأعمالهم المكلفين بها كما يجب، وهكذا يغلقون -عن غير قصد- أبوابَهم ونوافذهم أمام الواردات التي تأتيهم من الله سبحانه وتعالى.

إن علاقة الإنسان بربّه يجب أن تكون قوية بقدر سعة مجال خدمته، ومثل هذا الشخص ينبغي له أن يُولي مزيدًا من الاهتمام لعباداته وأدعيته وغذائه الروحي، ربما حين يؤدّي شخصٌ عادي ما عليه من فروض ويتجنب كبائر الذنوب يكون قد أدى عبوديته لله تعالى، بيد أنّ مَنْ يحظون بمجموعة خاصة من نِعم الله تعالى مُلزَمون بالتوجّه إلى الله عز وجل بقدر تلك النعم، بمعنى أنه يجب على الجميع أن يؤدي عبوديته وفقًا للمكانة التي أنزله الله تعالى بها ولذلك يتحتّم على مَن اختصّه الله ورفعَه وأنعَمَ عليه بِنِعَمٍ خاصة -إذا ما أدّى الفروضَ فحسب- ألّا يعتقد أنه بذلك قد أدّى واجباته كأي شخص في القاعدة؛ إذ يجب أن يكون متعمقًا أكثر في حياته التعبدية بقدر المعارف التي يمتلكها والنعمِ التي حظي بها، ويمكنكم أن تُطلقوا على هذا “الالتزام الذاتي”.

 إلا أن الأحداث الراهنة قد زجَّت بالناس داخل أسوارها الخاصة لدرجة أن القضايا المهمة التي يلزم الانشغال بها أساسًا باتت تؤدّى من باب الطرح عن العاتق وكَفّ العَتَبِ، إننا نبخل في تخصيص زمن لله ربنا ندعوه فيه ونتضرّع ونتوجه ونبتهل ونتوسل إليه، ولكننا على الجانب الآخر ننفق وقتَنا بسخاءٍ حين نمسك الهاتف، أو نجلس أمام الحاسوب أو نلتقي مع الأصدقاء للحديث عن القضايا الراهنة، وتضيعُ ساعاتنا وتنقضي في اللَّهْوِ، ولسوء الحظ فإننا لا نرى مدى الإهدار الرهيب لوقتنا.

وعليه يجب علينا عندما نجتمع ألا نقتل وقتنا بالأحداث الراهنة، يلزم أن نتحدث دائمًا عن الحبيب سبحانه وتعالى، وأن نتدارس حوله باستمرار، بل وحتى حين نجتمع بنيّة التشاور ومناقشة بعض القضايا يلزمُنا أن نُكرِّس معظم أوقاتنا للحديث عن الله سبحانه وتعالى، والانشغال بمذاكرة عبوديّتنا، لدرجة ننسى معها موضوعاتنا الخدمية وأمورنا العادية، يجب علينا أن نحاسب أنفسنا بالمدارسات الدائمة، ونراجع صدقنا ونحاول التخلص من الغفلة.

وإلا فأيًّا كان الموضوع الذي اجتمعتم لمناقشته فإنكم لو ظللتم تتحدثون لساعات حول موضوعٍ ما، ثم نهضتم وتوليتم دون أن تفعلوا شيئًا في سبيل التوجه إلى الحق تعالى، وتجديد إيمانكم به مرة أخرى، والتعرف عليه بشكل أفضل؛ فإنه يستحيل أن تجدوا بركة لما تقومون به من أعمال، لا سيّما إذا ما تخلَّلَ مجلسكم شيءٌ من الغيبة والنميمة.. وحتى لو اعتقدتم أنكم توصلتم إلى نتائج مهمة من الناحية العقلية والمنطقية فإنني أقسم لكم أنكم لن تنالوا بركة أعمالكم بتاتًا ما لم يكن مدارُكم وهدفكم الحقيقي هو التقرّب الدائم إلى الله سبحانه وتعالى.

الخلاصة يجب ألا نضيّع اجتماعاتنا ولقاءاتنا، ليس فقط في مناقشة بعض القضايا الجديدة المتعلقة بالوضع الراهن، بل ولا حتى في التشاور حول المسائل المتعلقة بالخدمة، إن كنا نعتزم إنشاء مدرسةٍ، أو التخطيطَ لإنشاء صحيفة فعلينا أن نناقش ذلك بسرعة، وألا ننشغلَ إلا بالقضايا الرئيسة التي تحتاج إلى التعمّق حولها والتركيز عليها؛ لأن ديننا وعلاقتنا بالله ربنا مقدَّمةٌ على كل شيء، ويستحيل أن نستبدل العلاقة مع الله لا بالدنيا ومتاعها ولا حتى بالآخرة، وإننا في هذه الأمور كلها نحتاج لأن نراجع أنفسنا مرة أخرى، ونؤدبها ثانية.

   الأضرار الأخرى لوسائل الإعلام

ما من إنسانٍ اليوم إلا وينشغل بالإنترنت ووسائل الإعلام، بل إن أولئك الذين يضنّون بأنفسهم عن الاشتغال به كثيرًا؛ ينشغلون به أثناء تناولهم الطعام وشربهم الشاي على الأقل، ولا سيما أن هناك فئة وصلت إلى درجة “إدمان” وسائل الإعلام، ومن مظاهر التدمير الخطيرة للإنترنت الذي دخل حياتنا بهذا القدر أنه بدأ يأخذُ مكان ومكانة “الكتاب”، ويعمل كأداة معرفية، فعلى الرغم من أنه يسهل الوصول إلى المعلومات ويسرّع ذلك، إلا أنه تسبب في بعض السلبيات بالنسبة لعالمنا الفكري وأنشطتنا العقلية والذهنية، ويمكنكم تفصيل الحديث عن هذه الخسائر بدءًا من قطعه السبيل أمام المحاكمة العقلية والتفكير العميق وصولًا إلى مجموعة من الاضطرابات العقلية والخَرَفِ المبكر.

وأبسط مثال على ذلك أن الناس يعتقدون أنهم يستطيعون الوصول بسهولة إلى المعلومات، ومن ثمَّ لا يحفظون أي شيء في ذاكرتهم؛ فتُصاب الذاكرة بالتبلّد والكسل، ومن ثم فإن مَنْ يتعامل مباشرة مع هذا النوع من المعلومات يعتاد على الاسترخاء والراحة مع مرور الزمان، فيُصابُ بالكسل الذهني.

من ناحية أخرى، فوفقًا للنتائج التي توصل إليها الخبراء، فإن هذه الوسائل تسبب الإدمان للبشر وتضر بمجالاتها المغناطيسية، وبالإضافة إلى ذلك، فإن الإنسان حين يستخدم أجهزة الوسائل الإعلامية يبتعد باستمرار عن الطبيعة ويغوص في العوالم الافتراضية منفصلًا عن الحياة الحقيقية، بينما الله تعالى خلق الإنسان في الطبيعة، مُحاطًا بالأسباب، وعندما تُبعدونه عن الطبيعة والأسباب فإنكم تدفعونه إلى طريق يتعارض مع الفطرة، والحقيقةُ أن أساسَ العديدِ من المشاكلِ المادية والروحية والدمارِ الذي نعانيه هو ابتعادُنا عن الطبيعة.

ومن الأسباب المهمة لتعاملنا بهذا القدر من الحساسية في هذه القضية هو السلبية المقترنة بوسائل الإعلام اليوم؛ فحين تضع أمامَنا هذا العدد الكبير من البرامج المشتِّتة للأذهان، وتنثر أمامنا أحلك الأشياء وأبشعها وأكثرها تعقيدًا، ثم لا تقدم لنا معلومات تدلّنا على طريق النجاة، وتعلّمنا كيفية التخلص من هذه المحن يجب علينا أن نتحرّك بحيطةٍ وحذَرٍ في هذا الصدد، والمؤسف أن البعض في هذه الأيام يشوّه الأحداث دائمًا لتكوين رأي عام معين، ودائمًا ما يظهرون الحقائق للناس خلافًا للواقع، ويُخفون عنهم خلفية القضايا وملابساتها، وعليه نتعلم الأحداث التي تقع بشكل مختلف عن ماهيتها الحقيقية دائمًا فنضطرب، ولو كانت هناك منظمات إعلامية تحافظ على ضوابط النشر وأخلاقيات الصحافة، تَبُثُّ وتنشر دون تضليل، ولا تشتيت ولا إفساد؛ لانْحسرَ الضررُ الذي تُسبِّبه وسائل الإعلام إلى أقلّ الدرجات.

من المؤسف أن وسائل الإعلام اليوم تتجاهل المعايير الأخلاقية، ولا تلتزم بالأخلاقيات الإعلامية، وقد تحولت إلى أداة دعائية أكثر من كونها وسيلة إعلام توعويّة للشعب، وهي تتلاعب بكرامة الناس وشرفهم من أجل المصالح السياسية، وتعلّق كل شيء على الأسباب المادية، لذلك فإن كثرة الانشغال بوسائل الإعلام تبدأ بعد مدة في التأثير علينا سلبيًّا؛ فنخسر الأرضية التي نقف عليها، ونتحرك وفق أرضية الآخرين ورؤيتهم وتقييمهم للأحداث، ونبدأ -دون أن ندرك- في التصرف وفقًا لضروريات هذه الأرضية الزلقة التي كوّنها أهل الدنيا وفقًا لمصالحهم الخاصة، وإذا ما أردنا حلًّا لمشكلاتنا فقد ننحرف -دون قصد منّا- إلى مجموعة من الطرق الخاطئة التي يستخدمونها لأنفسهم، ونتوهم أنه لا يمكننا الوصول إلى النتائج إلا من خلال هذه الطرق، لذلك من الضروري مراعاة هذه الجوانب من القضية فيما يخص الانشغال بوسائل الإعلام، وكذلك التصرّف بحذر ودقّة حتى لا يحدث تعوُّدٌ على الأخطاء الحالية وبالتالي تبنِّيها.

الجَرَّة المشروخة: ملاحظات حول القواعد الأخلاقية لوسائل الإعلام – 2

Herkul | | العربية

   توجيه وسائل الإعلام للرأي العام

أصبحت وسائل الإعلام في يومنا أداةً قويّة ومؤثرة إلى حد كبير في توجيه الناس، وإن المستوى العام للشعب له دورٌ مهمٌّ في هذا الأمر؛ وبما أنّ المجتمع بصورته العامّة ليس بمستوى يمكنه من قراءة الحوادث الجارية قراءة صحيحة، وإخضاعِها للتحليل باستخدام لغة العلوم الاجتماعية، والنفاذِ إلى العلوم التكوينية، واستنباطِ المعاني المهمة فهو سهل التوجيه والقياد، وخاصة إذا ما تمت الاستفادة من “سيكولوجية الجماهير”، واستُغلت مشاعر الناس استغلالًا سيّئًا يُصبح من السهل تحويلهم إلى “قطيع” وتوجيههم والتحكم فيهم.. وإلى جانب ذلك فإن كانت الخُطب والأحاديث تُلقى وتُدارُ عطفًا على القيم التي تُعَدُّ مقدّسة كالوطن والأمة والعلم والدين، ويتم الحديث عن حمايتها فسوف تأخذ المشاعر والأساطير الحماسية مكانَ العقل والفكر، ولذلك فإنه حين يُقال لمثل هذه الجماهير “إن الوطن يضيع، فماذا تنتظرون!” يكون من السهل للغاية توجيههم إلى الهدف المراد.

إذا وُضعت كل هذه الأمور في عين الاعتبار اتضح أكثر كيف تصبح وسائل الإعلام عنصرًا مرعبًا وهدّامًا ومخرِّبًا بحسب الموقف، كما أن الأحداث الجارية في تركيا أكبر مثال على هذا؛ فالقوى المسيطرة على وسائل الإعلام تشوِّه من تريد بأكاذيب وافتراءات وتقدمكم في صورة أعداء.. إنكم ستظلون في الأذهان ملطّخين بــ”الوحل” حتى تقوموا بمحْوِ بقعِ الوحل المقذوف عليكم، وإلى أن تصحّحوا المسألة تكون الأمة قد تقدّمت مسافة طويلة في الطريق الخطإ، ولست أدري أيصحّ أن يُسمّى ذلك تقدّمًا أم يجب أن يُسمّى تردّيًّا! لكنه حين يُلوَى عنق الحقائق وتُقدَّم مغلوطة، ويظهرُ الصواب خطأً، والخطأُ صوابًا بصورة دائمة؛ فمن المؤكد أن الشعب يُضلل.

ومن هذه الناحية هناك حاجة ماسة إلى الأشخاص المخلصين المحبين لوطنهم وأمتهم ودينهم الذين يُدلون بدلوهم في هذا المجال، ويمثلون القول الصادق والفكر الصحيح والخطاب السليم في خضم الأقوال والأفكار المنحرفة والمعوجة.. ذلك أن مثل هذه الملاحظات السليمة التي تذاع عبر وسائل نشر مختلفة مثل الصحف والمجلات والقنوات التليفزيونية تدفع الناس للتأمل والتفكر، وتُعينهم على رؤية الحقائق والصواب، فإلى جانب وسائل إعلامية تتلاعب بجملة من قبيل “سرقوا معزةَ الإمامِ” فتجعل الفاعل فيها على نحو “الإمامُ سرق المعزةَ”، وتحرف الأمر تمامًا، هناك حاجة ملحة للغاية إلى وجود أصوات وأنفاس تكشف حقيقة الأمر.

علاوة على ذلك؛ فإن وجود وسائل إعلامية تمثّل الأخلاق والحق سوف يدفع المؤسسات الإعلامية الأخرى إلى أن تكون أكثر دقّة وتحفظًا، فلن تستطيع أن تبث بسهولة خبرًا تعلم أنه كذب وتحريف، لأنها ستخاف من أن ينفضح كذبها.

لهذا السبب يجب أن نصرف طاقتنا في الكشف عن حقائق الأمور وأن نهتمّ بأنفسنا بدلًا من السعي إلى تصحيح أخطاء وسائل الإعلام، وعلينا إيجادُ قنوات وسبل مختلفة والسعيُ إلى إيصال الحق والحقيقة إلى الناس، وأن نسعى أيضًا ليكون لنا صوتٌ ونَفَسٌ في فضاءات الواقع الافتراضي الذي يتحرك فيه الجميع ويستخدمونه بكل سهولة، يجب ألا يجد مستخدمو الإنترنت الأكاذيب والافتراءات فحسب عندما يستخدمونه، بل لا بد أن يجدوا إلى جانب هذا الحقيقةَ ويتمكنوا من رؤيتها ورؤيةِ حرف الأنظارِ المستخدمة ضدّهم.. وأيًّا كان ما يُطالعونه، وحيثما توجهوا ينبغي أن يعثروا على أشياء تصحّح أفكارَهم، وتفتح عيونَهم على الحقيقة.

   إزالة القناعات الخاطئة

أعتقد أنه منذ “عهد التنظيمات”[1] وحتى اليوم توجد في تركيا فئةٌ ومجموعة من القوى نصَّبَت نفسَها وصيَّةً على الدولة، فأصبحت وكأنها تقوم بعمل الدولة، وقد أخذت تمارسُ القمع والضغط على المتدينين، وتهاجمهم دائمًا بتلفيق مجموعة من الحجج الواهية، وتتصرّف بقسوة وراديكالية في الاستجابة لأكثر حقوقهم وطلباتهم براءةً وسلامةً، ولم تُهملْ الأخلاق والمبادئ الدينية فقط، بل حتى قواعد الديمقراطية وحقوق الإنسان.. لقد حوَّلت أبسط المسائل إلى وسيلة للشجار والعراك، وبالتالي شعر المتدينون أنهم تحت ضغط دائم، وانعكس هذا إلى أفكارهم وسلوكياتهم وتصرفاتهم وعاشوا حياتهم في ريبة وشكٍّ، وحدثوا أنفسهم باستمرار “تُرى ماذا لو عبرنا عن أنفسنا؟ لو عبرنا عن فكرتنا هذه؟!”، ولذلك ظهر في المجتمع أناس يستغرب بعضهم بعضًا، ولا يفهم بعضهم لغة بعض، وانقسم المجتمع إلى معسكرات غير طبيعية تختلف عن بعضها في مصطلحاتها، ونمط الكلام والأسلوب ومنظومة القيم.

وعلى هذا فإنه يُنظر إلى من وضع الأفكار والآراء وأصدرها بالدرجة الأولى، وليس إلى الأفكار نفسها، فحتى وإن وضعتم مشروعًا جميلًا لصالح البلاد، وطرحتم أفكارًا قيمة للغاية فإنه يستحيل لهؤلاء أن يروا جمالها ونفعها الخاص؛ بل إنهم يحكمون عليها وفقًا للقناعة والرأي السائد بشأن واضعيها.. إن صنَّفَكم البعض على نحوٍ ما، وظلوا ينظرون إليكم من هذه الزاوية فهذا يعني أنهم يُقيّمون حركاتكم كلها وفقًا لذلك التصنيف، لدرجة أنكم حتى وإن وضعتم سُلَّمًا إلى الجنة ورفعتموهم عليه بأنفسكم فسيعتقدون أن هناك ريبة أو خفاءً ما ولا يتخلّصون من أسر أوهامهم.

ثمة حقيقة لا بد من وضعها في عين الاعتبار، ألا وهي أن هناك أفكارًا خاطئة تم تكوينها بحقكم عند بعض الناس، لدرجة أن أبواب حسن الظن جميعها قد أغُلقت تمامًا.. ولذا فإنكم لن تحظوا بالقبول عندهم قطعيًّا ولن يرضوا عنكم حتى تتّبعوهم، ولكنه وبرغم كل هذا فليس أمامنا طريق آخر سوى العثور على قنوات وسُبلٍ مختلفة نعبّر من خلالها عن أنفسنا، فمن الضروري السعي إلى تعريف أنفسنا بوضوح وشفافية إلى هؤلاء عبر التفكير في الأمر بعدة طرق، وإيجاد وسائل جديدة للغاية، والتواجد بشكل أو بآخر في المنتديات المقروءة والمسموعة والمرئية لهم.

علينا ألّا نيأس أو نملّ في هذا الشأن.. إننا إن نفعل ما يقع على عاتقنا دون أن نخطئ في المبدإ والأسلوب فسنرى -ولو بعد حين- أن الناس تعرفوا علينا بشكل صحيح وأن قناعاتهم بشأننا قد تغيرت.. فقد حدث حتى اليوم أن جاء إلينا العديد من الأشخاص فاعتذروا إلينا قائلين “كنا أخطأنا في معرفتكم، ما كنا نعلم شيئًا عنكم على الإطلاق”، ولكنه يجب ألا يُنسى أنه كانت لديهم مكتسبات وتصوّرات قديمة بحقّنا، وأن ردّهم إياها دفعة واحدة وإقرارهم بأنهم أخطؤوا كان صعبًا للغاية، وأنه لا يمكن التعبير عن أنفسنا بالحديث إلى الناس مرة أو اثنتين، بل يجب التواصل معهم باستمرار وصبر وعزيمة.

لأنه -وبالرغم من كل شيء- لا بد ألا يُنسى أن الله عز وجل خلق الإنسان كريمًا ووضع في طبيعته شعور الإنصاف، وكما أن الإنصافَ نصفُ الدين فهو حقيقةُ ماهية الإنسان أيضًا، ولذا فإن المجالَ والاحتمالَ مفتوحٌ لعودتهم إلى الإنصاف يومًا ما والتخلّص من قناعاتهم الخاطئة، لكنني لست مقتنعًا أنه تم استخدام جميع القنوات والسُّبل اللازمة استخدامًا صحيحًا.

   الرفق والوداعة

إن ما يُشكل مشاعرنا وأفكارَنا هو الثقافة التي نشأنا فيها، ولأننا وجدنا أنفسنا في بيئة مجتمعية يتشاجرُ أفرادُها ويتصارعون بعضُهم مع بعض؛ فإننا ندخل في طريقهم ونتصرف مثلهم، ثمة أناس يقولون عنّا كذا، ونحن أيضًا نقول شيئًا آخر ضدّهم، إن كانوا يسبوننا ويقدحون فينا نبدأ نحن كذلك نفعل مثلهم، ولكن استمرار الاحتكاكات المتبادلة ومظاهر التوتر والوخز والطعن والتعريض يعني أننا نُبعِد الناس عن أنفسنا.

أجل، يجب التصريح بالحقائق والتمسّك بها ورفعها وعدم التنازل عنها، ولا يحقّ لنا التفريط في الحقّ والحقيقة لصالحِ أيّ شيءٍ كان.. ولكن نجاحنا في جعل الناس يقبلون الحقّ مهمٌّ بقدرِ أهمية تقدير الحق وتقديسه، وعلينا أن ننتبه إلى المنهج الذي سيُتّبع والأسلوب الذي سيُسْتَخدم، وألّا نهملَ العقل والمنطق، ولا الصمود والإخلاص التامّ في هذا الشأن.. وعلينا أن نضع أحاسيسَ المخاطبين في الاعتبار، وأن نحسبَ الآثار المترتبة على الأقوال والكتابات.

ولا يمكن الارتقاء ولا التقدّم عبر سلوكيّات وتصرّفات من قبيل استخدام عناصر وسائل الإعلام لمجرّد التنفيس عن الذات والتفريج عنها، ومحاولة الانتقام بهذا الطريق من أولئك الذين يؤذون أرواحنا، والهرولة رغبة في تحقيق ذلك، وإذا ما وخزنا أحدهم بإبرة وخزناه بِمِسَلَّةٍ، ومحاولة رمي الآخرين بأحجار أكثر عددًا مما رمونا بها.. أما إذا ما تعلَّق الأمر بحماية البلاد، وصدّ العدوان عبر الاشتباك المباشر فإن الصمود والثبات هو التصرف الجدير بالتقدير، وخلافُ ذلك يعني ضعفًا ووهنًا، لكننا الآن وبعد أن طُوِيَت صفحة الحروب المادية المباشرة ودخل السيفُ في غمدهِ فعلينا إذا ما تحدّثنا عن قيمنا أن نلجأ إلى الإنسانية والإنصاف، لا سيما في يومنا هذا.. يجب معالجة القضايا عبر إخضاعها لآلية الضمير.. وعلى المرء أن يكبح جماح نفسه، وألا ينشغل بالرد على الآخرين، وعليه أن يبتعد عن الحركات العاطفية والاندفاعية.

ومهما يفعل الآخرون، فإننا لا نرد على الهجوم بمثله، وعلى الانفعال بنظيره، وعلى الحدة بشبيهها، لنقف صامدين، ولكن لا نعاند، علينا أن نكون لطيفين بما يكفي لجعل من يُهاجموننا يتخلّون عما قالوا، ويندمون على ما فعلوا، بل وحتى يشعرون بالخزي والعار، ولنفكر ونتأمل قبل التحدّث والكتابة والتحرك، ولنُعمل أذهاننا في أية فكرة وأية ملاحظة عشر مرات، والأكثر من ذلك أنه ينبغي لنا أن نتشاور مع الآخرين ونلجأ إلى الوعي الجمعي، فإذا انتبهنا إلى كل هذه الأشياء، وتعرضنا إلى ردة فعل سلبية برغم كل هذا، فعلينا أن نقول “ماذا عسانا أن نفعل! يبدو أن هذا هو قدرنا”.

   تحديد جدول الأعمال

للأسف غالبًا ما نركض إثر جداول الأعمال التي وضعها الآخرون، ونظلّ في وضع دفاعي دائمًا، إننا نستنفد طاقتَنا في الردّ على البعض، يجب علينا أن نتخلّص من هذا الوضع ونكون في موقع صنّاع جدول الأعمال وألا نكون في موقع متابعي جدول أعمال الآخرين، ولكن تجدر الإشارة إلى أن عمليّة تحديد جدول الأعمال ليست شيئًا سهلًا وبسيطًا؛ إذ قبل أن نطبّقَ جدولَ أعمالٍ ما يجب حساب الإيجابيات والسلبيات التي قد تنتج عنه حسابًا جيّدًا، يجب أن توضع في عين الاعتبار التعليقاتُ التي ستعلن بشأن المسألة المطروحة، والأقوال والانتقادات التي ستقدم، كما يجب في الوقت نفسه تحديد كيفية الرد على كل هؤلاء.

أحيانًا قد تطرحون جدول أعمال معين وتجمعون آراء الناس حوله، إلّا أنكم قد تعانون منه لاحقًا وتنسحقون بسببه نظرًا لضعف حججكم التي تدافع عنه، وعدم جاهزية الإجابات البديلة المتوقع تقديمها، وبعبارة أخرى: إنكم بينما تنوون الهجوم تقعون في وضع المنهزم الذي خانته أنظمته الدفاعية، وعليكم في أثناء عملية تحديد جدول الأعمال ألا تعطوا من يعتبرون أنفسهم الطرف الآخر فرصةً كي يهاجموكم ويعتدوا عليكم.

ويجب خلال وضع جدول الأعمال طرح مواضيع توافقَ عليها أغلبُ الشعب، واتفقوا على كونها في مصالح البلاد، كما تجبُ دراستُها وبحثُها جيّدًا قبل طرحها، وعلى الضمير الجماعي أن يتبناها ويساندها، ولأجل هذا أيضًا يجب معرفة المجتمع معرفة جيدة، ووضع المشاعر والرأي العام في الحسبان، وينبغي خلال وضع جداول الأعمال أن نتجنب القضايا التي تثير الشكوك في الأذهان، وتؤدّي إلى إساءة الفهم، وتثير التوتر داخل المجتمع.. وكما أن لتقديم الطعام طريقة وأسلوبًا معيّنًا فلا بد من اتباع مبدإٍ معينٍ أيضًا في تقديم الغايات السامية والقيم النبيلة إلى الناس.

***

[1]  يطلق مصطلح “التنظيمات” على مجموعة الإصلاحات التي أدخلها السلطان عبد المجيد في عام (1839م). وقد انتهى عهد التنظيمات بإغلاق مجلس النواب عام (1878م).

الجَرَّة المشروخة: ملاحظات حول القواعد الأخلاقية لوسائل الإعلام

Herkul | | العربية

   سؤال: يُلاحظ أن وسائل الإعلام في وقتنا الحاضر قد تسبّبت في وجود العديد من السلبيات نتيجةَ إخلالها بالقواعد الأخلاقية، فإذا كان هذا هو الوضع القائم فما الواجبات التي تقع على عاتق وسائل الإعلام برأيكم؟

   الجواب: عند النظر إلى أحوال الناس وسلوكياتهم اليوم فإننا نلاحظ فسادًا كبيرًا وعِلَلًا وأسقامًا كثيرةً تنخر في صحة المجتمع، وتُشير إلى هذا تلك الزيادةُ الخطيرة في تناول العقاقير المضادة للاكتئاب في السنوات الأخيرة، حتى إنها بلغت عشرة بالمائة؛ وهذا يعني أن العديد من الناس يعيشون تحت ضغط واكتئاب كبيرين، بل إن هناك الكثير من الناس الذين تبدو صحتهم على ما يرام ولا توجد أدنى احتمالية لإصابتهم بأي مرض نفسي عند النظر إليهم في الظاهر، إلا أنهم يتناولون مثل هذه العقاقير، ولولاها لما استطاعوا أن يكونوا متّزنين، ولأضرّوا بأنفسهم والآخرين.

ولو جئنا بأناس عاشوا في عهودٍ مختلفة وشاهدوا حال الناس في عصرنا لحكموا بتدهور الحالة النفسية لدى أغلبية المجتمع، فللأسف سيطرت على مجتمعنا اليوم كثيرٌ من الأمراض النفسية مثل جنون العظمة، وجنون الشك، والانفصام العقلي، لكن نظرًا لأن أغلبية الناس تعاني من الداء نفسه فقد صاروا لا يميزون مرض بعضهم البعض، فكما يَعتبر المجانين أنفسَهم عقلاء وأن غيرَهم هم المجانين؛ فإن الناس في عصرنا الحاضر قد أصبحوا لا يعون أمراض بعضهم بعضًا.

وغالبًا ما يكمن سبب هذه المأساة في كثير من العوامل التي تُتلِف أعصاب الإنسان وتسوقه إلى الجنون، فالناس يقومون ويقعدون في توتّرٍ على الدوام؛ ويبدأ التوتر معهم من داخل البيت، ويستقبل الطفلُ الحياةَ في توتر، ويخلد الناس للنوم في توتر، ويصبحون على توتر، ولا ريب أن هذا كله يؤثّر في حياتهم الأسرية والوظيفية وعلاقاتهم الإنسانية، فتراهم يغضبون لأتفه الأسباب، ويشغلون بالهم بأهون الأمور، ويكسرون خاطر من حولهم لأسباب بسيطة، وبما أنهم منزعجون فإنهم يُزعجون ويُضايقون المحيطين بهم، وتنتابهم حالات روحية تدفعهم إلى التخريب والتدمير.

والواقع أن البيئة لو عجّت بالسلبيات التي تشوِّه الأذهان وتكدّر المجتمع فمن المتعذر أن نجد فيها تصرفات متوازنة وأطوارًا لينة وأفكارًا سليمة بعدما أثارت السلبياتُ الناسَ ووجهتهم إلى نَواحٍ سلبية، ولا مشاحة في أن وسائل الإعلام تعدّ من أهم العوامل التي تفضي إلى مثل هذه السلبيات؛ فإن تقديمَ الأخبار التي توتِّر الأجواء، ونشرَ الأكاذيب التي توقِع بين الناس، والتجسسَ على عورات الناس أو الجماعات غير المرغوب فيها، والمبالغةَ في تصدير الحقائق من أجل زيادة نسبة المشاهدة، وغيرَ ذلك من الأخطاء؛ تتسبب -مع الأسف- في كثيرٍ من السلبيات وحدوثِ تصدّعات خطيرة في بنية المجتمع.

   ميثاق الشرف الاجتماعي

فيا ليت المؤسسات الصحفية والإعلامية والمؤسسات التابعة للدولة تجتمع فيما بينها وتوقّع على ميثاق شرف، وتتفق على مبادئ معينة وتُبِرم فيما بينها -بتعبير جان جاك روسو- “عقدًا اجتماعيًّا” ينصّ على عدم توتير الأجواء، والالتزام بالقواعد الأخلاقية، وتقديم التقارير الصحيحة والدقيقة، وعدم التلاعب بكرامة الناس وشرفهم! ليت هذه المؤسسات الصحفية والإعلامية تتعهد بتجنّب التصرفات غير المسؤولة والمتهورة، ومراعاة حساسية الشعب! ليتها تراعي وتحسب منذ البداية النتائج التي تتمخض عن وصول أخبارها إلى الرأي العام! ليتها تبثّ أخبارًا تقوّي أواصر الوفاق والاتفاق بدلًا من إلهاب فتيل العداء والمشاحنات! ليتها تتجنب تقديم الأخبار والبرامج التي ترفع الضغط وتوتّر الناس!

فمن الأهمية بمكان أن يتمّ تفعيل وتطبيق المواد التي ينصّ عليها قانون الصحافة بدقة بالغة، وأن تُفرَض عقوباتٌ رادعة على الذين يخلّون بهذه القوانين! ولكن الأهم هو تبنّي تلك المواد ومراعاتها؛ ولهذا فمن الأهمية بمكان أيضًا إقناع العاملين بمؤسّسات الإعلام بأهمية هذه الموضوعات، وتوحيد آرائهم وأفكارهم حول القواعد الأخلاقية، وإبرامهم “ميثاقَ شرفِ” يتفق عليه الجميع.

ولكن رغم أننا قطعنا أشواطًا كبيرة في العملية الديمقراطية في السنوات السابقة، وتقدمنا خطوات كبيرة في ترسيخ القيم الديمقراطية فمن الصعب أن نقول إن المجتمع الآن مهيّأٌ تمامًا للقيام بمسؤوليات هذا الميثاق، حيث إن الشعورَ العام في المجتمع والبنية الاجتماعية -مع الأسف- غير مهيَّئين لتحقيق التطورات المطلوبة في هذا الأمر؛ إذ إننا لسنا على المستوى المطلوب من حيث انفتاح الفكر وسعة الوجدان.

ومع هذا فإن عدمَ مراعاة بعض وسائل الإعلام لهذا الأمر وتهورهم فيه لا ينبغي أن يدفعنا إلى أن نتشبه بهم، وعدمَ الوصول إلى اتفاق جماعي في هذا الموضوع لا يستلزم تركَه كُلّيةً، فإن إتيان الآخرين للمنكر لا يبيح أو يجيز لنا هذا المنكر، بل لو كان 99.9% من الناس يرتكبون المنكرات فإن هذا لا يجيز للباقين مجاراتهم، لأن الله تعالى سيحاسب الجميع فردًا فردًا في الآخرة، وحينها لا تزر وازرة وزر أخرى، ولا يُعفى عمّن قلد ذنوب الآخرين واقتدى بها؛ لأنه إن كان لا بد من الاتباع والتقليد فليقلَّدْ الآخرون في صوابهم فقط وليس في أخطائهم.

   أسلوب الخطاب

ومن ثمّ فعلى كل من يسعى لإقامة حياته على القيم الدينيّة والأخلاقية أن يراعي الدقة في مسألة القواعد الأخلاقية لوسائل الإعلام، وأن يكون قدوةً للآخرين في هذا الأمر؛ فمثلًا يجب على العاملين في البرامج التلفزيونية أن يستخدموا لغةً محترمة عند خطابِ بعضهم بعضًا، كأن يقولوا “السيد المراسل فلان” أو “السيدة المراسلة فلانة”، وبذلك ينتعش حسّ الاحترام بين أفراد المجتمع.

والواقع أن هذه المعاملة الطيبة كانت سجية عامة في مجتمعنا، ففي البيئة التي نشأتُ فيها لم يكن هناك أحد يخاطب غيره باسمه مجردًا، بل لا بد أن يضيف إليه “السيد فلان”، “أخي فلان”، “أختي فلانة”، فلا يذكر أحدٌ غيرَه إلا بمثل هذا الاحترام، أما إذا تخلى أحدٌ عن هذه المعاملة المحترمة ونادى غيره باسمه مجرّدًا فإن هذا يعتبر من قبيل الغلظة والفظاظة، وكأنهم كانوا يعتبرون هذا الخطابَ الفظّ عادةً جاهليّةً لأناسٍ لم يخرجوا من البادية بَعدُ.

فلو راعينا اليوم مثل هذه المعاملة المحترمة عند كتابة المقالات الصحفية أو عند تقديم البرامج التلفزيونية وخاطبنا بعضنا البعض بـ”السيد فلان”، “السيد الأستاذ”، “صاحب المقام”، بل لو عبَّرنا عن انتقاداتنا بنوعٍ من الاحترام كأن نقول مثلًا: “لقد تفضّلتم بكذا، ولكن ثمة وجه آخر للمسألة وهو كذا… “، وأصررنا على هذا التعامل المحترم؛ فإنني أعتقد بأن هذا السلوك سيلقى قبولًا حسنًا وتقديرًا كبيرًا لدى الآخرين؛ لأن القدرةَ على السريان لدى الأجسام المظلمةِ الكثيفةِ محدودةٌ، أما الأجسامُ الجميلةُ النورانيّةُ فإنها تسري بسرعة هائلة.

أجل، لا بدّ أن ننتقل بالأمر إلى موضوعات أهم وأعظم، وأن نسعى إلى إحياء قيمنا الضائعة مرة أخرى، وأن نحسّن ونعدِّل الأسلوب واللغة غير المنضبطة، وأن نكون ممثّلين للخير والجمال في جميع أنشطتنا، وأن نراعي لأقصى درجة حسن استخدام اللغة التي تُعدّ وسيلة تبادل بين الحضارات والثقافات، وأن نتجنّب الكلمات الزائفة، وأن نستخدم -بقدر المستطاع- الكلمات التي تعبر عن ثقافتنا الذاتية وجذورنا الروحية.

    الصدق والأخلاق

ولا جرم أن الصدق من أهم الأمور التي يجب مراعاتها عند تقديم الأخبار في وسائل الإعلام وكتابة المقالات وإعداد البرامج التلفزيونية، ولا يجوز لمؤمنٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يكذب عن قصد ويفتري على الأبرياء أو أن يشوِّه سمعتهم بالكذب والافتراءات، دع عن الكذب والافتراء، بل وحتى لا يجوز لمؤمن يمثّل الصدق أن يبالغ في الأخبار التي يقدِّمها، أو يذيع أخبارًا غير متأكد من صحتها، بل لا يجوز له أن يقدّم لوسائل الإعلام حقائقَ يُعتقَد أنها ستضرّ أفراد المجتمع.

وللأسف الشديد فإن بعض الناس رغم إيمانهم بالله لا يستطيعون الحفاظ على التوازن أحيانًا، ولكن يلزم ألا ننسى أن الحقيقة إن لم يُعبَّر عنها كاملةً عند الإخبار عن أي حادثة وذُكرَت أمورٌ تخالف الواقع فستضيع المصداقية بعد ذلك عند ظهور خلاف الأمور المدَّعاة، وسترتد هذه الأمور المشوبة بالإفراط والتفريط على أصحابها.

من أجل ذلك يلزم ألا نبتّ في الأمر إن لم تتضح لنا مقدماته وخلفياته، وألا نشرع فيه دون تروٍّ وفهمٍ عميقٍ للمسألة، وأن نتجنّب الأخبار المبالَغ فيها، وأن نكون معتدلين في تفسيراتنا وتأويلاتنا، وبذلك لا نخدع الناس، ولا نضيِّع مصداقيّتَنا وثقةَ الناسِ بنا، فضلًا عن أننا في الوقت ذاته سنخلِّف أدوات صحيحة للمحللين والمؤرخين الذين يأتون من بعدنا.

قد لا يراعي الآخرون شيئًا من هذا، ويتلاعبون بشرف الناس وكرامتهم، ويشوِّهون سمعة الكثيرين بقولهم “أطلق الشائعةَ فإن لم تصب هدفها فسيبقى أثرُها”، وقد لا يكون بوسعنا مواجهة هذا الأمر، ولكن وإن لم يكن لنا تأثيرٌ أو نفوذٌ على الآخرين فلا يصح أن نكون مثلهم ولا ينبغي لنا هذا، فما يقع على عاتقنا هو أن نبلّغ الصدق دائمًا، وأن نطرح كلَّ شيءٍ بصدق، وأن نتكلم بصدقٍ، ولا نتخلى أبدًا عن الصدق.

من جانب آخر ثمة مسائل مرتبطة بحياة الناس الشخصية، إن الله تعالى لم يكلّف أحدًا بالتجسس على الناس والبحث عن عيوبهم، والتجسُّسُ يعني تفقُّدَ أحوال الناس وتتبُّعَ عوراتهم، وهو أمر حرّمه الإسلام، فما يجبُ علينا عند الاطلاع على بعض آثام الناس هو سترها وليس إفشاؤها طالما أنها لا تضرّ بالحقوق العامة.

فمثلًا لا يقع على عاتق أحدٍ شهِد جُرمًا شخصيًّا أن يبلّغ القائمين على الأمر به، وكما أن هذا الأمر ليس من وظيفته فكذلك لا مسؤولية عليه إن لم يبلّغ، بالعكس يعتبر سترُه فضيلة.

وكلنا يتذكر هذه المرأة التي جاءت إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم معترفةً له بالزنا، فلم يتوقف النبي صلى الله عليه وسلم عند الواقعة، ولم يصرّ على معرفة تفاصيلها، ولم يصغِ كثيرًا إليها، بل إن وجهَه صلى الله عليه وسلم قد احمرّ حتى كاد يقطر دمًا، ثم حوّل وجهه إلى الميمنة، وسكت كأنه لم يسمع شيئًا، فقد حاول الرسول صلى الله عليه وسلم أن ترجع المرأة عن كلامها، ومنحها الفرصة تلو الأخرى خلال سنوات طويلة كي تستغفرَ وتتوبَ ولا تعود لطلَبِ الحدّ.

لكن مع الأسف اصطبغ هذا الأمر في أيامنا بشيء من الصفاقة والوقاحة؛ حيث بات الناس يتصيدون لغيرهم الذنوب والعيوب بدلًا من إخفائها وسترها، ويتجسّسون على حياتهم الشخصية، ويتسابقون في الكشف عن عيوبهم، وكثيرًا ما يتلاعبون بشرف الناس وكرامتهم وأعراضهم، وكل ذلك من أجل جذب الأنظار وزيادة أعداد القراء والمشاهدين فحسب، الأمر الذي نتج عنه أن ساءت حياة الكثيرين منهم، وهذا أمر لا يتوافق مع الدين ولا مع الإنسانية، سامحوني.. إنها وقاحةٌ صريحةٌ.

إن تقديمَ المتهمين الذين انتهكوا حقوق الآخرين وأفسدوا النظام العام ومعاقبتَهم شيءٌ، وفضحَهم أمام الملإ والتعامل بتهوّر دون مراعاة لكرامة الناس وشرفهم شيءٌ آخر، فإن الجرم لو وقع تتدخل النيابة العامة في الأمر، وتحيل المتهمَ إلى المحكمة، فإن ثبتَت الأدلةُ ضدّ هذا المتهم ينالُ عقابه، لكن مثل هذا التحقيق والتنقيب ليس من مهمة وسائل الإعلام.

ولو نظرنا إلى المسألة من حيث التربية الإسلامية، والمفاهيم الإنسانية، وقواعد الأخلاق العالمية للاحظنا أن المحكمة حتى وإن أدانت المتهم بأن حكمت عليه بأنه لصُّ أو ناقصُ مروءة أو شريرٌ فليسَ من حقِّ وسائل الإعلام نشرُ هذا الخبر، فلا أحدَ يحوز فضلًا أو يكسب ثوابًا من الله لمجرد أنه أخبر الرأيَ العامَ عن مثل هذه الوقائع، بل الثواب في سترها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى في أحاديثه الشريفة بستر الذنوب والعيوب، وبشَّرَ الذين يسترون عيوبَ الناس في الدنيا بستر عيوبهم في الآخرة[1]، فهذا هو ما تقتضيه الأخلاق والتربية الإسلامية.

ولذلك فكما أن قصد المسلم لمالِ غيره أو روحه أو عرضه يُعدُّ جرمًا عظيمًا فكذلك نشر مثل هذا الجرم باللسان أو القلم يعد جرمًا ووقاحةً أخرى، فمن الناس مَن ينزلق أحيانًا بسبب اتباعه لنفسه وشيطانه، ثم تأتي وسائلُ الإعلام وتُفشي سرّه وتكشف خبايا أمره، وعندها يظل هذا الشخص طوال عمره منكّس الرأس من الخزي والعار الذي لحق به، بل قد لا يقتصر هذا الخزي على الشخص وحده، ويتعدّى إلى أسرته أو عشيرته أو جماعته؛ فلا حقّ لأحدٍ أن يكون سببًا في خزي الناس وتحقيرهم، فمثل هذه الوقاحة لا علاقة لها بحقِّ استقصاءِ الأخبار أو إذاعتِها، فليس هناك دِين إلهي أو نظامٌ بشري سليم يسمح بذلك الحق ألبتة. أجل، الذنبُ ذنبٌ، ولكن سحقَ الناسِ بسبب هذا الذنب وتعريضَهم للخزي والهوان ذنبٌ أكبر.

ولقد ورد أن بني إسرائيل لحقهم قحطٌ على عهد موسى عليه السلام فاجتمع الناس إليه فقالوا: يا كليم الله ادع لنا ربك أن يسقينا الغيث، فقام معهم وخرجوا إلى الصحراء وهم سبعون ألفًا أو يزيدون، فقال موسى عليه السلام: “إلهي اسقنا غيثك وانشر علينا رحمتك وارحمنا بالأطفال الرضع والبهائم الرتع والمشايخ الركع”، فما زادت السماء إلا تقشعًا والشمس إلا حرارة.. فقال موسى عليه السلام: “إلهي اسقنا”.. فقال الله تعالى: “كيف أسقيكم؟ وفيكم عبدٌ يبارزني بالمعاصي منذ أربعين سنة فنادِ في الناس حتى يخرج من بين أظهركم ففيه منعتكم”.. فصاح موسى في قومه: “يا أيها العبد العاصي الذي يبارز الله منذ أربعين سنة اخرج من بين أظهرنا فَبِكَ مُنِعْنَا المطر”.. فنظر العبد العاصي ذات اليمين وذات الشمال فلم ير أحدًا خرجَ، فعلم أنه المطلوب، فقال في نفسه: إن أنا خرجتُ من بين هذا الخلق افتضحتُ على رؤوس بني إسرائيل، وإن قعدتُ معهم مُنِعوا لأجلي، فانكسَرت نفسُه ودمعَتْ عينُه، فأدخل رأسَه في ثيابه نادمًا على فعاله، وقال: إلهي وسيدي! عصيتُك أربعين سنة وأمهلْتَني، وقد أتيتك طائعًا فاقبلني! وأخذَ يبتهل إلى خالقه، فلم يتمّ الكلام حتى ارتفعت سحابةٌ بيضاء فأمطرت كأفواه القِرب، فعجب موسى وقال: “إلهي سقيتَنا وما خرج من بين أظهرنا أحد”، فقال الله: “يا موسى سقيتُكم بالذي به منعتكم”، فقال موسى: “إلهي أرني هذا العبد”، قال: “يا موسى إني لم أفضحه وهو يعصيني أأفضحه وهو يطيعني؟!”[2].إن هذا الخلقَ إلهيٌّ وعلينا أن نتحلى به، إلى جانب الاستغفار والتوبة الجماعية.

لكنه من المؤسف أن كثيرًا من وسائل الإعلام محرومةٌ من مثل هذه التربية؛ إنها تلعب بشرف العديد من الناس بهدف رفع نِسَب المشاهدة، حتى إنها لا تتورع عن أن تنشر في الصحف والمجلات ومواقع الانترنت أو القنوات التليفزيونية بعضَ أخبارٍ مختلَقَة تقدّمها دون مصدرٍ أو توثيق، تفعل هذا وكأنها فتحت عيونها وراحت تنتظر أن تفتضح عورات الناس كي يستغلوها وينشروها ويُتاجروا بها.

إنني حين أشاهد مثل هذه الأخبار لا أتمالك نفسي من أن أقول: “هذا يعني أنها تعاني ضحالة خطيرة في الفكر، ونظرًا لعدم امتلاكها أفكارًا مهمة تقولها للأمة تسعى إلى إثارة الهياج والحماس، والتعبير عن نفسها بأشياء غير سليمة.. إنها تحاول -من جهةٍ ما- سترَ عيوبها وأخطائها الشخصية بواسطة مثل هذه الأخبار والتعليقات”.

ومهما يفعل الآخرون فإنه يجب على المؤمنين بالله حق الإيمان ألا يذيعوا عيوب الناس وخطاياهم، وعليهم أن يكونوا قدوةً لغيرهم في هذا الأمر، وبدلًا من الانشغال بعيوب الآخرين لِينظروا إلى فضائلهم ويُقدّروها.. عليهم أن يسعوا إلى إعداد مواد إخبارية تُسعد الناس، وتُطلق وجوههم، لا تُخزيهم وتُخجلهم.. وكما أن الأخلاق الإنسانية تستلزم هذا فإن الأخلاق القرآنية التي تتمثل فيها الأخلاق الإنسانية بأسمى أشكالها وأعلاها تستوجب هذا أيضًا.. فلا يليق بالمسلمين أن يقولوا: “إن الناس جميعًا على هذا المنوال، ونحن نفعل مثلهم”، لأنه -وكما ذكرنا في البداية- لو تلبّس الجميع بالشرّ ولم يبق سوى إنسان واحدٍ فما يقع على كاهله هو مواصلة السير في الطريق الصحيح الذي يعرفه.

ولا تخفى الأهمية البالغة للأسلوب الذي يجب أن يتعامل به مَن يُمثِّلون الإسلام في هذه القضايا؛ فالتصرفات الصحيحة وكذلك الخاطئة التي يقومون بها لا تبقى قاصرة عليهم أنفسهم، بل تُعزى إلى الدين في الوقت نفسه، فإن كانت أحاسيسهم وأفكارهم كما يأمر الإسلام، وتصرفوا وفقًا للإسلام ونفذوا أنشطتهم كلها في إطاره؛ دفعوا الآخرين إلى التعاطف مع الإسلام، وعندها يقول من يراقبونهم “ما أجمل ما يحمله هذا الدين من نظامٍ بديع!”، وهكذا لا بد من العثور على السبل التي تؤدي بالآخرين إلى هذا القول، وجعلهم يغبطونهم على أنهم مسلمون، وإثارة الإعجاب والاستحسان لديهم.

(هذا المقال سيتابع في الأسبوع القادم).

 

[1] انظر: صحيح البخاري، المظالم، 4؛ صحيح مسلم، البر، 58.

[2] ابن قدامة: كتاب التوابين، 55.

الجَرَّة المشروخة: غيــــــرة الله

Herkul | | العربية

   سؤال: ذكرتم في مناسبات شتّى أن وقوع الظلم أو ارتكاب بعض الذنوب يفضي إلى إثارة غيرة الله، فما المعنى المقصود من أن الله غيور أو إثارة غيرة الله؟

   الجواب: لا يعزب عن علمكم أن اسم “الغيور” لا وجود له بين أسماء الله الحسنى، بل إننا لا نكاد نجد مثل هذا الاسم بين الأسماء الحسنى التي نصّ عليها القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، أو التي أفاض في ذكرها أمثال محي الدين بن عربي، أو التي ورد ذكرها في كتب الأدعية، ولا يعني ذلك أن هذا الاسم لا وجود له في الحقيقة؛ فربنا سبحانه وتعالى وإن كان قد أعلمنا ببعض أسمائه الحسنى في القرآن الكريم، وأخبر ببعضها أنبياءه العظام عليهم السلام، فقد اختص لنفسه بعضَ الأسماء الأخرى؛ لأن العوالم التي خلقها الله سبحانه وتعالى ليست عبارة عن العوالم المادية التي نعلمها فقط، إنما له سبحانه وتعالى عوالم أخرى لا نعلمها تتجلى فيها أسماء أخرى نجهلها، لكن نظرًا لأن معرفة هذه الأسماء والإيمانَ بها لا يعنينا كثيرًا ربما من أجل ذلك لم يخبرنا الله تعالى بها.

   الأفعال التي تثير غيرة الله

ومع ذلك فكما جاء في السؤال نصَّتْ بعض الأحاديث الشريفة عن غيرة الله تعالى، ويُفهم من ذلك أن هذه الغيرة هي خُلُقٌ ربّاني مهمّ، ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ اللهَ يَغَارُ وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ وَغَيْرَةُ اللهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ[1]، ويقول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: “مَا أَحَدٌ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ وَمِنْ غَيْرَتِهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ[2].

وعن الْمُغِيرَةِ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رضي الله عنه: “لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ”، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: “أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي[3].

لقد خلق الله الناس بفطرة سليمة سويّة، وفرض عليهم بعضَ الحدود والمحاذير، ودلّهم على العيش في عفة وطهارة دون الوقوع في الذنب، فلو لم يراع الناسُ الحدود التي افترضها الله عليهم وأفسدوا الفطرة السليمة التي فطرهم الله عليها بارتكابهم الذنوب والمعاصي ودنّسوا قلوبهم وضمائرهم كالصبية المشاغبين الذين يلعبون ويدنّسون ملابسهم؛ فقد تسببوا بحالهم هذه إلى استثارة غيرة الله تعالى.

وإذا أردنا مزيدًا من التفصيل فلنقل إن الله تعالى خلقنا من العدم، ولم يكتف بهذا، بل وهبنا الحياة والشعور والعقل والفكر، ودلّنا على سبل الهداية بأن أرسل إلينا أنبياءه عليهم السلام وأنزل علينا كتبه؛ أي إن الله تعالى وهو يأمرنا بأداء وظيفة العبودية وهبنا ما يلزم لنقوّي صلتنا به على الوجه الصحيح، من أجل ذلك فإن الإنسان لو انحدر في طريق الفسق والفجور، وارتكبَ المنكرات، فأفسدَ فطرته السليمة؛ فقد استثار غيرة الله عز وجل؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يترك للإنسان عذرًا بعدما أنعم عليه بكل هذه النعم وأرشده إلى الصراط المستقيم.

إن الإنسان إذا ارتكب ذنبًا لا يفسد فقط الفطرةَ السليمة التي فُطر عليها، بل يكون بذلك قد عصى الله أيضًا؛ لأنّ تجاوُزَ الحدود التي فرضها الله وانتهاكَ المحاذير التي وضعها سبحانه وتعالى يعني -من جهة ما- مجابهة الله بالتمرد والمعصية، وكما جاء في الأحاديث الشريفة التي ذكرناها آنفًا فإن ربنا سبحانه وتعالى يغار إذا أتى المؤمن ما حرّم الله عليه.

ولا جرم أن أعظم معصية تثير غيرة الله هي الإشراك به، وإنكار وجوده، لأننا إذا نظرنا إلى المسألة بمنظور بديع الزمان سعيد النورسي فسنجد أن كل من أنكر وجود الله فقد تعامى عن كل الآيات التكوينية التي تدل على وجود الله ووحدانيته، وضرب بكل صحائفها وسطورها وكلماتها عرضَ الحائط، ولا شك أن التعاميَ عن آثار الله البديعة التي عرَّفَنا ربُّنا بنفسه من خلالها، وغضَّ الطرف عن شهاداتها، وسدَّ الآذان عن سماعها بل وإنكارها؛ هو جرمٌ عظيمٌ لا شكّ أنه سيُثير غيرةَ الله.

ويمكن أن نشبِّه غيرةَ الله -من جهةٍ ما- بدفاع الناس إذا انتُهكت أعراضُهم واستولِي على أموالهم واعتدِي على حرياتهم، أو بتطبيق الدولة العقوبات على المواطنين الذين ينتهكون قوانينها؛ لأن الإنسان تكمن في طبيعته غيرة إزاء الحفاظ على هذه القيم المذكورة، فلا أحد يتحمّل أن يُنتهك عرضه أو يُدنَّس شرفُه أمام عينيه، وعلى هذه الشاكلة لا يرضى الله عز وجل -ولا أستطيع أن أقول “لا يتحمل” في حقّ الله تعالى- بأن تُداس القوانين التي وضعها، ولا أن يُتعدَّى على الحدود التي فرضها؛ أي كما أن في الإنسان غيرةً وإنكارًا للظلم فإنّ الله سبحانه وتعالى له غيرة، لكنها غيرةٌ خاصّة به، تليق بذاته العليّة، فهو يُمهل ولا يُهمل.

   إمهال الله تعالى

إن الله تعالى لا يتعجّل في معاقبة عباده على سيئاتهم وذنوبهم وخطاياهم، ولكنه يعطيهم مهلةً بعد أخرى حتى يتعقلوا ويُقلعوا عن أخطائهم التي ارتكبوها، حتى إن سيدنا أبا بكر رضي الله عنه كان يتعجب من إمهال الله للفجار والظالمين، ويقمع مشاعره وينفِّس عن نفسه بقوله: “مَا أَحْلَمَكَ يَا رَبَّنَا”.

فلو كانت العقوبات التي ستُفرض على الذنوب والجرائم متوقفةً على حكم البشر فلربما فَنِـيَ البشرُ، لكن سنّةَ الله تعالى اقتضَتْ ألّا يتعجل بمعاقبة عباده العاصين، وهذا الخُلُقُ الإلهي تبيِّنه الآية الكريمة: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (سورة النَّحْلِ: 16/61).

أجل، لا يتعجّل الله في معاقبة الناس لأن رحمته سبقت غضبه، ولكن يجب على الإنسان الذي يخوض في مستنقعات الذنوب والمعاصي ألا يتمادى في معاصيه لما يرى من صبر الله عليه وإمهاله له، بل عليه أن يفكرَ في المهلة التي مُنحَت له ويرتعدَ خوفًا؛ لأنه سبحانه وتعالى يُمهل ولا يُهمل، والآية الكريمة تقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (سورة الزَّلْزَلَةِ: 99/7-8).

وهنا يجب أن نعلم أن إمهال الله للإنسان الذي أبحرَ في لُـجّـةِ المعاصي هو نوعٌ من أنواع الابتلاء، فلو اعتقد الإنسانُ أنه أفلتَ من العقاب، وأن أموره ستبقى على ما يُرام، ولم يرجع عن خطئِه، وركَنَ إلى الغفلة؛ فقد خسر الامتحان، أما إذا تحرّك على بصيرةٍ وتعقُّل، وعمد إلى تلافي قصوره وأخطائِه فقد فازَ في الامتحان؛ وهذه واحدةٌ من الحِكَمِ الإلهية التي تقف وراء إمهال الله لعباده المذنبين.

وإلا ألزم الله الحدّ لمَنْ لا يلتزمون حدودهم، وأعلمهم قدرهم، وقد يأتي يوم تُثار فيه غيرة الله على الذنوب والمعاصي، ويستأصل سبحانه وتعالى شأفة الظالمين والعصاة، يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ[4]، وعقب ذلك يذكِّر بقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (سورة هُودٍ: 11/102).

   احترام التدابير الإلهية

إن الإمهالَ وعدم التعجيل بالعقاب من قوانين الله تعالى، أي إنه سنَّة الله؛ فالله عزّ وجل يسمح إلى وقت معين ببعض المخالفات في هذا النظام الذي أسّسه، أما نحن فربما لا نستطيع دائمًا أن نعي ماهية المسألة، ومن ثم ينبغي لنا أن نتجنب التصرفات التي تعني اعتراضًا أو تشكّيًا من المسائل التي عجزت عقولنا عن إدراكها، وإن عشنا حالة من الحيرة والدهشة بين الحين والآخر لعجزنا عن معرفة السبب في أن غيرة الله لم تمس الظالمين المستحقين للعقاب فيلزمنا إزاء هذه الإجراءات الإلهية أن نصبر دائمًا ونقول “لله في كل أمر حكمةٌ؛ فهو لا يفعل شيئًا عبثًا”، علينا أن نقابل بالصبر والشكر كل حادثة نطلع عليها أو نتعرض لها، وألا نقصر في تعظيم الله تعالى مهما يحدث لنا، وألا نتساءل عن أيٍّ من أفعاله على الإطلاق.

وكما تكون للإنسان مواضع يشعر فيها بالحماس والهيجان هناك أيضًا مواضع يجب أن يلتزم فيها الهدوء والصبر والحذر، فمثلًا ينبغي للمؤمن أن يكون مفعمًا بالهيجان والحماس والشد المعنوي فيما يتعلق بتطبيق أوامر الدين جميعها، وأدائِها أداءً تامًّا بكل دينامياته الداخلية والخارجية، والفوزِ برضا الله، وتعريفِ الجميع بالذات الإلهية، والإسهامِ في تلاقي القلوب بالله تعالى عبر إزالة الموانع التي بين الله والناس، وأداء الخدمات المنوطة به، ومهما تعرض لمختلف أنواع العقبات، ومهما دُمِّرت خططه وإستراتيجياته، واحتُلت قلاعه، عليه أن يواصل من جديدٍ المسيرَ في طريق الخدمة مستعينًا “بالله”، ذلك أن وقوف القلب إلى جانب التصرفات والأعمال المنجزة، ومخالطة الهياج والحماس الداخلي للأعمال المنفذة مهمة للغاية في سبيل فهم الإسلام الحقيقي ومعايشته.

إنّ التحلّيَ برباطة الجأش إزاء تقديرات الله ومشيئته واجبٌ حتميّ؛ لا سيّما إن جاءت مخالفةً لرغبات الإنسان.. حتى وإن أدّت لأحداثٍ ووقائع يتفطَّرُ لها وجدانه فعليه أن يقابلَها بصبرٍ ورضًا، ثم يُخضِعُها للتأمّل والتدبّر.. أي إنه يجب السيطرة على الهياج والحماس في مثل هذه الأوضاع، والتحرك بفطنة وتعقُّل.

تُرى ماذا يكمن وراء هذه الحوادث؟ ماذا تعني بالنسبة لنا؟ تُرى هل ذنوبُنا وأخطاؤُنا وغفلتُنا هي التي تسبَّبت في هذا؟ أيُّ نوعٍ من الذنوب والأخطاء تسبَّبَ في هذا؟ أم أن الله تعالى يريدُ تنبيهَنا وتحذيرَنا كي نفتح أعيننا ونركز أكثر؟ أم أنه تعالى يريد أن يمحصنا ويشحذنا ويقوّينا بالابتلاءات والمصائب حتى نستطيع التغلب على مشكلات أكبر في المستقبل؟

هكذا ينبغي تقييم كل هذه الأمور برباطة جأش وحذر، ثم القيام بما يجب القيام به؛ فالحماس حين يكون في موضعه يكون مفيدًا بالنسبة لنا، بل وكما أن ذلك يكون وسيلة لأن نرتقي عموديًّا إلى أفق القرب، فإن استخدام التدبير المناسب في موضعه، وكذلك الصبر والتؤدة يرقى بنا إلى ذلك الأفق بالشكل نفسه أيضًا.

ويمكننا أن ننظر إلى المسألة من خلال الحكمة القائلة: “مَنْ آمَنَ بِالْقَدَرِ أَمِنَ مِنَ الْكَدَرِ”؛ أي إن كل من يؤمن بالقدر وأحواله ينجو من كل كدر ودنس في عالمه العقلي والروحي، ويحمي خياله وتصوراته من الأفكار الدنسة، ويظفر بالأمن والطمأنينة في عالمه الداخلي.. وينبغي كذلك أن نتذكر أن كل أنواع السعي والاجتهاد الذي يبذله الإنسان ليحافظ على طهارة عقله وقلبه ويدفع عنهما الأفكار الدنيئة القذرة سوف تسجل في سجل حسناته من جملة العبادات.

   القشة التي قصمت ظهر البعير

أجل، قلنا إن الله تعالى يمهل العباد الغارقين في مستنقعات الذنوب والظلم حتى يستفيقوا ويتعقلوا، ولكنهم حين يصرون على عصيانهم وتمردهم يأخذهم سبحانه أخذ عزيزٍ مقتدر ويعاقبهم على فعلهم، غير أننا لا نعرف أية قطرة هي التي ستجعل الكيل يطفح، ولا القَشَّةَ التي ستقصم ظهر البعير، ومتى ستمسّ الذنوبُ غيرة الله، ومتى سيعاقبُ الله الظالمين!

وثمة منقبة تتعلّق بهذا؛ حيث يُحكَى أن مجموعةً من اللصوص وقطاع الطرق اعترضوا طريق قافلةٍ متجهة إلى الحج، وأخذوا كل ما تحمله من أموال قيمة ثمينة، وكان في القافلة شخص من أهل الله كان قد خرج بمفرده إلى الحج ولكنه انضم إلى هذه القافلة في الطريق لاحقًا، فلما رآه كبيرُ اللصوص يبدو هادئًا ومطمئنًّا جديرًا بالثقة هكذا ذهب إليه واثقًا بأنه سيصدقه القول، وسأله: “هل بقي عند أحدٍ مالٌ أو شيءٌ ثمينٌ آخر؟”، فأجابه على الفور: “نعم، إنَّ رئيسَ القافلة يرتدي قميصًا فاخرًا للغاية”؛ فأخذوه أيضًا بين جملة المسروقات.

لقد تأذّى رئيس القافلة مما فعله تجاهه هذا الشخص رغمَ أنه كان قد أحسن إليه وضمه إلى قافلته، ولكنه لم يرد قول شيء لهذا الشخص الذي ما زال يُحسن الظن به، وبعد مدة قصيرة قبض رجال الشرطة على هؤلاء اللصوص جميعًا، وأعلنوا للعامّة أن من سُرِقَ منه شيءٌ فليأتِ لاسترداده، حينها سأل رئيسُ القافلة هذا الشخص لماذا أخبرهم عن قميصه، فأجابه: “نظرتُ إلى ما فعله هؤلاء الظالمون، فإذا بي أرى مسافة قصيرة بينهم وبين استثارة غيرة الله، فتصرفْتُ هكذا بحيث يزداد ظلمُهم أكثر فأتعجّل بهم غيرةَ الله تعالى”.

وعلى أية حال فإنّ هذه حكاية من حكايات المناقب، والمناقبُ يُنظر إلى فصلها أكثر من أصلها، إلى الرسالة التي تريد إيصالها، ولذلك فإننا نفهم من هذا أن لكل شيء حدًّا، فإذا ما تجاوزه فإنه يمسّ غيرة الله، فالظلم يُرتكب مرة واثنتين وأكثر، ثم بعد ذلك يمسّ غيرة الله تعالى.

   كيفية تجلي غيرة الله

إننا ننزعج إزاء الاعتداءات والتجاوزات التي تمس غيرتنا، ونشعر بالقلق والاضطراب نحوها، ونفعل ما بوسعنا لمنعها، لكن عباراتٍ من قبيل الانزعاج أو القلق والاضطراب إن استُخدمت بحقنا لا يمكن استخدامها بالنسبة للذات الإلهية، بيد أنه ورد في القرآن الكريم حديثٌ عن غضب الله عز وجل، وعلينا هنا أن نفهم المسألة بما تستلزمه، أي حين يغضب إنسان يفعل ما يفعل، وهكذا ينبغي لنا أن نحاول أن نفهم معنى غضب الله، فكما أننا نعاقب المجرمين والمعتدين على حقوق الآخرين بيد العدالة سوف يجازي الله تعالى أيضًا الظالمين والعصاة بأشكال مختلفة سواء في هذه الدينا أو في الآخرة.

ومهما أُمهل السائرون في طريق الغي والضلال إلا أنهم إذا جاوزوا الحدَّ فأثاروا غيرةَ الله فسوف ينالون عقاب كل جرائمهم التي اقترفوها، وكما يمكن أن تكون هذه العقوبة من خلال التعرض للبلاء والمصائب أحيانًا، تكون أحيانًا أخرى بانتزاع الإيمان من العصاة والظلمة في لحظة الموت، لكن ليس من الصحيحِ أن ننتظر دائمًا حدوث هذا العقاب في الدنيا، ولا سيما العقاب على الكفر فأمره متروك للآخرة لأنه سيكون ثقيلًا وعظيمًا للغاية.

كنت سمعت من الأستاذ “يشار طونه كور” عن حادثة عاشها شخصيًّا أو أحد المقربين إليه على النحو التالي: بينما كان صاحب الحادثة يملأ دلوه عند نبع الماء كي يسقي حصانه جاء شخص ثانٍ، فتجاوزه دون أدبٍ وأراد أن يسقي حصانه، فلما طلبَ الأول من الثاني أن ينتظر لأنه لم ينته من عمله بعدُ؛ صفعَه الثاني دون وجه حق! ودون أن يقابل الأوّلُ هذا الفعلَ بأي ردٍّ؛ ذهب إلى شيخه، وقصَّ عليه ما حدث، ففطن شيخُه إلى الأمر، مما يدلّ على أنه كان من أهل الحال، وقال له: “اذهب إلى ذلك الشخص حالًا، وقل له إنك تسامحه! فإنك إن تركت الأمر لله فعقابُه سبحانه سيكون شديدًا”. وعليه، انطلق الرجل راكضًا، فلما وصل إلى البئر نظر فإذ بحصانه قد طرح الرجل أرضًا برفسة منه”.

ولكن ينبغي القول إن أسلوب المظلوم وحاله مهمّ للغاية في مسألة أن يُثير ظلمُ الظالم غيرةَ الله تعالى؛ فظلمُ المظلوم لنفسِه أحيانًا ما يُعادل ظلمَ الظالمِ له، أي إن الله تعالى حين يحكم بحقّ الظالم ينظر إلى المظلوم إن كان قد وفّى حقّ موقعه بالفعل أم لم يوفِّه، فإن لم يستطع المظلوم أن يكون عبدًا وفيًّا لله تعالى، ولم يتّجه إليه بإخلاص، وإن وقع في مجموعة من التصرفات السلبية، أَخَّر الله تعالى عقاب الظالمين، لذا فبينما يجب من جانب أن تصل المظالم المرتكبة إلى حدٍّ ما كي تتجلى غيرة الله تعالى، يجب من الجانب الآخر ألا يكون في تصرفات المظلومين والضحايا وسلوكياتهم ما يمكنه أن يكسر هذا ويحول دون تحققه.

لذلك فإن الأمر يدور ويدور ثم يرجع إلينا، وهذا يقتضي منّا أن ننظر إلى أنفسنا أولًا وقبل كل شيء، علينا أن نوقن بأن الله لا يظلم أحدًا من عبيده مثقال ذرة، وأنه لا يضيع حقّ أحد، ولكننا قد نضيع أنفسنا أحيانًا بأشياء صغيرة للغاية دون أن ندرك ذلك، ولذلك يجب علينا ألا نندهش إذا نظرنا إلى حال الظالمين وإمهال الله تعالى لهم، بالعكس ففي مثل هذه القضايا يلزمنا أن نضع في حسبانِنا حالَنا أنفسَنا بالدرجة الأولى، ونقول: “أي نوع من الأخطاء ارتكبناه يمكنه أن يكون السبب في إمهال الظالم؟!”، وعلينا حتى وإن كانت كل تصرفاتنا سليمة، وحياتنا رمزًا للصواب أن نتصرّف بشجاعة ونقول: “إن كان لدينا اعوجاج وانحراف، فأفسدنا تناغم الخدمات المبذولة، وتسببنا في اضطرابها فإن باطن الأرض خيرٌ لنا من ظاهرها”، إن نظرنا إلى المسألة هكذا لم ننتقد القدر، ولم نقع في أقوال غير لائقة عن الذات الإلهية، ولم نسِئ الظن في الآخرين.

***

[1] صحيح البخاري، النكاح، 6؛ صحيح مسلم، التوبة، 36.

[2] صحيح البخاري، النكاح، 107؛ صحيح مسلم، التوبة، 32-36.

[3] صحيح البخاري، الحدود، 42؛ صحيح مسلم، الطلاق، 17.

[4] صحيح البخاري، تفسير السورة (11) 5، صحيح مسلم، البر، 61.

الجَرَّة المشروخة: الموقف المتوازن

Herkul | | العربية

   سؤال: كيف يكون موقفُنا إزاء من يسيئون إلى قيمنا الذاتية التي نؤمن بها ونحترمها؟

   الجواب: بدايةً يلزم التنبيه إلى أن الوقت بالنسبة للمؤمنين ذو قيمةٍ بالغة؛ مما يستدعي استغلاله على الوجه الأمثل وعدم إهدار أي جزء منه؛ لأن صرْفَ الوقت فيما لا طائل منه يدخل ضمن الإسراف الذي حذَّر ربُّنا سبحانه وتعالى منه بقوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 7/31)، ولقد نوّه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيمة الوقت بقوله: “نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ“، فعلى المؤمن أن يحتاط للأمور التي يقضي فيها وقته، وألا ينشغل فيما لا طائل منه، وأن يتجنّب -بقدر الإمكان- الأمورَ التي تُشتّت ذهنه وفكره.

ولا شك أن مراعاةَ هذا الأمر، والعملَ على تنقيح الفيديوهات والمقالات المتاحة للمشاهدة والقراءة، والاستعانةَ بالوسائل التي تخدم مصالحنا وتفتح آفاق فكرنا وتُثري فلسفتنا وإستراتيجياتنا الخدمية؛ قد صار له أهمية أكبر، وخاصة في أيامنا التي ذاعت فيها وسائل الاتصال وانتشرت وأصبح بوسع كل إنسان أن يكتب ما يشاء ويتحدث كما يريد.

   ترك ما لا يعنينا

ويا ليتنا نجد وسيلةً -بمجرد الضغط على زر الإنترنت أو التلفاز- نصل من خلالها إلى برامج معيّنة تعود بالنفع على مصير أمّتنا، والوضع العام لعالمنا الإسلامي، ومستقبل الإنسانية؛ حتى نتمكن من تجنُّبِ ما لا جدوى منه، وما قد يُسبب في تشتُّتِ أفكارنا أو تلوّثِ أذهاننا بلا داع، ففي الحديث الشريف يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موصيًا المؤمن بالدقة والحذر في هذا الأمر: “مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ[1].

وكلمة “مَا لَا يَعْنِيه” الواردة في الحديث الشريف تعني الأمور الفارغة غير الضرورية التي لا يمكن أن تمثِّل غرضًا ومقصدًا أساسيًّا بالنسبة للإنسان، والتي لا تعود بالنفع على حياته الدنيوية أو الأخروية، فيجب على الإنسان أن يتجنب مثل هذه الأمور، ويهتم بالأشياء النافعة فقط؛ لأن لكل إنسانٍ قدرات محدودة، وما يقع عليه هو أن يستغل تلك القدرات في الأمور المناسبة التي تجلب النفع له، أما لو انشغل بالأمور التي لا تعنيه بشكل مباشر يتشتت ذهنُه وتخور قواه، ونتيجة ذلك يفقد تركيزه في الأمور التي يجب أن يكثِّف فيها فكره وذهنه.

من جانب آخر فلو شَغَلْنا أنفُسَنا أكثر من اللازم بما يتفوّه به البعض من وقاحات حول الأمور الدينية وسفاسف الأمور؛ فإنّ ذلك سيعود علينا بالسلب فيما بعد؛ كأن نشرعَ بالحديث فيما بيننا عن كلِّ ما نسمع به، وننشغل بمثل هذه الأمور التافهة بلا داع، وبعد فترة قد نتورط نحن كذلك في الأمر نفسه ونأخذ في الحديث بوقاحة حول مثل هذه الموضوعات دون شعور.. فإذا كانت كثرةُ الضَّحِكِ -كما قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم- تُميت القلب فإن مثل هذه الأشياء تتسبّبُ بِجرْح غائر في حياتنا الروحية والقلبية، ولهذا فإن المعيار في هذا الأمر هو الاشتغال بالموضوعات التي تَزيد من عشقِنا وشوقِنا وشَدِّنا المعنوي إزاء ديننا وتديُّننا.

إن الاشتغال بهذه الأمور التي تعارض مبادئنا الأساسية لا يرجع بأي فائدة، بل إنه يعود علينا بالضرر، بأن نشهد الظلم ونستمع إليه دون داعٍ؛ لا سيما إن لم نكن في موقع يؤهلنا للتصويب أو الردّ بمعقولية على هذه الأحاديث والبيانات.

من جانب آخر يجب على الذين يتحدّثون في الأمور الدينيّة خاصَّةً أن يتوخَّوا المزيد من الحذر، وذلك بأن يستعدوا ذهنيًّا قبل الحديث، ويتحرَّوا الدِّقَّـةَ والعنايةَ بالمسألة التي سيتحدثون فيها، حتى يمكنهم أن يعبروا عن مقاصدهم بشكلٍ صحيح، أما الحديث ارتجاليًّا، واستخدامُ عبارات مهلهلةٍ مهترئةٍ فلا تفيد الناس ولا تنفعهم في شيء، لا سيما إذا كان الحديث يدور حول أمور تتعلق بالدين أو يعني شريحةً كبيرةً في المجتمع، فمثل هذا الأمر يتطلب المزيدَ من العناية، والحفاظَ على الجدِّيَّـةِ، وتحاشيَ البيانات التي قد يُستَفادُ منها فهمًا خاطئًا، وتَمثُّلَ الأفكار المستقيمة على الدوام.

   الصبر والتحمل

ومن جانبٍ آخر فليسَ واجبًا على المؤمن أن يردّ على كل كلمة تُقالُ حول القيم التي يؤمن بها ولا على البيانات التي تُسِيءُ إليه مباشرة، ولا أن ينشغل بإعداد الردود على الدوام.. وإنما الواجبُ حيال هذا الأمر أن نهتديَ بهديِ القرآن الكريم، يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (سُورَةُ النَّحْلِ: 16/126).

وعلى هذا المنوال جاءت أفعالُ نبيِّنا الكريم صلى الله عليه وسلم، فعندما شَتَمَ رجُلٌ أَبَا بَكْرٍ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ، جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْجَبُ وَيَتَبَسَّمُ، فَلَمَّا أَكْثَرَ رَدَّ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ بَعْضَ قَوْلِهِ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَامَ، فَلَحِقَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَانَ يَشْتُمُنِي وَأَنْتَ جَالِسٌ، فَلَمَّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ، غَضِبْتَ وَقُمْتَ، فقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّهُ كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَنْكَ، فَلَمَّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ، وَقَعَ الشَّيْطَانُ، فَلَمْ أَكُنْ لِأَقْعُدَ مَعَ الشَّيْطَانِ[2].

   الردّ بتوازنٍ ومعقوليةٍ

ولكن رغم أنه ليس من الصواب الرد على كل الكلمات والبيانات التي تسيء لنا حيث قد يؤدي هذا إلى ضرر أكبر؛ إلا أنه من الواجب على الذين هم في موقع يؤهِّلهم لمخاطبة الآخرين والرد عليهم أن يقوموا بما يقع على عاتقهم ويتناولوا ما قيل بالتصحيح والتوضيح، ضمن المعايير والأُطُرِ الواجب مراعاتها.

ومن ذلك ألا ينساقَ الإنسانُ خلفَ مشاعره في هذا الأمر، وألا يتكلّم ساعة الحِدّة والغضب، وإلا أخطأ خطأً فادحًا في حين أنه لا يقصد إلا مجرّد الردّ، إذ إنّ الانسياقَ وراء المشاعر والبحثَ عن البدائل لإشباع الرغبة في الردّ على كلام الآخرين يوقعُ صاحبه في تصرّفاتٍ تفضي إلى الكثير من الأخطاء، وهذا يعني ضرورة تحرّي الحيطةِ والحذرِ، وألا نخرجَ عن طَورِنا، ونتحيّنَ الأوقات التي نكون فيها هادئين متيقظين، ثمّ بعد ذلك نقول ما نقول.

وهذا يعني أن الأمر لا يتحمّل العجلة، وأنه لا بدّ من التريُّثِ في الأمر، والتفكيرِ فيه مرة بعد أخرى، وخاصة إذا كان المخاطَبون يتميَّزون بالحدَّة والعصبيَّة.. وإذا توفَّرت لكم إمكانية الردّ فلا تردوا فورًا، بل رُدّوا بعد ذلك.. وكما أن الطعام لا يُبلَع إلا إذا مضغناه جيّدًا فكذلك الكلامُ، يجبُ أن يُمضغَ جيِّدًا في بوتقة الفكر قبل أن يَخرج، وكما أننا إذا ابتلعنا طعامًا دون مضغه تضرّر حلقومُنا أو معدَتُنا؛ فكذلك إذا تفوهنا بكلامٍ دون أن نصفّيه بمصفاة العقل والفكر فقد يُسبِّبُ مشاكلَ وأضرارًا لدى عقول الآخرين، بل ربما تُفهَم آراؤنا البديعة وأفكارنا الرائعة بشكلٍ خاطئ، ليس إلا لأننا لم نحسن تقديـمها للآخرين.

