قسوة القلب

Herkul | | العربية

   سؤال: ما هي مظاهر قساوة القلب وما أسبابها وما وسائل النجاة منها؟

   الجواب: قسوة القلب تعني غِلظته، والإنسان غليظ القلب بحسب إفادة الشيخ بديع الزمان لا يمكنه أن يتخلص من الحيوانية، ولا أن يتجرد من الجسمانية، ولا قدرة له على الارتقاء في مدارج حياة القلب والروح ويعيش حياته جاهلًا بأفق الروح، وأحيانًا وبحسب درجة قسوة قلبه وغفلته يتحرك ويعيش كأنه لا وجود للآخرة؛ فلا يمر على فكره وعقله القبر ولا الميزان ولا الحساب ولا الصراط، ولا يخاف من الانكباب والوقوع في جهنم، ويعيش متجاهلًا الجنةَ ونعيمَها والرضا والرضوان.. إن صاحب القلب القاسي لا يمكن أن يرى تجلّيات أسماء وصفات جناب الحق تعالى المتجلّية في كتاب الكون، ولا يمكن أن تنفتح له آفاق الأسماء الإلهية ولا الصفات السبحانية.

   آليات تحافظ على حياة القلب

لا شك ولا شبهة في أن استمرارية الحياة القلبية مرتبط بالإيمان بالله سبحانه وتعالى، فعلى الإنسان أولًا وقبل كل شيء أن يؤمن بالله حق الإيمان، وأن يراجع إيمانه في كل وقت وحين، وأن يتحرر من الإيمان التقليدي ويرتقي إلى الإيمان التحقيقي، وعليه أن يجعل الإيمان جزءًا من طبيعته وفطرته، أما إيمانه النظري فعليه أن يغذيه ويُتَوِّجه بالعبادات والطاعات التي يؤديها في خشوع وخضوع، ومن يلتزم ذلك يظلّ قلبه حيويًّا ونضرًا.

إن معرفة الله ومحبة الله والذوق الروحاني أسسٌ مهمّة جدًّا لحيوية القلب، ونطلق على المعرفة أيضًا “ثقافة القلب”، أي أن يُصبحَ العلمُ والمعرفة الإلهية جزءًا من طبيعة القلب واللطيفة الربانية عن طريق الرياضة المستمرّة، وهذه المعرفة الحاصلة تختلف تمامًا عن المعلومات المكتَسَبة عن طريق الحواس أو الإدراك العقلي.

ومعرفةُ الله تُثمرُ محبة الله تعالى، فالإنسان العارف يحب الله عز وجل.. لو عرفتَه لأحببته، وإن لم تعرفه لما توصلْتَ إلى حبِّه، وإذا كان مفخرةُ الإنسانية صلى الله عليه وسلم محبوبًا فذلك نتيجة لمعرفته، وبمعنى آخر يمكننا القول: إنه بمقدار العلم والمعرفة يكون الحبّ، أما من تعمّقوا في معرفة الله تعالى يشعرون بعشق ومحبة جنونية تجاهه، ويرتقون إلى مرتبة الهيام بما وراء العشق من الاشتياق إليه سبحانه وتعالى، فهذا من شأنه أن يُعمق معرفة الله تعالى، وكلما تعمَّقَت مناسبة الإنسان بالله تعالى صار لسان حاله الدائم يطلب الرؤية والرضوان، إن كل هذه الأمور المذكورة تبث الحياة في القلب، وتُعَدّ وسيلة أساسية لانكشاف اللطيفة الربانية، فإما أن يمتلئ القلب بالإيمان ومعرفة الله ومحبته أو يمتلئ قساوة وغلظة.

وكما أن عدم القيام بأعمال إيجابية من شأنه أن يقسي القلب، فكذلك القيام بأعمال سلبية يؤدي إلى ذات النتيجة، بمعنى أن ارتكاب الذنوب والمعاصي باليد والرجل والعين والأذن واللسان والشفاه، والانحرافَ عن طريق الحق والعدالة يؤدي إلى غلظة وقساوة القلب، وذلك لأن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم قال في بيانه الشريف: “إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ[1]، وكل نكتة سوداء تدعو أختها ومع مرور الأيام تكثر تلك النكات إلى أن تطمس القلب في النهاية.

ولقد وضَّح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم المسألة بأن قَرَنَها بقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (سورة الْمُطَفِّفِينَ: 83/14)، وفي آية أخرى يصف الحق تعالى حال القلب الذي هو أشد قسوة من الحجارة بقوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/74)، وفي آية أخرى يقول: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/7)، بمعنى أن هذه القلوب منغلقةٌ تمام الانغلاق، فلا تدخل فيها المعرفة على الإطلاق، ومن جهة أخرى فإن الله سبحانه وتعالى ختم على هذا القلب الذي تحول إلى بؤرة فتنة وفسادٍ لئلا يتضرر الآخرون منه ومن أمثاله.

وبهذا الاعتبار فالوظيفة الأولى الواقعة على عاتق المؤمن هي القيام بالأفعال الإيجابية للمحافظة على حيوية القلب، وعليه أن يردد دائمًا “هل من مزيد؟” فيما يخص الإيمان والمعرفة والمحبة والعشق والشوق، وأن يقضي عمره في تهجية حروف وكلمات هذه المعاني العالية، ومن جهة أخرى عليه أن يبتعد عن كل ما هو سلبي، وألا يدع فرصةً لما من شأنه أن يُلّوِّثَ القلب أو يُقَسِّيه.

وإذا راجعنا كلام الشيخ سعيد النورسي مرة أخرى سنجده يقول: “إن كل معصية نرتكبها وكل شبهة تدخل إلى عقولنا، تفتح جراحات في القلب والروح، وهذه الجراح تهدد حياتنا الأبدية”[2]، ولهذا السبب فإن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم استعاذ من قسوة القلب كما استعاذ من الشيطان الرجيم[3]، وحقيقة الأمر أنه بهذه الاستعاذة كان يؤدّي حق وظيفة الإرشاد، فينبغي لنا أن نستعيذ بالله دائمًا من تلوث القلب وانجراحه وقسوته وغلظته وختمه.

ومن جهة أخرى فكما أن الإنسان المصاب بانسداد في شريان القلب أو في عضلة القلب يقوم بإجراء عملية صمام القلب أو عملية منظم ضربات القلب، حتى تزول عنه أعراض مشكلات القلب؛ فكذلك الذي يعاني من مشكلات في لطيفته الربانية عليه أن يخضع نفسه للعلاج فورًا، ولا ينبغي له أن يعيش بقلب ملوّث أو قاس أو مليء بالجراح، بل عليه أن يحاول جاهدًا معالجتها حتى تقوم اللطيفة الربانية بوظيفتها على أكمل وجه، لأن القلب الملوث لا يتوجه إليه جناب الحق تعالى، والمكان الذي لا يتوجه إليه الحق سبحانه لا فرق بينه وبين الزِنزانة.

   رفقة الصالحين

وبجانب ما ذكرنا فمن الأهمية بمكان أن ينظر الإنسان مع من يجلس ويتحرّك ويصادق ومع من يقيم وشائج العلاقات، فمنذ القدم والصالحون من عباد الله يحذرون مريديهم من كثرة الاختلاط برجال الدولة والأغنياء، ويجب ألا يفهم الأمر على أن الغنى والثروة أو الاشتغال بالإدارة أمرٌ ملعونٌ ومنبوذ أو شيء من هذا القبيل، بل على العكس فالثروة والمنصب يشكّلان لصاحبهما نوعًا من الامتحان، إذا استخدمهما في الطريق الصحيح فقد فاز وأفلح، وإن أساء استخدامهما خاب وخسر.. والمسألة الأصليّةُ التي يجب أن نتوقّف عندها مليًّا هنا هي أن الكثيرين ممن يتعاملون مع هؤلاء يسعَون في أغلب الوقت إلى إرضائهم والتقرب إليهم ويصبحون في موقف المنة تجاههم، وهذا الأمر يُفقِدُ الإنسان حيثيَّتَه، ويُقلّل من شرفه وقيمته، ويؤثر بالسلب على صلة الإنسان بالله سبحانه وتعالى.