وإذا كان الردُّ ارتجاليًّا فإن القلّة القليلة من الناس هي التي تُحسِنُ التعبير عن مقصدها؛ ولطالما شاهدنا كثيرًا من الناس حولَنا عندما تُتاحُ لهم فرصة الردّ فإنهم يرتكبون مجموعةً من الأخطاءِ ولا يهتمّون سوى بتجريح من أمامهم فقط؛ مما يعني أن الردَّ الصحيحَ أمرٌ لا يستطيعه الجميع، ولذلك يجب قبل الشروع في الكلام أو الكتابة للرد على الآخرين من التأمل والتدبّر والتذكّر.

   التزام اللطف واللين في الأسلوب

من جانب آخر لا ينبغي لنا أن نثير مشاعر الحقد والكره لدى الناس ونحن نرغب في تصحيح أخطائهم وتصويبها والردّ عليهم، وأن نتجنب التصرفات الفظة الغليظة، وأيًّا كان مخاطبُنا فعلينا ألا نُفسد أسلوبَنا، وألا نتنازل عن شخصيّتنا وما تُمليه علينا، ومهما تحدّثَ هؤلاء بطيش دون روية ولا توازن فينبغي ألا يدفعُنا طيشُهم ذلك إلى الطيش أيضًا؛ إذ يجب أن يكون التحرك المتوازن والمعتدل صفةً لازمة فينا لا تفارقنا.

وفيما يتعلق بهذه المسألة ثمة واقعة خاصة بالأستاذ بديع الزمان؛ إذ يُروى أنه زاره ذات يوم صحفيٌّ كان يرسم الرسوم الكاريكاتيرية ضده، فأحسن الشيخ إليه كثيرًا، وبينما كان ذلك الصحفي يغادر قام الأستاذ بتوديعه بأدب واحترام لائق، فانزعج طلابه قليلًا من تصرفه هذا، ولم يكن انزعاجهم هذا نابعًا من عدم إعجابهم بتصرف أستاذهم، ولكن لكونهم يغارون عليه بشدة، ولما كان الشيخ قد فطن إلى مشاعر طلابه هؤلاء فقد بادر بشرح الأمرِ لهم قائلًا: “إن كان لكم مائة عدوّ أفلا تحبّون أن يقلّوا واحدًا فيصبحوا تسعةً وتسعين؟”.

أجل، هذا هو الجانب المنطقي من المسألة، فلا أحد يرغب في أن يزيد أعداؤه المائة فيصبحوا مائة وواحدًا. لكن كل شخص يُسرُّ من تناقص عدد أعدائه؛ وعليه ينبغي العمل على تحقيق ذلك.

الواجب علينا أثناءَ الردِّ ألا نُغضب أحدًا على الإطلاق ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا؛ إذ يلزم ألا يدفعُنا حبُّنا لمسلكنا إلى القيام بسلوكيات عدائية تجاه الآخرين، كما ينبغي للآخرين حين يمحصون كلامنا أو كتاباتنا بضمائرهم النقية أن ينصفونا على الأقل، أو يتكلموا عنا بإيجابية عندما يُسألون.

هناك مجموعة من الطرق والمسالك تصل المشاعر والأفكار عبرها إلى الآخرين، فإن دفعتم الناس إلى الخشونة والفظاظة عرّضتم سلامة تلك الطرق للخطر، فإن كنتم ترغبون في تأمين مسار الطريق الذي تسيرون فيه وألا تتسببوا في أية مشكلة مرورية؛ وَجَبَ عليكم بقدر الاستطاعة أن تلزموا القول اللين، وأن يكون مبدؤكم هو الحال اللين والقول اللين والسلوك اللين.

فهذا بندٌ مهمٌّ من بنود ديننا الحنيف؛ ذلك أن الله تعالى حين أرسل كلًّا من موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون طاغوتِ عصرِه الخطيرِ المفزِعِ أمَرَهما أن ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ۞ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (سورة طَهَ: 20/43-44) ولما كانت كلمة “لعلّه” الواردة في الآية الكريمة تفيد “الترجّي” فلنا أن نفهم أن المراد هو: إن كنتم ترجون أن ينتصح فرعون ويلين ويشعر بالخشية والخوف فإن القول اللين هو سبيلكم الوحيد إلى تحقيق ذلك.

ولا سيما أن الليِّنَ من القول وطيّبَه هو اللغةُ المشتركة التي يستخدمها متطوعو الخدمة الذين انفتحوا على شتى أرجاء العالم سعيًا إلى تحقيق غايتهم المثالية حيث يتقابلون أينما ذهبوا مع أناس نشؤوا وتربّوا في بيئات ثقافية مختلفة.. وبتعبيرٍ آخر طالما استخدمناه في مناسبات مختلفة: عليهم أن يوفّروا مقاعد للجميع في قلوبهم.. وقد يُسقِط هذه المقاعدَ أحيانًا بعضُ من يخالفونهم أو يناصبونهم مشاعر العداء عبر تصرفاتهم وسلوكياتهم، ومع هذا ينبغي لمتطوعي الخدمة أن يصفحوا إرضاءً لله تعالى ورسوله الكريم عما يُرتكب بحقهم من مساوئ وشرور، وألا يُقابلوها بمثلها، بل ينبغي أن يجد أعداؤهم -حين رجوعهم لهم- العوالم القلبية والروحية لديهم مفتوحة للجميع كما تركوها من قبل؛ فكما أن الخشونة والفظاظة تغلقان أبواب الأصدقاء، فإن اللين والرفق يفتحان أبواب الأعداء.

وهنا يجدر بنا أن نتذكر موقفًا حدث بين “مصعب بن عمير” و”سعد بن معاذ” رضي الله عنهما؛ حيث أرسل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير إلى المدينة المنورة ليعلم الناس الإسلام، إلا أن البعض هناك أثاروا ضده سعدَ بن معاذ زعيمَ قبيلة “الأوس”؛ فقالوا له إن مصعبًا يشتت أذهان الناس، ويُهاجم مقدساتهم.. فثارت ثائرةُ سعد مما جعَلَهُ يتقلّد سيفَه، ويتجه مباشرة إلى مصعب بن عمير، ولما وصل إلى مصعب هدده بالقتل أو الرحيل، وقال له: مَا جَاءَ بِك إلَيْنَا تُسَفِّه ضُعَفَاءَنَا؟ اعْتَزِلنا إنْ كَانَتْ لَك بِنفسِك حَاجَةٌ”؛ وبالرغم من أن مصعبًا كان لا يزال شابًّا غضًّا طريًّا في العشرين من عمره، إلا أنه تصرّف بلينٍ ونضجٍ وهدوءٍ ولباقة، فقال مخاطبًا سعدًا: “أَوَتَجْلِسُ فَتَسْمَعَ؟ فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ كُفَّ عَنْكَ مَا تَكْرَهُ؟”، وبعد أن سمعه سيدنا سعد رضي الله عنه تغيّر فجأةً وقال: “مَا أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ وَأَجْمَلَهُ!”، ودخل في الإسلام[3].

أجل، يجب أن يكون اللين والوداعة شعارَنا الذي يستحيل أن نتخلى ونتنازل عنه في أي وقت على الإطلاق، وحتى وإن أكسَبنا أنفسنا بعض الأشياء عبر الغضب والشدة والصياح والصراخ فإننا لا نستطيع أبدًا أن نعبّرَ عن أنفسنا بهذا الشكل، والأهم من ذلك أننا بفعلِنا هذا سنعجز عن تحبيب الناس في سيدنا رسول الله والتعريف بالله تعالى، كما أن الناس سينحرفون إلى الضلال والكفر لعجزهم عن معرفة الله ورسوله كما يجب.

وإذا نظرنا إلى المسألة من منظور أوسع وجدنا الإنسانية كلها تحتاج إلى التسامح والحب واللين أكثر من أي وقت مضى؛ لا سيما في زمن سباق الدول إلى التسليح، وإلى أسلحة الدمار الشامل كالنووي والهيدروجيني، ولقد أصابَ الفيلسوف الإنكليزيّ عندما قال: إنه في حال قيام حرب عالمية ثالثة سوف يذهب القتلى إلى القبور بينما يذهب القتلة إلى العناية المركزة.

   اختبار المسائل بواسطة العقل المشترك

إلى جانب كل ما تقدم يلزم أن نتجنب الوقوع في الأنانية الفردية والأنانية الجماعية أثناء أحاديثنا وحواراتنا على حد سواء، علينا ألا نتحدث عن أنفسنا بعبارات طنانة، وألا نحاول إسكات الطرف الآخر وإلزامه بقولنا فحسب، بل علينا أن نسعى من أجل ظهور الحق والحقيقة؛ لأن المسائل موضع الحديث إذا ما تعلقتْ بالأنانية الفردية والأنانية الجماعية أغلقت أبواب الأصدقاء أمامنا أيضًا، وليس أبواب الأعداء فحسب، وعندها يقولون كما قال الشاعر “سوزي”: “لا تتعب نفسك سدًى فالأبواب موصدة”.

إن نجاح إنسان بمفرده في النهوض بكل هذه الأمور أمرٌ في غاية الصعوبة، ولهذا ينبغي للإنسان ألا يكتفي بآرائه الشخصية فحسب، بل عليه أن يعرض المسألة على من يثق برأيهم وفكرهم، وأن يسألهم رأيهم ويستشيرهم، فإذا ما فعل هذا كانت احتمالية وقوعه في الخطإ أقلّ بكثير، حيث اختبر آراءه وأفكاره بواسطة العقل المشترك.

أجل، فإن المسألة ليست مجرّد مسألة إيمانية فحسب، وإنما هناك حاجةٌ إلى بيئة من الأمن والثقة أولًا كي يتنامى ويتطوّرَ ذلك الإيمان، ففي وسطٍ تسودُه الصراعات والشدّةُ والعنف والمناوشات والاحتكاكات يستحيل أن يُعرِّف الإنسان نفسه إلى الآخرين أو أن يشرح إليهم أمورًا تتعلق به، ربما تطمئننا مثل هذه السلوكيات نفسيًّا، ولكنها لا تجدي نفعًا لأحدٍ ألبتة.

***

[1] سنن الترمذي، الزهد، 11؛ سنن ابن ماجه، الفتن، 12.

[2] مسند الإمام أحمد، 15/390.

[3] ابن هشام: السيرة النبوية، 436.

الجَرَّة المشروخة: اتهامات وافتراءات على الخدمة – 2

Herkul | | العربية

   مظاهر عدم التّقبُّل والحسد

تحقد بعض الشرائح على متطوعي الخدمة، ومن أهم أسباب ذلك الحسدُ والغيرة، ومن ذلك رسالةٌ مكوّنة من ثلاث صفحاتٍ جاءتني قديمًا من شخصٍ قال فيها ما مفادُه: “إن الخدمة تشغل الساحة وتملأُ الميدان إلى درجةِ أنّها لم تُبقِ مكانًا للآخرين”! وكأنه لم يبق في هذا العالم الضخم مجالٌ آخر يُحتاج للخدمة فيه! والحقيقةُ أن هناك أماكن عديدة في العالم تحتاج مشاكلُ الإنسانية فيها إلى حلول، ويمكن إيصال الحق والحقيقة إليها. نعم، اذهبوا إلى إفريقيا، اذهبوا إلى الشرق الأقصى، اذهبوا إلى الصين، اذهبوا إلى روسيا، إلى أمريكا، اذهبوا إلى حيث شئتم، وحاولوا أنتم كذلك نقلَ عالمنا الثقافي الثري إلى الناس هناك، والاستفادة من ثرائهم وكنوزهم الإنسانية، ما أكثر الأماكن البكر في العالم، والتي يمكن استزراعها والحصول على ثمارها الطيبة.

ولكنّ عدمَ القيام بهذا والشكوى صراحةً من الخدمات المنجزة؛ إنما هو مؤشّرٌ على عِظَمِ ما يكمنُ في الصدور من مشاعر عدم التقبل.. وهذا يعني أنهم يتحدثون فيما بينهم عن مثل هذه الأمور، ويصرّحون بانزعاجهم من الخدمات المنجزة! إن مشاعر عدم التقبل ربما تدفع الإنسان إلى التخريب بقدرٍ لا يدفعه إليه الكفرُ؛ فبعض الأشخاص الحاقدين يبذلون قصارى جهدهم لمنع الاهتمام والتوجه إلى غيرهم، وتضييق مجال تأثيرِ غيرهم على المجتمع، فيلجؤون إلى كل أنواع الكذب والافتراء والتشويه، بل إنهم يحاولون أن ينسبوا إلينا مجموعةً من الجرائم لا علاقة لنا بها من قريب ولا من بعيد، ويسعون إلى جعلنا في مواجهة مباشرة مع الدولة، ويقدموننا وكأننا أعداء ألداء لها.

وكما سبق أن تعرّضنا لمثل هذه الغوائل مرات عديدة فإننا نتعرض لها الآن أيضًا، ولستُ أدري إن كانت طاقتُنا تكفي للقضاء على مشاعر المزاحمة والغيرة الكامنة لدى الناس أم لا؟ ولكننا مكلَّفون بتنفيذ ما يقع على عاتقنا، وهو التحرك بشفافية تامة، والتزام الحساسية لأقصى درجة تفاديًا لإثارة مشاعر الحسد لدى أي إنسان، والأكثر من ذلك تمهيدُ الطريق الذي نسير فيه للآخرين عبر جعل أهدافنا هدفًا يتبنّونه، إن كنتم ترغبون في اعتلاء قمة جبل “إفريست”، فادعوا الآخرين من مختلف الأفكار الذين يُكنون لكم الضغينة والحسد أن “هيّا بنا نصعد سويًّا”.. أَثبتوا أنكم لا تفرقون ولا تعادون أحدًا، بالإضافة إلى ذلك لا تنسوا أن أصحاب الأفكار المختلفة عنكم قد يُضيفون إليكم شيئًا مفيدًا، لا تربطوا المسألة بفلان أو علان فحسب فتُضيّقوا الفضاء الذي بسطه الإسلام، ولا تُحَوِّلوا ما أمامنا من طرق واسعة إلى دُروبٍ ومنعطفات من أجل الوصول إلى الهدف، وإلا تعثّرتم في الطريق، وعجزتم عن الوصول إلى المكان المطلوب.

لا تدخلوا مع بعض الأشخاص في خلافات وصراعات بشأن بعض القضايا الفرعية، لا سيما إن كنتم تستطيعون الاجتماع حول محكمات القرآن والسنة، احترموا تمامًا الطريق الذي يسير فيه كلُّ إنسان، والمنهجَ الذي يتبعه؛ فالاحترام مفتاحٌ سحري، إن تحترموا الآخرين تُثيروا مشاعر الاحترام لديهم تجاهكم، وإلا فإنكم تدفعونهم إلى مهاجمتكم، عبروا للآخرين عن مشاعر التقدير، ولا تفعلوا هذا انطلاقًا من مبدإ المُداراة، بل لأنكم تؤمنون بذلك في أعماقكم، ليسمعوا الصوت والنغمة نفسها كلّما سمعوكم في مناسبات وأوقات مختلفة تمامًا، وهذا سيكشف صدقَكم وإخلاصكم؛ لأن القولَ شيءٌ، والحفاظ َعليه، وجعلَه جزءًا من طبيعة الإنسان شيءٌ آخر.

إنكم لا محالةَ ستجدون صعوبة بالغة في هذا الأمر، ولن يوافق الطريقُ الذي يسلكه الآخرون فهمَكم وطبيعتَكم، وستُطلُّ الأنانية برأسها، بل وستصبح تلك الأنانية أكثر صلابة فيما يتعلق بالأنانية الجماعية، ولكن ينبغي أن تعرفوا أن التغلب على مثل هذه الصعوبات يتأتّى عن طريق إعطائكم إرادتَكم حقّها، وتحمّلِ المواقف المزعجة، بل إن التراجع إلى الوراء بضع خطوات -إذا لزم الأمر- سيمنحُكم ثوابَ العبادة من ناحية، ويجعل الآخرين يتعاطفون معكم ويتوقون إلى مشاركتِكم دربَكم ومنهجَكم من ناحية أخرى.. علاوة على أن من لم ير منكم إساءةً لسنوات طويلة فسيبدأ في بناء الثقة بكم.

وكما أكدنا سابقًا؛ فالطرق المؤدية إلى الله تعالى كثيرةٌ بعدد أنفاس المخلوقات؛ وذلك بحكم الفطرة، وعليه فإن الاختلاف في الفروع جنايةٌ طالما أمكن الاتفاق في القضايا الرئيسة، إن كنتم تبتعدون عن البعض بدعوى أنكم تتبعون الطريق الأجمل فهذا يعني أنكم على خطإٍ عظيم، وعلى حد قول الأستاذ النورسي فإن الحسن المتفق عليه أفضل من الأحسن المختلف فيه، ومن ثم فإن عصرنا الذي يحتاج بشدة إلى الوفاق والاتفاق في أمسِّ الحاجة إلى تناول مشاعر الحسد أو التنافس التي في الصدور، وعجنها ووضعها في قالب الإخلاص، فإن لم تُراعَ تلك المبادئُ فإن مسار الطريق سيكون في خطر، ومهما تحركتم بتضحية وفدائية فستقع حوادث مرورية لا يمكن توقّعها، ثم تضطرون إلى بذل عشرة أعوام من عمركم في مسافةٍ يمكنُ قطعها خلال عامين فقط.

   فتن المنافقين وإفسادهم

بالإضافة إلى كل ذلك، لا يمكن تجاهل دور المنافقين الذين يسيئون التصرف ويفسدون باستمرار، فإن كانوا يكرهونكم بسبب دينكم وتدينكم، وطريقكم ومنهجكم، ونموكم وتطوركم وتقدمكم فسوف يدبرون لكم المكائد والمؤامرات واحدةً تلو الأخرى باستمرار، وإن بلادنا لم تخلُ قطّ ممن يعادون الدين، ويثيرون الخلافات والشقاق بين أفراد الأمة باستمرار، ويرغبون في إفساد البنية العامة لبلادنا والزج بها في دوامة الاضطرابات، فهؤلاء الأشخاص الذين سيطرت عليهم فكرة الشر سيشعرون بالانزعاج من كل الحملات الإيجابية التي تعود بالنفع على البلاد، فيفعلون كل ما بوسعهم لعرقلتها وإفسادها.

إنهم يعملون ضدكم باستمرار؛ فيهمسون -أحيانًا- في آذان الحاكمِ بأشياء يُلَفِّقُونها ضدكم، وأحيانًا يختلقون بعضَ الحجج الواهية فيقدمونكم من خلالها إلى الرأي العام كمجرمين، وأحيانًا أخرى يُحرّضون عليكم الناس من قطاعات مختلفة، حتى إنهم عند عجزهم عن الوصول إلى أهدافهم بمثل هذه الفتن يضعون مختلف شرائح المجتمع في مواجهة مباشرة؛ فيضربون بعضها ببعض، ويحاولون إثارة الصدام فيما بينها، وبعد أن تقضي شريحة على الأخرى سوف يقفزون هم أيضًا على رأسها.

ولهم مؤسّسات فكرية ومراكز إستراتيجية أسّسوها للقيام بهذه الأعمال على وجه الخصوص، وفي أروقتها يضعون الخطط والمشاريع المتعلقة بكيفية القضاء على من لا يفكّرون مثلهم، وفي غرفها المغلقة يُلَفِّقُون شتى الأكاذيب والافتراءات بشأنهم، لدرجة أن رياح -وبعبارة أصح عواصف- تلك الفتن والمفاسد التي يثيرها مثل هؤلاء الناس يمكنها تقويض الدول؛ لأن التخريب أسهل من التعمير.

وهنا لا بد من القول إنه لا أساس إطلاقًا لكل المزاعم المثارة ضد الخدمة، وما هي إلا افتراءات وتشويهات، حتى إنّ مثيري تلك الافتراءات يعلمون هم أنفسُهُم أنه لا أساس لها من الصحة، ولا سيما أن وصف المنتسبين إلى الخدمة بالإرهابيين، واتهامَهم بخيانة الوطن ليس إلا نتيجةً للحقد عليهم والاغتياظِ منهم؛ لأنه حتى اليوم لم يخرج من بين المنتسبين إلى حركة الخدمة، الضاربين في شتى أصقاع الأرض حاملين إليها رسائل المحبة شخصٌ على الإطلاق لجأ إلى العنف أو تلوّثَ بالجريمة.

إن مُرَوِّجي هذه المزاعم يعلمون يقينًا أن رجال الخدمة لم يحملوا معهم ولو حتى شفرةً صغيرة، ناهيك عن أن يلجؤوا إلى العنف والإرهاب المسلح؛ فهؤلاء الأشخاص الذين نذروا أنفسهم للحب لا يدوسون ولو حتى نملةً عامدين، وبالرغم من كل هذا التحريض والضغط فقد حافظ رجال الخدمة على نهجهم، ولم يخرجوا إلى الشوارع بأي شكل من الأشكال، وهذا دليل كافٍ على صدقهم وإخلاصهم، كما أن متطوعي الخدمة الموجودين منذ ما يقرب من نصف قرن والنشطين في مجالات مختلفة لم يثبت بحقهم حتى الآن أيُّ دليلٍ على ارتكابهم لأية جريمة بالرغم من مراقبتهم من قبل أجهزة سرية مختلفة؛ لذا سُمح بالعمل للمؤسسات التي أنشؤوها في العديد من دول العالم.

لكنه وعلى الرغم من هذا البياض الناصع لسجلات المنتسبين إلى الخدمة إلا أن هناك أشخاصًا يُعادون متطوعي حركة الخدمة لأسباب مختلفة؛ منها ما ذكرناه سابقًا ومنها ما لم نذكره، ويختلقون ويُلفّقون الأدلة لإدانتهم، ويحيكون الخطط لإيذائهم، بدعوى الحفاظ على مستقبل الأمة ومصالح البلاد أحيانًا، وبذريعة حماية أسس الدين، ومتطلبات الجمهورية والديمقراطية وتحقيق السلام العالمي أحيانًا أخرى، مع أن الخدمة لم ولا ولن تمس هذه العناصر بأي سوءٍ أو ضرر.. الأمرُ على العكس تمامًا؛ فالخدمات المبذولة ترمي إلى دعم كل هؤلاء وتطويرهم، لذا فإن الواقع على عاتقنا هو بيان كل هذه الأمور وتوضيحُها مرارًا وتكرارًا.

   مواصلة العمل

وبغض النظر عما يفعله الآخرون من شرور؛ فإن الذين آمنوا بالله وحكمته، والتزموا أوامره بالسعي فهداهم سبحانه وتعالى إلى الطريق القويم؛ لا تدفعهم تلك الأفعالُ إلى التردد، ولا تُحيرهم أو تنالُ من عزيمتهم، ولا تجعلهم يتوقفون أبدًا.. إن هؤلاء المؤمنين بالله وحكمته ما داموا يثقون بأن طريقَهم يَعِدُ بنتائج طيبة لصالح أمّتنا والبشرية في العالم على حدٍّ سواء، وما داموا يفحصون طريقهم باستمرار ويتحقّقون من مدى صحة الموضع الذي يتم الوصول إليه بالنسبة للمقاييس العامة والقِيَم الكونية؛ فعليهم ألا يَنظروا إلى الكلام الصادر من هنا وهناك، وألا يرتبكوا أو يخافوا طالما تيقّنوا من عدم ارتكابهم الخطأ.

فقد رُميَ نبيُّ الله نوح عليه السلام بالحجارة، وتعرّض سيّدُنا هود عليه السلام للتضييق والتهديد، وهُدّد صالح عليه السلام بالقتل، واضطر سيدنا موسى عليه السلام إلى ترك وطنه، وأُرِيدَ صَلبُ المسيح عليه السلام، ونُشر زكرياءُ عليه السلام بالمنشار، وهناك الكثير والكثير من الأنبياء تعرضوا لشتى أنواع الظلم والقمع.. لكنَّ أيَّ فردٍ منهم لم ينكص عن الطريق الذي سلكه، وإذا كان أشرفُ عباد الله تعالى وأقربُ خلقه إليه قد سامهم الظالمون شتى أنواع الأذى وأذاقوهم صنوفَ الألمِ؛ فلا يمكن لسالكي دربِ السعادةِ على هداهم ألّا يُفتَنوا كما فُتِنَ سلَفُهم الصالح، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (سورة العَنْكَبوتِ: 29/2-3).

ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ فَمَنْ ثَخُنَ دِينُهُ ثَخُنَ بَلَاؤُهُ وَمَنْ ضَعُفَ دِينُهُ ضَعُفَ بَلَاؤُهُ[1].

وعليه يُعتبر المضحون الذين يستهدفون نيل رضا الله تعالى عبر إحياء مستقبل الإنسانية قد فازوا في النهاية حتى وإن أُلقوا في حفر الموت على قارعة الطريق، ولا ينبغي لهم أن يحزنوا لذلك، بل يحزنون على مَن ظلمهم وتأخذهم الرأفة بهؤلاء المعتدين الذين ضيّعوا آخرتهم بأيديهم، فعندما شُنق عبد الله بن الزبير رضي الله عنه من قِبَلِ “الحجاج بن يوسف” برزت أمه سيدتنا أسماء رضي الله عنها للحجاج وخطبت خطابًا مؤثرًا مزعزعًا، فكان مما قالته للحجاج: “يا حجاج! لَئِنْ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ لَقَدْ أَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ”[2]، إذًا يجب أن يكون هذا ما يُحزِنُنا.

بالإضافة إلى ذلك: تسامَحُوا وأحبّوا ما استطعتم، ولا تنسوا أنّ عَبَدَةَ الشيطان ومَنْ يتحركون بتوجيهاته لن يتخلّوا عن عدائهم لكم، فعليكم أن تواصلوا طريقكم بحذر ويقظة، وتذكّروا أنه كلّما منَّ الله تعالى عليكم بنعمٍ وألطافٍ انزعج من ذلك أعداء الله ورسولُه، وراحوا يحيكون المؤامرات في سبيل تشويه خدماتكم الطاهرة، والحقيقةُ أنه بالنظر إلى الخدمات المبذولة باسم الخدمة يتبيّنُ أنها لا يمكن أن تُزعجَ أحدًا سوى الشيطان المطرودِ من حضرة الله، غير أن هناك أشخاصًا كثيرين يُعينُون الشيطان على الشرّ، لذا فينبغي لكم وأنتم تواصلون طريقكم بعيدًا عن التوقف أو الذعرِ؛ أن تتحلّوا بالبصيرة الفائقة والحيطة والحذر التامّين.

ونظرًا لأن التعامل مع هذه الأشياء الواسعة الدائرة إلى هذا الحد لا يمكن أن يتحقق من خلال الاعتبارات الفردية، يلزمكم تناولُ الأمور الخاصة بكم وفقًا لمبدإ المشورة والوعي الجماعي، وإن كنتم لا ترغبون في التعرض للخيبة والخسران فعليكم بالتشاور حتى في أبسط الأمور، والالتزام بالقرارات الناتجة عن ذلك.

   المحاسبة

أخيرًا وليس آخرًا، من المفيد أن أذكركم بأمر كثيرًا ما نؤكد عليه؛ حيث إن الأستاذ النورسيَّ يحمّل نفسه المسؤولية ويعتبر -في أحد المواضع من كتبه- أن اعتداء الدنيويّين عليه إنما حصلَ بسبب بعض المشاعر التي قد تدبُّ بداخله، والتي لا يُقرُّها أصلًا.. لذا يجب علينا قطعًا أن نُخضع أنفسنا للمحاسبة في هذا الشأن، فنحن نقول إننا نبغي رضا الله تعالى فقط، وإننا متعلقون بغاية سامية جدًّا هي إعلاء كلمة الله التي هي أكبر وسائل نيل رضاه تعالى، تُرى هل نستطيع الحفاظ دائمًا على تلك الفكرة والشعور الأول في كل لحظةٍ من حياتنا؟ تُرى هل تخطر ببالنا -ولو شيئًا قليلًا- أفكارٌ مثل الاستفادة من النعم الدنيوية وتحقيق الراحة في الدنيا؟ تُرى هل نتدخل في شأن الربوبية من خلال التشوف إلى بعض الرغبات المتعلّقة بالمستقبل؟ تُرى هل نثق باتساع الخدمات المبذولة ونراها وكأنها مصدر قوة فننسى مصدر القوة الحقيقي الذي يجب الركون إليه والوثوق به؟!

من الممكن زيادة الأسئلة أكثر، ويمكنكم التفكير فيما هو أعمق من ذلك، ومحاسبة أنفسكم من هذه الناحية؛ فالتعبير عن أمرٍ ما شيء، وتمثل ذلك الأمر شيءٌ آخر، إنْ صدر منكم أيُّ خطإٍ أو تقصيرٍ في هذه القضايا فقد تنالون صفعة رحمة، وبالتالي فما يجب عليكم فعله هو سرعة التوجه إلى الله بالتوبة والاستغفار كمن أذنب، وبما أنَّ أحدًا منّا ليس مُبَرّأً ومزكًّى فلا نستطيع أن نزعم أن مشاعرنا وأفكارنا نظيفةٌ معصومةٌ على الدوام، تمامًا مثل بعض الدقيق الذي يخرج من بين حَجَرَيْ الطاحونة ويتطاير بعيدًا عن المخزن، فإن بعض أفكارنا أيضًا قد تذهب بنا إلى أماكن لا نريدها، ويستغل الشيطان فراغكم هذا فيُسلِّط عليكم بعضَ الناس، وهو ما يعتبر في الوقت نفسه عقابًا إلهيًّا لكم نتيجة أخطائكم.

ومن ثمَّ يجب علينا الحذر التام لئلا تكون هناك أية ثغرة في علاقتنا مع الله تعالى، ولنراقب أنفسنا باستمرار: هل نحافظ على قوامنا أم لا؟ فإن حدّدْنا أخطاءنا وأوجهَ تقصيرنا وجب علينا الإسراع بإصلاحها، وعندما نفعلُ ذلك ونوثق صلَتَنا بالله تعالى فإنه يحفظنا ويرعانا، وإن استطعنا التغلّب على أنفسنا وعلى الشيطان طاشت أفكار المخطّطين ضدنا، وضلت أعمال المنفذين، والخلاصة أن الله تعالى سيواصل إنعامه علينا طالما أننا لم نتعرّض للتشوّه والتفسّخ الداخلي.

[1] الحاكم: المستدرك على الصحيحين، 1/99.

[2] الحاكم” المستدرك على الصحيحين، 4/571.

الجَرَّة المشروخة: اتهامات وافتراءات على الخدمة

Herkul | | العربية

   سؤال: لماذا كلُّ هذه الاتهامات والافتراءات بل والإهانات لحركة الخدمة التي اختارت لنفسها منذ البداية طريقَ المحبة والتسامح والتضحية والتفاني؟ وما الذي ينبغي عمله إزاء كل هذه التصرفات؟

   الجواب: بادئ ذي بدء أرى من الضروري التنبيهَ إلى شيء طالما ذكرته في مناسبات عدة، وهو أنه ليس من الصواب قطعًا نسبة الخدمات التعليمية والثقافية والإغاثية التي بذلتها حركة الخدمة المنتشرة في كل بقاع الأرض إلى الأنانية الجماعية، أو عزوُها إلى أشخاص معينين، أو إرجاعها إلى بنية مركزية ذات تسلسل وظيفي هرمي، فمثل هذه الرؤى والتفسيرات ناشئةٌ عن الجهل بماهية الأمر؛ لأن كل هذه الفعاليات القائمة هي من أجل مكافحة ألدّ أعداء الإنسانية في أيامنا مثل الجهل والفقر والفرقة، والكشف عن إمكانية التعايش السلمي مع كل الإنسانية؛ إنما هي أثرٌ من آثار القلوب المضحية التي التفّت حول غاية سامية منطقية جليلة.

فكما أن بعض العبادات مثل صلاة الجمعة والطواف حول الكعبة والوقوف بعرفة تجمع الذين يسيرون إلى هدفٍ واحد ويحملون مشاعر وأفكارًا واحدة في المسجد أو المطاف أو عرفات؛ فكذلك وحدة الفكر والشعور هي التي تجمع محبِّي الخدمة حول فعاليات ومشاريع معينة؛ لأن بعض الأرواح المتفانية التي تجيش قلوبها بخدمة الإنسانية ويراودها حلم المستقبل المشرِق في حلّها وترحالها عندما ترى أيَّ تجمُّعٍ -ولو كان صغيرًا- يقوم بالخدمات التي يتصورونها ويحلمون بها؛ فإنهم يفكرون مباشرةً في ضرورة أن يكون لهم مكان ضمن هذا الأمر، ويشرعون في دعم الخدمات المبذولة.

لا سيما وأن الصدق والآمال والثقة والعشق والشوق الذي يحمله هؤلاء الذين انضمّوا إلى هذه القافلة المباركة من قبل وكرسوا حياتهم لها دون تشوّفٍ لأي منفعة؛ يجذب الكثيرين للانضمام إليهم، أي إن الخدمات التي يبذلها هؤلاء المتطوعون الذين يتمتعون بهذه الأخلاق الرفيعة وليس لهم هدف سوى خدمة الإنسانية تمثل مرجعًا مهمًّا للآخرين، وتشجعهم على الاشتراك في هذه الفعاليات ورعايتها.

علاوة على أنّ تقبُّلَ أصحابِ الثقافات والأعراق بل والديانات المختلفة لأنشطة الخدمة ودعْمَهم لها قد وسّع من نطاق الأمر، فرغم أنّ هذه الخدمات قد بدأت في أول الأمر على يد حفنةٍ من الرجال فإن العديد من الناس الذين لمسوا سلامة ونفع هذه الخدمات قد قاموا باستنساخ هذه المشاريع الخدمية في الأماكن التي يعيشون فيها؛ وبتعبير آخر: اجتمع العديد من الناس رغم اختلاف فلسفتهم الحياتية ورؤاهم العالمية حول منطقية الخدمة، وبينما تحمَّلَ بعضُهم المسؤولية في الأنشطة التعليمية والثقافية أو الحوارية مباشرة بدأ البعض الآخر في دعم هذه الأعمال ماديًّا ومعنويًّا.

فلو لم تكن هذه الأعمالُ سليمةً ومنطقيةً من حيث القيم الإنسانية العالمية وظروف الزمان الذي نعيش فيه لما كان من الممكن أن يتحرك نحوَ هذه الخدمات مثلُ هذا الكمّ الغفير الذي جاوز الملايين، ولكان من المتعذّر إقامة مئات المدارس في كل أنحاء العالم شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، ولمَا بذل رجال الأعمال كل ما بحوزتهم في سبيل رعاية الطلاب، ولما أقيمت جسورٌ للحوار بين الناس بمختلف الأفكار في بلاد مختلفة من العالم، فحتى يتحقق ذلك كان لا بدّ لهذه الأعمال والخدمات أن تكون من مقررات ومعاييرِ الدين الذي تتبعونه والعقلِ الذي تحملونَه والقيمِ التي تتبنونها.

إنني أرى أن العامل الأهم في نجاح هذه الخدمات هو عناية الله وإعانته سبحانه وتعالى، وإن كان البعضُ لا يُفكر على هذا المنوال إلّا أنني أؤمن بذلك، فالله تعالى يدلّل على عظمته أحيانًا بأن يوظِّف أناسًا صغارًا ضعافًا في أعمال شاقّة عظيمة، وهذا في رأينا ممكن أن نراه بوضوح عند النظر إلى الخدمات المبذولة، ولكن قد لا يبدو هذا الأمر منطقيًّا بالنسبة للجميع، غير أن الأعمال العظيمة التي قام بها فتيانٌ تخرجوا حديثًا في الجامعة، ليس بحوزتهم إمكانيات مادية كافية، ولا يحملون أي تجربة أو معرفة بالبلاد التي سيهاجرون إليها أو الأعمال التي سيقومون بها، ثم قيامهم خلال فترة يسيرة بإقامة المدارس في تلك الدول، وتقبّل شعوب هذه الدول لهم؛ لا يمكن تفسير هذا كله إلا أن عناية الله وإعانته كانت ترعاهم وتقف إلى جانبهم.

ولكن قد ينظر البعض إلى عظمة الأعمال المبذولة فقط، فيخطِئ في الاستنتاجات؛ لأنه لم يدرك عظمة الله تعالى من وراء هذه الأمور، ويتخيل وجود بعض البؤر الخفية؛ فبحسب معاييرهم المعوجّة لا بدّ من وجود عباقرة مثل “نابليون” أو “يوليوس قيصر” أو بعض المؤسّسات الفكرية وراء هذه المشروعات والخدمات، فيقومون بتشويش الأذهان عبر تساؤلهم الدائب عن مصدر هذه الخدمات أو تلميحهم إلى وجود بؤر خفية، ويواصلون النظر بارتياب إلى العديد من هذه الأعمال الجميلة؛ بسبب جهلهم وعدم إدراكهم لعناية الله، وكيف أن التضحية قوة كبيرة، والأدهى من ذلك أنهم يقومون بالهجوم ويركنون إلى الافتراء على الخدمة وأربابها.

وفي رأينا أن كل هذه الخدمات قد تحققت بمشيئة الله تعالى وعنايته أولًا، وبدعم وجهود القلوب الصادقة التي استوعبت معقوليّة هذا الأمر ثانيًا، وإننا على يقين بأن الله سبحانه وتعالى لن يتخلى عنا في سيرنا هذا طالما اقتربنا منه وتحركنا في سبيل مرضاته.

   لا تتقرر الأحكام بناء على الأوهام والاحتمالات

أما النقطة الأخرى التي دعت هؤلاء لمهاجمة الخدمة وأربابها فهي تحرّكهم وفقًا للأوهام والاحتمالات ومقارنتهم رجال الخدمة بأنفسهم، فهؤلاء لما ظفروا بالقوة والنفوذ حاولوا من خلالهما تعزيز مناصبهم وإمكانياتهم المادية، واستغلالهما في القهر والتضييق على الذين لا يفكّرون مثلهم، وخافوا أن يفعل الآخرون الشيء نفسه، ونظرًا لأنهم نفذوا بأساليب ملتوية إلى مفاصل الدولة في فترة ما، وبعد ذلك فرضوا نُظمًا للوصاية من أجل التحكم فيمن لا يفكر مثلهم فقد فسروا المسألة بما يتوافق مع أفكارهم ومشاعرهم، وزعموا وجود بعض الأجندات السرية لدى رجال الخدمة الذين فتحوا صدورهم للجميع، ومن أن هؤلاء ذوي الكسبِ غيرِ المشروعِ هم شرذمة قليلون؛ إلا أنهم أثّروا في شرائح كبيرة من الشعب، وشوّهوا أذهانهم.

فمثلًا عزّ على البعض أن يتقلّد غيرُهم وينجح في القيام بمسؤوليات ووظائف مهمّة في الدولة، فراحوا يتحدثون عن نفوذ رجال الخدمة داخل أركان الدولة، وتشكيلهم كادرًا فيها، علمًا بأن الجميع مواطنون في هذه الدولة ومن نسيجها، ولكلٍّ الحق في الاشتغال بالوظيفة التي يرغبها بعد استحقاقه لها، وادعاء خلاف ذلك ضربٌ من التمييز.. ولقد ذكرتُ هذا من فوق المنبر قبل أربعين أو خمسين عامًا، قلتُ لجموع المصلين حينها: “لماذا يرسل المتدينون في هذه الدولة أولادهم إلى المعاهد الدينية، ومدارس الأئمة والخطباء، وكليات الإلهيات فقط؟ ألا توجد مدارس أخرى في هذه الدولة؟ لماذا لا تعلّمون أبناءكم في كلية الطب؟ ولا توجهونهم إلى كلية العلوم السياسية والقضاء والأمن والكلّيات العسكرية؟ هذه الدولة دولتنا، وهذه المدارس مدارسنا، فيجب أن يوجه مواطنو هذه الدولة أبناءهم إلى كل المجالات التي يرونها جديرة بهم ونافعة لهم”.

لقد ناديتُ قديمًا بكثيرٍ من هذه الأفكار جهارًا نهارًا، وبأريحيةٍ تامّة من على متن المنبر، ولو تكرر الأمرُ اليوم لذكرتُ الشيءَ نفسَه، ولكن رغم ذلك ما زال البعض يتحدث عن مسألة تسلل رجال الخدمة إلى مفاصل الدولة، علمًا بأن التسلل يعني نفوذ عنصر أجنبي إلى بنية الدولة في خفاء؛ فقد يتسلل بعض الأشخاص من أممٍ مختلفة إلى بنية الدولة للتحكم في مقدراتها، أما مواطنو الدولة فلا يُسمّى عملُهم فيها تسلُّلًا، بل التحاقًا، لأن الالتحاق حق من حقوقهم؛ فمن حق أبناء هذه الدولة الحقيقيين أن يتقلّدوا الوظائف في كل مناصب الدولة المهمة، وأن يكونوا من المقرِّرين لمستقبلها، وادعاءُ خلافِ ذلك هو عطبٌ فكري.

من جانبٍ آخر فليس من الصواب مطلقًا الانزلاق وراء أوهام وشبهات متعلقة بالمستقبل؛ لأنه لا بد وأن رجال الخدمة غدًا سيتحركون على نفس النهج الذي يسيرون عليه اليوم، فمن بين الدساتير المهمة عند هؤلاء: أن يتوجّهوا بالمحبة والشفقة إلى جميع الإنسانية، ويحتضنوا الجميع، ولا يتخلّون عن المروءة والإنسانية حتى إزاء أعدائهم الألدّاء، فإن كان لا بد من الحديث عن أجندة هؤلاء فإنني أقول: إن هذه الأجندة لا وجود فيها لشهرةٍ أو صيت، أو منصب أو موقع، أو أي سلطنة دنيوية؛ الشيءُ الوحيد الذي ينشدونه هو رضا الله تعالى، أما ما دون ذلك من مصالح وأطماع فقد أوصدوا كل الأبواب دونها.

دعكم من المناصب والسلطات الدنيوية، إن هؤلاء الرجال لا يرون من الصواب -أو لا ينبغي أن يروا- تعليق خدماتهم حتى على مصلحة أخروية؛ فمثلًا قد يتجرع الإنسان بعضَ المعاناة والآلام في سبيل الخدمة التي يبذلها إرضاءً لله، كأن يتعرض للملاحقات والتحقيقات والتهديدات والنفي والحبس وهجر الوطن، فلو أنه تمنى في نفسه الجنة مقابل ما يلقاه فقد طلب شيئًا زهيدًا للغاية، إذ كيف نطلب ما هو أدنى من رضا الله، طبيعيّ أن يسأل العبدُ اللهَ الجنةَ في دعائه والبعد عن النار، ولكن تعليق عمل الخير على هذا الأمر يعني طلب القليل رغم وجود فرص للفوز بمكاسب أفضل وأعظم.

والآن فإن لم تكن الجنة هي الهدف من هذه الفعاليات الجميلة التي تتحقق باسم الخدمة فإن أي سلطنة دنيوية -في رأيي- لا قيمة لها بجانبها، ولذلك فإذا كان جزاء هذه الخدمات رضا الله ومرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى، فلا نجعل من خدماتنا وسيلة للوصول إلى أي مقامات أو مناصب دنيوية.. ولذا فإن نيابة البرلمان، والوزارة، ورئاسة الوزراء، وغيرها من المناصب التي يُشار إليها بالبنان ويتهافت عليها الناس ويصفقون لأصحابها هي بعيدة كل البعد عنا، حيث إننا نراها تردّيًا عن الموقع الذي نتواجد فيه، فلا يصح لمن ظفر بالدخول إلى دائرة الحرم ومخاطبة السلطان أن يطلب ما يطلبه الذين يقفون في الممرات!

   اختلاف عالمهم الفكري

ومِن المعلوم لدى الكثيرين ما قام به متطوعو الخدمة من تضحيات رائعة في تركيا أو في أنحاء مختلفة من العالم، ومَنْ تربطه بهؤلاء الفدائيين علاقةٌ قريبة فقد اطّلعَ قطعًا على تلك التضحيات، ولا شك أنهم تحدثوا مرات ومرات عن الخدمات التي قام بها هؤلاء الفتية الذين أنهوا جامعتهم حديثًا ورحلوا إلى بلادٍ وراء البحار يجهلون حتى اسمها وموقعها على الخريطة، فقاموا بوظائفهم هنالك وعملوا كالعمّال عند تشييد المدارس بأجورٍ زهيدة يتقاضونها أحيانًا ولا يجدونها أحيانًا أخرى.

إن تضحيات هؤلاء ليست متعلقة بزمن معين، فما زال العديد من متطوعي الخدمة رغم بلوغهم أرذل العمر يواصلون هذه التضحيات.

وهذا يؤكد لنا أنه من غير الممكن أن تتحقق هذه التضحيات من أجل قضاء باقي سنوات العمر في أريحية وهدوء، أو بغية الحصول على بعض المقامات والمناصب الدنيوية؛ لأن الحصول على بعض المنافع الدنيوية لا يجدر به كل تلك المعاناة وهذا القدر من الحرمان، إن الهدف الكامن وراء هذه التضحيات كما ذكرنا سابقًا هو نيل رضا الله وتحقيق السعادة الأخروية، وهذا يعني أن هذه القلوب المضحية لا تنشد إلا النجاح بمدِّ يد العون للآخرين، وتخليصهم من مستنقع الجهل والفقر والفرقة.

ولكن من المتعذر أن يفهم هذا أولئك الذين تربوا في محيطات ثقافية مختلفة عنكم ولا عِلْمَ لهم بعالمكم الفكري، إذ كيف لهم أن يستوعبوا معنى هذه التضحيات دون أن يخالطوكم أو يعرفوا خصائص الطريق الذي تسيرون فيه!

إن أولئك الذين لم يقوموا بأي تضحية في حياتهم إلا وفكّروا في المصلحة التي تعود عليهم من خلالها؛ إنما هم دنيويّون، يقضون كل أعمارهم في الركض خلف الدنيا الفانية، ولذا من المستحيل أن يفهموا الخدمات التي تحققت بروح التفاني ودون تشوّفٍ لأي غرض دنيوي؛ لأن هؤلاء لم يفكروا في مثل هذا، ولم يسمعوا عنه، ولم يشاهدوه، ولم يعيشوه.

   أن نحسن التعبير عن أنفسنا

وإنني بهذا القول لا أقصد تبريرَ مخاوفهم وشكوكهم في هذه المسألة أو أبحث عن عذر لهم، بالعكس فإنني أقول هذا بغيةَ فهمِ ما يجري على الوجه الصحيح، وتحديدِ ما ينبغي عمله بشكل سليم، إذ علينا أن نواصل شرح المسألة وتوضيحها حتى وإن لم يفهموا، وأن نحاول الاقتراب منهم وإن كانوا بعيدين عنا، وألا نكتفي بالتبليغ مرة أو اثنتين أو ثلاثة، بل نواصل شرحنا وتوضيحنا كما كان يفعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرة الرابعة والخامسة والسادسة…

وكلكم يعلم ما فعله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمرو بن هشام المشهور بأبي جهل، وكيف أنه ذهب إليه يدعوه إلى الإسلام ربما خمسين أو مائة مرة، لقد كان أبو جهل بالفعل إنسانًا يصعبُ إقناعه بالإيمان باعتباره شخصًا مصرًّا على الكفر والضلالة، وكما كان عنيدًا إلى أقصى حدّ، كان أيضًا يرى نفسه أفضل من الآخرين، وينظر إلى الجميع من برج عاجيّ، كان -وهو سيدٌ من سادات بني مخزوم- يحلم باليوم الذي يرأس فيه مكة كلها، ولذا لم يستسغ ظهورَ إنسانٍ آخر يُدير هذا المجتمع ماديًّا ومعنويًّا، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم صاحبُ الفطنة العظمى على علمٍ بهذا كله، ومع ذلك لم يكترث بالأمر، ومضى يواصل تبليغه، لأن التبليغ واجبُه، أما الهداية فهي من الله وحده.

ولهذا يجب ألا نقنع بما نفعله في سبيل تبليغ مشاعرنا وأفكارنا، ونواصل التعبير عن أنفسنا مرة بعد أخرى، ذات يوم جاءني شخص مهم وقال لي: “ما زال هناك العديد من الناس من شرائح مختلفة يجهلون روح الخدمة ومعناها”، وهذا يعني أننا قد ركنّا إلى الدعة والخمول، فلم نستطع أن نعبّر عن ذاتيتنا للآخرين بشكل صحيح، ولم نقم بما ينبغي، سواء بأقوالنا أو بأفعالنا، ولم نعط الآخرين فرصةً للتعرف علينا عن كثب، ورغم أن خدماتنا ارتقت عموديًّا فقد ظلّ تعريف الآخرين بهذه الخدمات يجري بشكل أفقي.

ومن ثَمّ ينبغي ألا نتكاسل أو نتباطأ في هذا الموضوع، ولو لزم الأمر يجب السير إلى أقدام هؤلاء فردًا فردًا كما كنا نفعل أثناء فعاليات الحوار في التسعينات من القرن المنصرم. أجل، إذا كنا نريد ألا تعترضنا المشاكل في طريقنا، فلا بد أن نوسّع المحيط الذي نتواصل معه بقدر ارتقائنا وتوسُّعنا في الخدمات، وإن كنا لا نريد أن يقطع طريقنا على التوالي هؤلاء الذين أُشرِبت قلوبهم بالحسد والغيرة والعداوات التي ورثوها عن الماضي، فيجب أن نواصل تجديد خطواتنا في سبيل تحطيم هذه العداوات وتهيئة البيئات وتكثير عدد المتعاطفين معنا وإقامة الصداقات.

ألَا تودّون أن يدرك الآخرون جمالياتكم ويشاركوكم دربكم ذات يوم؟! ألا ترغبون في أن يدافعوا عنكم ضد المفترين؟! إذًا يجبُ عليكم إذا رأيتموهم يخطِئون في التعرف عليكم بسبب اختلاف ثقافتهم وفكرهم ويتمادون في اتهامكم دون وجه حق؛ أن تواصلوا بإصرار وعزيمة التعبيرَ عن استغنائكم وإخلاصكم وصدقكم ومحبتكم وسماحتكم وعدم تشوّفكم لأي غرض دنيوي، وحتى يتسنى لهم التعرّف على حقيقتكم وإدراك ما تحملونه من مشاعر في سبيل خير الإنسانية؛ فلا بد أن تخالطوهم فترةً مديدة، واعلموا أن شكّهم وريبتهم فيكم ستستمرّ حتى تأتي اللحظة التي تحسنون فيها التعبير عن أنفسكم.

فإن كنتم تريدون أن يأتي الناس إليكم سائرين فاذهبوا إليهم راكضين متخلّقين بالأخلاق الإلهية، وإن كنتم ترغبون أن يفتحوا صدورهم لكم فابدؤوهم أنتم بفتح صدوركم لهم، وإن كنتم تترقّبون منهم البسمة فقابلوهم بوجه طَلْق، افتحوا قلوبكم للجميع حتى يفتح الآلاف قلوبهم لكم، انفذوا إلى أعماق القلوب حتى لا تلقوا أيّ ردّة فعل في أي مكان، واقتربوا من الجميع حتى يقتربوا منكم.

وإلى جانب كلِّ هذا إن أردنا أن يفهمنا الآخرون ويتعرفوا علينا بشكلٍ صحيح فعلينا أن نعامل الجميع بوضوحٍ وشفافية مطلقة، وأن نظهر دائمًا ما نكنّ لهم من مشاعر صادقة، ولكن يجب علينا عند فعل ذلك أن نراعي مستوى فهم الآخرين، ولا نقع في خطإ انتقاء الأسلوب الذي نعاملهم به.

 فضلًا عن ذلك يجب أن نفعل ما نفعل بما يتوافق مع قوانين ولوائح البلاد التي نتواجد فيها، بل علينا قبل أن نخطو أي خطوة أن نتقابل مع المسؤولين في تلك البلاد، وأن نأخذ الإذن منهم في القيام بخدماتنا، وندعوهم إلى البرامج والفعاليات التي نقيمها، ونفتح مجالسنا للجميع حتى يتعرفوا علينا عن قرب، وأن نُظهر للجميع أننا جديرون بحفظ الثقة وصيانة الأمانة، ولا يمكن أن يأتي الضرر من قِبَلنا.

ومن ثَمّ يجب أن نتجنّب كلَّ فعلٍ أو سلوك يدعو الآخرين إلى التوجس خيفة منا؛ حتى لا نفتح المجال لأن يخطئوا في تفسيراتهم أو يراودهم حسٌّ بأننا نشتغل بأمور خفية من ورائهم، ويجب ألا تنسوا أن خطأكم في مثل هذه الأمور لن يضرّ فقط بخدمة أصدقاء دربكم الذين يعملون في الخدمة في كل أنحاء العالم، بل سيصعِّب أمر أصدقائكم المتعاطفين مع أفكاركم وأمرَ خلَفِكم القادمين من بعدكم.

ولا شك أن نجاحكم في هذا الأمر لن يتحقق في التوّ واللحظة، بل ستجدون صعوبة في البداية، ويظل الشك يساور هؤلاء نحوكم حتى اللحظة التي تستطيعون فيها التعبير عن أنفسكم بشكل صحيح، غير أن مخاطبكم بعد أن يجرّبكم سنوات طويلة ويرى أنكم أمناء ثقات سيشرع في الحديث عنكم لغيركم، ويقول: “إن هؤلاء موضعُ ثقة، لا يتأتى الضرر منهم ألبتة”، ولا شك أن حديثهم ودفاعهم عنكم سيكون تزكيةً مهمّة بالنسبة لكم، وسيَنتُجُ عنه تأثيرٌ أبلغُ من حديثكم عن أنفسكم.

لا مناص أن يتمخض الزمان عن أمثال أبي جهل وعتبة وشيبة، لكن صوت الرأي العام ونفَسه وحماسَه سيقطع أنفاسهم.

وجدير بالإنسان أن يفعل كل ما بوسعه للوصول إلى مثل هذه النتيجة؛ لأن ما نتحمله ولا نستسيغه اليوم سيأتي يوم ويُفرحنا، ولا ننسَ أن مهمتنا هي الاستثمار في الإنسان، أما نتيجةُ هذا الاستثمار فقد تستغرق على الأقل ربع قرن، وأحيانًا نصف قرن.

(هذا المقال سيتابع في الأسبوع القادم).

الجَرَّة المشروخة: الاستِدامة على الصفاء

Herkul | | العربية

   سؤال: حالف النجاحُ والتوفيقُ رجالَ الخدمة المهاجرين إلى خارج الوطن في سن الشباب؛ بسبب ما يتحلّون به من روح التضحية وعدم التشوف إلى أيّة منفعة، ولكن ما الأمور التي تجب مراعاتها في هذا الشأن كيلا يعتري هذه الخصالَ الحميدة بعضُ القصور مستقبلًا؟

   الجواب: يكمن وراء نجاح المؤسّسات التربوية المنتشرة في كل أنحاء العالم وغيرها من الأنشطة الخدمية التي ما زالت تواصل عملها في الوقت الحالي جهدٌ دؤوبٌ وسعيٌ حثيثٌ بذلهما فتيانٌ تخرجوا في الجامعة حديثًا وأقبلوا على الخدمة غير متشوّفين إلى شيءٍ من أحد. أجل، لقد نذر هؤلاء الفتية أرواحَهم من أجل الخدمة في سبيل الله، ويمّموا وجوههم إلى خارج الوطن يحركهم العشق والشوق إلى خدمة الإنسانية، فركزوا على المنوط بهم فقط، غير متطلعين إلى أي حساب شخصي يتعلق بالمستقبل، وإن الله سبحانه وتعالى لم يَدَعْ تلك الخطوات المباركة التي بذلوها بصدق وإخلاص دون مقابل، بل ضاعف لهم ثوابهم.

ومن جانبٍ آخر عند النظر إلى المسألة من الناحيتين النفسية والاجتماعية سنلاحظ أن متطوعي الخدمة الذين انتشروا في كل بقاع الأرض قد تقابلوا مع أناس يختلفون معهم في الثقافات والرؤى وفلسفة الحياة، وربما جعلهم هذا يحافظون على هويتهم الأصلية وقيمهم الذاتية، ومن المحتمل أيضًا أن تكون الأعراف والمعاملات والثقافات السائدة عند أهالي هذه البلاد -والتي لا تتوافق مع مشاعرهم وأفكارهم ومعتقداتهم- قد ألهبت صدورهم وشدّت من عزائمهم وجعلتهم يتوخّون الحيطة والحذر على الدوام. أجل، إن هؤلاء المتطوعين لما رأوا أنفسهم مضطرين إلى البقاء في مثل هذه البيئات التي لا تتوافق مع قيمهم الذاتية قالوا: لن نستطيع البقاء والثبات إلا بالحفاظ على هويتنا”، وراحوا يفكِّرون في ضرورة الحفاظ على قيمهم الذاتية حتى يتسنى لهم نفع شعوب البلاد التي رحلوا إليها.

ولكن يا تُرى هل استطاعوا الحفاظ على هذا الصفاء والنقاء مع تقدم العمر، وتزايد الإغراءات المادية؟ أم ستطِلّ الحسابات والمصالحُ الشخصية برأسها عليهم، وتُخَامِر أذهانَهم بعضُ المشاعر والأفكار الدنيوية من قبيل: الاستكانة إلى الراحة، والتشوّف إلى ما يضمن متاع الدنيا، والتطلع إلى مزيدٍ من السعادة، وامتلاك المسكن الدافئ؟

الأهم من ذلك هل سيتأثر هؤلاء الناس بمثل هذه الأفكار؟ وهل يمكن أن يقدِّموها على مشاعرهم تجاه الخدمة؟ وهل يا تُرى سيضطلعون بسلوكيات وأفعال يغلِّفها التظاهر والرياء من أجل الحفاظ على مكانتهم، واستدامة تقدير الناس وتوجههم إليهم؟ وهل سيشوب الكذبُ أفعالَهم وسلوكياتهم كأن يتظاهرون بأنهم يتحلَّون بأخلاقيات الخدمة، ويُشعرون من حولهم بأنهم يقومون بأعمال جادة؟

فإذا حصل ذلك فإن الخدمات المبذولة ستتأثّر قطعًا؛ نظرًا لاختلاط بعض الحسابات النفسانية والبشرية بالحسابات الإلهية، وربما يتسبب ذلك في وقوع بعض صفعات الشفقة من الله تعالى.

والحال أن المصيبة التي تقع بسبب ذنوب البعض وأخطائهم لا تقتصر على هؤلاء البعض فقط، لكنها تتعدى إلى الجميع بنص قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (سورة الأَنْفَالِ: 8/25)، وعلى ذلك فإن كان الكل سيتأذى من أخطاء البعض فينبغي للجميع أن يتوخوا المزيد من الحذر حتى لا ينالوا مثل هذا العقاب، بل يغلقوا ويوصدوا كلَّ المنافذ والأبواب التي تؤدي إلى ذلك.

من جانب آخر على الذين يتعرضون لمثل هذه الهزّة الجماعية أن يراجعوا أنفسهم مرة أخرى، ويفكروا في الحكمة من وراء ذلك، ويفطنوا إلى الأخطاء والغفلات والحماقات التي أدتْ إلى هذه النتيجة.

   المواظبة على التطبيق

وقد لا نلمس دائمًا الأداء الذي نتوقّعه من بعض الذين حازوا المقامات والمناصب ونالوا بسببها مزيدًا من المزايا؛ فنشعر بشيء من الخزي والانكسار والأسف، ففي هذا الموقف علينا أن نتخذ من هؤلاء موقفًا يشي باللوم والتأنيب، وأن نحاول إرشادهم إن وَاتَتنَا الفرصة، كأن نقول لهم: “بما أن الله خصّكم ببعض إحساناته وأفضاله فقد كان عليكم أن تكونوا هنا وليس هناك، وأن تتوجّهوا إليه سبحانه وتعالى بعبوديّة أكبر وأعمق، ولا تحيدوا عن الصدق والإخلاص”.

لا سيما إذا أخذت الأفكار والمشاعر التي يحملها هؤلاء الذين وصلوا إلى مقاماتٍ ومناصب معينة في الضعف والانطفاء؛ حينذاك سيبدأ هذا الوضع بمرور الزمن في التأثير على المحيطين بهم؛ حيث يلمسون ضعفًا في قوام هؤلاء الإداريين وتراخيًا في أداء خدماتهم، فيأخذون هم بدورهم أيضًا في الاستكانة إلى الدعة والخمول، بل دعك من المواقف والسلوكيات، فسوف تسري نوايا هؤلاء الإداريين ومقاصدهم إلى مَرؤوسيهم، وحتى وإن بدوا وكأنهم يسعون ويقومون بالخدمة مع ما لديهم من حسابات مزيفة فستدرك النفوس هذا التناقض، وتتخذ موقفًا إزاء ذلك.

ومن ثَمّ يجب على الرواد إذا رأوا في المسؤولين عنهم أطوارًا وتصرفاتٍ لا تليق بمكانتهم أن يراجعوا أنفسهم على الفور قبل توبيخهم، وألا ينسوا أنه ربما انعكست بعض الأخطاء والزلات الموجودة لديهم على مرؤوسيهم، وأن يعتقدوا في أنفسهم أنهم لم يعطوا المنصب الذي تبوؤوه حقه، ولم يحسنوا تمثيلَه.

 لأنني أعتقد أن ديمومةَ حُسْنِ التمثيلِ ستؤثر في الدائرة المحيطة بها يقينًا، وستلقى حسن القبول لديها على وجه القطع، فعلى سبيل المثال: أتيحت لي الفرصة قديمًا للإقامة مع بعض طلاب النور الذين كانوا يخدمون بديع الزمان رحمه الله ورؤيتهم عن كثب والتعرف عليهم، وفي خلال هذه المدة شاهدت فيهم عنايتهم البالغة بأداء الصلاة، ودوامهم على قراءة الأذكار والأوراد، وإحياءهم الليل دون انقطاع، واعتنائهم منقطع النظير بالوضوء والطهارة؛ وذلك لأن شيخهم الذي كانوا يتبعونه كان دقيقًا وحسّاسًا في مثل هذه الأمور، فانعكس حاله هذا على من حوله؛ لأنه قضى عمره كله حاملًا شعور العبودية الكاملة، ولذا لم يبق تمثيله الدائم بلا تأثير، ويمكنكم أن تستنبطوا من هذا الأمر قاعدة عامّة.

ومن ثمَّ فإن الناس إن لم يروا أمامهم مَن تعلّق قلبه بالله، وأدى عبادته بإخلاص، وقام بخدمته انطلاقًا من روح التفاني والتضحية فسيَبهَت عالمهم الداخلي ويُصاب بالضمور، لأنه كلما نزلنا من الأعلى إلى الأدنى انخفض المستوى وضعُف القوام، ولهذا يجب علينا إذا رأينا قصورًا أو خطأً في المحيطين بنا أن نشكو حالنا إلى الله بدلًا من أن نشكوهم، وأن نقول كما قال سيدنا يعقوب عليه السلام: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ (سورة يُوسُفَ: 12/86)، بل ينبغي أن نضيف إلى شكوانا غفلتنا وضلالتنا وتضاربنا وعدم كفاءتنا… إلخ.

وفي هذا الصدد أريد أن أنبه إلى شيء وهو: إنْ نَظَر كل إنسان يشغلُ أية وظيفة أو درجة أو مقام أو مسؤولية هذه النظرةَ إلى نفسه، وبدأ بمحاسبتها أولًا فإنَّ هذا هو التصرف الذي يليق به كمؤمن.

   طول الأمل

حذر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته من حب الدنيا وطول الأمل في حديثه الشريف “لَا يَزَالُ قَلْبُ الكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ فِي حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الأَمَلِ[1]، ذلك أن هذين الأمرين وراء العديد من التصرفات والسلوكيات المخالفة للدين، وحسبما يُفهم من الحديث فإن هذين الأمرين لا يتركان تلابيب الإنسان إلى أن يموت، بل يمكن القول إنّ طول الأمل بصفة خاصة يتنامى لدى الإنسان ويزداد أكثر كلما تقدم به العمر، والدنيا تدفع الإنسان ليلهث وراء تطلعات وتشوّفات لا تنقطع؛ لدرجة أنه يصبح بعد مدّة رمزًا للتشوّفات والتطلعات، بل إنه ربما يتخذ بعض الخدمات -التي تبدو وكأنه يضطلع بها لله- وسيلةً لتشوّفاته تلك، وإنسان كهذا سيفقد روح الاستغناء، ولن يستطيع الحفاظ على الإخلاص الذي هو روح الأعمال.

إن توهُّمَ الأبدية يكمن وراء طول الأمل، والواقع أن هذا ينبع من رغبة الإنسان الداخلية في الأبدية والخلود لأنه خُلق للأبدية؛ لهذا لن يرضيه إلا الذاتُ الأبدية سبحانه وتعالى، وعلى الرغم من أن الشعور والرغبة في الأبدية قد مُنِحَ للإنسان كي يكسب رضا الله ويتهيأ للجنة ويبتعد عن النار إلا أنّ الإنسان يقع في طول الأمل إن وجه ذلك الشعور توجيهًا خاطئًا؛ ثم يشرع في البحث عن إشباع نفسه لهثًا وراء المناصب والمال والأهواء والحظوظ والمتع.

والإنسان الذي لا يستطيع توجيه شعور الأبدية المكنون بداخله إلى النعم الأخروية الموجودة عند الله يتحير أمام مظاهر الجمال الدنيوية المؤقتة ويزيغ بصره؛ لأنه ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/14)، فالنعم الدنيوية جذابة وساحرة للغاية باعتبار جانبها المتعلّق بالنفس البشرية.

إن هذه النعم المذكورة في الآية الكريمة ليست جميلة في حد ذاتها؛ فكل واحدة منها متاعٌ دنيويّ خادعٌ يخاطب الهوى والرغبة، كل منها إغراء للعين، ووسيلة امتحان للإنسان، جوانب الجمال فيها لا تظهر إلا باستعمالها في المكان الصحيح، وهي وإن كانت تعني قيمة عند استعمالها لوجه الله في الدائرة المشروعة التي أمر بها سبحانه وتعالى إلا أنها لا تحمل قيمة في حد ذاتها، وهذا ما يعنيه أصلًا استعمال لفظ “زُيِّنَ” في الآية الكريمة، والتذكير في آخرها بأن العاقبة الحسنة تكون بالوصول إلى حضرة الله.

وعليه فإنه يجب على الإنسان أن ينتبه لهذه المشاعر التي تجعله يميل إلى الدنيا ويبتعد عن الله، ويستعملَ كل ما لديه من النعم زادًا ومؤنة للآخرة، وعليه في هذا الشأن أن يوفِّيَ إرادته حقها، وأن يعزم عزمًا حقيقيًّا ألا يكون عبدًا للدنيا، عبدًا للنفس، عبدًا للبدن، عبدًا للراحة والملذات وعبدًا للأهل والدار بالانخراط في نعم الدنيا المُزيَّنة له، ولما كانت كلُّ واحدة من مثل هذه العبوديات يمكن أن تخسف بالإنسان وتؤدّي إلى خسارته الأبدية فهي خطيرة في جانبٍ ما مثل عبادة الأصنام.

من جانب آخر فإنه ليس صحيحًا اعتبار هذه النعم الدنيوية -التي تشتهيها الأنفس- وكأنها سلسلة متينة تُقَيِّدُ الإنسان، لأن الله جل جلاله لا يقيد الإنسان بالسلاسل ثم يقول له “هيا تخلّصْ منها”، فتكليفٌ كهذا تكليفٌ بما لا يُطاق، وعليه إن كان الله يوجهنا إلى الآخرة ويريدنا أن نفوز بدار الخلود عبر هذه النعم فإنّ هذا هدف يمكنُ تحقيقُه، يكفي ألا يتكاسل ويتراخَى الإنسان، وألا يترك طرف الحبل الموصل لذلك الهدف، وعليه الاعتصام بحبل الله والعروة الوثقى، والتزام منهج القرآن، وطالما كان مُصرًّا وعازمًا على فعل ذلك فسوف يُعمّر دنياه وآخرته على حدّ سواء.

   الحاجة إلى تجديد الذات

عودٌ على ذي بدءٍ نقول: إن كنا نعيش حالة من التفسّخ الداخلي لأي سببٍ كان؛ سواء بسبب سيطرة توهّم الأبدية وشعور طول الأمل، أو الركونِ إلى الألفة والأنس مع مرور الزمن، أو إساءة تمثيل مَنْ في المقدمة، أو مغازلة الدنيا إيانا بما فيها من مظاهر جمال جذابة وفتانة، ولم نستطع الحفاظ على صفائنا وإخلاصنا الأول؛ فلا بد أن نراجع أنفسنا ثانية، ونسعى إلى تجديد ذاتنا.

ومِن ثمَّ يجب علينا أن نشغل أنفسنا بإجابة التساؤلات التالية: “تُرى ماذا يجب علينا أن نفعل كي نُحييَ من جديد الحسّ الديني الداخلي إزاء القيم التي نقدّسها ونُجِلُّها؟ تُرى ماذا يجب علينا أن نفعل حتى نستطيع تحقيق انبعاث عام في عالمنا الفكري والحسي والروحي؟”، ينبغي لنا أن نبدأ عملية إعادة تأهيل حقيقية لتحفيز حماسنا الديني وإحياء عشقنا وشوقنا للخدمة من جديد، يلزم أن نراجع أنفسنا ونجتمع حول روح تجديدية هكذا.

إنْ عَجَزْنا عن وضع مجموعة مشاريع إيجابية في هذا الصدد وعن جمع الناس حولها، ووقَفْنا عند عيوب الناس وظَللْنا نتحدث عنها فلن نستطيع إصلاح المشكلات العارضة، ولا تضميد الكسور والصدوع، ونتيجة لذلك نعجز عن الإصلاح وعن تجديد الذات، بل إن الحديث عن عيوب البعض دائمًا بدلًا من طرح الأفكار لصالح أنشطة إيجابية يؤدي إلى تحطيم القوة المعنوية لدى البشر وعرقلة تحقّق أية فائدة في النهاية.

لهذا السبب يجب علينا بدلًا من الانشغال بنقدٍ لا فائدة ولا طائل من ورائه أن نتلاحم من جديد، ونسعى للتخلص من عيوبنا وأمراض أنفسنا، ونتّجه مرة أخرى لأن نكون مؤمنين كما ينبغي، فالقرآن الكريم يخاطب المؤمنين قائلًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/136) ولما كان المخاطب هم المؤمنون فمن الأنسب أن نفهم هذه الآية هكذا “أيها المؤمنون! جدِّدوا إيمانكم بالله وبرسوله! توجهوا من جديد إلى الحق تعالى وعمّقوا مرة أخرى الإيمان في وجدانكم”.

يستحيل في أي مجتمع أن يبلى فيه جميع الناس وينهاروا في وقت واحد، فلا شك أن فيهم أشخاصًا يحافظون على حيويتهم ونشاطهم في أوقات مختلفة من اليوم وإن لم يكن دائمًا، ومن ثمَّ فإن اجتمع أفراد ذلك المجتمع وساهم كلٌّ منهم بقدر حيويتهم الذاتية وتَشَاوَرُوا؛ استطاعوا أن ينفثوا الحياة ويبعثوها في بعضهم البعض، فلا شك أنه سيكون لهذا تأثير مهم للغاية في ذلك المجتمع يشبه تمامًا تأثير أحوال المصلين وسلوكياتهم في بعضهم البعض.

ليس صوابًا تحميل مهمة البعث هذه لبضعة أشخاص فحسب؛ إذ يجب على كل إنسان القيام بما يقع على عاتقه في هذا الشأن، والاشتراك في هذا الأمر بما يحمله في فلك روحه، وكما يمكن أن تجتمع طائفة من الناس في بيت واحدٍ منهم وقد أحضر كلٌّ منهم صنفًا مختلفًا من الطعام حضّره في بيته وتسنّى لجميع الحاضرين تذوّق جميع هذه الأصناف؛ فإن استفادة المجتمعين على فعل الأعمال المعنوية والأخروية بفعل الواردات القلبية والروحية والحسية ستكون واسعة النطاق هكذا أيضًا، وإنّ انبعاثَ وصحوةَ من أَلِفوا الدنيا واطمأنوا بها، وبالتالي فقدوا بركةَ ما قاموا به من أعمالٍ مرهونٌ بتكوين مائدةٍ سماويّةٍ هكذا.

[1]  صحيح البخاري، الرقاق، 5.

الجَرَّة المشروخة: المنهج النبوي

Herkul | | العربية

   سؤال: ما هو أثر اتباع نهج النبي صلى الله عليه وسلم على حياة المؤمن؟

   الجواب: كما هو معلوم فقد وضع علماءُ الكلام ثلاثةَ أسباب تُفضي إلى العلم هي: الحواس السليمة، والعقل السليم، والخبر المتواتر، فكما أن للعقل السليم مجالَ إدراكٍ خاص به فكذلك أعضاء الحسّ السليمة تتمتع بنوعٍ من الحدس والإدراك والتقويم، وباستعمال الإنسان لهذه الأعضاء في مكانها المناسب يستطيع أن يصل إلى الحقائق التي ينشدها، وباعتماده على وجدانه ينفتح على عوالم مختلفة، ويدرك حقائق أخرى، ويُسمِّي “برغسون (Bergson)” مسألةَ حدس الوجدان بـ”intuition”، أما نحن فنسمّيها “الحدس”.

الوحي كمصدر للمعرفة

ولكن توجد حقائق لا يستوعبها العقل ولا يدركها الوجدان ولا تحدسها الحواس، بل توجد أشياء وحوادث قد تُدرَك بالعقل والحواس إلا أنه يتعذر في أكثر الأحيان اكتشافها والوقوف على مكنونها وماهيتها الحقيقية؛ فكما أنها تحتوي على جوانب متعددة يتيسر معرفتها واكتشافها فهي كذلك تنطوي على أبعاد مختلفة لا يقدر العقل والحواس على استيعابها، لا سيما الموضوعات المتعلقة بالذات الإلهية والعوالم الأخروية والميتافيزيقية فإنها تظل جميعها خارج دائرة استيعاب العقل والحواس، وبما أن الإنسان لا يقدر بعقله وحواسه أن يتعرف على الذات الإلهية بماهيتها الحقيقية فكذلك يعجز عن إدراك كيفية إقامة العبودية لهذه الذات المقدسة.

فالله تعالى وحده هو المحيط بكل هذه الموضوعات التي يتعذّر على العقل والحواس إدراكها أو استيعابها، ونصيب العباد من العلم الإلهي بقدر إخبار الله لهم كما يُفهم من قول الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/255)؛ ولذا فإننا كثيرًا ما نكرِّر في أدعيتنا: “اللَّهُمَّ عَلِّمْنَا مِنْ لَدُنْكَ عِلْمًا”، وكما خرج سيدنا موسى في رحلة طويلة مع الخضر عليهما السلام لإدراك الحوادث بماهيتها الحقيقية فقد سعى أولياء الله إلى الاطلاع على ما وراء الأشياء بالسير والسلوك الروحاني ووسائل أخرى، بل هناك أناس في زماننا ينتسبون إلى بعض الأديان التي عجزت عن الحفاظ على وضعها الأصلي القديم أو ينتمون إلى بعض الأديان التي من صنع البشر قد حاولوا الوصول إلى معرفة الحقيقة عن طريق اليوغا والتأمل وغير ذلك من الوسائل.

غير أن المعرفة التي ينبغي الوثوق بها في هذا الشأن هي المعرفة القائمة على الوحي الذي أبلغه الله للناس عن طريق أنبيائه، ومن ذلك أيضًا الخبر المتواتر الذي اعتبره العلماء المسلمون مصدرًا للمعرفة، فلقد نُقِل القرآن الكريم إلينا متواترًا من أوّله إلى آخره؛ أي من خلال جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، وعلى الشاكلة نفسها نُقل إلينا جزء مهم من السنة النبوية سواء باللفظ أو بالمعنى.. وهذا يعني أن القرآن الكريم وحيٌ ألقاه الله عز وجل على قلب نبيه صلى الله عليه وسلم لفظًا ومعنى، وكذلك السنة الصحيحة أوحى الله تعالى بها لنبيه صلى الله عليه وسلم معنًى وصاغها النبي لفظًا، ولذلك سُمِّي القرآن الكريم بالوحي المتلو، والسنة بالوحي غير المتلو.

فضلًا عن ذلك بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أعلى درجات الكمال في تطبيقه للدين الإسلامي الذي أكمله الله وأتمه بصريح قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (سورة الْمَائِدَةِ: 5/3). والواقع أنه لا يقدر على تمثيل هذا الدين بأكمليته وأتميته هذه دون نقص أو قصور إلا “الإنسان الكامل” الذي عنون به الصوفي الشهير عبد الكريم الجيلي كتابه، وقد أدّى صلوات ربي وسلامه عليه ذلك، علاوة على أن فهمَ القرآن الكريم بشكلٍ صحيح وتطبيقَه على الوجه الأمثل لا يتأتى إلا بهذا التمثيل الكامل لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا فإننا عندما نقول “نهج النبي” فإننا نقصد الوحي المنزل على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتطبيقه الكامل لهذا الوحي.

   الفهم الخاطئ للذات الإلهية

والواقع أن كلا المرجعين مصدر معرفي لا يضلّ ولا يزلّ، إذ لا يتحقق اهتداء الإنسان إلى الصواب لا سيما في القضايا الإيمانية والتعبدية إلا بالتمسك بهذين المصدرين، أما إذا لم يعرض الإنسان القضايا التي يتناولها على مشكاة النبوة فسيقع في الخطإ حتى ولو افترضنا محالًا أنه تقابل بالذات الإلهية مباشرة؛ كأن لا يقدر على إدراك ضرورة أخذ الحيطة والحذر في حضرته، ومراعاة الآداب بين يديه، بل لا يستطيع الوقوف على كيفية إقامة العلاقة بين العبد والمعبود، بل قد يدخل الفخر والعجب إلى نفسه من أجل أنه نال هذه الحظوة، فيتردى من هذه القمة إلى أسفل سافلين.

وقد يحمل الإنسان بين جوانحه محبةً وعشقًا عميقًا للذات الإلهية، ومن ثمّ يتحرّق شوقًا للقاء ربه سبحانه وتعالى، ويعتبر أن التواني والتراخي في هذا الشأن قلة احترام للذات الإلهية التي يحبها بجنون، فلو لم يسِرْ مثل هذا الإنسان على نهج النبي فلن يقدر على الحفاظ على توازنه، وربما يرفع أكفَّ الضراعة إلى الله بالدعاء قائلًا: “اللهم اسلبني روحي على الفور لألقاك”.

فمثل هذا الدعاء وإن بدا جميلًا إلا أنه مخالفٌ لمنهج السنة، حيث يعتريه شيءٌ من عدم التوازن؛ ففي الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تمني الموت، فقال: “لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي[1]، لأن هذه الدنيا ساحة تعليم وتدريب، وقد أرسل الإنسان إليها ليكتسب لياقة وجاهزية تؤهله للعالم الآخر، وما عليه إلا أن يكون مثل الجندي يصبر حتى يحين تسليمه شهادة تسريحه من قِبل الله الذي أرسله إلى هذه الدنيا؛ فهذا هو ما يتطلبه النهج النبويّ، فمن الصعوبة بمكان الاهتداء إلى الصواب حتى في مثل هذه المسألة البسيطة دون السير على “نهج النبي”.

وحتى يتسنى لنا فهم المسألة بشكل أفضل نوضّحها بمثال: قد يهتدي الإنسان بعقله إلى وجود خالق الكون مثل العديد من الأشخاص الذين عاشوا في عهد الفترة ولم تُسعفهم الفرصة للتعرف على رسالة أيّ نبي من الأنبياء عليهم السلام، ولكنهم انطلاقًا من الآثار الرائعة في الكون خلصوا إلى القول بوجود خالق لهذا الكون، ولكن ليس بالإمكان أن يتعرف الإنسان وحده على خالقه، وعلى الأسماء والصفات التي يتصف بها، وكيف يجب أن يكون التفكير نحوه؛ لأن ذلك الشخص إن لم يفكر في مثل هذه الأمور على النحو الذي وضعه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلربما يسيء الفهم للذات الإلهية، وينزلِقُ إلى درَكةِ فكرةِ التجسيم كما فعل بنو إسرائيل في وقت ما، أو يقول -حاشا لله- بحلول الله واتحاده بالبشر كما قال بعض النصارى وغلاة الشيعة، أو يتفوّه بما لا يليق كما قال المعتزلة الذين وقعوا تحت تأثير الثقافة الإغريقية؛ فيقول بأنّ الله مضطرٌّ إلى خلقِ كلّ شيء وفقًا للمصلحة.. والحق أن جميع إجراءات الله تعالى تكتنفها الحكمة، فهو سبحانه لا يفعل شيئًا عبثًا، لكنه غير مكلف بأي شيء، ولا مضطر إلى فعل أي شيء، فكل هذه الأقوال لا تتوافق مع مفهوم الألوهية.

وأيًّا كان الدافعُ وراء هذه الأفكار فهي مخالِفةٌ لنهج النبي صلى الله عليه وسلم حتى وإن كان صاحبها يحمل عشقًا واشتياقًا كبيرين لله تعالى، وما دام التفكير في هذه الموضوعات لا يستند إلى وحي سماوي فلربما يفضي إلى ادعاءات لا تليق بالذات الإلهية حفظنا الله، ويسوق إلى الضلالة والانحراف.

   السبيل إلى تجنب الشرك والضلالة

والواقع أن السبب الرئيس في انحراف بعض الفرق وخطإ تأويلها في المسائل المتعلقة بالذات الإلهية مثل الجبرية والمرجئة والمشبهة والمجسّمة هو عدم اتباعها لنهج النبي صلى الله عليه وسلم بدقة بالغة.. بل إن هناك عالمًا كبيرًا وعبقريًّا فذًّا مثل شيخ الإسلام “مصطفى صبري” رغم أنه عاش في عهدٍ تهاوى فيه المسلمون تباعًا، وشهد انهيارَ أسوارِ حصون الإسلام رغم كل الجهد والمساعي للحيلولة دون ذلك، وله دفاعات كثيرة عن أهل السنة والجماعة؛ فإنه انخدع بمسألة الجبر في كتابه “موقف البشر تحت سلطان القدر” عند تأويله لبعض الحقائق متأثرًا بالأحداث القاسية التي مرّ بها، وكما تقول الحِكمة العربية “تجري الرياح بما لا تشتهي السفنُ”؛ فكذلك مثل تلك الأحداث القاسية لا تجري وفقًا لأمزجة الناس وطبائعهم.

وفي ذلك يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/26)، ويقول في موضع آخر: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/140)، فيوم يكون عيدًا لبعض الناس، ويوم آخر يكون عيدًا للبعض الآخر، فالله تعالى هو صاحب الملك والملكوت، وفاعل مختار في إجراءاته، ومن ثمّ فلا حقّ لأحدٍ في الشكوى والاعتراض، وهذا هو نهج النبي.

وعلى ذلك فإذا لم ينتهج الناسُ الهديَ النبويَّ فلن يتأتى لهم التفكير بتوازن فيما يقع من أحداث، ولن يستطيعوا أن يتجنّبوا التفكير الخاطئ حول الذات الإلهية، لا سيما إذا كانوا يعيشون فترات تشتدّ فيها الخطوب ويتعاقب فيها الظلم، وغير ذلك سيقعون في مشكلة انتقاد القدر، وينخرطون في فكرة الجبر؛ بسبب ما يعيشونه من آلام وأحزان.

وقد يحدث خلاف ذلك، فقد يحرز البعض الكثير من النجاحات ويحالفهم الحظُّ والنصر دائمًا وتجري الأمور كما يشتهون، وبعد فترة يزعمون كما يفعل بعض الغافلين والجاهلين أنهم هم الذين فعلوا وانتصروا وأحرزوا وغنموا، فيتردّون في الشرك بمعنًى ما، كما وقع من سبقهم في الضلالة.

أما السائرون على نهج النبي صلى الله عليه وسلم فينسبون كل نجاحاتهم إلى الله عز وجل، ويعتبرون أنفسهم مستخدَمين فيما يقومون به من خدمات، فيملأَهم شعور بالحمد والشكر لله تعالى المالك الحقيقي لكل الجماليات.. إنهم لا ينكرون الإرادة الجزئية، ويعتبرونها على مستوى الشرط العادي سببًا للأفعال الإنسانية، ولكن لا ينسبون التأثير الحقيقي إليها، ولا ينسون مطلقًا حقيقة أن الله تعالى هو الخالق لكل شيء، ولذلك فهم لا ينكرون الإرادة الجزئية كلّية، ويقدّرونها بقدرها، ولكن يعتبرون إرادة الله فوق كلّ شيء.

إن هؤلاء السعداء المحظوظين السائرين تحت المشعلة التي أوقدها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبالون بعدم التواؤم بين السبب والنتيجة، غير أنهم لا يقيّمون الأحداث بأسبابها الظاهرية فقط، بل يتحرون خلفية الأمر؛ وعليه يقطعون بالحكم السديد فيه، فهم يرون أن انبثاق النتائج العظيمة من أسباب صغيرة أمارة كبيرة على عظمة الخالق سبحانه وتعالى، حتى إن ربنا سبحانه وتعالى يعدّ رفع الأيدي بالدعاء له سببًا، ويبني عليه أشياء عظيمة.

فمثلًا قد تدعون الله قائلين: “اللهم اجعلنا من أهل القبول في السماء والأرض”، ثم تنظرون حولكم فإذا بإخوانكم الذين انتشروا في سبيل الخدمة في كل بقاع العالم قد وضِع لهم حسن القبول حيث ذهبوا، رغم أنهم لم يتعرفوا جيّدًا على البلاد التي رحلوا إليها ولا على لغتها وثقافتها، فإنهم يجدون أهالي هذه البلاد يرعونهم ويحتضنونهم.. وهكذا لا يمكن تفسير هذه النتيجة بالجهود التي بذلتموها؛ وإنما تُفَسَّرُ بأن الله تبارك وتعالى لم يردّ دعاءكم، واستجاب لكم.

ولكم أن تفكروا في كل هذا بالنسبة للأسس الإيمانية الأخرى؛ فمثلًا ليس بالإمكان أن يحمل الإنسانُ أفكارًا مستقيمة متوازنة دون أن يتبع النهج النبوي. ففي حالة عدم اتباع الضوابط التي وضعها الأنبياء عليهم السلام فيما يتعلق بحقيقة النبوة فستظهر بعض الادعاءات التي تشي بالغلو والمبالغة في هذا الشأن، بل قد يهمّ البعض وهم أهل التفريط ويصف الأنبياء -حاشا لله- بسعاة البريد، وأن مهمتهم تنحصر في توصيل الكتاب المنزّل عليهم إلى الناس، وألا مكان لسنتهم القولية والفعلية في التشريع، ويدّعي الآخرون وهم أهل الإفراط أن الذات الإلهية -حاشاه- كانت في حاجة للأنبياء حتى تعبّر عن نفسها.

ولا جرم أنه طالما لم تعتمد مثل هذه المسائل على الخبر المتواتر، وهُجر طريق أهل السنة العام وسُلكت المنعطفات فستظهر انحرافات أخرى.

فبدون تعاليم الأنبياء عليهم السلام يتعذر على الإنسان أن يبين موقفه الصحيح في بعض القضايا مثل: كيفية العبودية لله، ونوع الأعمال التي جعلها الله عبادةً وطاعةً وقربًا منه، وعلى ذلك فالإنسان في حاجة ماسة إلى أطياف الوحي النورانية للتعرف على كلّ هذه المسائل، فلا يكون الإنسان مؤدّيًا للعبادة على وجهها الأمثل إلا بهذه الأشكال التوقيفية التي أمر الله بها، إذ لا مجال للعقل في تأويلها أو تبديلها، والإنسان لا يستطيع بمفرده أن يبتدع أشكال العبادة الجديدة، بل لو افترضنا أنه ابتدع أشكالًا أقسى وأشدّ من أشكال العبادة التي أرشد إليها الأنبياء حتى يتقرب إلى الله أكثر ويعبده كما يعتقد بشكلٍ أفضل فلن يجدي كل هذا نفعًا ألبتة، بل سيدخل في زمرة “المغضوب عليهم والضالين” الذين ورد ذكرهم في سورة الفاتحة، ومن ثم لا سبيل للاهتداء إلى الحقيقة والثبات على الطريق المستقيم في القضايا المتعلقة بالإيمان والإسلام سوى اتباع نهج النبي صلى الله عليه وسلم.

   هل بنهج الأنبياء أم بسبيل الطغاة والمستبدين؟!

ولنضرب مثالًا على ذلك من المسائل المتعلقة بالحياة الاجتماعية أو الإدارية: فمثلًا عندما يتولى أحدُهم منصبًا يعتقد ثقة بعقلِه وخبرته أو سلطته أنه يستطيع القيام بالعمل وحده دون حاجة إلى استشارة أحد، ولا يقبل إلا ما يراه هو، معتقدًا أنه مصيبٌ في قراراته، وتمنعه أنانيته وكبره من استشارة غيره؛ فمثل هذا الإنسان -وإن كان مؤمنًا- فقد فضّل سبيل المستبدين على نهج الأنبياء.

فنبينا صلى الله عليه وسلم؛ رغم أنه مؤيَّدٌ بالوحي، ومرتبطٌ بالرسالة التي جاءه بها جبريل الأمين، ويرى ما وراء السماوات، فإنه يستشيرُ أصحابه ولا يُجبِرُ أحدًا على شيءٍ دون أن يأخذ برأي أهل الحل والعقد من أصحابه رضوان الله عليهم، بل كان أحيانًا ما يُعرض عن رأيه تقديرًا لرأي أصحابه وتقعيدًا لضوابط الاستشارة، وخيرُ مثالٍ على ذلك ما حدث يوم أُحُد، إذ إنه تنازل عن رأيه بالتحصن في المدينة والدفاع عنها لصالح رأيِ أصحابه القاضي بالخروج إلى أُحُدٍ وملاقاة الأعداء هناك.

وقد وقع الأمر نفسه في شيء بسيط مثل تأبيرِ النخلِ، ففي هذه الحادثة ترك النبي صلى الله عليه وسلم تطبيق الأمر إلى الصحابة قائلًا: “أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ[2]، والحقّ أنه صلى الله عليه وسلم يعلمنا كيفية التصرف في مثل هذه الأمور؛ ولذا لو قال أحد أصحاب المقامات الرفيعة بعد أن استشار من حوله: لقد فكرت في هذا الأمر مرارًا وتكرارًا، ورأيت فيه هكذا، ولكن أنتم بلا شك أعلم”؛ فقد انتهج سلوكًا يتوافق مع نهج النبي صلى الله عليه وسلم. أجل، إن هذا النهج يتطلب التخلي عن النرجسية والأنانية، واحترام الإنسان لآراء الآخرين ومشاعرهم أكثر من احترامه لمشاعره وآرائه نفسه.

فيجب على الإنسان أن يحدِّد منذ البداية أيَّ الطرق يتبع، ويراجع نفسه وينظر هل هو بأفكاره ومشاعره وأحواله وحركاته يتبع سبيل الفراعنة والمستبدين أم يتبع نهج الأنبياء؟! وفي اعتقادنا أن النهج الوحيد الذي يجب سلوكه والتمسك به هو نهج الأنبياء العظام، ثم نهج الصحابة رضوان الله عليهم الذين تحرّوا الدقة البالغة في اتباعهم، وبلغوا الدرجة المثلى في تمثيلهم.

   الممثلون المباركون لنهج النبي صلى الله عليه وسلم

لا جرم أن أكثر مَن فهم نهج النبي صلى الله عليه وسلم ومثّله على الوجه الأكمل هم الخلفاء الراشدون رضوان الله تعالى عليهم، فقد طبقوا الإسلام بأبهى صُوَرِهِ وأنقاها، ولذلك يدعو النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين إلى الأخذ بسنته والسير على خطى الخلفاء الراشدين من بعده، فيقول: “فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ[3]، بل إنه يدعونا بقوله “عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ” إلى التمسك بسنته صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، وألّا نحيد عنها أبدًا.

وفي حديث آخر يشير النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم إلى قدر سادتنا الصحابة رضوان الله عليهم بقوله: “خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ[4]، فمن لم ير الذين يعيشون في خير القرون ولم يسِرْ على هديهم فلن يقدر على فهم نهج النبي صلى الله عليه وسلم فهمًا صحيحًا، وسبيلُ فهمِ الإسلام حقًّا وتفسيره صدقًا هو الرجوع إلى فهم هؤلاء العظام في هذا الشأن، والالتزام بتطبيقهم له دون خلل، ولذا يقع على المؤمنين ومرشدي هذا العصر أن يُحبِّبوا إلى الناس الخلفاءَ الراشدين وآلَ البيت وسائرَ الصحابة الكرام رضوان الله عليهم دون تمييز.

أما أفضل ممثلين للنهج النبوي بعد الصحابة رضوان الله عليهم فهم علماء السلف، وعلى رأسهم الأئمة أصحاب المذاهب الفقهية الذين لم يكن لهم هَمٌّ سوى الفهم الصحيح للدين، فبينوا أيَّ الأشياءِ التي يمكن تفسيرها وكيف يمكن، ووضعوا العديدَ من الضوابط التي يمكن من خلالها فهم النصوص، وكما بُعث مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم بجاهزية خارقة لإنارة الإنسانية، فكذلك كان الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، فقد اختصّهم الله تعالى بمؤهلات خاصة، وبفضلهم لم يعد هناك أيُّ أمرٍ مغلقٍ في القضايا الدينية، وانتقل الدين إلينا غضًّا طريًّا كما فهمه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وعلى ذلك فلا بدّ من التعرف على الجهود العظيمة التي بذلها هؤلاء المجتهدون العظام لفهم نهج النبي ومعايشته، وعلى ما قدّموه من خدمات في هذا الميدان، وألّا نقصّر في احترامهم وتوقيرهم والاقتداء بهديهم.

ولكن هذا كلّه لا يعني تجاهلَ ظروف العصر الذي نعيش فيه، أو الفصل بين أحكام الدين والمسائل التي تقع في العصر الراهن، بل يجب الاستفادة مما يأتي به الزمان من مستجدات وتكييفها وتهيئتها عند اللزوم؛ بشرط التمسك بالضوابط الأساسية في الدين، فضلًا عن السعي إلى استنباط المبادئ المهمة من الأحدث الواقعة في زمانهم، وتطبيقها بما يتواءم مع ظروف عصرنا الراهن.

[1] صحيح البخاري، المرضى، 19؛ صحيح مسلم، الذكر، 10.

[2] صحيح مسلم، الفضائل، 141.

[3] سنن الترمذي، العلم، 16؛ سنن أبي داود، السنة 5؛ سنن ابن ماجة، المقدمة، 6.

[4] صحيح البخاري، الشهادات، 9؛ صحيح مسلم، فضائل الصحابة، 210.

الجَرَّة المشروخة: الموقف من الظلم

Herkul | | العربية

 

سؤال: ما الموقف الذي ينبغي اتخاذه لاتقاء الظلم، لا سيما في هذا الزمان الذي شاع فيه هذا الأمر بكل أنواعه؟

الجواب: ورد مفهوم الظلم بشكل واسع للغاية في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، وهو يعني باختصارٍ: تجاوزَ الحدّ وانتهاك حقوق الغير.. ولا ريب أنه على درجات متفاوتة؛ فمثلًا قتلُ النملة يُعدّ ظلمًا؛ فلا حقَّ لأحدٍ أن يسلب حيوانًا حقَّه في الحياة دون وجه حق، والأفظع من ذلك أن يجري هذا الظلم في حقّ إنسان، والأكثر خطرًا وفداحة ًمن ذلك أن يُرتكَب هذا الظلم في حق طائفة أو فئة معيّنة.

فالظلم أيًّا كان نوعه هو ضلال وانحراف نبَّهَ النبي صلى الله عليه وسلم إلى مردوده الأخروي بقوله: “اِتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ[1]، أي إن كلَّ ظلم ارتكبه الإنسان سواء كان في حق إنسان أو حيوان أو في حقٍّ من حقوق الله تعالى سيتمثّل له آلامًا وعذاباتٍ في الآخرة، وما من ظالمٍ إلا وسيجازيه الله تعالى في الآخرة.

ولقد اعتبر العلماء المحققون الظلم واحدًا من العوائق التي تحول دون الإيمان، وهذا أمر جدير بالوقوف عنده، فكما أن الظلم يعيق صاحبه من الدخول في دائرة الإيمان بالله فهو كذلك يعتبر عاملًا مهمًّا للخروج منها.

منع الظلم

وبما أن الظلم أمر قبيح وفظيع إلى هذه الدرجة بالنسبة للإنسانية فلا بدّ من الحيلولة دون ارتكابه ومقاومته، كلٌّ حسب سلطانه وطاقته وموقعه، كما يقول الحديث الشريف: “مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَاسْتَطَاعَ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ بِلِسَانِهِ، فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ[2]، وقد اشتهر الأثر الذي يقول: “السَّاكِتُ عَنِ الْحَقِّ شَيْطَانٌ أَخْرَسُ”.

وإن منعَ بعض أنواع الظلم البسيطة قد يكون في استطاعة ومقدور الأفراد، إلا أن هناك صنوفًا من الظلم لا يمكن قمعها إلا بيد الدولة، بل والأدهى من ذلك أن هناك ظلمًا يُرتكَب في عالم اليوم الذي تسوده العدالة والديمقراطية -وإن كانتا لا تتحققان على الوجه الأمثل- لا تقوى حتى الدول على التغلب عليه، ولذلك فإن منع هذا الظلم الذي تنشأ عنه شلالات الدماء، والذي تُهدّم بسببه البيوت ويُيتَّم الأبناء وتُرمّل النساء، وتتوالى فيه الفظائع والشناعات؛ لا يتأتى إلا بقوة مؤسساتٍ وهيئاتٍ دولية معينة، وعلى ذلك فإن سكت الأفراد أو الدول أو المؤسسات الدولية -كلٌّ حسب موقعه- على الظلم غدا كلٌّ منهم شيطانًا أخرس، وصار مشاركًا في هذا الظلم لأنه غض الطرْفَ عنه على الرغم من قدرته على التصدي له، وسيحاسب على ذلك في الآخرة.

وكما أن اتخاذَ موقف ضدّ الظلم والعملَ على مقاومته ومنعه أمرٌ مهمّ للغاية فإن اتباع إستراتيجية سليمة في هذا الصدد وتجنّبَ الخطإ في أسلوب ومنهج مقاومته لا يقلّ أهمية عن ذلك، فعلى الإنسان منذ البداية أن يحدد متى يستطيع منع هذا الظلم والجور، وأن يكون على وعي بإمكانياته، وألا يتسبب في وقوع فتن أكبر بينما يحاول منع الظلم؛ أي عليه أن يتحاشى عمل المنكر عند تقديم المعروف.

بالظلم يتعذر الوصول إلى أي غاية

يعتقد البعض أن بإمكانهم الوصول إلى أهدافهم وغاياتهم عبر ارتكابهم الظلم والاضطهاد، وإنّهم لَعَلَى خطإٍ كبير، فما أقِيم حقٌّ أو تم التوصل إلى هدف حتى اليوم من خلال الظلم.

من جانبٍ آخر فكما لا تتحقق أيُّ غايةٍ سامية بارتكاب الظلم فكذلك لا يمكن إعادة الحقوق المسلوبة من خلاله، ولو حدث خلاف ذلك لأدى هذا إلى وقوع ظلم جديد وانتهاكٍ وتدميرٍ للحقوق والعدالة، ولذلك فإن كانت الغاية هي سيادة الحق وتحقيق العدالة فلا بد من التعلق بالحق من بداية الأمر إلى نهايته، ويمكن أن نعبِّر عن ذلك بقولٍ طالما ذكرناه في مناسباتٍ عدّة: “وكما يجب أن يكون الهدفُ مشروعًا فلا بدَّ أن تكون الوسيلةُ الموصلةُ إليه مشروعةً أيضًا”.

حسنٌ، فهل من سبيل لمنع هذا الظلم المستشري بكافة أنواعه في أيامنا الحالية؟ وإلى أيّ مدى يمكننا النجاح في ذلك؟ لا نعلم هذا، ولكن المهم هو السير في طريق الإصلاح والتعمير.. وما يقع على عواتق سالكي هذا الطريق هو تمثيلُ الحقّ والحقيقة على الدوام، وفتح الصدور للجميع، وتحاشي مقابلة الظلم بمثله، كما يقول الشاعر نابي:

لا تضايق أحدًا بظلمك

ولا تظلمه وإن ظلمك

ولا تطرق بالشكوى بابَ الملك

وفوِّض أمر من ظلمك إلى ربك

أن نكون مثل مولانا جلال الدين الرومي!

ربما أننا كثيرًا ما نذكر -بشيء من الحماسة والفخر- كلًّا من مولانا جلال الدين الرومي ويونس أمره وأحمد يسوي أو حاجي بكتاش ولي، ونشير إلى تسامحهم، بيد أن ذكر مولانا سهل، ولكن أن نكون مثله فهذا صعب، فهل تستطيعون فعلًا احتضان واحتواء من يُهينكم ويشتمكم بينما تتحدثون عن مولانا جلال الدين الرومي؟ هل إذا ما ظُلمتم بحثتم عن سبل لحل تلك المشكلة بشكل لطيف؟ هل تستطيعون أن تقربوا إلى أنفسكم من أعتدى عليكم وظلمكم؟ هذا هو أن نكون مولانا حقًّا.

ثمة حكاية تُروى بشأن تسامح مولانا؛ إذ جاءه تلميذ جِلف ذات يوم ينتقد قوله “لي قدم في قلب الإسلام، وأخرى في اثنتين وسبعين أمة”، ويتهمه بالزندقة وتضليل المسلمين ويعيب عليه قوله ذلك.. ودون أن يقطع مولانا كلام ذلك الرجل ظل يستمع إليه في هدوء ووقار منحهما الله تعالى إيّاه، فلما رأى أن ذلك التلميذ قال ما أراد قوله ولم يبق لديه شيء آخر ليقوله؛ سأله: “هل انتهى كلامك؟” فأجابه “نعم”، عندها قال له مولانا بصوت لين ورقيق للغاية “أقبِلْ، فصدري مفتوح لك أنت أيضًا”.

هنا مربطُ الفرس وبيتُ القصيد؛ ففي موقف كهذا تذوب وتنمحي جميع المشاعر السلبية التي يُكِنُّها الطرف الآخر، ويتحوّل ما بداخله من الأحقاد والضغائن إلى أطياف من المحبة تغمركم من مفرق رأسكم وحتى أخمص قدميكم، وبينما ثمة سبل ومناهج لإمطار الأنوار على هامات الناس فلماذا نمطرهم شُهُبًا ونيازك؟!

إن ظلَمَكم وبَغَى عليكم من يُعادونكم مرة أو أكثر.. فإنهم سيتخلون عن ظلمهم وجورهم هذا بعد مدة حينما لا يجدون منكم رد فعلٍ على ما اقترفوه بشأنكم.. وبينما حلُّ المشكلات بطريق الحِلمِ واللين ممكنًا فلماذا اللجوء إلى طرق من شأنها أن تثير مشاعر الحقد والبغض وتُذكِي نارَها؟!

ولكنني أرى ثمة فائدة في توضيح أمر سبق الحديث عنه في مناسبات مختلفة، ألا وهو أننا نستطيع التخلي عن حقوقنا الشخصية والتسامح فيها.. ولكننا لا نستطيع اتخاذ الموقف نفسه حين يُهاجم دينُنا ومقدساتنا وقيمُنا أو بلادنا.. وما يجب فعله هنا كالتالي: أولًا شرحُ الأمر بشكل معقول لمن يمارسون تلك الشرور ضدنا، ثمّ السعي إلى تصحيح أخطائهم، فإن عاندوا كذّبنا ما يدّعونه، فإن لم يتراجعوا عن أخطائهم، وواصلوا تمردهم وبغيانهم توجهنا للقضاء ليحكم بيننا.

بيد أنه ينبغي لنا في أثناء فعل هذا كله الالتزام بالحدود التي وضعها لنا القانون والأخلاق، وعدم التضحية بالشهامة والأخلاق السامية أبدًا، وأن نتصرف بصورة إنسانية دائمًا، وعلينا إبَّان القيام بمجموعة من الشروح والتصحيحات وتكذيب الافتراءات أن نجتهد دائمًا كي نقدم إلى الطرف الآخر رسائل إيجابية عبر أقوالنا وتصرفاتنا ونظراتنا وأسلوبنا في التعبير، وألا نتنازل أبدًا عن شخصيتنا وهويتنا، وأن نتحدث ونتكلم بصوت جبريل عليه السلام وأنفاسه، وليس بمزامير الشيطان ووساوسه؛ فَظُـلْـمُ الآخرين واعتداءاتهم تكشف عن شخصياتهم، وعليه ينبغي ألا يمنع ذلك الموقفُ أولئك الملتزمين بالقيم الإنسانية العالمية وفكر الإسلام ومبادئه من أن يفعلوا ما تُملِيه عليهم شخصيتهم وهويتهم.

هل يجدُر ارتكاب هذا القدر من الظلم؟!

أرى أن هذه الحياة الدنيا القصيرة لا تستحق ظلم الآخرين ولا حتى مقابلة ظلمهم بمثله؛ فنحن جميعًا ضيوف فيها؛ إذ إننا بعد إقامة محدودة في دار ضيافة الدنيا الفانية سننتقل إلى الآخرة الأبدية كي نُحاسب عما فعلناه، فهل تستحق العراك والشجار؟! هل تستحق إثارة الفرقة والاختلاف؟! هل تستحق ارتكاب الظلم والجور؟! إنها لا تستحق أيًّا من ذلك.. وفي قول مجهول صاحبه قيل عن الدنيا وفنائها:

انظر بعين العبرة إلى الدنيا فهي دار ضيافة

ليس فيها مقيمٌ؛ فما أشدّ فتنتها الجارفة!

رأسمال السيد والعبد فيها كفنٌ في النهاية وفي نفس المكان يُدفنون

فإن لم يكن المغرور بها مجنونًا فماذا عسى أن يكون؟!

وكي يستطيع الإنسان حلّ المشكلات التي واجهها حتى اليوم فقد استغلّ مشاعر الحقد والبعض مرات عديدة، ويا ليتنا من الآن فصاعدًا نستخدم مشاعر الحب والتسامح بدلًا منها! ليتنا نستطيع فتح قلوبنا للجميع، وليت كلَّ داخل فيها لا يخاف من ألَّا يجد لنفسه مكانًا فيها! ليتنا نستطيع التعامل مع الجميع بشعور عميق من الاحترام والتقدير! ليتنا نستطيع أن نقرأ مشاعر الناس والبيئات الثقافية التي نشؤوا فيها قراءة صحيحة عبر شعور حقيقي من التعاطف، وليتنا نتصرف تجاه الجميع وفقًا لهذا! ذلك أن نمط التصرف الذي نرجوه من الآخرين هو عينه الذي يرجونه وينتظرونه هم منّا.. فإن كنا ننتظر احترامًا من الآخرين فعلينا أن نُباشرهم به، وإن كنا نريد أن تُراعى حقوقنا فعلينا أن نراعي حقوق الجميع.

من المفيد معرفة أن مشكلات اليوم أصبحت معقدة للغاية بحيث يستحيل على أصحاب الفكر الضيق والمتحجر القيامُ بحلها، وكذلك أصحابُ الأفكار الراديكالية الذين تحرّكهم مشاعر التعصب لا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا لصالح فتح القلوب وتحقّق السلام الإنساني.. ناهيك عن عدم قدرتهم أساسًا على استثارة مشاعر احترام قيمهم الذاتية في قلوب الآخرين، إنهم عاجزون عن تحبيب مفخرة الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم إلى الآخرين؛ لأنهم أسرى أنفسهم.

ولهذا السبب فإن حلّ مشكلات البشرية اليوم تتطلَّبُ ضمائر حيّة رحبة، وقلوبًا عامرةً غنيّة، وأفكارًا عميقة.. وكما استطاع مولانا جلال الدين الرومي أن يجمع -قبل حوالي سبعة قرون- شمل المسلمين من جديد بوصفات معقولة وضعها إبّان فترةٍ شهد فيها المسلمون انحطاطًا وتشرذمًا حادًّا؛ فإن الواجب على القلوب المؤمنة اليوم أن تستحضرَ وتُـحْيِـيَ روح مولانا جلال الدين الرومي من جديد، لا سيما في هذا العالم الذي تفكّكت فيه الإنسانية، وسلك البشر فيه اتجاهات معاكسة لبعضهم، وتأسست العلاقات بينهم على النزاعات والأعمال العدائية.. وما لم يتمّ ذلك فلن يتسنى منعُ مظاهر الظلم والعدوان المنتشرة في مختلف أنحاء العالم.

إننا إذا فكرنا في الطغاةِ ومطامعهم ومدى الخطورة التي يتعرض لها السلام والأمن العالمي بسبب الأسلحة المرعبة التي يعملون على إعدادها انتقامًا وثأرًا؛ حينها يتبين مدى عظم المسؤولية الواقعة على ذوي القلوب الفدائية الذين نذروا حياتهم لتحقيق الحب والتسامح.

 

[1]صحيح البخاري، المظالم، 9؛ صحيح مسلم، البر، 56.

[2]صحيح مسلم، الإيمان، 78؛ سنن الترمذي، الفتن، 11.

الجَرَّة المشروخة: سمات المستشار الصالح

Herkul | | العربية

   سؤال: رغم أن سيدنا موسى عليه السلام كان مؤيَّدًا بالوحي الإلهي فقد طلب من ربه أن يجعل له وزيرًا، أي مستشارًا ومعاونًا، فكيف نفهم طلبَه هذا؟ وما الأمور التي يجب أن نراعيها عند اختيار المستشار؟

   الجواب: كل نبيّ من الأنبياء مرشدٌ عظيم ينبغي اتباعه والاقتداء به والسير على نهجه، وقد أورد القرآن الكريم الكثيرَ من قصص هؤلاء الأنبياء في آيات متعددة، وأمر باتباعهم إما صراحةً أو ضمنًا.

فمثلًا يقول القرآن الكريم عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (سورة الأَحْزَابِ: 33/21)، ثم يأتي في آية أخرى ويستعمل الحق سبحانه وتعالى التعبير نفسه في حق سيدنا إبراهيم عليه السلام فيقول: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ (سورة الْمُمْتَحَنَةِ: 60/4)، وعليه فإذا كان كل نبي من الأنبياء يمثِّل أسوة حسنة بالنسبة لنا ففي طلب سيدنا موسى عليه السلام من ربه أن يجعل له وزيرًا من أهله دروسٌ وعبرٌ لنا أيضًا.

ولنتناول هذه الحادثة باختصار: فقد أرسل ربُّنا سبحانه وتعالى موسى عليه السلام صاحب الفطنة العالية إلى فرعون محمّلًا برسالةٍ مهمّة، غير أن المخاطب بهذه الرسالة لم يكن فرعون فقط، بل كانت الرسالة تستهدف أيضًا أولئك الذين يتربّعون على قمة نظام الطبقات الذي وضعه فرعون أمثال هامان وقارون، فهامان كان يسعى بكل جهده إلى أن يجد مبررات معقولة لما يفعله فرعون، ويعمل على تخديره وتنويمه بتقديره وثنائه، وقارون كان مغلوبًا وأسيرًا لماله وثروته، أما سيدنا موسى عليه السلام فكان عليه أن يواجه مثل هذه الجمع المعاند، ويبلغهم رسالة ربه التي لم يعرفوها من قبل.

وينبغي ألا ننسى الآثار النفسية التي نتجت عن نشأة موسى في قصر فرعون، فلقد كان موسى عليه السلام ينظر إلى فرعون ومعاونيه على أنهم قادة وإداريون على الدوام، والأكثر من ذلك أن فرعون كان يعامل موسى عليه السلام وكأنه ابنه أو أخوه الأصغر، ومن ناحية أخرى كان بنو إسرائيل يتبوؤون الطبقة الأدنى في النظام الطبقي الذي وضعه فرعون، وموسى عليه السلام وإن كان قد نشأ وترعرع في قصر فرعون فمن المحتمل أنه كان يلقى هذه المعاملة الدُّنيا نفسها على اعتبار أنه ليس من سلالة فرعون.

وهكذا فإننا إذا وضعنا في اعتبارنا كلَّ هذه الأمور سندرك أن طلب موسى عليه السلام من ربه أن يجعل له وزيرًا قبل القيام بهذه المهمة الشاقة يدلّ على استيعابه الجيّد للمسألة منذ البداية بفطنته وفراسته العالية، وهذا أمر يجب علينا أن نقدّره فيه بدايةً.. وما حدث هو أن موسى عليه السلام قبل أن يتوجّه إلى قصر فرعون طلب من ربه أن يجعل له هارون وزيرًا، كما قال القرآن: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ (سورة طَهَ: 20/29-32)؛ لأن هارون مقارنة بموسى عليهما السلام قد نشأ في مجال يتمتّع بحريّة أكبر بالنسبة لبني إسرائيل، ونظرًا لأنه جاء من نسل الأنبياء فلا بد أنه كان يخاطب قومه على الدوام ويحدّثهم عن الدين والديانة؛ بمعنى أنه كان إنسانًا لديه خبرة كبيرة في هذا الأمر.

كما أن في طلب موسى عليه السلام جانبًا نفسيًّا؛ لأن الإنسان عادة ينزعج إذا واجه وحده كبيرًا من الكبار، فيتعسّر في التعبير عن مقصده، ولذا طلب موسى أن يكون معه مساعدٌ ينصرُه ويدعمه؛ حتى يستطيع أن يمهِّد لدعوته ويعبِّر عنها أفضل تعبير.

وبعد أن ألقينا نظرةً عابرةً على الجوانب الرئيسة في قصة موسى عليه السلام يمكننا أن ننتقل إلى الناحية الخاصة بنا في هذه المسألة، ونقرر ما يلي: إن قيام أصحاب المهام العظيمة والمسؤولين والإداريين على اختلاف المستويات باتخاذ مستشارين حصفاء لهم يسدّون نقصهم ويقوِّمون خطأهم؛ هو أمرٌ يقتضيه العقل والمنطق والفراسة والفطنة.

   اختيار المستشار

ولكن ننوّه على الفور بأن اتخاذ الإنسان مستشارًا له وإن كان مهمًّا فالأهم هو الأوصاف والسمات التي لا بد أن يتحلى بها هذا المستشار؛ لأن الخطأ في القيام بهذا الأمر يجعل ضرر المستشار أكثر من نفعه؛ إذ لا بد أن يتّسم المستشار الذي وقع عليه الاختيار بمزيد من الحصافة والدهاء، ولا يكن كهامان وزيرِ فرعون الذي كان يقرّر كل أفعاله ويتغاضى عن جميع أخطائه، بل يجب أن يتحلّى بأسلوبٍ حكيمٍ يوجّه من خلاله مخاطبَه دون أن يؤذيه، ثم لا يغضّ الطرف حتى عن أدنى خطإ قد يقوم به، ولو كان وطْءَ نملة، أما أن يحيط الإداري نفسه بمستشارين يصمتون أمامه صمتَ هامان على قول فرعون لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (سورة النَّازِعَاتِ: 79/24) بل ويؤيدون ما يفعله تزلُّفًا إليه وتقرُّبًا منه فلا جرم أنه بذلك يمهِّد لهلاك نفسه.

والأدهى من ذلك إذا حاول هؤلاء المستشارون استغلالَ مكانة رؤسائهم ومناصبهم في تأمين مصالحهم الشخصية، فإنهم حينذاك لن يغامروا أبدًا بخسارة مواقعهم؛ ومن ثمّ سيحاولون أن يظهروا أمام مديريهم لطفاء ظرفاء، بغية كسب حبّهم وثقتهم على الدوام، ولذلك يقدّرون كل ما يقوم به هذا المسؤول من أعمال وإن كانت تافهة، ويؤولون كل كلامه وإن كان سلبيًّا.. الخلاصة أنهم يفعلون كل ما بوسعهم للحفاظ على مناصبهم التي تضمن لهم تحقيق مصالحهم ودوامها.

ولا شكّ أن هؤلاء وأمثالهم هم السبب المباشر في زيغ المسؤول وضلاله مع مرور الوقت بسبب ثنائهم ومدحهم المستمر له، فيُدخلونه في قالب غير قالبه، ويلبسونه لباسًا غير لباسه، عندها يبدأ هذا المسكين مع الوقت يرى نفسه مختلفًا ومتميزًا عن الجميع؛ لأن الإنسان يغويه المدح والثناء.

   دائرة الحجبة

من جانب آخر فإن هذه النوعية من الناس ذات الأرواح المظلمة تشكِّل مع الوقت حجابًا أمام الإداريين، وتحجب الأصوات القادمة إليهم عن الوصول إلى المركز، وكلما أتى صوت من اليمين أو الشمال اصطدم بهم وارتدّ إلى الوراء، ولا يُسمع إلا صدى صوتهم؛ حيث إن هؤلاء يشكِّلون حول الشخص الذي جعلهم مستشارين له هالات كالهالات التي تحيط بكوكب زحل، فإذا ما لاحت فكرة لامعة وحاولت الوصول إليه اصطدمت بداية بهذه الهالات المظلمة وتغير لونها، وبالتالي يتراءى الصالحون الأخيار نقاطًا سوداء أمام ناظريه، بل ولو حاول بعض الأشخاص الذين يسيرون على نهج الأنبياء إسداء النصح والإرشاد له كما هو الحال في الرسالات السماوية اعتبر ما يقومون به جدلًا يهدف إلى خداعه؛ لأن مقاييس القيم تختلّ مع الوقت نتيجة التوجيهات الخاطئة، فيبدأ في رؤية الصحيح معوجًّا والأعوج صحيحًا.

وكما هو معلوم كان المعاونون والمديرون -أو المستشارون بالاصطلاح الحديث- بمنزلة وسطاء للسلطان في الدولة العثمانية، فكان الحكام يستشيرونهم في كل ما يعترض الدولة من مشاكل وأزمات، وكانوا هم أيضًا يشكلون درعًا حصينةً للسلطان إزاء المخاطر التي قد تأتيه من الخارج، وبذلك قاموا بمهام عظيمة خلال الآونة التي كانوا يتسمون فيها بالخير والصلاح.. وإلى جانب ذلك لم يمثلوا أدنى عقبة أمام وصول مطالب الشعب واحتياجاته للسلطان أو إيصال مقترحات ووصايا أعيان المجتمع وأشرافه إليه دون غضاضة.

وبالنظر إلى تاريخنا القديم والحديث نجد أن الوضع قد اختلف عن ذي قبل، فمع الأسف أخذت “دائرة الحجبة” تشكل عائقًا وسدًّا منيعًا بين الحاكم والمحكومين، ولا تسمح للأصوات التي تتناهى من الأسفل أن تصعد إلى الأعلى دونما انكسار، وخاصة بعد أن تحلّق المراؤون والنفعيّون في بعض الأوقات بالمسؤولين في الدولة تحت أسماء وألقاب مختلفة مثل مستشار ومعاون ومدير عام وحارس، وحاولوا بِرِيائهم التودّدَ إليهم وكسب ثقتهم، وبالتالي توجيههم إلى الخطإ، فلم ينقلوا أفكار الآخرين ومشاعرهم إلى المسؤولين بشكلٍ صحيح، بل حرّفوا الكلام وفقًا لأهوائهم، وبذلك خدعوا حكامهم وخانوا شعوبهم، والحال أن المسؤول في الدولة لا قبل له بمعرفة سرائر المحيطين حوله ونياتهم الحقيقية وإن كان وليًّا عظيمًا، ولا يستطيع أن ينأى بنفسه عن دسائسهم وحيلهم.

السلطان عبد الحميد الثاني هو من أكثر الأفراد الذين أحمل في قلبي لهم محبة خالصة؛ إذ لما كنتُ في الرابعة أو الخامسة عشرة من عمري أقمت مع المقدّم “مدد أفندي”، وهو شيخٌ في الثمانين من عمره، كان يعمل معاونًا للسلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله، واستمعت منه إلى خصال وفضائل السلطان عبد الحميد المتعدّدة، ومنذ ذلك الحين والسلطان عبد الحميد يمثِّل في داخلي صرحًا من الحب؛ ولهذا لا أسمح بالتطاول عليه، رغمَ أنّ عددًا من المثقفين والأدباء الذين عاصروه قد اتخذوا ضده موقفًا معارضًا، فمثلًا الشاعر محمد عاكف هو أيضًا من أكثر الذين أحبّهم وأكنُّ كلَّ تقدير لهم، لأنه كان إنسانًا صادقًا مخلصًا لا يعرف الرياء، ولم يتطلع إلى أي عرض من أعراض الدنيا قط، ولكن لم يكن الاثنان على توافق فيما بينهما، فمن المعلوم لدى الكثيرين أن محمد عاكف قد كتب قصيدة مناهضة للسلطان عبد الحميد، وكذلك كان موقف العلامة “محمد حمدي يازِرْ” أحد المفسرين المعدودين في تاريخ التفسير، والذي برع في الجمع بين الدراية والرواية.

وفي رأيي أن أهم الأسباب التي دعت مثل هذه الشخصيات العظيمة في وقتها إلى اتخاذ هذا الموقف المعارض هو “دائرة الحجبة” التي كانت تحيط بالسلطان عبد الحميد، حيث كانوا يحولون دون وصول أفكار ومشاعر المثقفين الصاعدة من الأسفل إلى السلطان، بل إن أنقى الأصوات والكلمات كانت تتحطم وتختلّ قبل وصولها إليه، ولذلك لم يستطع السلطان عبد الحميد أن يرى حقيقة ما يجري، ولعله وجِّه من قِبل هؤلاء إلى الخطإ وضُلِّل؛ فلا يستطيع الإنسان ولو كان وليًّا من أولياء الله أن يعرف حقيقة غيره طالما لم يُطلِعه الله على ذلك.

   الاستعمال وفقًا للكفاءة

وبما أن دائرة الحجبة لها أهمية بالغة في القيادة والإدارة فينبغي أن يكون بجانب الإداري معاونون صالحون يحضّونه على الخير ويمنعونه من الشر، ويقع على عاتقهم من ناحية أن يقدموا الحلول للمشاكل التي تعترضهم والمصاعب التي تقابلهم، ومن ناحية أخرى أن ينقلوا المقترحات أو الشكاوى التي يتقدم بها الشعب إلى المسؤولين بشفافية دون تدخل منهم.

وهذه مع الأسف من أهم المشاكل التي نقابلها في عصرنا الحاضر، فلقد بات هؤلاء لا يستمعون إلى أفكار الآخرين ولا يأخذونها على محمل الجد، بل وينقلونها بشكل خاطئ إلى من هم في الأعلى، ويتسبّبون في إصدارهم أحكامًا خاطئة، ونظرًا لأن المستشارين ومديري الأقلام الخاصة والحرس وغيرهم ممن يمثلون دائرة الحجبة يشكّلون حاجبًا بين الإداريين والمجتمع فإنهم يفصلون الإداريين عن المجتمع، ويحولون دون فهم الطرفين لبعضهما بشكل صحيح.. فالإداري لا يرى سوى الحشود التي تتجمع في الساحات والميادين وتهلل وتصفق له، والشعب لا يجد الفرصة للتعرف على الوجه الحقيقي للإداريين، ولذا لا بد أن يكون لدى دائرة الحجبة شفافية تامة وأن تُزال العراقيل التي تحول دون فهم كلا الطرفين لبعضهما البعض بشكل سليم.

فمن الأهمية بمكان جعل الكفاءة هي الأساس عند اختيار الفرد لمثل هذه الوظيفة؛ بمعنى أنه لا بد من النظر إلى التجارب السابقة لهؤلاء المرشحين وخبراتهم المعرفية وقدراتهم العملية، واستعمالهم وفقًا لذلك، علاوة على أنه لا يجوز أن تكون القرابة والصداقة هي أساس الاختيار، فرغم أن التعامل بمروءة مع الأقارب يعتبر فضيلة من الفضائل العظيمة إلا أنه لا تجوز محاباةُ أيٍّ من هؤلاء الأقرباء لتولِّي أي وظيفة إدارية ولو كانت الوظيفة مختارًا في قرية.. فهذه المسألة لا تخضع للمحاباة والمحسوبية، ولا يصح أن تكون صلات القرابة أو علاقات الصداقة أو المنافع والمصالح عاملًا موجهًا في هذه المسألة ألبتة، وإذا لم نراع الدقة في هذا الأمر ولم نستعمل صاحب الكفاءة وولَّينا أناسًا لا يفهمون في الأمر شيئًا لسبب ما؛ فقُلْ على الدولة السلام.

من جانب آخر فقد بات من الصعوبة بمكان أن يتجرأ هؤلاء المستشارون ويعترضوا على الأخطاء التي تصدر من رؤسائهم أو يحاولوا تصحيحها وإن كانوا أصحاب كفاءة، حيث بات هؤلاء لا ينظرون بعين ناقدة إلى ما يفعله هؤلاء الرؤساء نظرًا لتوطد العلاقات التي تقوم على أساس الصداقة والاحترام فيما بينهم، كما أن سعي هؤلاء للحفاظ على عملهم في الإدارة وعلى الوضع والمستوى الذي وصلوا إليه، بل وتَطَلُّعهم إلى مقامات أسمى وأرفع هو عامل مهم لعدم التعبير عن أفكارهم بحرية. أجل، إن هؤلاء الذين ينطلقون بناء على حسابات مستقبلية خاصة مثل نائب البرلمان الذي يتطلع إلى مقام الوزارة أو المستشار الذي يترقب اليوم الذي يصبح فيه نائبًا في البرلمان؛ من الصعب لمثل هؤلاء أن يعبروا عن الحقيقة أمام رؤسائهم، أو يتخذوا موقفًا معارضًا من الأخطاء التي يرونها، ولكن طالما يحافظ هؤلاء على مصالحهم ومنافعهم فستخسر الإدارة والنظام، وستخسر الأمة في نهاية المطاف.

من هنا ينبغي ألا يقتصر الإداريون على المستشارين والمعاونين الذين يحيطون بهم، وأن يستفيدوا من أفكار الذين يحبون دولتهم وينظرون نظرة شاملة إلى الأحداث وإن كانوا يخالفونهم في الفكر والسياسة؛ لأن مثل هؤلاء الناس لن يحاولوا الانتفاع من وراء هؤلاء الإداريين، ولن يعملوا لمصلحة الأحزاب. أجل، من المهمّ للغاية أن يؤخَذ بآراء هؤلاء الناس الذين ينظرون بموضوعية إلى هذه القضايا قبل أن تُخطَى أيُّ خطوة تتعلق بمواطني الدولة على الأقل.

   الجانب المتعلق بأرباب الخدمة في هذه المسألة

إن حصر المسائل التي عرضناها آنفًا والتي تتعلق بتعيين المستشارين ودائرة الحجبة على إدارة الدولة فقط هو تضييق للأمر، فهذه الأمور تنطبق على كل من يعمل في الإدارة والتوجيه في أي مكان وعلى كل المستويات، ومن هنا يمكن القول إن المبادئ التي ذكرناها سلفًا تسري أيضًا على الذين يخدمون في سبيل الله.. فرغم عدم وجود دائرة للحجبة بين أرباب الخدمة كالتي في إدارة الدولة فقد يقوم بعض الأشخاص باتخاذ بعض الأبنية الشبيهة بها في المقامات والمناصب التي يديرونها، ويضعون عوائق وحجبًا بينهم وبين من يعملون معهم، فيؤدي ذلك إلى وجود نوع من الخسوف والكسوف بينهم وبين الآخرين؛ حيث لا شيء يبدو أمامهم حينذاك ظاهرًا واضحًا، ولا يستطيع العاملون معهم في الخدمة أن يصلوا إليهم ويبثوهم همومهم، والحال أنه يقع على عاتقهم أن يكونوا مُهيَّئين لاستقبال الجميع في كل زمان ومكان، وأن يستشيروا الآخرين في كل أمورهم.

 ولهذا يجب على كل من يتولى أمرًا كأن يكون مسؤولًا عن مؤسّسة ما كالمدرسة أو السكن الطلابي، أو ممثِّلًا لأي نشاط خدمي أن يتّخذ لنفسه معاونين يقوّمونه إذا انحرف، ويصحّحون خطأه إذا أخطأ دون أن يتخلوا عن الرفق والحكمة في التوجيه، كما على الأشخاص الذين يشاركونه الدرب نفسه أن يتحلوا بالاستقامة والشجاعة، ويتمثلوا ما نُسِبَ إلى بعضِ الصحابة في خطابِ سيدنا عمر رضي الله عنهم أجمعين: “لو علمنا فيك اعوجاجًا لقوّمناك بسيوفنا”.

فإذا كان سيدنا موسى عليه السلام وهو المؤيَّد بالوحي يطلب من ربه أن يشاركه هارون عليه السلام في أمره حتى يسانده ويؤازره في دعوته فالأولى بنا نحن أن نحرص على هذا الأمر؛ لأنه لا أحدَ منا مؤيدٌ بالوحي، ولا نحن أصحاب فطنة كالتي يتصف بها الأنبياء، ولهذا يجب علينا أن نتخذ مستشارين صالحين يدعمون منطقَنا بأفكارهم المفيدة النافعة، إذ إننا بأمسّ الحاجة إلى أن نتّخذ هذا الأمر أساسًا في كل مناحي حياتنا، فإن نجَحْنا بذلك فلن ننهزم لضعفنا ولن نُغلب بسهولة.

الجَرَّة المشروخة: معايشة الحياة بدقة وإمعان نظرٍ

Herkul | | العربية

سؤال: تكلمتم في مناسبات عديدة عن أهمية معايشة الحياة بفهمٍ وإدراكٍ ووعي وإمعان نظر، فما معنى هذا؟

الجواب: من الأهمية بمكان أن يُحسِن الإنسان قراءة لغة الحوادث والأشياء التي تحيط بحياته، وأن يفكر في الآيات الكامنة في الآفاق والأنفس، وأن يغذِّي حصيلة معارفه باستمرار، بغض النظر عن الاسم الذي يمكن أن يُطلق على هذه العملية.. فما من إنسانٍ يدقّق النظر في حياته كلَّ يوم، ويزيد من حصيلة معارفه بكل ما هو جديد إلا ويوسِّع من باقاته المعرفية ومحبته وشوقه؛ لأن الإنسان إذا غذَّى حصيلةَ معارفِه باستمرار تعمّق في المعرفة مع الوقت، وألهب هذا التعمق محبته، وبالتالي يزداد شوقه للوصال مع ربه سبحانه وتعالى، وكل هذه أرصدة مهمّة بالنسبة للمؤمن من أجل الفوز بالحياة الأبدية.

التفكّر في الآفاق والأنفس

إذا نظرنا إلى بنية الإنسان -ولو بنظرة سطحيّة- وتفكّرنا في آفاقه الأنفسيّة؛ فستَنْفَتِحُ مداركُنا على أشياء كثيرة؛ ومثالُ ذلك: وضعُ العين والأنف وسائرِ الأعضاء الأخرى، كلٍّ في مكانه المناسب، وقيام كُلِّ عضو بوظيفته المتوقعة منه على أكمل وجه، وتنظيم الأنشطة التي تقوم بها هذه الأعضاء بلا قصور كالتنفس والأكل والكلام، فضلًا عن الأنشطة الفسيولوجية الأخرى مثل تنفيذ الأوامر والإشارات بين المخ والأعصاب والأعضاء بشكلٍ سريع ومتناغم للغاية؛ كل هذا يكفينا لندرك كيف أن هذا المجهول الذي يطلق عليه الإنسان مزود بجاهزية رائعة وعجيبة.

وكذلك لو فكّرنا في خلق الكائنات والموجودات بشكلٍ يتواءم تمامًا مع أفكار الإنسان وآماله واحتياجاته، وفي ذلك التواؤم الكامل بين كل كائن في الكون وبين المخلوقات الأخرى المرتبطة به، والروعةِ التي خُلِقت عليها هذه الكائنات بحساب دقيق يَبُزُّ قوانينَ الاحتمالات، وتجهيزِ الإنسان بإمكانياتٍ وخصائصَ وقدراتٍ تؤهّله أن يكون فهرسًا ومثالًا مصغَّرًا للكون؛ لقادَنا كلُّ هذا بالضرورة إلى أن وراء هذا النظام وذلك التناغم ناظمًا حكيمًا.

ولكن مع الأسف بات البعضُ لا يقدر على قراءة هذه الآيات البيِّنات، فَحَصَرَ حياتَه في الدنيا فقط، وراح يعيش حياة اعتياديّة بلا معنى ولا وعيٍ، بل صار يتصرف وكأنه لن يموت أبدًا، انطلاقًا من شعوره بتوهّم الأبدية الناشئ عن طول الأمل، ولا جرم أن هؤلاء سيرحلون مع أوزارهم كما رحل غيرهم، ومن جميلِ حكمتِه جل شأنه أنه يبتليهم أحيانًا ببعض الأمراض والبلايا والمصائب التي تنفّرهم من الحياة وتسبِّب لهم متاعبَ وآلامًا؛ حتى يكسر فيهم هذه المشاعر السلبية، ويُوقظهم من غفلتهم، ويدفعهم إلى محاسبة أنفسهم مرة أخرى.

بيد أن الحياة ليست شيئًا متراكمًا ومكدّسًا بعضُه فوق بعضٍ هكذا اعتباطًا ودون معنى، بل هي نعمةٌ إلهية عظيمة علينا أن نعيشها حِسًّا وشعورًا ومعرفةً، وذلك من خلال إخضاعها لدراسة وتحليل جدّيّيْن، وعلينا أن نضع كلَّ شيء في مكانه الصحيح، فبها يتميز الإنسان عن سائر المخلوقات، وبفضلها يكتسب الإنسان أفضلية حتى على الملائكة والروحانيين، فالحيوانات ليس عندها إدراك للزمان، وتتحرّك وفق غرائزها، وأما الملائكة والروحانيون فيعيشون فيما فوق حدود الزمان، ولذا يمكن القول إن الإنسان والسلوكيات الإنسانية هي مظروف حقيقي للزمان، بناء عليه فإن الحياةَ دون علمٍ بهذا كلّه لا تُعَدّ حياةً في الحقيقة.

بل يجب على الإنسان أن يركِّز على الجهة الخاصة بعالم الملكوت إلى جانب عالم الملك، وأن يحاول فهم نفسه، وأن يفكر في روحه، وينظر في علاقته بربه سبحانه وتعالى، وأن يضع في اعتباره أن هناك مَن هُم أكثر منه عقلًا وذكاءً ما زالوا تائهين في أودية الكفر والضلال، وأن يشكر ربه على إيمانه الذي أنعم عليه به، فثمة أناسٌ يحملون منطقًا ومحاكمةً عقليّةً أعمق منّا، لكنهم للأسف لم يستغلوا هذه النِّعمَ التي خصّهم الله بها، فلم يستطيعوا التعرّف على مفخرة الإنسانية سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يَقُدْهم ذلك إلى الاستفادة من القرآن الكريم، وعليه فإن التفكير في هذا كلِّه سيثير مشاعرَ الشكر لدى الإنسان، وسيساعده على انتهاز الفرص واستغلال الإمكانيات التي بحوزته بما يمكن أن يعود عليه بالنفع الأكبر.

والخلاصة أنه يجب على الإنسان أن يُطَـــرِّزَ حياتَه كلَّها بنسيج التدبُّر والتفكُّر والتذكُّر، وإذا ما أراد أن يحصل على نقشٍ جميلٍ ونتيجةٍ ذات مغزى فعليه أن يعتنيَ بحركةِ الإبرة بينما يزخرف بها ويطرّز، ولا سبيل إلى ذلك إلا بأخذ الحياة التي يعيشها على محمل الجدّ. أجل، يجب على الإنسان أن يَعِيَ علاقَتَه مع ذاته مادّيًّا ومعنويًّا، وأن يَعِيَ علاقتَه مع الحوادث والأشياء أيضًا؛ وبتعبير آخر: يجب على الإنسان -رغم جِرْمِهِ الصغير- أن يحسن دراسة العلاقة بينه وبين الذات العليّة المقدّسة المنزهة عن الجوهر والعرض من ناحيةٍ، ويدرسَ ويدقِّقَ النظرَ في الحوادث المتعلقة بنفسه من ناحية أخرى.

ولقد كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على وعي بهذه الحقيقة فأراد أن يخلّف قدوةً حسنة لأمته، وأن يرى ويسمع أشياء جميلة فيما حوله، فاهتمّ بكلِّ شيء، ودقق النظر فيه، واستنبط من أسماء الجبال والأودية التي كانت تقابله في أسفاره معانيَ جميلة، وتفاءل ببعض الأحداث التي وقعت حوله، وحينما كان يمرّ مع أصحابه على بعض الأماكن التي هلكت فيها الأمم السابقة كان يحثّهم على السرعة في المسير، كما أنه غيَّر بعضَ الأسماء التي تنبئ عن معانٍ سيّئة، واستبدلَها بأسماء ذات دلالة إيجابية، ولو نظرنا إلى كتب الأحاديث والسيرة فسنجد أنه صلى الله عليه وسلم قد غيّر أسماءَ العديد من صحابته، وسمّاهم بأسماء جميلة، وهذه الأحداث وغيرها تدل على دقّة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، وتُبيّن أنه كان مرهفَ الحسِّ إزاء الأحداث الواقعة من حوله.

الجانب الملكوتي للأشياء

من المعلوم لدينا أنه ما من شيءٍ في هذا الكون يقع عبثًا أو على سبيل الصدفة؛ إذ كلُّ شيءٍ يجري في إطار برنامجٍ وخطة محددة، لذا فعلينا أن نستوعب هذه الحقيقة جيّدًا، وأن نعالج ما قد يختلط منها في الأذهان، حتى إنه لا يصحّ أن ننسب إلى الصدفة حتى عدم القدرة على تمرير الخيط من الإبرة أو سقوط الإبرة من أيدينا أثناء فعل ذلك، فما من شيء في الكون يقع صدفةً ألبتّة، ولو استشعرنا هذه الحقيقة وفطنَّاها بإيمان عميق فسنرتقي في مدارج التعرف على خلفية الحوادث الواقعة وحِكَمها.

أجل، ثمة معانٍ تشير إليها الأحداث من حولنا، فمثلًا قد نتصبّبُ عرقًا ونحن نتكلّم في مكان ما ونشعر بالملل والاضطراب، أو يقع من أيدينا كوب ماء خطأً أو نتعثر عند سيرنا، فيجب آنذاك أن نفكر في دلالة هذه الأحداث بالنسبة لنا، وفيما اقترفَتْه أيدينا من ذنوبٍ جعلَتْنا نقع في مثل هذه العثرات؛ لأن المصيبة التي تحلّ بنا وفقًا للمعنى الذي ذكرَتْه الآية الكريمة ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (سورة الشُّورَى: 42/30)، هي بمنزلة قلنسوة حِكْناها بأيدينا ووضعناها على رؤوسنا، وكأنه سبحانه وتعالى يقول: إنكم لو نَظَرْتم إلى ظاهر هذه الأحداث فحسْب أو عَزَوتموها إلى بعض الأسباب الظاهرية ليس إلا؛ فستضيقون بذلك من إطار المسألة، علمًا بأنكم عندما توسِّعون نظرتَكم إلى هذه الأحداث فإنه يسهُل عليكم استقراء الكثير من المعاني الكامنة فيما وراء هذه الأسباب المادّية.

فمثلًا قد يؤلمكم موضع في جسدكم فتلجؤون إلى بعض السبل للتداوي وتنسبون الأمر إلى الأسباب الظاهرية، والحال أنه لا حرج في ذلك، بل إنه يقع على عاتقنا المحافظة على نعمة الصحة التي وهبها الله لنا، إلا أنه من الخطإ الاقتصار على ذلك فقط وتجاهلُ وجودِ مسبّب الأسباب سبحانه وتعالى وراء مثل هذه المعاناة والأزمات؛ لأن هذه المصائب قد تكون ناشئةً عن بعض العثرات والانحرافات التي وقعنا فيها، وقد تكون إشاراتٍ لتفعيل شعور الاستغفار لدينا، فما علينا إلا قراءة هذه الإشارات بشكلٍ صحيح، والتوجه إلى الله بالاستغفار والتوبة، فإن تجاهَلْنا هذا الأمر تعرّضْنا لمصائب أكثر فداحة.

يجب علينا أن نعتبر كل أزمة نتعرض لها -صغيرة كانت أو كبيرة- قطرة مطر تنزل علينا من سحائب رحمة الحق تعالى. فينبغي أن تقرّبنا الابتلاءات التي نتعرض إليها إلى الله أكثر وتجعلنا أكثر لجوءًا إليه، وبذلك يكفّر الله تعالى ذنوبَنا بمثل هذه العقوبات الصغيرة ولن يُبقِيها إلى الآخرة، علمًا بأنّها لو بقيت إلى الآخرة لكان عقابُها هناك أكبر بكثير، ومن ثمَّ فعند تدقيق النظر في المسألة من هذه الناحية يمكن رؤية تجلّيات رحمة الله تعالى في باطن حوادث عديدة يبدو ظاهرُها مؤلمًا ومريرًا.

وبقدر ما تُمنَحُ الحياةُ عنايةً وتفحّصًا لكل صغيرة وكبيرة؛ بقدر ما يتمكن صاحبها من رؤية المنافذ المنفرجة من العالم المادّي الذي يحياه، ومن هنا يستطيع أن يشاهد بعضَ الحقائق الخاصة بعوالم الملكوت، ويرى يقينًا بأنه ليسَ متروكًا وحيدًا، ويشعر دائمًا بأنّ قوّة الله تعالى وقدرتَه وعنايتَه ورعايتَه تحيط به من كلّ حدَبٍ وصوب، ويشاهد في الوقت عينه كلَّ أزمة يعيشُها تحذيرًا وتنبيهًا له؛ فيستفيد منها باعتبارها فرصةً للتعافي والنجاة من التشتت والفرقة.

ومن جانب آخر إنّ الإنسان عندما يتناول الأحداث التي يتعرّض لها بنظرةٍ مدقّقةٍ متفحّصة ويرى الأسباب الحقيقية التي وراءَها يستطيع أن يتخلّص من الوقوع في خطإ إرجاع التأثير الحقيقي في الأشياء إلى الأسباب.. وهذا هو طريق الوصول إلى أفق التسليم والتوكل، وحينها يَترك الأثقال التي يحملها على ظهره في السفينة التي يسيح داخلَها، ويُصبح هذا المبدأُ -في جانب منه- وسيلةَ بلوغٍ إلى المعية الإلهية، وأداةَ حصولٍ على قوّة خارقةٍ يستطيع أصحابها أن يغيّروا تغييرَ مدار الكرة الأرضية.. وبالتالي فإن مشاعر التوكل لا تعني التعبير عن العجز، وإنما هي تعبيرٌ عن الاستناد إلى مصدر القوة والقدرة الحقيقي.. وهنا يلزم التأكيد على أن كلّ كلامنا هذا لا علاقة له بنفي الإرادة أو بتجاهل الأسباب.

لكنه ربما لا يستطيع الجميعُ فهْمَ ذلك نظرًا لأن مثل هذه الأمور ليست مادّيّة مرئية.. فهذه المسألة مرتبطة بعض الشيء بالتعمق في التوحيد، والإيمانِ التام والقاطع بأن زمامَ كلّ شيء في يد الله تعالى، فمَن يُؤمن بأن كلّ الحوادث تجري وفقًا لمقتضى إرادة الله تعالى وعلمه المحيطين، ويعيشُ حياته مدقّقًا فيها يصل إلى حقائق شتى وعديدة تتعلق بحياته الشخصية وبالأوامر التكوينية والتشريعية على حد سواء، ويستطيع مشاهدةَ الحوادث واضحة جليّة.

إلا أنه يتعذر علينا أحيانًا فَهْمُ الحِكَمِ الخفية للأحداث التي تقع من حولنا فهمًا تامًّا، وبالتالي لا نستطيع رؤية التجليات الإلهية الكامنة فيها، ولا ندرك نوعيَّة النتائج الجميلة التي تخفيها لنا، وفي مثل هذه المواقف يجب علينا التزام اليقين التام بأن الله سبحانه وتعالى ليس بظلّامٍ للعبيد، وأنه لا يفعل شيئًا عبثًا.

حياة منتظمة ومنهجية ومتوازنة

إلا أن تحول عصرنا إلى عصر السرعة ومواصلة الناس في عصرنا حياتهم ومعيشتهم في دوامة الكد والسعي، ومحاولتهم الدائمة من أجل الوصول إلى مواقع أو أشياء معينة يتسبب -للأسف- في فقدانِهم كثيرًا من هذه المعاني، ولهذا السبب فإن كنا نريد أن نعيش حياتنا متفحّصين إيّاها وشاعرين بها ومفكّرين فيها يجب أن نبرمِجها من جديد، ونربطَها بنظامٍ جادّ.

إننا إن أردنا أن نجعل السرعة والحركة تجريان لصالحنا فعلينا أن نقسم أعمالنا فيما بيننا، وأن نفعّل دستور التعاون، وننظم ساعات عملنا تنظيمًا جيّدًا، ونرتب الوظائف الواجبة علينا وفقًا لخطة معينة، ونبذل لها أعلى معدّلات التركيز.
أي إن نجاحَ الإنسان كما أنه مرهونٌ بعدمِ تراخيه وسرعتِه في إنجاز الأعمال الواجبة عليه باستخدامه قوَّتَهُ حتى نهايتها؛ فإنه مرهونٌ أيضًا وبالقدر ذاته بأن يعيش حياته بشكل منظّم ومنهجيّ.. ومن المفيد هنا إدراك جزءٍ من حكمة فرض الصلوات الخمس؛ إذ إنها تقسِّم اليوم إلى خمسة أقسام فتُعلِّم المسلمين تنظيم أوقاتهم وما يجب أن تكون عليه حياتُهم من التنظيم والتخطيط.

فإن لم ينتبه الإنسان لهذا فقد ينسحق شيئًا فشيئًا بين تروس الأحداث دون أن يُدرك، حتى وإن ركض فرارًا منها كما يركض الكحيلان.. ويمكن للأعمال المُباشرَة أن ترهقه وتضجره؛ فيتعذّر عليه التفكير بصورة صحيحة في المشاكل التي تواجهه، وكذلك يستحيل عليه اتخاذ قرارات صائبة بشأنها.. وهذا يحولُ دون الحصول على نتيجة وثمرة من تلك الأعمال.. وبالتالي يُخفق فيما يوكَل إليه من أعمال، والأمرُّ من ذلك أنه ربما ينهار بعد مدة ويتعثر في الطريق، وعليه فإن كنّا نرغب في استثمار الحياة على أفضل نحوٍ والحصول منها على أفضل النتائج فنحن مضطرون إلى العمل والحركة ضمن أُطُرِ النظام والمنهج، ومثل هذا النمط من السعي والحركة سيكون أكثر بركةً بالنسبة من قطع الطريق بسرعة تفوق ذلك بعشرة أضعاف.

وهناك عامل آخر يُعتبَر من أهم العوامل لِعَيشِ الحياة بتفحصٍ واستغلالها بصورة مثمرة، ألا وهو التوازن، فلا بدّ من توفّر نظام دقيق وانتظامٍ كامل في جميع الشؤون التي تُؤتَى بدءًا من تناول الطعام حتى النوم، ومن العمل حتى العبادة، ويجب ألا يَمنعَ أيٌّ من هذه الآخرَ، ولا يُستغنى بأحدهم عن الآخر؛ فيجب ألا تُهمل حاجاتنا البدنية ولا عوائلُنا، وألا يقعَ إخلالٌ بمسؤولياتنا تجاه المجتمع، وتجاه الله تعالى.. يجب الوفاء بشتى هذه الوظائف في إطار توازنٍ دقيق، وإعطاءُ كلِّ ذي حقّ حقّه، وحسب قول الله تعالى ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ (سورة الشَّرْحِ: 94/7) يجب علينا إذا ما تعبنا من عملٍ معيّن أن نتوجه إلى آخر، وهكذا فإذا ما أردنا أن نستريح من عملٍ ما علينا أن نكون على رأس عملٍ آخر، وفي ظل هذا يُمكن إنجاز أعمال عديدة معًا، ودون تأخير أي منها.

إن العيش وفقًا لمنهج وبرنامج محدد يمثل في الوقت عينه ضرورة من ضروريات التحلّي بالأخلاق الإلهية؛ لأن الله تعالى حين خلق الكون خلقه وفقًا لخطة وبرنامج معين نسميه نحن القَدَر؛ فجميع الموجودات التي في الكون بدءًا من أفعال الإنسان مثل رؤيته وسمعه وحديثه حتى حركات المجرات والسدم تتحرك في إطار توافق ونظام محدد وفقًا لبرنامج علمي وضعه الله تعالى في محيط علمه، ولما كان الله تعالى يطلب من عباده أن يتحلّوا بالأخلاق الإلهية فقد وجب عليهم أن يتحركوا وفقًا لبرنامجه القدري.

ناهيك عن أننا لا نستطيع إنشاء مبنى عادي دون مخطط؛ حيث إننا نفحص التربة قبل البدء في المبنى، وفي الوقت نفسه نضع في حساباتنا الزلازل المحتملة، فندعم المبنى بأساساتٍ مقاوِمة، وبالشكل عينه فإننا حين نُقبلُ على زرع الحقول نزرعها وفقًا لبعض الحسابات حتى ولو كان المطلوب أمرًا بسيطًا مثل بذر الحبوب، فمثلًا ننظر إن كانت الأرض خصبة أم لا، ونبحث إن كانت إمكانات الري كافية أم لا، ونراجع اتجاهات الرياح ونأخذ بعين الاعتبار تأثير أشعّة الشمس، فإن كانت مثل هذه الأعمال الجزئية تخضع لمجموعة من الحسابات الجادة فيستحيل القبول بأن الإنسان يحيا حياة عشوائية ودون تبصُّر..

نعم، يجب على الإنسان أن يقوم بعمل إحصائية جادة لسلوكه وتصرفاته، ويفكر في مقدمات هذه السلوكيات والتصرفات ونتائجها، وإيجابياتها وسلبياتها.

 

الجَرَّة المشروخة: الواقعُ، ومراعاةُ الأسباب والآلامُ

Herkul | | العربية

سؤال: ما أثر تجرع الآلام إلى جانب إدراك الواقع ومراعاة الأسباب في حل المشاكل التي تعترضنا؟ وما طبيعة العلاقة بين هذه الأمور؟

الجواب: يأتي على رأس الأولويات التي ينبغي القيام بها عند حلِّ المشاكل التي تعترضنا على مستوى الحياة الفردية والاجتماعية؛ قراءة الوضع الراهن بشكل دقيق، وتشخيص المرض تشخيصًا صحيحًا، فلو توهم الشخصُ أنه يعيش في أجواء رحبة بينما هو يعيش في قاع البئر فمن الصعوبة بمكان أن يتخلص مما هو فيه؛ لأن ذلك يعني أن هذا الشخص لا يتجرع آلام البؤس الذي تردّى فيه، ولا يتوجه إلى الله بقلب مضطر، ولا يخطو الخطوات اللازمة كي ينجو مما سقط فيه.

أما لو أدرك الإنسانُ الهوّةَ التي سقط فيها فتبرّم من حاله؛ فإنه يتوجّه إلى الله بحاجته وفاقته وقلة حيلته، ويفعل كلّ ما بوسعه ليتخلّص من هذا الوضع المزري؛ كأن يستغيث بمن هم خارج البئر ويتمسك بما يُدْلون إليه من حبلٍ أو دلو، أو يسعى لأن يحفر بأظفاره المواضع التي سيضع عليها قدميه حتى يخرج من البئر، وفي النهاية لن يتخلى الله عن مثل هذا العبد الذي توجّه إليه بقلبه وأخذ بكل الأسباب، بل سيوصّله سبحانه وتعالى إلى برّ الأمان مظلَّلًا بتجلي سرّ الأحدية في نور التوحيد.

مَن هم داخل البئر ومَن هم خارجه

ولذا يجب أن يكون أول ما نقوم به هو أن نفحص الوضع جيّدًا، ونحدّد خارج البئر وداخله، وهنا لا بدّ أن أنوّه بأن العصر المثالي بالمعنى الحقيقي بالنسبة لنا هو العصر الذي عاش فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ويتبعُهُ عهدُ الخلفاء الراشدين، ليس هذا فقط، بل كانت هناك فترات من بعدهم تحقّق فيها هذا الحال أحيانًا على مستوى الظلّيّة؛ فمن هذه الفترات: عهدُ “عمرَ بن عبد العزيز” في العصر الأموي، وعهدُ “الهادي” و”المهدي” و”هارون الرشيد” في العصر العباسي، أما أطول مرحلة زمنية حياتية كانت أقرب إلى المثالية على مستوى الظلّيّة فقد كانت في عهد الدولة العثمانية؛ إذ تنسّم المسلمون تلك الأجواء طيلة مائة وخمسين أو مائتي عام، بشكل لم يُقدّر لأية دولة إسلامية أخرى.

وهكذا لـمّا شعر هؤلاء بالجماليات خارج البئر وتشبعوا بها حتى النخاع أدركوا على الفور أن السقوط في الحفرة أو العيش داخل البئر كارثةٌ لا سبيل إلى تحملها، والواقع أن هؤلاء قد أدركوا ذلك بمجرد ابتعادهم قدر مترٍ عن الجنة التي فقدوها وعن قيمهم الذاتية الخاصة.

أما سواهم -لأنهم لم يتذوّقوا هذه الحياةَ التي تشبه الجنة- فلم يستطيعوا أن يدركوا أنهم قد ابتعدوا عن الجنان في الخارج وفقدوا قيمهم، بل لم يتألموا لذلك؛ إذ لا علمَ لهم بأن المشاعر قد تبلّدتْ وأن العشق والشوق قد انطفأ وأن الدموع قد تحجرتْ وأن الإفلاس المعنوي قد وقع؛ لأن المساجد التي يرتادونها لم تعد الأماكن التي يجيش فيها العشق والحماس، بل إنهم في الوقت عينه لم يدركوا أن المدرسة معراجٌ يرفع الإنسانَ إلى الله تعالى، ولم يشهدوا طهارة الشوارع ونقاءها المعنوي؛ ومن ثمّ حُرموا من مثل هذه الحياة، ولقد أعاقهم هذا الحرمان من رؤية الهاوية التي يقبعون فيها.

أما السبيل إلى اجتياز هذا الحرمان وإدراك هذه الحقائق فهو استحضارُ العصرِ الذي سادت فيه الحياة المثالية التي نرنو إليها، والسعيُ إلى وعيه وفهمِه بكل ألوانه ونقوشه وزخارفه، فلو أنكم تعرّفتم إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حقّ المعرفة، وانتقلتم منه إلى أصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، واستوعبتم الزمنَ الذي عاشوا فيه بكل أبعاده فقد فزتم بالمقياس الذي يمكنكم أن تقيِّموا فيه وضعكم وموقفكم بشكلٍ صحيح؛ وهذا هو السبيل إلى فهم الانحراف الذي وقعنا فيه، فإذا توفّر لكم مقياسٌ تستطيعون من خلاله معاينة صحة عالمكم الفكري والحركي فستستطيعون حينذاك -وبكل أريحية- تعيينَ زيغكم وانحرافكم وإدراك الوضع المزري الذي أنتم فيه.

أجل، إن كنا نريد أن نتخلص من البؤس الذي نعيش فيه فعلينا أولًا أن نستوعب جيدًا عصر خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم حتى نسدّ جوعنا ونروي ظمأنا ونشحذ عشقنا وشوقنا به ونعزّز علاقتنا مع ربنا سبحانه وتعالى، فإن أفلحنا في ذلك واستطعنا أن نطلّ من هذه النافذة على العصر الذي نعيشه فسندرك البؤسَ الذي يهيمن على الأسر، ومنكراتِ الشوارع التي تتحدى الجميع، والوضعَ المزري الذي آلت إليه مؤسساتنا التعليمية، بل سنشعر كيف غدت دورُ العبادة -التي كانت تجيشُ فيها النفوس وتطربُ- بكماءَ لا صوت لها؛ فلا الوعاظ فيها يقولون شيئًا ذا بال، ولا المتعبدون فيها يعون ما يفعلون؛ ومن ثم يجب على الذين يدركون هذه الحقيقة أن ينقلوا لنا صورة الحياة خارج البئر بشكل جيّد، وأن يعبّروا عنها وعن الوضع البائس الذي نعيش فيه بشكلٍ درامي، حتى تنفتحَ أعينُ الناس اليوم على الحقيقة، فينظروا هم أيضًا إلى حالهم ويقولوا: ما أسوأ هذا الوضع المزري الذي وصلنا إليه؟!

دعاء المضطر

فإن نجحنا في ذلك ووضّحنا للناس ماهيّة البئر الذي يعيشون داخله؛ فسيتوجّهون إلى الله بفقرهم واضطرارهم، ويطلبون المعونة منه، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (سُورَةُ النَّمْلِ: 27/62)، في إشارة إلى أن دعاء المضطر أحرى بالقبول والإجابة.