وإذا كان صاحب الثروة أو المنصب هذا يعيش حياته غافلًا، فإن مصاحبته ستؤدي إلى قسوة القلب، والابتعاد عن الله سبحانه وتعالى، وهو وأمثاله لن تجد في أفكارهم ولا في أقوالهم ولا في أعمالهم مكانًا لذكر الحبيب عز وجل، ولكن على العكس تمامًا فهَمّهم الوحيد هو الاستزادة من متَع الدنيا، والتلذّذ بالحياة إلى آخر لحظة، وأينما وُجدوا بحثوا عن التصفيق والتقدير والمدح والثناء من الآخرين، وإن قدموا المساعدةَ وصرفوا مما في أيديهم من إمكانات، فهذا يعني قد يفعلونه لكي يكونوا أصحاب منة، ولذا فالمخالطون لهم يبدؤون بالتشبه والتمثل بهم شيئًا فشيئًا.

وبهذا الاعتبار فعلى المهتمين بحياة قلوبهم، أن يختاروا جلساءَهم وأصدقاءَهم بدقة وحصافة، فبعضٌ من كبار الصالحين أفادوا بأن جلوسهم مع مَن لا يصلي، حرمَهم من اللذة الروحية للصلاة أربعين يومًا، وهذا أمرٌ يُظهر لنا أهمية المسألة بصورة جامعة مانعة، ولذا فيجب على الإنسان أن يصادق ويرافق من يستطيع أن يكون حديثه معه في كل آن حديثًا عن الحبيب سبحانه وتعالى، وعلى الإنسان أن يرافق مَن يرفعُه حالُه ويدلُّه على الله مقالُه، أما صِلتهم بأهل الدنيا وأهل الغفلة فيجب أن تكون مربوطة بما يصبون إليه من غايات سامية وأفكار عالية.

إن المسألة التي نتناولها هنا ليست دعوة إلى أن يتخذ الإنسان موقفًا عدائيًّا تجاه من يخالفونه الرأي، ولا أن يكرههم، ولا أن يُغلظَ عليهم القول، ولا أن يتنازع ويتعارك معهم، بل العكس تمامًا فينبغي للمؤمن أن يُقابل جميعَ الناس بمشاعر الاحترام، ولكن إذا توجّب عليه اتخاذ موقف عدائيٍّ فليفعل ذلك تجاه صفاتهم السيئة، أي: لِيُعادِ ظُلْمَ الظالم لا شخصَه، وعداوةَ المعتدي لا ذاتَه.. فالموضوع الحقيقي الذي نحاول الوقوف عليه هنا هو المحافظة على صفاء القلب، وطريقُ ذلك أن يبتعد الإنسان عن هؤلاء الذين لا مكان لديهم للحياة الروحية والقلبية، ومن جهة أخرى أن يلازم أهل القلب بقدر استطاعته.

ولكن هذا يمثل أحد جانبَيْ المسألة فقط، ومن جانب آخر فعلى المؤمن من مقتضى عبوديته لله تعالى أن يتواصل ويتعامل مع كل الناس من أجل تغذية هذه الصدور المتعطشة بإلهامات روحه؛ لأن الذين ينعزلون ويبتعدون عمن يخالفونهم الرأي، لن يستطيعوا أن يظهروا ولا أن يشرحوا جماليات دينهم، كما أن عدم المحافظة على ديمومة العلاقة مع الآخرين سيؤدي إلى تفرق المجتمع وانقسامِه إلى جبهات متناحرة، ولذا عليكم أن تقتربوا من الآخرين بحيث إذا خطوتم نحوهم خطوة واحدة قابلوها بخطوتين نحوكم، وإذا خطوتم خطوتين قابلوها بأربع، وهكذا ستزول أسباب الخلاف والفرقة بين طوائف المجتمع المختلفة، ولذلك فإن اللقاءات لمثل هذه النية الخيرة والمقصد العالي، تختلف تمامًا عن اللقاءات التي تُعقد لرغبات النفس وهواها.

وكما يُرى، فإن اختيار الموضع والكيفية المناسبة لاتخاذ موقف تجاه أمر ما، مسألةٌ تحتاج إلى جهد ذهني، وعلى الإنسان ألا يقصّر أبدًا في أداء ما يجب عليه من خدمات، فَبِقدر قوّته وإمكاناته وموقعه عليه أن يبذل غاية وسعه، ولكن بعد أن ينتهي من الأمر عليه أن يقول: “ربما كان هناك أمور أخرى يجب عملها وأفعال أفضل كان يجب الوصول إليها؛ ولكن ربما لم يتم الأمر على الوجه المطلوب لعدم كفاءتي، بل بسبب ذنوبي وتقصيري، اللهم تقبل مني هذه الأعمال القليلة البسيطة، واغفر لي تقصيري وعدم تحقيقي لما هو واجب ولما هو أفضل”، فمثلُ هذا التفكير أكثرُ أمانًا للقلب المؤمن، أما الادعاء بأن كل ما فعله وقام به هو غاية الصواب فهذا تفكيرٌ فرعوني، ومَن يُفَكِّرُ على هذه الشاكلة حتى وإن لم يكن فرعونًا فإنه يحمل في نفسه سمات الفراعنة.

***

 [1]صحيح مسلم، الإيمان، 231.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللـمعة الثانية، ص 11.

[3] صحيح مسلم، الذكر، 73.

القضايا الأساسية في الدين

Herkul | | العربية

   سؤال: كيف لنا أن نفهم قول الأستاذ سعيد النورسي: “الحاجة تدعو إلى التذكير بالمسلّمات أكثر من تعليم النظريات”[1]؟

   الجواب: مع مراعاتنا للزمن الذي عاش فيه الأستاذ النورسي فقد قصد بتعبيره هذا أن يقول: إن التركيز على محكمات الدين والقضايا الأساسية فيه خير من وضع النظريات حول هذه القضايا والاشتغال بها، فمثلًا القضايا العقائدية مثل وجود الله تعالى ووحدانيته، وحقيقة النبوة، والإيمان بالحشر وبالكتب السماوية، أو الأحكام العملية مثل الصلاة والصوم والزكاة والحج؛ كلها مسلمات دينية ينبغي للمسلمين أن يركزوا عليها في الأصل، كما يجب عليهم أن يستنفدوا كل الوسائل التي تعينهم في ذلك، وأن يستخدموا مختلف الأدلة والبراهين في دحض الشبهات التي تراود الأذهان، وأن يُبْرِزوا هذه المسلمات على أنها حقائق ثابتة لا تتزعزع.

وليس من الصواب أيضًا حصرُ المسألة في العبادات وأركان الإيمان فحسب، فثمة أحكام عديدة نصّ عليها القرآن الكريم والسنة النبوية تتعلّق بالحياة الفردية والأسرية والاجتماعية، وما يجب علينا هو تذكير بعضنا البعض بحِكَم هذه الأحكام ومقاصدها؛ لأن المسلمين إن التزموا وتقيدوا بهذه الأحكام الأساسية في الدين أو ما نسميها المسلمات فستنتظم حياتهم الدنيوية وتسلم حياتهم الأخروية، أما دراسة بعض النظريات التي لا نفع فيها دينيًّا أو أخرويًّا والعمل على تطوير النظريات الجديدة والتسلي بها لمجرد الاشتغال بالعلم ليس إلا؛ فليس بالطريق الصائب السليم. أجل، إن إعمالَ الذهن في مسائل بعينها، وإنتاجَ أفكارٍ لا تتجاوز التنظير بحجة تحصيل العلم؛ لا فائدة منها بعدما ثبت أنها لا تقدِّم العلاج المباشر لمشاكل الناس الحالية.