ولو نظرنا إلى حياة الأنبياء لألفينا نماذج عدة على ذلك؛ فهذا سيدنا “يونس” عليه السلام لما ابتلعه الحوت عرض حاله على الله تعالى قائلًا: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ: 21/87)، وبدلًا من أن يدعو الله قائلًا: “اللهم أنقذني من بطن الحوت وظلمات البحر وظلمة الجو”؛ فوّضَ الأمر كله إلى الله، فلما فعل كلّ ما يقع على عاتقه من واجبٍ وتوجّه إلى الله بحاجته واضطراره ظهرَ سرُّ الأحدية في نور التوحيد.

بمعنى أن تجليات جمال الله تعالى قد ظهرت وفقًا للحالة الشخصية التي كان عليها سيدنا يونس بن متى عليه السلام مع أن السياق العام كان يقتضي ظهورَ تجليات جلال الله عز وجل، فلما عاد إلى قومه آمن به مائة ألف شخص أو يزيدون، كما نصَّ على ذلك القرآن الكريم[1]؛ أي إنه وإن كان قد سقط في بطن الحوت بسبب هجره لقومه قبل أن تأتيه إشارة من ربّ العالمين فقد أدى كفارة ذلك، وتضرع إلى الله بصدقٍ وإخلاص.

وكذلك لما هاجر مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة تعقبه المشركون، فلجأ إلى سلطنة غار ثور (والحق أنني أنزعج من استخدام هذا التعبير حرصًا مني على عدم إساءة الأدب معه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه صلوات ربي وسلامه عليه لم يلجأ إلى سلطنة غار ثور أو سلطنة غار حراء ولا إلى سلطنة المدينة أبدًا، بل لجأ إلى الله فقط، وما فِعْلُه صلى الله عليه وسلم واختباؤُه وإخفاؤه الأثر إلا إعطاءُ الإرادة حقّها ومراعاةٌ للأسباب)، ولكن لا علم لنا بالدعاء الذي توجه به إلى ربه في هذا المكان، من المؤكد أنه قال شيئًا مهمًّا، وتوجه إلى ربه توجُّهًا كاملًا، فما كان من الله تعالى إلا أن حفظه من المشركين بوسائل بسيطة للغاية.

وكذلك يمكننا أن ننظر النظرة نفسها إلى حال سيدنا يوسف عليه السلام، وكيف ألقِي في البئر، ونجا منه بحبلٍ أُدْلِي إليه؛ أو إلى حال سيدنا موسى عليه السلام الذي ضرب البحر بعصاه فانفلق فكان كل فَرْقٍ كالطود العظيم.. ورغم أن القرآن الكريم لم يزوِّدْنا بمعلومات تفصيلية عن صِيَغِ الدعاء الذي دعا به هذان النبيان الكريمان، فالذي لا جدال فيه أنهما توجّها إلى الله بكل كيانهما، وتضرّعا إليه من صميم قلبيهما في وقت نفدت فيه الأسباب بالكلية، وفي النهاية ظهر سرُّ الأحديّة في نور التوحيد، وظفر هؤلاء الأنبياء المباركون بمددٍ من الله تعالى.

وظهورُ سرِّ الأحدية في نور التوحيد يعني تنزُّل التجليات الجمالية والرحمانية من قِبل الله تعالى على العبد وفقًا لحالته ووضعه وحاجته في تلك اللحظة، وبالتالي وصول ذلك المضطر إلى برّ الأمان، ولكن ينبغي لتحقيق ذلك إدراك الفرد للمصيبة التي يتعرض لها، وإحساسه بضعف قوته وقلة حيلته، ثم توجهه إلى ربه بكل كيانه، وهذا منوطٌ بتمييز الشخص للحسن والقبيح والنور والظلام، وبثّه لشكواه في الظلمات وهو يتحرّق شوقًا وعشقًا إلى النور.

مراعاة الأسباب

بعد إدراك المرء للسلبيات التي يتعرض لها يجب عليه -إلى جانب التوجه إلى الحق تعالى في حالة الاضطرار والحاجة هذه- أن يعطي الإرادةَ حقَّها، ويراعي الأسباب أيضًا، لأنّ فعلَ هذا استدعاء مهمّ لمشيئة الحق تعالى وإرادته وقدرته المحيطة بكل شيء، ولذا فحتى وإن بدت الأسباب الظاهرة غير كافية لإنقاذنا من المصيبة التي ألـمّت بنا فإن الله تعالى لن يضرب صفحًا عن إجابة خلجان قلوبنا وخفقانها ولجوئنا إليه تعالى إذا أعطينا إرادتنا حقّها، وقمنا بالواجب علينا حسب الموقف الذي نحن فيه.

ومثل ذلك ضربةُ موسى عليه السلام البحر بعصاه؛ فإنها سبب من هذا القبيل كي تتحقق النتيجة، ومهما غاب التوافق بين هذا السبب والنتيجة فإن مراعاة الأسباب تعني من ناحية ما التشبّث بمطرقة باب رحمة الله تعالى، فإن تفعلوا هذا وتعطوا إرادتكم حقَّها فسيبلّغكم الله تعالى مقصدَكم وغايتكم.

إننا لا ندري ماذا فعل يونس بن متّى عليه السلام في بطن الحوت عملًا بالأسباب، ولكن ربما أنه ضربَ معدَة الحوت بضعَ ضربات فانزعج الحوتُ؛ فألقاه إلى الساحل.. وبالشكل نفسه ليست هناك معلومات مفصّلة حول ما فعله سيدنا يوسف عليه السلام عملًا بالأسباب؛ لا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية، لكن من المحتمل أنه حين رأى الدلو المتدلي نحو قاع البئر أمسك به أو نادى على من في الخارج.

وثمة مثال آخر على الأخذ بالأسباب نسوقُه من حياة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمعلوم أنه عليه الصلاة والسلام عند هجرته إلى المدينة المنورة كان غيرُ المسلمين أكثر عددًا من المسلمين.. ونظرًا لأن بعض هؤلاء لم يؤمنوا برسالة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بِصِلته بالله تعالى فقد كانوا يرسمون الخطط ويعدّون شتّى المؤامرات ضده صلى الله عليه وسلم دونما توقُّف، ولقد كان صلوات الله عليه يراعي الأسباب العادية ويُعطي إرادته حقها في مدافعة ذلك كله والاحتراز منه، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: “سهرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينةَ ليلةً؟ فقال: “ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة!”، قالت: فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح -أي: صوت سلاح- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ؟”، قال: سعد بن أبي وقاص، قال: “وما جاء بك؟“، قال: وقعَ في نفسي خوفٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئتُ أحرسُه، قالت عائشة رضي الله عنها: فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نام حتى أصبحْنا”[2].. فلقد وافق له النبي على أن يكون عينَه الساهرةَ على الحراسة، وفعلًا فقد ظل متوشّحًا سيفه ممشوق القوام دون أن تطرف له عينٌ حتى الصباح..

إن ما فعلَهُ سيدُنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يعبّر عن حالة الضرورة التي ألمت به، وهو يعبّر في ذات الوقت عن كيفية مراعاته صلى الله عليه وسلم الأسبابَ وأخذه بها.

الحاصل أن كلًّا من الفرد والمجتمع إذا ما أرادا حلًّا لمشكلاتهما فلا بد لهما من امتلاك القدرة على التمييز بين النور والظلام، وبين الخير والشر، ثم لا بدّ لهما من الاهتمام ومكابدة الآلام؛ لأن المعاناةَ وتجرُّعَ الآلام دعاءٌ أهمّ من رفع الإنسان يديه من الصباح حتى المساء واستمراره في التضرع إلى الله، وإنَّ رفع إنسان يديه ودعاءه متضرِّعًا: “اللهم إنني أسألك وأرجوك! اللهم إنّ العالم الإسلامي قد انحنى ظهرُه فاجعله برحمتك يستقيم ويعتدل من جديد!”؛ دعاءٌ مهم بقدر أهمية التضرع ليلًا حتى يشرق الصباح، وبعد هذا التضرع والدعاء يجب علينا أن نبحث عن طرقٍ منطقية للتخلص مما نحن فيه من أوضاع مأساوية، وأن نلجأ إلى كل الطرق المشروعة في هذا السبيل؛ فذلك يمثل في الوقت عينه ضرورةً من ضروريّات تعظيم الله؛ لأنه سبحانه وتعالى هو خالق الأسباب.

 

[1] سورة الصافات: 37/147-148.

 [2] صحيح مسلم، فضائل الصحابة، 40.

الجَرَّة المشروخة: الطامحون إلى الأهداف السامية

Herkul | | العربية

سؤال: يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ[1]، فما المسؤوليات التي تقع على عاتق المسلمين حتى يتمّموا تحقيقَ هذه الغاية؟

الجواب: تكلم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العديد من أحاديثه عن الأحداث المستقبلية، ولا جرم أن هذه الأحداث التي شاهدها بعين الغيب وأنبأ بها هي دليلٌ آخر على نبوته عليه الصلاة والسلام، ولو أردنا تناول المسألة ضمن وجهة نظرنا العامة التي ما زلنا نتبنّاها حتى اليوم نقول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يهدف بحديثه عن الأحداث المستقبلية إعلامَ أمّتِه بها، بل كان يستهدف في الوقت ذاته أن يضع نصب أعينهم هدفًا أعلى يسعون إلى تحقيقه ويرشدهم إلى ما يحقِّق ذلك الهدف، ولقد فهم سلفنا هذه الأخبار الغيبية على هذه الشاكلة، وحاولوا القيام بالمسؤوليات التي تقع على عاتقهم في هذا الصدد.

فمثلًا يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثٍ له: “لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ فَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ[2]، فالنبي صلى الله عليه وسلم بهذا القول يخبر عن حادثةٍ ستقع، وإلى جانب ذلك يحضّ أمته على تحقيق ذلك الهدف المنشود ويرشدهم إليه.

ورغم أنه تكلم عن وقوع هذا الفتح بشكلٍ واضحٍ وقاطعٍ فإن سادتنا الصحابة رضوان الله عليهم والمسلمين من بعدهم لم يقعدوا منتظرين وقوع هذا الأمر، لكنهم بدؤوا منذ عصر السعادة يسدِّدون أنظارهم نحو إسطنبول، حتى إنهم شدّوا الرحال إليها وصارعوا أسوارها، حتى استشهد بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام تلك الأسوار، ومن هؤلاء سيدنا خالد بن زيد المشهور بأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، ورغم أن هذا الصحابي الجليل كان قد تجاوز الثمانين من عمره فإنه قطع طريقًا يبلغ مئات الكيلومترات إلى إسطنبول عسى أن يحظى بتحقيق بشارة النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه استشهد عند مشارف المدينة، ودُفن حيث استشهد، وكأنه بقبره قد سجّل المكان الذي استشهد فيه باسمه، وكأن إسطنبول لما رأت حسنَ استضافته لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هجرته من مكة إلى المدينة فتحت له أحضانها واستضافَتْه وهي تقول: “استضفتَ نبيَّنا صلى الله عليه وسلم فضيّفناك”.

السبيل إلى أن نكون ذكرى جميلة

وعلى هذا فإذا كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن هذا الأمر سيبلغ ما بلغ الليل والنهار؛ فالواجب علينا السعي إلى تحقيق هذا الأمر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم بخبره الغيبي هذا قد أرشد أمته إلى هدف منشود، من هنا يجب على المؤمنين -بدلًا من أن ينتظروا تحقُّقَ هذا الأمر- أن ينظّموا هجراتٍ إلى كلّ أرجاء العالم، وأن يعمِّقوا هجراتهم بروح الإرشاد، ويسعَوا إلى تحقيق هذه الغاية المثلى.

للأسف الشديد تعذّر تحقيق هذا الخبر الغيبي الذي أنبأنا به النبي صلى الله عليه وسلم بالمعنى التام حتى الآن؛ وهذا يعني أننا نحن المسلمين لم نبذل غاية ما بوسعنا في سبيل تحقيق هذا الأمر، ولم ننفتح على العالم، والواقع أننا لو فشلنا في تحقيق هذا الأمر في الوقت الحالي فسيأتي مَن خلفنا ويحمِّلوننا وبال ذلك، وكما نسعى إلى أن يُذكر أجدادُنا بالخير دائمًا وتُعَدَّدَ محاسنهم وألا توجد في حياتهم ثغرات ولا عليها ملاحظات؛ فعلينا كذلك أن نساعد الأجيال القادمة من بعدنا في أن يذكرونا بالخير، وألا نسوقهم إلى سوء الظن بنا بسبب بعض إهمالنا وكسلنا، وألا نجعلهم يقولون عنا: “تبًّا لأجدادنا الذين استسلموا للدعة والخمول ولم ينفتحوا على العالم”.. من أجل ذلك يجب أن نحول دون ذكرهم لنا بهذه الكلمات الشديدة على النفس يومًا ما، وأن نسعى بأقصى جهدنا ونعمل كل ما بوسعنا للانفتاح على كل أرجاء المعمورة.

ويمكن القول إن هناك محاولات على هذه الشاكلة الآن، فقد جاب رفقاؤنا في الخدمة معظم دول العالم، والحمد لله حمدًا طيبًا مباركًا كثيرًا، فلقد لاقوا حسن القبول في كل مكان ذهبوا إليه، ولم توصَد دونهم الأبواب، ولقد كان الأستاذ النورسي يرى وجودَ طالبٍ واحد من طلاب النور في مكانٍ ما كافيًا لتجدَ المشاعرُ والأفكار الإيمانية حسنَ القبول هناك، وهو هنا يذكِّرنا بأهمية التمسّك بالأفكار والغايات السامية، وينصحنا بإعلاء همتنا، وأن نقوم بما يجب علينا في كل مكان نذهب إليه في سبيل تحقيق غايتنا المثالية تلك مهما كلفنا من ثمنٍ.

فإن لم تتمسكوا بالغاية المثالية حيث تذهبون، ولم تعيشوا وفقًا لها، فمن الصعب أن تتخلصوا من أسارة الأنانية، وستتردون في هوة النرجسية، ويمكن أن نرجع أساسَ هذا الأمر إلى الحقيقة التي يذكرها فضيلة الأستاذ النورسي رحمه الله في قوله: “إذا لم تكن ثمة غايةٌ ومثلٌ عليا، أو نُسيت تلك الغاية، أو تنوسيت؛ تحوّلت الأذهان إلى “أنا” -الأفراد- ودارت حولها”[3]، والواقع أن هذا يُعدّ بمثابة عقاب الله للإنسان؛ لأن الإنسان إذا لم يسعَ لتبليغ القيم التي نذر حياته في سبيلها فسيوكله الله إلى نفسه، عندها يشرع ذلك الإنسان في السعي إلى إظهار نفسه بأقواله وأفعاله وتصرّفاته ومشاعره وأفكاره، ولا شك أن هذا عقابٌ آخر يسلطه الله على الإنسان، وسبيل النجاة من هذا الأمر هو تسديد الأنظار إلى الأهداف السامية.

وأما النقطة التي يمكن أن يصل إليها المتحرّكون في سبيل مثل هذه الغاية السامية فهي شيء آخر، والله تعالى هو من سيقدّر هذا.. المهم هو أن نحيا ونموت في مدار ذلك الهدف المنشود.

لقد خرج أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه غازيًا في سبيل الله، ومسافرًا من أجل فتح إسطنبول، لكنه استشهد على أسوارها وقد تعذر عليه الوصول إلى غايته المنشودة، إلا أنّ التوفيق حالف قائدًا آخر جاء بعد ذلك فيسّر الله الفتح على يديه، وما يجب على أجيال اليوم هو السعي إلى إنجاز غايتها المثالية، ومن المتعذر علينا أن نعلم كم سيقدّر الله تعالى لهم من الإنجازات في هذا السبيل، ولكنهم يستلمون الراية فيصلون بها إلى نقطة معينة؛ فيأتي خَلَفُهم فيستلمونها من حيث تركوها، ويتقدمون بها إلى الأمام أكثر فأكثر.. وحين يقومون بهذا يذكرون تلك الأجيال بالخير؛ أي إنكم ستُصبحون ذكرى جميلة وستنتشر سيرتكم الحسنة بين الأجيال القادمة.

وكما أن الفدائيين المتحلقين حول غاية مثالية لا يتشوّفون من وراء الخدمات التي يقومون بها إلى أن يجنوا ثمارها ويروا خيرها بأمّ أعينهم؛ فإنهم لا يرهنونها برؤية الآخرين إياها ولا مدى معرفتهم بها وتقديرهم لها، إنهم يسعون دائمًا إلى ضبط تصرفاتهم وسلوكياتهم وفقًا لصوت قلوبهم، ويفكرون في رضا الله تعالى فحسب، ولكن الله جل جلاله يُجري ذكرَهم بالخير على ألسنة اللاحقين بهم دون أن يتشوّفوا هم لذلك أصلًا، وهكذا فالطريق التي تُؤدّي بالسابقين إلى أن ينالوا دعاء اللاحقين وثناءَهم تتمثل في الاستفادة لأقصى درجة من الإمكانيات والقدرات التي منَّ الله تعالى بها.

مِن حُلمٍ خَرِبٍ إلى واقع عَامرٍ

أجل، إن كنا نرغب في أن يتحول حلمنا الخرب الممتد من الماضي إلى واقع عامرٍ في المستقبل بعد أن تحطم في وقت سابق، وأن تتعرف الأجيال اللاحقة بقيمنا، وأن تذكرنا بالخير فيجب علينا من الآن فصاعدًا أن نستخدم إمكانياتنا كلها ودون استثناء، فننفّذ بحساسية ودقّة المهامَّ المترتّبة علينا في سبيل تحقيق غايتنا المثالية، وعندما نؤدي ما يجب علينا القيام به فإن الله تعالى لن يضيع جهودنا تلك، وسوف يسوق إلينا مواسم ربيعية جديدة بعد هذا الشتاء الطويل.

لقد أخذت العلامات تظهر والأمارات تتوالى تباعًا، وراحت ديكة الفجر تؤذّن مبكّرة، وبدأ الفجر الصادق يتنفّس.. فلا نَنْسَ أنَّ الولادات العظيمة غالبًا ما تصحبها آلام مخاضٍ شديدة، وكما أن بعض حالات الولادة تودي بحياة الأم؛ فإن الولادات العظيمة على المستوى المجتمعي قد تودي بحياة جيل كامل، ولكن هذا ليس أمرًا مهمًّا للغاية؛ إنما المهمّ هو أن تتمّ الولادة بنجاح.. ثم ماذا يحدث إن فنينا نحن أو لم نفنَ! ألسنا سنرحل من هذه الدنيا إلى الآخرة يومًا ما؟ إذًا فلا أهمية لِمَا إِن كنّا سنتذوق لذائذ الدنيا ومتعها أو أننا لن نتمكّن من ذلك.
بل وهناك ما هو أكثر من ذلك؛ فقد يُحوِّلُ بعضُ الظالمين والمعتدين الحياة إلى سجنٍ لنا؛ حتى إنه قد تتوالى حالات الهجرة والنفي والاعتقال والسجن والظلم.. ولا يسمحون لكم بأن تتذوّقوا شيئًا من متع الدنيا على الإطلاق، بيد أنه ينبغي لنا أن نقول فورًا: “إنّ كلّ هذه الأمور لا تعني شيئًا ألبتة بالنسبة لمسؤوليّتنا؛ فلقد حُدِّدت غاية فطرتنا ونتيجة خلقنا، وما يقع على عاتقنا هو التحرّك من أجل تحقيق ذلك، وإن كلّ هذه الأشياء لن تعني لنا شيئًا بعد أن نحقّق غايتنا!”.. غير أنكم إذا ما فارقتم هذه الدنيا دون الاضطلاع بشيء في سبيل إعلاء اسم الله تعالى وإيصال اسم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العالم أجمع فإنكم ستنتقلون إلى الآخرة وكلكم حسرة على ما فاتكم فعله فيها.

وعليه فثمة حاجة في يومنا إلى فدائيين مستعدين للتضحية بمشاعر الفيوضات المادية والمعنوية، أوفياء لرسالتهم مخلصين لها بحيث يكون إخلاصهم بذلك القدر الذي عبر عنه الأستاذ سعيد النورسي في قوله “إن رأيتُ إيمان أمّتنا في خيرٍ وسلام فإنني أرضى أن أُحرق في لهيب جهنم، إذ بينما يحترق جسدي يرفلُ قلبي في سعادة وسرور”[4]، وإلا فإن هذه الرسالة لا يمكن تحقيقها بالتركيز على الأنانية الذاتية أو الجماعية أو اللجوء إلى انتماءات متعدّدة تحت مسميات شتى بعيدًا عن اللب والجوهر.

وأرى أن المهم هو الالتزام بالقواعد والمبادئ النابعة من الوحي؛ قرآنًا وسنّةً، بدلًا من تعزيز الأنانية الشخصية عبر الافتخار بالشهرة والصيت أو الانتساب إلى فلان أو علان..

 وكما أن هناك مَن يرغب في الوصول إلى مواقع أو مراكز معينة عن طريق قتلِ الآخرين؛ فنحن بأمس الحاجة إلى أرواحٍ نذرت نفسها للحق وتفانت تضحيةً وفداءً أثناء سيرها في الطريق حتى ينقطع صوتها ونفسها وتموت وهي على منوال النبي صلى الله عليه وسلم الذي كاد أن يُهلك نفسه من أجل إحياء الآخرين، فخاطبه ربه قائلًا: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)..

وفي ظل هذه الأرواح المُضحِّية القادرة على التخلي عن متعها الجسمانية وراحتها الشخصية في هذا السبيل، والقادرة على الاستغناء عن الأطماع المادية والفيوضات المعنوية سوف يصبح حلمنا واقعًا معمورًا من جديد.

إنّ مجرّد السير في طريقٍ ضحى الأنبياء بحياتهم من أجله وفيه؛ لهو شرفٌ عظيم، وأيّ شرف! لأن من يسير خلفهم على الطريق نفسه ويشاركهم الغاية المثالية عينها فسيكون معهم في الآخرة أيضًا، وسوف يرتقي معهم إلى المرتبة ذاتها، وكما فهمنا من بعض الأحاديث النبوية الشريفة فسوف يُصنَّفُ الناس ويُقسَّمون إلى فئات مختلفة في الآخرة، وهكذا يُحتمل أن يُوضع من أنفقوا أموالهم، ومن هاجروا في سبيل الله، ومَنْ عمّقوا تلك الهجرة وعززوها بالإرشاد… إلخ في فئات مختلفة.

وكذلك فإن الساعين في طريق إعلاء كلمة الله سوف يجتمعون بمن ساروا وسَعَوا معهم، وأيًّا كانت الفئة التي يتجانَسُ الإنسان معها بحسب أعماله في الدنيا فإنه سيُحشر معها في الآخرة، ومن ذا الذي لا يريد أن يُحشَر مع أشخاص عظام كالأنبياء والعلماء من أمثال الإمام السرهندي ومولانا خالد البغدادي والأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي! ومهما يقدم الإنسان من أجل الحصول على مثل هذه النتيجة فإنها تستحقه وتجدرُ به.

 

[1] صحيح مسلم، الفتن، 19؛ سنن الترمذي، الفتن، 14.

[2] الحاكم: المستدرك، 4/468؛ أحمد بن حنبل: المسند، 4/335.

[3] بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، نوى الحقائق، ص 574.

[4] بديع الزمان سعيد النورسي: سيرة ذاتية، ص 492.

الجَرَّة المشروخة: طرق تحقيق الشرعية في الدعوة

Herkul | | العربية

سؤال: ما الأسس التي يجب مراعاتها حتى تستمر الخدمات المبذولة في سبيل الله ضمن الإطار الشرعي؟

الجواب: بادئ ذي بدء نقول: إنه كما يجب على المؤمن أن يؤدي عباداته وفقًا لأوامر الدين وتعاليمه، فعليه كذلك أن يراعي هذا بقدر الإمكان في علاقاته مع الناس، وأن ينعكس هذا على سلوكياته وتعاملاته عند القيام بعملية الإرشاد والتبليغ؛ لأن المؤمن يكسب ثوابًا حتى بعزمه على البحث والتحري في هذا الموضوع ومراعاة الدقة فيه، فمَن يجعل اتباع السنة السنية عادته، فقد حوّل عاداته إلى عبادات.

أما عن المصدر الرئيس الذي ينبغي الرجوع إليه في هذا الأمر فهو الكتاب والسنة، ثم مصادر التشريع الأخرى مثل الإجماع والقياس والاستحسان والمصلحة المرسلَة والعرف.. لقد استطاع الفقهاء العظام من عصر السعادة إلى يومنا هذا حلَّ جميع المسائل الفقهية التي قابلتهم، وسدّ الثغرات الحقوقية التي واجهتهم من خلال اعتمادهم على هذه المصادر في التشريع، وكذلك يمكن للمجتهدين في عصرنا الحاضر استنباط حلولٍ لتنظيم الحياة وفقًا للدين معتمدين على المصادر النيّرة نفسها.

ولكن بدلًا من التوجّه إلى الاجتهاد مباشرة في مسألةٍ ما؛ فالأسلَمُ هو البحثُ أولًا في الاجتهادات الصادقة الصافية للسلف الصالح عن حلٍّ لهذه المسألة؛ لأن هؤلاء سدّوا باجتهاداتهم واستنباطاتهم كلَّ الثغرات التي برزت في عصرهم خاصة، ولم يتجاهلوا أي ثغرة حقوقية، ولذا فإن اجتهادات هؤلاء هي مصدرٌ مهمٌّ للغاية، علينا أن نستفيد منه، فإن تعذر الوصول إلى حل المسألة عندها يُرجَع إلى مصادر التشريع الأخرى التي تحدثنا عنها آنفًا، ويؤخَذ بالاجتهادات الجديدة التي توصل إليها العلماء المؤهلون لهذا الأمر.

نعم، يجب أولًا حلُّ النوازل اعتمادًا على مصادر التشريع وإرجاعُ الخطط الموضوعة إلى أصل شرعي، لكن إذا تعذر هذا فعلى الأقل ينبغي ألا تتنافى مع الشرع؛ فكما هو معلوم إذا لم يأمر الشارعُ بشيءٍ ولم ينهَ عنه فقد دخل في دائرة المباح، وهذه الدائرة واسعة للغاية، فقد نصَّ الكتابُ والسنة على إباحة بعض الأمور، إلا أن من المسائل ما لم يرد في حكمها نصٌّ، مما يجعلها داخلة في دائرة المباح أيضًا؛ لأن القاعدة الشرعية تقول: “الأصل في الأشياء الإباحة”؛ وهذا يعني أنه إن لم يرد أيُّ حكمٍ شرعيٍّ ينصّ على تحريم شيءٍ ما فالأصل فيه هو الإباحة، فالمؤمن يتمتّع بحريّة التصرّف في هذه المسائل المسكوت عنها في إطار مقاصد الشريعة العامة.

فقه السيرة

ولقد اعتنى علمُ أصول الفقه بتوضيحِ مصادر التشريع؛ ومن المؤكد أن هذه المصادر هي أوّلُ ما يجب إعمالُ النظرِ فيها عند النوازل والمستجدّات، ولكن إلى جانب ذلك ينبغي عدم إغفال “فقه السيرة”؛ لأن فقه السيرة يعينُنا على حلّ المشكلة التي تعترضنا في الآونة التي لا نستطيع التوصل فيها إلى حكم واضح من خلال مصادر التشريع الأصيلة، فضلًا عن أنه يساعدنا على الفهم الصحيح لمصادر التشريع، فلا شك أن مواقفَ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابتِه الكرام من الأحداث التي وقعت في عصرِهم وأفعالَهم وتقريراتِهم بل وحتى سكوتَهم؛ هي مرجعٌ مهمّ بالنسبة إلينا؛ ولذا لا بد من الرجوع إلى فقه السيرة والاستفادة منه إلى جانب عموم مصادر التشريع في استنباط الأحكام.

إن رجالَ الخدمة اليوم يهتمّون بالجميع ويفتحون لهم صدورهم، ويقيمون حوارًا مع أتباع الثقافات الأخرى وأصحاب الديانات المختلفة، ويطوّرون علاقاتهم الاجتماعية معهم، ومن يقوّمون هذه الأنشطة يُرجعون الأمر إلى ما قام به أمثال مولانا جلال الدين الرومي، والشيخ أحمد يسوي، وحاجي بكداش ولي، ويونس أمره… ويعتبرون رحابةَ الصدر هذه تشبُّهًا واقتداءً بهذه الشخصيات العظيمة، إلا أن هؤلاء ليسوا سوى تلامذة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر، اتبعه أكبرُ المرشدين، بل ورأوا أن إرجاع كل المسائل التي تعترضهم إلى أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته هو أَقْوَمُ المناهج وأصحّها وأعلاها، فيتحتم علينا نحن توفيقُ تصرفاتنا مع سنته السنية صلى الله عليه وسلم كما هو الشأن في كل فعالياتنا ونشاطاتنا، فإننا لو نظرنا إلى حياته السنية وكيف كان يقيم جسور الحوار والتسامح مع أتباع كل الثقافات والديانات فسنقف على أمثلة لا حصر لها في هذا الصدد، ولذلك فمن الضروري إرجاع مثل هذه الفعاليات الحالية إلى الأسس والمبادئ المستفادة من سيرته صلى الله عليه وسلم.

يمكن القول بأن أصحاب الخدمة اليوم يحاولون في العديد من المواقف والإستراتيجيات التي يتبعونها في خدماتهم إجراءَ هذه الأنشطة وفقًا لفقه السيرة، وأن الذي يقتدون به في هذا الموضوع -كما في كل موضوع- النبيُّ الأكرم صلى الله عليه وسلم وسنّتُه وسيرتُه، وأنهم يبذلون كل جهدهم كي يبلغوا هذه الغاية السامية، فمن هذا مثلًا:

  • بذلُ المزيد من السعي والجهد الخارق لإيصال قيمنا الذاتية إلى القلوب الظامئة دون التخلي عن حسن العرض وصحة المنهج عند القيام بذلك، وإلا ضاق مجال الحركة.
  • والتعاملُ بوضوحٍ وشفافية مطلقة لعدم إثارة القلق في نفوس الآخرين تجاهنا.
  • وكسبُ ثقة الجميع بالتمثيل الأكمل لحقائق الدين.
  • واستغلالُ رصيد الثقة على الوجه الأمثل.

ولكن للأسف صار فقه السيرة بشكل عام من العلوم التي لا يُعبأ بها كثيرًا حتى في وقتنا الحالي، فأنا مثلًا لم أسمع عن تدريس مادة فقه السيرة في المدارس الشرعية التقليدية عندنا، ولم تدخل هذه المادة ضمن المقررات والمناهج الدراسية، ورغم تحرير الكثير من المؤلفات المهمّة حول السيرة النبوية فقد أُهمِل تقييم ما جاء في السيرة من أحداث ولم تتناول بفلسفاتها الرئيسة وخلفياتها التاريخية، علمًا بأن السيرة هي مصدر مهم وثريّ يجب دراسته وفهمه على الوجه الصحيح حتى يحسن فهمنا للدين ويتسنى لنا معايشته بشكل سليم.

ورغم أن معرفة اللغة العربية والعلوم الشرعية لها أهمية كبيرة في دائرة الفهم الصحيح للقرآن الكريم؛ إلا أن هذه الدائرة لا تكتمل دون الرجوع إلى فهم الصحابة الكرام في هذا الموضوع؛ لأن هؤلاء الصحابة هم أفضل الناس فهمًا للقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة بما يتوافق مع المراد الإلهي، ومن ثم كان لا بد من الرجوع إلى فهم الصحابة الكرام قبل آراء علماء اللغة عند استخراج أحكام القرآن الكريم ومقاصده في عهد التدوين، وتحري هذا الأمر في منبعه، وأريد أن أعبر عن أسفي وحزني في هذا السياق. أجل، رغم أن احترام السلف الصالح مبدأ عام ومهم بالنسبة لي إلا أنني لا أتمالك نفسي من إظهار هذا الأسف.

العرف العام والمصالح المرسلة

وإلى جانب هذا كله ينبغي عدم غض الطرف عن المستجدات التي أتى بها الزمان، فنحن لا نعيش في عهد الصحابة أو عهد التابعين أو عهد تابعي التابعين.. وإنما نعيشُ في عهد له ظروفه الخاصة، ونحن أبناءُ زماننا، ولذا يجب قطعًا أن نضع في حسباننا الوضع الراهن عند تحديد طريقنا ووجهتنا، وأن نعي جيّدًا ما يطلبُه منّا الزمان، ونفسِّر المسائل القابلة للتغيير وفق معطيات الزمان والمكان.

والواقع أن استخدام الفقهاء للعرف العام والمصلحة المرسلة باعتبارهما مصدرين مهمين من مصادر التشريع في استنباط الأحكام يؤيد هذه القضية، فمنذ عصر السعادة حتى يومنا هذا استطاع الفقهاء اعتمادًا على هذين المصدرين وضع الحلول للعديد من المشاكل، وسدّوا بهما الكثير من الثغرات الحقوقية، فالإسلام لم يعارض عمومَ العادات والتقاليد السائدة في المجتمعات التي دخل فيها، بل أقرّ الصالحَ منها بعد فَـــلْــتَـــرَتِــهِ بمصفاة أحكام الشرع، وما لم يصلح استبعَدَه نهائيًّا.

ولهذا يجب على الذين يتحركون ضمن دائرة الإرشاد أن يأخذوا بعين الاعتبارِ العاداتِ والأعرافَ السائدة في زمانهم، إلى جانب تمسّكهم بمصادر التشريعِ الرئيسة المذكورة سلفًا والأحكام المستنبطة منها عند قيامهم بأي فعالية أو اتخاذهم أي خطوة، كما يجب عليهم أن يحددوا ما فيه مصلحة مما لا مصلحةَ فيه؛ بعبارة أخرى لا بد أن تكون قراراتهم متماشيةً مع مراد الله سبحانه وتعالى ومصلحة المجتمع.

عموم البلوى

إذا كانت الأنشطة التي سيتم تنفيذها تخدم الدين، إلى جانب نفعها المجتمع، كأن تهدي قلوب الناس إلى الله، أو تهيّئَ بيئات مناسبة لتعريف الآخرين بالقيم الدينية التي تتبنونها فيتحتّم علينا الوفاء بمسؤولياتنا على الوجه الأمثل في هذا الشأن، وبذْلُ غاية ما في الوسع لتحقيقها، وإذا لزم الأمر فيجب علينا أن نُقَدّم بعضَ التنازلات فيما يخصّ حياتنا الشخصية -حتى وإن لم نرغب في ذلك- حتى تُحَقَّقَ مثل هذه الغاية السامية.

هناك مَنْ لا يضعون ظروف العصر الذي نعيشه في حسبانهم، ولذلك فقد ينتقدون مثل هذه المقاربة، وبصرفِ النظر عن العمل على تحقيق أهداف دينيّة سامية كالمشاركة في فعاليات الإرشاد فإن مسلمي عصرنا لا يستطيعون إنقاذ أنفسهم من الوقوع في بعض الذنوب ولا إعفاء أنفسهم من التنازل مرات عديدة في بعض شؤون حياتهم اليومية، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر أن القرآن الكريم يقول: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ (سورة النُّورِ: 24/30)، في حين أنه يلزمُ المسلم الراغبَ في الالتزام بأمر هذه الآية في يومنا هذا ألا يخرج من منزله وألا يذهب إلى السوق، بل ويُحتمل الوقوع في الحرام حتى أثناء الذهاب إلى المساجد لأداء عبادة مهمّة للغاية كالصلاة.

لا بد من الإقرار بأننا لا نعيش في عصر السعادة (صدر الإسلام) حيث عاش كل إنسان بأدبه وأخلاقه، محترمًا الأفكار والآراء، محافظًا على سلامة مشاعر الآخرين.. لذلك فإنه ما لم تضعوا في حسبانكم أن بعض المواقف المخالفة لحساسيتكم الدينية والتي لا تَرُوقُكم هي “بلوى عامة” فيستحيل عليكم العثور على فرصة تعبّرون من خلالها عن أنفسكم لأي شخص، ومن ثم تكونون قد ضيقتم نطاق حركتكم ومجالكم، وحتى وإن تحركتم شخصيًّا بحساسية وحذر تامٍّ فعليكم ألا تُعاملوا من رأيتموهم يقصرون في بعض الأمور الدينية الفرعية وكأنهم يرتكبون كبيرة أو يمرقون من الدين، وألا تُغلظوا لهم التهم والإدانات.. فإن فعلتم ذلك تسببتم في تعطيل العديد من أوامر الدين.

وزيادة في التوضيح؛ فإن فدائيي الخدمة ينفتحون في يومنا هذا على كل أنحاء العالم من أجل إيصال القيم الإنسانية والأخلاقية المتأصلة فيهم والمتجذرة في طبائعهم إلى صدور متعطشة ومحتاجة إليها، وكي يورِّثوا للأجيال القادمة عالَـمًا جميلًا يسوده مناخٌ من المحبة والتسامح عبر وَأْدِ الأحقاد والضغائن المتوارثة من الماضي، وهم أثناء ذلك يواجهون عادات وأعرافًا كثيرة في البلاد التي يذهبون إليها؛ فلكل بلد مناخه الثقافي الخاص به، كما أنَّ أنماط الحياة والناس والعادات… إلخ مختلفة ومتباينة، وفي هذه الفروق والاختلافات يصعب للغاية على الإنسان أن يطبق الأمور الدينية الفرعية بحذافيرها، وعلينا ألا ننسى أننا نعيش في عالمٍ يصعب فيه للغاية أداءُ وظيفةٍ كالتدريس في المدارس أو في الجامعات دون مواجهة الذنوب، حتى ولو كان ذلك في البلاد الإسلامية.

إن كنتم تجالسون أناسًا يخالفونكم في المعتقدات والمفاهيم وتريدون أن تسكبوا في صدورهم إلهامات أرواحكم، وأن تعرّفوهم بميراثكم الثقافي، وأن تستفيدوا من أوجه الجمال والحسن التي يمتلكونها؛ فيجب عليكم أن تكونوا جاهزين لتجاوز الطرق الموحِلة، وتسلُّق المرتفعات الحادة، والعبور من الجسور المنهدمة؛ لأنه ليس بإمكانكم تحقيق غايتكم المثالية ما لم تضعوا هذا في حسبانكم وتَجْسُروا عليه.. فإن قلنا “يلزم ألا تتسخ أعيننا ولا آذاننا ولا أفواهنا ولا أيدينا بالذنوب أبدًا؛ ولننفذ كل أوامر الدين بحساسية بالغة بواجباتها ومستحباتها وحتى آدابها”؛ فنعم القولُ هذا، ويدل على الدقة والحساسية الإيمانية، إلا أننا في ظروف عصرنا هذا لو ربطنا كل أمورنا بهذه الحساسية الإيمانية وقدَّمناها على كل شيء؛ فقد أهملنا وظائفَ وواجبات عديدة يجب علينا الوفاء بها في الحياة الاجتماعية، لأن ذلك سيقتضي -نوعًا ما- ألا نندمج في المجتمع الذي نعيش فيه وننعزل عن الناس، وربما أن البعض تعثروا بمثل تلك الأشياء في حقبة معينة؛ مما أدى بهم إلى ترك الساحة لغيرهم، وإحداث فراغ يصعب ملؤه، مع أنه حين يغيب المسلمون عن الحياة والمجتمع لن تكون الحياة التي يعيشونها موافقة لهم أيضًا، فإن كنتم تريدون للحياة أن تتشكل وفقًا لقيمكم فلا بد أن تتواجدوا فيها وألا تنسلخوا منها أبدًا.

والمسلمون المطالبون بالعبور من هذه الطرق جميعها يجب عليهم السعيُ إلى تحمل مجموعة من الامتحانات التي شاعت من ناحية، وتحرّي “أخفّ الضررين” -بتعبير أصول الفقه- من ناحية أخرى.. أي يجب عليهم اختيار أكثر أنماط الحركة موافقةً للدين أو أقلها مخالفة له، وينبغي لهم القيام بالخدمات الواجبة عليهم في سبيل غاياتهم المثالية.

والحقيقة أننا عندما ننظر إلى المسألة من زاوية المقاصد الشرعية التي يهدف الإسلام بأحكامه إلى تحقيقها منذ ظهوره يتضح أن مثل هذا النمط من التصرف والحركة موافق لروح الدين، لأنه عبارة عن دراسة المسائل بمصالحها ومفاسدها، بإيجابياتها وسلبياتها ثم التحركِ وفقًا لها، لا سيما وأنَّ مبدأ “المصلحة المرسلة” الذي اعتبره المالكية مصدرًا مستقلًّا من مصادر التشريع يستند إلى هذا الأساس.

وإن هذا النمط في الوقت ذاته موافق لمسألة نزول القرآن الكريم منجمًا وتشريع الأوامر والنواهي الإسلامية على مدى ثلاث وعشرين سنة. نعم، ليس لأحدٍ أن يغيّر من أحكام الشريعة شيئًا بعد أن تمت واستقرَّتْ، ولا يمكن أن نتجاهل الأحكام التي جاءت في العهد المدني، وأن نرجع للعمل من جديد بتلك التي كانت في العهد المكي، فبعد أن ثبتت أسسُ الدين وأحكامه المحكمة يستحيل أن نرجع إلى نقطة البداية من جديد، ولكننا إلى جانب هذا لا نستطيع أن نغفل ونتجاهل أن ثمة حكمةً تشريعيّةً في ذلك الانتقال التدريجي في فرض الصلاة والزكاة، ولا التدرّج في تحريم الربا على أربع مراحل، والخمر على ثلاث.

ومع ذلك كله ينبغي لي القول إنه ربما يتناثر الوحل بين الحين والآخر على ملابسنا بسبب ضرورات الزمان والظروف، وقد نتعرض لبعض الأشياء المحظورة المتعلقة بالفروع التي لا مفر منها بسبب شيوعها، وإننا لنعتبر هذه الأمور من قبيل “عموم البلوى”، ونواصل المسير على النهج النبوي حتى لا نضيّع الوظائف التي نجدها مهمّة للغاية، غير أنه يجب علينا أن نعزم بسعة نيّاتنا على المسير إلى الدار الآخرة أنقياء أطهارًا تمامًا كما ولدَتْنا أمهاتنا، ودون أن نُدَنِّسَ نيّاتنا بأيِّ وحلٍ وقذَر حتى وإن لم يكن ذلك ممكنًا فعلًا، بالإضافة إلى ذلك ينبغي ألا نتهاون في مثل هذه القضايا بدعوى أنها من البلوى العامة؛ بل يجب علينا أن نسعى من ناحية إلى عدم تلطيخِ أنفسنا بالوحل، وأن نشعر من ناحية أخرى بألمِ ما تعرضنا له على الأقل.

الخلاصة: ما دام الطريق الذي نسير فيه هو طريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؛ فإننا مطالبون بالالتزام بأسسه الخاصة، وكما أن هدفَنا مشروعٌ فيجب علينا أثناء السير نحوه ألا نستخدم سوى الوسائل المشروعة، ولا ريب أن السبيل الرئيس لتحقيق هذا هو أن توافق تصرفاتُنا وسلوكياتُنا القرآنَ الكريم والسُّنةَ المطهرة، غير أن لتحقيق هذا التوافق سبلًا شتَّى؛ فكما يمكن أن يتحقق هذا من خلال استنباط الأحكام من هذين المصدرين الأساسيين بصورة مباشرة بالنسبة لذوي الكفاءة والمؤهلين، يمكن أن يتحقق من خلال اتباع الأحكام التي استنبطها أهلُها، وبالشكل نفسه أيضًا فإن التحركَ وفقًا للأعراف والمصالح الموافقة أو غير المخالفة للإسلام وروح الإسلام، والتي تمثل ديناميةً مهمة تسهل تطبيق الأحكام الدينية وفقًا لظروف العصر؛ يُعدُّ واحدًا من طرق تحقيق هذه المشروعية.. وإلى جانب هذا كله فإن كانت القدرة على الوفاء بحق واجب إعلاء كلمة الله أسمى غاياتنا في عصرنا تستلزم -بين الحين والآخر- مراعاة أمورٍ مثل الضرورات والمصالح وعموم البلوى والتدرج في التشريع واختيار أهون الشرين.. فإن التحرّكَ وفقًا لهذا يُعد تعبيرًا من وجهٍ آخر عن التحرك في حدود المشروعية.

الجَرَّة المشروخة: العداء لأولياء الله

Herkul | | العربية

سؤال: يقول الله تعالى في الحديث القدسي الجليل: “مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ…”[1]، فما معنى إيذان الله بالحرب، وما كيفية القرب من الله تعالى، وكيف نفهم العلاقة بين الإيذان بالحرب والقرب من الله عز وجل.

الجواب: لقد ورد في القرآن الكريم آيات مختلفة على غرار هذا الحديث تتكلم عن أولياء الله تعالى، فمثلًا في سورة يونس يبشِّر ربنا سبحانه وتعالى أولياء الله بقوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (سورة يُونُسَ: 10/62)، وفي الآية التي تليها يقول سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (سورة يُونُسَ: 10/63)، وفيها إشارة إلى وصفين مهمّين في أولياء الله وهما الإيمان الكامل والتقوى، أما في الآية الثالثة فيقول سبحانه وتعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (سورة يُونُسَ: 10/64)، وفيها يلفت المولى تبارك وتعالى الأنظار إلى الثواب العظيم الذي ينتظر هؤلاء الأولياء الذين يتسمون بهاتين الخصلتين.

وفي سورة الأعراف يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/196)، أي يتولى أمرهم، ويقوم بإدارتهم وتوجيههم، ويهديهم إلى الطريق الصحيح بما خصّهم من إلهامات وواردات ومواهب، وأما في سورة البقرة فإن ربنا سبحانه وتعالى يذكر أنه ولي جميع المؤمنين بالمعنى العام، وهو الذي يتكفل بهدايتهم، فيقول: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/257).

الولاية العامة والولاية الخاصة

وعند النظر إلى الآيات الكريمة السابقة يتبين لنا أن الولاية في القرآن الكريم مطلقة عامة ميسّرة للجميع، ولذا يمكن القول إن كل من آمن بالله وعمل صالحًا وليٌّ لله، ويدخل ضمن دائرة الولاية.. بناءً على ذلك يعين الله عباده الأولياء السائرين في طريقه، ويهديهم إلى الطريق القويم.
 ولمزيد من الإيضاح نقول: مَنْ جعل مرادَ الله نصب عينيه في طريقه الذي سلكه، وابتغى رضا ربه، وبذل جهده وسعيه لإعلاء كلمة الله التي هي وسيلةٌ عظمى للفوز بمرضاته سبحانه وتعالى؛ جعله الله من أوليائه، ولا يَكِله إلى نفسه طرفة عين في الدنيا ولا في الآخرة كما جاء ذلك في الآيات الكريمة.

وتُسمّى هذه الولاية التي عبر عنها القرآن الكريم “ولاية عامة” لأنها متاحة للجميع، ولكن إلى جانب هذا النوع من الولاية ثمة ولايةٌ بالمعنى الاصطلاحي، ولقد فسّر السادة الصوفية كلمة “ولي” بمعنًى أكثر خصوصية، وقالوا بأن هناك طرقًا مختلفة لا بدّ للشخص من اجتياز إحداها كي يحرز الولاية بمعناها الاصطلاحي؛ أي يجب على العبد أن يسلك واحدة منها، ويعمل بما تقتضيه آداب وأركان الطريقة التي ينتسب إليها، ويكمل سيره وفقًا لذلك. وأيًّا كانت الطريق التي يسلكها الشخص أو النهج الذي يتبعه فالمهم أن يصل في النهاية إلى الله سبحانه وتعالى بترك الحظوظ الجسمانية، والسير في مدارج حياة القلب والروح، وهذا ما يُطلق عليه “الولاية الخاصة”؛ لأنها غير متاحة للجميع، وتتطلب مكافحة النفس ومجاهدتها بشكلٍ جدّي للغاية.

وقناعتي أن الولاية الواردة في الحديث والآيات السابقة هي الولاية العامة، حيث إنها ميسرة للجميع؛ وعندئذٍ إذا حافظ الذين آمنوا وعملوا الصالحات على استقامتهم فازوا ببشارات الله لهم الواردة في الحديث والآيات السابقة، ونالوا أنواع الثواب التي نصّ عليها القرآن الكريم.

أعداء أولياء الله والجزاء الإلهي

ولقد لاحظنا في هذا الحديث القدسي الذي يستهله ربنا سبحانه وتعالى بقوله: “مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا” أن الله تعالى قد أضاف هؤلاء الأولياء إلى ذاته مباشرة، وعلى ذلك يمكن أن نفهم هذا البيان الإلهي على النحو التالي: “من عادى لي أحدًا تحت ولايتي ووصايتي…”؛ إذ لا تقتصر العداوة الموجَّهة لـهؤلاء الأولياء على أشخاصهم، بل ترجع هذه العداوة لأولياء الله إلى ارتباطهم بالله تعالى، والهجوم عليهم يعني انتهاك حقوق الله؛ أي إن ما يكمن وراء هذه العداوة هو عداوة الله، وعداوة الدين، وعداوة النبي صلى الله عليه وسلم، وعداوة القرآن الكريم.

ولهذا السبب صرح الله تعالى بأنه سيعلن الحرب على كل من يضمر العداوة في الحقيقة للدين، وإن كان يتراءى في الظاهر بأنه عدو لأولياء الله جل وعلا، وكأن المقصود بقول الله تعالى: “آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ“، أي: “سأنهي أمره وأستأصلُ شأفته إن لم يكن اليوم فغدًا”.. كما أن إعلان الله تعالى الحرب بنفسه على كل من عادى أولياءه يشير إلى أن أولياء الله تعالى في ذمته جلّ جلاله؛ أي تحت عنايته ورعايته وكلاءته سبحانه، ولهذا لو حاول أحد أن يمس هؤلاء الأولياء بسوءٍ بسبب ارتباطهم بربهم فسيجد العزيزَ القهارَ له بالمرصاد.

لكن من الخطإ أن نفسِّر عقاب الله وفقًا لأهوائنا ورغباتنا، فالعقاب هنا يقع وفقًا لمراد الله، ولذا فمن المتعذر معرفة موعد أو كيفية هذا العقاب، فمثلًا في الحديث الشريف يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ“، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (سورة هُودٍ: 11/102)[2].

وفي هذا الصدد يمكن أن تستحضروا في أذهانكم عاقبةَ الأمم السابقة التي ورد نبؤُها في القرآن الكريم، فما زال الهلاك والعذاب الشديد الذي حلّ بقوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم موسى وقوم شعيب وقوم لوط ماثلًا أمام أعيننا كلوحاتٍ تطفح بالعبرة والعظة.

ولا جرم أن هناك حِكَمًا من وراء إمهال الله للظالمين وعدم هلاكهم على الفور؛ ومن ذلك أن الله تعالى بإمهاله لهم يعطيهم الفرصة للتخلي عن ظلمهم، وبذلك لا تبقى لهم معذرة يحتجون بها؛ أي لا يبقى لهم حقّ الاعتراض في الآخرة بعد أن منحهم ربنا سبحانه وتعالى الإمكانيات والفرص حتى يتوبوا ويطرقوا بابَ رحمته من جديد.

وهكذا لا بدّ من استيعاب هذا الملمح اللطيف الذي يكمن وراء إمهال الله للظالمين، وألا نتخذ موقفًا ضدّهم على الفور بسبب هفواتهم وظلمهم، وأن نفوّض أمرهم إلى الله تعالى. أجل، قد يجرحكم البعض بأقواله، ويتعامل معكم بخشونة فيعكّر صفوكم، وقد يلجأ إلى الغيبة والافتراء أو يحاول أن يعيق طريقكم، فإن أردتم معاقبة هذا الشخص على الفور فلن يبقَى حينذاك إنسانٌ على وجه البسيطة.

وفي هذا الشأن ينبّه القرآن الكريم المؤمنين قائلًا: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/128)، والواقع أن في هذه الآية درسًا للأمة المحمدية عبر توجيه الخطاب إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه صلى الله عليه وسلم في الحقيقة إنسانٌ حَذِر ونبِهٌ للغاية في هذا الصدد.

لذا إن كان البعض يُعادونكم لأنكم تعيشون كما يأمركم دينكم، وتمثلونه تمثيلًا صحيحًا فلا ينبغي لكم أن ترفعوا أيديكم في الحال وتدعوا عليهم.. فعدم “التأمين” على الدعاء على الغير أساسٌ في فلسفتنا وفهمنا؛ فنحن ندعو الله تعالى أن يُصلح مثل هؤلاء الناس ويهديهم، ونفوّض أمرهم إلى الله تعالى إن تعذّر صلاحهم، فإن كانوا لا يتورعون عن ممارسة الظلم، بل ويؤدون بظلمهم وجفائهم هذا إلى أن يترك المسلمون بلادهم وألا تقوم لهم قائمة مرة أخرى؛ حينها يمكننا أن ندعو عليهم، لا على شخصهم بالذات، وإنما على ما يحملون من ظلم وفساد وفِتن، ندعو لنردَّهم ونردعَهم.

والحقيقة أن قول هذا بالنسبة لأهل التوكل والتفويض والثقة ربما لا يكون صحيحًا من حيث العلاقة مع الله، بيد أنه يجب ألا يُنسى أن لكل شخص قوة وطاقة معينة على التحمل والصبر، كما أن مراعاة الإنسان للمشاعر العامة لرفقاء دربه، فضلًا عما يحمله من آفاق ومشاعر قد يسوقه إلى طلب مثل هذه الأشياء من الله تعالى، فقد يتعرض مثل هؤلاء الأشخاص لأزمات خطيرة، وتبلغ القلوب الحناجر، ومع ذلك لا يستطيعون الدعاء على غيرهم أو لعنهم، فيقوم بعض المطلعين على أمرهم بالتوجه إلى الله تعالى داعيًا لهم ومترجمًا لأحاسيسهم.

أما بالنسبة لإعلان الله عز وجل الحرب، ومعاقبته الظالمين فقد يتحقق في أشكال وصور مختلفة، لأن الأسلوب الإلهي في التأديب يختلف ويتعدّد كما تبيّن في القرآن الكريم بشأن إهلاك أقوام شتّى، والقول بضرورة وقوع عقوبة معينة دون سواها على جريمة ما -كما في قوانين العقوبات- والذهاب إلى مثل هذه التفسيرات المحدّدة ليس صحيحًا؛ فالعقل البشري قاصرٌ عن إدراك مثل هذه الإجراءات الإلهية، ولذلك ينبغي لنا أن ندرك جيدًا بأن الأمور تجري وفقًا لحكمة الله وإرادته.

وعليه فقد تأتي هذه العقوبة في صورة صفعات الرحمة أحيانًا؛ لأن هذا النوع من الصفعات يكفي بعض الناس كي يتعظوا، إلا أن هناك بعضًا آخر يحتاج إلى صفعات أكثر قهرًا وقوة حتى يستفيق ويتعقّل، ولذلك فإن هذه العقوبات تكون خفيفة أحيانًا، وثقيلة أخرى، وأحيانًا ما يكسر الله أيدي الظالمين وأرجلهم عبر سلبهم كل ما لديهم من إمكانيات.. وأحيانًا أخرى يستأصل الله تعالى شأفتهم تمامًا، ويأتي بأناس جُدُد يُقيمُهم على أمر المجتمع ويوليهم عليه كما تشير الآية الكريمة ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (سورة إِبْرَاهِيمَ: 14/19)، فالله تعالى يحكم في هذا الأمر كيف يشاء.

 عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ!

الواقع أن جميع المسائل المذكورة لا تعنينا بشكل مباشر، ونيلُ الظالمين عقابهم إنما هو أمرٌ بيد الله، أما ما يقع على عاتقنا نحن فهو البحث عن الطريق التي تمكننا من اللحاق بِرَكْبِ أولياء الله، وأن ندخل في ذمته وكنفه سبحانه وتعالى، وأن نتحرى مدى استقامة الطريق الذي سلكناه؛ تُرى هل نحن أهلٌ لأن نحظى بالبشارات والمكافآت المذكورة في الآيات بالنظر إلى الأوصاف التي نحملها بالفعل؟ وهل إيمانُنا قوي كما ينبغي؟ وهل نعيش ضمن دائرة التقوى؟ وما مدى حساسيتنا بشأن تنفيذ أوامر الدين؟ هل نستطيع قراءةَ الأوامر التكوينية قراءة جيّدة وتطبيقَها في حياتنا بشكل منظّم؟ هل نستطيع من خلال مراجعتنا لتصرفاتنا وسلوكياتنا معرفة الأسباب الحقيقية للمصائب التي نتعرض لها؟

وإن تضرُّعَ سيدنا يعقوب عليه السلام بقوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ (سورة يُوسُفَ: 12/86) عبرة وعظة لنا، كما أن تضرع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى بقوله “اَللّٰهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ ضَعْفَ قُوَّتِي وَقِلَّةَ حِيلَتِي وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، أَنْتَ رَبُّ المُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟! إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي! أَمْ إِلَى قَرِيبٍ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي! إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَك هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ، أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سَخَطُكَ، لَكَ العُتْبَى حَتَّى تَرْضَى وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ[3]، أثناء عودته من الطائف تعبيرًا عن الأزمات التي عاشها هنالك؛ يكشف لنا عن أهمية التوجه إلى أنفسنا أولًا.

فقد آذى المشركون في الطائف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بألسنتهم أولًا، ثم رموه بالحجارة؛ حتى دَمَتْ قدماه الشريفتان، غير أنه عليه الصلاة والسلام توجه إلى الله يعرض عليه حاله -وهو به عليم- دون أن يأبهَ بما فعلوا به.

 إنّ هذه الصيغة الدعوية التي أطلقها صلوات الله وسلامه عليه فيها من الدروس والمواعظِ ما فيها؛ فلم يكن النبي يومًا حقيرًا ولا ضعيفًا ولا مستضعفًا ولا مهانًا ولا عاجزًا.. حاشا وكلا، ومن يطلق هذه الصفات بحقِّ نبيِّنا المصطفى صلى الله عليه وسلم يُخاف عليه من الكفر.. ولكنّه بفعله ذلك علَّمَنا وجسَّدَ لنا كيفية التوجّه إلى النفس وتحميلها المسؤولية أوّلًا، ومن ثم يجب تقييم تضرُّعِه ذلك من حيث خصوصية علاقته بالله؛ فيمكن للعبدِ أن يجأر بآلامه بين يدي ربه من حيث أفقه نفسه، ولكن من الخطإ أن ننظر نحن إليه عليه الصلاة والسلام هكذا.

إنه يعرض حاله على الله تعالى في أفق تفويض الأمر إليه والثقة به قائلًا “إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي“، وفي الوقت نفسه يعطينا درسًا مهمًّا في هذا الشأن.

ولهذا السبب فإن أول ما يجب علينا القيام به إذا ما أصابتنا ضربة من أي اتجاه، وبدأت تتحرك التصدعات التي تحت أقدامنا، واعترض طريقَنا البعضُ، وخُرّبَت الطرق التي نسير فيها أو هُدّمت الجسور -واجبنا- هو أن ننظر إلى أنفسنا ونفحص مرة أخرى أين نحن من تلك الشؤون جميعها! وينبغي لنا التفكير بعمق في حساباتنا وشؤوننا أنفسنا بدلًا من الانشغال بحسابات الآخرين، وعلينا أن ننظر هل نمتلك المقومات اللازمة لننالَ ولاية الله لنا أو لا نمتلك؟! فإن كان لدينا بعض القصور والثغرات وجب علينا الانشغال بها أولًا، وعلينا إزاء مثل هذه الأزمات التي نتعرض لها أن نضع جباهنا على الأرض ساجدين لله متضرعين إليه؛ فكل هذا تعبير عن صدقنا ووفائنا لله، والاعتماد عليه والثقة به.. وإذا نظرتم إلى أدعية الأولياء الواردة في كتاب “القلوب الضارعة”[4] وجدتم أنهم جميعًا اتبعوا الطريق نفسه دائمًا، وحاسبوا أنفسهم باستمرار.

والواقع أن العبارات التالية من الحديث ترشد المؤمنين إلى سبل التقرب من الله، وإحراز ولايته، واتقاء شرور الأعداء؛ إذ يقول سبحانه وتعالى: “مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، فَإِنْ سَأَلَنِي عَبْدِي أَعْطَيْتُهُ، وَإِنِ اسْتَعَاذَنِي أَعَذْتُهُ“.

فإن كان المؤمنون يؤدّون ما يقع على عاتقهم في هذه القضايا، ويعبدون الله على الوجه اللائق، ويقومون بمقتضيات تحقيق ولايته لهم فسوف يقتص الله تعالى لهم، إن عاجلًا أو آجلًا، ممن يؤذيهم ويظلمهم، والتاريخ مليءٌ بأمثلةٍ على ذلك، بل إن المؤمنين الكاملين إذا دقّقوا في الحوادث التي تعرضوا لها في حياتهم أنفسهم رأوا عيانًا بيانًا أنَّ أحدًا لم يُترك حرًّا طليقًا دون حساب، وكيف عُوقب بعض من أساؤوا إليهم ولو بعد حين.

 

[1] صحيح البخاري، الرقاق، 38.

[2] صحيح البخاري، تفسير السورة، (11)5؛ صحيح مسلم، البر، 61.

[3] ابن سعد: الطبقات الكبرى، 1/211-212؛ ابن هشام، السيرة النبوية، 2/266-269.

[4] كتاب “القلوب الضارعة” لمحمد فتح الله كولن، جمع فيه المؤلف الأدعية المأثورة وأدعية الخلفاء الراشدين وأدعية وأوراد العلماء البارزين في التاريخ الإسلامي على مختلف مشاربهم. (المترجم)

 

الجَرَّة المشروخة*: الخدمة والعلاقات الإنسانية

Herkul | | العربية

سؤال: أحيانًا ما تنشأ بعضُ المشاكل بين الروّاد الإداريين الذين يسعون سعيًا حثيثًا لتبليغ الحق والحقيقة للإنسانية والمحيطين بهم؛ كأن يقوم أحد الإداريين بتجريح المحيطين به وقمعهم ، فكيف نحافظ على التوازن في هذا الأمر؟

الجواب: من أعظم الفضائل الاهتمام بأمر الإنسانية، ووضع الخطط الجديدة التي تسهم في حل مشاكلها، غير أن أفضلية هذا الأمر تتوقّف على القيام به بصدقٍ وإخلاص، وإلا فإنْ ربطَ الإنسانُ الخدمات التي يقوم بها بالمصالح الدنيوية كالتعبير عن الذات وتبوّؤِ المقامات والمناصب فهذا يعني أنه ضيّع جميعَ المكاسب الأخروية التي يُرجى حصوله عليها وجعلَها هباءً منثورًا.. قد يجد الإنسانُ الذي يُسارع في الخيرات من أجل الإنسانية تقديرًا وثناءً من الآخرين، وقد يوضع اسمُه على بعض المؤسّسات، وتُعلَّق صُوَرُه في كلّ مكان، وتُنصب له التماثيل، ولكن لا فائدة تُرجى من ذلك إن لم يستهدف الإنسانُ الرضا الإلهي فيه؛ لأنه حَظيَ من الناسِ بإقبالٍ وتوجّهٍ وتقديرٍ يناسب تطلّعاته، وبالتالي ضيّع الثواب الأخروي على أعماله في الدنيا.

بعبارة أخرى لن يبقى له ثوابٌ عند ربه لأنه نال ثواب عمله من الناس، والقرآن الكريم يشير إلى هذه الحقيقة بعبارات مشحونة بالوعيد والإنذار، فيقول: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (سُورَةُ الأَحْقَافِ: 46/20)، وفي الحديث الشريف يصوّر النبي صلى الله عليه وسلم الحالة المزرية التي يكون عليها الذين ربطوا أعمالهم بأمانيهم الدنيوية وليس رضا الله فيقول: “إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ[1].

إننا نأمل من هذه الدائرة الإيمانية التي تتشكل من المتطوعين الناذرين أنفسهم لخدمة الإنسانية ألّا يكون فيها -إن شاء الله- مَن هم على هذه الشاكلة ممن يركضون وراء مصالحهم الدنيوية فقط، ويحصرون أنفسهم في إطارها الضيّق.. وإنني على قناعة بأنه لا يوجد بين هؤلاء المتطوعين الذين نذروا أنفسهم لخدمة الإنسانية من يتحرك وفقًا لمصالحه الشخصية ومطامعه الدنيوية، إنهم بإذن الله تعالى مرشحون لنيل رضا الله تعالى بسبب الخدمات العظيمة التي قاموا بها، كما أن الأجيال القادمة ستظل تذكرهم بالخير بسبب ما قدموه للإنسانية رغم أنهم لم يتشوّفوا إلى ذلك، بل إنهم بحقِّ سرِّ القاعدةِ التي تقول: “السَّبَبُ كَالْفَاعِلِ” سيتشاركون في الثواب مع كلِّ من سار على دربهم أو اهتدى بهداهم.

الأخلاق القرآنية في العلاقات الإنسانية

ولكن كما جاء في السؤال قد تَصدُر عن البعض تصرفاتٌ سلبية منافية للأخلاق الإسلامية؛ رغم ما يقومون به من خدمات عظيمة للإنسانية، فمثلًا يأتي أحدهم ويضع عددًا من الخطط التي تسهم في خدمة الإنسانية، ويرشد الناس إلى الأهداف السامية، قد يكون بالفعل مخلصًا في عمله إلى أقصى درجة، ولكن إذا وقع الأمر على غير ما يتمنى ويتطلّع همّ بتوبيخ العاملين معه وكسرَ خاطرَهم، بل قد لا يعفو عن أدنى قصور أو خطإ أو إهمال يصدر عنهم، وعلى ذلك يغضب على الفور ويحتد عليهم ويكسر خاطرهم.

فلا شك أن مثل هذا الإنسان إلى جانب ما يحمله من صفات إيمانية مثل الخدمة والسعي في سبيل الله؛ يحمل كذلك صفات كفرية مثل ظلم الآخرين وكسر خواطرهم، أي يخلط العمل الصالح بآخر سيئٍ كما قال القرآن الكريم عن بعض الصحابة الذين لم يشاركوا في غزوة تبوك: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ (سورة التَّوْبَةِ: 9/102).

ولهذا السبب يجب على الإداريين أن يتّسموا بحساسية بالغة في علاقاتهم الإنسانية بقدر نجاحهم في خدماتهم على الأقل، أي لا بدّ أن تتسع صدورهم لما يلاحظون من قصور وأخطاء، وأن يتعاملوا مع رفقائهم في نفس الدرب بأعلى درجات الشفقة واللين والمرحمة، وأن يلتمسوا طريق العفو قدر المستطاع، فكل هذا من مقتضيات التخلق بالأخلاق الإسلامية، أما أن يغضبوا لأشياء تافهة، ويجرحوا شعور المحيطين بهم، ويضخّمون عثراتهم البسيطة؛ فلا ريب أنهم سيضرّون بالخدمات التي قاموا بها بداية، لأن الواحد من هؤلاء -بفعله هذا- يكسر خاطر المحيطين به، ويُضعف قوتهم المعنوية، ويصيبهم بالإحباط، وربما يجعلهم يمتعضون؛ فيبتعدون عن الدائرة التي يتواجدون بها.

أجل، إن كل واحد من هؤلاء يحمل عددًا من الصفات الكفريّة، ومن الصعب على إنسانٍ يحمل هذا القدر من الصفات الكفرية في نفسه أن يحافظ على استقامته مدة طويلة، وكما يقول بديع الزمان سعيد النورسي: “احذر! انتبِه إلى موضع قدمك، وخَفْ من الهلاك، فلا تهلك في أَكلةٍ، أو كلـمة، أو طَرْفة، أو شارة، أو بقلة، أو قبلة… فتَهلِكَ معك لطائفُك العظيمة”[2]، ومن الممكن أن نضيف فنقول: “أو عنف أو حدة أو غضب”.

من هنا يقع على عاتق روّاد الخدمة إشعالُ حماس رفقاء دربهم، واستثارة آمالهم؛ حتى ينهضوا بأعباء الخدمة على أكمل وجه، كما يجب عليهم أن يكونوا عازمين على القيام بالخدمة دون الغضب على أحد أو توبيخه أو قمع عشقه وشوقه، وأن يرغموا أنفسهم على فعل ذلك بالمران والمثابرة.

والواقع أن تبني الإنسان لفلسفة الخدمة والتعايش معها يشكِّل جانبًا واحدًا من نواحي الجمال، أما الجانب الآخر فينطوي على السلوكيّات والتصرفات والعلاقات التي يقيمها الإنسان مع رفاق دربه أثناء الخدمة، فلو عكس الإنسانُ الجماليّات التي يبلّغها للآخرين بحق وجعل من حياته نموذجًا للآخرين؛ عندئذ يكون قد جمع في نفسه الجمالَين في وقت واحد، وإلا اختلّ طرف من طرفي الجمال عنده؛ مما يعني ضرورة خضوعه هو في الأساس لإعادة تأهيلٍ مجدّدًا.

من المذنب الحقيقي؟!

من ناحية أخرى علينا ألا ننسى أن مقتضى الإيمان أن يعتبر الإنسانُ الأخطاءَ والسلوكيات التي يلحظها لدى الآخرين ولا تعجبه انعكاسًا لذنوبه في الحقيقة، ومثل هذا الإنسان لن يُجهِدَ نفسَه أو يُتعبها في البحث عن عيوب الآخرين، فطالما وجدَ المذنبَ الحقيقيَّ سيلتفت بسهولة إلى البحث عن حل، ولو ظللنا نبحث عن المذنب الحقيقي في الخارج رغم أن قصورنا هو السبب في أن يُعاملنا الآخرون معاملةً سلبية؛ فلا يمكن مطلقًا أن نجد هذا المذنب الحقيقي.

ولهذا فمهما كانت نوعية المعاملة التي نلقاها من رفقاء دربنا فعلينا أن نرجع إلى أنفسنا ونقول: “ماذا فعلنا حتى نصاب بهذا”، وبعد ذلك نتوجه إلى الله سبحانه وتعالى ونستغفره، ونحاسب أنفسنا؛ فلربما رمينا الحجر في المكان غير المناسب، أو سدّدنا السهم نحو الشخص الذي لا يستحق، فارتدّ علينا مرة أخرى، أو أننا تهكّمنا وسَخِرنا من شخص ظلمًا، فلقينا جزاء عملنا على يد غيرنا، أو ربما أسأنا الظن في شخص ما، ووجهنا له اللوم والتوبيخ بسبب عيب فيه، فابتلانا الله بالعيب الذي وبَّخْنا غيرَنا عليه.

وربما لم نستطع أن نحافظ على حُسنِ الظنِّ في ملاحظاتنا، وانغمسنا في تصورات خاطئة، فكان من نتيجة ذلك أن أُصِبنا ببعض الحوادث المؤلمة، بمعنى أن بعض المصائب التي يتعرّض لها الإنسان حتى الشوكة يشاكها هي نتيجة قصوره وأخطائه، ويمكن النظر بالرؤية نفسها إلى بعض المشاكل التي يثيرها أصدقاؤنا؛ فربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (سورة الشُّورَى: 42/30)، وكأن هذه الآية تشير إلى أن هذا قانونٌ إلهي.

رصيدُ الأقدمية

الجانب الآخر من القضية أنَّ البعض ربما سبق لهم الالتحاق بقافلة الخدمة وتولوا بعض الوظائف الإدارية فيها؛ فإذا استخدم هؤلاء أقدميتهم تلك للتحكم في رفقائهم ولم يقدروهم كما ينبغي فقد أساؤوا استعمال مناصبهم؛ فالأقدمية رصيدٌ مهمّ، ويجب استغلال التوجه والإقبال الناشئ عن هذه الأقدمية في سبيل الخدمة ؛ فهذا يُسهّل إدارة الأشخاص وقيادتهم، وإذا كان الناس قد أعرضوا عنكم فإنكم بحاجة إلى حركتين اثنتين حتى تستطيعوا تكليفهم بالأعمال؛ الأولى: رَدّهم إليكم، وبعدها تأتي الثانية: وهي توجيهكم إياهم إلى الهدف المطلوب.. فإن توجه الجميع ونظروا إليكم كزهور دوار الشمس التي تنظر إلى الشمس دائمًا وصاروا يقدرونكم فما أسهل أن تستخدموهم وتوجهوهم؛ لذا ينبغي للرواد والقادة أن يكونوا قادرين على تحويل أقدميتهم إلى رصيد مهم، ويتمكنوا من الحفاظ عليه، ثم يستخدموه لصالح الخدمة.

والطريق إلى هذا إنما يتحقق من خلال التخلق بأخلاق القرآن، واعتماد الرفق والوداعة أساسًا في العلاقات الإنسانية، فإن نجحتم في هذا تمكنتم من توجيه كل الأنظار إليكم، ولكنكم إذا قسوتم على المحيطين بكم وأغلظتم لهم القول فإنكم تكسرون خواطرهم؛ فيُعرِضُون عنكم.. وكما أنهم قد يخسرون بعض الأشياء نتيجة لهذا، فإنكم ستحرمون من عشرات الأعضاء المهمين؛ لأن كل واحد ممن تعملون معهم يعتبر عضوًا من أعضاء جسدكم كما أشار سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف “مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى[3]، ولما كانت أية حركة شرسة وطبع سيّئ يصدر منكم يعني إتلافكم أحد أعضاء جسدكم، فإن فعلكم ذلك يضيق عليكم نطاق الاستفادة والنفع، وبالتالي تُعانون حرمانًا خطيرًا.

ستر الذنوب

الستّار من أسماء الله تعالى، وينبغي لنا من باب التخلق بأخلاق الله جل جلاله ألا نكاشف الناس بعيوبهم، وألا نخبر الآخرين بها، بل وعلينا أن نسترها، حتى لا نقع نحن في إثمٍ عظيمٍ، ولا يتردّون هم في براثن اليأس؛ لأن إشهارَ الذنوب وفضحَ صاحبها على الملإ بما هو سرٌّ بينه وبين ربه أصلًا له سلبيتان؛ الأولى: أنّ المذنب سيتعزّز لديه شعورٌ بأنه هو فعلًا على هذه الدرجة من السوء وأنه لا يمكن له أن يتخلص من ذلك، والثانية: أن المجتمع سَيُسِيء الظن به دائمًا، وبهذا قد يصر على ممارسته الذنبَ يائسًا من النجاة أصلًا، ومن ثم فإن كان ارتكابُ الذنبِ والإثمِ سيّئًا أصلًا فإن إيقاع الناس في اليأس والقنوط بسبب ذنوبهم وعيوبهم أكبر إثمًا وأشدّ جرمًا.

لا ينبغي أن يُساءَ فهمُ كلامي هذا، ويُحملَ على الدعوة إلى عدم اتخاذ أي إجراء أو تدبير لأجل القضاء على الذنوب وإصلاح العيوب.. بل لا بد من إرشاد الناس، والسعي إلى الإحسان إليهم ودفعهم إلى الخير.. بيد أنه يجب ألا ننسى أن القيام بهذا له أسلوبٌ وطريقة إذا لم تُراعَ تعذَّرَ الحصول على النتيجة المرجوة منه، لذا فعلينا أن ندقق جيدًا فيما سنقول، وأن نحترم مشاعرَ مخاطبينا، وندرس تصرّفاتنا وسلوكياتنا بشكل جيد للغاية قبل الاعتراض على أي خطإ، وندرس كذلك ردود الفعل المحتملة ونضعها في حسباننا.

بل إن كنا نتوقع رد فعل من مخاطبنا على كلامنا لزم علينا البحث عن شخص آخر يحظى بالقبول والتقدير لدى المخاطب؛ فيحدثه هو في ذلك.. فهناك أشخاص قد يقابلون حتى أكثر كلامنا عقلانيةً ولينًا برد فعلٍ سلبي، سيما إن كان مخاطبنا شخصًا وقع بيننا وبينه بعض الاحتكاكات ومظاهر التوتر سابقًا؛ فسيصعب عليه أن يتقبل كلامَنا ويحسن الظن فيه، ولكن إن كان هناك أشخاص يحبّهم ويحترمهم فإنه يتقبل تنبيهاتهم وتحذيراتهم على أنها نوع من الاهتمام والعناية به، لذا فلنترك هؤلاء الأشخاص يصححون الأخطاء، ويقولون ما يجب؛ ذلك أن الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي أوصى بهذا في رسالة الإخلاص، بل وذكر ضرورة الرضا عن تصدي الآخرين للقيام بهذا، إن المهم هو أن يَعتَبِرَ المخاطبُ بما يُقال له، فيرجع عن خطئه، ولا أهمية لمن يكون قائل هذا الكلام.

مراعاة القدرات والكفاءات

لقد أوصى القرآن الكريم المؤمنين بالركض والتسابق في الأعمال الخيرية[4]، لكن ينبغي ألا ننسى أن كل إنسان يقوم بهذا وفقًا لقدراته واستعداده، وبالتالي ليس صحيحًا أن نتوقع نفس الجهد والسعي من الجميع.

والخدمةُ أيضًا سباقٌ في الخيرات، غير أن فيه حارات شتى؛ حيث سيواصل كل فرد هذا السباق في حارة منفصلة عن الآخر بحسب قوة رجليه وقوة نَفَسِه، وبالتالي ستتباين سرعات الجميع، فإن لم يضع القائمون على الأمر هذه الحقيقة في حسبانهم وحمّلوا الجميع نفس العبء وانتظروا الشيء نفسه منهم فهذا يعني أنهم مخطئون؛ لأنهم بهذا الموقف يحملون الناس ما لا يُطيقون حمله.

ومثل هذه المعاملة لا تتفق والأخلاقَ الإلهية؛ فليس هناك “تكليف بما لا يُطاق” في القوانين الإلهية ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/286)، والأمر نفسُه حدث من جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ لم يكلف أبا ذرٍّ رضي الله عنه بما كلف به عليًّا رضي الله عنه، ولم يُحمل أبا هريرة بما حمّل به خالد بن الوليد، وهؤلاء كلّهم أشخاص كرام، بيد أن لكل واحد منهم مجالًا ينجح فيه، ويقدر عليه، فإن حمّلتم أحدًا شيئًا لا طاقة له به فقد دفعتموه إلى الفشل وكسرتم ظهره، وإن فَشَلَ أيّ فردٍ من فريقكم هو فشلٌ لكم أيضًا.

يجب على الرؤساء حين يستخدمون الناسَ في الأعمال أن يضعوا في حسبانهم حالةَ كلِّ فردٍ ووضعه الخاص، وعلى المرؤوسين كذلك ألا يتحمّلوا ما لا يُطيقون، واعتقادُ أيِّ إنسان أنه قادرٌ على التغلب على كل شيء وأنه أهل للقيام بكل شيءٍ خطأٌ صريح، وكما أنه لا يحق للرؤساء تحميل رفقائهم ما لا يستطيعون القيام به؛ لا يحق لمن دونهم أيضًا الدخول في أعمال لا طاقة لهم بها، وينبغي لمن في مثل هذا الموقف أن يعترف بعدم الاستطاعة، ذلك أن اعترافه منذ البداية بعجزه عن القيام بالأمر وطلبه أن يُكلّف بما يستطيع أفضلُ من أن يتحمله ثم يعجز عن إتمامه.

التحرك بحسب الموقع

إن الوفاء بحق الموقع والتصرف وفقًا لمتطلباته من الأمور التي يتم التأكيد والتركيز عليها باستمرار، وإنني لا أعتبر التذكير بهذا مرة أخرى تكرارًا زائدًا لا حاجة له؛ فهذا مكانه بالضبط، وكما ينبغي لأي رئيسٍ أو رائدٍ ألا يستغلّ أقدميّته وريادته كوسيلة للتحكّم فيمن دونه؛ يجب كذلك على من دونه ألا يقصروا في احترامه وتقديره.

ولمزيد من التوضيح نقول إن التواضع والتفاني علامة على العظمة، واستخدامُ المرء سبقَه غيرَه وتقدُّمَه الآخرين لإخضاعهم لأوامره علامةٌ على الغرور والكبر، والكبرُ علامةٌ على الوضاعة.. وقصارُ القامات يسعَون إلى التكبّر والتبختر حتى يبدو وكأنهم في مكانة أكبر مما هم عليها أصلًا، وهذا نابع عن مرض نفسي بعض الشيء، والأكثر من ذلك أن محاولة شخص إظهار نفسه عن طريق التحكم، واكتساب مستوى أعلى يَكشِفُ أن شخصيَّتَه غيرُ سليمة وجبلَّتَه غيرُ سوية، بل إن مجرد تفكير إنسان بضرورةِ أن يُقدِّره الآخرون ويُصغوا إليه -دون أن يظهر ذلك في تصرفاته وسلوكياته- غيرُ مستحسن ولا مقبول؛ إذ إن ذلك لا يمكن أن يتوافقَ مع تعاليم الإسلام الكريمة.

الحقيقة أنه لا يحق لأحدٍ على الإطلاق أن ينشد الاحترام والتقدير لذاته.. بل يجب قبول هذه الأمور كرهًا حتى وإن جاءته بلا طلب؛ لأن من يتشوف لمثل هذه الأمور يكون بفعله ذلك قد قلَّل من قيمة الخدمة، كما يكون قد استبدل الأشياء البشَريّة التافهة الحقيرة بالمكافأة الإلهية الكبرى، وبالرغم من أن الأنبياء العظام جاؤوا برسالة تبلّغ الناس الجنة وعملوا في سبيلها طيلة أعمارهم إلا أنهم لم يتشوفوا إلى أي شيء؛ ماديًّا كان أو معنويًا، وكان منهجُهم ﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ﴾ (سورة يُونُسَ: 10/72).

من جانب آخر يقع على عاتق الصغار الاعترافُ بقدر الرواد والكبار الذين منحوهم الفرصة للخدمة، ومهّدوا لهم الطريق فكانوا خيرَ نموذجٍ لهم في إنجاز الخدمات، وعندما يحصل ذلك ينشأُ نوعٌ من التناغم الجميل بين طبقات المجتمع، ويتسنّى أداء الواجبات اللازمة بكل أريحيّة وسهولة.

وفي الختام أريد التطرق إلى أمر آخر؛ وهو أنه قد يكون لدينا جميعًا بعض أوجه القصور في المعايير المذكورة هنا، وربما لا نستطيع تمثيل هذه المبادئ بشكل تام في حياتنا، مما يجعلنا ننخرط في مجموعة من الانتقادات والتساؤلات، وعليه ينبغي ألا نرسم مجموعة من المشاهد التشاؤمية، كيما تتزعزع قوتنا المعنوية، وعلينا أن نحذرَ من استخدام عبارات مخيِّبة للآمال عند الحديث عن القصور والتقاعس الواقع، فلا ننسى أنه ربما يقع بعض مظاهر القصور بدرجة ما في أي وقت حتى في القضايا والخدمات المهمة للغاية، وما يجب علينا القيام به هنا أساسًا هو بعث الحماس تصدّيًا للمواقف المحبطة، والسعي من خلال التكاتف إلى إعادة إصلاح ما فسد وتحطم.

 

[1] صحيح مسلم، الإمارة، 152؛ سنن الترمذي، الزهد، 48.

[2] سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة السابعة عشرة، المذكِّرة الرابعة عشرة، ص 187.

[3] صحيح البخاري، الأدب، 27؛ صحيح مسلم، البر، 66.

[4] انظر: سورة البقرة: 2/148؛ سورة المائدة: 5/48.

***

ماذا تعني “الجَرَّة المشروخة”؟

إن الأستاذ المربّي “فتح الله كولن” شخصية جامعة، وأحاديثه مشحونة بمعان عميقة تخاطب طبقات مختلفة من الناس، ولا جرم أن مَن يستمع إلى مثله من العلماء يتعلم أمورًا كثيرة، وينال نصيبه حسب مستواه، غير أن أكثر الناس فهمًا هم أكثر الناس علمًا، فمن بلغ مرتبةً سامية في العلم يرى أن هناك كثيرًا من الحقائق الخفية بين الكلمات والجمل والفقرات، وأنه قد جمع في كلمة واحدة دروسًا عظيمةً لا يسعها إلا كتاب كامل. فمثلًا عندما يشرح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ…” (رواه الترمذي) يصف ما في الحديث بـ”الخشية ذات بُعد الالتجاء” فيسحر من يسمعه بهذه العبارة النفيسة التي تنطوي على معان عميقة وعظيمة تملأ الصفحات.

وها نحن نسمّي صفحتنا هذه بـ”الجرة المشروخة” اعترافًا بعجزنا في فهمه كما ينبغي، وتقصيرنا في تلقِّي ما يطرحه علينا من حقائق، وقصورنا في تسجيلها والاستفادة منها وإفادة الآخرين بها. أردنا بهذا العنوان الإشارةَ إلى أن هذه الصفحة ما هي إلا مرآة أصغر بكثير من أن تعكس عِلمَ أستاذنا الجليل وحياتَه الروحية والقلبية وزُهدَه وتقواه. وقد استوحينا هذه الفكرة من المنقبة التالية التي يذكرها مولانا جلال الدين الرومي:

في قديم الزمان نصب سلطان فسطاطه على نهر الفرات، فأحَبَّه الناس، نظرًا لأنه استطاع أن يستولي على القلوب لا على الأراضي فحسب. أجل، أحبّوه وتمنوا أن لو تعرف عليهم ذلك الإنسان الخيّر ونالوا حبه واستحسانه، ولذلك كانوا يَمثُلون في حضرته في بعض الأيام ويقدمون له الهدايا. وفي يوم قدّم فيه الأغنياء وذوو الأحوال الميسورة هداياهم الثمينة للسلطان بحث أحد الفقراء عن هدية تناسب السلطان، فلما لم يجد شيئًا قيِّمًا خطرت على باله تلك الجرة المشروخة التي تقبع في ناحية من بيته، فأخذها وملأها بماء بارد من ماء القرية، وسلك بها الطريق إلى السلطان، فقابله أحدهم وسأله عن صنيعه ووجهته، فلما أجابه الفقير قال له الآخر في سخرية: “ألا تعلم أن السلطان يقيم على منبع الماء، فضلًا عن أنه يملك ماء العين الذي تحمله جرّتُك”. فامتقع لون الفقير وابتلع ريقه وانعقدت الكلمات في حلقه، ثم قال: “لا ضير، السلطنة تليق بالسلطان، والفقر يليق بالفقير. فإن لم أكن أمتلك هدية قيّمة للسلطان يكفي أنني أحمل قلبًا مفعمًا بحبه ومشتاقًا لتقديم مائه إليه”.

وعلى ذلك عزمنا على تقديم هدية للسلطان بـ”جرتنا المشروخة” التي تحملها أيدينا؛ رغبة في أن تكون هديتُنا مشاركتَكم معنا هذه الجماليات التي أفاضها الله علينا. ونحن -القليل من إخوتكم- على اعتقاد بأن مشاركة الكثيرين لنا في ماء هذا المنهل العذب يعيننا على أداء شكر نعمة القرب من هذه العين المباركة.

كنا بداية نسجل ملاحظات صغيرةً حتى نستعين بها في تذكر أحاديثه، لكن كان يفوتنا الكثير، فشرعنا فيما بعد في تسجيلها بدقة على الحاسوب لنقل ما يذكره دون تغيير أو نقص، ثم نأخذ ما سجّلناه على الحاسوب ونقوم بعملية التبييض والتنقيح والتصحيح، ثم نتذاكر ما ينتج من نصوص فيما بيننا.

فبدأنا نقدّم لكم ماء الحياة الذي ملأنا به جرّتنا، في هذه الصفحة الإلكترونية المسماة “الجرة المشروخة” والتي تعدّ جزءًا من موقعنا الإلكتروني “Herkul”؛ وما فعلنا ذلك إلا أننا شعرنا بشيء من النكران للجميل عندما احتكرْنا عينَ أفق القلب والروح هذه.

الجَرَّة المشروخة*: التمسك بالجوهر والتخلص من الفوضى

Herkul | | العربية

التمسك بالجوهر والتخلص من الفوضى

سؤال: كثيرًا ما تشغلنا الحوادثُ المؤلمة التي تقع حولنا والمصائبُ التي تعترينا؛ فنبتعد عن قيمنا الذاتية، فما الأمور التي يجب مراعاتها حتى نحافظ على استقامة قلوبنا؟

الجواب: ننوّه بدايةً بأن الأساس هو علاقة المؤمن بربه أيًّا كان نوع الحوادث الواقعة في العالم الخارجي، فلا بد أن يتوجه المؤمن إلى نفسه أولًا، ويَحْذَر من انقطاع علاقة قلبه بربه جل وعلا، ويسعى إلى أن يواصل ارتباطه دائمًا بمنبع النور؛ لأن القرآن الكريم يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (سورة الْمَائِدَةِ: 5/105)، فهذه الآية تدعو المؤمنين إلى أن يتوجهوا إلى عوالمهم الداخلية، وأن يعملوا بدايةً على إصلاحها، ولذا يجب على المؤمن أن يراجع نفسه كل يوم عدة مرات، ويتحرى مدى استقامة نفسه من عدمها.

ولا شك أن هذا التحري يحتاج إلى بعض المعايير، وإن على رأس هذه المعايير الكتاب والسنة، واجتهادات السلف الصالح القائمة على هذين المصدرين القدسيين، فضلًا عن المصادر الأخرى -التي قرروها وأجمعوا عليها مراعاة لبعض الحِكم- مثل المصلحة والاستحسان.. والحق أن هؤلاء قد بذلوا جهودًا فائقة لِفَهمِ الدين وتوضيحه، وكأنهم بذلك لم يدَعوا نقطة مظلمة في هذه المسألة إلا وبيّنوها.

المحافظة على الاستقامة

ومع وجود كلّ هذه الينابيع المضيئة أمام الإنسان إلا أنه ما زال غير قادر على بلوغ الاستقامة، وقد ينحرف أحيانًا ويظل في الظلام؛ وهذا يعني أنه هو من يصنع هذا الظلام، والواقع أن الآية الكريمة “عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ” تعبّر عن هذا المعنى في الوقت ذاته؛ أي إن أخطاءنا هي السبب الحقيقي لكل المشاكل والهموم التي نعانيها، فلو استطعنا أن نحاسب أنفسنا جيدًا لَلَمسنا معظم هذه الأخطاء؛ ومثال ذلك:

تقديمُ الإنسان أهواءه ورغباته على أوامر الله سبحانه وتعالى، والبيان القرآني الذي يقول: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ (سورة القِيَامَةِ: 75/20-21) يشير إلى هذا الضعف الكامن في طبيعة الإنسان، وفي آية أخرى يعبر القرآن الكريم عن حب الإنسان للدنيا فيقول: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (سورة العَادِيَاتِ: 100/8)، ولأن الإنسان مولع فطرةً بالدنيا وبالمتع الحاضرة فقد يقدّم مثل هذه الأمور الفانية على أوامر الدين رغم أنه مؤمن، بل قد يتطلع أحيانًا إلى احترام الآخرين وتقديرهم له، لا إلى الثواب الأخروي أو مرضاة الله سبحانه وتعالى، ومثل هذا الشخص لا يستحسن الخدمة الإيمانية التي لا يصاحبها إقبال الناس عليه وتهليلهم له، أو التي يتعرض بسببها إلى بعض المشقات والأذى، ومن ثمّ يتخذ موقفًا سلبيًّا تجاه هذه الخدمات.

ولا جرم أن المؤمن إذا كان يخدم نفسه معتقدًا أنه يخدم دينه، وأغراه وأطغاه تهليل الجهلاء الغافلين المحيطين به، وادعى جدارته وأحقيته بهذا التقدير والثناء الموجه إليه خسر في موضعٍ هو أدعى للكسب، وسبيل السلامة من هذه الورطة يكمن في أن يسعى الإنسان عمليًّا لبلوغ مستوى أحسن تقويم الذي خلقه الله عليه استعدادًا وقابلية؛ بمعنى أن يتحرى السبيل ليكون إنسانًا حقيقيًّا، وأن يجادل نفسه على الدوام حتى لا ينحرف عن هذه الاستقامة، فإذا نجح في ذلك فلن يضره من ضلّ إذا اهتدى وفقًا لتعبير الآية.

“عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ”

فلو كنّا نريد سلامًا وأمانًا اجتماعيًّا فعلينا أن نسعى إلى إصلاح أنفسنا أوَّلًا وبلوغ مستوى الإنسان الحقيقي؛ لأنه لا سبيل لنا إلى أن نرجو إصلاح غيرنا دون أن نكون نحن مستقيمين أصلًا، فقد كان أول أمر إلهي إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (سُورَةُ العَلَقِ: 96/1)، وبعدها نزلت هذه الآيات الكريمة على غرارها: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (سورة الْمُدَّثِّرِ: 74/1-7).

وهذا يعني أن ربنا سبحانه وتعالى قد خاطب شخصَ النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أوّلًا، وكأنه يقوله له: “عليك نفسك، ابدأ بها أولًا”.

والواقع أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان صرحًا للثقة والأمان حتى قبل بعثته، فقد كان يمثّل بالمعنى الحقيقي الخصال التي منحها الله للأنبياء العظام مثل العصمة والعفة والفطانة والتبليغ، ولما صعد صلى الله عليه وسلم جبل أبي قبيس بغية دعوة قومه إلى الإسلام، وسألهم: “لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟”، فأجاب الجميع بـ”نعم”.

من هنا نقول: إن مثل هذه الآيات ترشد الأمة في شخص نبيها صلوات ربي وسلامه عليه؛ بمعنى أننا إذا أردنا أن نكون مقنعين في نظر الآخرين فعلينا أولًا أن نتحلى بالثقة والتواضع والإخلاص، وأن نعمل على بثّ الثقة والأمان في نفوس الجميع؛ فمن لم يكن على ذلك استحال عليه أن يكون مقنعًا لغيره، فلا يخفى أن من يرتاب الناس في عفته وعصمته يفقد مصداقيته ونزاهته لدى الآخرين.

ولهذا قد تحدث بعض الاضطرابات في المجتمع، ويتولى أمر الأمة بعض الظالمين المستبدين، حينئذ تدعوهم الفرصة إلى اضطهاد مخالفيهم وسحقهم، وأحيانًا يتسبّبون في وقوع المزيد من الحوادث التي تسوق مجتمعاتهم إلى الفوضى، عند ذلك يقع على عاتق المسلمين أن ينشغلوا بأمر أنفسهم ويعملوا على استقامتها أولًا بدلًا من التشنيع بهذا وذاك، وأن يفكروا في الحكمة من وراء تسليط الله هؤلاء الظالمين عليهم بدلًا من التذمر والشكوى من الظالمين الذين يرأسونهم؛ لأنه لا فائدة من اشتغالهم بالآخرين طالما هم غير مستقيمين في الحقيقة، وفي الأثر “كَمَا تَكُونُوا يُوَلَّى عَلَيْكُمْ“، أي كما يكون الناس في القاعدة يكون حكامهم على الشاكلة نفسها في القمة.

فكما تنشأ القشدة عن الحليب ينشأ الزَّبَدُ عن الماء، جاء في بعض الروايات أن الحجاج بن يوسف الثقفي أتاه رجل يذكّره بعدالة سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه، فقال الحجاج لمن بجواره: “كونوا كالمحيطين بعمر أكن لكم كعمر”، وبذلك أراد الحجاج أن يذكّرهم بأنه الحاكم الجدير بهم تمامًا.

الطريق الموصِّل إلى الإنسانية الحقة

من جانب آخر فإن من لم يشتغل بنفسه ويعمل على إصلاحها ستتقطّع مع الوقت علاقته بربه، وتنتاب صلة قلبه بربه حالةٌ من الخسوف والكسوف؛ لأن مثل هذا الشخص يتعلق أحيانًا بأنانيته الشخصية، وأحيانًا يدّعي العلم، وأحيانًا أخرى يتحرك وفقًا لأنانيته الجماعية؛ ولذا تراه ينسب الأمر إلى نفسه معتقدًا أنه يقوم بعمله خدمةً للدين، فلو حدث ومُنِح هذا الشخص القوة والقدرة لَفَعلَ ما يفعله المستبدون؛ فكما أن الأنانية والمعرفة والثروة تصيب الإنسان بالعمى فكذلك هو حال السلطة والحاكمية، وخاصة لو انساقت الجماهير وراء هذا الشخص انسياقًا أعمى وهللت له وصفقت فمن المسلم به أن مثل هذا الشخص سيصيبه السمّ والعمى المعنوي، ولن يقدر على رؤية الحقائق البيّنة الواضحة، ولا على تمييز الصحيح من الخطإ.

ولذلك يجب على الإنسان أن يتنبّه لحياته القلبية والروحية، وألّا يسمح لنفسه ورغباته الحيوانية وحقده وكرهه أن تحول بينه وبين ربه؛ فتفضي إلى انقطاع لا سبيل إلى إصلاحه، وفوق ذلك عليه أن يتجنب “المهلكات” التي نص عليها الإمام الغزالي رحمه الله في كتابه “إحياء علوم الدين”، وأن يتمسّك بـ”المنجيات” المنصوص عليها في ذات الكتاب؛ لأن المهلكات تتسبب في وضع بعض الحجب بين العبد وربه، أما المنجيات فهي وسيلة عظيمة لإزاحة هذه الحجب، وتلاقي القلوب بالتجليات الإلهية من جديد.

إذًا على العبد أن يتحاشى كل هذه السلبيات ويفرّ منها فراره من الثعبان والعقرب، ولا شك أن هذا هو سبيل الارتقاء إلى الإنسانية الحقة، وقد عبر الشاعر أبو الفتح البُسْتي عن هذه الحقيقة بقوله:

أَقْـبِـلْ عَلَى النَّفْسِ وَاسْتَكْمِلْ فَضَائِلَهَا

فَأَنْـتَ بِالنَّفْــــــــسِ لَا بِالْجِــسْـــــمِ إنْـسَــانُ

وهذا يعني أن الإنسان لو فقد هذه الخصال فقدْ فقدَ إنسانيته.

وهنا قد يسأل سائلٌ فيقول: هل ينقلب الإنسان إلى جهنم إن لم يراعِ هذه الأمور التي ذكرناها؟ بالطبع لا.. فليس لأحد أن يقول بمثل هذا القول، لأن هذا ينافي رحمة الله الواسعة، ونحن يحدونا الأمل والرجاء في عفو ربنا وغفرانه لنا بواسع رحمته رغم قلة أعمالنا وصغرها، ولكن من جهة أخرى يجب علينا التوجه إلى الله تعالى بأعلى درجات التقدير والتعظيم، وأن نحقق العبودية دون انقطاع أو تقصير، فهذا حقٌّ لا ينبغي لنا أن نتوانى عن القيام به تجاهه سبحانه وتعالى، ومسؤولية عظمى ليس لنا أن نهملها؛ ولهذا علينا أن نحافظ دائمًا على استقامة ماهيتنا الإنسانية، وأن نتحرى المنجيات، ونتجنب المهلكات.

فإن لم نراجع حالنا ولم نعرف المكان الذي نقف فيه أو الذي يجب أن نقف فيه، فسنشرع حينذاك في تغيير وجهتنا ومكاننا حسب أفعال الآخرين وتصرفاتهم، فمثلًا قد يهمّ بعض الأشخاص من أهل الإيمان بالهجوم علينا نتيجة انهزامهم لمشاعر الحسد والغيرة والتنافس الممقوت، وقد يتخذ البعض الآخر جبهة ضدنا بمقتضى إنكارهم وإلحادهم، ثم تقوم كلتا الطائفتين بتدبير بعض المؤامرات ضدنا.. ولكن بصرف النظر عن ضرورة وعينا بهذه المكائد والمؤامرات، وابتكارنا لإستراتيجيات معقولة بديلة؛ فإننا لو انشغلنا بهؤلاء على الدوام، وشاركناهم جنون العظمة الذي أصابهم، وتحركنا وفقًا للأوهام والاحتمالات؛ فسنخالف مقتضى الآية التي ذكرناها آنفًا: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، وفي النهاية لن ننجو من ضرر هؤلاء، ولن نجد الفرصة لإصلاح أنفسنا ولا للقيام بواجبنا الأساسي.

واجبُنا الأساسي

حسنٌ، ما هو واجبنا الأساسي؟ يجب علينا -بقدر المستطاع- إرشاد البشرية جمعاء إلى طريق الخلاص الأبدي، وتوجيهها إلى الجنة، والاجتهاد والسعي ألَّا يدخل أحدٌ منهم جهنم، ولأن الله تعالى قد عَلِم أزلًا من سيعمل ماذا، فربما أنه قدَّر جهنم مصيرًا لبعض الناس، وربما لا يستطيع أحد على الإطلاق أن يمنع هذا الأمر، ولكن ذلك لا يعنينا، وما يقع على عاتقنا هو الإصرار والعزم على أن تنجو البشريةُ كلّها حتى آخر فرد فيها من النار.

والواقع أن التمسك بغاية كهذه، وإهلاك النفس حتى لا يفقد الآخرون سعادتهم الأبدية، والخوف من أن يتعرض البشر للهلاك والخسران الأبدي.. كل ذلك من مقتضيات نهج النبوة؛ إذ إن الله تعالى يُلخص موقف مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم بشأن حرصه على هداية الأمة فيقول: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الشُّعَرَاءِ: 26/3)، وهذا الأمر سرٌّ بين الله تعالى وأحب عباده إليه سبحانه، فربما أن الله تفضل بهذا القول الوارد في الآية الكريمة تثبيتًا لنبيه وحفظًا لتوازنه، غير أن قولنا مثل هذا بحقه عليه الصلاة والسلام وانشغالنا بمثل هذه الأفكار ليس صحيحًا.

وما أردت التأكيد عليه هنا أساسًا هو أن هذه الآيات بينما تصحح موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم من إيمان البشرية، فهي في الوقت ذاته تقدّر موقفه عليه الصلاة والسلام وتعلي من شأنه؛ مشيرةً إلى معنى كهذا: “أنت قامة عظيمة لدرجة أنك لا تعيش لأجل نفسك؛ إنك تكاد تهلك نفسك في سبيل نجاة الآخرين”.

هذا هو شعور الإحياء، وهو في طليعة الواجبات التي ينبغي أن يضطلع بها أتباع المنهاج النبوي في عصرنا هذا، حتى وإن كانت هناك فرقةٌ تكيد لهم وفقًا لهواجسها وهوسها، وتراهم مثلها طلبةَ مناصب ومصالح ومتطلعين للسلطة.. ومهما كاد الكائدون اعتمادًا على سوء ظنهم؛ فإنه ينبغي لأتباع المنهج النبوي ألّا تُقيّدهم كل هذه الأمور، وألا تمنعهم من مواصلة طريقهم، عليهم أن ينشغلوا بتحبيب الله ومفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم إلى البشرية، وأن يُسخِّروا كل إمكانياتهم في هذا السبيل؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “حَبِّبُوا اللهَ إلى عِبَادِهِ يُحْبِبْكُمُ الله[1]، ويشير هذا الحديث أيضًا إلى أن مَن يشتغل بتحبيب الله إلى عباده فإنه سيحظى بحب الله له، لأن حبّ المرءِ اللهَ ورسولَه كالمُتيّم من العناصر والوسائل الأساسية للفوز الأبدي.

المؤسف أن المسلمين لم يؤدوا هذا الواجب على الوجه الأمثل، ولذلك تسببوا بأن تعيشَ البشريّة مرة أخرى مرحلة “الفترة”.. إنهم لم يستطيعوا أن ينسلخوا من متعهم البدنية ورغبتهم في الحياة والعيش فينفتحوا على كل أنحاء العالم كالصحابة الكرام والحواريين؛ ويُبلِّغوا قيمهم الأصيلة إلى الصدور الفارغة المتعطشة إلى النجاة.. لقد عجزوا أن يُعرّفوا الإنسانية بمفخرتها عليه الصلاة والسلام وبجلاله وعظمته.. ما استطاعوا ولوج القلوب عبر تمثيله بشكل كامل من خلال تصرفاتهم وسلوكياتهم، وما استطاعوا أن يبيّنوا أن ذلك النور الخالد صلى الله عليه وسلم مصدرُ ضياء ينير العوالم كلها، لم يقدروا على الأقل على إزالة الأفكار والآراء السلبية بشأنه؛ فيجعلوا الناس تنطق وتُقِرُّ بــ”أن هذا إنسانٌ عظيم”.. الخلاصةُ أنهم عرضوا البشرية لمرحلة “الفترة” مرّة أخرى، ولا نزال نعاني من تأثيرها حتى في عصرنا، لا ريب أن غفلةَ غير المؤمنين وتبلدهم الحسي وأحكامهم المسبقة تؤثرُ في هذا، ولكن السؤال الأهم؛ هل قام المسلمون بواجبهم المنوط بهم على الوجه الأكمل، أم لم يقوموا به؟!

ساداتنا الصحابة انفتحوا على ثلث العالم تقريبًا، وخلال فترة قصيرة للغاية أناروا العالم الذي كان يسبح في ظلمات حالكة، وتربعوا في القلوب حيث ذهبوا، وأثاروا اهتمامًا حقيقيًّا لدى الناس بشأن قيمهم الأصيلة، وليس بادعاء العلم ولا بقوتهم وقدرتهم نجحوا في هذا، وإنما بإيمانهم وصدقهم وتمثيلهم الحقيقي للدين، ورغم ما نحن عليه اليوم لو أننا نستطيع أن نطبق جماليات الدين، ولو حتى بشكل غير محكم، فسنعيش في ظل تأثير قوة الطرد المركزية، لأن القوة التي أوجدوها عن المركز وصلت حتى يومنا.

وعليه أريد أن أقول ثانية أيًّا كان تفكير من يقفون بجواركم ويسجدون معكم ويتلوون في حضرة الله، أو من يتآمرون عليكم منذ الأزل ويخططون ضدكم تأثرًا بهواجسهم وجنون العظمة لديهم فالواجب عليكم أن تحببوا اللهَ ورسولَه أولًا إلى البشرية، ثم تُمكِّنوا الناس من محبة بعضهم البعض لأجل الله ورسوله، وتُسهِموا في أن تسود حالةٌ من السلم والسلام في العالم أجمع.

التوازن في المحبة وحسن الظن

إن من نذروا أنفسهم يجب عليهم -إلى جانب أدائهم واجباتهم على الوجه الأتم- السعي لأن يكونوا متوازنين لأقصى درجة في إقامة العلاقات مع الآخرين، فمثلًا إن كانت علاقة مودة وعشق ووَلَهٍ ستكون لأحدٍ فلا بد وأن تكون لله تعالى ورسوله الكريم أولًا، ثم يليهما الخلفاء الراشدون، ثم ساداتنا الصحابة، والمؤسف أننا مثلما خسِرنا كثيرًا من قيمنا الخاصة تأخَّرْنا في حبِّنا اللهَ ورسولَه، فهل رأيتم أحدًا قطُّ يُغمى عليه أو يسقط مغشيًّا عليه إذا ما ذكر سيد الأنام صلى الله عليه وسلم أمامه كما كان يحدث سابقًا؟!.. لقد سرقوا حبنا اللهَ ورسولَه، وربطوا كلَّ قدرات الحب لدينا بدنيانا وأنفسنا، ولذلك صرنا نحن أيضًا محرومين من المحبة.

لم نستطع محبة الأشياء الواجب حبها حبًّا عميقًا كما ينبغي.. كما أننا أسأنا استعمال هذا الحب أحيانًا، وارتكبنا أخطاء دون أن ندرك أحيانًا أخرى، فمثلًا فُتِنَّا بمحاسن البعض وأبرزنا نحوهم حبًّا كبيرًا، وهو ما مسَّ غيرة الله؛ فكانت النتيجة أننا تعرضنا لصفعات الرحمة الإلهية علَّنا نستفيق، لقد تلقينا صفعات قاسية جزاء محبَّتنا غير المشروعة تلك، وبهذا كشف لنا سبحانه أن من نحبّهم هم خلاف ما نظن؛ فليسوا جديرين بهذا القدر من التوجه والتقدير، أي إن عدمَ الإفراط والحفاظ على التوازن في علاقة الحب التي ستُكَنُّ للناس عاملٌ مهم للغاية.

وثمة موضع آخر يستلزم التوازن في العلاقات التي ستقام مع الآخرين، ألَا وهو آراؤنا وظنوننا بحقهم، وعلى حد قول الشيخ بديع الزمان سعيد النورسي فإن المؤمن ينبغي له أن يُحسن الظن وألا يقع في إساءة الظن ما أمكن، وألا يضع الخطط ويرسمها بناءً على أوهامه وظنونه بشأن الآخرين، وألا يمارس أفعالًا مبنيّةً على الظن بأن الجميع سيرتكب الشر؛ لأن ذلك كله يندرج تحت بند “سوء الظن”، وسوءُ الظن ذنبٌ كبير من شأنه أن يقلب أمور الإنسان رأسًا على عقبٍ، ومع هذا فإن كنتم ضُربتم مرات عديدة من أحدهم، وأوذيتم، وصُفِعتم يجب عليكم حينها أن تُفعِّلوا مبدأ عدم الثقة إلى جانب حسن الظن، وإن كان البعض يطعنونكم من الخلف إذا ما أدرتم ظهوركم فلا تولوهم الأدبار مرة أخرى.

خلاصة القول: إن واجبنا الحقيقي هو الانشغال بأنفسنا وبتحقيق غايتنا المثالية، ولأجل ذلك فعلى الناذرين أنفسهم للحقّ والحقيقة أن يتخلّصوا من التشتت والتشرذم حتى يتسنى لهم تحقيق مثل هذا الهدف السامي.. عليهم أن ينأوا بأنفسهم عن كل العوامل التي تشتت هممهم ومساعيهم وأفكارهم، وألا ينشغلوا بالأكاذيب والافتراءات التي تُروَّج بشأنهم سواء عن طريق وسائل الإعلام أو عن طريق غيرها من المنتديات والمنصات، حتى وإن قَضَّت مثل هذه الأشياء مضاجعَهم من حين لآخر، وأحدثت في أفئدتهم خفقانًا مقدَّسًا فعليهم ألّا ينسوا واجباتهم الخدمية، بل عليهم أن يجعلوها في المقدمة من الفروض؛ فرجال القلب عليهم أن يركزوا على قضاياهم الذاتية بكل قواهم الروحية وكلياتهم العقلية، وأن يواصلوا المسير في هذا الطريق، وكما قال فضيلة الشيخ بديع الزمان سعيد النورسي فإننا نملك يدين اثنتين؛ فإن امتلكنا أربعًا وجب علينا استخدامها في هذا الطريق أيضًا.

[1] الطبراني: المعجم الكبير، 8/90-91.

***

* ماذا تعني “الجَرَّة المشروخة”؟

إن الأستاذ المربّي “فتح الله كولن” شخصية جامعة، وأحاديثه مشحونة بمعان عميقة تخاطب طبقات مختلفة من الناس، ولا جرم أن مَن يستمع إلى مثله من العلماء يتعلم أمورًا كثيرة، وينال نصيبه حسب مستواه، غير أن أكثر الناس فهمًا هم أكثر الناس علمًا، فمن بلغ مرتبةً سامية في العلم يرى أن هناك كثيرًا من الحقائق الخفية بين الكلمات والجمل والفقرات، وأنه قد جمع في كلمة واحدة دروسًا عظيمةً لا يسعها إلا كتاب كامل. فمثلًا عندما يشرح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ…” (رواه الترمذي) يصف ما في الحديث بـ”الخشية ذات بُعد الالتجاء” فيسحر من يسمعه بهذه العبارة النفيسة التي تنطوي على معان عميقة وعظيمة تملأ الصفحات.

وها نحن نسمّي صفحتنا هذه بـ”الجرة المشروخة” اعترافًا بعجزنا في فهمه كما ينبغي، وتقصيرنا في تلقِّي ما يطرحه علينا من حقائق، وقصورنا في تسجيلها والاستفادة منها وإفادة الآخرين بها. أردنا بهذا العنوان الإشارةَ إلى أن هذه الصفحة ما هي إلا مرآة أصغر بكثير من أن تعكس عِلمَ أستاذنا الجليل وحياتَه الروحية والقلبية وزُهدَه وتقواه. وقد استوحينا هذه الفكرة من المنقبة التالية التي يذكرها مولانا جلال الدين الرومي:

في قديم الزمان نصب سلطان فسطاطه على نهر الفرات، فأحَبَّه الناس، نظرًا لأنه استطاع أن يستولي على القلوب لا على الأراضي فحسب. أجل، أحبّوه وتمنوا أن لو تعرف عليهم ذلك الإنسان الخيّر ونالوا حبه واستحسانه، ولذلك كانوا يَمثُلون في حضرته في بعض الأيام ويقدمون له الهدايا. وفي يوم قدّم فيه الأغنياء وذوو الأحوال الميسورة هداياهم الثمينة للسلطان بحث أحد الفقراء عن هدية تناسب السلطان، فلما لم يجد شيئًا قيِّمًا خطرت على باله تلك الجرة المشروخة التي تقبع في ناحية من بيته، فأخذها وملأها بماء بارد من ماء القرية، وسلك بها الطريق إلى السلطان، فقابله أحدهم وسأله عن صنيعه ووجهته، فلما أجابه الفقير قال له الآخر في سخرية: “ألا تعلم أن السلطان يقيم على منبع الماء، فضلًا عن أنه يملك ماء العين الذي تحمله جرّتُك”. فامتقع لون الفقير وابتلع ريقه وانعقدت الكلمات في حلقه، ثم قال: “لا ضير، السلطنة تليق بالسلطان، والفقر يليق بالفقير. فإن لم أكن أمتلك هدية قيّمة للسلطان يكفي أنني أحمل قلبًا مفعمًا بحبه ومشتاقًا لتقديم مائه إليه”.

وعلى ذلك عزمنا على تقديم هدية للسلطان بـ”جرتنا المشروخة” التي تحملها أيدينا؛ رغبة في أن تكون هديتُنا مشاركتَكم معنا هذه الجماليات التي أفاضها الله علينا. ونحن -القليل من إخوتكم- على اعتقاد بأن مشاركة الكثيرين لنا في ماء هذا المنهل العذب يعيننا على أداء شكر نعمة القرب من هذه العين المباركة.

كنا بداية نسجل ملاحظات صغيرةً حتى نستعين بها في تذكر أحاديثه، لكن كان يفوتنا الكثير، فشرعنا فيما بعد في تسجيلها بدقة على الحاسوب لنقل ما يذكره دون تغيير أو نقص، ثم نأخذ ما سجّلناه على الحاسوب ونقوم بعملية التبييض والتنقيح والتصحيح، ثم نتذاكر ما ينتج من نصوص فيما بيننا.

فبدأنا نقدّم لكم ماء الحياة الذي ملأنا به جرّتنا، في هذه الصفحة الإلكترونية المسماة “الجرة المشروخة” والتي تعدّ جزءًا من موقعنا الإلكتروني “Herkul”؛ وما فعلنا ذلك إلا أننا شعرنا بشيء من النكران للجميل عندما احتكرْنا عينَ أفق القلب والروح هذه.

الجَرَّة المشروخة*: العالِم الحقيقي والمسؤولية الاجتماعية

Herkul | | العربية

سؤال: ما المقصود بالعالم الحقيقي؟ وما نوعية الوظائف المجتمعية التي قام بها العلماء على مرّ التاريخ؟ وما المسؤوليات التي تنتظرهم في مجتمع اليوم؟

الجواب: بدايةً إن أوّل مَن ينصرف إليه الذهن عند قولنا “عالِم” هو الله جل جلاله؛ على اعتبار أنه الأعلم بكل شيء، زيادة على ذلك فلله تعالى ثلاثة أسماء مباركة مشتقة من جذر “العلم”، وهي على التوالي العالِم والعليم والعلَّام، ولقد عُبِّر عن الاسمين الأخيرين بصيغة المبالغة نظرًا لأنهما يدلّان على أن الله تعالى ذو علم محيط يتجاوز آفاقنا، ثم إن اسم “علّام الغيوب” الذي يوصَف به ربُّ العباد سبحانه وتعالى يشير إلى أن علم الله الواسع قد امتد حتى العوالم الغيبية فضلًا عن عالم الشهادة، وهو أمر يعجز الجميع عن إدراكه، وعلى ذلك فإنه سبحانه وتعالى يعلم كل شيء بدايةً من الذرات في الكون حتى حركة كرات الدم الحمراء التي تجري في عروقنا، وفي هذا يقول القرآن الكريم: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (سُورَةُ ق: 50/16).

العلم الحقيقي والعلم النسبي

وبسبب هذا كله فإنّ أولَ مَن يتبادر إلى الذهن عند قولنا “عالِم” -بالمعنى الحقيقي- هو الله سبحانه وتعالى، أما بالمعنى النسبي فإن أعلم الناس بكل شيء هم الأنبياء الذين أصابوا في معرفتهم، وعقدوا صلةً مع صاحب العلم الحقيقي سبحانه وتعالى، لا سيما أولي العزم منهم عليهم الصلاة والسلام الذين ورد ذكرهم في قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (سورة الأَحْزَابِ: 33/7)، وكأن المولى سبحانه وتعالى قد أبرم عقدًا بينه وبين هؤلاء الأنبياء، وجعلهم محطّ نظره وعنايته الخاصة، فشرّفهم وأعلى قدرَهم بما منحهم من الخصوصيّة والقبول.

وإن كان لا بد من التكرار نقول: إن العلماء بالمعنى النسبي هم جميع الأنبياء والرسل وعلى رأسهم أولو العزم من الرسل؛ لأنهم على صلةٍ أو علاقةٍ بعلم الله المحيط، حيث إنهم ينهلون من هذا المصدر عن طريق الوحي، ويتمتعون بقدرات عالية تُعِينهم على تفسير ما ينهلون من معارف، وفهم المعاني التي تدل عليها هذه المعارف؛ ومن ثمّ فهموا الوحي الإلهي بشكل صحيح، وعملوا بموجبه، لكن لو لم تُفسَّر الكتب السماوية النازلة من مصدر العلم الحقيقي من قِبل الأنبياء أصحاب العلم النسبي بما يتوافق مع الحقيقة؛ ما كان بالإمكان استيعاب ما في هذه الكتب من معارف بشكل كلّي سليم، ولو أن القرآن الكريم لم يخضع للتأويل والتفسير من قِبل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنَّا أخطأنا كثيرًا في فهمه والعمل به.

وفي هذا الصدد نريد أن ننبه إلى أن هناك فرقة يسمّون أنفسهم “القرآنيين” يستخفون بالسنّة وينبذونها، ولا يُفسحون المجال أمام تفسير الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم للقرآن وشرحه له، وهذا يدل دلالة واضحة على مدى بعدهم عن الحقيقة وجهلهم بروح الدين.

أجل، إننا نستخدم أيضًا لفظة “العالِم” بل و”العلّامة” في حق أشخاصٍ عظام ذوي علم نسبي؛ وإن كانت حقيقة العلم تُنسب إلى الله، ومن ورائه الأنبياء العظام عليهم السلام بالمعنى النسبي.. والقرآن الكريم يشير إلى الخاصية التي يتّسم بها المتعمّقون في العلم بقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الأَلْبَابِ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/7).

وتحتمل هذه الآية وجهين مختلفين من التفسير بناءً على الوقف بعد اسم الجلالة أو الوصل بعده: فعلى فرضية الوقف يكون المعنى: إن الراسخين في العلم يتجنبون سبر أغوار الآيات المتشابهات ذات الدلالة الظنّية، ويحيلون المعنى الحقيقي إلى الله تعالى، أما عند عدم الوقف وتفضيل الوصل فيكون المعنى: إن الله تعالى يعلم التفسير الحقيقي والدلالة القطعية للآيات المتشابهات، وكذلك الراسخون في العلم يعلمون ذلك بالمعنى النسبي.

دور العلماء

وعلى هذا المعنى نشأ علماءُ عظامٌ في عصر السعادة النبوي وفي العصور التالية له، فتعمّق كلُّ واحد منهم في مجال علمٍ معين أو بضعة مجالات، كلٌّ حسب قدرته واستعداده؛ وقد يتعذّر علينا فهمُ العمق العلمي لدى شخصية مثل سيدنا أبي بكر رضي الله عنه، وربما كان هو نفسه من شدة تواضعه ونكرانه لذاته لا يدرك ما لديه من عمق، ولذا كان كثيرًا ما يأتي النبيَّ صلى الله عليه وسلم ويسأله عن بعض القضايا الفرعية، كما حدث ذات مرة أن سأله عن حكم تطويل جلبابه، وهل هذا يُعدّ من الكبر أم لا؛ لأنه كان في تواضعه الجمّ على قدر سعة علمه وعمقه.. لقد كان إنسانًا كاملًا من حيث التواضع وإنكار الذات؛ لأنه كان يعي جيّدًا أن التواضع هو مفتاح سريّ لجميع الخيرات، وأن الكبر هو سبيل كلِّ الشرور.

لقد كان سيدنا أبو بكر رضي الله عنه في الوقت ذاته رجلَ دولةٍ عادلًا ناجحًا، وهنا أريد أن أذكِّركم بحقيقةٍ طالما ردَّدتُها كثيرًا على أسماعكم في مناسبات مختلفة: من الصعوبة بمكان أن نجد رجل دولة آخر وصل إلى هذا المستوى من النجاح الذي وصل إليه سيدنا أبو بكر رضي الله عنه في إدارة الدولة؛ لأنه أدار الدولة في عهد راجت فيه الأزمات والمشاكل وتوالت بعضها وراء بعض، ولكنه استطاع خلال عامين ونيّف أن يتغلب على جميع هذه المشاكل بفضلٍ من الله وعنايته، وإلى جانب ذلك كان على مستوى عالٍ في العبادة، بل الأصح أن نقول عما كان يفعله “عبودة” وليس “عبادة”، فلقد صار وكأنه صورةٌ طبق الأصل من الصلاة والصيام والحج، أو كأنه نسخة من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكما كان يشبهه شكلًا كان في حياته التعبّدية يسير على نهجه خطوة خطوة ولا يحيد عنه مطلقًا.

وكذلك الخلفاء الآخرون الذين جاؤوا من بعده كانوا إلى جانب نجاحهم في إدارة الدولة راسخين في العلم أيضًا، ولقد كان لكل واحد منهم ميزةٌ وأفضليةٌ خاصة به؛ فسيدنا علي رضي الله عنه مثلًا كان يتميز بالعلم اللدني الذي رزقه الله به، ولم يكن الخلفاء الأربعة فقط على هذا النحو، بل كان من بين الصحابة رضي الله عنهم عددٌ كبير من الراسخين في العلم أمثال: سادتنا عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، ومعاذ بن جبل، رضي الله عن الجميع؛ فمثلًا كان سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه من أكثر الصحابة روايةً للحديث الشريف، وكانت السيدة عائشة رضي الله عنها ذات قول معتَمَدٍ في العلوم الشرعية، فلا جرم أن اختيار سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها لتكون زوجة له، وضمها إلى بيت السعادة، ثم قيامها هي بعد ذلك بنقل العديد من القضايا الدينية الخاصة بعالم النساء للأمة لم يكن وليد الصدفة.

وإن ربط هذا الزواج بالحظوظ النفسانية يعني إغلاق باب العقل والإنصاف والمنطق، فلقد كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حباه الله به من فراسة وفطنة عالية عن نوعية المهمة التي ستقوم بها هذه السيدة الجليلة في المستقبل، فضمها إلى البيت النبوي النوراني لتقوم بهذه المهمة، فكانت هي بعد انتقال نبينا صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى من أهم المصادر التي يُرجع إليها في العديد من القضايا العلمية، وكان الأئمة العظام من التابعين يأتون بابها ويسألونها من وراء حجاب.

ولكن العلماء في هذه الفترة كانوا مسميات بلا أسماء، ولهذا لم يدَّع أحدٌ منهم أنه عالم، كما لم يبالغ الناس في وصفهم ولم يلقبوا أحدَهم بـ”العلامة”، وكذلك لم تؤسَّس في ذلك العهد مؤسّسات خاصة كالجامعات في عصرنا لتنشئة وتخريج العلماء، وكما حفل عهد الصحابة بعدد كبير من العلماء فكذلك كان عهد التابعين.

ولا تخفَى المكانة العظيمة التي حظي بها السلف الذين حرصوا على أن يكونوا مسميات بلا أسماء في العهد الأول، أو الشهرة الواسعة التي نالها هؤلاء الرجال الذين عرفهم المجتمع الإسلامي بالعلماء في الفترات التالية، وخاصة أن العلماء حتى القرن الخامس الهجري قاموا بخدمات عظيمة في بلورةِ وتجلية الأوامر التشريعية وتفسير السنن الكونية، كما ألفوا العديد من المؤلفات في شتى الأبواب، مثل: تفسير القرآن الكريم، وتدوين السنة الشريفة، واستنباط الأحكام الفقهية منهما، وتحديد الأصول والمناهج لكل هذه العلوم؛ فخلّفوا ميراثًا علميًّا كبيرًا للأجيال اللاحقة من بعدهم، ولم يكتفوا بذلك، بل أمعنوا النظر في السنن الكونية في ضوء الديناميكية التي استقوها من الكتاب والسنة وتمسكهم بهما، ثم عكفوا على دراسة الحوادث والأشياء، يحدوهم الشغف بالبحث وعشق الحقيقة، فاستنبطوا الكثير من المبادئ المتعلقة بشتى العلوم، ومن هذه الجهة فتحوا الطريق أمام النهضة الأوروبية، وعبّدوا السبيل وأقاموا الجسور..

 لقد أثّرت القامات الشامخة أمثال ابن سينا (ت: 427هـ/1037م) والخوارزمي (ت: 232هـ/847م) والرازي (ت: 311هـ/923م) والزهراوي (ت: 400هـ/1013م) في الفكر الغربي على مدى قرونٍ طويلة بما حرروه من مؤلفات في السنن الكونية، إلى جانب معرفتهم القوية بالعلوم التشريعية، وكلما تتابعت الأيام وتوالت السنون تجلى ذلك أكثر فأكثر، وألِّفت المؤلفات في حقهم، وأقيمت المتاحف التي تخلّد ذكراهم.

الفصل بين “المعهد الشرعي” و”المدرسة العلمية” و”التكية

ورغم أن دور العلماء لا يزال يواصل وجوده ويحافظ على أهميته ولو نسبيًّا في الوقت الحالي فالحقيقة التي لا مراء فيها أن هذا الدور قد تضاءل بعد القرن الخامس الهجري، وكما يبدأ الظلام بالحلول عند غروب الشمس، وبعد فترة يصبح الليل حالك السواد فكذلك النشاطات العلميّة أخذت بمرور الزمان تقلّ وتفقد حيويتها، وبدأت الفاعلية التي كانت تسيطر عليها في القرون الخمسة الأولى تفقد تأثيرها رويدًا رويدًا في القرون التالية.

فلقد اعتبرت المعاهدُ الشرعية العلومَ الطبيعية شيئًا لا طائل منه، فنبذتها وأقصتها عن دائرتها، بل والأنكى من ذلك أنها ابتعدت في الوقت ذاته عن الحياة الروحية والقلبية للإسلام، مما عجّل بوقوع طامة كبرى فوق رؤوسنا، والحال أن الذين يمثلون الإسلام بجوانبه الروحية والجسمانية والدنيوية والأخروية هم الذين يقدرون على معايشته على مستوى حياتهم الروحية والقلبية، ولكن مع الأسف صارت المعاهد الشرعية بعد فترة تشتغل بعلوم اللغة والآلة مثل النحو والصرف والمعاني والبيان والبديع، ولا يُدرَّس فيها علوم الفقه والتفسير والكلام والحديث إلا بقدر قليل، وصارت وظيفة العلماء لا تتعدى مرحلة التدريس للطلاب وإلقاء الوعظ والنصيحة إلى الناس، وانحصرت الحياة الروحية للإسلام على التكايا والزوايا، وعُزِلت الأوامر التشريعية عن السنن الكونية.

إن المعهد الشرعي والمدرسة العلمية والتكية يمثلون ثلاثة وجوه لحقيقة واحدة، وبفصلهم عن بعضهم البعض اختلّ الوفاق والاتفاق بينهم، حيث تسبب الاختلاف والافتراق الواقع بينهم في انقطاع توفيق الله ومعونته؛ فكما أن الوفاق والاتفاق بين الناس هما أكبر عامل يستدعي توفيق الله وعنايته؛ فكذلك الحياة الروحية للإسلام والعلوم الطبيعية والعلوم الشرعية إن فُصل بينها وبدأ كلٌّ منها يتبع منهجًا مختلفًا عن صاحبيه فهذا مدعاة لانقطاع توفيق الله عز وجل.

وعلى ذلك فمن الصعب في زماننا هذا أن نعثر على علماء حقيقيين يمثِّلون هذه الوجوه الثلاثة للحقيقة في وقتٍ واحد، فبعض من يدّعون أنهم علماء يعرفون العلوم الطبيعية فقط، وبالتالي فهم منفتحون على الطبيعية، وبعضهم يشتغل بالعلوم التقليدية فقط، والبعض الآخر يحاول أن يمثِّل الحياة الروحية للإسلام في الطرق الصوفية والتكايا والزوايا، وعلى ذلك ربما كلٌّ منهم يعرف شيئًا؛ إلا أنه لا يعرف كل شيء؛ وهذا ما يُشعِلُ فينا مشاعر الحنين إلى العلماء الحقيقيين.. وعليه، فلا بد من إعداد تناسق جديد؛ لأن اجتماع هذه الأقسام الثلاثة وتكاتفها وتشكيلها عقلًا مشتركًا بين بعضها البعض يبعث الأمل على تحقيق نهضة ثانية للمسلمين إن شاء الله تعالى.

قادة الرأي الحقيقيون

عند النظر إلى التاريخ الإسلامي يتبيّن أن العلماء قد اضطلعوا بوظائف مهمة في توجيه المجتمع أيضًا، فمثلًا الخلفاء الراشدون، بالرغم من أنهم كانوا علماء، ولديهم القدرة على حل العديد من المشكلات باعتبار آفاقهم العلمية، إلا أنهم استعانوا بكبار الصحابة وأبرز علمائهم، ودرسوا معهم كل مشكلة كانت تَعرِضُ لهم، وكما لم يخجل ساداتنا الصحابة من سؤال غيرهم عما لم يعرفوه من مسائل، تصرفوا بسلاسة وأريحية جدًّا في تصحيح الأخطاء التي رأوها وفي تحذير المسؤول القائم على الأمر.

والواقع أن استفادة المسؤولين من العلماء وتوجيه العلماء للمجتمع قد استمر بصورة نسبية في العصور اللاحقة أيضًا، فمثلًا أُنشِئَت المدارس النظامية من قبل الوزير السلجوقي “نظام الملك”، وقد أُقيم على رأسها إمام الحرمين الجويني، فلما غادرها ملأ الإمام الغزالي فراغه وسد مكانه.. ولقد وفَّى كلٌّ منهما وظيفته حقها، وجعلا الجميع يقبلون بهما ويذعنون لهما بفضل ثقلهما ومكانتهما العلمية، وكان الإمام الغزالي قد اعتقد بعد مدة بأنه يستطيع خدمة الإسلام الدين المبين خدمة أفضل بطريقة أخرى فترك درجة كبير المدرسين، ولكنه واصل إرشاد الناس وتوجيه المسؤولين بأفكاره وآرائه.

وفي الدولة العثمانية كذلك كان للعلماء ثقلهم ومكانتهم في المجتمع ولدى مسؤولي الدولة منذ بدايتها، ومن ذلك مثلًا عثمان غازي (ت: 1326م) فقد استفاد كثيرًا من الشيخ “أدبالي” (ت: 1326م) أحد قادة الرأي البارزين في عصره، وتزوج بابنته، حيث إن النصائح التي أسداها إلى عثمان غازي لا تزال تنير الطريق للمسؤولين حتى اليوم، وبالشكل نفسه لجأ مراد الثاني (ت: 1451م) (أدخله الله فسيح جناته) مرات عديدة إلى فكر ورأي “حاجي بايرام ولي” (ت: 1430م).. كما أن العلماء لم يغيبوا عن مجالس السلطان الفاتح (ت: 1481م) من أمثال “ملّا خسرو” (ت: 1480م)، و”آق شمس الدين” (ت: 1459م) و”السلطان القانوني” (ت: 1566م) بالرغم من كل عظمته واحتشامه كان يستفتي أبا السعود أفندي (ت: 1574م) بشأن كل الإجراءات التي سيتخذها.. و”السلطان ياووز سليم” (ت: 1520م) (عليه الرحمة والغفران) لازم مشورة “زنبيلِّلي علي أفندي” (ت: 1526م) طيلة حياته.

وفي يومنا هذا أيضًا هناك شخصيات من العلماء وقادة الرأي، لا ريب أنهم يضطلعون بخدمات مهمة وعظيمة؛ كلٌّ في موقعه.. إلا أننا نفتقد إلى تلك الزمرة من العلماء القادرين على سد الفراغ العظيم الذي نعيشه في الوقت الراهن، فمما يؤسف له أن الناس في عصرنا يتخبطون ويترنحون في لجة فراغ خطير جدًّا، وسقطوا في جُبٍّ أعمق من الذي سقط فيه سيدنا يوسف عليه السلام، ولكي يتسنى إنقاذهم من تلك الهاوية ثمة حاجة ماسة إلى فراسة وكياسة حقيقية جدًّا. ولكن المؤسف أن مجتمعنا محروم من قادة الرأي ذوي العلم والفكر بهذا المستوى.

وربما ينظر العامة بإجلال وتقدير لبعض الأشخاص فيُجلسونهم على عرش الشرف والجاه، وقد يستطيع هؤلاء أن يقوموا ببعض الأشياء مستفيدين من هذا الرصيد، ولكن الأساس هو وجود علماء يغذّون فكر الناس وأحاسيسهم، ويوجهون المجتمع إلى الطريق الصحيح، ويحولون دون ارتكابهم الأخطاء والذنوب، لأنه إذا ما ربّى المجتمعُ هذا النوع من العلماء وقادة الرأي سلم من أخطاء عديدة، وسار في طريق مستقيم، إذ إن هؤلاء العلماء وأمثالهم سيكسبون ثقة الرؤساء والمرؤوسين، وينفذون إلى قلوب القادة ويؤثرون فيهم إلى جانب إرشادهم الشعب والناس.. ثم إنهم سوف يستعملون هذه الثقة والنفوذ الذي حققوه في سبيل إقصاء هؤلاء القادة عن الشعوبية، وحمايتهم من التحرك مثل الطغاة، ومراعاة مصالح الناس وأمورهم.

لا يوجد إنسان يستطيع الاكتفاء والاستقلال بنفسه، بل إن سيدنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يعطينا درسًا مهمًّا في هذا الموضوع فيقول: “وَزِيرَايَ مِنَ السَّمَاءِ: جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَمِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ[1]، ويشير إلى هذه الحقيقة في حديث آخر بقوله: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِالْأَمِيرِ خَيْرًا جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ سُوءٍ إِنْ نَسِيَ لَمْ يُذَكِّرْهُ وَإِنْ ذَكَرَ لَمْ يُعِنْهُ[2].

وعليه فإن اكتفاء أحد المسؤولين بنفسه في المجال الذي يشتغل به دليل على عجزه وعدم كفايته، ولذلك فمما لا شك فيه أن مثل هذا الشخص سيتردى ويضيع إن عاجلًا أو آجلًا، ومما يحزن أن التاريخ الحديث مليء بالعديد من المتغطرسين الذين قال كلُّ واحد منهم “أنا، أكفي نفسي”؛ فأغرقوا حياتهم الشخصية وحياة شعوبهم في لجة خيبات الأمل والفشل، أما السبيل إلى الخلاص من مثل هذا الفشل فهو أن يستعين المسؤولون والإداريون بأشخاص مثل الإمام الغزالي، وزنبيلِّلي، وآقْ شمس الدين، وأبي السعود أفندي، وشاه ولي الله الدهلوي، ويلجؤوا إلى رأيهم وفكرهم، فيُؤَمِّنون المسار الذي يسلكونه، وعلى الجانب الآخر يتوجب على العلماء وقادة الرأي أن يثبتوا بحياتهم وأعمالهم أنهم أناس ثقة، وألا يُسلموا أنفسهم لأي تيار سياسي، وألا يضحوا بفكرهم لصالحِ أيِّ رأيٍ ولا أيديولوجية سياسية، وأن يستغلّوا الرصيد الحاصل من الحظوة والمكانة لدى الناس في توجيه الإداريين فحسب إلى الطريق المستقيم.

المؤسف أن هناك نقصًا خطيرًا يلفت النظر في كلا الجناحين في يومنا هذا، والهاوية التي سقطنا فيها عميقة جدًّا، كما أن هناك مجموعة من النقائص وأوجه القصور لدى المسؤولين، ولدى الأشخاص الذين يقومون بإرشادهم ونصحهم على حد سواء، والأسوأ من ذلك أيضًا أنهم لا يدركون قصورهم ونقصهم هذا، والواقع أنه حين تتداخل أوجه النقص والفراغ هكذا يصبح حل المشكلات نفسها عقدة ملغزة ومحيرة جدًّا، ولكنه وبالرغم من كل شيء فقد أنجَبَت أمّتُنا العديد من العلماء والإداريين والحكام المهمين جدًّا، وقدمت خدمة عظيمة للإسلام، وهذا النوع من أوجه البر والخير والجمال التي قدمتها في الماضي دليل قوي وغير خادع على أنها ستواصل تقديم تلك الخدمات في المستقبل أيضًا.

[1]  انظر: سنن الترمذي، المناقب 17؛ الحاكم: المستدرك، 2/290.

[2] سنن أبي داود، الإمارة، 4.

***

* ماذا تعني “الجَرَّة المشروخة”؟

إن الأستاذ المربّي “فتح الله كولن” شخصية جامعة، وأحاديثه مشحونة بمعان عميقة تخاطب طبقات مختلفة من الناس، ولا جرم أن مَن يستمع إلى مثله من العلماء يتعلم أمورًا كثيرة، وينال نصيبه حسب مستواه، غير أن أكثر الناس فهمًا هم أكثر الناس علمًا، فمن بلغ مرتبةً سامية في العلم يرى أن هناك كثيرًا من الحقائق الخفية بين الكلمات والجمل والفقرات، وأنه قد جمع في كلمة واحدة دروسًا عظيمةً لا يسعها إلا كتاب كامل. فمثلًا عندما يشرح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ…” (رواه الترمذي) يصف ما في الحديث بـ”الخشية ذات بُعد الالتجاء” فيسحر من يسمعه بهذه العبارة النفيسة التي تنطوي على معان عميقة وعظيمة تملأ الصفحات.

وها نحن نسمّي صفحتنا هذه بـ”الجرة المشروخة” اعترافًا بعجزنا في فهمه كما ينبغي، وتقصيرنا في تلقِّي ما يطرحه علينا من حقائق، وقصورنا في تسجيلها والاستفادة منها وإفادة الآخرين بها. أردنا بهذا العنوان الإشارةَ إلى أن هذه الصفحة ما هي إلا مرآة أصغر بكثير من أن تعكس عِلمَ أستاذنا الجليل وحياتَه الروحية والقلبية وزُهدَه وتقواه. وقد استوحينا هذه الفكرة من المنقبة التالية التي يذكرها مولانا جلال الدين الرومي:

في قديم الزمان نصب سلطان فسطاطه على نهر الفرات، فأحَبَّه الناس، نظرًا لأنه استطاع أن يستولي على القلوب لا على الأراضي فحسب. أجل، أحبّوه وتمنوا أن لو تعرف عليهم ذلك الإنسان الخيّر ونالوا حبه واستحسانه، ولذلك كانوا يَمثُلون في حضرته في بعض الأيام ويقدمون له الهدايا. وفي يوم قدّم فيه الأغنياء وذوو الأحوال الميسورة هداياهم الثمينة للسلطان بحث أحد الفقراء عن هدية تناسب السلطان، فلما لم يجد شيئًا قيِّمًا خطرت على باله تلك الجرة المشروخة التي تقبع في ناحية من بيته، فأخذها وملأها بماء بارد من ماء القرية، وسلك بها الطريق إلى السلطان، فقابله أحدهم وسأله عن صنيعه ووجهته، فلما أجابه الفقير قال له الآخر في سخرية: “ألا تعلم أن السلطان يقيم على منبع الماء، فضلًا عن أنه يملك ماء العين الذي تحمله جرّتُك”. فامتقع لون الفقير وابتلع ريقه وانعقدت الكلمات في حلقه، ثم قال: “لا ضير، السلطنة تليق بالسلطان، والفقر يليق بالفقير. فإن لم أكن أمتلك هدية قيّمة للسلطان يكفي أنني أحمل قلبًا مفعمًا بحبه ومشتاقًا لتقديم مائه إليه”.

وعلى ذلك عزمنا على تقديم هدية للسلطان بـ”جرتنا المشروخة” التي تحملها أيدينا؛ رغبة في أن تكون هديتُنا مشاركتَكم معنا هذه الجماليات التي أفاضها الله علينا. ونحن -القليل من إخوتكم- على اعتقاد بأن مشاركة الكثيرين لنا في ماء هذا المنهل العذب يعيننا على أداء شكر نعمة القرب من هذه العين المباركة.

كنا بداية نسجل ملاحظات صغيرةً حتى نستعين بها في تذكر أحاديثه، لكن كان يفوتنا الكثير، فشرعنا فيما بعد في تسجيلها بدقة على الحاسوب لنقل ما يذكره دون تغيير أو نقص، ثم نأخذ ما سجّلناه على الحاسوب ونقوم بعملية التبييض والتنقيح والتصحيح، ثم نتذاكر ما ينتج من نصوص فيما بيننا.

فبدأنا نقدّم لكم ماء الحياة الذي ملأنا به جرّتنا، في هذه الصفحة الإلكترونية المسماة “الجرة المشروخة” والتي تعدّ جزءًا من موقعنا الإلكتروني “Herkul”؛ وما فعلنا ذلك إلا أننا شعرنا بشيء من النكران للجميل عندما احتكرْنا عينَ أفق القلب والروح هذه.

ثنتان من المؤيّدات للحفاظ على نشاط الحياة الدينيّة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ذكرتم من قبل أن الوسائل التي تحافظ على نشاط الحياة الدينية وهي التي نسميها بـ”المؤيّدات”[1] لها ركنان مهمّان؛ أحدهما هو: “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، وثانيهما: هو ما يُعرف باسم “الرقائق”؛ فهل تشرحون لنا هذين الركنين ولا سيما ما فيهما من جوانب تمسُّ عصرنا؟

الجواب: إن “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” هو دعوة الناس إلى فعل ما أمر به الدين، وتحذيرُهم مما نهى عنه، ويمكننا أن نعبر عن هذا انطلاقًا من العقيدة الماتريدية وقول فقهاء الحنفية فنقول: إنه أمرُ الناس بما حَسَّنَه العقلُ ونهيهم عمَّا قَبَّحَه العقلُ، وبتعبيرٍ آخر فإنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعني نشْرَ كلِّ أمرٍ جميلٍ وحَسَنٍ وخيّرٍ بين الناس، وإثناءَ الناس عن كلِّ أمر قبيحٍ وبذيء وضارّ، وحمايتهم منه.

وظيفةٌ فرضٌ أسمى مِنَ الفرائض

ولقد استُخدمت وسائل شتّى منذ العهد النبوي الشريف من أجل تفعيل هذه الوظيفة بشكل منظّم يحتضن المجتمع بالكامل، فألقيت الخُطب والمواعظ والدروس وأقيمت حلقُ العلم ومجالسه حثًّا على ذلك، واستمرت تلك الفعاليات حتى يومنا هذا متّخذة أشكالًا وأنماطًا متباينة، وكانت الزوايا والتكايا تحتضن أكثر تلك الفعاليات نشاطًا وجذبًا وتأثيرًا؛ لأن من يعملون هناك كانوا ينادون على الأمة بأصوات قلوبهم، ويحاولون بضمائرهم التي تسبق منطقهم أن يؤثِّروا في قلوب الناس، مما أدى إلى تحقيق نفاذهم داخل أرواح مخاطبيهم بلسان “اللطيفة الربانية” و”السر” وربما بلهجة “الخفي” و”الأخفى”، وأغدقوا عليهم من الفيوضات عن أسماء الله الحسنى وصفاته و”ذاته البحت”؛ ما ضمِنَ المحافظةَ عليهم نابضين بالحياة.

ولمّا كان “الأمر بالمعروف والنهيُ عن المنكر” من المؤيّدات المهمة التي تساعد على حماية الحياة الدينية والإبقاء عليها نابضة حيّة؛ فقد عانت الحياة الدينية من الأفول والتراجع عندما أُهملت، واستغرب الناسُ القيمَ الدينية وابتعدوا عنها، ومُنعت الجوامع أن يُذكر فيها اسم الله تعالى في فترات معينة، وفقدت وظائفها ومهمّاتها في فترات أخرى، وانساق بعض الخطباء والوعاظ إلى المواضيع العادية والتافهة في خطبهم ووعظهم، فتقلصت أهمية المنبر وقلَّ تأثيره، ولذلك فقد حُجِّم دور “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، وحُجر عليه نوعًا ما ونُحِّيَ جانبًا وكأنه قيل له: “انتظر هنا قليلًا”، وإذا نظرنا إلى فترات القحط والجدب في الفكر والمشاعر الدينية يتأكد لنا أننا ما زلنا نتخبّط ونتعثر مقارنة بما كان في عصر السعادة، حيث إن هذه المشاعر الدينيّة أُهملت في وقتنا تمامًا، ولذلك فإنَّ هذه المهمة تقع على عاتق كلِّ واحد منَّا في يومنا هذا باعتبارها فرضًا أسمى من الفرائض، وهي ديناميكيّة يستحيل أن يملأ فراغها أو ينوب عنها شيء آخر في عمليّة الانبعاث من جديد.

الرقائق: رقة القلب الذي يرتجف خشيةً

أما بالنسبة للرقائق فإنَّها تُليّن القلوب وترققها لممارسة حياة دينية سليمة خالية من النقائص والعيوب، وتُحرك روح الإنسان، وتوجه الأنظار إلى الآخرة، وتُثير القلق في القلوب استعدادًا للحساب والميزان، وهي في الوقت نفسه تشتمل على الأمور التي تُجيّشُ مشاعرَ الأمل والرجاء في القلوب، وعليه فالرقائق وسيلة إرشادية متميزة خاصة بالمؤمنين، ومن خلالها تُطرَق المسائل الخاصة بالإيمان والإسلام، ولا سيما المتعلقة بعاقبة الإنسان مثل لقائه بِمَلَكِ الموت ودفنه، وعذاب القبر، وحياة البرزخ والمحشر والحساب والميزان والصراط.

ويُعدُّ كتاب “تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين” لأبي الليث السمرقندي (ت: 373ه/985م) أحد فقهاء الحنفيّة البارزين واحدًا من المؤلفات المهمة في موضوع الرقائق؛ حيث يتناول فيه مواضيع كالإخلاص والجنة وجهنم والميزان، وقد تحدث في القسم الأخير منه عن لقاء الشيطان برسول الله صلى الله عليه وسلم، وربما لم يُفعِّل الشيخُ أثناء تناوله لهذه الموضوعات كلّ أُسُسِ الجرح والتعديل وعلم الرجال، ولم يُعِر دراسةَ السلسلة والسند أهمّية كبرى، ولم يكن دقيقًا فيها بقدر دقة وحساسية الإمام البخاري ومسلم والنسائي، والأمر كذلك أيضًا في كتاب “إحياء علوم الدين” للإمام الغزالي؛ وذلك لأنهما لم يَرَيَا بأسًا في أن يُضمّنا كتبهما روايات ضعيفة بهدف الترغيب والترهيب.

أما الإمام القرطبي (ت: 671ه/1273م) الذي كتب في هذا الموضوع أيضًا كتابه الشهير بعنوان “التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة” فقد كان أكثر حساسية ودقة وحيطة، فمهارةُ القرطبي الذي يُعد من أعلام المذهب المالكي وحَذَقُه الظاهر في تفسيره أَمرٌ مُسلَّمٌ به، وثمة جانب آخر من جوانب شخصيته التي تُثير مشاعرَ الحيرة لدى الإنسان؛ ألا وهو وقوفه على جميع المؤلفات والعلوم التي دُوِّنت في الشرق برغم نشأته في الأندلس، ويمكن رؤية الدقة والحساسية نفسها عند أبي حيّان الأندلسي (ت: 745ه/1344م) الذي يشبهه أيضًا، فبالرغم من أنّ هذين العالمين نشآ في غرب العالم الإسلامي إلا أنهما وصلا إلى الكتب والمؤلفات التي دوّنت في بلاد إسلامية مختلفة مثل آسيا الوسطى والشام ومصر والمدينة المنورة وبغداد، ومن ثمَّ فإنَّ جهودهما الدينية والإيمانية جديرة بالتقدير والإعجاب.

وهناك الكثير من العلماء وقفوا وركزوا على المواضيع المتعلقة بالرقائق، والتي تُعتَبَرُ بدورِها واحدةً من المؤيدات المهمة لثبات الحياة الدينية وصمودها، وخلّفوا آثارًا في هذا، وكي تنعكس تلك الأمور على القلوب وتؤثّر في الأرواح يلزم بالدرجة الأولى أن يتوافر لدى المخاطبين إيمان سليم قوي، لأنه بقدر ما يرتقي الناس في مدارج الإيمان ومراتبِ اليقين يتقبلون ما قيل ودُوِّن، فيُقبلون على الحق تعالى، ويعبدونه ويطيعونه في عشقٍ وشوق إليه، ولا شك في أنّ تصرفات من اكتسبوا حساسية ودقة بهذا القدر تجاه المسائل الدينية ستولِّدُ تصرفات متميزة وفريدة للغاية تجاه المؤيدات المذكورة، وإلّا فإنّ ما يُقال من نصائح سيصطدم بحائط فولاذي، ولن يؤثر في السامعين والمخاطبين أبدًا.

مؤمنٌ حقيقيٌّ يخاف سوء العاقبة

وهنا أريدُ أن أتحدّث عن واقعتين عشتهما بنفسي علّهما تقدمان لنا فكرة في هذا الشأن؛ فقد كنت في الرابعة أو الخامسة عشر من عمري حينما وعظتُ للمرة الأولى في مسجد قريتنا، وإنني أحتارُ وأندهِشُ حين أنظر من نافذة اليوم إلى تلك الأيام؛ فكم كان أولئك القرويُّون مهذبين مؤدبين متواضعين! إذ كانوا وهم في سنِّ أبي وجدّي يستمعون لواحدٍ مثلي يصغُرهم بفارقٍ عمريٍّ كبير، وكنت أقرأُ عليهم دروسًا من كتاب “تنبيه الغافلين” في درس الظهر، ودروسًا من كتاب “درة الواعظين” في درس العصر، وكنت أحاول تفسير آيات القرآن الكريم مستفيدًا من بعض المؤلفات كالبيضاوي مثلًا، وأعرضُ لمناقب وقصص الصالحين أحيانًا؛ كلًّا حسب موضعه، أما في درس المساء فكنت أشرح لهم المسائل الفقهية من كتاب “غنية المتملّي في شرح منية المصلي” للشيخ إبراهيم الحلبي (ت: 956ه/1549م).

وقد بدأتُ الحديث عن موضوع الإخلاص من كتاب “تنبيه الغافلين”، حتى قال بعض الحاضرين “ومن يستطيع أن يتحلى بالإخلاص على هذا المستوى!” وكأنهم تأثروا وتأزمت أنفسهم تأثرًا عميقًا بشعور محاسبة النفس، لقد كان هؤلاء بقايا الجيل العثماني الذين عاشوا حتى الخمسينات من القرن المنصرم، وكان فهمهم للمسألة بهذا الشكل بتأثير ما خلفه الفهم الديني في ذلك العصر أمرًا مثيرًا للحيرة والدهشة بالرغم من أنهم كانوا يعيشون صدمات نفسية وفترة عصيبة تُحَارَبُ فيها الممارسات الدينيّة حتى كانوا وكأنهم يُضربون بمقامع من حديد، وبعد الحديث عن الإخلاص انتقلت إلى الحديث عن جهنم، وما إن مضى يومٌ أو يومان حتى بدأ البعض منهم يبكي منتحبًا.. وذات يوم عندما كنت أخرج من الجامع استوقفني شخصان ما زلت أتذكّر اسميهما، فقالا: “يا شيخ! نستحلفك بالله أليس لله جنة؟! لقد هلكنا!”، ولست أنسى ذلك الموقف بالرغم من مرور خمسين سنة عليه، ولا يزال خيال هذين الرجلين يتراءى أمام ناظريّ إلى الآن، ولما صرتُ أعظ في الجوامع الكبرى في السنوات التالية ما صادفت حتى وسط تلك الحشود إلا قلة قليلة من الناس تقابل المسائل بضمير رحبٍ واسع إلى هذا الحد.

وهذا يعني أنّ الفهم والوعي أمرٌ مهمّ جدًّا، فإن لم تكونوا تفهمون المسألة هكذا فاعلموا أنكم ما زلتم على السطح ولم تتعمّقوا في المسألة، وعليه فينبغي للإنسان أن يحمل على نفسه ما يُقال، ويُصغي إليه وكأنه موجّهٌ إليه شخصيًّا حتى تؤثر فيه تلك الرقائق، فمهمٌّ للغاية أن يُفكر الإنسانُ عند الحديث عن الجنة مثلًا أنَّها قد تكون من نصيبه، وعن النار أنه عرضة لها، فيرتعد من ذلك ويقشعرّ بدنُه، أما حين يتطرّق الحديث إلى الإخلاص فإنه يُراجع أعماله ويرتجف وينتفض خوفًا من أن يكون وقع في الرياء الذي هو الشرك الخفيّ، وإلّا فإنّ الحديث عن الرقائق والانشغال بأمثالها من المواضيع لن يُجدي نفعًا ما دام الأمر منحصرًا في مجرد القول والسماع ولم يتعدّ ذلك.

وسيدنا أبو بكر رضي الله عنه نموذجٌ للإنسان المؤمن حقًّا، فدائمًا ما كان يخاف من عاقبته؛ لأنَّه يُخشى على عاقبة من لا يَخشى على عاقبة نفسه، وقد كان سيدنا عمر رضي الله عنه أيضًا يخاف دائمًا من سوء المآل والعاقبة، ومثلهما أيضًا أسود بن يزيد النخعي أحد الأئمة البارزين في مدرسة النخعي بالكوفة، فقد سيطر عليه الخوف تمامًا وهو على فراش الموت، فكان يتفصّد عرقًا، ويتغير من حال إلى حال؛ فسأله علقمة بن قيس وكان عند رأسه آنذاك: “ما هذا الجزع؟ أتخاف من ذنوبك؟” فتبسم حزينًا متألمًا وأجابه قائلًا: “مَا لِي لَا أَجْزَعُ! وَمَنْ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنِّي؟! وَاللهِ لَوْ أُتِيتُ بِالْمَغْفِرَةِ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لَهَمَّنِي الْحَيَاءُ مِنْهُ مِمَّا قَدْ صَنَعْتُهُ”[2]، ومن هنا فإن المؤمن الحقيقيّ هو الذي يبقى قلِقًا خائفًا على عاقبته.

الموت هادم اللذات

ورابطة الموت أيضًا من المواضيع التي يجب الوقوف عليها فيما يتعلّق بالرقائق، وتعني التفكير في الموت وما بعده، وتخيُّلَ وحشة القبر وظلمتِه، وتذكُّرَ المخاطر التي تنتظر الإنسان في طريق الآخرة، وانتظارَ الموت والاستعداد له في أيّة لحظة، وبتعبير آخر: رابطة الموت هي ألا يفكر المرء ويعيش على نحو: “ما زلت شابًّا، وبما أنني في العشرين من عمري الآن فأمامي ربما ستون سنة أخرى أحياها؛ فهناك من يعيشون حتى الثمانين” وإنما عليه أن يعيش معتقدًا أنّ الموت ضيفٌ لا يُدرى متى ينزل عليه؛ فيستعدّ له دائمًا، وقد قال الشاعر العربي في هذا:

الْمَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً * * * وَالْقَبْرُ صُنْدُوقُ الْعَمَلِ

إذًا فكل ما يكسبه الإنسان حتى مجيء الموت هو جهازه الذي يضعه في ذلك الصندوق.

ومثل هذا الشعور مهمٌّ للغاية من أجل الاستعداد للآخرة، لأن الإنسان إن لم يكن قد سلك طريقًا آمنًا في الدنيا فليس من المتوقع أن يكون طريقه آمنًا في الآخرة، وبالتالي فإنه يضطر لأن يسلك في الآخرة أيضًا طريقًا محفوفًا بمخاطر كثيرة، ومن هنا فإنَّ رابطة الموت مسألةٌ مهمة تلزم الاستفادة منها وتقييمها، إذ تجعل الإنسان على صلة دائمة بالموت وتُذكره بما بعد القبر.

وإذا نظرنا إلى الملاحظات الواردة في اللمعة السابعة عشرة من كتاب اللمعات (المذكِّرة الثانية عشرة) يتبين لنا طبيعة الحساسية والدقة التي عاشها بديع الزمان سعيد النورسي في هذا الشأن قبل أن يؤلف رسائل النور؛ إذ أحكمَ قبضته على نفسه وقسى عليها، والواقع أننا حين ننظر إلى الأسس التي وضعها كلٌّ من الحسن البصري (ت: 110ه/728م) وعبد القادر الجيلاني (ت: 561ه/1165م) وأبي الحسن الشاذلي (ت: 656ه/1258م) في محاسبة النفس ومساءلتها يتضح أنهم أيضًا عاشوا هذه المشاعر والأحاسيس ذاتها.