من جانب آخر دلّنا الأستاذ سعيد النورسي بقوله هذا على أساس مسلكه؛ لأنه كان يحرص على إعادةِ إحياء العديد من قضايا الدين التي أصابها الإهمال بأصولها وفروعها، والعملِ -كما يقول- على ترميم قلعة الإيمان الخرِبة منذ قرون؛ فالأولى بالنسبة له إعادة تعمير القيم الخربة؛ ومن أجل ذلك لم يكن يحبّذ الاشتغال بمسائل نظرية لا فائدة لها على أرض الواقع في حين وجود وظيفة مهمة كهذه، وأكد على أنه لا يصح صرف الهمم عبثًا هنا أو هناك، بل لا بد من توجيهها إلى إعادة ترميم هذه القلاع الخربة من جديد.

وكما أنه ليس من الصواب الإقدام على عمل الزينات والزخارف بالقلعة دون ترميم ما أصابها من تصدعات فكذلك لا يصح الاشتغال بالقضايا التافهة دون حل هذه المشاكل؛ في وقتٍ اهتزت فيه القيم الأساسية وتحطمت، فضلًا عن ذلك فإن الانكسارات الحاصلة في المسائل المتعلقة بالمحكمات والمسلّمات ستؤثر بدورها على القضايا الأخرى، وستتهدم في النهاية جميعُ القيم المتصلة بالدين محدِثةً دويًّا شديدًا، ولهذا يجب صرف الهمم نحو توطيد وإحكام المسلَّمات الدينية.

وعند القيام بذلك يجبُ أخذُ ظروفِ الزمان بعين الاعتبار، وإعداد الإحصائيات اللازمة قبل البدء في تشييد البناء، وتمهيد الأرضية جيدًا لمنع وقوع أي انهيار محتمل، أما إذا لم نواكب الزمن الذي نعيش فيه ولم نتعامل مع القضايا الدينية وفقًا لذلك فلن تكون هناك أي فائدة للتذكير بالمسلمات.

   روح التجديد

التجديد هو إعادة تفسير الدين والتعامل معه وفقًا لظروف الزمان، ولا يعني التلاعبَ بأصل المسألة، ولا تغييرَ الأصول، ولا إعادةَ إنتاجِ ما هو مشوهٌ بطريقة جديدة، بل هو إرجاعُ الحقيقة التي فقدت لونَها وبريقَها مع مرور الزمن إلى هويتها الأصلية من جديد، وإقامتها بماهيتها الأصلية مرة أخرى.

ويمكن أن نشبه هذا الأمر بترميم الآثار القديمة، والذين يشتغلون بهذا الأمر يعملون على ترميم هذه الآثار ومعالجتها بأدق تفاصيلها، وعلى إعادتها إلى ماهيتها الأصلية من جديد، وعند قيامهم بهذا لا يفسدون نقوشَ هذه الآثار ولا يضرّون بمقرنصاتها، ولا يحطمون الزجاج الملون والأرابيسك فيها، بل يعيدون كل شيء بجميع أجزائه إلى أصله وأصالته من جديد، وعلى الشاكلة نفسها ثمة حاجة ماسة إلى تقديم هذه المسلّمات الدينية التي فقدت أهميتها ومعناها في أعين الناس بشكلٍ يتناسب مع غاية وضعها. وهذا ما نسميه التجديد من ناحية ما.

ويجب عدم الخلط بين التجديد والإصلاح، ففكرةُ الإصلاح في الدين عبارة عن مجرد فانتازيا ورفاهية؛ فمثلًا ظهرت المساعي إلى إبطال العديد من المحكمات الدينية تحت مسمى التاريخانية نتيجة مثل هذه الفانتازيا.. وعلى نفس الشاكلة ظهرت محاولات لتغيير وتحريف بعض القضايا الإسلامية حتى يتقبلها الآخرون أو تبدو لطيفة بالنسبة لهم؛ وهذا أيضًا نوعٌ آخر من الفانتازيا، ومع الأسف غدا كثيرٌ من الناس يهرعون الآن خلف هذه الفانتازيا، والواقع أنه لم يحدث حتى الآن أيُّ تشوُّهٍ في الأسس والضوابط الإسلامية حتى نتحدث عن إصلاحها.

إن الدين يشعّ نضارة وحيوية في كل وقت وحين، أما ما قد يبلى فهو عقولُ الناس وأفكارُهم، وطالما لم تبلَ أفكارُ الناس ومشاعرُهم ولم تفقد بريقها فيمكن للناس الإحساس بأوامر الدين وكأنها نزَلَت الآن من السماء غضة طرية، وهكذا نطلق التجديد على عملية تقديم القيم التي يجب الإيمان بها ومعايشتها -مرة أخرى- إلى الذين فقدوها، وإعادة ربطهم بها من جديد، بالتزامن مع مواكبة العصرِ.. أما من يقوم بوظيفة التجديد فنطلق عليه المجدِّد.

بعبارة أخرى، إن التجديد تغيير شكلي أو صوري في الحقائق الدينية دون المساس بأصلها، مع تبليغها للناس مرة أخرى وتقديمها إليهم بنضارتها وطراوتها، والبعض يعتبر أولَ المجددين في تاريخ الإسلام سيدَنا أبا بكر الصديق فسيدَنا عمر، ومن بعدهما عمر بن عبد العزيز رضوان الله على الجميع.. كما ظهر في العصور التالية ممثلون لحركة التجديد من أمثال الإمام الغزالي، والإمام الرباني، ومولانا خالد البغدادي، والأستاذ النورسي؛ رحمهم الله جميعًا.

فمع تغير الزمان وغلبة العادات والتقاليد وتفشّي الغفلة قد يبتعد الناس عن جو الدين النقي الطاهر، وينتابهم نوعٌ من الإلف والتعود إزاء حتى محكمات الدين، وتختفي بعض الحساسيات الدينية، بل وقد ظهرَت بعضُ الانحرافات في النظرة إلى الدين واستيعاب القضايا الدينية، ولهذا بات من أهم الأوليات التي يجب القيام بها كما فعل الأستاذ النورسي: تقديم المسائل الدينية بشكلٍ يتناسب مع ماهيتها الحقيقية، وعرضها على أعين الناس مرة أخرى بأسلوب ولغة ولهجة جديدة، وإثارة روح الحماس في نفوس الناس إزاء هذه الحقائق.

إن الزمان قد انكمش والمسافات قد تقاربت كعلامة من علامات آخر الزمان كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم[2]، والعصر الذي نعيش فيه هو عصر السرعة، والمبادرة في القيام بالوظائف الدينية التي يلزم القيام بها في هذا العصر تَحمِل أهمية بالغة بالنسبة لوارثي دعوة النبوة، ولهذا يُشترط استخدام العقل المشترك، والرجوع إلى الوعي الجمعي، وإدارك روح الزمان ومواكبته، ويجب على الجميع أن يقوم بقدر استطاعته بأداء الوظائف والتكاليف المنوط بها على النحو اللائق، ويجب -إن اقتضت الضرورة- إقامة المؤسسات الفكرية (Think Tanks)، ووضع الخطط والمشاريع المستقبلية، والبحث عن سبل لاختزال الأعمال التي تتم خلال مائة سنة في عشر سنوات مثلًا.. كما يجب تدبّر الأوامر التكوينية أيضًا إلى جانب الأحكام التشريعية، واستخدامها في محلها، وتحقيق السرعة المراد تحقيقها، فهذه كلها جهودٌ ومساعٍ مهمة من أجل جمع وتأليف العالم الإسلامي الكبير الواقع تحت الأسر من جديد، وإيقاظ العقول التي انتابها الضمور والضعف منذ قرون.

***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، اللوامع، ص 859، دار النيل، (2013م).

[2] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ (وَهُوَ الْقَتْلُ) وحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ“. (صحيح البخاري، الجمعة، 103)

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، فَتَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَيَكُونَ الشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَتَكُونَ الْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ، وَيَكُونَ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ، وَتَكُونَ السَّاعَةُ كَاحْتِرَاقِ السَّعَفَةِ“، والسعفة هي الْخُوصَةُ. (مسند الإمام أحمد، 16/550)

الموقف الإيماني في الشدة والرخاء

Herkul | | العربية

   سؤال: نعلم جميعًا أن الله تعالى يبتلي عباده بالسرّاء والضراء وبالشدة والرخاء؛ فما الموقف الحريّ بالمؤمن حتى لا يخسر في مثل هذه الابتلاءات؟

   الجواب: لا بد أن نذكر بداية أن تعلُّقَ المؤمنِ بغاية سامية، وسعيَه دومًا إلى نسج حياته حولها بمثابة حصن حصين له أمام هذه الامتحانات التي تعترضه، فلو أن الإنسان شغل ذهنه دومًا بفكرة: “ما أجدر الحياة إن ازدانت بالخدمة! وإلا فلا وزن لها”، ولو أنه ربط بقاءَه في الدنيا بإمكانية قيامه بأشياء في سبيل قضيته التي نذر نفسه لها؛ فلن تغرّه النِّعَمُ حتى وإن أُمطِرَ بها، ولن تُسخطه الحوادث القاسية التي يصادفها.

ولكن من الصعوبة بمكانٍ أن يتقبّل الإنسانُ ذلك ويجعله جزءًا من طبيعته، حيث إن استشعار الإنسان بهيجانٍ نابعٍ من داخله، وإحساسَه بذلك في كل خلايا دماغه يستلزم نوعًا معيّنًا من التضحية والتفاني، والمؤمن الحقيقي هو الذي يحرص على تجاوز هذه الصعوبات، ويربط حياته بغاية إعلاء كلمة الله، ويعتبر أن الحياة إذا خلت من هذه الغاية فهي خواء لا معنى لها، ويُخشى أن يتحول إلى جثة هامدة إذا تخلى عن هذه الفكرة.

أجل، إن كل ما يأتي بعد رضا الله والسعيِ إلى تبليغ اسمه سبحانه إلى الصدور المحرومة؛ أمور ثانوية؛ الأمرُ سيان في وجودها أو عدمها، فلا فرق في أن توجد الراحة والسكن والأسرة والمقام والمنصب والمال والثروة أم لا يوجد كل ذلك، لكن لا يمكن قولُ هذا بالنسبة لإعلاء كلمة الله، لأننا وُجدِنا من أجل تبليغ هذه الغاية وإعلانها، فغايةُ الخلق الحقيقية هي إنعاش هذه الفكرة في الصدور وإحياؤها، ومن ثَمّ فعلى المؤمن أن يحرص على ذلك، ويستهدفه بالدرجة الأولى.

والواقع أن هناك الكثير من المؤهلين لاستشعار مثل هذه المسائل بعمق، فقد خلق الله تعالى كثيرًا من الناس مزودين بهذه الجاهزية، لكن مجرَّدَ وجودها فقط ليس كافيًا، فالمهمّ هو تطويرها وتحريكُها وإثارتُها باستيفاء الإرادة حقها، فبعد أن ينير الإنسان داخله يجب عليه أن يطوي الأرض لاهثًا، وعازمًا على إشعال كل شمعة قابلة للاشتعال، وهكذا يمكن النظر إلى كل عمل يؤدَّى في سبيل الله ويستهدِف خدمة الإنسانية على نحو إشعال الشمعة، وكما يقول مولانا جلال الدين الرومي: الشمعة لا تفقد شيئًا من نورها بإشعال غيرها.

   موقف المؤمن إزاء النجاحات

وكل نتيجة جميلة تترتب على سعي الإنسان وجهده لها قيمةٌ عظيمةٌ للغاية على اعتبار أنها ناشئة عن إحسان الله وكرمه وتوجهه، ولكن يجب ألا يكتفي الإنسان بهذا، بل عليه أن يطلب المزيد قائلًا: “كان من الممكن القيام بأعمال أكبر وأكثر بالإمكانيات التي زودني الله بها”.. ولو أن شخصًا استطاع تبليغ نصف الكرة الأرضية فعليه ألا تغيب عنه فكرة: “لم أستطع أن أستوفي إرادتي حقّها، فلقد كان من الممكن بفضل الإمكانيات التي منَّ الله علي بها أن أبلِّغ مشاعري وأفكاري إلى العالم كله”، كما يجب عليه في الوقت ذاته أن ينسب النجاحات التي حقّقها إلى الحق تبارك وتعالى، وأن يعتبر نفسه كالنملة التي سلكت طريق مكة لأداء فريضة الحج، وأن يكون على وعي بأنه لولا لطف الله تعالى وعنايته لما استطاع إتمام الرحلة أبدًا.

يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: “مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ، لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِير[1]، من هنا وجب شكر ربنا سبحانه وتعالى حتى على أقل القليل طالما أنه قادمٌ منه، وإلا يكون الإنسان قد أساء الأدب مع ربه؛ لأن كل شيء يتحقق بيد الله سبحانه وتعالى وإرادته، فهو سبحانه الذي خلق كل ما في حوزتنا قليلَه وكثيرَه، والأشياء التي تبدو صغيرة هي في الحقيقة كبيرة على اعتبار مجيئها من قِبَل الحق سبحانه، لكن علينا أن نستصغر قدر المستطاع النجاحات الواقعة على أساس الجانب المتعلِّق بنا، فلو أنشأنا ألف جامعة فينبغي أن نعتبر هذا قليلًا، ونقول “لماذا لم نصل إلى عشرة آلاف”.

وقد يتراءى للبعض وجود نوعٍ من التناقض حينما نقول: يجب على المؤمن أن ينظر إلى الأعمال التي يقوم بها باستهانة واحتقار ويعتقد أنها تجلب له الخزي والخجل انطلاقًا من الجانب الذي يعود عليه منها؛ وأن يبجّل ويعظم نجاحاته القليلة جدًّا على اعتبار أنها ثمرة لتوجه الذات الإلهية سبحانه وتعالى له؛ غير أنه تناقضٌ لطيف يحفظ على المؤمن استقامة فكره، ويجعله يقيِّم الأحداثَ بشكل صحيح، أما أن ينسب الإنسانُ النجاحات التي أحرزها إلى نفسه، ويستعظم الأعمال الجميلة التي وُفِّق إليها على اعتبار رجوعها إلى شخصه؛ فهذا أمر يغذي وينمّي شعور الكبر والغرور لديه.

فلو أن الشخص الذي يسبح في بحر النعم ويحقق النجاحات الدائمة عَزَا كلَّ ذلك إلى نفسه فقد أشرك بالله دون وعي منه، ويمكن القول إنه لا يختلف من هذه الناحية عن فرعون الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ (سورة النَّازِعَاتِ: 79/24)، وعلى ذلك فالأعمال الجميلة قد تدخِلُ الإنسانَ الجنان أحيانًا، وقد تهوي به إلى النيران أحيانًا أخرى؛ فمثلًا إذا قال الإنسان بعد أن بذل وسعَهُ لتكون دولتُه دوحةً من الجنة: “لقد تحقق هذا بفضل دهائي”؛ فهذا يعني أنه قد انغرز في مستنقع الشرك دون وعي منه، والحال أنه لو نسب هذه الجماليات إلى صاحبها الحقيقي جل وعلا من البداية بدلًا من أن ينسبها إلى نفسه، ثم اعتبر مساعيه لتحقيق هذه النتيجة مجرَّدَ طلبٍ مقدّم إلى الحق تعالى؛ فقد نصب فسطاطَه في جنات الفردوس.