وكما هو معلوم فإنَّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد نهى المؤمنين عن زيارة القبور في فترةٍ ما؛ ربما بسبب صدور تصرفاتٍ لا تليق بالقبور عن بعض الناس، غير أنه لما زال ذلك الفهم الخاطئ وانمحت علة النهي أمر صلى الله عليه وسلم بزيارة القبور فقال: “إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُم الْآخِرَةَ”[3].

والحاصل أنَّ “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” والتذكيرَ الدائمَ بالموضوعات المتعلقة بـ”الرقائق” يشبهان الشرايين والأوردة بالنسبة للإنسان؛ إذ إنّ حياة الجسد كله حتى ما فيه من شعيرات مرتبطةٌ بهما، كما أنّ مواصلةَ ما في الدين من حياة وحيوية مرهونة بالوفاء بهاتين الركيزتين من المؤيدات، لأن الإنسان سيمتلك في ظلّ هذا قلبًا واعيًا حكيمًا سينشغل بعاقبته، وسيخطو كل خطوة بحذر وتيقّظ، وسيقضي كل لحظة من حياته يحاسب نفسه ويقوِّمها.

 

 

[1] المؤيدات الشرعية: هي الأحكام أو التدابير التي شُرعت لا لتنظيم علاقات الناس، وإنما لحمل الناس على طاعة أحكام الشريعة الأصلية.

[2] أبو نعيم: حلية الأولياء، 103/2-104؛ الذهبي: سير الأعلام النبلاء، 52/4.

[3] سنن الترمذي، الجنائز، 60؛ سنن أبي داود، الجنائز، 75.

روحُ العمل الإخلاصُ

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَخْلِصُوا أَعْمَالَكُمْ لِلَّهِ فَإِنَّ اللهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا خَلَصَ لَهُ”[1]؛ فكيف لنا أن ندرك حساسية وشعور “الإخلاص في كلّ الأعمال” الذي جعله رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هدفًا يجدُرُ بالمؤمن أن يسعى للوصول إليه؟

الجواب: يجب على المؤمن الحقيقي المُحِبِّ لله تعالى أن ينشد رضاه عزّ وجلَّ في أفعاله وتصرّفاته كلها، وأن يحتقر نفسه أمامه سبحانه وتعالى دائمًا، وألّا يتفاخر ويتباهى قائلًا: “أنا قُلت كذا، أنا فعلت كذا، أنا أنجزت كذا… إلخ”، بل وينبغي له أن يمحوَ تمامًا من ذاكرته ما فعله، وعليه أثناء دعوته للحقّ والحقيقة بصفة خاصةٍ ألَّا يكون قوّالًا بل فعالًا؛ إذ إن المتحدّث باسم الحق والحقيقة يلزمه أن يُعبّر بكلامه عما في قلبه ووجدانه تعبيرًا حقيقيًّا، وعليه إذا ما بلغ مراده ألا يعزوَ إلى نفسه ولو مثقالَ ذرةٍ في نجاحِ ما قام به من أفعال.

كلمات سطحيّة لم تنبع من القلب

لا ريبَ أنّ وصولَ الإنسان إلى مثل ذلك الأفق والشعور لا يُمكن أن يتحقّق في لحظة واحدة، بل يلزمه أنْ يُدرِّب نفسه دومًا على احتقارها وتجاهلها لدرجة أنَّه يُوشكُ أنْ يتساءل في نفسه: “هل أنا موجود أو أنني غير موجود؟!”؛ فيصل مع مرور الوقت إلى مرحلة لا يرى فيها نفسه، وإلَّا فإنّ تأثير الأعمال الخيِّرة التي تحققت سينحصر في دائرة ضيقة للغاية ولن يتّسع أو يتكاثر، كما أنّه لن يُكتَب البقاء والدوام لتلك الخدمات حتى وإن بدت مُبهرة في أول الأمر.

إننا اليوم نرى الكثير الكثير من التلاوات القرآنية وشعائر الأذان والإقامة والصلوات التي تتم بصوت عذب، إلى جانب الأدعية والابتهالات التي تهيّئُ الناس لصلاة الفريضة.. وربما لم يكن يُمارَسُ في العصر النبوي الشريف إلا عُشرُ ذلك، لكننا اليوم نرى كلَّ مكانٍ يهتزّ ويرتجّ متأثِّرًا بدويّ وارتفاع أصوات الأذان التي تتردد صدّاحة من المآذن عبر مكبّرات الصوت، وثمة خُطَبٌ ومواعظ وأحاديث إرشادية تُلقى دائمًا على المنابر وتُبَثُّ على شاشات التلفاز.. إلا أن كلّ ذلك لا ينفذ إلى القلوب، بل ولا يؤثر فيها، وليست هناك قدرة على توجيه الناس إلى الله تعالى كما كان الحال في عصر السعادة، وما ذلك إلا لأن الكلمات الصادرة من الفم ليست نابعة من القلب ولم تحصل على تأشيرة منه، فإنْ كان الإنسانُ يتباهى بعظمة نفسه حتى وهو يقول اَللهُ أَكْبَرُ ويعبر عن ذلك بأصوات ونغمات معينة ويُبرز أثناء كلامه عن الله تعالى وعن رسوله عليه الصلاة والسلام كم أنَّه استطاع الحديث عنهما بشكل جيدٍ؛ فهذا يعني أنَّه يقع في كذب ضمنّيٍ في كلِّ كلامه هذا.

التعمّق في الإيمان

ومثل ذلك الموقف يُمثّلُ خطرًا حقيقيًّا بالنسبة لمن عشقوا خدمة الإيمان والقرآن، فإن كان ما حدث حتى اليوم هو مجرّد تطويف حول ظاهر المسألة وتعذَّرَ التركيز على جوهرها وَجَبَ علينا حينئذ أن نتوجّه إلى أنفسنا أولًا، ونُؤهِّلها من جديد في مسألة التعمق في الإيمان، وهذا ما تقتضيه أخلاق الصحابة ومنهجهم؛ فقد كانوا إذا ما التقوا ببعضهم البعض يقولون فيما بينهم: “تَعَالَوْا نُؤْمِنْ سَاعَةً”، “اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً”[2]، وهذا يعني “أنَّ إيماننا حتى تلك اللحظة كان ذا قيمة ومعنى، غير أننا لا نعلم إن كان سينفع مستقبلًا أو لا؟ ولذلك يجب علينا أن نراجعه مرة أخرى”، وإذا ما انتبهنا إلى قول الصحابة السالف الذكر نجد أنّهم ما قالوا: “تعال نؤمن من جديد”، بل استخدموا عبارة: تعالَ نؤمن ساعة“، “اجلس بنا نؤمن ساعة”، وهذا يطابق تمامًا وصيةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا أبي ذر الغفاري رضي الله عنه: جَدِّدِ السَّفِينَةَ فَإِنَّ البَحْرَ عَمِيقٌ[3]، وهذا يعني أنَّ ثمة إبحارًا إلى رحلةٍ جديدة سيتحقّق كلما طلعت شمسُ يوم جديد.

وكما أن الإنسان حينما ينوي الخروج في رحلة ما فإنه يتفحص سيارته بدءًا من محركها وحتى إطاراتها تحسُّبًا ودرءًا لما لا تُحمَد عقباه؛ فعليه كذلك أن يُصلح ما يحتاجُ إلى إعادة إعمار وتأهيل في مسؤولياته وواجباته تجاه الله تعالى ويجدّد إيمانه مرة أخرى بتركيز جديد؛ لأن مَنْ يُبحر في بحر هذه الحياة العميق للغاية معرّضٌ للغرق في أية لحظة، ناهيك عن أنّ ثمة رحلةً طويلةً تنتظره فتبدأ بحياة البرزخ وتنتهي بالجنة أو بالنار والعياذ بالله، ولذلك فإنَّه يجب على الإنسان أن يُحسن الاستعداد والأهبة حين ينوي الخروج في طريق كهذا لا يعرفه.

وقد قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر الذي ذكرنا بعضه آنفًا: واحْمِل الزَّادَ فَإِنّ العَقَبَة طَوِيلَة” يشير إلى رحلة طويلة جدًّا؛ لذا يلزم أن يكون الزاد الذي أعده الإنسان كافيًا لتلك الرحلة وجديرًا بأن يمكنه من اجتياز الصراط، ومن ثمَّ يدخل الجنة، فجسر الصراط المنصوب في الآخرة لا يشبه ما نراه من جسور الدنيا؛ فربما لا يتيسر اجتيازه من أقصاه إلى أقصاه في نَفسٍ واحدٍ وانطلاقةٍ واحدة، وإذا ما نظرنا إلى الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذا الصدد يتبيّن لنا أن تلك الرحلة ستكون مرتبطةً بما قدّمناه في حياتنا الدنيا من خيرٍ أو شرّ، ودخولُ الإنسان الجنة مرهونٌ باجتيازِه هذا الجسر.

وإلى جانب أهمية تَزَوُّدِ الإنسان بما سيحتاج إليه في تلك الرحلة الطويلة؛ فينبغي له أن يبتعد عن جميع الذنوب والأخطاء التي تثقل كاهله، وهو المعنى الذي عبَّر عنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: وَخَفِّفِ الحِمْلَ فَإِنَّ السَّفَرَ بَعِيدٌ، أي إنَّ الإنسان ينبغي له أن يحرص على ألا يصطحب معه في رحلة القبر والبرزخ والمحشر والصراط ما يُثقِلُ كاهله من مسؤوليات وحسابات عديدة تجعله يتعثّر ويقع قبل نهاية الطريق.

ويختم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصيته لسيدنا أبي ذر رضي الله عنه قائلًا: وَأَخْلِصِ الْعَمَلَ فَإِنَّ النَّاقِدَ بَصِيرٌ، أي: اعملوا لله، والتقوا لوجه الله، واسعوا لأجل الله، ولتكن حركاتكم كلـها ضمن مرضاة الله، لله، لوجه الله، لأجل الله، لأنكم لا تَخفَونَ أبدًا على من يُقيّم تصرفاتكم ويحللها ويسجلها ويثيبكم عليها، فهو يراكم دائمًا، ولا يخفى عليه شيء من أمركم؛ فهو رقيبٌ عليكم بصيرٌ بكم.

محاسبة النفس دائمًا

إذًا يجب تناول الحياة الدنيا في هذا الإطار، فهذه المسألة لا تتحمل الذهول والغفلة والعصيان وتبلّد الحس، وكما قال “أَسْوَد بنُ يزيد النَّخَعيّ” من كبار التابعين وأحد أولياء الله الصالحين: “إِنَّ الْأَمْرَ جِدٌّ إِنَّ الْأَمْرَ جِدٌّ”[4]، أي إن الأمر لا يُستَخَفُّ به ولا يُترَكُ للصدفة، وليس بسيطًا عاديًّا، لأن المسألة هنا تعني النجاة من عذابٍ أبدي أو الوقوع فيه، ومن ثمَّ يجب على الإنسان أن يُقَيِّم بهذا الوعي صلاته وصيامه وغير ذلك مما يؤدّيه من عبادات وطاعات، وأن يُحاسب نفسه باستمرار.

ومن هذا المنطلق فإنّ قولَ الإنسان حين يتحدث عن أية مسألة: “اللهم أنطِقني بالحقّ، واجعلني ممن يتفوهون به، اللهم اجعل كلامي نافذًا مؤثرًا، فتتلقّاه القلوب بحسن القبول”؛ يُمثِّلُ جانبًا من جوانب المسألة، كما أنَّ ثمة بُعدًا آخر؛ ألا وهو أنّه يجب العمل بكلّ إخلاصٍ على إنقاذ المسألة من براثن الأنانية، وألا ينفكَّ المرءُ عن الدعاء قائلًا: “اللهم وفّقني إلى قولِ ما تُحبُّ وترضى”، وبتعبير آخر: يجب عليه أن يتمثل الدعاءَ القرآني الذي تضرّع به موسى عليه السلام: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (سورة طَهَ: 25/20-28)، فيجعله لسان حاله ووردَه الدائم، ويجب عليه إلى جانب هذا أيضًا ألَّا يُهمل أبدًا أن يردفه بقوله: “مع رضاك يا رب”.

ممثلو الإخلاص الخالدون

وزيادةً في التوضيح نقول: يلزم الإنسان أن يكون جَسورًا متحمّسًا لأن يدعو الله تعالى قائلًا: “اللهم رسِّخ ما قُلتُه وفعلتُه وبقبولك إياه ورضاك عنه! اللهم أكسِبه أعماقًا ومعاني خالدة بنظرك وعنايتك له! وإلَّا فإنني عبدٌ فانٍ، ينقطع عملي عندما أنتقل إلى الدار الآخرة، ربّاه! هل يجدي نفعًا ما سأفعله يوميًّا من أفعال وأمور وإنْ بلغت المئات ما لم تكن أنت فيها، وهل تفيد شيئًا ما لم تحظَ منك بالقبول؟!”.

وبعض مَنْ يتظاهرون ويفتخرون بأنفسهم عبر التغنّي بالابتهالات هم “القوّالون” لا “الفعَّالون”، فلا بد من الانفتاح على الإخلاص والسعي إلى تحقيقه؛ إذْ لا يمكن قبولُ أيّ شيء غيرِ صادقٍ وخالٍ من الإخلاص، ويجب أن نطرح أرضًا كلَّ ما لم ينبع من القلب، فندوسه ونحتقره، إذ إننا اليوم في حاجةٍ إلى كثير من أمثال أولئك المخلصين الخالدين، لأنهم هم من سيُغيّر وجه الدنيا، ومع أنّ مَنْ يضطلعون بواجباتهم ووظائفهم مقابلَ شيء من الأجر والتقدير والتبجيل يُعتبرون وسيلةً لنهضة مؤقتة إلا أنه لم يُسجَّل أنهم أنجزوا شيئًا باقيًا راسخًا، وهذا يعني أن من يُديرون الأمور ارتباطًا بالمادية والتقدير والتبجيل والمصالح لن يستطيعوا لاحقًا أن يُخلِّفوا أعمالًا خالدة باقية كما لم يفعلوا ذلك بالأمس؛ حتى وإن كانوا أثروا تأثيرًا مؤقتًا.

إن اللاحقين الذين جاؤوا من بعد عهد النبيّ والخلفاء الراشدين كالأمويين والعباسيين والخوارزميين والأيوبيين والسلاجقة والعثمانيين قد قدّموا للإسلام خدمات كبيرة، أثابهم الله على كل ما قدموا، فاضطلع كلٌّ منهم بواجبه كممثّلٍ للعصر الوردي في مرحلةٍ زمنيّة معينة، ثم انتقل كلٌّ منهم إلى أفق روحه تاركًا خلفه ذكرى جميلة، غير أنهم مجتمعين لم يُحرزوا في أيِّ وقت قطّ ما أحرزه الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم أجمعين من نجاحٍ ولم يُوفَّقوا مثلهم، والسبب في ذلك هو إخلاص الخلفاء الراشدين وصدقهم الرائع المُحير النابع من أعماق الأعماق، والإنسانية اليوم ليست في حاجة إلى الشكل والصورة والشهرة والتقدير والتصفيق والدعاوى الطنانة الكبيرة، وإنما هي في حاجة ماسةٍ إلى الإخلاص في ممارسة الإسلام الحقيقي على وجه الأرض، وتمثيله بصدق وإظهاره حالًا لا مقالًا.

 

[1]الطبراني، المعجم الأوسط، 25/2؛ الديلمي: الفردوس بمأثور الخطاب، 271/5.

[2] صحيح البخاري، الإيمان، 1؛ ابن أبي شيبة: المصنف، 164/6، 170.

[3] الديلمي: الفردوس بمأثور الخطاب، 339/5.

[4] أبو نعيم الأصبهاني: حلية الأولياء، 103/2.

إصلاحُ قلعةٍ تعرّضت للتخريبِ على مرِّ العصور

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما هي الوسائل والمناهج التي يجب اتباعها من أجل إصلاح قلعةٍ (وهي بنيتُنا الفردية والاجتماعية) تعرضت للتخريب على مرّ العصور؟

الجواب: بدايةً: من المسلّم به عند الجميع أن التعميرَ أصعبُ من التخريبِ والهدمِ ألف مرة؛ إذ يجب لِبناءِ أيِّ شيء أو تعميره أن تتوافر كلُّ أجزائه، وعناصره الداخلية والخارجية، أما التخريب فيكفي لكي يتحقق انعدامُ أحد تلك العناصر الضرورية، ومن ذلك على سبيل المثال الصلاة؛ إذ يجب أن تستوفي جميعَ الشروط والأركان اللازمة لأدائها أداءً صحيحًا؛ بحيث تبطل الصلاة إذا ما أُهمل واحدٌ منها، فلا تصح الصلاة مثلًا إن لم يكن المصلي متوضئًا أو لم يأت بتكبيرة الإحرام أو لم يستقبل القبلة حتى وإن وفَّى بمعظم أركانها وشروطها، فقبولُ الصلاةِ عند الله تعالى ومؤانستُها للإنسان في قبره ونفعُها إيَّاه يومَ القيامة مرهونٌ أيضًا بمراعاة أركانها الداخلية، أي الخضوع والخشوع، فحدوث أي خلل فيهما يحولُ دون قبولها عند الله حتى وإن استوفت شروطها وأركانها الخارجية والظاهرية، والأمر كذلك بالنسبة لغيرها من العبادات والطاعات.

البناء والترميم

ويمكنكم أن تُقَيِّمُوا عملية إنشاء مبنًى أو ترميمه على النحو نفسه، تخيلوا أنَّ المعماريّ العبقري العظيم “سِنان”[1] -أسكنه الله تعالى فسيح جناته- بنى جامع “السَّليمية” في مدة قصيرة بلغت حوالي ست سنوات، بينما أعمالُ الترميم التي بدأت من أجل إعادة الجامع إلى هويته الأصلية من جديد بعد أن حدثت شقوق وتصدعات وثغرات في أماكن مختلفة منه، وتضرر بسبب قذائف المدفعية التي أطلقها البلغار عليه أثناء احتلال “أدرنه” سنة (1913م) استمرت حوالي سبع أو ثماني سنوات، ومع أن إنشاء جامع السليمية وترميمه كان أمرًا صعبًا استغرق مدة طويلة إلى هذا الحد إلَّا أنَّ إلقاءَ قنبلةٍ أو حدوث زلزلة يتسبب فيها خَطُّ الصَدْع قد يؤدي في مدة قصيرة جدًّا إلى حدوث خسائر خطرة وحقيقية في هذا المعلَم الخالد الرائع.

لكم أن تتخيّلوا أيضًا أثرَ التعمير والتخريب في بنية الإنسان؛ فمثلًا قد تتناولون السمّ مع الطعام فيؤثر ذلك في خلايا المخ لديكم لدرجة أنكم تشعرون بانعدام التوازن في حالتي النوم واليقظة وهذا بدوره قد يستدعي أن تخضعوا لفترة علاجية طويلة كي تتخلّصوا من تأثير ذلك السُّم فتتعافوا وتستردّوا توازنكم وصحتكم.

موجة جذرية

وهكذا تعرّض مجتمعُنا قبل قرنين أو ثلاثة قرون لتخريبات خطيرة، حتى صارت كلُّ ناحية فيه تبدو وكأنها خرابة، وتوصيفًا لهذا الوضع يقول عبد الحق حامد[2] في أحد أشعاره ما ترجمته:

أوَّاه! لم تبق أرض ولا حبيب * وملأ قلبيَ الحزنُ واللهيبُ

كما يُعبر ضياء باشا[3] أيضًا عن ذلك الوضع بما ترجمته:

أوَّاه! لقد خسرنا تلك اللعبة * فماذا ربحنا لست أدري والخسارةُ بينة؟!

أما محمد عاكف أرصوي[4] فقد رسم تلك الحالة وشخصها بما ترجمته:

أوَّاه! بإيمان بضعة كُفّار خُدِعنا * فاستغرقنا في نومٍ عميقٍ إذا بنا في الجحيم استيقظنا

ولذلك فإن إعادة إحياء وإصلاح مجتمع ضاع فيه الدينُ وخرب الإيمان وانهارت القيم واحدة تلو الأخرى، يتطلّب جهدًا حقيقيًّا وسعيًا حثيثًا.

وإن القدرة على إقامة هذا الصَّرحِ الذي تصدّع وانكسر وتحطم وتشتتت أجزاؤه المباركة يمنة ويسرة بشكلٍ يتوافق مع هويته الأصلية الحقيقية مرهونٌ بجهودِ وسعيِ رجال الغاية السامية الذين يُضحّون بمتعهم المادية والمعنوية وسعادتهم الشخصية؛ ذلك أنه “بِقَدْرِ الكدِّ تُكْتَسَبُ المَعَالِي”، ولمزيد من التوضيح نقول: إنَّ الحصولَ على التوفيق ماديًّا ومعنويًّا ونيلَ المعالي وتتويجَ النصر بالنصر مرهونٌ بالجهد والسعي الذي سيُبذل في هذا الموضوع، وباستخدام ذلك في المكان والاتجاه المناسبين الصحيحين، وعلينا ألا ننسى أنّه ليس ثمة حركة لا تبدأ من الجذر ولا ترتبط به يمكنها أن تكون واعدة ومبشّرة وثابتة فيما يتعلق بإصلاح المجتمع وانبعاثه من جديد، فكم من حركاتٍ بدأت عملها بتبختر وخيلاء تعثّرت وانقطعت بها السُّبُلُ بعد بضع خطوات خَطَتها للأمام، وانحنت ظهورها ثم ظل كلٌّ منها مجرّد حلمٍ واهٍ ورؤيا محطمة! وقد يكون للسياسيين والإداريين إسهام معين في عملية تهيئة مناخ ملائم لإصلاح المجتمع وإزالة العوارض والعوائق التي تعترض طريقه؛ فيتسبّبون بفضل جهودهم ودعمهم في دفعِ عجلة الإصلاح، فيستحقون التقدير والثناء على ذلك، غير أن مما يجب فعله في الأساس من أجل التعمير والإصلاح هو التعاملُ مع المسألة وتناولها من أساسها ومن ثم التوسّع على مستوى القاعدة، وعليه يجب البدء بالعمل من الأساس والشروع فيه “بسم الله”، وعلينا أن نعرف أن إصلاح المجتمع يتأتّى من إصلاح الأفراد، وأنه يستحيل إصلاح المجتمع أصلًا ما لم يتم إصلاح كلّ لبناته ووحداته.

مُصلِحون تخلّوا عن المتع المادية والمعنوية

وهكذا يجب على المصلحين الذين تفرّغوا للإصلاح والتعمير أن يتحركوا في هذا الإطار بروح التضحية والفدائية مدى الحياة، كي يتمكنوا من الوصول إلى الهدف المنشود في هذا الطريق، لأن المشاريع الكبرى عندما ارتبطت بالمصالح الشخصية أو العائلية لم يحالفها النجاح قطعًا، وبغض النظر عن التوفيق والنجاح في الأمر فقد شُوِّه اسم تلك الغاية السامية؛ فكانت النتيجةُ هي الخسارة في وقت هو أدعى للكسب؛ إذ إنَّ أية سياسة أو حكم أو إدارة أو كيان أو مؤسسة أو شركةٍ تدور على المنفعة والمصلحة الشخصية تتحوّل إلى وحشٍ رهيبٍ؛ حيث يسعى كلٌّ منها في مثل هذا الموقف إلى تشويه الآخر، فما إنْ تدخل المصلحة والمنفعة الشخصية في الأمر حتى تبدأ مراكز القوى تتصارع مع بعضها البعض، ومن ثمَّ لا يتحقق أيُّ نوعٍ من التقدّم لصالح المجتمع وتطوّره، ويتقدّم الآخرون وتعجزون أنتم عن التخلّص من وصايتهم وسيطرتهم، والسبيلُ للتخلص من تلك الوصاية هو العمل الدؤوب من أجل أمتكم والإنسانية جمعاء دون توقّفٍ ودون تشوفٍ لأيّ شيء آخر سوى رضا الله تعالى فحسب.

وينبغي لمن يحملون رسالةَ الإحياء على عاتقهم أنْ يسعوا في سبيل تنفيذِ المشاريع والخطط الكبرى، بل يجب أن تستهدف خططُهم الأجيال التي ستأتي بعد خمسين أو ستين سنة، فعلى الإنسان أن يحسن استخدام القابليات والملكات العديدة التي لا تسعها الآفاق والتي منَّ الله تعالى عليه بها، وعليه ألا يضيع تلك القابليات والاستعدادات التي لديه بأن يحبسها في مجال ضيّق، كما يجب عليه ألا يكتفي أبدًا بأيّ عمل أو نشاطٍ يبذله في سبيل الحقّ، وعليه في كل مرحلة من المراحل أن يبحث بمختلف السبل المشروعة عن طرقٍ للانفتاح على كل أنحاء العالم.

وينبغي ألا يُساء الفهمُ فيُظن أنَّ الهدف من وراء هذا الانفتاح هو تقويض إمبراطوريات وإقامة أخرى مكانها باحتلال العالم والسيطرة عليه؛ فليست لهذه الفكرة أية علاقة بمثل ذلك الظن، بل على العكس فإنّ المقصد الأساسَ هنا هو إقامة علاقات جوارٍ سليمة وقوية وحميمة مع مختلف شعوب العالم، والاستفادةُ مما لديها من أمورٍ قد تتوافق معنا، ومحاولة إبلاغ القلوب هناك مجموعة من القيم والأفكار الإنسانية التي نسعى إلى تمثيلها وهي أسمى من “الفلسفة الإنسانية”؛ فنحن نعلم أنّه سيستحيل العيش في هذه الدنيا وتصبح جحيمًا لا يُطاق إنْ لم نؤسّس علاقات جوار وثيقة على ذلك النحو في عالم اليوم الذي ظلّ يتقلص ويتضاءل تحت تأثير العولمة إلى أن أصبح قرية صغيرة، وإن لم نتلاحم مع تلك الشعوب فسوف يستمرّ حكم واستبداد الظالمين الذين دأبوا على ممارسة العنف والوحشية وإثارة الفتنة بين الناس، وأقاموا خططهم على قتل الناس والانقضاضِ على مواقعهم ومناصبهم غير أنه يجب ألا ننسى أنّ هذه الدنيا العجوز صارت لا تتحمل مثل هذا العداء الذي يقوم على الحقد والكره والبغضاء، ولا الأسلحةَ الفتاكةَ المدمرةَ التي هي نتيجة طبيعية لذلك العداء، فإن لم يُقْطَع السبيلُ أمام موجات الغضب والكره هذه بإقامة جسور المحبة والتسامح والحوار فلا مفر من وقوع حوادث مرعبة تعمّ البشرية جمعاء، فتقوم على إثرها قيامتها.

وعليه فإنَّه ينبغي لنا أن نختار طريق التعمير والإصلاح والأخوّة وإحياء الآخرين، وأن نتوكّل على الله حتى وإن تعرضنا في سبيل هذا للتهديد بالقتل، وأن نواجه الحوادث العابسة في الظاهر بوجه طَلْقٍ ونفسٍ راضية، وأن نتخلَّى عن متع الحياة ولذائذها إذا لزم الأمر من أجل خلاص الإنسانية ونجاتها، علاوة على ذلك فإنّ الإمكانيات التي وهبها الله تعالى لنا للخدمة في سبيله علينا أن نربأَ بأنفسِنا عن استخدامها من أجل الحصول على أية منفعة دنيوية خاصّةٍ، إذ إنه من القبيح والمقيت بالنسبة لمن تعهّدوا بإحياء عالمٍ عظيمٍ مجدّدًا أن يتصرَّفوا وفقًا لمصالحهم الشخصيّة، فهذا لا يمكن أن يتّفق مع القيم الإنسانية، بل يمكن القول إنّه ينبغي لنا أن نعتبر الانشغالَ حتى بالجنة إساءةً لغايتنا السامية؛ إذ ينبغي لنا أن نطلبها من فضل الله تعالى، وعلينا أن نفعل كلَّ ما في وسعنا من أجل إثارة هذا الشعور في أجيال اليوم، لأن من سيغير وجه الدنيا إلى الأفضل هم الأفذاذ الأخيار الذين يمثلون هذا الشعور.

المفتاح السحريّ للقلوب هو المحبة

يُعتبَرُ الهمُّ من المقومات اللازمة لإنتاج مشاريع التعمير والإصلاح وتنفيذها، ومن يمكَّن منه هذا الشعور فلن يُحرم ولن يعاني -بإذن الله تعالى وعنايته- في الحصول على ما يأمله من أجل التعمير، وبناء عليه هلمُّوا بنا جميعًا نطلب من الله تعالى أن يرزقنا همَّ التفكير في الأمة… وهمَّ التفكير في العالم الإسلامي الذي خارت قُواه.. ولنتضرع إلى الله تعالى قائلين: “اللهم اقدح الهمَّ في قلوبنا مثل الشَّرَر!”، ولنفكر في مشاكل الإنسانية جمعاء أينما وكيفما نكون، ولنبحث عن حلول لها.

ومع أنَّ الدين يقوم على قاعدة اليسر إلا أنَّ مهمة مهندسي العقل والفكر في هذا الموضوع صعبة جدًّا، فعليهم أن يعملوا ويجتهدوا بكل طاقاتهم، لأنّ هناك أناسًا كثيرين يقتدون بهم، يحدقون فيهم ويصغون إليهم وقد يتحركون تحت تأثير الحالة النفسية الجماعية، فيجب عليهم التفكير في “الإحياء” أكثر من “الحياة” وعليهم أن ينسجوا حياتهم حول محور هذه الغاية، ولا بد من إعلاء الهمّة وشحذِها جيدًا في هذا الشأن، والنظر إلى القضية على أنها قضية الإنسانية جمعاء، فإن لم تستطيعوا أن تضعوا لَبِنَةً في كل مكان من أجل غايتكم السامية عجزتم أن تكونوا حيث تريدون وأن تحقّقوا الإصلاح الذي فيه ترغبون، وحُرِمتُم من المكان الذي يجب أن تكونوا فيه، وعليه فإننا مطالَبون ومضطرّون إلى أن نتحرك كأناس عالميّين.

وعلينا ونحن نضطلع بهذا ألا نتخلّى عن اللين والرفق أبدًا، وأن ندخلَ في القلوب باستخدام لغة الحبّ والمودة، لأنها مفتاحٌ سحري لا يستعصي عليه أيّ قفلٍ مهما كان صدِئًا، فربما تنفتح لكم كل الأبواب الموصدة إذا استطعتم استخدام تلك اللغة بشكل صحيح، وتدخلون في جميع الصدور المتمردة، وقد قيل في أحد الأمثال إنّ “الكلمة الحلوة تُخرج حتى الثعبان من جحره”، وكما أنّ حركات عازف الناي أو الصوت الذي يصدره تجعل الثعابين تتراقص فإنني أحسب أن بعض التصرفات والسلوكيات الروحانية ستذيب بعض مشاعر العداء، وكما قال القرآن الكريم ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (سورة فُصِّلَتْ: 34/41) وعندها ستنشرح لكم صدورُ من يعادونكم، ويقولون لكم: “كنا في انتظاركم منذ أمد بعيد”.

ما منحه الله سابقًا أكبرُ برهان على أنه تعالى سيظلّ يَمنحُ ويَهبُ

إنَّ أجيال عصرنا لا يقدِّرون المسألة حقَّ قدرها، ومع هذا فإنّ التعمير والإصلاح الذي ستضطلع به القلوب المؤمنة يعني إصلاحَ الأرض قاطبة، ذلك أن من كانوا قبل اليوم بحوالي ثلاثين سنة ما كانوا يستوعبون ما سيقوم به فدائيُّو المحبة المنفتحون على مختلف أنحاء العالم يومًا ما، غير أن المنصفين يقدرون اليوم تلك الخدمات التي يضطلع بها مَنْ سافروا إلى ما يقرب من مائة وسبعين دولة في العالم، ولذلك فربما تتعذّر الآن رؤية المستقبل المتوقّع بعد حوالي خمس وعشرين أو ثلاثين سنة، فإن تم الحفاظ على الصفاء والصدق المتوفر في أول العمل وعلى القِوَام والمنهَج والإبقاء على روح التضحية والفداء وعدم التشوّف لأي شيء فيُتوقع أن تعيش الأرض قاطبةً انبعاثًا جديدًا فريدًا.

كذلك ينبغي لنا ألا ننسى أن بعض الخدمات التي استعمل الله تعالى لها أناسًا أدَّوها في الماضي حقّ الأداء فَمنَّ عليهم بالنجاحات المتعددة لَتُعتَبَرُ هي أكثر الأدلة والبراهين إقناعًا وتأييدًا للخدمات التي سيستعمل فيها آخرين والنجاحات التي سيوفقهم إليها مستقبلًا، فليس ثمة عائق يحول دون أن تتحقق اليوم وغدًا أيضًا تلك الأمور التي تحققت بالأمس، غير أنّ المهم هو أنْ نتمكن من أدائها على النحو الذي قدمه سادتنا الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وأن نتمثل القوام والمنهج الذي تمثلوه، وأن نكون فاعلين ونشطين دون أن نَبْلَى أو نَضعُفَ، وأن نتمكنَ من إنتاج المشاريع دائمًا، ونستخدم جميع الإمكانيات التي لدينا من أجل تنفيذ هذه المشاريع والخطط.

 

[1] المِعماري سِنان (895-996هـ/1489-1588م): هو أشهر معماري عثماني، عاش في القرن العاشر الهجري في أوج العصر الذهبي للعمارة العثمانية.

[2] عبد الحق حامد طرخان Tarhan (1356-1267هـ/1851-1937م): أديب وشاعر تركي.

[3] ضياء باشا Ziya Paşa (1880-1825م): شاعر تركي، كان من دعاة التجديد، له ديوانان “ظفرنامه” و”خرابات” في ثلاثة مجلدات.

[4] محمد عاكف أَرْصُويْ Ersoy (1936-1873م): من أكبر شعراء الأدب التركي المعاصر، وهو ناظم النشيد الوطني التركي.

أربع خصال تسلتزم إرادةً قويةً

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: وردت في كتاب “المُنَبِّهات”[1] عبارةٌ تُنسَبُ إلى سيدنا عليّ رضيَ الله عنه يُقالُ فيها: “إِنَّ أَصْعَبَ الأَعْمَالِ أَرْبَعُ خِصَالٍ: العَفْوُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَالجُودُ فِي العُسْرَةِ، وَالعِفَّةُ فِي الخَلْوَةِ، وَقَوْلُ الحَقِّ لِمَنْ يَخَافُهُ أَوْ يَرْجُوهُ”[2]؛ فما ماهية هذه الخِصال الأربعة وما يُرجى لِلمتخلِّق بها من ثواب؟

الجواب: عندما نُمعِنُ النظرَ فيما يُنسَبُ إلى سيّدنا علي كرّم الله وجهه من عباراتٍ رصينة وأسلوبٍ جزلٍ ولغة فريدة تتجسّد في “نهجِ البلاغة” مثلًا؛ يجولُ في خاطرنا أنه من الصعب إطلاقُ مثل تلك العبارات المليئة الفضفاضة التي تتطلب مرجعيةً ثقافيةً ذات مصادر جمة، سيّما في عصرٍ حديثِ عهدٍ بالجاهلية، وذلك لما تحمله في طيّاتها من مصطلحات ومفاهيم ومضامين خاصّة بشتّى مجالات العلوم والفنون على الرغم من أنّ الدراسات المتعلّقة بالبلاغة واللغة لما تتطوَّرْ بعدُ بمعناها التام.

وهذا يدفعنا إلى القول بأنَّ هناك ثلاثة احتمالات في نسبة هذه الأقوال إلى سيدنا عليّ كرم الله وجهه:

الأوّل: أن يكون سيدنا علي رضي الله عنه هو القائل الحقيقيّ لتلك النوعية من العبارات، كأثرٍ من آثار إلهاماته الخاصّة، ولا سيما حينما يُؤخَذُ بعين الاعتبار أنَّه رضي الله عنه منفتحٌ على المعنويات، وفيرُ الإلهامات، له سماته الخاصة التي تكمن في كونه رأس “سلسلة الولاية”. 

الثاني: ثمة احتمالٌ ثانٍ، وهو أنَّ بعض الناس ممن كانوا في القرنين الثالث والرابع الهجريّين اللذين ظهرت فيهما العلوم، وتكوَّنت المصادرُ الخاصةُ بمختلف مجالات العلم؛ هم مَن قالوا تلك الأقوال ثم نسبوها إليه رضي الله عنه.

الثالث: وكما يُحتمل أنْ يكون بعضُ الأشخاص ممن عاشوا في تلك الفترة التي تحددت فيها أسماء المسميات واستقرّت المصطلحات هم الذين نسبوا إليه رضي الله عنه العبارات الجميلة التي قالوها هم؛ فهناك احتمالٌ آخر، وهو أنَّهم أَثْرَوا بعض العبارات الجميلة المأثورة عنه كرَّم اللهُ وجهَه بمفاهيم ومضامين عصرهم فأضفوا عليها صفة المصطلحات المنضبطة وتحدثوا بها على لسانِه رضي الله عنه.

 ولَمَّا كان القطعُ بصحة نسبة تلك العبارة إليه رضي الله عنه من عدمه أمرًا غيرَ يسير؛ فحريٌّ بنا أنْ نقول حيال هذا الأمر “الله أعلم”، وننتقل إلى موضوع ماهيّة تلك الخصال الأربع المذكورة في السؤال.  

تقول العبارة: “إِنَّ أَصْعَبَ الْأَعْمَالِ أَرْبَعُ خِصَالٍ”، والحقيقة أن لكل عمل صعوبةً ومشقّةً معينةً بحسب طبيعته؛ فعندما ننظر إلى مجموعة من العبادات والتكليفات الإلهية التي كُلّف بها الإنسان مثل وضوئه للصلوات الخمس يوميًّا، وإقامته الصلاة، وصومه مِن الصباح حتى المساء، ولا سيما في أيام الصيف الطويلة، وإنفاقه المال الذي يكتسبه بعرق الجبين، وأدائه فريضة الحج، ومراعاته حقوق والديه لدرجة ألا يَعبِسَ في وجهيهما ولا يقول لهما ولو حتى “أُفٍّ”؛ يتبين أنَّ لكلِّ واحدٍ من هذه الأعمال مجموعةً من الشدائد والمشقّات الخاصة به، وأظن أنّه لا يستطيع أحدٌ أبدًا أن يُثبِتَ سهولة القيام بتلك الأعمال والعبادات المذكورة آنفًا، ولذلك فإن العبارة السابقة أعلاه تلفت الانتباه إلى تلك المسائل الأربع التي يعتبرها الأصعبَ من بين مختلف الأعمال والخصال.

  1. اَلْعَفْوُ عِنْدَ الْغَضَبِ

أوّلُ تلك الخصال هو “اَلْعَفْوُ عِنْدَ الْغَضَبِ”، والحقيقة أن قدرةَ الإنسان على كظم غيظه لحظة ثورانِ غيظه وتفجُّرِ غضبِه، ومن ثمَّ قدرتَه على العَفو لَتُمَثِّلُ واحدًا من تلك الأعمال التي ركّز عليها القرآن الكريم أيضًا وحثَّ على فعلها؛ ومن ذلك مثلًا قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 134/3)، فيبيّن لنا أنَّ القدرةَ على العفو بالتغلّب على الغضب مِنْ صفات المتقين، ويدعو للتأمّل في أنَّ كظمَ الغيظ وكبحَ جماحه أمرٌ صعبٌ ربما يُشبه في صعوبته بلعَ زهرة الصبّار ذات الأشواك، ولا ريب أن ثواب إنسانٍ ينجح في القيام بعملٍ كهذا سيكون أضعافًا مضاعفة بحسب تلك الصعوبة التي يعانيها.

يسهل على الإنسان أن يعفو ويصفح حينما كان محبوبًا ومعتبرًا بين الناس لا يزعجه ولا يُعكّر مزاجه وصفوَه أيُّ شخصٍ، ولكن المهارة الحقيقيّة تكمن في كيفية مواجهته الإزعاجَ أو المضايقة أو المجافاة الموجهة إليه من الآخرين، وأن يتحكّم بإرادتِه، فلا يردّ بالمثل بل يُقابل ذلك بالعفو؛ إذ إن الإنسان ليس كالبهائم والأنعام إذا ما نطحه آخر سارع بِنَطحِه اقتصاصًا لنفسه؛ واللهُ جل جلاله لم يترك نقصًا ولا عيبًا ولا فراغًا على الإطلاق عندما زوَّدَ الإنسان وجهَّزه للسيرِ في الطريق المؤدية إلى الكمال.. لقد خلقه في أحسن تقويم، ومنحه إرادة يستطيع في ظلها أن ينهض بأثقل الأعباء والأعمال شريطةَ حُسنِ استعمالها، بل ويستطيع أن يهزم غضبه وغيظه وينتصر عليه، ويسحقه تحت قدميه.

ومن المعلوم أنَّ معنى العفو لغةً “المحو”، أي إنَّكم تتجاهلون مجموعةً من تصرفات الآخرين وسلوكياتهم التي تُزعجكم وتُغضبكم، وكأنكم تشطبونها وتمسحونها تمامًا.. فالعفوُ هو ألا تسمحوا لتلك النوعية من السلبيات أن تُحفَر في أذهانكم وتؤثّر في أعصابكم، بل تمحونها وتمسحونها من ذاكرتكم على ألّا تتذكروها مرة أخرى حتى وإنْ تكاثرت عليكم لدرجة أنَّها صارت تُزعجكم وتُؤَرِّقكم، وتصرُّفُكُم على هذا النحو عملٌ يصعب إنجازه حقًّا، غير أنَّه حين تكون طبيعةُ الإنسان مهيّأةً لنسيان الشرور والاعتداءات التي تعرَّض لها فإن ذلك يؤدّي إلى نتيجة وفائدة عظيمة؛ فمن المحتمل أن عفوه وصفحه عن الآخرين يرفعان عنه حزمة من الابتلاءات وصنوف الغضب الإلهي، فيحظى بالعفو الإلهي كثمرة لذلك.

  1. الْجُودُ فِي الْعُسْرَةِ

“وَالجُودُ فِي العُسْرَةِ”: هذه العبارة تؤكّد على أهمية البذل والعطاء وصعوبته على الإنسان حين يتلوى في لجة الأزمات والفاقة؛ إذ إن الغنيّ الذي لا ينقص الجودُ من ماله شيئًا يُذكر يسهلُ عليه الكرمُ والسخاء، فماذا عساه أن يُضِيرَ إنسانًا إنفاقُه ليرةً واحدةً فحسب من ألفِ ليرة يملِكُها؟! إن المهم أساسًا هو بذلُ الإنسان وجُودُه في وقت الشدة والحاجة، فكما أنَّ قدرة الإنسان على العفو أثناء غضبه هي بمثابة استجداء لاسم اللهِ “العَفُوّ” سبحانه وتعالى؛ فإنَّ كرمَه وسخاءَه في ساعة الضيق والشدة استجداءٌ لاسم الله تعالى “الجواد” أيضًا.

نرى في هذه العبارة أيضًا شَدّ الانتباه إلى شعور الإيثار؛ لأن الإيثار -في أحد صوره- هو أن يعطي الإنسان طعامه وشرابه إلى غيره بينما هو جائع عَطِشٌ تمامًا، وفي هذا يقول الله جل جلاله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (سُورَةُ الْحَشْرِ: 9/59).

ويوم اليرموك! وما أدراكم ما يوم اليرموك! يوم أن ارْتُثَّ[3] من ساداتنا الصحابة الكرام في هذه الحرب كلٌّ من الحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وعياش بن أبي ربيعة رضي الله عنهم أجمعين فَدَعَا الْحَارِثُ بِمَاءٍ يَشْرَبُهُ، فَنَظَرَ إليهِ عكرِمَةُ، فَقَالَ الحارثُ: ادفَعُوه إِلى عكرِمَةَ، فَنَظَرَ عَيَّاشُ بنُ رَبِيعَةَ، فَقَالَ عِكرِمَةُ: ادْفَعُوهُ إِلى عَيَّاشٍ، فما وصلَ إلى عياشٍ ولا إلى أحَدٍ مِنهُم حتَّى ذاقوا طعمَ الشهادةِ وما ذاقوا الماءَ رضي الله عنهم أجمعين[4].

وهكذا طافت قربة الماء بالصحابة الثلاثة واستشهدوا جميعًا دون أن يكون لأي منهم نصيب في رشفة ماء منها، وهذه الحادثة تضربُ أروع الأمثلة على خُلُقِ الإيثار وتفضيل الآخرين على النفس، والعيشِ تحلّيًا بخلق الإحياء والتمسك بالقيم الإنسانية الحقيقية.

  1. الْعِفَّةُ فِي الْخَلْوَةِ

نعم، إن “الْعِفَّة فِي الخَلْوَةِ” أي أن يتحلى الإنسان بالطُّهْر والعفاف في حالة الخلوة والعزلة والبعد عن عيون الناس مع إمكانية ارتكاب الذنوب والآثام ثالثُ الأعمال التي يصعُبُ تحقيقها.

وقد تحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبعةٍ يُظلهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلّه؛ وعَدَّ من بينهم: “رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ[5].

ومن السهل -نوعًا ما- أن يبدو المرء عفيفًا وهو بين الناس، لأنه من الصعب للغاية عليه أن يرتكب ذنبًا وهو بين ظهرانيهم يراقبونه ويراقبهم، وينظرون إليه وهو ينظر إليهم، غير أنّ صمودَ مَنْ يجد نفسه واقعًا في دوامة الذنوب، ومِنْ حوله مجموعة من الفتّانين والمُغريين تحاول تضليله وإغواءه، وقدرتَه على المقاومة والصراخ في وجه ذلك قائلًا: “مَعَاذَ اللهِ” وتحلّيَه بالعفّة مستخدمًا إرادته ومسيطرًا على نفسه حتى يصبح رمزًا للعفّة كسيدنا يوسف عليه السلام، وتصدّيَه بوضوحٍ وحسمٍ لذلك الذنب الذي يُلوّث الأنظار ويشوّش العقول أمرٌ صعب للغاية؛ فصمودُ الإنسان على موقفه رغم ما يعرض له من مواقف سلبيّة ومشينة، وثباتُه عليه كالجبلِ الشامخ الشاهق الذي لا يتزعزع يستلزم إرادةً فُولاذيّة حقًّا، ولا ريب أنَّ ثواب مَنْ سيتغلب على مثل هذه الصعوبة سيكون عظيمًا بقدر عِظَم تلك الصعوبة، إذ “إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ[6].  

وَقَدْ رُوِيَ في الأثر أَنَّ شَابًّا كَانَ يَتَعَبَّدُ فِي الْمَسْجِدِ، فَهَوِيَتْهُ امْرَأَةٌ فدعته إلى نفسها، فما زَالَتْ بِهِ حَتَّى كَادَ يَدْخُلُ مَعَهَا الْمَنْزِلَ، فَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 201/7)، فَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَأَعَادَهَا، فَمَاتَ، فَجَاءَ عُمَرُ فَعَزَّى فِيهِ أَبَاهُ، وَكَانَ قَدْ دُفِنَ لَيْلًا فَذَهَبَ فَصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ بِمَنْ مَعَهُ، ثُمَّ نَادَاهُ عُمَرُ فَقَالَ: يَا فَتَى ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (سُورَةُ الرَّحْمَنِ: 46/55)، فأجابه الْفَتَى مِنْ دَاخِلِ الْقَبْرِ: يَا عُمَرُ قَدْ أَعْطَانِيهِمَا رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فِي الْجَنَّةِ مَرَّتَيْنِ[7].

وتلك الحادثة أيضًا تُبيّن أن قدرةَ إنسانٍ اختلى مع الحرام على أنْ يصون عفّته أمرٌ صعبٌ غالٍ مهمّ للغاية، غير أنَّه للأسف ثمة بضعة عصور مضَتْ وانقضَتْ وطَوَت معها كمًّا من قِيمنا النبيلة، كما أنها دمرت فكرةَ العفّة لدينا تدميرًا، فتردّينا وانحططنا؛ إذ هيَّأ البعض بيئتنا لفساد الأخلاق وسيِّئِها عبر توفيره كل إمكانيات الفساد وسوء الأخلاق مستترًا بستار الحرّية، ونحن نؤمن بأن الله تعالى يُنعم ويمُنُّ بألطافه وفضله على مَنْ يُحافظون على عفّتهم وحيائهم في يومنا هذا برغم كل الصعوبات، وأنه سيُشرّفهم بالجنتين، ويتَوِّجُهم برضاه ورضوانه ورؤيته سبحانه وتعالى.

  1. قَوْلُ الْحَقِّ في وقت الشدّة

آخرُ تلك الأعمال الصعبة هو “قَوْلُ الْحَقِّ لِمَنْ يَخَافُهُ أَوْ يَرْجُوهُ”، وهذا يعني أن يقول الإنسانُ الحقَّ دون خوفٍ ولا وَجَلٍ في وجه من يُخشى منه أو يُبتغى منه منفعة، فإن لم يستطع الإنسان النطقَ بالحقّ أو الصمود حين يُمَنَّى بمجموعة من النعم والمنافع والوعود الزائفة يُكبِّلْه أصحابُ السلطة والقوّة ويقيّدوه بالسلاسل يومًا ما، ويجعلوه عبدًا لا سبيل لانعتاقه، ثم يجبرونه على فعل كل ما يريدون، وكما هو ثابتٌ ومشاهَدٌ في محافلَ شتى في يومنا هذا فإنّ الخوف عاملٌ يكبح الإنسان ويلجمه بينما يسعى ويجري في سبيل الحق، ويَشُلُّ إرادته ويقيد يديه وذراعيه بل يجعله مهيض الجناح.

ومثل ذلك ما يرجوه المرءُ من منافع لدى الإداريين والحكام الظلمة، فإن ذلك يُرديه في دركة الشيطان الأخرس، ويتسبّب في تضليله وارتكابه أعمالًا خاطئة وتزييفه الحقائق عمدًا، وما أكثر الأمثلة التي نشاهدها اليوم! وما أشدّها إيلامًا! فهناك الكثير ممن يُغيّرون اليوم ما قالوه بالأمس؛ فيُصرّحون بضدّه تمامًا، بسبب مجموعة من الامتيازات التي تُمنح لهم، أو بسبب تشوفهم إلى بعض الأماني والمنافع، أو ربما بسبب الخوف والقلق الذي سيطر عليهم؛ فهم يتغيرون بتغيّر الظروف والأحوال كما تفعل الحرباء تمامًا؛ فيرتكبون جرائم تقضي على حياتهم الدنيوية والأخروية على حدّ سواء؛ ويعيشون غالبًا حياة الأسرى والعبيد مقابلَ مجموعة من الوعود، ولا يستطيعون التحرك بحُرية أبدًا، بل ولا أنْ يكونوا أحرارًا أصلًا، وهكذا ففي عصرٍ سادت فيه المنفعةُ والخوفُ فإن البطولة الحقيقية تكمنُ في قولِ الحقِّ والثباتِ عليه، ومما لا شكّ فيه أنّ ثواب تلك البطولة في الآخرة سيكون بحسب حجمها وعظمها.

والحاصل أنَّ ثواب الأعمال وجزاءها يختلف بحسب الزمان والمكان الذي تتحقق فيه؛ فتَسَبُّبُ عملٍ صعبٍ وشاقّ في مضاعفةِ الثواب مرهونٌ بإخلاص النية، وعدم الشكوى لا صراحةً ولا ضمنًا، وبتعبير آخر: يجب على الإنسان وهو يُنجز عملًا شاقًّا ألا يشكو من الصعاب التي يتعرّض لها، بل عليه أن يصبر بالرغم من كل شيء، وألا يَسُبَّ القَدَرَ، وأنْ يُنجز ذلك العملَ رغبةً فيه ورضًا به كي يحصل على ثوابٍ بقدر المشقّة التي يتعرض لها من القيام بذلك العمل.

 

 

[1] وهو الكتاب المسمى بـ”المنبهات على الاستعداد ليوم المعاد” أو “الاستعداد ليوم المعاد“، قد ينسب إلى الحافظ ابن حجر العسقلاني غير أن في نسبته إليه أقوالًا وخلافًا.

[2] ص 40.

[3] ارْتُثَّ فلان: ضُرِبَ في الحرب فأُثْخِنَ وحُمِلَ وبه رَمَقٌ ثم مات.

[4] الحاكم: المستدرك على الصحيحين، 270/3؛ البيهقي: شعب الإيمان، 143/5؛ ابن عبد البر: الاستيعاب، 1084/3.

[5] صحيح البخاري، الأذان، 36؛ صحيح مسلم، الزكاة، 91.

[6] سنن الترمذي، الزهد، 57؛ سنن ابن ماجه، الفتن، 23.

[7] ابن عساكر: تاريخ دمشق، 450/45؛ ابن كثير: تفسير القرآن، 483/2.

أسلوب الإرشاد وتأثيرُ الكلمة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما الذي يجب مراعاته أثناء قيامنا بوظيفة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” حتى لا نتسبب في دمار وهدم أثناء البناء؟

الجواب: إنّ مهمة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” التي ذكرت في مواضع مختلفة من القرآن الكريم هي السمة والعلامة الفارقة المميزة لخيرِ أمة عن غيرها من الأمم؛ وقَولُ الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 110/3) بشارة لنا في هذا الصدد، كما أنَّه يُذكِّرنا في الوقت نفسه بمهمّتنا ووظيفتنا السامية المقدسة تلك؛ إذ يُخاطب القرآنُ معجزُ البيان القلوبَ المؤمنة مُبيِّنًا لها أنّها لم تُخرَج من أجل المسلمين فحسب، بل من أجل الناس قاطبة، فهم مكلفون بتعليم القيم الإنسانية للبشرية جمعاء، والواقع أنهم لم يُجبلوا على هذا الشعور بإرادتهم المحضة؛ بل إنَّ الله جل جلاله هو الذي شرح صدورهم للإنسانية، ووضعهم على الساحة وهيّأهم لأداء السيناريو الذي قدره.

وعليه فينبغي للأمة المحمدية أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر كي تستطيع الوفاء بالأمانة التي حملَتْها وتؤديَ الواجب الذي كُلّفت به تامًّا غير منقوص؛ والحقيقة أنَّ اختلافها عن غيرها من الأمم السابقة مرهونٌ بأدائها تلك الوظيفة.

المعروف والمنكر

المعروف: اسمٌ لكلِّ شيء وفِعْلٍ أمر به الدينُ وقَبِلَه العقلُ والحسّ السليم وارتضاه الضمير ففتح له أبوابه، وتقديمُ ذكر الأمر بالمعروف على النهي عن المنكر في الآية الكريمة أمرٌ مهمٌّ؛ وبناءً على ذلك لا بد أن ينتبه المؤمن إلى ألا يقول إلا معروفًا، وأن يعطيَ الأولوية إلى الحديث عن الجماليات والمحاسن أكثر من المنكرات والمساوئ؛ وعليه أثناءَ ذلك كله أن يضبط أسلوبه ضبطًا جيّدًا، وأن يُحدِّد مسبقًا بتأنٍّ ودقّة شديدة إلى مَنْ وبأي شكل وبأي أسلوب سيُقدم المعروف.

أما المنكر: فهو كل ما حرمه الدين ورفضه العقل السليم واعتبره ضارًّا، واستنكره الحس السليم، وأغلق الضمير أبوابه دونه، وعلى المؤمن إلى جانب الأمر بالمعروف أن يسعى للنهي عن المنكر ويجتهد للحيلولة دون رضوخ الناس للخطإ، واندفاعِهم إلى عالم المجهول بتأثير إحدى التيارات الجارفة، ومن ثم يغرقون في بحر لُجّيٍّ عميق، وعليه أن يكشف عن الوجه القبيح للظلم فيرُدَّ الظالم عن ظلمه، وأن يفضح الوجه المقزز للفسق والفجور فينهى الفاسق عن فسقه، ويُعرّي الوجه المرعب القبيح للكفر فيُثْنِيَ الكافر عن كفره، وبالطبع لا يفعل هذا بالكلام فحسب، بل عليه أن يعبر عنه بلسان حاله وتصرفاته بالدرجة الأولى، وأن يثير الاشمئزاز والتقزّز في قلوب مخاطبيه تجاه البوهيمية والشر والفحشاء، ويسعى لإبعادهم عن مثل تلك الأخطاء والذنوب.

ضرورة البعد عن تصوير الباطل

غير أنه يجب على المؤمن حين يعمل على كشف الوجه القبيح للمنكر ألّا يُظهر أنَّ المنكرَ قوي ومتألق، وإلا فقد يتكوّن لدى مخاطبيه نوعٌ من الميل والتقرّب إلى المنكر دون أن يشعر هو بذلك قط، وحريٌّ بنا أن نذكر هنا تحذير الأستاذ بديع الزمان في هذا الشأن؛ إذ يقول: “إن تصوير الأمور الباطلة تصويرًا جيّدًا جرحٌ للأذهان الصافية وإضلال لها”[1]. أجل، إنَّ الإنسان قد ينوي النهي عن المنكر فيرسمه بشكل يوقظ في مخاطبيه تطلُّعًا إليها أو غبطة لها، وهذا الخطأُ لا يُرتكب بالقول والكلام فحسب؛ فكما يحتمل أن يشوش الأذهانَ ويعكرَ صفوها إنسانٌ يعظ أو ينصح الناس أو يُحاضر فيهم في مكان ما بما يقوله من كلام فإنَّ مَنْ يصور فيلمًا أو مسلسلًا قد يقع في الخطإ نفسه بما يعرضه من مشاهد على الشاشة، وإن كان هؤلاء قد استهدفوا من وراء فعلهم ذلك تصويرَ الجانب القبيح من الباطل في ضمير المجتمع فقد يوقظون بفعلهم هذا -دون وعي- شعورًا بالغبطة والتطلّع إلى ممارسة تلك الذنوب لدى ضعاف الإرادة، وهكذا فإنَّ من يتحركون بهدف التعبير عن الحق وحمايته ربما يدفعون غيرهم للسير في طريق خاطئ.

ينبغي ألا نحطّم الآمال

وكذلك أيضًا حينما تحاولون تصوير الأشياء السلبية وضروبِ القبح والشر المختلفة على نحوٍ يعكّر المزاج ويحطّم القوة المعنوية فإنّكم تكونون بذلك قد خالفتم أمرَ النهي عن المنكر.

وربما تقولون وأنتم تعانون حالة من الاضطراب النفسي: “تعيش الإنسانية في يومنا هذا محرومة من البكاء، ولم يقع قحطٌ ولا جدبٌ في أي زمنٍ بقدر ما حدث في يومنا هذا؛ فالعالم الإسلامي يحترق في نار مُستعِرة، وتُداس عزته وشرفه وكبرياؤه تحت الأقدام، ويُلعبُ بشبابه وشيوخه، غير أن الناس لا يشعرون في مواجهة هذه اللوحة المؤلمة ولو حتى بمجرد الحزن، بل يتصرفون ببخلٍ وشحٍّ فلا يخصصون ولو بضع دقائق من وقتهم يتباكون ويتحسرون فيها على ذلك…”، غير أنكم حين تعبرون عن ذلك النوع من الأمور يساوركم بل يجب أن يساوركم قلقٌ من قبيلِ: “تُرى هل نخطئ بقول هذا؟”، لأن الإنسان وهو يرسم وضعًا سلبيًّا قد يصوّر -دون أن يشعر- مناخًا قاسيًا لا يتحمّله مخاطبوه، بل ويهزّ قوتهم المعنوية ويزعزعها.

إن الإنسان حين يقارن المناخ السلبي الذي يعيشه الآن بالماضي ربما يعيش نوعًا من التردد والتذبذب بسبب قلقٍ مشابهٍ؛ ولعلكم تتذكرون الأبيات الشعرية للسلطان أحمد الثاني؛ حيث يقول (ترجمة):

يا رسول الله خارت قواي بفراقك

وتقطع هذا القلب إربًا إربًا لبِعادك

ولم تبق محبةٌ في العشق

وأفاضَ مدمعي -وأنا المسكينُ- حكمُ القضاء

فلم يتبقّ لسيدنا يعقوب أيُّ نصيبٍ من البكاء

وعندما تُطالِعون هذا تدركون كم هو من المؤلم أن تؤول السلطنة من بعد هذا السلطان المبجل عاشق النبي صلى الله عليه وسلم والمُولَه به إلى أناس شغوفين بالسلطة مولعين بها! وتعبرون عن ملاحظاتكم تلك، وكم هو مؤلمٌ وباعثٌ على الحزن والأسى بالنسبة لمن عرفوا العصر الزاهر في الماضي أن يعيشوا الآن موسم الخريف؟! وربما أنَّه ليس هناك حالٌ ولا وضع أكثر إيلامًا وإيجاعًا وإيذاءً للنفس من عدم الإحساس بمثل هذا الحزن، ومن عدم مقارنتنا بين الماضي والحاضر! غير أنَّ الهوة التي تردينا فيها خطيرة للغاية؛ فلقد غيَّبَتْنا وجعلَتْنا لا نستطيع أن نشعر بالحفرة العميقة التي سقطنا فيها، ولا حتى بالأزمة التي نعيشها.

كل ما تقدم تعبيرٌ عن الحقيقة، غير أنه لا يحسُن التصريح بالحق في أي وقت، فأحيانًا ما تُصرّحون بحقيقة تؤمنون بصحتها غير أن مستوى فهمِ المخاطبين وأفقَ قلوبهم إن لم يكن في درجة من النضج تمكنهم من فهم تلك الحقيقة فقد تدفعونهم بكلامكم وحديثكم هذا إلى اليأس والقنوط وإلى تكوُّن قناعة خاطئة لديهم بأن أوجه الجمال والخير تلك تبدو وكأنه يستحيل أن تتكرر وتُعاشَ من جديد، وهكذا فإن من يحاولون تحذير الناس ونهيهم عن الأشياء السلبية الضارة بواسطة ما ينتجونه من أفلام ومسلسلات ومسرحيات ويحررونه من مقالات ويقدمونه من نصائح ومواعظ يتسبّبون أحيانًا في حدوث انكسارات يظل الناس بتأثيرها يُعانون انكسارًا دائمًا؛ فتتحطم بسببها قواهم وسواعدهم، فييأسون ويقنطون.

ومن هذه الناحية فإنَّه ينبغي لمن سيلقي كلمة في مكان ما أنْ يقرأ مشاعر مخاطبيه قراءةً صحيحة، ويقدم المسألة أو القضية التي يتناولها بأسلوب مناسب، وأن يضعَ في حسبانه أيضًا ما قد يتكون من ردود فعل محتملة لدى المخاطبين؛ لأن ما يُلقى من كلام وحديث دون أن يوضع في الاعتبار ما يقرّه المخاطبون وما يرفضونه ربما يؤدي إلى نتيجة عكسية مخالفة لتلك التي يُرجى الحصول عليها.

والحاصل أنه لا بد من تَوخّي الحيطة والحذر عند الأمر بالمعروف والحثِّ عليه، والنهي عن المنكر والترهيب منه، فلا يُبالَغنَّ في تصوير الباطل، ولا يُبخلَنَّ في بيان الحق وإظهاره كما ينبغي.

مراعاة الحق أثناء الحديث

قد تخرجون عن دائرة الأمر بالمعروف أحيانًا حيث ترغبون في الحديث عن الأشياء الإيجابية والجميلة؛ ومن ذلك على سبيل المثال أنكم ربما تبالغون وأنتم تتحدثون عما تقومون به من فعاليات وأنشطة، ومن المعلوم أن المبالغةَ كذبٌ خفيّ مستور، ويستحيل تمامًا خدمة الدين ولو حتى بِذَرَّةِ كذب واحدة أضف إلى ذلك فإنَّ المبالغةَ سببٌ رئيسٌ في انقطاع البركة الإلهية والفيض الرحمانيّ المتجلي في الفعاليات والأنشطة الجميلة الخيرة.

وحين تتحدثون عن الأشياء الإيجابية قد تنسبون شيئًا منها إلى أنفسكم وكأنكم أنتم مصدرُها، في حين أن (99.9%) من المسألة التي تتحدثون عنها هو من عند الله، أما نصيب الإرادة البشرية هنا فهو واحد في الألف، ونحن لا ننفي هذا، وإلا تردَّينا في نفس الخطإ الذي تردت فيه “الجبريّةُ”، وانزلقْنا دون شعورٍ منّا في نوعٍ من الفلسفة الحتمية والجبرية، ولكن إنْ تصرف مَنْ يرسُم أشياءَ جميلةً ويقدمها للآخرين وكأنه بطل هذا العمل ونسبَ إلى نفسه شيئًا منها ولو حتى في خياله فقد دنّس خياله بهَبَّات الشرك، وسيأتي يوم يصطدم فيه هذا الخيال القذِر بفهمه وأفكاره فيُحدِثُ فيها انكسارًا مروّعًا، ثم يصيب عقلَه فيؤدي إلى حدوث مجموعة من الصدوع فيه، ثم يبدأ مثل ذلك الإنسان يردد أولًا: “نحن.. نحن” التي تعتبر أبسطَ درجات الشرك باعتبارها “أنانية جماعية”، حتى يتطوّر به الأمر فيقول “أنا.. أنا” التي هي أغلظ درجات الشرك.

ابدأ بنفسك

وثمة أمر آخر ألا وهو أن يكون الناصح والواعظ لغيره إنسانًا يعيش شخصيًّا ما يقوله لمخاطبيه حتى يؤثر فيهم تأثيرًا إيجابيًّا؛ فقد ورد أنَّ الحق تعالى خاطب عيسى عليه السلام قائلًا: “يَا عِيسَى عِظْ نَفْسَكَ فَإنِ اتَّعَظَتْ بِهِ فَعِظِ النَّاسَ وَإِلَّا فَاسْتَحْيِ مِنِّي[2]، وهنا يبين الحقّ جل وعلا أنَّ الإنسان عندما ينصح الآخرين بشيءٍ دون أن يلتزم هو به يكون قد أساء الأدب مع الحضرة الإلهية، وإذا ما فكّرْنا في تنبيه الله تعالى لنبيٍّ من أولي العزم كسيدنا عيسى عليه السلام الذي كان يطبق على نفسه أضعاف أضعاف ما يبديه من نصحٍ للآخرين؛ يتّضح أكثر إلى أيِّ مدى يجب على الآخرين أن يتنبهوا ويكونوا يقظين في هذا الشأن.

وإنّ عجْزَنا عن التخلّص من الشكليات والصوريّات وعدمَ تجاوزنا الصورة إلى المعنى لهو عامل آخر من عوامل انعدام تأثير كلامنا في مخاطبينا، ولو أن مليونًا ونصفَ المليون من بين المسلمين البالغ عددهم حوالي مليار ونصف المليار في العالم طبقوا الإسلام كما طبقه المسلمون في عصر السعادة لكان وجهُ الإنسانية مختلفًا تمامًا عمَّا هو عليه الآن، وكي لا نُحرَم من النعم التي وعدَنا بها الحق تبارك وتعالى في قوله: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: 7/14) فإنه ينبغي لنا أن نحمده على ما نحن عليه، فله الحمد على كل حال.

اللهم لا تحرمنا نعمك التي أنعمت علينا، ولا تجعلنا نكفر بها، اللهم اشرح صدورنا وبلِّغْنا حقيقةَ الإنسانيّة، اللهم مُنَّ علينا بقلوب تفيض لك شكرًا، وتقشعر منك خشية، وتتضرع إليك عجزًا وفقرًا.. آمين!

 

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، اللوامع، ص 829.

[2] الإمام أحمد بن حنبل: الزهد، 54/1؛ أبو نعيم: حلية الأولياء، 382/2.

آهات الندم

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما صفةُ الحياة التي يجب أن نحياها كي لا نقول “يا ليتنا!” لا في الدنيا ولا في الآخرة؟

الجواب: إذا كان المؤمن لا يرغب في أن يُدنِّس دنياه وعُقباه بآهات الندم فعليه أوَّلًا أن يعرفَ الله جل جلاله حقًّا، ويسير في سبيله ويسعى للوصولِ إليه ويجتهدَ مستخدِمًا في سبيلِ ذلك كلَّ الإمكانيات التي أنعمها عليه عز وجل استخدامًا إيجابيًا ومثمرًا، وفي سبيلِ ذلك عليه أن يعيش حياته على بصيرة من أمره دائمًا، وألا يتخلى عن الحيطة والحذر أبدًا، وأن يعملَ على قراءة الحوادث قراءة صحيحة، وأن يكون في كلِّ وقت وحينٍ واعيًا بمتطلّبات ومقتضيات مسؤوليّته وموقعه الذي يشغلُه.

“يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً!”

ولقد تعرَّض القرآن الكريم في عدة آيات منه لندم التُّعساء الذين خسروا أُخراهم تمامًا؛ فمثلًا يشير الله تعالى في إحدى آياته إلى أنَّهم سيتحسرون على ما قدمت أيديهم ويتندم كلُّ واحدٍ منهم قائلًا: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ (سُورَةُ النَّبَأِ: 40/78)، وهكذا سيندمُ الكافرون الذين سيلقون عقاب ما ارتكبوه من مظالم وذنوب في الدنيا؛ حتى يتمنى كلُّ فردٍ فيهم أنْ لو كان ترابًا.

وثمة آية أخرى تُصوِّرُ حالَ مَنْ ضلَّ الطريق المستقيم واتبع غيره فغوى تقول: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ (سُورَةُ الفُرْقَانِ: 27/25-29) فإن كان الإنسان لا يرغب في التلوّي والتألُّـم على هذا النحو في الآخرة وجب عليه أن يعيش في الدنيا بحساسية وحيطة؛ فيُحدد قدوتَه الذي سيحذو حذوَه، ثم لا يبرحُ قيدَ أنملةٍ طريقَ الأنبياء والرسل الذين أرسلهم الله تعالى إلى الناس حتى لا يضلّوا ولا يزيغوا.

والحقيقة أنَّ الله تعالى ما ترك الناسَ في أيِّ وقت قط دونَ رُوّادٍ وهُداةٍ؛ إذ أنارَ طريقنا بالأنبياء العظام والأصفياء الكرام والأولياء الفخام الذين هم ضياءُ ومرآةُ وجودِه سبحانه وتعالى، غير أن الإنسان إن تجاهلَ في هذه الدنيا أولئك الأئمة والقدوة والروّاد، ولم يقتفِ أثرهم وسار ضحية للتَّشَرُّد والتيه فقد ضلّ طريقه وهوى في حفرةٍ من الضلال والشهوات تُؤدّي به في الآخرة إلى السقوط في “غَيّ” جهنم[1]، فيظل يتندّم ويتأوّه فيه متأسِّفًا على حاله يقول: “يا ليتني! يا ليتني!”.

صراخ الظالمين ندمًا: يا ليتنا!…

ولقد ذُكر في آية أخرى أنَّ هناك من سيأكله الندم عندما تتناثرُ الصُّحُفُ وتُوزَّع صحائف الأعمال على أصحابها؛ فبينما يُسَرُّ مَنْ يأخذ كتابه بيمينه فرحًا قائلًا: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾ (سُورَةُ الْحَآقَّةِ: 19/69-20)، يَتَحَسَّرُ مَنْ يأخذ كتابه بشماله قائلًا: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ (سُورَةُ الْحَآقَّةِ: 25/69-29)، ويتألّـم ندمًا على أَنْ فرّط في الدنيا ولم يعمل صالحًا، فخسرَ في وقت هو أدعى للكسب.

نعم، الذين عملوا الصالحات في هذه الدنيا وجعلوا الحركة الإيجابيّة والخير دَيدانَهم ومبدأَهم فيها واستقاموا على الطريق سَيُؤْتون كتبَهم في الآخرة بأيمانهم فيستبشرون ويفرحون، أما من يُؤتون كتبهم بشمائلهم فَسَيَجدون ذنوبهم المخزية وجرائمهم المثيرة للاشمئزاز مكتوبةً مسجَّلة عليهم، فسيرون أنَّ لكلٍّ منهم صحيفةً سُجِّلت فيها جميع الذنوب التي ارتكبها؛ إذ إنّهم قد نظروا إلى الحرام وساروا إليه ومدوا أيديهم له، وانتهكوا الحقوق والحرمات؛ فسيندمون عندئذ أشدَّ الندم وسيتحسّر كلٌّ منهم قائلًا: “يا ليتني…! يا ويلتى…!”، ولسوف يتَلوّون خجلًا مما اقترفوه من الذنوب حتى قبل أن يدخلوا جهنم.

ولذا فإنَّ هذا المخلوقَ الرائع الذي خلقه الحقُّ سبحانه وتعالى في أحسن تقويم، وجعله قبلةً للملائكة، وأرسله إلى الدنيا مزوّدًا بملكات وقدرات خاصة يجب عليه ألا يتردى في مثل تلك الرذائل والسفاهات من أجل دنيا ومقامات ومناصب وسلطنة زائلة فانية، وينبغي له ألا يدنس إنسانيته، لأنه إنْ لم يحافظ على تكريم الله تعالى إياه انطبق عليه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 179/7)، ونال صفعة يتدحرج بسببها ربما إلى دركات أشدّ وضاعة ودناءة حتى من أكثر المخلوقات حقارةً وخسّة.

عذابُ الضمير يساوي عذاب جهنم

عندما يتردى الإنسان في هوةٍ فإنَّ عمقها يكون على مقدار علوّ المكانة والمرتبة التي كان عليها، وقد تحدَّث الأستاذ بديع الزمان في هذا الشأن فقال: “وما دام مسلكُنا هو “الـخليلية” فمشربنا إذًا “الـخُلّة”، والـخلة تقتضي صَديقًا صدوقًا ورفيقًا مضحّيًا، وأخًا شهمًا غيورًا.. وأسُّ الأساس لـهذه الـخلة هو “الإخلاص التام”، فـمن يقصّر منكم فيه فقد هوى من على برج الـخلة العالي، ولربـما يتردّى في وادٍ سحيق؛ إذ لا موضع في الـمنتصف”[2]، وبالشكل نفسه فإنَّ “المغنَمَ على قدرِ المغرَمِ”؛ أي إنَّ الخطر الذي قد يتعرّض له الإنسان يكون بقدرِ ما يحظى به من نِعم الله وألطافه، فالقاعدةُ أنَّ “الغنيمة تزدادُ أو تنقصُ بقدر الخطر المتوقّع”؛ فإن كان الإنسان مُحاطًا بكثيرٍ من ألطاف الله تعالى فهذا يعني أن مخاطره ستكون بقدر ما يتنعّم به، فربما يتردّى في حفرة عميقة حين يجحد نعمَ الله عليه ولا يُقدّرها حقَّ قدرها.

ومن يحتقر ماهيته الإنسانية وتكريمَ الله تعالى إيَّاه بما ارتكبه من ذنوب وأخطاء، ويُجالسُ الشيطان ويأنسُ به بالرغم من أنه خُلِقَ ليأنس بالله ويكون في معيته، ولا يعي أهمية وظيفته ورفعةَ رسالتِه، ويرتكب أفعالًا لا تليق به بحيث يُدنِّسُ ملكاته التي فُطِرت فيه؛ سيندم ويقول: “ليته حُكِم عليّ بالعدم.. ليتني لم أكن شيئًا مذكورًا، ولم أرَ كلَّ هذا، ولم أشعرْ به!”، وسيشعر بعذاب عميقٍ في وجدانه حين يرى ما دُوِّن في صحيفة أعماله ولما يَنَلْ بَعدُ العقابَ الذي يستحقه.

فإن كان الإنسان يريد ألا يتعرض لمثل تلك الحالة من الندم في الآخرة فعليه أن يتمسّك تمامًا باتباع الحق في هذه الدنيا، وأن يقتديَ برسول الله صلى الله عليه وسلم وبخلفائه الراشدين، ويسعى لأن يعيش مثلهم ويحذوَ حذوهم؛ إذ لم يخلدوا إلى الفرش الوثيرة الدافئة، ولم يركضوا طلبًا للقصور والنزل الساحلية، ولم يأبهوا بمتاع الدنيا حتى وهم يتربعون على قمة الدولة، ولقد انتقل النبيّ إلى أفق روحه تاركًا الدنيا ودرعُه مرهونةٌ عند يهوديٍّ مقابلَ قدرٍ من الشعير يسدُّ به النبيُّ صلوات الله عليه حاجةَ أهله[3]، وكذلك كان خلفاؤه الراشدون الذين ساروا على نهجه؛ فلم يتركوا شيئًا من متاع الدنيا حينما انتقلوا إلى الآخرة دار البقاء، فأرَونا بذلك وعلَّمونا كيف يجب أن نغادر هذه الدنيا ونرحل عنها، ومن بِهُداهم اقتدى فلن يندم أو يتحسّر لأنه لن يُقارِفَ ما يستدعي ذلك.

العُمرُ ليس زهرًا يُلقَى على طاولة القمار

وكي لا يندم الإنسان يجب عليه أن يعيش تلك الحياة التي عبّر عنها الشاعر قائلًا:

ولدَتْكَ أمّك يا ابن آدم ضاحكًا * * والناسُ حولك يضحكون سرورًا

فــاعـمـلْ لـيـومٍ أن تـكـون إذا بـكــوا * * في يــوم مـــوتـك ضـاحـكًا مسرورًا

أجل، يجب على مثل ذلك الإنسان ألا يحزن على موت نفسه، بل ينبغي للآخرين أن يشعروا بالحزن لرحيله عنهم وفراقهم إيَّاه؛ فالطفل يبكي حين يُولد بينما أقرباؤه مِنْ حوله يفرحون، ومن ثم يلزم الإنسان أن يعيش حياة صالحة فيفرح بالموت؛ إذ إنَّه سينتقل مسرورًا فرحًا إلى الآخرة، إنه ينتقل إلى أفق روحه، فإن كان لا بد من الحزن فليحزن غيرُه على فراقه، وإن كان لا بد من البكاء فليبكِه من سواه، وعلى من فرحوا لمولده أن يبكوا لوفاته؛ فمثل هؤلاء الناس لم يتحسّروا ولم يندموا قط، أما من يرون العمر -الذي هو رأسُ مالهم- زهرًا يُلقى على طاولة القمار ويُهدرونه فلسوف يتلوّون في الدنيا والآخرة حسرةً وندامةً.