وكما أن الإنسان ينسب أحيانًا الألطاف الإلهية إلى نفسه صراحةً بلسانه كما قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (سورة القَصَصِ: 28/78) فقد يعبِّر عن هذه الحال أيضًا بأحواله وأطواره وإشاراته وإيماءاته؛ وكلها تعبيرات وأطوار تفوح منها رائحة الشرك في النهاية، أما السبيل للانتقال من الشرك إلى الشكر فهو أن ننسب إلى الله تعالى كل شيء صغيرًا كان أم كبيرًا، وأن نقدِّر ذلك كله على اعتبار رجوع كل شيء إليه سبحانه، ففتحُ إسطنبول مثلًا هو عملٌ صغير من حيث الجهة التي تتعلق بالنفس، في حين أن حمل نملة تعثرت على الأرض إلى عشِّها عملٌ عظيم باعتبار الجهة التي تتعلق بالله تعالى، ولذا لا بد من توخي الدقة والحساسية الكاملة إزاء حقوق الله تعالى.

فرغم أن أمنا السيدة عائشة الصديقة رضي الله عنها قد نشأت في بيت يتنزل عليه الوحي زخًّا زخًّا ورافقت النبي صلى الله عليه وسلم ما يقرب من عشر سنوات فإنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم يومًا قائلة: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ كانت أمنا السيدة عائشة مظهرًا لكثير من الألطاف الإلهية، ومع ذلك لم تكن تثق بعملها ولا بقربها من النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت ترجو النجاة بشفاعته صلى الله عليه وسلم لها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم رادًّا على سؤالها: “أَمَّا فِي مَوَاطِنَ ثَلَاثَةٍ فَلَا: الْكِتَابُ، وَالْمِيزَانُ، وَالصِّرَاطُ[2].

ولم تختلف أفكار ومشاعر سيدنا أبي بكر وسيدنا عمر والعديد من سادتنا الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا عن ذلك، فسيدنا عمر الذي قضى حياته في سبيل إعلاء كلمة الله كان يضع جبهته على الأرض ويقول: “اللهم لا تهلك أمة محمد بذنوبي”؛ لأن مسألة استصغار الأعمال من حيث الجهة التي تتعلق بالنفس واستعظامها من حيث الجهة التي تتعلق بالله كانت تتمثل لدى هؤلاء العظام بكل معناها.. فيا تُرَى كم شخصًا حمّل نفسه مسؤولية ما حلّ بالأمة من قحطٍ ومجاعات وزلازل وخلافات وفرقة وتناحر وتسلُّطٍ وظلم ونفاق، ثم ذهب ووضع جبهته على الأرض، خاضعًا متضرّعًا إلى ربه قائلًا: “اللهم لا تهلك أمة محمد بذنوبي”.

   الرضا بالقدر

كما أن الراحة والنعم قد يُفسدان الإنسانَ أحيانًا فإن البلايا والمصائب قد يسوقانه إلى التمرد والعصيان أحيانًا أخرى، والحال أنه يقع على عاتق المؤمن ألا ينسى أن كل هذا بمثابة امتحان من الله له، وعليه أن يقضي حياته في دائرة الصبر والشكر والرضا، يقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ رِضَاهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ لَهُ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ سَخَطُهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ لَه[3].

ولهذا فمن الأهمية بمكان بالنسبة لمن آمن بالله صدقًا وحقًّا ألا يغيب عن باله فكرة “رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا”، وأن يلهج بها دومًا، فَمِنْ خلالها يعبّر المؤمن عن رضاه بربوبية ربه سبحانه الذي أوجده وأنشأه ورباه وقدَّره، وعن رضاه بالإسلام دينًا ومعتقدًا ومنهجًا، وعن رضاه بالتكاليف الشرعية التي ألزمه الله بها، وعن استعداده القيام بها عن طيب نفس، وعن رضاه بسيدنا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولًا.

لكن أن يقول الإنسان: “ماذا فعلتُ لتنزل بي هذه المصائب؟ لماذا تفجعني هذه البلايا؟”؛ فهذا ليس بكلام مؤمن، ولا يجدر أن ينطق به.

وإن فكرة اعتبار الإنسان الحوادثَ السلبية تقديرٌ إلهي، وأن هذا التقدير ربما يرجع إلى أخطائه وذنوبه؛ فهذه الفكرة تخلصه من الأفكار والمشاعر السلبية المنافية للرضا بالقدر، ومن الدخول في جدالٍ داخلي عقيمٍ مع الله سبحانه وتعالى والعياذ بالله، وهذا هو ما يستلزمه المنطق القرآني؛ لأن القرآن الكريم في كثير من آياته يشير إلى أن ما يقع من مصيبة في الأرض والسماء فبما كسبت أيدي الناس، ولذلك يجب أن ينطلق فم المؤمن بهذه الكلمات: إن الله سلط علينا -بسبب ذنوبنا- بعض السيئين، ولأنهم يجهلون تقصيرنا وأخطاءنا الحقيقة فقد ذمّوا الجيِّدَ من أعمالنا وتوجهوا إليه بالنقد، بل إنهم -على حد وصف بديع الزمان النورسي- اتّهمونا بأمورٍ لم نفعلها، ولن نفعلها، ولا يمكن أن نفكر فيها أصلًا..

فلو أن الإنسان نظر إلى المصائب والمشاكل على هذا النحو فلربما ذاب ذلك الخفقان المتزايد في الداخل بانسكاب إكسير الرضا عليه. فبفضل هذا الإكسير يمكن التغلب على جميع الأفكار السلبية التي أربكت أذهاننا ونفذت إلى خلايا أدمغتنا ولوثت ما فيها من ملفات.

وقد يخطر ببالِ أصحابِ القلوب المضحِّية الصادقة التي لا تبتغي شيئًا سوى رضا الله تعالى بعضُ الأفكار السلبية من حين إلى آخر عند تعرضها للغدر والظلم والممارسات العدائية وسيِّئ الأخلاق، بل قد يقضّ هذا الأمرُ مضجعَها، ويمثّل عبئًا ثقيلًا عليها لدرجة تصل إلى حد الجنون، فإن قيل: من أين تعلم هذا؟ أقول: لأنني عشته كثيرًا من قبل، وفي مثل هذه المواقف ينبغي للإنسان أن يستأصل شأفة هذه السلبيات من ذهنه من خلال الاستعانة بالأفكار الإيجابية.

علاوة على ذلك فبسبب ضيق أفقنا وقصور أفكارنا فإننا غالبًا ما نجهل الجماليات التي تولِّدها الأزمات، ولقد قلتُ من قبل: “لو جرت حياتي وفق فكري وتخطيطي لظللتُ ابن السيد “رامز أفندي” في قرية “كوروجك”، ولكن عندما أرجع إلى الوراء وأنظر إلى ما مرّ بي في حياتي أستطيع أن أدرك -بجلاء أكبر- ألطافَ الله تعالى وأفضالَه عليّ”.

قد لا يستطيع الإنسانُ إذا انحشر بين تروس الحوادث الخانقة المملّة خاصة أن يقرأ الأحداث بشكل صحيح، فيقع في أخطاء عند تفسيره للأوامر التكوينية، ولكن عندما يتبدّى لنا كل شيء فيما بعد على نحو أكثر شفافيةً ولمعانًا ندرك أننا نحيا حياتنا بتوجيه الله لنا، وأنه سبحانه وتعالى قد اختصّنا ببعض الألطاف الإلهية وإن لم نكن على وعي بذلك، ولذلك إذا أراد الإنسان أن يحمي نفسه من الخجل والخزي أمام ربه فعليه ألا يتعجل في الحكم على الأحداث، وألا يبتعد عن الرضا أبدًا.

فقد تكون المنحةُ بعد المحنة، وقد يدفعنا الله تعالى إلى طريق مليئةٍ بالمطبات علوًّا وانخفاضًا، وأحيانًا يضطرنا إلى صعود المنحدرات، والعبور من بحور القيح والصديد، وقد لا نفهم حين نتجشم هذه المصاعب الأسرارَ الكامنة وراء كل هذا، ونجهل ما تؤول إليه الحوادث الجارية، ولكن بعد الصعود إلى القمة والنظر إلى الخلف ندرك خطأ ملاحظاتنا وأفكارنا السابقة، فنقول حينها: “ما أسلمَ الطريق الذي سرنا فيه! وما أصوبَ السَّوق الإلهي الذي دفعنا له!” ولهذا يجب أن نعمل على تجاوز ما قد يعلق بنا أثناء سيرنا، وأن نشكر ربنا على أفضاله علينا؛ عسى أن تؤول النتيجة إلى خير بإذن الله تعالى.

   التحلّي بمكارم الأخلاق

ثمة أمراض تنبئ عن عدم الرضا بالقدر مثل الغيرة والحسد وعدم تقبّل الآخرين، ولقد سقط الكثير من الناس حتى الآن في الكفر والضلال بسبب هذه الأمراض.. فمثلًا عمرو بن هشام (أبو جهل) لم يرض أن يخص اللهُ تعالى مفخرةَ الإنسانية صلى الله عليه وسلم بالنبوة دون غيره، ورغم أنه اعترف بنبوة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم من وراء الأبواب المغلقة فإنه لم يصرّح بذلك خوفًا من أن يخسر بعض امتيازاته، ولا ريب أنه بهذا التصرف قد شاقّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكان على شاكلة أبي جهل كثيرٌ من المشركين الذين لم يرضَوا بالقدر، ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم حقيقًا بالنبوة -حاشاه-.

وفي الفترات التالية ظهر أناسٌ لا يتقبلون سادتنا أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا رضي الله عنهم جميعًا، وخصوصًا سيدنا عليًّا الحيدر الكرار والفارس المغوار الذي خرج عليه جماعة من الأجلاف لا يستسيغون وجوده، فقطّعوا أوصال العالم الإسلامي وشتتوا شمله. وهكذا فتحَ الشعورُ بعدم تقبّل الآخرين البابَ لظهور الكثير من الفتن في العالم الإسلامي، وعلى الشاكلة نفسها لم يستسغ الشيطانُ وجودَ سيدنا آدم عليه السلام بسبب غيرته وحسده، فَطُرِد من الحضرة الإلهية، وغدا العدوَّ الأبدي للإنسانية، وفي النهاية خسر الشيطانُ وفاز آدمُ عليه السلام. أجل، إن الغيرة والحسد وعدم التقبل هم سبب الخسارة في الدنيا والآخرة.

وفي أيامنا هذه انهزمت فرقةٌ من الناس إلى حسدها وغيرتها، فلم تتقبَّل رؤيةَ القلوب المضحّية العاملة في سبيل الله، فبذلت كلَّ ما بوسعها حتى تردّهم عن الطريق الذي يسيرون فيه، وهيَّأَت بعض المواقع والحصون وقامت بحملات سلبية تهدف إلى إفساد خططهم ومشاريعهم، بل لم تتورع عن اللجوء إلى المكائد والمؤامرات من أجل خداعهم والتغرير بهم، وعندما لم تنجح في ذلك عملت على كَبْتهم بممارسة الظلم والضغط عليهم.

فليفعل هؤلاء الحساد ما بدا لهم طالما لم يتقبّلوا الأرواح المتفانية ولم يستسيغوا خدماتهم الخيّرة التي يقومون بها، لكن ينبغي للقلوب المتفانية ألا ترجع عن الطريق الذي تسير فيه ألبتة، ولا تتنازل عن أيِّ مبدإٍ من المبادئ التي تؤمن بها، ولا يسوقهم السوءُ الموجه إليهم إلى ارتكاب الأخطاء. أجل، يجب ألا يرد بخاطرهم حتى مقابلة السيئة بمثلها، لأن هذه فكرة غير إنسانية بالنسبة لممثلي الحق والحقيقة خاصة، فدستورهم في هذه المسألة هو ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (سُورَةُ فُصِّلَتْ: 41/34).

وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ[4]، فعلى المسلم أن يكون بأفعاله وتصرفاته ممثّلًا لمكارم الأخلاق على الدوام؛ حتى يثير فيمن ينظرون إليه الاشمئزازَ من قباحة ما يفعلون.

أما إذا فكرتم في مقابلة السيئة بمثلها فهذا يعني أنكم سلكتم الطريق نفسه وارتكبتم الخطأ عينه، وكما سيحاسب الله تعالى هؤلاء على الظلم والجور الذي أوقعوه عليكم فسيحاسبكم أيضًا على الخطإ الذي ارتكبتموه في حقهم؛ لأن أخطاء الآخرين وذنوبهم لا تبرِّر ما تقومون به من أخطاء، وظُلمَهم لكم لا يسوّغ ولا يبرِّر ظلمَكم لهم أبدًا. أما فكرة “لقد قابلناهم بتصرفاتهم، وعاملناهم بعملهم”؛ فلا تكفي لإنقاذكم، ومن ثَمّ لو تجاوز البعضُ حدَّه فظلم واضطهد وأفسد النظام القائم فعلى المؤمن الواعي بإيمانه ألا يقابل ذلك بأي فعل غير مشروع، أما ما يقع على عاتقه فهو التعامل بما هو جدير بإسلامه وإنسانيته.

أجل، علينا أن نتوخى الحيطة والحذر الكامل حتى لا تسوقنا الطرق والمناهج التي يتبناها الآخرون إلى ارتكاب بعض الأخطاء، فليس علينا أن نقابل الذين يضمرون لنا الحسد والغيرة بنفس مشاعرهم السلبية أو نحاول رفع الظلم عنا بظلم مشابه، بل على العكس لا بد أن نقوِّي من جهازنا الهضمي إزاء كل هذه السلبيات، وأن نضاعف صبرنا، ونقابل ما يجري بصدر رحب وتوكل تام قائلين:

ما أعذب البلاء إن كان من جلالِهْ!

وما أحلى الوفاء إن كان من جمالِهْ!

فكلاهما صفاء للروح،

فما أحلى لطفه! وما أعذب قهره!

وثمة فائدة من التأكيد على أن كل هذا لا يمنع من إنزال العقاب اللازم بالمجرمين في حدود القانون، واسترداد الحقوق المغتصبة.

فضلًا عن ذلك لو أنكم أشغلتم أنفسَكم بمن يُسيئون إليكم فستهدرون وقتكم، ولن تتقدموا في الطريق الذي رسمتموه لأنفسكم؛ وسيحاسبكم الله على هذا، ولذلك عليكم أن تحرصوا على الاستمرار في طريقكم، بوضع خطط ومناهج بديلة على الدوام، دون أن تبادروا إلى إيقافِ حملةٍ أو عرقلةِ سعيٍ وحركةٍ، وحتى وإن أحالوا الطريقَ الذي تسيرون فيه إلى طريقٍ وعرٍ يصعب السير فيه فعليكم البحث عن طرق جديدة لمواصلة سيركم.