ولا سيما من نذروا أنفسهم لخدمة الإيمان والقرآن فعليهم أن يحيوا حياة لا يعقبها ندمٌ ولا حسرةٌ؛ فلا تدخل آهة الندم “يا ليتني” عوالِمَهم اليوم ولا غدًا، وعليهم أن يغتنموا العمرَ اغتنامًا يجعلهم يفرحون بالنعم الأخروية التي سيحظون بها عندما يرحلون عن الدنيا، بينما يبكي العالم على رحيلهم وفقدانهم، وينبغي للأجيال التي ستخلفهم ولو حتى بعد رحيلهم بقرون أنْ تتذكّرهم بالقول الحسن والذكريات الطيبة؛ وهذا أفقٌ سامٍ أظهره لنا القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (سُورَةُ الْحَشْرِ: 10/59).

وإننا حينما نستعرض ذاكرة التاريخ ونسترجع الماضي نقول: “اللهم ارضَ عن ساداتنا أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ألف مرة ومرة! فما أعظم ما تركوه لنا من آثار وميراث! لقد ثمنوا نعمك التي مننت عليهم بها بعظيم رحمتك وشفقتك حتى جعلوها كالسنابل تنبت سبعًا، وتزدادُ إلى سبعينَ”، فنحن نتذكر أولئك الرجال بالخير والمعروف.

أمَّا من ينتهكون حقوق الناس ويغتصبون أموالهم ويأكلون ما تصل إليه أيديهم دون تفريقٍ بين حلال وحرام فلسوف يلعنُهم الناس ويلعنهم اللاعنون، وسيتذكرهم اللاحقون قائلين: “لا استراحوا في حياتهم ولا الناسَ أراحوا؛ ففارَقوا الدنيا؛ فليُعِنِ الله أهلَ القبور على أن يتحملوهم!”، ومن ثم فعلى الإنسان أن يحذرَ من ارتكاب ما يُخزيه في الآخرة ويجعله يتمنّى لو انشقّت الأرض فبَلَعَتْهُ، بل عليه أن يعيش طاهرًا دائمًا، فينتقل إلى مثواه الأخير محفوفًا بالطهر والنقاء، ولا سيما أنَّ من يحملون على عواتقهم أمانةً عظيمةً يسعون إلى تسليمها إلى الأجيال القادمة يجب عليهم أن يطلبوا الله في كل شيء ولا يطلبوا الدنيا في شيء، وألَّا يُلوّثوا أطرافَ ثيابهم بدنسِ الدنيا، وعليهم أن يدعوه عز وجلَّ: “اللهم لا تحرمنا منك!” فيعيشوا حياتهم بهذه القناعة، ويموتوا عليها، وكما وردَ في الأثر فإنَّ المرءَ يموتُ على ما عاش عليه، ويُحشَر على ما مات عليه، ويدخل الجنة أو النار على ما حُشر عليه.

“لا تنسَ أن الموت يأتي بغتة”

ويقول الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي: “يا أسفى، لقد خُدعنا، فظنَنَّا هذه الحياة الدنيا مستقرّة دائمة، وأضَعْنا بهذا الظنّ كلَّ شيءٍ… نعم، إن هذه الحياة غفوةٌ قد مضت كرؤيا عابرة! وهذا العمر الذي لا قرار له يذهب ذهابَ الريح”[4] فيلفت الانتباه إلى أن الدنيا فانيةٌ زائلةٌ، كما يقول في موضع آخر:

“أنا فانٍ، مَن كان فانيًا لا أريد

أنا عاجزٌ، من كان عاجزًا لا أريد

سلّمتُ روحي للرحمن، فسواه لا أريد

بل أريد..

حبيبًا باقيًا أريد

أنا ذرة.. شمسًا سرمدًا أريد

أنا لا شيء، ومن غير شيء، الموجوداتِ كلَّها أريد”[5].

فيؤكد على ضرورة أن يطلب الإنسانُ الأشياءَ العظيمة، وأنه لا قيمة لما يقدره أهل الدنيا ويعظمونه من أشياء؛ فنسأل الله تعالى ألّا يُضلّنا عن طريق السعداء؛ فطريقهم هو طريق مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم.

ونختم الموضوع بما يُنسب إلى سيدنا عليّ رضي الله عنه من القطعة الشعرية التي يقول فيها:

يَا مَنْ بِدُنْيَاهُ اشْتَغَلْ     قَدْ غَرَّهُ طُولُ الْأَمَلْ

أَوَلَمْ يَزَلْ فِي غَفْلَةٍ       حَتَّى دَنَا مِنْهُ الْأَجَلْ

المَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً      وَالْقَبْرُ صُنْدُوقُ الْعَمَلْ

اصْبِرْ عَلَى أَهْوَالِهَا     لَا مَوْتَ إِلَّا بِالْأَجَلْ.

 

 

[1] انظر: سورة مريم: 59/19.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي، اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، الدستور الرابع، ص 224.

[3] صحيح البخاري، الجهاد والسير، 85.

[4] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة السابعة عشر، المقام الثاني، ص 227.

[5] المصدر السابق: الكلمة السابعة عشر، المقام الثاني، اللوحة الثانية، ص 235.

محور أصول الدين

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: تتحدثون في دروسكم كثيرًا عن أهمية الالتزام والتمسك بـ”أصول الدين”؛ فهل تشرحون ما تقصدونه بذلك؟

الجواب: أصولُ الدين هي المبادئ والمعايير والقواعد الأساسية في الدين، ومن أركانها: الأسسُ التي تحدد إطار وماهية الاعتقاد، والمناهجُ المطروحة من أجل معرفة الحق تعالى، والقضايا المتعلقة بالحشر والنشر، والحقائقُ الخاصة بالعلاقة بين الله والكون والإنسان.

أسوار الإيمان والإسلام

وكانت تلك الأسس التي وضعها الشارع الحكيم موجودةً وقائمةً في العصور الأولى من الإسلام، غير أنه لم يُعبَّر عنها باسم محدد أو اصطلاحٍ مخصّص، لكنَّ العلماء اللاحقين كالإمام الماتريدي وأبي الحسن الأشعري اتَّبعوا منهجًا تدريجيًّا وتقسيمًا علميًّا؛ فجعلوا ما وصلهم من حقائق في صورة بناءٍ منظم وممنهج أو كشجرةٍ ذات أغصان وأوراق، كما وضعوا شروحًا مفصّلة كي يَحُولوا دون وقوع خطإ في فهم تلك الحقائق أو تحريفها وتبديلها.

وهناك مواضيع خاصة بأصول الفقه مثل كيفية تطبيق الإسلام في إطار القرآن الكريم والسّنة النبوية، والمناهج التي يجب اتباعها عند استنباط الأحكام من تلكما المصدرين الأساسين، وكيفية حل المشكلات التي تقع في الحياة اليومية، هذه المواضيع ظلت هي أيضًا مدة معينة من الزمان قائمةً وموجودة دون أن يُطلَقَ عليها اسمٌ او اصطلاح خاص، ثم نظمها الفقهاء في العصور اللاحقة، ووضعوا نظامًا خاصًا بكلّ واحدةٍ منها، وحددوا أطرها مادة مادةً؛ بحيث إذا ما دارت حياة الإنسان في فلك تلك النظم الأساسية كلها؛ فإنه بإذن الله تعالى وعنايته لن يخطئ أو يتخبط أو يتناقض أبدًا.

إن الإسلام دينٌ عالمي يُخاطِب البشرية جمعاء إلى يوم القيامة؛ ومن ثمّ يمكن الإتيان بتفسيرات واجتهادات شتّى تلائم الزمان شريطة الالتزام بأصول الدين ومبادئه الأساسية، غير أنه من الخطإ والتحريف أن يفعل الإنسان مثلما فعل أنصار المذهب التاريخيّ حين عمدوا بأهوائهم إلى إيجاد واختراع مجموعة من المناطات والعلل للأحكام الواردة في القرآن والسّنة فقيَّدوها بها، ثم زعموا من عند أنفسهم أن تلك المناطات قد تغيّرت فحاولوا إبطال تلك الأحكام واستبدالها بأخرى بناءً على تغيُّرِ تلك المناطات…

وهذا لا يستقيم لأن الإنسان إن فعل ذلك فقد ابتعد عن الأركان التي أقرّتها أصول الدين، وإذا ابتعد عن تلك المبادئ الأساسية تَعذّرَ القطع بمآل الأمر وعاقبته، فضلًا عن ذلك فإنَّ مثل هذا التصرف دليلٌ واضح على أنّ الإنسان يعيش مرحلة من الاغتراب والانسلاخ عن عالمه وهويته الفكرية الخاصة، ومن يقع في هذا ولو مرة واحدة فقد استسلم لشلّال الاغتراب والانسلاخ.

وحتى لا يتعرض الإنسان لمثل هذا الاغتراب الذي من شأنه أن يذروه بعيدًا عن قيمه الخاصة به لا بدَّ من الالتزام والتمسك التام بالمصادر الأساسية لموروثنا الثقافي وعلى رأسها القرآن الكريم والسُّنة النبوية؛ فالقرآن الكريمُ كلام الله تعالى، وكما قال الأستاذ بديع الزمان: “إنَّ القرآن الكريم يتلو آيات الكائنات في مسجد الكون الكبير هذا؛ فلنُنْصِت إليه، ولنتنّوَّرْ بنوره، ولنعمل بهديه الحكيم، حتى يكون لسانُنا رطبًا بذكره وتلاوته. نعم! إن الكلام كلامُه، فهو الحقُّ، يأتي من الحقّ، يقول الحقَّ وينشر الحكمةَ النورانيةَ”[1] فنبّهنا إلى أنَّ القرآن الكريم هو شمس الهداية التي تسوقنا وترشدنا إلى الطريق المستقيم أيًّا كانت الظروف التي نقع تحت وطأتها ونمر بها.

إن أيَّ استحداثٍ وابتداعٍ يخالفُ المبادئ الأساسية المنبثقة من تلك المصادر الإلهية المقدسة لهو بدعةٌ، “وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ[2]، فحذارِ ثمَّ حذارِ من الابتداعِ المذموم، سواء كان الابتداع في الفكر أو الحركات أو العبادات أو الطاعات أو تأويل القرآن والسنّة. أجل، إن اعتبار الرسل مجرَّدَ سعاةِ بريدٍ -حاشا وكلا- بدعةٌ وضلالة، ومن البدعة أيضًا النظر إلى الصحابة الكرام والسلف الصالح ودراستهم على خلاف المفاهيم التي حددها لنا القرآن الكريم والسُّنة النبوية، وكذلك التصديق ببعض الأمور المنكرة التي أسندها بعضُ الفِرَق الضالة مثل المعتزلة والجبرية للذات الإلهية، مثل مسألة الصلاح والأصلح، وهي ادّعاء المعتزلة أنّ الله جل جلاله يجب عليه فعلُ الأَصْلَح (أي ما هو أفضلُ مصلحةً) أو أنّه مضطر لمراعاة المصلحة والمنفعة في كل شؤونه.. وهذه المسألةُ مردودةٌ بقول الله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (سُورَةُ الْحَجِّ: 18/22) و﴿يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 1/5) و﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ: 23/21).

وكما أن الفهم الصحيح للأسس والمبادئ التي وضعها علم أصول الفقه أمرٌ مهمٌ للغاية كي نفهم الفقه فهمًا صحيحًا فإن التعرف على أصول الدين مهمٌّ للغاية للحيلولة دون وقوع أيّ انحراف في الاعتقاد، وقد خَلَّفَ أئمة المذاهب ومن تبعوهم موروثًا غنيًّا في مجال أصول الفقه مع وجودِ بعض الاختلافات والفروق بينهم حول الفروع، وعلى نفس الشاكلة فإنَّ كبار العلماء الذين جاؤوا لاحقًا وعلى رأسهم الإمام الماتريدي والإمام أبو الحسن الأشعري قد خطوا مؤلفات في أصول الدين حاولوا بها حمايتنا من الخطإ والزلل، وإذا ما تمسَّكْنا بالمبادئ المقررة سواء في أصول الفقه أو في أصول الدين فسننجح في تقبُّل متغيرات الزمان ومَلء الساحات الفارغة التي تركها الإسلامُ للاجتهاد، أمَّا إذا انتُهكت تلك المبادئ الأساسية فإنَّ الاجتهادات لن تتجاوزَ كونها بدعة حتى وإنْ أُحْسِنَتْ قراءة الزمان وجيء بتفسيرات وتأويلات جميلة للغاية.

الحفاظ على الأصول والأسلوب على حدٍّ سواء

كما يجب ألا نخالف المبادئ الأساسية حين ننقلُ إلى مختلف أنحاء العالم تلك القيمَ الخالصة النقيَّة النابعة من جذرونا الروحية والمعنوية؛ كذلك بالضبط يجب علينا حينما ننهل نحنُ من تلك البلاد ما هو مفيد لنا، فإن لم نراعِ الدقة البالغة تجاه هذا الأمر فلربما نقع في بعض الأخطاء، فمثلًا ربما ننزلق دون داعٍ إلى نوع من المداراة والمماشاة بغيةَ توضيح حقائق معينة إلى مخاطبينا من غير المسلمين، سعيًا وراء إرضائِهم فقط، وقد نُخطئ في مسألة تفضيل الناس في عالمنا القلبيّ، وهذا كلُّه يعني الانحراف عن مبادئ أصول الدين وأسسِه؛ لأن القرآن الكريم يأمرُ المؤمنين بألا يتّخذوا أولياء لهم من دون المؤمنين[3].

غير أنَّ هذا الأمر لا يعني أنْ يقطع المؤمنُ علاقاته بغير المؤمنين وأنْ يُعرض عنهم تمامًا؛ ففعلُ هذا مخالفٌ للمبادئ الأساسية في نفس الوقت؛ إذ يُبيّن القرآن الكريم أنَّهم ليسوا سواء: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 113/3)، ومنهم من يدعو إلى الحقِّ والحقيقة فيقول: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 159/7)، ومنهم من إذا سمعوا القرآن يُتلى فاضت أعينهم من الدمع لأنهم يعرفون الحقّ فيقول تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 83/5)، ولذلك ينبغي ألا ننظر إلى أهلِ الكتاب كلّهم نظرة واحدة فنُعرضَ عنهم أجمعين؛ حيث يبين الله تعالى بقوله ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ: 8/60) أنَّه لا بأس ولا حرجَ في التقرّب منهم بالإحسان إليهم؛ وعليه يتحتّم إيجاد سبيلٍ يناسب كلّ إنسان حسب موضعه ومكانه، وإقامةُ علاقةٍ وتواصلٍ مع الجميع، والسعي إلى تمكينهم من الوصول إلينا؛ فهذا أمر جديرٌ بالتقدير.

مراعاة الدقة البالغة في عرض القِيَمِ والجماليات

إن أبطالَ المحبّة والتسامح الذين ينطلقون إلى كلِّ ربوع العالم يلتقون بأناسٍ من مختلف الثقافات، ويتواصلون معهم؛ لذا وجب عليهم أن يَخبُروا مخاطبيهم الذين يتواصلون معهم ويتعرفوا إليهم جيّدًا، وذلك بأن يحصلوا مسبقًا على معلومات بشأن فلسفتهم في الحياة وعقيدتهم وشخصيتهم، ويحسبوا جيّدًا ردَّ فعلهم إزاء ما قد يُقال لهم، ثم يبدؤوا في الاتصال بهم ومخاطبتهم.

غير أنَّه في سبيل النفوذ إلى روح المخاطب واللطف معه أيضًا يجب ألَّا نتحرك على نحوٍ يخالفُ أصول الدين، فمثلًا يلزمنا عندما نخاطب إنسانًا ينتسب إلى دينٍ آخر أو نظامٍ عقديٍّ آخر أن نتحرى الأسلوب الأصح معه، فمثلًا يمكننا أن نفسح المجال للتعبير عن إلهامات روحنا عن طريق نقل نظرة القرآن الكريم بشأن بعضِ الرسل كسيدنا موسى وسيدنا داوود وسيدنا سليمان وسيدنا إبراهيم وسيدنا يحيى وسيدنا عيسى عليهم السلام أجمعين أو ذكر بعض أقوال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يتعلّق بالرسل عليهم السلام، من ذلك ما رُوي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلاَنِ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ، قَالَ المُسْلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى العَالَمِينَ، فَقَالَ اليَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى العَالَمِينَ، فَرَفَعَ المُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَطَمَ وَجْهَ اليَهُودِيِّ، فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، وَأَمْرِ المُسْلِمِ، فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المُسْلِمَ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لاَ تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَصْعَقُ مَعَهُمْ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ جَانِبَ العَرْشِ، فَلاَ أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، فَأَفَاقَ قَبْلِي أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ”[4]، وبهذا يمكننا التعبير عن مدى تواضع وكمال المرشد الأكمل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وثمة أمر آخر وهو ضرورة ألا نُؤذِي الآخرين ونثير حفيظتهم فنضع أنفسنا في مرمى سبابهم وشتائمهم، وينبغي لنا أن ننأى عن كلّ تصرف وسلوك قد يُسيء إلى الإسلام ويُقلّلُ من شأنه؛ وهذا أمرٌ يدعونا إلى التمسك بأصول الدين، من أجل ذلك لا بد من التعرف جيدًا على فقه السيرة النبوية، والمنهج والسبيل الذي اقتفاه الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين.

أجل، ينبغي لرجال الخدمة في يومنا هذا أن يعلموا ويفقهوا جيدًا القرآن الكريم والسُّنة النبوية التي هي شرح القرآن وبيانه، ولا بد من تنظيم المحاضرات والندوات للتعريف بهذين المصدرين المقدسين ومبادئهما الأساسية، وتنشئةِ الأجيال تنشئة سليمة في هذا الموضوع، وإلا فقد نقع في مجموعة من ضروب الجهالة والفظاظة أحيانًا، وفي مجموعة من الأخطاء المخالفة لأصول الدين أحيانًا أخرى زاعمين أننا نبلغ الدين للناس.

ولقد كان السابقون الساعون إلى تمثيل الحق والحقيقة يسأل بعضهم بعضًا حين يلتقون ويجتمعون سويًّا رغبةً منهم في الحفاظ على مبدإ محاسبة النفس ومشاعر اليقظة الكامنة بداخلهم: “كم إنسانًا قتلتَ؟”؛ أي كم إنسانًا دخلَ في محيطك فابتعد عن الدين بسبب عدم تمثيلك له كما ينبغي؟ ولذا فإنّه يلزمنا نحن أيضًا -كي لا نقتلَ أحدًا- أن ننبذَ رأيَنا الشخصي، ونحدّد المنهج والسبيل المناسب وألا نخطِئَ في الأصول ولا في الأسلوب أبدًا، وأن نسعى من أجل تقديم الحقائق إلى مخاطبينا على نحوٍ محمودٍ ومقبول.

أنصافُ الأطباء يزهقون الروح، وأنصاف العلماء يضيعون الدين

ومن لا يراعي الأصول ولا الأسلوب ولا يدري شيئًا عن النظم القرآنية الأساسية ولا عن رسالة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعجز عن فهم السلف الصالح فهمًا صحيحًا من الممكن أن يقع دائمًا في شباك الشيطان بما ينصبه له من ألاعيب وإغواءات؛ أيًّا كان شيخ طريقة، أو مرشدًا يتربع على قمة مقام الإرشاد، أو شيخًا يتحلق الناس من حوله؛ فقد يلتبس الحقُّ بالباطل على هذا الشخص بفعل الشيطان، كأن يُوسوس له ببعض الأصوات حتى يخدعه ويجعله يقبل عشرة أخطاء يدسها إليه مع شيء واحد صحيح، فيسوقه بذلك إلى انحرافات شتى.

في حين أن الإنسان العارف بأصول الدين يُدرك تمامًا أنه ليس مؤيَّدًا بالوحي، ويوقن بضرورة أن يعرض على القرآن الكريم والسنة النبوية أولًا كلَّ ما يُهمس بأذنه ويُعرض لبصره، أو يتراءى لقلبه أو يستثير حواسه، فإن كان موافقًا لكلام الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة أو الأسس التي أقرها السلف الصالح انطلاقًا من ذلكما المصدرين اتبعه وسار عليه وقبله ممتنًّا شاكرًا، وإن لم يكُ كذلك أعرضَ عنه ولم يأبه به، ولهذا فإن تربُّع مَنْ لا يخبرون أصول الدين على كرسي الإرشاد خطرٌ عظيم، ولا سيما أنَّه يجب ألّا تُمنحَ وظيفة الإرشاد لمن لم يحصل على إجازة العلوم الإسلامية كما يرى محمد بهاء الدين النقشبندي، أي إنَّه ينبغي لهذا الشخص أن يكون واقفًا على العلوم الآليّة مثل الصرف والنحو والبلاغة، وكذلك على العلوم العالية الإسلامية مثل الفقه وأصوله والتفسير وأصوله والحديث وأصوله والكلام وأصول الدين.

وقديمًا كانوا يشترطون تلك الأمور فيمن سيُكلَّفُ بخلافة الطريقة كي يُمثل الحق والحقيقة تمثيلًا صحيحًا، وما كانت وظيفة الإرشاد تُمنح إلَّا لمن كان عالمًا حقًّا، أما في يومنا هذا فإنّ الرغبة في استمرار وجود مؤسسات التكايا والزوايا المتوارثة منذ القدم وعدمَ فضِّ الناس من حولها تسببت في تولية مقام الخلافة لأشخاص غير أكفاء ولا يمتلكون قدرة ولا كفاية ولا تبحُّرًا في العلوم الدينية، وهذا الفعل لا يختلف في الحقيقة أبدًا عن إعطاء المشرط لبيطري وتكليفِه بإجراء عملية قلبٍ مفتوح لإنسان مريض بالقلب، وهذا خطيرٌ جدًا؛ فكما شاع بين الناس فإنَّ “أنصاف الأطباء يُزهقون الروح وأنصاف العلماء يُضيعون الدين”.

وعلى هذا فَمِنَ الضروريّ تزوُّدُ الراغبين في القيام بوظيفة الإرشاد في يومنا هذا بالعلوم الإسلاميّة لا سيما أصول الدين وأصول الفقه إلى جانب العلوم والمعارف الأخرى، إنَّ هذا أمرٌ في غاية الأهمّية، وإلا فإنهم إذا ما تحركوا زاعمين أنهم سيُرشدون الناس ويهدونهم إلى الطريق الصحيح فقد يقعون في كمٍّ كبيرٍ من الأخطاء والزلّات دون أن يُدركوا ذلك أو يقصدوا إليه سبيلًا.

ونختم الموضوع بأن نتذكر قول نيازي المصري (ترجمة):

لا تركننّ إلى كلِّ مرشدٍ فقد ينقلِب الفسيحُ أمامك إلى مضيق

أما مَن استرشدَ بالمرشد الكامل سَهُلَ عليه اجتيازُ وسلوك الطريق.

 

[1] بديع الزمان، الكلمات، الكلمة السابعة، ص 30.

[2] صحيح مسلم، الجمعة، 43.

[3] انظر: سورة آل عمران: 3/28؛ سورة النساء: 144/4؛ سورة المائدة: 151/5.

[4] انظر: صحيح البخاري، الخصومات، 1، الأنبياء، 31، الرقاق، 43، التوحيد، 31؛ صحيح مسلم، الفضائل، 157.

أصحاب النفوذ وتقبُّلُهُم للحقّ

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: بالنظر إلى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم السَنِيّة وقصصِ الأنبياء المذكورة في القرآن الكريم يتبين أن مَنْ يبدون في الوجاهة والصدارة من الناحية الاجتماعية ويعيشون حياة فارهة وعالية المستوى هم أكثر عنادًا وفظاظةً في قبول الحق والاعتراف به؛ فما هي الأمور التي يجب أن تنتبه إليها القلوب المؤمنة الراغبة في أن تكون ترجمانًا للحق والحقيقة تصديًا لهذا الأمر الواقعي؟

الجواب: كما كان الحال في كل الأزمان والفترات فإنَّنا في يومنا هذا أيضًا نجد أقلية أوليغارشية[1] تسعى لسحق من لا ينتمون إليها ولا يفكرون مثلها وتستخدمهم كالعبيد، وتمتص دماءهم، وترغب في أن تُصمِّمَ العالم كما يحلو لها؛ فتستخدم كل شيء فيه وفقًا لهواها ونزواتها ومصالحها الشخصية، ولذلك فإنها لا تأبه بأحد سواها بل وتنظر إلى الآخرين نظرة العبيد والمستخدمين، وكما توجد تلك القِلة البَطِرَةُ المغرورة التي يمكن أن نسميها “شرذمة قليلة” في بلدنا فإنها توجد في غيرها من البلاد الإسلامية، وستكون موجودةً في المستقبل أيضًا.

صاحب الحق هو الوحيد القائل “لا أُفرّط في حقّي!”

ومن غير الصحيحِ اعتبارُ هؤلاء الناس الذين يرون أنفسهم في القمّة -كما هو الحال في درجات النظام الطبقي- قادرين دائمًا على إخضاع المجتمع لوصايتهم وسيطرتهم؛ فقد تضاءلوا لا سيما في تلك الفترات التي ساد فيها الفكر الديني والأخلاقي بالمعنى الحقيقي في المجتمع وانكمشوا واضطّروا إلى أن يظلّوا في دائرة ضيقة، غير أنَّهم حافظوا على أفكارهم الموجهة لأَسْرِ المجتمع والسيطرة عليه؛ فواصلوا إنتاج مجموعة جديدة من الخطط والمشاريع ذات الحقائقِ التخريبية والتقويضية حتى في فترات تضاؤُلِهم وانحسارِهم في مكانٍ ضيق وجمعِهم أذنابهم وانسحابِهم إلى أوكارِهم، غير أنهم احتلّوا كلَّ مجالات الحياة وسيطروا عليها ولجؤوا إلى القوّة الغاشمة فسحقوا كلَّ من لا ينتمي لفكرهم حينما تمكنوا من الأمر وسنحت لهم الفرصة تمامًا، وتلك حقيقة لا مراء فيها.

ومع ذلك فإنَّه لا ينبغي الحكم بأنَّ وصولهم إلى ذلك الوضع كان نتيجةً لظلمهم وتمردهم فحسب؛ إذ نجد في الجانب الآخر أن غفلة المجتمعات وذهولها وعجز أصحاب الفضيلة الذين يكافحون هذه الشرذمة عن تحقيق الوحدة والاتحاد فيما بينهم، وتحركهم دون تخطيط ولا ترتيب؛ كل هذا لعبَ دورًا مهمًّا في الوصول إلى تلك النتيجة، ويمكننا القول ما من مجتمع ينسحق تحت جبروت وتحكُّم أولئك الظالمين إلا وهو يستحق ذلك الظلم والقهر، والحقيقة أنَّه ينبغي لنا أنْ نردّ إلى أنفسنا وأخطائنا وتقصيراتنا كلَّ أنواع البلاء والأزمات التي نتعرض لها، وهو ما يوصي به القرآن الكريم؛ يقول الله تعالى ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (سُورَةُ الشُّورَى: 30/42).

إن الواقع يشهدُ بأن الإنسان لا يضرّ نفسَهُ إلا إذا فقدَ عقله، غير أن بعضًا من الإهمال والتقصير مثلَ غفلة الإنسان وعدم رؤيته المستقبل، وحبّه نفسه وركضه وراء المناصب والرّتب الدنيويّة قد تتسبّب في تضرُّره لدرجة أنْ يُحكم عليه بأنَّه “أضرّ بنفسه عن عمدٍ وقصدٍ”، وإذا كان الإنسان يحظى ببعض أوجُهِ الجمال والخير برغم كثرة أخطائه وذنوبه فلا بدّ وأن يعلم ويوقن أنه ما أوتي ذلك الخير والنعيم إلا من عند الله تعالى.

ويقول الشاعر التركي المرحوم محمد عاكف إن صاحب الحق هو فحسب من يقول “لا أُفرّط في حقي!”، وعليه فإنَّ مجرَّد الصياح والصراخ والتذمّر والتشكّي في وجه تعديات ومظالم الأقلية الأوليغارشية لا يؤدي إلى نتيجة إيجابيّة، بالعكس لا بد من النضال والكفاح الحكيم والمنطقي من أجل عدم إضاعة الحق، فإن غُفل عن الحق فضاع وَجَبَ بذلُ كُلّ أنواع الجهد من أجل استرداده، وتحتّم إذا لزم الأمر بَذلُ كُلِّ أنواعِ التضحية من أجل استردادِ حقوق العيش بصورة إنسانية عبر السعي والعمل الدؤوب ضمن أطُرِ القانون داخل دائرة العدالة في ضوء توصيات القرآن الكريم والسنة النبوية.

متكبرو العصر، وصوت الحق الجهوري

وبينما نرى محتكري المال والقوّة والسلطة والمناصب والمقامات في الدنيا يَزْدَرُون ويحتقرون الشعب اليوم كما كانوا بالأمس فإنهم يعتبرون أنفسهم كالنجوم في السماء، بل إن عددهم كثير للغاية في يومنا هذا لدرجة أنَّ إطلاق مصطلح الأقلية الأوليغارشية عليهم ليس كافيًا، ولا ريب أنَّ قوّتَهم لا تساوي شيئًا قط أمام حول الله تعالى وقوته، ولا تمثل شيئًا بالنسبة لمن يلجؤون إليه تعالى، غير أن الفراغ الناتج عن غفلتنا وضعفنا يجعل القوةَ من الأهمية بمكانٍ؛ إذ تستخدمها الأقلية الأوليغارشية ضدنا، وليس صحيحًا الاعتقاد بأنَّ تلك النوعية من الطوائف المتطفلة على الأمة سوف تبقى على حالها هذا دائمًا؛ فسيخرج من بينهم يومًا ما مَنْ يندمون على المظالم التي ارتكبوها، ومن يتوبون عما فعلوا، ومن يبدلون أفكارهم ومشاعرهم ويفضلون العيش والحياة بإنسانية، ولا سيما أنه من الممكن مشاهدةُ أمثلةٍ كثيرةٍ من هذا في عصر النبوة المبارك، فلقد كانت أغلبية المؤمنين الأوائل من طبقة الفقراء الذين يعملون عند أصحاب الثروة والسلطة، ومن ذلك على سبيل المثالِ بلالٌ الحبشيّ وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين؛ إلا أن الأعوام اللاحقة شهدت التحاقَ سادة مكّة وروّادها بتلك الحلقة النورانيّة.

وبالنظر إلى المؤمنين الأوائل الذين يُشكلون المركز والنواة الأولى في الإسلام يتسنى لكم إجراء مجموعة من التحليلات النفسية الاجتماعية؛ فيمكنكم على سبيل المثال القول إنَّ أولئك الأشخاص الذين كانوا يعانون الاضطهاد بحثوا دائمًا عن سبل للخلاص والنجاة من ظروف الحياة السيئة التي كانوا يعيشون فيها، وأنهم لما رأوا سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم وصدقه وعفته وفطنته العالية وحزمه سارعوا إليه باعتباره مرجعًا وملاذًا يمكن الرجوع إليه، أو أنهم لما وضعوا في حسبانهم عدم وجود أية علاقة تربطهم بالدنيا أو كونهم لا يملكون شيئًا من حطامها يخافون أن يفقدوه سَهُلَت عليهم التضحية بأرواحهم في سبيل الله، أو أنَّ رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم الواسعة ومعاملته الحسنة لأولئك الناس الذين تألموا ظلمًا واحتضانه إياهم ودعمه ومساندته لهم كان سببًا في قبولهم الإسلام بشكل أسرع وأيسر، ويمكنكم إلى جانب كل هذا أيضًا أن تعتبروا أنَّ هذا التوجُّهَ الذي صدرَ من أُولي الفقر والحاجة إلى مثل هذا النور الأزلي إنما تحقَّق بدافعٍ إلهيٍّ ليسَ إلا، ومهما كان العامل الذي أدى إلى تلك النتيجة؛ فإنَّ مما لا شكَّ فيه ولا ريب أنَّ الغالبية العظمى من أولئك الأبطال الذين شكلوا الصف الأول من المسلمين كانت من الفقراء والبسطاء الذين احتقرهم عِلْيةُ المجتمع وسادتُه.

ثمّ جاء يومٌ انضم فيه إلى صفوف المسلمين سادةُ المجتمع الذين كانوا في السابق يعترضون طريق المسلمين ويسعون لاضطهادهم وعرقلتِهم إذا ما سنحت لهم الفرصة، فعلى سبيل المثال نرى سيدنا حمزة رضي الله عنه وقد جاشت غيرته الإنسانية وثارت ثائرتُهُ الفطريّة عندما تفوّهوا بما لا يليقُ وحقَّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم[2]، يعني أنَّ هذه الجوهرة والقابلية كانت كامنة في روحه، فهذا الإنسان العملاق رمز البطولة والفتوّة أسلم نفسه تمامًا للإسلام بعد أن اعتنقه وإن كان قد تردد بعض الشيء في البداية، وخلّد اسمه في السماوات العلى بعد أن نال مرتبة الشهادة فصار يُعرف بـ”أسد الله وأسدِ رسوله”[3]، وأبو سفيان الذي كان رقمًا صعبًا في معادلة التمرّد والعصيان قد تبوأ رضي الله عنه مكانه إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم بدخوله في الإسلام بعد فتح مكة[4]، وهناك الكثير يشبهونه من قادة المشركين أسلموا أنفسهم للحق وانتقلوا من حظيرة الشرك إلى روضة الإسلام والإيمان.

لا ينبغي أن يُحرَم أحدٌ من الجمال والخير

 “فكم من شخصيّات عظيمة، وسلاطين ذوي وجوه نورانية، وملوك وأباطرة ككسرى أنو شروان” قد يخرجون اليوم من بين صفوف الأقلية الأوليغارشية التي كانت ترى نفسها في قمة النظام الطبقي وتتصرف وكأن من حقها أن تضطهد الآخرين وتسحقهم؛ قد يخرجون ويساندونكم في إقامة القيم العالمية وإرسائها.

بل يمكن القول إنَّ علائم هذا لاحت في عصرنا وظهرت كالندى الذي ينزل على أوراق الشجر والنبات وإن لم تكن كالمطر، لأن من يمتلكون إمكانيّات دنيويّة جيّدة للغاية ويبدون بالنسبة لبعضهم البعض في درجات متفاوتة بحسب النظام الطبقيّ ويَرون أنفسهم بعيدين عنَّا باعتبار فلسفاتهم، بل ولا تتوقّعون أن تُشاركوهم نفسَ الفكرة المثالية إذا ما تعرّفوا بالجمال والحسنِ تراهم يتقدّمون الصفوف ويتبنَّون أنشطةً في سبيل السلام والإنسانية، وإذا ببعضهم يرغب في افتتاح المدارس في بعض الأماكن، والبعض الآخر منهم يريد تأسيس جامعة في مكان ما، وآخر يريد أن يتبرع بقطعة أرض تقام عليها مؤسسة تربوية، ولأنهم يمثلون في الوقت ذاته قدوة للآخرين بسبب خدماتهم هذه فإن من يراهم في مثلِ هذه المواقف يتحمّس فيقول: “لأفتتح أنا أيضًا مدرسة، ولأنشئ أنا أيضًا جامعة”، ولذلك فإنَّ واجبنا هو الاهتمام بكل أفراد المجتمع دون التفريق بينهم أبدًا، وليس من الصواب أن نقول: “إن الإصلاح يتحقق بواسطة الفقراء أو الناس من الطبقة المتوسطة”، ربما يكون هؤلاء الأشخاص قد تقبّلوا ما تقومون به من خدمات منذ البداية بقبول حسن، وانشرحت صدورهم لكم، وأنتم أيضًا بدوركم قد خالطتموهم وعاشرتموهم كثيرًا؛ لكن مع ذلك لا بد من إعلاء الهمة والسعي من أجل الوصول إلى كل الأشخاص أيًّا كان مستواهم نظرًا لكثرة الخدمات اللازمة للإنسانية، ولا بد كذلك من السعي والاجتهاد لإدخال أصحاب الإمكانيات الدنيوية ومن يتعالون على الآخرين في الأمر، غير أنه ينبغي لنا ونحن نبذل وسعنا من أجل تحقيق هذا ألا ننسى أنَّ بعضهم يكفيه يوم كي يقبل ويؤمن بالقيم التي نؤمن بها، وبعضهم يكفيه أسبوع، وبعضهم لا يكفيه أقلّ من شهر، والبعض الآخر لا تكفيه سنة.

ومن يدري كم مرة طرق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بابَ أبي جهل، وعرض عليه دعوته! واستفاد من كل فرصة دون غضبٍ ولا جزعٍ، وسعى كي يبلغه بحقائق الإيمان؛ فقد كان أبو جهل من سادات بني مخزوم[5]، ولو أنه دخل في الإسلام لكان من المحتمل أن تتبعه قبيلته كلها فتعتنق الإسلام مثله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطرق باب أبي جهل فحسب، بل أبواب جميع سادات وزعماء مكة، وتردَّد عليهم بالنصح وقدم إليهم رسالته دون ملل ولا سأم ولا ضجَر، ومع أن الإيمان لم يكن من نصيبِ أبي جهل إلا أنه كان من نصيبِ ابنِه عكرمة رضي الله عنه، فلقد رقَّقَ النبيُّ قلبه بالرأفةِ والشفقة، فجاءه عكرمة بعد أن انضمّت قريش عن بكرة أبيها إلى قافلةِ الإسلامِ، ولم يتخلّف عن ركب رسولِ الله أحدٌ من زعمائها وصناديدِها، فآمن وأسلم، وحسُن إسلامه، وربما دخل الناس في دينِ اللهِ أفواجًا أفواجًا في شبه الجزيرة العربية كلّها بتأثير الحالة النفسية العامة[6].

ومن هذه الناحية فلا بد من الاستفادة من كل الوسائل والسبل المشروعة من أجل الوصول إلى كل شرائح المجتمع، وطرْقِ أبواب الجميع دون يأس ولا قنوط ولا ملل، فربما يسيء إليكم البعض، ويصِفكم بـ”الرجعية” و”التخلف”، أو يلمزكم بألقاب وأسماء مختلفة، لكنّكم إذا أدّيتم هذا الأمر حقَّ الأداء فإنّكم تحوزون ربحًا ومكسبًا يقينيًّا وإن لم تُؤدّوه كانت خسارة حتميّة بالنسبة لهم، فإن كانت رسالتكم مفتاحًا سحريًّا وسريًّا للفوز التام -وقد منح الله تعالى كل من يسعى بصدق وإخلاص في سبيله تعالى مفتاحًا سريًّا وسحريًّا كهذا- فحريٌّ بكم أنْ تحاولوا مرات كثيرة وعديدة أن توصلوا هذا المفتاحَ إلى أيديهم حتى وإن وصل الأمر إلى أن تقبّلوا أقدامهم مرات ومرات؛ فيجب على خدام القرآن الكريم ألا يأبهوا بأية كلمة وألا يعلَقُوا بأي عائقٍ أصلًا ولا بأية قسوة ولا جفوة كي يستطيعوا إدخالَ الناس وسَوقَهم إلى طريق السعادة الأبدية والخلود.

 

[1] الأوليغارشيّة: نظام سياسي تتولى السلطة فيه فئةٌ قليلة من ذوي النفوذ والمال.

[2] ابن إسحاق: السيرة، 151/2-152؛ ابن هشام: السيرة النبوية، 129/2.

[3] الطبراني: المعجم الكبير، 149/3؛ الحاكم: المستدرك على الصحيحين، 149/13.

[4] البيهقي: دلائل النبوة، 102/5؛ ابن عساكر: تاريخ دمشق، 458/23.

[5] ابن اسحاق: السيرة، 191/4؛ ابن أبي شيبة: المصنف، 255/7-256.

[6] ابن هشام: السيرة النبوية، 248/5-249؛ ابن الأثير: الكامل في التاريخ، 157/2-161.

الطريقُ إلى التوحيد الحقيقي يمرّ بالمصائب

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: هل للابتلاءات والمصائب دورٌ في إيصالِ أربابِها إلى التوحيد الحقيقي؟

الجواب: التوحيد الحقيقي هو تخلُّصُ الإنسانِ بإرادتِهِ من عالمِ الأسباب وما ينتج عنه ظاهرًا من البذخِ المذموم، ومراقبتُه اللهَ في كلّ أحواله، ومشاهدتُه قدرةَ الله وإرادته المُطلَقةَ مع كلّ حادثة، ومثل هذه النظرة العالية إلى التوحيد لا يصلُ إليها إلا العظماءُ من أبطالِ أفقِ القلب والروح، الذين نفوا أنفسهم واحتقروها، فاتّجهوا إلى الله سبحانه وتعالى لا إلى أحدٍ سواه، وانكبُّوا على مشاهدة ما تجب مشاهدته، فلم يروا الأسباب في وجه الحوادث، وإنما رأوا مسبِّبَ الأسباب الذي خلقها.

التوجُّهُ إلى التوحيد بلطفِ الله الجبري

ولمزيدٍ من التوضيح نقول: إذا كان الإنسان ضمنَ دائرة الأسباب يعيش وضعًا قد تَحَارُ فيه نظرتُه إلى الأشياء ويتشوّش عقله بتأثير الأسباب فإنَّ التوحيد الحقيقيّ عند ذلك يعني أنْ يُشيرَ الإنسان إلى الله مسبِّب الأسباب دائمًا دون أن يتذبذب أو يهتزَّ، وكأنه مؤشِّرٌ لا يُخطئ هدفَهُ في تحديد الاتجاه الصحيح، إلا أنَّ هذا التركيزَ وعدمَ الانحرافِ عن الهدف ولو مقدار ملليمتر واحد ليسَ سهلًا أبدًا في ظِلِّ سير الحياة وتدفُّقِها الطبيعي، لكنها عندما تُشابُ بالمصائب والابتلاءات ويعيش الناسُ فيها هزّاتٍ ورجفاتٍ، ويفقدون كلَّ السبلِ، وتبلغ قلوبُهم حناجرَهم، وتتقطّعُ بهم الأسباب؛ فإنّهم سيلجؤون باضطرارٍ إلى ربّهم جل جلاله، وكما ورد في الآية الكريمة: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (سُورَةُ النَّمْلِ: 62/27)، وهكذا فإنَّ الناس المضطرين الذين ضعفت قوتهم وقلت حيلتهم ولم يبق بوسعهم شيء يفعلونه يدركون أنَّ ثمة واحدًا فحسب يستطيع مساعدتهم؛ إذ إنَّ قوته كَفَت كلّ شيء، وهو صاحب القدرة المطلقة فيتوجّهون إليه سبحانه وتعالى، فالناس حين يسمعون صوت ضمائرهم حيث تفشل الأسباب تمامًا يُحِسُّون أن تجليات رحمته الخارقة قد غمرتهم وطوقتهم وحمَتهم في مواجهة الأزمات والمصائب، والإنسان في مثل تلك اللحظة يفهم أن الأسباب هي مجرد ستار، وأنَّ وراءه تكمُن القدرة والإرادة الإلهية المطلقة، وهو ما يعني نافذة تنفتح على التوحيد الحقيقي.

سِرُّ الأحدية في نور التوحيد

وخيرُ مثالٍ على ذلك قصةُ سيدنا يونس بن متّى عليه وعلى نبينا أزكى الصلاة وأتم السلام؛ فكما هو معروف أنَّ الحوت اِلتقَمَه في بطنه، وحينما فشلت الأسباب في تحقيق النجاةِ نادى يونسُ ربَّه من قاعِ الظلماتِ: ﴿أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ: 87/21)، وتوجه إلى الله تعالى بالرجاءِ والتسبيحِ والتمجيدِ والتعظيم؛ فكان ذلك سببًا في نجاته، ويحلل الأستاذ بديع الزمان هذه المسألة تحليلًا رائعًا في كتابه “اللمعات”[1]، والواقعُ أنَّ البعض ربما يرون شرح بديع الزمان المتعلق بهذا الموضوع بسيطًا لأنهم ألفوه واعتادوا سماعه، إلا أنّ هذا الشرح في حقيقة الأمر عميقٌ وبليغٌ بالنسبة لحقيقة التوحيد وما يتعلق منه بأسس الإيمان.

لقد عرض يونس عليه السلام حاله والوضع الذي وقع فيه على الحق تعالى -وهو أعلم به-، ووضعَ في حسبانه مغادرَته “نينوى” وتركَه قومه وركوبَه السفينة وإبحارَه بعيدًا دون مجيء الأمر بذلك… إلخ، وأنَّ ما ألمَّ به من المصائب إنما كان بسبب تقصيره، فراح يُحاسب نفسه حسابًا دقيقًا، ثم لاذَ ببابِ الله تعالى؛ فهو سبحانه دون سواه مَنْ استطاع أَنْ يُنقِذه من ظلمة الليل البهيم وهولِ البحر العميم وبطن الحوت الظليم حيث سقطت الأسباب تمامًا وفشلت في تخليصه مما حلَّ به، وبفضل تضرُّعه إلى الله ورجائه إيّاه سبحانه وتعالى ظهر سر الأحدية الذي يعني توجُّهًا إلهيًّا خاصًّا في نور التوحيد، فانقشعت كلّ الظلمات في لحظة، وانمحى تأثير الأسباب، وخرج سيدنا يونس عليه السلام إلى شاطئ السلامة.

وباعتبارِ النبوّة التي نالَها يونسُ عليه السلام فربما يكون قد تلقّى رسالةً إلهيّة خاصّة تُبين له ما يجب عليه أن يفعله مع هذه المصيبة؛ فما حدث له إنما هو معجزة في الأساس، إذْ لا يمكن لإنسانٍ في الظروف العادية الطبيعية أن يواصل حياته في بطن الحوت؛ فطبيعةُ الإنسان لم تُخلق بحيث تلائم العيش في مكانٍ ما بدون الأوكسجين، غير أن يونس عليه السلام لم يقنط قطُّ بفضل ما فهِمَهُ من رسائلِ الوحي؛ فأخلص التوجُّه إليه سبحانه، واتجه إليه بشعور التوحيد الخالص فنجا وسَلِمَ.

نغمات التوحيد تصدحُ من معازف البلاء

إننا أيضًا نتعرض لما تعرض له يونس عليه السلام من مصائب وابتلاءات ونعيش ما عاشه منها على المستوى الفردي أحيانًا، والعائليّ أحيانًا، وعلى مستوى العشيرة أحيانًا أخرى؛ بل إنه قد تعيش الأمة قاطبة حالة من الاضطرار في بعض المواقف، فتظل تتلوى منها عجزًا وضعفًا، لكنّ المهمَّ أثناء الأزماتِ والمصائِبِ هو تحليلُها بتفحُّصٍ وتدقيقٍ حقيقيَّين، واستقراؤُها استقراءً جيّدًا، ودراستُها دراسة صحيحةً، وإنارةُ الطريق الموصلة إلى التوحيد الحقيقي؛ فربما أنّ الله جل جلاله المنزَّهَ والمبرَّأَ من العبث قد خلق مثلَ هذا العجز من أجل حصول الناس على بعض المكتسبات المهمة، فإنْ أدركنا هذا وقابلنا الأزمات بِالرِّضا والتسليم، وتوجهنا إلى الحق تعالى تمام التوجه بدفع العجز الذي نتعرض له تَسَنَّى لنا إعمارُ الدنيا والفوزُ بالآخرة؛ فالأزمات التي نتعرض لها ههُنا في الدنيا ستكون لها نتائج مختلفة تمامًا في الآخرة؛ فهناك ستصبح القطرة بحرًا، والذرةُ شمسًا.

أجل، إنَّ تعرُّضَ من ينتسبون إلى فكرة أو حركة معينة لمجموعة من المصائب قد يبدو بظاهِرِه شرًّا بالنسبة لهم، بيد أنَّه ربما تكون المشيئةُ الإلهيّةُ كتَبَتْ ذلك عليهم كي يتوجَّهوا إلى ربّهم ويلتجِئوا إليه دون سواه؛ فحالات الاضطرار قد تفتح لهم باب الفرصة للوصول إلى التوحيد الحقيقي، ولذلك فعليهم أن يعتبروا الابتلاءات والمصائب التي تحلُّ بهم لطفًا إلهيًّا، ويقولوا:

ما أعذب البلاء إن كان من جلالِهْ!

وما أحلى الوفاء إن كان من جمالِهْ!

فكلاهما للروح صفاء

فما أحلى اللطف منه! ومنه ما أعذب القهر والابتلاء!

فبعد أن ندرك أن الابتلاءات والمصائب التي نتعرض لها إنما جاءت من عنده سبحانه وتعالى ونُسلِّم بذلك ونقابلُه بالرضا فستكونُ كلُّ النوازلِ والمستجدّاتِ حُبلى بالخيرِ العميم.

ولكي تكون الأزمات الشخصية والأسرية والاجتماعية وسيلة إلى اليقظة والتوجه إلى الله تعالى فإنه ينبغي لنا أن ننظر إليها بتلك النظرة؛ أو على الأقل أن تكون تلك الأزمات علامةً على حياة وحيوية كامنةٍ فينا تمكننا من النظر إليها بهذا المنظار، وعلى سبيل المثالِ فإنْ أودِع المريضُ في العناية المركزة فربما يُعادُ إلى الحياة مجدَّدًا بصدمةٍ كهربية يُعَرّض لها ما دام قلبه ودماغه لم يموتا بعدُ، والمنطقةُ الجغرافية التي يعيش فيها المسلمون في يومنا هذا تشبه مريضًا راقدًا في غرفة العناية المركزة ما زالت فيه علامة من علامات الحياة أو مصابًا لا يزال قلبه ودماغه حيَّين لم يموتا رغم أنه تعرض لحادث سير خطيرٍ ومؤلِمِ جدًّا، ومهما كان سقيمًا وعليلًا بسبب حالته هذه إلا أنه يبدو من الممكن أن ينهض على قدميه يومًا ما؛ إذ إنَّ قلبه ودماغه لم يموتا بعدُ، ولهذا فثمة حاجة ماسة إلى إحداث صدمة كهربيّة حقيقية.

ومن سنن الكون الأزليّة أنَّ مَنْ تتكاثرُ عليهم المصائبُ والابتلاءاتُ وتضيقُ عليهم الأرضُ بما رحبت إذا ما التجؤوا إلى الحقِّ تعالى واتّجهوا إليه فإنّه يمنُّ عليهم ويُدرِكُهم بفيضِ لُطْفِهِ وسحائِبِ عنايتِه، واليوم أيضًا فإنّه جلَّ جلاله قادرٌ على أن يمُنَّ على جيلنا بصحوةٍ ويقظةٍ على ذلك المنوال، ولكن شريطةَ أن نُطالع نحن المصائبَ والابتلاءات مطالعة صحيحة، ونتوجه إليه توجُّهًا تامًا وصادقًا، وندرك بروحِ الاضطرار مدى عجزِنا وفقرِنا إليه سبحانه وتعالى.

 

[1] بديع الزمان سعيد النورسي، اللمعات، اللمعة الأولى، 6.

رَتَابة النظام وأَعمَار المجتمعات

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: هل ما تُنتِجُهُ رتابةُ النظام من العمى هو الذي يُحوِّلُ ما تُنجزه الخدمة في سبيل الله من أعمالٍ قيّمة إلى أعمالٍ عاديةٍ ورتيبةٍ في نظرِ البعض مع مرور الزمن؟ وما الواجب عمله حتى نتجَنّب الوقوع في مثل ذلك؟

الجواب: إنَّ مَنْ التَفُّوا حول غاية مثالية هي إبهاج الإنسانية وبثّ نسمات السعادة في كل أرجاء العالم قد بذلوا وما يزالون يبذلون جهودًا ومساعي حثيثة حتى اليوم كي يُحقِّقوا رؤاهم وأحلامهم تلك، ومن الواضح أن الحق تعالى بارك في جهودهم تلك فأثمرتْ؛ فضاعفها لهم بغيثٍ من نعمائه ولطفه، ووفقهم في الطريق الحق الذي سلكوه، غير أن استمرار تلك النجاحات التي هي إحدى نتائج العناية الإلهية مرهون بالحفاظ على الإخلاص والصدق، وعدم التخلي أبدًا عن الفكرة المثالية التي هي محور العمل، فإن تجاهَلْنا -والعياذُ بالله- النِّعَمَ الإلهية التي تغمرنا من مفرق رأسنا إلى أخمص قدمينا، ونسبنا إلى أنفسنا ما نلناه من نجاحات وأقمنا الوسائل مقام الغاية تعرضنا نحن أيضًا إلى الانهيار الذي تعرضت له كل المجتمعات، وإذا درَسنا جيِّدًا أسباب الخسائر التي مُنِيَت بها المجتمعات الإسلامية في عصور مختلفة نجدُها مرتبطةً بمثلِ هذه العثرات الفكرية ارتباطًا وثيقًا. 

لا بد من الاعتراف بالعناية الإلهية في النجاحات

وزيادةً في التوضيح نقول: إنَّ رجال الخدمة الفدائيين الذين هاجروا إلى كلّ بقاع الأرض يحظَون بتوفيقٍ وإحسانٍ إلهيٍّ يفوق ما يبذلونه من جهدٍ، إذ إنَّ أحدًا منهم لم يُعرِّض نفسَه للخطر بِقَدرِ ما فَعَل القادة في غزوة مؤتة، ولا اشتبك أحدٌ منهم مع العدو بقَدْرِ أبطال اليرموك؛ ومع ذلك فقد حظوا بالاهتمام إلى حيث ذهبوا، ونالوا التقدير على الخدمات التي قدموها رغم أن اهتمامهم بهمومِ الإنسانيّة لم يرتقِ بهم إلى أفقٍ ينسون فيه طرقَ منازلهم وأفرادَ أُسرِهم وأسماءَ أبنائهم.. والحقيقةُ التي لا تُنكَر هي أنَّ الجهود والمساعي المبذولة في الأماكن التي هاجر إليها رجال الخدمة الفدائيون تتسبب بلطف الله وفضله في إنجاز خدمات عظيمة على مستوى العالم، ولكنَّ تجاهلَ العناية والرعاية والكلاءة الإلهية التي تقف وراء تلك الخدمات ونسبةَ كلّ هذه الأفعال الجميلة إلى أنفسنا والاعتقادَ بأنَّ النظام أو المؤسسة التي تكوَّنت بلطف الله وعنايته سوف تستمر وتبقى هكذا دائمًا، حتى وإن لم تحافظ على النسق المطلوب، كلُّ هذا يعني رتابةً وعمى خطيرًا وحقيقيًّا.

ضرورة التحدّث بنعمة الله عند النجاح والتوجه إليه سبحانه وتعالى

نعم، إنَّ الرتابة والعمى يتولّدُ في جذرِ الإنسانِ مع أي نجاحٍ يُحقِّقُه في مختلف المجالات، كالارتقاء إلى مستوى ومكانةٍ مرموقة، واكتمالِ الشكل المؤسَّسيّ، وتأسيسِ نظام سليمٍ وقويّ، علاوة على أن الذين يعانون من مثل هذه الرتابة والعمى ربما يتعرضون لمكرٍ أو استدراج إلهيٍّ بحيث ينسبون إلى أنفسهم النِّعَمَ التي يفيض الله تعالى عليهم بها؛ ولذلك فقد يقعون في هاويةِ الكِبْر والغرور بدلًا من التحديث بِنعم الله عليهم وحمده والثناء عليه لتلك النجاحات التي حظوا بها، وكلُّ هذه الأمور عوامل تُطِيحُ بالإنسان وتقلبه رأسًا على عقبٍ.

وكما ذكر العلماء والمؤرّخون الاجتماعيون فإنَّ أغلب المجتمعات والأمم التي تُحقِّقُ نجاحات معينة تعيشُ فترةً من الرتابة والعمى تختلف درجتها بحسب نشوة النصر، وقد تسبب مثل هذا الوضع في تفكُّك المجتمعات وتشرُّدها فَهَوَتْ وتردَّت في حفرٍ سحيقة، وعند دراسة وتَفَحُّص أسباب انهيار كلٍّ من “روما” و”بيزنطة” و”السلاجقة” و”العثمانيين” يتبيّن أنهم جميعًا عاشوا نفس القَدَرِ والنهاية، ويمكننا القول إنَّ بعضَ الدول البارزة في توازن القوى الدولي بدأت في عصرنا الراهن تدخل مرحلةً شبيهة بتلك، والحقيقة أنَّه عند إخضاع المسألة لتحليلٍ صحيحٍ نخلصُ إلى نتيجةٍ مسلّمة، ألا وهي أن الدول التي سيطرت على أماكن معيّنة من العالم وحققت بعضَ النجاحات دخلَت في مرحلةِ عمى النظام وانتهى بها المطافُ إلى التفكُّك.

ضرورةُ توجيهِ الناس وتوظيفِهم بما يُحقِّقُ الغايات السامية

إن حماية المجتمع من الإصابة برتابةٍ وعمًى كهذا وإطالةَ عمره تقتضي توجيه الناس إلى أهداف سامية وتكليفَهم بواجبات ينشغلون بها دومًا، فيعملوا دائمًا ويتحرّكوا بأدمغتهم المفكّرة وأرواحِهم المنفتحةِ على الجميعِ وضمائرِهم التي تسعُ الكون بأكمله، وينبغي لهم ألا يفقدوا أبدًا قدرَتهم على الشدِّ المعنوي؛ فإنْ لم تشغلوا الناس بغايات سامية وبمجموعةٍ من الأعمال النافعة في سبيل تحقيق تلك الغايات شغَلَهم الشيطانُ بالباطل.

تطوير أسلوب الخدمة وفقًا للبيئة الثقافية أو الظروف المحيطة بها

ويجب عليكم من جانبٍ آخر أنْ تضعوا في حسبانكم البيئات الثقافية المختلفة المنتشرة في الدنيا وتستفيدوا جيّدًا من القواسم المشتركة، وتُحدِّدوا نقاط الاتّفاق تحديدًا صحيحًا، ثم تنشغلوا بشكل وصيغةِ الخدماتِ المستهدف تنفيذُها، وتبحثوا عن مجموعة من الطرق والأساليب الحديثة وفقًا للظروف كي لا تتعرضوا لرتابة وعمى النظام، وإلا فمن المتوقع والمُقدَّر أن تتعرضوا للضعف والزوال والاندثار.

سدُّ الأبواب أمام حبّ النفس والدنيا

إلى جانب ما تقدم فإنَّه ينبغي لمن يتصدرون هذا الأمر أن يسدّوا الأبوابَ أمام النفس والدنيا، وأنْ يُحكِموا إغلاقها بعشرات المتاريس، وإذا ما دعاهم داعٍ إلى الدنيا ومفاتنها أجابوه قائلين: “لا تُتعب نفسك سُدًى؛ فجميع الأبواب موصدة!”، بل وعليهم ألا يتشوفوا إلى أي شيء حتى ولو كان أخرويًّا، وليس دنيويًّا فحسب، وأنْ يطلبوا رضا الله تعالى لا غير، ويعيشوا حياتهم وفقًا لفلسفة الأستاذ بديع الزمان:

“إنْ رأيتُ إيمانَ أمتنا في خير وسلام فإنني أرضى أنْ أُحرق في لهيب جهنّم؛ إذ بينما يحترق جسدي يرفل قلبي في سعادة وسرور”[1].

التحرُّك في فلك القلب والروح

 إن من ينسبون الأمور إلى أنفسهم سيفقدون حماسهم إن عاجلًا أو آجلًا وسيموتون معنويًّا، أما مَنْ محوا أنفسَهم فقد أرجعوا الأمر إلى الله عز وجل ولجؤوا إلى قوته وقدرته، ومن لجأ إلى قوته وقدرته سبحانه وتعالى يتجاوز الصعاب حتى ولو بلغت عنانَ السماء ومتنَ الجوزاء؛ لأنه اعتمد على القوة والقدرة الأبدية الخالدة، ومع ذلك كله فهو لا يتعب ولا يفقد شيئًا من قوته وطاقته في أثناء عمله في سبيل الله.

ومن ثم فإنَّه يجب على من يتقدمون صفوفَ المجتمع أن يُحافظوا على نشاطهم وحيويتهم كي يتسنى لهم منح النشاط والطاقة إلى مَنْ حولهم؛ فمن لا يتحركون في فلك القلب والروح يستحيل أن يكونوا وسيلة لإحياء الآخرين، ومن فقدوا حيويتهم ونشاطهم وتعرضوا للانهيار المعنوي والروحي لا خير فيهم لأنفسهم فكيف يكون فيهم خيرٌ للآخرين والقاعدة أنَّ: “فاقدَ الشيء لا يُعطيه”، ومن ثم فلن يستطيعوا إكساب الآخرين الحياةَ والعشقَ والهيجانَ، ولا سيما من يُسلِمون أنفسهم للخوف والترف وحبِّ النفس والمال والبنين، ومَنْ يَستخدمون مناصِبَهم مِنْ أجلِ اختطافِ بعضٍ من إمكانياتِ الأمة لمصالحهم الشخصية يستحيل عليهم تمامًا أن ينفثوا الحياة في غيرهم.

النشاط الدائم وضرورةُ السعي من نضالٍ إلى آخر!..

منذ فجرِ الإسلامِ مرورًا بعهدِ الخلفاء الراشدين كان الناس يتقلّبون في الجهادِ دائمًا،  فتارةً من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر والعكس تارة أخرى؛ ولذلك فقد حافظوا على الحيويّة النابضة وحققوا من الفتوحات ما لا نظيرَ له، ولم يكن لديهم من حطام الدنيا شيءٌ سوى بيوتهم الطينيّة، ورغم ذلك فإنَّ تلك القامات العظيمة المنفتحة على رحابة الأفق تسببت بإذن الله تعالى وعنايته في إعمارِ بقاعٍ شتّى من العالم، ولذلك فإن السبيل الوحيد للنجاحِ والتغلُّبِ على رتابة وعمى النظام إنما هو إدراكُ هذا القوام الذي مثَّله الصحابةُ الكرام ومن ثمّ تنشئةُ أجيالٍ تحمل الغاية المثاليّة وفقًا لذلك القوام.

القدرة على إطالة عمر المجتمعات

وإن إعمالَ هذه النصائح وتفعيلَ هذه التدابير ليسَ كفيلًا بالحيلولةِ التامّة دون موت المجتمعات؛ لأن الموتَ أمرٌ حتميّ بالنسبة للمجتمعات كما هو بالنسبة للبشر، وقديمًا وجَّهَ أحدُ العظماء للأطباء عبارةً مشوبةً بالتوبيخ والتأنيب فقال: “ألا تستطيعون أن تعثروا على حلٍّ للموت!؟”، والحقُّ أنه لا حيلة في الموت لأن الله جل جلاله قد خلق الموت والحياة، ولا يمكن القضاء على الموت في هذه الدنيا.

وقد قال نبيُّنا صلى الله عليه وسلم عن نهاية الموت: “يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: وهَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ[2]، وذكرُ اسمي الله “الـمُحْيي والـمُمِيت” متعاقبين متجاورَين في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة يشيرُ إلى تلك الحقيقة، أي إنَّ الله تعالى هو خالق الموت كما أنه هو خالق الحياة، وبحسب التعبير القرآني فإنَّ الله تعالى هو: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (سُورَةُ الْمُلْكِ: 2/67).

وعليه فإن الموت حقيقة حتميّةٌ عامّة في هذه الدنيا، غير أنه يمكن تأخيرُ حدوث مظاهر الانهيار والانكسار التي تبدو أمرًا مقدرًا بالنسبة للمجتمعات؛ وذلك عن طريق مراعاة العوامل التي ذكرناها آنفًا، ومن ثَـمَّ تطول أعمار تلك المجتمعات، تمامًا مثلما حدث للعثمانيين؛ فإنهم حتى وإن كانوا قضوا جزءًا من عمرهم في القمة، وجزءًا منه في حالةٍ من الشلل التام، وجزءًا في العناية المركزة؛ إلا أنهم صمدوا مدة طويلة قلّما تيسَّرت لغيرهم؛ فكانوا حتى في مراحل الشلل والعجز يضطلعون بدورهم الفاعلِ كعنصرٍ مهمٍّ من عناصر التوازن الدولي.

 

[1] بديع الزمان سعيد النُّورسي: سيرة ذاتية، ص 492.

[2] انظر: صحيح البخاري، التفسير، 1/19؛ صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، 40.

طغيانُ القوة والتفرعُنُ

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: إن بعضَ المسؤولين عن مؤسّسة معيّنة أو مَنْ يتولّون إدارة أحدِ الأماكن ربما يعتبرون أنفسَهم بعد فترة أصحابَ ذلك المكان؛ فكيف ينبغي أن يكون سلوكُ المؤمن ومنهجه في هذا الشأن؟

الجواب: هناك فرقٌ كبيرٌ بَينَ أن يتحمّل المرءُ مسؤوليّة عملٍ كَلّفه الناس به واختاروه من أجله بكاملِ إرادتهم وبين أنْ يعتبر الإنسانُ المكانَ المسؤولَ عنه وكأنه ملْكُه الخاص، ولكنَّه من المؤسف أنَّ كثيرًا من الناس عن هذا غافلون، والواقع أنَّه إنْ لم يَتبع كُلُّ مسؤول وإداريٍّ منهجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين رضوان الله عليهم فإنَّه يبدأ بالانزلاق على دهاليزِ التجبُّر والاستبدادِ والطغيان حيث لا يعتبر نفسَه مجرَّدَ مؤتمنٍ على المنصِب الذي يشغله، بل إنه يشرع في اعتبار نفسه وكأنه صاحبه ومالكه.

أناسٌ يَلُومون أنفسهم أولًا لما يقع من سلبيات

وإنَّ المسؤولين إذا ما حاسبوا أنفسَهم ولاموها بالدرجة الأولى عند حدوث أية سلبيّة ضمن دائرة مسؤوليَّاتهم يكونون بذلك قد حقّقوا أهمَّ أسس الوقاية من مصائب كتلك؛ فمثلُ هذا الفهم والفلسفة الإداريّة يعتمد على مشاعرنا وفكرنا الديني، ومنهجُ سيدنا عمر رضي الله عنه في هذا الشأن يُشكّل نموذجًا يُحتذى؛ فبالرغم من أنه كان رجل دولة عظيمًا حقَّق في أثناء خلافته البالغة عشر سنين فتوحاتٍ عظيمةً تعدل تلك التي تحققت في العصرين السلجوقي والعثماني فقد سجد بسَحَرٍ في مكان منعزلٍ عامَ الرمادة، وراح ينتحب ويدعو الله قائلًا: “اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي!”[1]، ولذلك فإنَّه يجب على كلِّ مسؤول ورائد أنْ يعتبر نفسه المسؤول الأوَّلَ عما يحدث من سلبياتٍ وانكسارات وتصدُّعات، وأنْ يتضرّع إلى الله بالدعاء ويبذل وُسْعَه في سبيل حلِّ المشكلات.

والأرواحُ المتفانية التي وقفَت نفسَها على خدمة الإنسانيّة وتحمَّلَت بعضَ المسؤوليات بغية إفراغ ما في قلوبها من إلهام إلى الصدور المتعطّشة إليه؛ من الممكن أن تواجِهَ في بعض الأحيان مشكلاتٍ وعقباتٍ لم تكن تتوقّعها قطّ؛ فقد يَمُنُّ اللهُ تعالى عليها ببعض النجاحات التي تجلب تقديرَ الناس ومباركتَهم، وهو ما قد يستثيرُ حفيظة ضِعاف الشخصيّة فيرغبون في أنْ يظهروا في نفس المكانة جنبًا إلى جنب مع الأرواح المتفانية، وهذه الرغبةُ إنما هي لمجرد تحقيق المنفعة والمصلحة الشخصية ليس إلا، وحينما يعجزون عن نيل ما يتشوّفون إليه فإنهم يلجؤون إلى كل أنواع الشرِّ بما في ذلك الكذب والافتراء، ولا ريب أنَّ الله جل جلاله سيحاسِب مرتكبي تلك الشرور حتمًا، غير أنه يجب على المسؤول عن مكانِ حدوثِ تلك المشكلات والأزمات أن يحاسِب نفسَه قبل الجميع، ويسألها قائلًا: “تُرى أيّ خطإ وقعتُ فيه فحلَّت بنا مثل تلك المصيبة؟!”.

رجالٌ لا ينسبون لأنفسهم أيَّ نجاح

إن الإداريين إذا افتقدوا شعورَ المحاسبة والمراقبة النفسية فلن يرغبوا أبدًا في الاعتراف بقراراتهم الشخصيّة الخاطئة وما نتجَ عنها من مشكلات؛ بل يبحثون عن المخطئِ في الخارج دائمًا، وينسبون الأخطاء إلى من حولهم، وعندما تُذكر الأخطاء والعيوب يعتبرون ذلك تهديدًا لهم، ويرغبون في إسكات الأصوات وتكميم الأفواه المخالفة لهم، وعليه ينزلقون إلى الطغيان والتفرعُن على قدرِ مستواهم.

إنَّ هؤلاءِ المغفَّلين الذين ينسبون إلى أنفسهم كلَّ نجاح يَمُنُّ الله تعالى عليهم به بسبب جهود عامة المجتمع يظنُّون أنَّ كل شيء يبدأ وينتهي عندهم؛ ومن ثم يتوهمون أنهم مبدأ كلِّ شيء ومنتهاه؛ ومثل هذا الوضع يعني في الأساس نوعًا من أنواع ادّعاء الألوهية، ومن يهُمُّ بادِّعاءٍ كهذا ستكون عاقبتُه وخيمةً، عبَّر عنها الله تعالى في الحديث القدسي الذي رواه عنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: “اَلْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ[2]؛ ففي هذا الحديث يُحذِّر الحقُّ تعالى كلَّ مَنْ يتكبر ويستعظم نفسَه ويَهُمَّ ليشارك الله عز وجل في هذه الصفات الإلهية بأنه سيأخذه أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ فيطرحه في نار جهنم.

العقل المشترك وأهل المشورة

وكما أنَّه ليس ثمة شيءٌ على الإطلاق قد بدأ بنا؛ فلن ينتهي أو يتوقف أيُّ شيء بذهابنا أيضًا، وعلى النقيض؛ فإن الأشياءَ التي نراها مرتبطة بنا تكون عاقبتُها عقيمةً ووخيمةً، ولكننا إذا ما نأينا بأنفسنا عن الأنانية والمزاعم النفسية سَلِمَت الأعمالُ المنجزة ولم تتعرض للانقطاع والانكسار، وعلى الإنسان أن ينظر إلى نفسه وإلى الخدمات الذي استُعمل فيها هكذا دائمًا، وأنْ يُدير الأمور ويعزوها إلى العقل المشترك بدلًا من أن يرهنها بشخصه، وألَّا يستغني أبدًا عن مبدإ الاستشارة، وإذا ما رأى نفسَهُ عاجزًا عن النهوض بالعمل المكلف به ومقصِّرًا في الوفاء بمسؤولياته فعليه أن يتحلَّى بشجاعة التنحِّي عن تلك المسؤولية، وأن يقول بكل راحة: “إنني بالنظر إلى المكان الذي أشغله أعملُ على تطوير مشاعر الوفاق والاتفاق بين الناس والتأليف بين قلوبهم سائلًا الله التوفيق الإلهي، وإن كنتُ لا أستطيع الوفاء بحقِّ موقعي، ولا تمثيلَه بالشكل اللائق اللازم، ولا أن أكون موثوقًا بي بالنظر إلى حالي ومظهري فيمكنكم عزلي من هذا الموقع وتكليفي بوظيفة أقلَّ منه”، وينبغي أن تكون أفكارُ ومشاعرُ من يدَّعون أنهم نذروا أنفسهم للحقِّ والحقيقة والأمة والإنسانية سائرةً في هذا الاتجاه.

رجالٌ لا يتشوَّفون إلى أيّ شيءٍ

ويجب عليهم بالنظر إلى الواجب الذي يقومون به ألَّا يتشوَّفوا إلى أيِّ شيء دنيويًّا كان أو أخرويًّا؛ فينبغي ألَّا تتولد في قلوبهم أيَّةُ أفكار تشوُّفيّة مثل الوصولِ إلى المناصب العليا، وإحرازِ مراتب مختلفة، وذيوعِ صيتهم بحيث يُشار إليهم بالبنان، لأنَّ تَطَلُّعَ العين دائمًا إلى الأعالي مما يتعلق بالنفس والدنيا ما هو إلا تعبيرٌ عن العُجب بالنفس والغرور والتكبُّر، وقدرةُ المتكبرين على التحرُّك بتوازنٍ ووفاؤهم بحقِّ مواقعهم ووعيُهم بمسؤوليّاتهم أمرٌ صعبٌ للغاية؛ فهم يرون أنفسهم كلَّ شيء، ويظنُّون أنّهم إنْ تخلوا عن الموقع الذي يشغلونه فإنَّ الزلازل ستقومُ قائمتُها، وستهتزّ الدنيا، وسيتحرك خطُّ الصدع من مكانه.. وظنُّهم هذا هو عينُ الغفلة والضلال.

رجالٌ آثروا التابعية على المتبوعيةِ

ومعظمُ المقاييس التي قدّمها الأستاذ بديع الزمان في رسالتي “الإخلاص” و”الأُخوة” معاييرُ ذهبية تراصَّت في هذا الاتجاه، ومراعاتُها مهمّة للغاية من أجل الحيلولة دون الوقوع في مثل تلك المنزلقات؛ إذ يقول: “إن كان الإنسانُ يرجِّح أن يكون “تابعًا” على أن يكون “متبوعًا” –وهذا الأخير هو سبب المسؤولية والخطر في الحقيقة-؛ فسيفوز بمرتبة الإخلاص وتزول الخلافاتُ”[3]، أي إنَّه حريٌّ بالمرء أنْ يفضّل اتباع إنسانٍ لائق وجدير بالاتباع على اتباع الآخرين له، ولنفترض أنَّ الصلاة ستؤدَّى جماعة في مكان ما؛ حينها يلزم على الإنسانِ ألَّا يُسارِع ويطلب الإمامة، بل عليه أن يتراجع وألَّا يتقدم، وأن يُجيدَ وظيفةَ الاقتداءِ بالآخرين، بل وينبغي ألَّا يتقدم حتى للأذان والإقامة إلَّا إذا رآه الناس جديرًا به وعرضوه عليه، فإن رُوعِي التصرف بحساسية ودقة هكذا في الأمور الاجتماعية الظاهرة كالإمامة والخطابة استقرَّت هذه الأخلاق في قلوب الناس، وصارت طبيعة فيهم مع مرور الزمان، وإن تولى الوظيفةَ الإدارية من يتمتَّعَ في أبعادِ سجيّتِه وعمقِ طبيعتِه بالقدرة على كبحِ جماحِ نفسِهِ والسيطرة عليها فإنه لا يتردّى في دركاتِ الطغيان ولا في دركات التجبُّرِ والاستبداد.

يجب ألا يُهملَ الغذاء الروحي

على الناذرين أنفسهم في سبيلِ خدمة الدين والإنسانيّة أن يخضعوا لتدريبٍ وتمرينٍ من هذا النوع منذ البداية، وعلى الإنسان ألا يصبح طاغية صغيرًا حين يكون مسؤولًا عن دائرة ضيقة؛ حتى لا يُخيَّل إليه إذا ما اتَّسع مجالُ مسؤوليته أنه حاكم العالم، فيغدو طاغيةً كبيرًا جامحَ الخيال يسعى لتنفيذ مشاريع يستحيل تحقيقُها، فيسحق الناس ولا يستمع لأحد حين يعجز عن تحقيق ما يريد.. بل على الإنسان أن يفعل العكس؛ فيؤمن بأن ما جرى على يديه من نتائج إيجابية إنما تحقّقَ بحول الله وقوته وبإذنه تعالى وعنايته، وعليه ألا ينسى أنَّ نفسَه ما هي إلا مجرّد سببٍ بسيط فحسب، وأن يعرف حدوده وقدره أيًّا كان موقعه، فرحم الله امرءًا عرف حدّه فوقفَ عنده.

ولهذا فإنَّه ينبغي أيضًا ألا تُهمَل تربيةُ أيِّ إنسان تربيةً معنويةً روحيّة بدءًا من أقل درجة وظيفية إلى أعلى درجة، ولا بد من تأهيل الناس دائمًا وأبدًا في إطار النظم الإسلامية والإنسانية والأخلاق الكونية، ومساعدتهم على أن ينشأ كلٌّ منهم “إنسانًا”، فإن لم يتغذَّ الناس معنويًّا وروحيًّا، وتُركوا دون ضابط ولا رابط تردَّوا في الهاوية هالكين، ثم يهيمون على وجوههم تائهين متشرذمين كلٌّ منهم يقول: “نفسي نفسي”، فيعيشون في انفصالٍ مدمّر، ووحدةٍ موحشة، ويُفنون أعمارَهم في سجنِ أنانيّتهم الضيّق، نسأل الله السلامة.

 

[1] ابن سعد: الطبقات الكبرى، 237/3.

[2] سنن أبي داود، اللباس، 27؛ سنن ابن ماجه، الزهد، 16.

[3] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة العشرون، النقطة الأولى، ص 211.

مواصلةُ الخدمة رغم كلِّ العراقيل

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: نعيش اليومَ حالةَ بَلبَلَةٍ خطيرة حقًّا؛ إذ شُوّهت الصورة الحقيقيّة لأناسٍ بشنِّ حملات تشويه وإساءة كاذبة وبمجموعة من الظنون والأوهام؛ فكيف يجب أن تكون فلسفتنا إزاء ذلك؟ وما مفهوم العمل والنشاط في ظلِّ هذه الظروف؟

الجواب: بدايةً يجب على من يخدمون في سبيل الحقِّ أن يقبلوا بحقيقة تتجلى ظاهرة في حاضرِنا اليوم كما تجلَّت في الماضي القريب والبعيد، وهي أنَّ من يحملون صفات ذميمة كالحقد والكره والحسد سوف يعتبرون فئات المجتمع المخالفة لهم فكريًّا أعداءً، فيهاجمونها في كل مكانٍ، ويرتكبون تجاهها ما لا يُتوقع من شناعات ودناءات من أجل حماية مصالحهم الشخصية؛ وذلك بسبب جنون العظمة الذي أصابهم، غير أنَّه ينبغي للأرواح التي نذرت نفسها لله أن تلجأ إليه سبحانه وتعالى دائمًا في تَسلِيمٍ وتوكُّلٍ، وأن تواصل كلَّ أنشطتها معتمدة عليه تعالى، وأن تُبْقِي عينَها على “النور الخالد” صلوات الله عليه، وتُواصلَ المسير والتقدّم في الطريق الذي تراه حقًّا بضمير ووجدان فسيح يحتضن الإنسانية جمعاء برغم كلِّ المعوقات والشرور.