إن هذه الدنيا ليست محلًّا للاستياء والامتعاض، ولذا فليس لكم أن تستاؤوا أو تمتعضوا من الظلم والجور الواقع عليكم؛ لأنه إن لم يتكفّل البعضُ بتعليم الآداب والأخلاق للإنسانية في عهدٍ بات الناس فيه يلتهم بعضُهم بعضًا كالذئاب الضارية فستكون العاقبة وخيمة، وكأن مستقبل العالم قد استُؤمن عليه وحوشٌ لا يعالجون الأمور إلا بعنفٍ وهمجية، فثمة حاجة إذًا إلى كيانٍ أصيل ذي تفكير مختلف ومساراتٍ أخرى. أجل، يجب السعي إلى إنشاء هذا الكيان وإرغام الإنسانية على الاعتراف به، وليس هذا بالطبع بممارسة القمع والاستبداد والشدة والعنف والتفجيرات، بل بالمحبة والسماحة، والالتزام بالقيم الإنسانية والأخلاقية.

من أجل هذا يجب بداية أن تكونوا بلا يد لمن ضربكم، وبلا لسان لمن سبكم، وبلا قلب لمن كسر خاطركم، فإن ناصبتم الآخرين العداء بسبب ما يظهرونه لكم من وحشية وغيظ وكره وحقد فستكونون قد شكلتم دائرة فاسدة من الحقد والكراهية، ودفعتم الذين يناصبونكم العداء إلى مزيد من الوحشية والهمجية، أما لو أردتم أن تنتشر روائح زهرة التوليب في الأجواء فعليكم أن تغرسوا هذه الزهرة في قلوبكم أولًا؛ ثم إن أطواركم وأفعالكم ستتشكّل وفقًا لها، وبذلك سيفوح كل مكان تسيرون فيه برائحة الزهور وكأنه خانُ العطور.

   الاحتراز من خطإ الأسلوب

فإن كان ولا بد من قول شيء للمعتدين بهدف النصيحة أو تصحيح الكلام فليكن ذلك بعد إعادة التفكير والاستشارة مرات ومرات، إذ لا بد من الرجوع إلى العقلاء من الناس، واستشارتهم فيما يقال من قبيل: “هلا تنظرون إلى ما سطرناه! هل فيه ما يسبب الأذى؟ أثمةَ داعٍ إلى تخفيف الأسلوب أكثر؟”؛ لأن شأن الحق عالٍ لا يُضحّى به بأيِّ مقابل، وعند الدفاع عن الحق لا بد ألا نقحِم مشاعرنا في الأمر.

وإذا أردتم النفوذ إلى القلوب فعليكم أن تتعرفوا جيدًا على مشاعر مخاطبيكم العامة، وبيئاتهم الثقافية التي نشؤوا فيها، والقيم التي يؤمنون بها، ثم تقدمون الوصفة العلاجية وفقًا لهذا؛ لأن نفس العلاج لا يُقدَّم إلى كل مريض، فالعلاج الذي يُقدّم يتحدد وفقًا لحالة المريض، فلو لم تتعرفوا من البداية على ماهية مخاطبكم وعالمه الفكري، ولم تقدّروا الكيفية التي ستردون عليه بها، وعلى ماذا سيكون ردّ فعلكم؛ فقد تحصدون نتيجةً على عكس مقصدِكم ومبتغاكم.

إن تقدير الأشياء التي يحترمها الطرف الآخر هو أمارة مهمة للغاية على الاحترام الذي نبديه لقيمنا الذاتية؛ لأن عدم توخي الحذر في هذا الأمر يجعل الآخرين لا يبالون بكلامكم، حتى إنهم يعملون على الاعتراض على قيمكم محاولين التهوين من شأنها، ومثل هذا الخطإ يحبط كل خطوة تخطونها فيما بعد. أجل، إذا أهمَلْنا القيمَ التي عايشها الناسُ منذ القدم، وجعلوها جزءًا من طبيعتهم، وبعدًا من فطرتهم؛ فإننا لن نحظى بالقبول حتى وإن قدّمنا رسائلَنا على أنها من الجنة، ولذلك فإن هذا الأمر هو مسؤولية مهمة للغاية تقع على عاتق المرشدين.

فينبغي لوارثي دعوة النبوة أن يكونوا -من جانبٍ- على صلة وثيقة بربهم، وأن يتعرفوا -من جانب آخر- على مشاعر مخاطبيهم وأفكارهم من خلال معاشرة بالناس ومؤاكلتهم ومشاربتهم. أجل، يجب عليهم أن يخالطوا الناس ويطلعوا على مشاعرهم وأفكارهم ومعتقداتهم، ويتحروا طرق النفوذ إلى قلوبهم، حتى يُكتبَ للرسائل التي يقدمونها حسنُ القبول.

   الإخلاص والصدق

ورغم أن كل ما ذكرناه على جانب كبير من الأهمية فلا بد من الصدق حتى يكون للانتفاض والاهتياج في سبيل الخدمة قيمةٌ عند الله، فبقدر إخلاصكم وصدقكم في هذا الموضوع تكونون مظهرًا لتوجه الله لكم، وبقدر توجهكم لله تكونون محطّ نظره وعنايته تعالى، وعندها تُفتح الأبواب المغلقة في وجوهكم على مصاريعها عندما يحين الأوان؛ لأن الحنان المنان ذا الرحمة والغفران حاشاه أن يرد الصادقين الملتجئين إلى بابه خائبين صفر اليدين.

لهذا السبب علينا أن نرصِّعَ أعمالنا كلها بالإخلاص، وإلا نكون قد تدنّينا بقيمة الخدمات التي نقوم بها إلى مستوى الصفر.. وقد يسأل سائلٌ: لماذا ينحدر المستوى على جناح السرعة إلى الصفر وصاحب الأزل والأبد موجود؟!
والجوابُ أنه لا يوجد وسط في هذه المسألة، ولا منزلةَ بين هاتين المنزلتين؛ فإما أن نربط كل شيء به سبحانه فننعم بالنسائم الوافدة منه، وإما أن نتدنى بقيمة ما نفعله إلى مستوى الصفر دون وعي منا.

والله تعالى لا يدع الأبواب مغلقةً إلى الأبد. وما أجمل ما قاله أحد أولياء الحق:

لو أغلق الله بابًا فتح ألف باب

فالله -سيدي- هو مفتِّح الأبواب

وهذا منوطٌ بأن تكون في قلوبنا قناةٌ دائمة الاتصال به سبحانه وتعالى، وأن يشغل هذا الأمر عقولنا وأفكارنا على الدوام، يجب أن يُرجَع كل شيء إليه، فلا قيمة لتقدير الناس وتصفيقهم، فما القيمة التي سيعطيها لكم الناس مقابل توجهه سبحانه لكم؟! إن التشوّف إلى ما عند الناس بدلًا من التوجه إليه سبحانه وتعالى إنما هو تنازلٌ وهبوطٌ بالمستوى، بمعنى استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.

***

[1] مسند الإمام أحمد، 30/390.

 [2] مسند الإمام أحمد، 41/225.

[3] سنن الترمذي، القدر، 15.

[4] سنن الترمذي، البر، 55.

وَالصُّلْحُ خَيْرٌ

Herkul | | العربية

   سؤال: يقول ربنا سبحانه وتعالى ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/128)؛ فما الرسائل التي تقدِّمها هذه الآية للمسلمين في ظلّ العولمة؟

   الجواب: إن العامل الرئيس وراء النزاعات والمشاحنات التي يشهدها عصرنا الحالي هو الاعتداد بالنفس إلى حد الغرور وعدم تقبل آراء الآخرين، فالجميع يسعى وراء إنشاء بنية بشرية وعائلية ومدنية ودولية وعالمية خاصة به، وبهذا الوضع يتعذر الاجتماع على نقطة معينة؛ طالما يسعى كل شخص وراء بنيته الذاتية ونموذجه الخاص.. لذا يحتار الإنسان بالانتساب والتبعية في هذا العالم الذي يقوم فيه كل مفكر وكل حركة وكل دولة ببناء الأفكار والأنظمة وفقًا له، ويعتبرها هي الحقيقة الوحيدة، ويتوقع أن يلتزم الآخرون بها، هذه للأسف هي الحقيقة الكامنة وراء التوترات والفوضى والخلافات التي نعيشها اليوم.