والحقيقة أنكم ربما تجدون وأنتم تسيرون في هذا الطريق جفاءً ممن تأملون منهم الوفاءَ، وقد يتخلَّى عنكم من سِرتُم سويًّا وتقاسمتم معهم أشياء كثيرة حتى اليوم، بل وربما يطعنُكم في ظهوركم أشخاصٌ لا تتوقَّعون منهم فعلَ ذلك أبدًا، غير أنَّه ينبغي لكم أن تفتحوا أبوابًا وآفاقًا جديدة في وجدانكم، وتُواصلوا السير في الطريق الحقِّ الذي أنتم عليه دون سأمٍ ولا مللٍ ولا اهتمامٍ بمثل تلك السلبيات، وعليكم أن تعملوا على أن تزيدوا من سعة روحكم وتوسِّعوا أفق وجدانكم باستخدام مقوِّمات جديدة.

مرشدون لا يَخدعون

ثمة حاجةٌ إلى مرشدين وهداة يَبُثُّون الثقة دائمًا فيمن حولهم ولا يخدعونهم ولا يُضِلُّونهم لا سيما في عصرٍ سادت فيه الفوضى، وراجت فيه فتنٌ مرعبة وعظيمة أشارت إليها كتبُ الحديث في أبواب “الفتن والملاحم”، وتوالت فيه أحداثُ الهرج والمرج، وعُدَّ الخداع مهارةً وفنًّا، فعليكم أن تُعلِّموا الإنسانية معنى الثقة والأمن، وذلك بأن لا تخدعوا أحدًا لا بالقول ولا بالفعل ولا بالمنظر، ويجب ألّا يجد الآخرون في نبض قلوبكم ودقّاتها ما يُوحِي بالخداع والتضليل وإن ظلوا يراقبونكم ولو حتى خمسين سنة.

والحقيقةُ أنكم قد تعانون بعضَ الشيء في تقديم أنفسِكم للآخرين وتعريفِهم بكم بشكلٍ صحيح؛ إذ إنَّ الكثيرين في يومنا هذا يطلبون الدنيا ونعيمها، وقد تعلَّقوا بها كلٌّ بحسب منصبه ومكانته رغبة منهم في اختطاف أو اقتناصِ شيء من متاعها، وربما إنهم يرونكم مثلهم بحسب مقولةِ: “كلٌّ يرى الآخرين على ما هو عليه”، بل وقد يُفتِّشون عن مقاصد أخرى غير التي تنشدونها في انفتاحِكم على العالم، واحتضانِكم الإنسانيّة جمعاء بمودّة ومحبة، وسعيِكم للتأليف بين أُناس نشؤُوا في بيئات ثقافيّة مختلفة، ولأنَّ أولئك الأشخاص يفعلون كلَّ شيء تشوُّفًا لمنفعةٍ معيّنة فقد يعتبرونكم أنتم أيضًا تركضون بهذه النشاطاتِ وراء هذا النوع من المنافع الدنيوية مثلهم، بل إنَّه قد يظهر بين مَنْ يقفون إلى جواركم وتُكِنُّونَ لهم المحبة والتقدير أناسٌ ينخدعون بمثل تلك الأوهام والظنون؛ فهم يُفسِّرون تصرفاتكم وأفعالكم بحسب مشاعرهم وأفكارهم الخاصة؛ فيستخرجون منها معانيَ على خلاف الحقيقة، ويعتبرونكم مصدرَ خطرٍ بالنسبة لهم، غير أنه يجب عليكم دائمًا وفي كلِّ فرصة أن تُبيِّنوا أنكم لا تبتغون شيئًا سوى رضا الله تعالى، وأن تُثبتوا هذا بأفعالكم وتصرُّفاتكم أيضًا دون أن تُلقوا بالًا لأيٍّ من تلك الافتراءات.

إخلاصُ النية

يستحيل أنْ يتشوَّف إلى أيَّة منفعةٍ دنيويّةٍ مَنْ يطلبون رضا الله فحسب فيما يفعلونه، ويسعون إلى إقامة عالم من المودّة والمحبة والتوفيق بين الناس بانفتاحهم على مختلف أنحاء العالم، ويطمحون بهذا كلّه إلى الفوز برضا الله تعالى؛ فهؤلاء المُغرمون الذين يَمَّمُوا وجههم شطر نَيل رضا الله وعزموا وأقدموا على تغيير وجه العالم سيكونون أبطالًا حسب نيّاتهم، وسيحصلون على أجرها حتى وإنْ لم تكفِ قواهم لأن يحقِّقوا بشكلٍ كاملٍ خططَ السلام والمحبة التي رسموها؛ فـ”الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى”[1] كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ثمَّ فإنَّ إخلاص النية لله تعالى هو العامل والعنصر الأساس الذي سيفيد الإنسان؛ فبقدر نية الإنسان ورحابة وجدانه تكون رحمة الله تعالى ورأفته به.

فمثلًا قد تشدّون الرحال بِنِيّةِ نشر السلام في أرجاء العالم بإذن الله وعنايته، ولا تتوانون ولا تتكاسلون في الطريق الذي تسلكونه طالما سمحت الإمكانيات ولاءَمت الظروفُ وتكوَّنت البيئة المناسبة في البلادِ الـمُضيفةِ، بل إنَّكم تزيدون من سرعتكم ووتيرتكم في العمل أكثر، غير أنه قد يأتي زمان تُطلُّ فيه برأسها عقباتٌ وعراقيل تعترض طريقكم؛ فلا تتمكنون إلا من قطع عُشر الطريق الذي نويتم قطعه، فههنا سيُجازيكم الله بفضلِه على قدرِ الطريقِ كلِّه، لا على قدرِ العشرِ فقط؛ لأن نيتكم خالصةٌ وسليمةٌ تمامًا.

ولكن كي تكونوا جديرين بنَيلِ عاقبةٍ جميلة كهذه فلا بُدَّ من إخلاص النية وسلامتها من أجل تحقيق ما تستهدفونه في طريق الحق، وألا تتسلّل إليكم أيَّة أفكار تشوُّفيّة من قبيل: “تُرى أيأتي يومٌ نُكَافَأُ فيه بمنصب إداري أو بشيء آخر ولو كان بسيطًا مقابل ما أنجزناه من أعمال؟!”، بل عليكم إن خطرت ببالكم مثل تلك الخواطر أن تعتبروها همزات شيطانية؛ فتستعيذوا منها وتبتعِدوا عنها فورًا.

وهذا لا يعني ألا ينال بعضُ الأشخاص ما يستحقونه من مناصب وأعمال، فلا ريب أنَّه سيخرج من بين مَنْ يستحقون تولي مناصب معينة المديرُ والقائد والمستشار والنائب في البرلمان والوزير الخ، غير أنَّ مَنْ نذروا أنفسهم للخدمة في سبيل الله ولا يفكرون في شيء سوى رضا الله تعالى كي تتنفَّسَ الإنسانية السعادةَ والرخاء؛ ينبغي لهم ألّا يتشوفوا إلى أيّ منصبٍ دنيوي حبًّا في الدنيا، بل إنه يجب عليهم ألا يستعجلوا في قبول بعض المناصب وإن جاءتهم تُهرول إليهم، وعليهم أن يُفكروا إن كان هذا سيخدم غايتهم المثالية أو لا؟ فيُقرروا بناءً على إجابة هذا السؤال القبولَ أو الرفضَ، وإلا فإنهم يُدنِّسون فكرة الرضا الإلهي الذي خرجوا في سبيل الفوز به، ويبدّدون بأيديهم ما يُرجى أنْ يقع في قلوب مخاطبيهم من تأثيرات إيجابية، ويضيّعون أرصدتهم لدى الآخرين، ويفقدون ثقة الناس بهم.

فضلًا عن طلبِ هذا النوعِ من المقامات والمناصب، فإنّ وَلَعَ من عشقوا الغايةَ المثالية السامية بفتح العالم بأسره ليعني تراجعهم القهقَرَى بضع خطوات عن الدرجة التي هم فيها؛ ففتحُ العالم أجمع بالنسبةِ إلى تلك الغاية المثالية التي تتمثّل في إنقاذ الحياة الأبدية للناس إنّما هو كنقطة ماء بالنسبة للمحيط.

بناء عليه فإنَّه ينبغي للمهاجرين من أجل الوصول إلى هذه الغاية المثالية في عصرنا أن يعتبروا بزوغَ حُبِّ الحقِّ والحقيقة في القلوب وترعرعَهُ، وإنباتَ الأخلاق والفضيلة في الأرواح، وتآلفَ الناس وتعانقَهم؛ أسمى غايةٍ في حياتهم، وعليهم أن يُنظِّموا حياتهم وفقًا لتلك الغاية السامية دون أن يُضيِّعوا منها ولو ثانية واحدة.

 

[1] صحيح البخاري، بدء الوحي، 1؛ صحيح مسلم، الإمارة، 155.

علمُ السياسة على خُطَى القرآن والسُّنَّة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: يسعى بعض الأشخاص إلى شرعنة بعضِ إجراءاتهم غير المشروعة وبياناتهم المخالفة للواقع تحت اسم “علم السياسة”؛ فما هو هذا العِلْم؟ وكيف تنبغي ممارسةُ السياسة بالنسبة للمسلم؟

الجواب: السياسة تعني الإدارة، وتُستخدم كلمة “الإدارة” بمعنيين اثنين:

أولهما: إدارة نظامٍ أو جماعة أو مؤسسةٍ ما في إطار قواعدها الخاصة بها إدارةً منطقية.

أما المعنى الثاني: فهو المداراة، وتعني حسن التعامل عبر استخدام الدبلوماسية واستغلال شتى الوسائل المشروعة والـمُتاحة، والصبر حتى على الأعداء، ومحاولة تفادي شرورهم وأضرارهم، وفيما يتعلق بهذا الموضوع يقول “حافظ الشيرازي”:

“نيل الراحة والسلامة في كلا العالمين يوضّحه أمران: الأول: معاشرة الأصدقاء بالمروءة والإنصاف، والثاني: معاملة الأعداء بالصفح والصفاء”.

 

فالمقصد إِذًا من التصرُّف بمروءة نحو الأصدقاء هو تقديرهم والإحسان إليهم ومحبتهم واحتضانهم بمشاعر إنسانيّة حقيقية، ولأن الإنسان صرحٌ جذّاب يُبهر العيون خُلِقَ في أحسن تقويم؛ فلا بدَّ من احترامه وتقديره والتصرّف معه بإنسانية، فليس ثمة حركة إنسانية قدّرت الإنسان واحترمته وطبقت ذلك في الحياة اليومية مثلما قدَّره الإسلام وكرَّمه.

الفرق بين المداراة والتَّقِيَّة

وأما مداراة الأعداء فهي تعني مراوغتهم وسياستهم، ومعنى هذا عدم إثارة حفيظتهم ولا استفزازهم بجدليّات وفرضيات دون داعٍ، وحسنَ استخدام الدبلوماسية، وتفادي ما قد يصدر من الطرف الآخر من اعتداءات وأضرار عبر استخدام إستراتيجيات ذكية، أي إنَّه ينبغي لكم أن تطبقوا في علاقاتكم بالأعداء سياسةً لا تشتبكون معهم بسببها من ناحية، ولا تُعرِّضكم لأذاهم من ناحية أخرى، وكما هو واضح فإنَّ هذا الفهم يختلفُ كثيرًا عن “التَّقِيّة” التي يلجأ إليها مذهبٌ حَادَ عن الطريق المستقيم، ورتعَ في ضلال عظيمٍ؛ إذ يُبيحُ الكذبَ على الآخرين وخداعَهم وتضليلَهم في سبيل هذا، أما المداراة فهي العمل على دفع ضرر العدوِّ باستخدام الصبر والثبات والعقل والدبلوماسية.

أجل، إذا سُعي إلى استخدام القوة الغاشمة في حل مشكلاتٍ يُمكن حلُّها بالطُّرُقِ الدبلوماسية ولم تُتَّبع سياسة ذكية في مواجهة الأعداء، ولُجِئ إلى الكفاح المادي مثلما فعل الاتحاديّون الأغرار في الدولة العثمانية فقد تنجرُّ البلاد إلى مأزق وطريقٍ مسدودٍ لا مخرج منه فتتمزق؛ إذ قد مزّق الاتحاديون نتيجة الحرب التي خاضوها مع روسيا الدولةَ العلية العثمانية، وعليه فإننا حين نتحدَّث عن المداراة نفهم أنها النظام الإداري والسياسي الواجب اتباعه لتجنُّبِ جرِّ البلاد وانحدارِها إلى هذا الخطر وأمثاله.

العقلية التي تعتبر السياسة فن الخداع

عندما تُذكَرُ السياسةُ في يومنا هذا فإنَّ المعنى الوحيد الذي يتبادر إلى الذهن هو: العمل الذي يقوم به من شكّلوا أحزابًا سياسية ويُديرون المجتمع.. غير أنَّ علم السياسة لا يتعلَّق بإدارة الدولة فحسب؛ فلكل إنسان أسلوبٌ إداريٌّ وسياسي يلزم أن يتبعه في حياته الشخصية والأُسرية والاجتماعيّة؛ فإنْ أخلَّ به اضطربت حياته وانقلبت رأسًا على عقب، غير أنه لا بد أن تكون الطرق السياسية التي سيلجأ إليها الإنسان المؤمن طرقًا موافقة لمبادئ الدين ونُظُمه، ولذلك فلا بد من بيان أنَّ الإجراءات غير المشروعة والتصرفات والسلوكيات التي لا تليق بهويّة المسلم في أي مجال كانت بدءًا من أصغر دائرة وصولًا إلى إدارة الدولة يستحيل أن تكون هي علم السياسة.

وكمثال على ذلك نقول: إنَّ للدول مجموعةً من الأهداف ترمي إليها، كأن تتبوّأ مكانة قويّة في التوازنات الدولية وتحافظ عليها، ولا تسمح للدولِ الأخرى بأيِّ عملٍ دون موافقتها، فإنْ كانت تلك الدول تنتهك القانون وتتجبَّرُ وتستبدّ وتظلم غيرها من أجل تحقيق تلك الأهداف عبر طرق مختلفة كاستغلالِ الثروات الطبيعية في مختلف مناطق الدنيا تذرُّعًا بحجج واهية، وغزوِها غيرها مُدَّعية أنها هاجمَتْها فعليًّا وتمارس ضدّها اعتداءات حقيقية، وإقصاءِ الشعوب هناك عن جذورها الروحية والمعنوية وطمسِ هويّاتها فإنَّ هذا الفعل لا يُسمّى سياسة، وإنْ كان لا بد من توصيفه وتسميته باسمٍ فليس أنسب من أن يُطلق عليه “إرهاب دولة فقدَتْ صوابَها وضميرَها”.

وكما أننا نرى من حولِنا بعضَ الدول الراغبة في حماية وضعها تنتهجُ هذا النوع من السياسات غير المشروعة؛ فإن بعض من استولوا على السطلة داخل البلاد أيضًا ربما يرتكبون هذه النوعية من الانتهاكات القانونية حفاظًا على راحتهم ومستقبلهم؛ فهم يَكْنِزُون ليس لتأمين حياتهم فحسب، بل ولتأمين مستقبَلِ أولادهم وأحفادهم، ويسعَون دائمًا لتعيين رجالهم على رأس مؤسسات الدولة، ولا يعترفون بحق أحد غيرهم في الحياة، ويُزيّفون الحقائق ويسترونها كي يجعلوا طوائف الشعب تقبل بكل هذه المساوئ؛ فيكذبون أحيانًا، ويتحدثون عن حسن النوايا أحيانًا، ويسعون أحيانًا لتقديم كل هذه المظالم التي يرتكبونها على أنَّها ضرورة سياسية، وأحيانًا أخرى يشوّهون صورةَ ضحيَّتهم كي يُثبِتوا أنهم هم على حقّ، غير أن مرتكبي تلك المظالم بعيدون تمامًا عن السياسة التي انتهجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون مهما تحدثوا عن الدين والإيمان، أو بدوا متدينين يسيرون في مقدمة رَكْبِ الإسلام.

محاولة شَرْعَنة الظلم

إلى جانب كل تلك الأمور ثمة أعمال غير مشروعة تُمارَسُ وكأنها مشروعة وبريئة، ومن ذلك على سبيل المثال أنْ يعمل شخصٌ واعظًا بأحد الجوامع، لكنه يريد توظيفَ أحد أقاربه مكانه بعد أن تنتهي وظيفته ويتقاعد، ويعتقد أنَّ قريبه جديرٌ وأهلٌ لمهمة الوعظ، فيسلك مسلكًا على هواه متجاهلًا أحكام القوانين واللوائح في هذا الشأن كي يتمكن من توظيفه بعده، وهو ما يعني أنه انحرف إلى طريق غير مشروع دون أن يشعر، وبعبارة أخرى: فإنَّ هذا الفعل يعني استخدام طرق غير مشروعة للوصول إلى هدفٍ مشروع.

ومثل هذا تمامًا بعضُ منْ يستولون على إدارة الدولة؛ فبينما يسلبون مال الشعب وينحلونه يملؤون خزائنهم، ويُكدّسون في بنوك الدول الأخرى الأموال التي يتحصلون عليها بطرق غير مشروعة، وربما يقولون وهم يفعلون هذا: “يلزم أن نكون أقوياء؛ وأن ندَّخِرَ من إمكانيَّاتِ اليوم ما يكفل لنا الاستمرار غدًا إذا ما انقطعت هذه الإمكانيّات، وأن نوفِّرَ ما يضمنُ لنا إعادة النهوضِ بحزبِنا مجدَّدًا إن تعرَّضَ لعثرةٍ ما”.

إنَّ كلَّ هذه أفكارٌ وتوجُّهات بريئة في ظاهرها وتتوارى خلفها سلوكيات من يضرون بهذه البلد لدرجة الخيانة، وقد يلجأ إلى هذه النوعية من الطرق حتى بعض الأشخاص المتدينين لأنها تبدو بريئة، غير أنَّ هذا ضلالٌ بيّنٌ، وخيانة عظيمةٌ للأمانة، ومن يسلكون هذه الطرق فقد استدعوا بأنفسهم ودون أن يفطنوا لذلك الفضائحَ والرذائل التي سيعيشونها مستقبلًا.

فإن كانَ هؤلاء أو تلك الطوائفُ الداعمةُ لهم تَعتَبر هذه التصرفات كلَّها ضرورة سياسيةً وتطلق عليها اسمَ علم السياسة فقد انخدعوا وضلُّوا أيَّما ضلال، لأنَّ السياسة يجبُ أن لا تخرج عن الأُطُر الأخلاقيّة، وأن تخضع للمبادئ الدينية بالدرجة الأولى، والسياسيُّ المسلم مطالبٌ بأن يسير على النهج الذي سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وورثته؛ فمفخرةُ الإنسانية وورثته الحقيقيّون عاشوا حياتهم في تحرٍّ حقيقي للحلال والحرام، ولم يخطوا ولو خطوة واحدة غير مشروعة أصلًا، ومن هنا فإنَّه ينبغي التحرُّكُ والسعي بحساسيّةٍ بالغةٍ لأن تكون الوسائل مشروعة إلى جانب أن تكون الغاية مشروعة، ولا سيما إن عاش من يمثلون القمة بحساسيّة في هذا الشأن فإنهم سيبثون الثقة فيمن حولهم، ويصبحون قدوةً لغيرهم.

ثقة الشعب أكبرُ رصيد

الواقع أنَّ هذا هو السر الذي يكمن وراء ما تحظى به القلوب المتطوعة الخادمة في سبيل الله من حسنِ قبولٍ في شتى أرجاء الكون؛ فلقد وُفِّقوا في مهمتهم لأنهم لم يحيدوا عن الطريق المستقيم، ولم يتشوّفوا إلى أيِّ أجرٍ دنيوي ولا أخروي في مقابلِ الخَدَمات التي يؤدّونها وأنهم يتحركون مراعين المبادئ الشرعية، وإذا ما واصلوا مسيرَتهم بعزيمةٍ وإصرارٍ وحساسية وصبر أيضًا فسيفتح الله تعالى عليهم الطرقَ المؤدّية إلى قلوب الناس.

لستُ أملك شيئًا على وجه الأرض، بل ولم أرغب فيه قط، حتى إنني دعوت الله تعالى ألا يَقسِمَ مثلَ هذا ليس لي فقط، بل ولا لأشقائي، وإنني لم أفكر على الإطلاق في أن أتوسط لتعيين أقاربي في أيّة مناصب، وقد أَوصيت من يقفون إلى جواري بألا يمتلكوا بيوتًا وأن يعيشوا حياتهم بمعايير توفّر لهم احتياجاتهم الضرورية فحسب.

فهذا هو السبيل إلى بثِّ الثقة في الآخرين، لأنّ ثقة الناس بكم تتآكل إن فكَّرْتم في أنفسكم ولو قليلًا، بيد أنَّ حركة المتطوعين هذه التي أظلَّت بظلالها وثمارِها مائةً وسبعين دولة في العالم إنما هي حركةٌ تعتمد في الأساس على التطوُّع والتضحية تمامًا، فإذا ما تخلت عنها الأمة انقطعت عناية الله أيضًا وزالت الأعمال المنجزة، فالوسيلة لنيل التوفيق الإلهي هي المحافظة على همة الأمة إلى جانبكم واحتضانها لكم، فإن قضيتم على تلك الوسيلة انقطع التوفيق الإلهي أيضًا -لا قدَّرَ الله-.

إنَّ من لا يُطيقونكم ولا يتحملونكم ولا يقبلونكم يسعون أحيانًا إلى تشويه خدماتكم الثابتة عبر استخدامهم افتراءات شتى، غير أنه لن يصيبكم -بإذن الله تعالى- أيُّ ضرر ولا مكيدة من أي مفترٍ كذّابٍ طالما أنكم تحافظون على استقامتكم، وكلُّ إنسان منصفٌ يقظُ الضمير يعلم أنَّ المؤسسات التعليمية التي تبُثُّ المحبة والتسامح في شتى أنحاء العالم قد ظهرت بهمم أهل الأناضول الأوفياء، فأهل الأناضول الذين ناضلوا من أجل الاستقلال حتى في أضعف الفترات عاشوا مرحلةَ بعثٍ ثانية جديدة، فانفتحوا على كل أنحاء العالم بالرغم من إمكانياتهم الاقتصادية المتوسطة، علاوة على أنَّ آلافَ المعلمين والمرشدين والطلاب انفتحوا على العالم كي يحملوا إلى كل أرجاء الدنيا تلك القيمَ الخالصةَ النقيةَ التي ورثوها عن جذورهم الروحية والمعنوية وينهلوا منها ما هو مفيد؛ فذهبوا إلى أماكن بِكرٍ لم تُطرق من قبل، وحاولوا الصمود والعيش برواتب بسيطة جدًّا أشبه ما تكون بمنح الطلاب، أي إنَّ الأرض يمكنها أن تُظهر هذه النوعية من أوجه الحسن والجمال لأنها خصبة منبتة، وإنني لأدعو الله تعالى لأجل هؤلاء الإخوة ربما عشر مرات يوميًّا، وأعتبرُ الدعاء لهم دينًا علي يجب الوفاء به، فأبتهل: “اللهم احشر هؤلاء المرشدين والطلاب والمعلمين والأمناء المنفتحين على العالم مع النبيين، وأيِّدهم، وقوِّ إيمانهم، اللهم آمين!”.

والحاصلُ أن ثقة شعبنا هي ما يقف وراء تكوُّن مثل هذه اللوحة الجميلة من أجل خدمة ديننا والإنسانية، ولهذا فإنه ينبغي لاحقًا أيضًا البعدُ تمامًا عن كل أنواع التصرفات والسلوكيات التي قد تزعزعها، والفرارُ منها كالفرار من الأفاعي والعقارب.

 

 

الإسلام الحقيقيُّ والإسلام الشكليّ

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: هل توضّحون حقيقة: “إنَّ الإسلام ليس مجرد شكلٍ وصورةٍ”؟

الجواب: إن الإسلام -كما ذُكر في السؤال- ليسَ مجرَّدَ شكلٍ وصورةٍ ومنظرٍ وصخبٍ وكلامٍ جزافٍ، ولا قيامٍ بمجموعةٍ من الأمور الشكلية، بل على العكس من ذلك: إنه أمرٌ قلبيٌّ، أي إنّ الأهمَّ والأساسَ إلى جانب الشكل هو الجوهرُ والمعنى؛ وقد لَفَتَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الانتباهَ إلى تلك الحقيقة بقوله: “إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلٰكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ[1]، وقد قال صوتُ الأناضول العذبُ الشاعرُ التركي “يونس أمره” في أحد أشعاره:

ليس التصوف بارتداء الخِرَقِ والتيجان

فمن يجعل قلبَهُ درويشًا لا يَحْتَاجُ خِرَقًا على الأبدان

ليؤكِّد بهذين المصراعين أنَّ ما يجب الوقوف والتركيز عليه أكثر من الشكل والمنظر إنما هو القلب.

ماذا إن بدا ما بداخلنا!؟

ومن هذه الناحية فثمّة أشخاص كثيرون يتقدّمون الصفوف، ويسعون إلى تمثيلِ الإسلامِ بصخبٍ وخيلاء؛ إلا أنَّهم لا يعدلون جناح بعوضةٍ في ميزان الله جل جلاله. أجل، إنّ هؤلاء وإن بدوا في مقدّمة ركْبِ الإسلامِ في الدنيا إلا أنهم سيكونون في وضع بائس ومؤسفٍ في الآخرة، وفي مقابل هؤلاء ثمة رجال آخرون لا يُقدَّرون حق قدرهم في هذه الدنيا، ويبدون في الصفوف الخلفية من المسيرة سوف يتبين في الآخرة أنهم سبقوا السابقين، وتباروا في حياتهم المعنوية مع الأولياء والأصفياء والأبرار والمقربين، وبناءً على ذلك: فإنَّ إصدار أحكامٍ بحقّ الآخرين بالنظر إلى مظهرهم الخارجي وأقوالهم وأشكالهم وصورهم ربما لا يؤدّي بنا إلى نتائج صائبة دائمًا، وهذه حقيقة أشار إليها رسولنا صلى الله عليه وسلم بقوله: “رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ[2].

ومن المهمّ ههنا عدم حملِ الكلامِ على غير محملِهِ؛ فإيّاكم أن تفهموا أنه لا بدَّ للإنسان أن يكون فقيرًا وحقيرًا حتى يتسنّى له إدراك وإحراز هذا النوع من المقامات والمراتب السامية؛ إذ إنَّ من يتولّون مناصب ومقامات دنيوية معينة قد يصلون بإذن الله عز وجلَّ إلى أعلى المراتب عنده سبحانه وتعالى طالما سلمت قلوبُهم ووفّوا بحقّ مسؤوليّاتهم، وكلُّ واحدٍ من ساداتنا الخلفاء الراشدين يُمثِّل نموذجًا أجملَ من الآخر في هذا الشأن.

حياة القادة الحقيقيين المؤثّرة في الأنفس

ها هو ذا سيدنا أبو بكر رضي الله عنه، عندما تولى الخلافةَ فَرضوا له من بيت المال ما يصلحه ويصلح عيالَه يومًا بيوم ويحجّ ويعتمر، فحينما حضرته المَنيَّةُ أوصى بأن يُسلَّم ما زاد عن حاجته من راتبه إلى من سَيَخلُفُه من بعده؛ وقال رضي الله عنه وهو على فراش الموت: “انظروا إلى ما زاد من مالي مذ دخلتُ في هذه الإمارة فردُّوه إلى الخليفة من بعدي”، فلما جيءَ بذلك إلى عمر بكى ثم قال: “رحم الله أبا بكر لقد أتعبَ من بعده إتعابًا شديدًا”[3]، ولقد كان سيدنا أبو بكر رضي الله عنه قبل الإسلامِ غنيًّا لكنه بعد الإسلامِ أنفقَ ثروته كلّها في سبيل الله، ولم يفكِّرْ في أن يستغلَّ لصالح نفسه ولو ذرة واحدةً مما يمتلِكُهُ، وبالرغم من كثرة النعم والإمكانيات التي وهبها الله تعالى له؛ إلا أنّه انتقل إلى الدار الآخرة خاوي الوفاض من النعم الدنيوية.

ولم تكن حياة سيدنا عمر بن الخطاب مختلفةً عن حياة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما؛ فحين كان على رأس الدولة طلبَ تحديدَ راتبه الشخصيّ بقدر ما يتعيّش به أيّ إنسان متوسط الحال من الأمة، وفي عام الرمادة حرَّمَ على نفسه الطعام إلا بقدرِ ما يأكل أفقرُ الناس، وهو الخبز والزيت، فكانت بطنه تُقَرْقِرُ من شدّة الجوع، فَنَقَرَ بطنَه بإصبعه، وقال: “قرقري أو لا تُقَرْقِري، إنه ليس عندنا غيره حتى يحيا الناس”[4]، وقد رحل عن الدنيا ذلك الخليفة العظيم الذي هزم القوّتين العُظْمَيَيْن في ذلك العصر ولم يترك من المتاع شيئًا، وعليه فإن القاعدة الأساس لحصول التوفيق الدنيوي والأخروي تتأتَّى من مسلك ومنهج كهذا.

ولسيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه أيضًا فضائله الخاصة به؛ فكان من أغنى أغنياء المسلمين أنفق دون أدنى تردُّدٍ ستمائة بعيرٍ بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله تعالى استجابة لطلب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوةِ الحسنة والمرشدِ الأكمل، فوصل هو الآخر بكرمه وجوده الفائق أفقًا يُدرِك من خلاله فضلَ الخليفتين السابقين عليه.

وكذلك سيدنا عليّ رضي الله عنه أنفقَ في سبيل الله تعالى ما تحصَّل عليه من مالٍ طيلة عمره؛ وكان يقول: “يَا دُنْيَا غُرِّي غَيْرِي”[5]، فانتقل إلى الدار الآخرة فقيرًا رغم كثرة الإمكانيات.

تلك القامات العظيمة لم تستخدم في سبيل مصالحها الشخصية قطُّ حقوقَ التصرّف الواسعة الإطار التي وهبها الله تعالى إياها، ولا الإمكانيّات التي توفّرت لها بسبب مناصبها، وكما أنها لم تلهث وراء منفعةٍ شخصية تحقِّقها لأنفسها، فإنها لم تستغل إمكانياتها وصلاحياتها التي تمتلكها كي تمنح شيئًا لأبنائها وبناتها وأقربائها وحاشيتها ومؤيِّديها.

أشباه القادة، والمجتمعاتُ المنجرفةُ إلى الهلاك

فهل يقع في الكفر من يستغلّون الإمكانيات التي اسْتَأْمَنَتهم عليها الأمة لصالح أنفسهم وأزواجهم وأولادهم ؟ لا بالطبع، إن هذا السلوك -رغم أنه سلوك شنيع- لا يُخرجهم من دائرة الإيمان ويدخلهم في دائرة الكفر، غير أنه لا ريب في أنهم يكونون قد اتصفوا بصفةٍ من صفات الكافرين، وإنهم حتى وإنْ صلّوا خمسَهم وصاموا شهرَهم وحجوا فرضَهم؛ فسيظلّون يُؤْوُون في أنفسهم وأجسادهم صفات الكافرين تلك كالجراثيم طالما أنهم لم يُصلحوا نقاط ضعفهم في هذا الشأن، وربما يتسببون في ظهور مجموعة من الانحرافات في تصرفاتهم وسلوكياتهم. أجل، إنهم سيُفكِّرون تفكيرًا خاطئًا، ويتَّخذون قرارات خاطئة، ويتصرَّفون تصرُّفات خاطئة نظرًا لإيوائهم فيروسًا خطيرًا في أبدانهم، ونتيجة لذلك فإنهم سيدفعون رعيَّتَهم إلى الهلاك بسياساتهم الخاطئة.

وينبغي ألّا ننسى أنّ الله جلَّ جلاله يحكم على الناس بحسب ما يتحلَّون به من أخلاق؛ فالأخلاق المتعلِّقة بالأوامر التكوينية أو التشريعية كالتحلِّي بالصدق، والحرص على حفظ أعراض الآخرين وشرفهم، والعيشِ في كنَفِ العفّة والعصمة، وعدمِ الطمع في مال أحدٍ ولا ملكه، والحرصِ على التعاون في الخير، والثورةِ على الكسل، وتنظيمِ الوقت، والاستفادةِ من الإمكانيات بصورة إيجابيّة تمامًا، والتفكُّرِ في الكون عشقًا للبحث والحقيقة؛ كلُّ ذلك متّحدًا هو صفة المؤمن الحقّ، يُوفّق الله من يتحلّى بها، ويُعاقب في الدنيا والآخرة مَنْ يُهمِلُها.

أجل، إن الإنسان، وإنْ قال: “إنني متديّنٌ”، ولم يرَ أحدًا غيره يُطبِّقُ الإسلام ويدافع عنه مثله، إن كان يجلس في المقاهي كسِلًا خاملًا، ولا يكتفي بذلك بل يغتاب الآخرين ويَنُمُّ ويفتري ويكذب، ويتحرك بالظنون فحسب لا بالحقائق، ويسيء التفكير بحق غيره من المؤمنين؛ فهذا يعني أنه يعيش حياة تتصف بأوصاف الكافرين، ومن يتصف بتلك الصفات ليست له أيَّة قيمة على الإطلاق عند الله تعالى حتى وإن أنزل النجوم من السماوات بحركة منه -وهذا افتراضُ محال- وأَبهَرَ مَن في الدنيا كما الألعاب النارية، ومدَّ موائد الأنوار فيها، وربما يُضلِّلُ ذلك الشخصُ الناسَ لفترةٍ مؤقتة بخداعه إيَّاهم، غير أنَّ مثلَه يومض كالضوء الكاذب وما يلبث أن يخبو سريعًا لأنه لم يُقِمْ علاقة سليمة قويّة بالله تعالى، ولم يسر على منهج الإيمان، ولم يقتفِ أثر الأنبياء ولم يَدُرْ في فلكهم، ولسوف يتسبب في هلاك من يتبعونه، فهناك كثيرون ضلَّلوا كمًّا هائلًا من الناس وجرّوهم خلفهم مدّةً من الزمان، غير أنهم زالوا وانمحوا دون أن يمضيَ كثير من الوقت، ولم يُخلّفوا وراءهم أثرًا يُذكَر على الإطلاق.

جَشَعٌ لا ينتهي

وعليه فينبغي للمؤمن ألا ينخدِعَ بالشكل، وألا ينسى أن الأصلَ هو المعنى والجوهر والروح، وعليه أن يلازم الإخلاص والصدق، وأن يربطَ كلَّ حركاته وسكناته برضا الله تعالى، ويسعى إلى تتبُّعِ الإرادة الإلهية في كلِّ خطواته؛ لأن من لا ينظِّمُ حياته وفقًا للأسس التي وضعها الله تعالى يصبح فريسةً سهلةً للنفس والشيطان وتوجيهاتهما، ومثل ذلك الشخص سوف يملأ خزائنه وحساباته المصرفية إذا ما وجد الفرصة لذلك، حتى إنه سيبدأ في إرسال الأموال إلى الخارج حين لا تكفيه بنوكُ وطنِه؛ فيسلبُ الأمة ويسرقها بِحِيَلٍ لا تخطر لأحدٍ على بالٍ، ويسعى لإقامة سلطنته الخاصة بأموال يغتصبها من الأمة، ومن يتحرك بهذه النوعية من الأفكار الشيطانية يسير في طريق الكفر وإن بدا مؤمنًا.

إن النجاحات والمكاسب وسائلُها ومناهجُها متعينةٌ لا بد من الالتزام بها، ويستحيلُ الوصولُ إلى هدفٍ مشروعٍ عبر سلوك طرق غير مشروعة، وكما يجب أن يكون الهدفُ معقولًا ومشروعًا وإلهيًّا؛ فلا بدَّ أيضًا أن يكون السبيل والمنهج المؤدِّي إليه مشروعًا بنفس الشكل، والفكرُ الوصولي الأناني (الميكافيلي) الذي يرى جواز استخدام الطرق غير المشروعة من أجل الوصول إلى هدفٍ مشروعٍ، وأنَّ الغايةَ تُبرِّرُ الوسيلة؛ إنّما هو همزٌ شيطاني بلا ريبٍ، وإنسانٌ هكذا وإن كان من الذين يرتادون المسجد فإنه لا يختلف حالُه عمن يرتَادُون الخمّارة، ويقيمون في معبد الأوثان.

محاولة سترِ ظلمٍ بظلمٍ أكبر

إن من يرتكبون جرائم عظمى كسرقة أموال الأمة ونهبها والتلاعب بالمناقصات والارتشاء وممارسة حياة بوهيمية أو محاباة ذويهم وتفضيلهم على الآخرين دون أن يستحقّوا ذلك؛ تراهم في أية مرتبة من مراتب الإدارة كانوا؛ لا يرغبون في اطِّلاع الآخرين على أفعالهم المشينة اللعينة تلك، ولذلك فإنهم ينزعجون من أن يتولى أناسٌ أطهار صادقون ليسوا على شاكلتهم ولا منهم ولا يُقرّون بأفعالهم غير المشروعة تلك أيَّ منصب أو مرتبة في الدولة تُمكِّنُ من الاطلاع على تلك الأفعال المشينة، ويخافون من أن يُعترض طريقهم، وأنْ يُفتَضحَ أمرُهم، وأنْ يَفقدوا رصيدهم لدى الناس، وكي يستطيعوا الحيلولة دون هذا كلِّه فإنهم يضغطون على أولئك الصادقين الأطهار ويقمعونهم بطرق ووسائل مختلفة لا يتخيلها عقل؛ ذلك لأن كلَّ مجرم يسعى لستر جريمته والانسلال مما اقترفت يداه، بل إنهم لا يتورعون عن عزو التُّهَمِ إلى غيرهم رغبة منهم في تبرئة أنفسهم.

وكما أنهم لا يرغبون في أن يطّلع الآخرون على جرائمهم؛ فإنهم يسعون إلى تشبيه من حولهم بأنفسهم كي يتحركوا براحةٍ في المستنقع الذي يغوصون فيه؛ فمرتكبو نفس المساوئ والجرائم يتفاهمون بكل سهولة مع بعضهم البعض؛ فيتفادون بذلك النقدَ واللومَ، ويحاولون إسكات تأنيب الضمير على ما ارتكبوه.

إنهم إلى جانب كل هذا يسعون إلى تشويه من يرونهم مخالفين لهم والانتقاصِ من قيمتهم بمجموعةٍ من الأسماء والألقاب يختلقونها في محاولةٍ منهم لِتأمين مستقبلهم والحفاظ على مناصبهم ومراتبهم، والأدهى من ذلك والأَمَرُّ أنهم يبذلون كلَّ هذا الجهد من أجلِ إغلاقِ جميع الأبواب في وجوه هؤلاء الأنقياء وعزلِـهم من مناصبهم، غير أنه ينبغي ألا يُنسى أنَّ كلَّ هذه الصفات والأفعال هي صفاتُ وأفعالُ أهل الكفر حتى وإن وُجدت لدى إنسان مسلم.

الثباتُ على الحقِّ، وعلوُّ الجنابِ في حلِّ المشكلات

وبالرغم من كلِّ شيءٍ فإنَّه يتوجَّب على المؤمنين الحقيقيّين ألَّا يخضعوا لجبروت وضغوط الطواغيت، وأن يواصلوا السير في الطريق الحقِّ الذي يعرفونه من ناحية، وأن يحاولوا العثور على سبيل خير وبرٍّ لإنقاذ حتى من يسيؤون إليهم؛ فيمنعونهم من ارتكاب الشرور والمساوئ بموجب قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (سُورَةُ فُصِّلَتْ: 34/41)، فقد ورد أنَّ رجلًا تزيَّا بزيّ عالمٍ وكان منزعجًا من قول يُعزى إلى مولانا جلال الدين الرومي: “إحدى قدميّ في وسط الدين والأخرى في وسط اثنين وسبعين أمة” أو قوله “أَقْبِلْ، أَقْبِلْ، أيًّا كنتَ، فلتُقبِلْ؛ كافرًا كنتَ، أو مجوسيًّا، أو وثنيًّا! أقبل فتكيَّتُنا ليست تكيّة اليأس والقنوط، أَقْبِلْ وإنْ نقَضْتَ توبتَك مائةَ مرة! أقبلْ!”، فراح يكيل لمولانا كلَّ أنواع الشتائم والسباب مما يرد على لسانه قائلًا: “أنت زنديق، أنت فاسق، أنت تُضلل الناس، وتحتضن الجميع وتتملق إلى اليهود والنصارى والمجوس…”، وبينما كان ذلك الرجل يفرغ كل ما بداخله من سموم، كان مولانا جلال الدين الرومي يستمع بإخلاصٍ وتواضع كاملين لكل ما قاله، فلما انتهى الرجل من كلامه سأله مولانا: “هل قلت كلَّ ما عندك وانتهيتَ؟”، فأجابه الرجل: “نعم”، فقال له مولانا: “إنَّ صدري مفتوح لك أنت أيضًا، فأَقْبِلْ!”.

أجل، ربما يُغلِّق البعضُ جميع الأبواب في وجهكم مختلقًا حججًا واهية مختلفة، وربما يستكثرون عليكم أقل الحقوق والحريّات الأساسية، حتى إنهم قد يطلبون عرقلة مجموعة من خدماتكم الخيرية حتى ولو كانت في أقصى مكان من العالم، عليكم في مقابل هذا أن تقوموا بواجبكم، فتقولوا “حَسْبُنَا اللهُ“، وتواصلوا فعل الخير والعمل الصالح في الطريق الصحيح الذي تعرفونه، ولا ينبغي لكم الردُّ على تلك الإساءات بمثلها، إذ إنَّ مقابلة الظلم بالظلم ظلمٌ، إنَّ الإسلام اعتبر الردَّ على المظالم المرتكبة بمثلها ظلمًا؛ حيث قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ[6]، كما أن القاعدة الكلية تقول: “الضررُ لا يُزال بمثله”[7].

إن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحلى طيلة حياته السنيّة بالمعاملة الحسنة والصفح والعفو عمن أساؤوا إليه؛ حتّى إنه حينما دخل مكّة فاتحًا كان قد انحنى على راحلتِهِ، حتى إنَّ عُثْنُونه ليكاد يمسّ واسطة الرَّحل[8] تواضعًا منه لله أنْ فتح عليه مكة، وبينما كان مَن أذاقوه كل أنواع الشرِّ والأذى حتى ذلك اليوم ينتظرون بخوف وقلق شديدين الحكم الذي سيصدره عليه الصلاة والسلام بحقهم؛ إذ به يُطلِقُ حكمَه السمحَ الشهير: “اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ”[9]، مثلما فعلَ يوسف عليه السلام مع إخوته قبل آلاف السنين حينما قال لهم: ﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ (سُورَةُ يُوسُفَ: 92/12)، وتلك هي المروءة، وعلوُّ الجناب! والطريقُ الذي يجبُ على ورثة الأنبياء أن يسلكوه في عصرنا وفي كل عصر ومصر إنما هو هذا الطريق!…

 

[1] صحيح مسلم، البر، 34؛ سنن ابن ماجه، الزهد، 9؛ مسند الإمام أحمد، 227/13.

[2] صحيح مسلم، البر، 138، الجنة، 48.

[3] ابن سعد: الطبقات الكبرى، 143/3؛ ابن عساكر: تاريخ دمشق، 229/30.

[4] ابن عساكر: تاريخ دمشق، 347/44.

[5] الإمام أحمد بن حنبل: فضائل الصحابة، 531/1.

[6] سنن ابن ماجه، الأحكام، 17 ؛ موطأ الإمام مالك، الأقضية، 26؛ مسند الإمام أحمد، 55/5.

[7] ابن نجيم: الأشباه والنظائر، ص 74.

[8] ابن هشام: السيرة النبويّة، 405/2. (والعُثْنُونُ من اللحية: ما نَبَتَ على الذقن وتحتهِ سِفْلًا).

[9] البيهقي: السنن الكبرى، 199/9.

مهمَّةُ الإرشاد، واللينُ في المعاملة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما العلاقةُ بين مهمّة الإرشاد واللين في المعاملة في ضوء قول الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 159/39)؟

الجواب: نزلت هذه الآية الكريمة بمناسبة معركة أحد، وكما هو معلوم؛ فقد تعرض المسلمون لهزيمة مؤقتة في هذه المعركة، إلا أنَّ تلك الهزيمة النسبية الجزئية التي حدثت تتوّجت في نهاية المطاف بالنصر[1].

ولْنُورِد بدايةً شرحًا موجزًا لمعنى تلك الآية الكريمة؛ حيث استُهلّت بقوله تعالى “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ“، وإذا كان حرف الجر “الباء” الوارد في لفظ “فَبِمَا” يفيد المصاحبة يكون المعنى: “لقد لنتَ لهم وعاملتَهم برفقٍ بفضل رحمة الله وعنايته ورعايته وكلاءته”؛ فبيّن الله تعالى هنا أوّلًا أنَّ النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم محفوفٌ بعنايةٍ ورعايةٍ إلهيّةٍ خاصّةٍ، فدفعَ من الأذهان منذ البداية احتماليّةَ أن يكون صلى الله عليه وسلم قد وقعَ في أيِّ تقصيرٍ.

ومن المفيدِ هنا استحضارُ مخاطبةِ الحقّ تعالى لكلٍّ من: سيدنا موسى وسيدنا هارون عليهما السلام بشأن الإرشاد، كي يتسنى فهم وإدراك الوضع والميزة السامية لرسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم في هذا الموضوع؛ فبينما أمَرَ الله سبحانه وتعالى باللينِ سيدَنا موسى وهارون عليهما السلام إذ أرسلهما إلى فرعون قائلًا: ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (سُورَةُ طَهَ: 44/20)؛ ذكَّرَ بقوله “لِنْتَ لَهُمْ” أنَّ مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم على خُلقٍ سامٍ كهذا أصلًا.

وبعد أنْ أفصح الله جل جلاله عما يتحلَّى به سلطانُ الأنبياء صلى الله عليه وسلم من خُلق قرآنيٍّ قال: “وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ“؛ فلفت بذلك الانتباه إلى صنوف الجمال والحسن التي أدت إليها أخلاقه الرفيعة السامية صلى الله عليه وسلم، ثم أمره أمرًا إثر آخر بألّا يترك العفوَ عنهم والاستغفارَ لهم ومشاورتَهم في الأمر فقال تعالى: “فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ“.

إكسيرٌ حَوَّلَ الهزيمة إلى نصرٍ

عقد النبيُّ صلى الله عليه وسلّم مع أصحابه مجلِسًا للشورى قبل الخروجِ إلى معركة أُحد، وقد أخذَ برأيهم إيمانًا منه بضرورة ترسيخ مبدإ الشورى عند الجميع، غير أنهم تعرضوا لهزيمة مؤقتة كبَّدتهم خسائر فادحة، ودفعًا لما قد يقعُ في نفسِ الرسول صلى الله عليه وسلم من انكسارٍ وحزن تجاه أصحابه وجَّهَ الله تعالى نبيَّهُ إلى التحلِّي بأخلاقِ الصفح والعفو والمسامحة، وأن يتوجَّه إلى الله بالاستغفار لهم، وألا يستنكفَ عن مشاورتهم مجدَّدًا.

وبينما كان المشركون قافلين في طريق عودتهم إلى مكة متبخترين مَزْهُوّين بالنصر جَمعَ رسول الله عليه الصلاة والسلام أصحابه، وعرض عليهم تعقُّبَ المشركين، فنزلوا هم أيضًا على هذا الرأي الذي رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتخلَّفْ عنه أحدٌ ممن شارك في موقعة أُحُدٍ… وبإمعانِ النظرِ في هذا المشهد وتأمُّلِ ما فيه يتسنّى لنا أن نُدرِكَ مدى تأثيرِ المشورةِ في الوصول إلى نتيجةٍ طيبةٍ؛ لأنَّ سادتنا الصحابةَ الكرام رأوا كيف أنَّ إصرارهم -وإن كان بسيطًا- على رأيهم في المشورة التي أجراها رسول الله معهم قبل أُحدٍ تسبَّبَ في وقوع مصيبة بهم؛ وعليه فإنَّ جميعَ من حضرَ أُحُدًا من الصحابة بمن فيهم الجرحى الذين لا يقوَوْنَ على المشي جاؤوا وقد حُمِلَ بعضهم على الأكتافِ، وطاردوا المشركين حتى موقع حمراء الأسد، فما لبثوا أن تحوَّلوا من وضعيّة المنهزم إلى وضعيّة المنتصر.

وهذا يعني أنه ينبغي لنا ألا نتخلَّى عن أسلوب اللِّين حالًا وقالًا إنْ كنَّا نريد أن نصبح مركزَ جذبٍ في نظرِ المخاطبين؛ لأن الفظاظة والغِلظة في التعامل والتصرُّف مع الناس تجعلهم ينفضُّون من حولنا وينفرون منّا كما بيَّنَت تلك الآية الكريمة.

أما القسوة والغلظة فتتعدَّدُ أنواعُها وتتباين؛ فكما أنَّ تفوُّهَ خَطيبٍ بكلماتٍ بذيئةٍ ووقحةٍ، ومخاطبتَه الناس بقسوة وشدة، وإفراطَه في رفع صوته تعبيرٌ عن الغلظة؛ فإنَّ انتقادَ الناس انتقادًا موجعًا أو التولي والإعراض عن أحدهم نموذجٌ آخر من نماذج القسوة والغلظة، وكلّها سلوكيات وتصرفات تُنفِّرُ الناسَ وتُبعدهم عمَّن يُخَاطِبُهم.

إن الأخلاق الإلهية لهي الأساس في هذا الصدد، والأنبياء العظام هم مَنْ يمثلونها، فما دام الحق سبحانه وتعالى يأمرُ سيدنا موسى وسيدنا هارون عليهما السلام باتباع اللين والرفق حتى عندما يخاطبان فرعون الذي يدعي الربوبية، ويُثني على سيدِنا رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ويَمدَحه بسبب تصرفه اللَّيِّنِ وبيانِهِ الرقيقِ؛ فذلك يعني أنَّ هذا هو المبدأ الإلهي الأساسُ الواجب اتباعه في كل زمان ومكان، وعليه فإن المؤمنين مطالَبون بأن يعاملوا الناس من حولهم بلينٍ ورفقٍ مهما يلاقون منهم.

حدُّ اللين عدمُ التفريط في حقوق الله

ومع هذا فإنَّ اتخاذ موقفٍ ضدَّ المتمرِّدين العصاة الذين لا ينتصحون، بل يُصِرّون على تكرار الخطإ والتقصير دائمًا دون خجل ولا استحياء منهم هو تعبيرٌ عن إعلاء حقِّ الله وتعظيمه، وزيادةً في الإيضاح نقول: ينبغي علينا تجاه أولئك الذين يتكسَّبون دون مراعاة للحلالِ ولا للحرامِ ويعيشون حياة إباحيّة مضرّةً لهم ولغيرهم؛ أنْ نُحذِّرَهم بأسلوبٍ لَيِّنٍ وهَادِئٍ، فإن لم يتعَقّلوا وينتهوا عما يفعلون وجب اتِّخاذُ موقفٍ واضح تجاههم، وكما هو معروف فإنَّ قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (سُورَةُ التَّوْبِةِ: 118/9) نزل في الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك؛ فثمة امتحانٌ في هذا، والحقيقة أنَّ رحى الحرب لم تَدُرْ في غزوة تبوك رحمةً من الله تعالى، ولو أنها دارت لكان هؤلاء الثلاثة قد وقعوا في ذنبٍ أعظم بقعودهم عن المشاركة في الحرب، ولهذا السبب فقد أخبر الله تعالى بعد تلك الواقعة بخمسين يومًا أنه عفا عنهم رحمة منه بهم، لكنَّ هذه الأيامَ الخمسين ما عاشوها إلا في عزلةٍ فريدة، امتنعَ النبيُّ فيها عن الكلامِ معهم، ومنعَ جميع الصحابة من تكليمهم؛ لأنهم لم يشاركوا في حملة جُهّزت في سبيل الله، وفي تلك الفترة أيضًا لم يكن المنافقون يشاركون في الحرب، ولذلك فإن من تخلَّفَ من المؤمنين فقد أدخل نفسَه ضمن هذه الفئة مؤقّتًا؛ فاتُّخذ ذلك الموقف تجاههم لأنهم دَنَّسوا فلكهم، فكانت المقاطعة الجماعيّة من قِبلِ المجتمع تعبيرًا عن تعظيم حقوق الله ومراعاتها.

وإلا فإنَّ اللين والرفق هما أساس أخلاق المؤمن، ومَنْ يتمثَّلون اللين والرفقَ في أقوالهم وتصرّفاتهم وسلوكياتهم يجذبون الناس إليهم، وإن كان ثمة إنسانٌ جديرٌ بقدرٍ معينٍ من التقدير والالتفات بالنظر إلى منزلته الاجتماعية فيلزم ألا يُبخَس حقَّه في نيل ما يستحق من الاهتمام، ولا ريب أن العلاقة التي تُؤسَّس مع الآخرين ستختلف من شخص إلى آخر، غير أنه لا بدَّ لكلِّ فردٍ أنْ يأخذ نصيبه من تقديركم وعنايتكم بحسب خصوصيَّة الطريق الذي يسير عليه، ولا بدَّ من إقامة العلاقات والتواصل مع الجميع بدءًا بالمؤمن الذي همّه أمته، ومرورًا بالمؤمنِ العادي، وانتهاءً بمن يتحرك في اتجاه مختلفٍ عنكم.

السبيلُ الوحيد لإقامة جسور المودة

لا بد من الوصول إلى كل الناس في المجتمع، وفتحِ الصدور للجميع باستخدام سبلٍ ومناهج مختلفة؛ فهذا هو المقصدُ الأصلي من “الحوار”، والسبيلُ إلى التواصل مع الناس يتأتَّى من اللطافةِ في التعامل واللينِ في السلوكِ حالًا وقالًا، ويستحيل عليكم التعبير عن أفكاركم بشكل كاملٍ وتامٍّ إنْ لم تحققوا ذلك، فإن كنتم ترغبون في أن يستفيد الناس مما تقولون استفادة تامةً أو جزئيّة؛ فيميلوا إليكم وينجذبوا لكم أو لا يكونوا ضدّكم ويتصدوا على الأقل لمن يتحركون ضدَّكم فعليكم أن تتحركوا بلين ورفق تجاههم فتُقيموا جسور الودّ واللينِ معهم، وتضمنوا بذلك أن يعرفوكم بشكل صحيح.

وإن كنتم تريدون إعلاء كلمة الله، وإيصال الرسالة المحمدية الجليلة إلى الجميع، وإبراز صورة الإسلام البهية ووجهه الطاهر النقيّ تصدّيًا لمحاولة البعض تشويهه، وإفراغَ العصارة الذكية المنسابة من جذوركم الروحية والمعنوية في صدور الآخرين؛ فعليكم أن تفتحوا صدوركم للجميع وتحتضنوهم دون تمييز بينهم على الإطلاق، بل وحتى عليكم -إذا لزم الأمر- أن تضعوا رؤوسكم تحت أقدام الآخرين كأحجار الرصيف كي تفرغوا مشاعركم وأحاسيسكم في أرواح الناس وتبثّوها فيها، ولا تظنّوا أنَّ هذا الأمر عظيم، بل إنّه ليسَ شيئًا يُذكر؛ لأن الأمرَ هنا مرتبطٌ برضوان الله وحقِّه، وبرضا مفخرة الإنسانية، وفيه مراعاةٌ لِخاطرِ مَنْ يعيشون الإسلامَ الدين المبين ويطبقونه ويحملون رسالته إلى كل أنحاء الدنيا.

وَعَوْدًا منَّا على ذِي بدءٍ نقول: إنَّ رسولنا صلى الله عليه وسلم أظهر بأقواله وأفعاله وتصرفاته وسلوكياته طيلة حياته أنه رحمة مجسمة تسير على الأرض؛ فكان هكذا حقًّا كما أشارت الآية الكريمة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ: 107/21) ويمكن مطالعة مظاهر هذه الرحمة ورؤيتها في عديد من فصول ولقطات حياته صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك على سبيل المثال أنَّه صلى الله عليه وسلم عندما دخل مكة قال لأولئك الذين ما تركوا شوكةً إلا ووضعوها في طريقه، ولا محاولةً إلا وبذلوها في سبيلِ إيذائِه، بل وأرادوا منعه من دخول مكة -قال لهم- مثلما قال يوسف عليه السلام لإخوته: ﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (سُورَةُ يُوسُفَ: 92/12)، “اِذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ“، فأرانا بهذا القمَّةَ في اللين والصفح والرحمة والتسامح[2].

رحمةٌ مجسَّمة تسير على الأرض

لقد أصبح مردودُ هذا اللين والرفق الذي أبداه سيد الأنبياء رسولنا صلى الله عليه وسلم عظيمًا؛ إذ دخل الناس في الإسلام أفواجًا وجماعاتٍ كما ذُكر في سورة النصر، وإذا نظرنا إلى المسألة من زاوية تكرر الأحداث التاريخية في دوران دائمٍ يمكننا القول إنَّه: أيًّا كانت العوامل التي أثرت في دخول الناس الإسلام بالأمس فإنها ستظل تؤثر في اعتناقه اليوم وغدًا، وكما قال الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي: “لو أننا أظهرنا بأفعالنا وسلوكنا مكارمَ أخلاق الإسلام وكمالَ حقائق الإيمان، لدخلَ أتباعُ الأديان الأخرى في الإسلام جماعات وأفواجًا، بل لربما رضخت دول العالم وقاراته للإسلام”[3].

أجل، إنَّ تجسيدَ الرحمةِ على وجه “الأصالةِ” حاصلٌ برسولِنا صلى الله عليه وسلم، ولا قِبلَ لأحدٍ على الإطلاق أن يُزاحمه في هذا المقام، غير أنه ينبغي للأعين أنْ تطمحَ إلى هذا الأفق دائمًا؛ ولا بد من السعي إلى تحصيله على مستوى “الظليّة”، وحريٌّ بنا أنْ ندعوَ الله جلَّ وعلا أنْ يجعلنا رحماء مشفقين؛ إذ يُمثّلُ هذا في الوقت نفسه سببًا ووسيلةً مهمة لأن تنزل بنا رحمته سبحانه وتعالى، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ، لَا يَرْحَمْهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ[4]، وقال في حديث آخر أيضًا: “الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ[5].

ومن هذه الناحية فإنَّه ينبغي لفدائيِّي المحبّة في عصرِنا أنْ يَتُوقُوا للوصول إلى أفق الرحمة المجسّدة، وأنْ يسيروا في سبيل إدراك هذا دائمًا، وأيًّا كانت النقطة التي ستحملهم إليها ملكاتُهم؛ فلسوف يُرافِقُون في الآخرةِ الإنسانَ الأُفُقَ في هذا الطريق الذي يسلكونه، وهو رسولُنا صلى الله عليه وسلم، وسيكونون في معيته ما داموا يسيرون في إثر هدفٍ كهذا.

 

 

[1] لمّا انصرف المشركون عن أحد وبلغوا “الرَّوحاء” ندموا على انصرافهم قبل أن يستأصلوا المسلمين وقالوا فيما بينهم: “لا محمدًا قتلتموه، ولا الكواعبَ أردفتم، وبئس ما صنعتم، ارجعوا!” فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فندب الناسَ وأمر بلالًا أن ينادي: “إن رسول الله يأمركم بطلب عدوكم، ولا يخرجنّ معنا إلا مَن شهد القتالَ بالأمس!” فخرجوا والجراحُ فيهم فاشيةٌ، فبعضهم خرج وهو يزحف، وبعضهم يحمل بعضًا، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مجروح، في وجهه أثر الحلقتين، ومشجوجٌ في جبهته في أصول الشعر، ورباعيته قد شظيت، وشفتُه قد كُلمت من باطنها، وهو متوهن منكبه الأيمن بضربة ابن قميئة، وركبتاه مجحوشتان، حتى بلغوا “حمراء الأسد” وبئرَ أبي عنبة، وقد انصرف أبو سفيان وأصحابُه خائفين وجلين، فبذلك حوَّل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الهزيمة المؤقتة التي تعرضوا لها إلى نصر عزيز. (انظر: الواقدي: المغازي، 334/1-336).

[2] انظر: البيهقي: السنن الكبرى، 199/9.

[3] انظر: بديع الزمان سعيد النورسي: صيقل الإسلام، الخطبة الشامية، ص 462.

[4] صحيح مسلم، الفضائل، 66؛ سنن الترمذي، البر، 16.

[5] سنن الترمذي، البر والصلة، 16؛ سنن أبي داود، الأدب، 66.

الشيطان وأتباعه في كل عصر

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما هي الرسائلُ الكامنة في الآيات التي تتحدُّث عن طغيانِ الشيطانِ وإضلالِه كقولِه تعالى: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ (سُورَةُ النِّسَاءِ: 118/4-119)؟

الجواب: لقد بَيّنَ الله عصيانَ الشيطان في مواضع متعددة من القرآن الكريم؛ ففي سورة الحجر مثلًا نجد الشيطان بسبب حسدِهِ الإنسان وبغضه إيّاه تحدث بوقاحة وصفاقة فـ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (سُورَةُ الْحِجْرِ: 39/15)، وفي سورة “ص” ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (سُورَةُ ص: 82/38)، وكذلك أيضًا فقد فصَّلَ القرآن الكريم موضوعَ هَذَيَانِ الشيطانِ الممتلِئِ حقدًا وكرهًا في قولِهِ تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 16/7-17).

ولا تختلف تلك العبارات عن بعضها من حيث إنَّها تعبير عن ضلالٍ وانحرافٍ واحدٍ، فالشيطان أسيرُ الغيرة والحسدِ، وقد أسلمَ نفسه في الوقت نفسه للحِقْدِ والكرهِ، وأعمَتْهُ تمامًا تلك المشاعرُ القاتلة؛ فتدفَّقَتْ من فمِهِ هذه الصنوفُ من الأباطيل وهو في حالةٍ من الهذيان، ومن ثمَّ فإنَّه تكلم وتحدث وتصرف نتيجة هذه المشاعر السلبية المُسيطرة عليه رغم أنه يعرف الحقيقةَ جيدًا.

طاغوتٌ يسوقُ مجموعات من الطواغيت

والواقع أنَّ تلك العبارات التي تلفَّظ بها الشيطان بوقاحة وصفاقة تجاه الله تعالى تُبيِّن أنَّه كان في السابقِ ينطوي على مرضٍ نفسيٍّ خطير، من الممكنِ أن يكون من قَبيلِ التشوُّفِ إلى منصبٍ أو مقامٍ أو إلى تقديرٍ وتبجيلٍ، لأنهُ رُوِيَ عن بعض المحققين قولهم: إنَّه لم يبق مكان على وجه البسيطة إلا وسجد فيه الشيطان لله تعالى، وهو يعرف الله كما يُفهم من قَسَمه وحَلِفِه به سبحانه وتعالى، غير أنَّ معرفته الله لم تفده شيئًا؛ لأنها معرفة بلا عملٍ، ونتيجة لذلك فقد تردَّى في مستنقع الغيرة، ولم يتقبل آدمَ عليه السلام، وانهزم أمام مشاعر الحسد.

والشيطان يهذي ويهرِف كلما رأى نجاحَ الإنسان وأداءه ونشاطه العاليَ في سبيل الله تعالى، ويشتد عداؤه للإنسان حقدًا عليه فيصير واحدًا من ألدِّ أعداء الإنسانية، وهو بهذا يقف وراء عصيان وضلال كل المجموعات العصيّة الضالّة، لأن الإنسان المخلوق في “أحسن تقويم” غيرُ منفتحٍ باعتبار فطرته الأصلية على الدهماوية والجدلية وتشويه الآخرين والحسد وما إلى ذلك، وإنَّ مَنْ يقعون في مثل ذلك إنما يقعون فيه بِلَمْزِ الشيطان وغمزه حتى وإن كانوا يظنّون أنهم يستخدمون خلاياهم العصبية وعقولهم، أو يعتقدون أنَّ تلك الأمور السلبية التي يتفوّهون بها من نتاجِ أدمغتهم أنفسهم، أو يتوهَّـمون أنهم هم منْ جعل بعضَ السلبيات أمرًا واقعًا.

وتذكر الآيات الكريمة أنَّ الشيطان سيلجأ إلى عِدَّةِ طرق ومسالك في محاولةٍ منه لإضلالِ الإنسان عن الصراطِ المستقيم حَسَدًا منه وحقدًا؛ فتأمر الآيةُ التالية المؤمنين بالتَّمَسُّك بالطريق المستقيم الذي بَيَّنَه الله تعالى وبعدمِ الابتعاد عنه قائلة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (سُورَةُ الأَنْعَامِ: 153/6)، لأنَّ من ينحرف عن هذا الطريق المستقيم يضلّ في طرق شتّى، ويقع أسيرًا لهواه وشهوته؛ فيتخبط بين اتباع هذه الأيديولوجية وتلك، ويظنُّ أن تلك الأضواء الكاذبة تمنح الإنسانية السعادة والرفاه، ونتيجة لذلك فإنه يُفني عمره لهثًا وراء أيديولوجيات باطلة، في حين أن السبيل الأنسب لطبيعة الإنسان واحتياجاته والذي سيضمن السلم والطمأنينة للمجتمع إنما هو السبيل الذي حدده اللهُ خالقُ الإنسان وصاحبُ الرحمة والعلمِ المطلق، أما الشيطانُ المفسدُ البارع في الإفساد الذي يعلم هذا الأمر جيدًا فقد حاول وما زال يحاول إضلال الناس وإبعادهم عن هذا الطريق المستقيم مستخدمًا آلاتٍ ومزامير مختلفة بحسب ظروف الزمان واختلافِ الشخصيات.

حقدٌ دفينٌ

إنَّ الشيطان حينما أرادَ أن يُعبِّرَ عمَّا ينوي فعلَه أنشأ عبارةً محلَّاةً بلامِ القَسَمِ ونونِ التوكيدِ فقال: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾، ولامُ القَسَم الواردة في أوَّل الفعل ونونُ التوكيد اللاحقة بآخره أيضًا تُبَيِّنان مدى إصرار الشيطان على إغواء الإنسان، أي وكأنَّه قال سأستعبد جزءًا منهم، وأُخضعهم لوصايتي، وأُؤثر عليهم دائمًا.. ويمكننا اليوم مشاهدة أمثلة وأنواع عديدة وكثيرة للغاية من هذا القَبيلِ.

وإثر ذلك أردف الشيطان مؤكِّدًا ما ينوي فعله ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾؛ أي إنّني لن أبرحَ حتى أُفسِد عليهم أفكارهم ومشاعرهم، وسأفعل كلَّ ما بوسعي كي أُضِلّهم عن السبيل؛ فأدفع بعضهم إلى البوهيمية[1]، وأجعل بعضهم عبيدًا للسمعة والشهرة، وأُجنِّنُ البعضَ بجعلِهم يستميتون طمعًا في الحظوةِ والمستقبَلِ، وأُحرقُ البعضَ الآخرَ بمشاعر الجشع، وأَزُجُّ بفِئَةٍ في مستنقع الحسد، بينما أزجُّ بالأخرى في مستنقعِ الاستبدادِ والغطرسة وعدمِ الاعترافِ بحقِّ الغير في الحياة، فأجعلهم يُهرولون من ارتكاب ظلمٍ إلى آخر، وكل واحدة من هذه الأمور انحرافٌ قائم بذاته يسوق الإنسان إلى الضلال، ولذا فإننا ندعو الله جلَّ وعلا أربعين مرة على الأقل يوميًّا في صلواتنا الخمس كي لا نضل ولا نزيغ عن الطريق المستقيم فنقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ (سورةُ الفَاتِحَةِ: 6/1-7).

الشيطانُ والدين المفرَّغُ من محتواه

ومن التهديدات التي يسوقها الشيطان حين يستشيط حقدًا وكرهًا قَسَمُهُ القائل: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾، ويطلق لفظ الأمنية على الأوهام والهواجس التي لا تستند إلى حقيقةٍ والتي يتعذر تحقيقها، وقد كان تفاؤُلُ أهل الجاهلية أو تشاؤُمهم من تلقاءِ أنفسهم استشفافًا من مجموعة من الأحداث، وتيمُّنُهم ببعض الأشياء وتبرُّكهم بها، وتطيُّرُهم بالبعض الآخر نوعًا من تلك الهواجس والأوهام، وكذلك فإنَّ الأوثان التي عبدوها كانت من نتاجِ تلك الأمانيّ؛ فقد كانوا يضعونَها حتى داخل الكعبة، واشتهرَت في أماكن شتى من الجزيرة العربية أصنامٌ شبيهة باللات ومناة والعزى وإساف ونائلة.. فكانوا يذبحون لها القرابين ويعبدونها، وفي وقتِنا الراهن هناك مَن يُسوِّقون النهبَ والسرقة والكذب والافتراء على أنها أمورٌ مشروعةٌ، ويظنون أنهم سيُحقِّقون مكسبًا ويَصِلُون إلى مكانةٍ ما بالمفاهيم الدينية التي أفرغوها من محتواها، وما فِعلُهم هذا إلا نتاجُ نوع آخر من الهواجس والأوهام أيضًا.

وفي بقية الآية الكريمة يقول الشيطان: ﴿وَلَاٰمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ اٰذَانَ الْأَنْعَامِ﴾؛ فكان من عادات أهل الجاهلية أنهم يشقُّون آذان بعض الحيوانات فتكون علامة عليها، ويُحرّمون على أنفسهم أكل لحومها، ويفعلون ذلك نسكًا في عبادة الأوثان، فيحرِّمون ما أحلّه الله سبحانه وتعالى.

أكبرُ تغييرٍ: الانحراف عن غاية الخلق

ويواصل الشيطان وقاحته وصفاقته قائلًا: ﴿وَلَاٰمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾، فاللهُ تعالى خلق كلَّ الكائنات على فطرةٍ، يُعَدُّ إحداث أيّ تغيير فيها وقوعًا في حيلةٍ من حِيَلِ الشيطان، فالإنسانُ المخلوق في أحسن تقويم إذا تحرك في إطار النُّظُمِ والأسس والمنهجِ الذي وضعهُ الله تعالى يكون قد تحرَّكَ وفقًا للفطرة التي فُطِرَ عليها، وإلا فإنه يُسلِمُ نفسه للتَّشَتُّتِ والفُرقة، وينحرفُ عن جادَّةِ الفِطرة السليمة.

وإلى جانب تلك الأمور فإنه عندما يُنظر إلى الآية الكريمة من زاوية التفسيرات الحديثة يمكن استلهامُ إشارةٍ إلى عمليات التجميل التي شاعت اليوم؛ إذ إنَّ عدم إعجاب الناس بشكل بعضِ الأعضاء من الجسدِ، وقيامَهم بتغييرها وفق أهوائهم شكلٌ آخر من أشكال التدخُّل في الفطرة، وهي أيضًا وقائع تجري بهمز الشيطان وإغوائِهِ، أمَّا علاج التشوُّهات التي تحدث في الجسد بسبب تلقِّي العلاجات الخاطئة أثناء عملية الولادة أو نتيجة حادثة ما وتحسينُها فإنه لا يندرجُ ضمن التدخُّلِ في الفطرة ومحاولة تغييرِها، بل على النقيضِ، إذ إنه يُقبَلُ ويُنظَرُ إليه على أنه إعادة الأمر إلى أصلِ فطرة الله تعالى.

والواقع أن مسألةَ “تغيير خلق الله” تعبيرٌ عام، ومجالَ انعكاساتها واسعٌ، وقد بيّن الله تعالى بقوله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (سُورَةُ الذَّارِيَاتِ: 56/51). لماذا خُلِق نوعُ بني الإنسان؟ فالآيةُ تجيب على هذا السؤال بأن الهدف الأساسي لوجود الإنسان هو عبادة الله تعالى؛ فقد خلق الله الإنسان ليعبده سبحانه وتعالى، لا لشيء آخر، وهذا يعني أنَّ من لا يعبدون الله يسعون لتغيير فطرته وخلقه، ومثل هذا تمامًا كلٌّ من العقل والمنطق والمحاكمة العقلية فإن لها مجموعة من الغايات والمقاصد التي خلقت من أجلها مثل التفكّر والتدبّر والتأمّل في الأنفس والآفاق، وتحليل الأوامر التكوينية، ومن يدقق هذه الأوامر التكوينية ويستخرج منها مجموعة من المعاني، ويؤلف بين تلك المعاني التي استخرجها والأوامر التشريعية، ويتوجه بعد أن يُحسِنَ قراءة الأسرار الخاصة بالربوبية نحو توحيد الألوهية والعبودية؛ يكون حينئذٍ قد استخدم عقله ومنطقَهُ في اتجاه الفطرة، وكما أن المخترعين الإسلاميين كانت لهم اختراعات مهمة للغاية نفعت الإنسانية جمعاء في تلك الفترة التي استمرت فيها النهضة الإسلامية حتى القرن الخامس الهجري؛ فهناك كثير من الباحثين الغربيين أيضًا يقومون في عصرنا بالشيء نفسه عبر حُسنِ استخدامهم المنطق والمحاكمة العقلية التي وهبهم الله إياها.

 والمقاربةُ عينُها واردةٌ بالنسبة لأعضاء الإنسان أيضًا؛ فالعين مثلًا لها غاية من خلقها، وهي النظر إلى الأشياء التي يجب النظر إليها، ومحاولة رؤيتها بشكل صحيح وتدقيقها، ومحاولة استخراج بعض المعاني منها، وكما قال الأديب التركيّ “رجائي زاده محمود أكرم” فإنَّ الكون يبدو من أوّله إلى آخره وكأنه كتابٌ رائعٌ إذا ما طالَعنا أيًّا من حروفه وجدنا الله تعالى، وإنَّ البيت الشعري الحكيم التالي الذي نُظم قبل عصورٍ:

تَأَمَّلْ سُطُورَ الْكَائِنَاتِ فَإِنَّهَا         مِنَ الْمَلَإ الْأَعْلٰى إِلَيكَ رَسَائِلُ

ليستحق التأمل في معناه، وعليه فإنَّ المهم هو التمكُّن من رؤية قدرة الله تعالى ومشيئته وعلمه وإرادته حتى في أوراقِ الأشجار، وفي الشتلاتِ والفسائلِ المتمايلة، ولا سيما في الإنسان فإنه بِيَدَيه ورجليه، ولسانه وشفتيه، وعينيه وأذنيه مَعْلَمٌ يُـمَثِّلُ كتابًا بحجم مجلدات لا بدَّ من مطالعتها، ومحاولةُ الإنسان قراءةَ هذا الكتاب قراءةً صحيحة تعني استخدامه عينيه ومنطقه ومحاكمته العقلية في اتجاه الفطرة السليمة.

وبنفس الشكل فإنَّ استماع الإنسان الغِيبة والافتراءات والأكاذيب والأشياء الماجنة بأذنيه لَيُبَيّن ويكشف أنَّه لم يستعملْهما لما خُلِقتا له، وهذا يُعتبر نوعًا من الإسراف، ولذلك فإن الله الذي وهب الإنسان تلك النعم سيحاسبه عليها يوم القيامة، وقد منح الله تعالى الإنسانَ نعمة اللسان التي بها يرتفعُ ويُفضَّلُ على غيرهِ من سائرِ الأحياء، فبفضلها يستطيع الإنسان التعبير عن أدقِّ التفاصيل، وكذلك فإنَّ هذه النعمة الكبرى ذات غاية محدّدة؛ تتمثَّل في عدم الانزلاق في اللغوِ والكذبِ، وأن ينطقَ بالحقِّ والحقيقة، ويُرشِدَ إلى محاسن الأمور.

ويَتَبين من العبارات الوَقِحَةِ التي تفوه بها الشيطان أنَّه يسعى ليمنع الإنسان من أن يستخدم في سبيل الخير والجمال تلك القابليات الممنوحة له، فنجده مثلًا يُلَقِّنُ الإنسان كيف يستخدم عقله في خداع الآخرين، ويُشرعِنُ له كلَّ الطرق كي يتمكن من الوصول إلى هدفه بفهم أنانيٍّ وصوليٍّ (مقياولي)، والأكثر من ذلك أن الشيطان سيسعى كي يُجمّل حتى لمن يرتادون المساجد كلَّ فهمٍ إباحي، وسيدفعُهم للاستفادة من نعم الدنيا دون تحرٍّ للحلالِ والحرام، ويجتهد كي يُبعد عن طريق الله تعالى حتى أولئك المداومين على الصلاة، ومن ثم فإن الإنسان إذا لم يستخدم الملكات والقابليّات الموهوبة له في الطريق الصحيح فقد اتبع همزات الشيطان، وتدخل في الفطرة، فيصبح دون أن يدري أبدًا خاضعًا لأمر الشيطان؛ ولهذا فقد حذر القرآن الكريم من الشيطان ومن مكائده بأسلوب يُرجِفُ القلوبَ ويُنبِّهها فقال: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ (سُورَةُ النِّسَاءِ: 119/4).

وعليه فلا بد أن يضع الإنسان في اعتباره أنَّ الشيطان ربما يقف وراء كل حركة تخالف ما أمر الله تعالى به في القرآن، وينبغي له أن يُديم الاستعاذة بالله من الشيطان، وأن يُخْلِصَ التوجُّهَ إلى الحقِّ تعالى ويطلب المدد منه، وأن يتمسك بالتصرُّفات والسلوكيات التي تطردُ الشيطانَ وتُبعده عنه، فعليه مثلًا أن يَلْزَمَ الصلاةَ وتلاوةَ القرآن؛ فقد ورد في الحديث النبوي الشريف أنَّه “إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ: يَا وَيْلِي أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِيَ النَّارُ”[2]، ولأجلِ ذلك فإنَّه ينبغي لمن ينشد الحق ويرغبُ في أن يَسْلَمَ من كلِّ حيل الشيطان ومكره أنْ يعيش حياته عبدًا لله فحسب، وأَنْ يَجِدَّ في سبيل إعلاء كلمة الله، ويعتبرَ نفسه صِفْرًا ويتوجَّه إلى الله لا إلى أحدٍ سواه، فكل هذه الأمور بمثابة أسوار تُقام منعًا من وصول الشيطان إلى الإنسان، أمَّا من يسيرون في سبيل الله ويُقحمون في أثناء ذلك أنفسَهم وملاحظاتهم النفسيةَ ومصالحهم الشخصيةَ فهم أموات بالنظر إلى حيواتهم القلبية، كما أنهم بصنيعهم ذلك يهدمون حصونهم القلبية ويُسلمون قلوبهم للشيطان، نسأل الله السلامة.

 

[1] البوهيمية: طريقة في الحياة تقوم على التسكُّع واللامبالاة بالوضع الاجتماعيّ أو المعيشيّ وعدم الاهتمام بالمصير والمستقبل.

[2] صحيح مسلم، الإيمان، 133؛ سنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، 70.