   الحلم والتسامح

وأعتقد أن العلاج القادر بحقٍّ على حل مثل هذه المشكلة هو إكسير الحلم والتسامح؛ بعبارة أخرى: إنَّ حلَّ مثل هذه المشاكل والخلافات منوطٌ بانفتاح الجميع على التوافق والتصالح بينهم وبين بعضهم البعض، وإلى استعدادهم إلى إنشاء حوار مع الآخرين، ولهذا فثمة حاجة ماسّة إلى التخلص من الأهواء والرغبات الذاتية، واستئصال مرض اعتبار المشاعر والأفكار الذاتية على أنها هي الحقيقة الوحيدة، ولا ريب أن هذا يرتبط بانسلاخ كل شخص من أنانيته الفردية، وتدمير “الأنا”، وأخذ قسط من الراحة في حضرة “نحن”، ثم الارتحال فيما بعد إلى “هو” (الله جل جلاله).

ومن الصعوبة بمكان بالنسبة لمن رزحوا تحت أنانيتهم الفردية والجماعية أو رنا حبُّ الحزبِ والجماعة على أبصارهم وقلوبهم أن يكونوا مستعدين للصلح أو مقابلة الأفكار الأخرى باحترام وتقدير، وما دام هؤلاء يقدمون مصالح جماعاتهم على كل شيء، ولم يقدروا على التخلص من التحيز والمحاباة؛ فلن يستطيعوا وضع إستراتيجيات الصلح التي تحقق الطمأنينة للإنسانية، والواقع أنهم لم يستهدفوا الصلحَ ولم يخطر ببالهم ذلك أصلًا، لأنهم لم يعتادوا الانفتاح على الاختلاف.

وفي الحقيقة لا توجد بدائل أخرى سوى الحوار والتسامح من أجل أن تعيش البشرية في سكينة وطمأنينة في ظل العولمة التي نشهدها، وحتى تهيمن ثقافة التسامح لا بد أن يتخلى الأفراد بل والمجتمعات عن رؤية أنفسهم الممثلين الوحيدين للحقيقة، وأن يضعوا في اعتبارهم دومًا احتمالية صحة الأفكار والمقاربات التي يطرحها الآخرون، ويجب ألا ننسى أن الأفكار المختلفة تنطوي على نصيب من الصحة على الأقل وإن لم تكن صحيحة بتمامها، وكما قال الأستاذ النورسي[1] رحمه الله إن هناك جزءًا من الحقيقة حتى في مذهب الجبرية والمعتزلة، ولكن هذه المذاهب أخطأت لأنها حصرت الحقيقةَ عليها فقط، وعلى ذلك فعند النظر إلى الأفكار المختلفة بهذه النظرة، واعتبار وجود جزء من الحقيقة فيها؛ فحينئذ يمكن التوصل إلى اتفاق حول الحقيقة.

لكل فردٍ في أيامنا حقيقةٌ خاصة به، والصحيح لدى البعض قد يبدو معوجًّا عند البعض الآخر، بل أحيانًا يكفي أن يأتي الإنسانَ شيءٌ من خارج الجماعة التي ينتسب إليها حتى يعتبره مائلًا معوجًّا، ولا يمكننا إيجاد بيئة مناسبة للخلاف القائم حول الأصح والأحق ما دمنا نشهر سلاح الدفاع ضد الأفكار المختلفة، ونتعامل معها بتحيّز وأحكام مسبقة، بل إننا أحيانًا نحاول الدفاع حتى عن الأفكار التي لا نؤمن بها باستخدام سلاح الديماغوجية، وندحض أحيانًا أخرى بعض الأفكار المبنية على أسس سليمة بديماغوجيات أخرى، وأحيانًا لا نصدق حتى ما نقوله.

ولكن إذا ظلت مثل هذه المفاهيم السقيمة تحافظ على وجودها في عصر العولمة الذي يتداخل الناس فيه رغم اختلافهم دينًا أو عرقًا أو ثقافةً، فلن يبقى هناك أثرٌ للأمان والطمأنينة في الأسرة والمجتمع، وفي هذه الحال يكون من المتعذر التوصل إلى نقطة مشتركة في العلاقات على مستوى الإنسانية وعلى الصعيد العالمي.

   الصلح يبدأ من الأسرة

ولقد دعا القرآن الكريم المسلمين إلى التوافق والتصالح واعتبار وجود جزء من الحقيقة في أقوال الآخرين وأفعالهم، فقال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/128)، وكما هو معلوم نزلت هذه الآية الكريمة في شأنٍ خاص بالعائلة التي هي أصغر جزءٍ في المجتمع، وقد أشار الحق سبحانه وتعالى فيها إلى السبيل الواجب اتباعه لرأب الصدع والشقاق بين الأزواج؛ مؤكّدًا على ضرورة عدم اللجوء إلى الطلاق مباشرة، والرجوع بدلًا من ذلك إلى الاتفاق المتبادل، وبذلك يُكتَب البقاء للأسرة والديمومة لها.

فإذا كان الصلح كما أشارت الآية الكريمة هو السبيل لرأب الصدع والشقاق والزلزلة التي تحطم كيان الأسرة فالأولى أن يكون هو السبيل لمعالجة المشاكل التي تقع على مستوى البلدة والمدينة والدولة بل والعالم، وإذا كان الصلح خيرًا في بنية صغيرة تتكون من ثلاثة أو خمسة أفراد فسيكون خيرًا من باب أولى في دائرة يُرجى أن يتحقق فيها الأمن والأمان للملايين من الأفراد.

ولهذا فإن الوظيفة التي تقع على عاتق المؤمن هي العمل على تحقيق الصلح أيًّا كانت الدائرة التي ينتمي إليها، والسعي وراء الفوائد والخيرات التي يمكن أن تتحقق من خلال هذا الصلح، وفي هذا الصدد ينبغي عدم النظر إلى اختلاف الأديان والثقافات والهويات العرقية على أنها عائق يحول دون الصلح والتوافق، بل يجب الإشارة إلى أنه من الممكن التعايش حتى بين الذين ينتسبون إلى أديان مختلفة أو الذين لا يدينون بأي دين، وهذا هو أسلم طريق للحيلولة دون أي تصدع أو توتر محتمل بين الناس الذين ينتمون إلى مذاهب وأديان وأعراق وأحزاب مختلفة، وهو كذلك أفضل طريق لإرساء الأمن والطمأنينة داخل المجتمع.

وعلى ذلك يجب تطوير الخطط ووضع الإستراتيجيات المعقولة لتحقيق مثل هذا الصلح العام؛ لأن تحقيق ذلك ليس بالسهل اليسير كما يُظنّ، بل مرهونٌ ببذل المساعي الجبارة، وقد تُعانون كثيرًا في سبيل الوصول إلى مثل هذه النتيجة المرجوة، ولكن الحال يقتضي مع ذلك إظهار الرضا وعدم التشكي رغم ما تَجَشَّمْتم من صعوبات ومعاناة، وعلى الشاكلة نفسها لا بد من الاستعداد للتسامح والتراضي عند الضرورة، ونسيان ما وقع في الماضي من نزاعات.. وباختصار: يجب تحمل كل شيء من شأنه تعايش الناس معًا في صلح وسلام؛ بشرط ألا تُهان كرامة الأمة وشرفها.

   التغلب على المشاكل بالناضجين من الناس

ولا يُوفَّق إلى تحقيق روح الوحدة وثقافة الوفاق في المجتمع إلا الذين نضجت أرواحهم وقلوبهم وأحاسيسهم ومشاعرهم وأفكارهم، أما من لم تنضج حياتهم الروحية والقلبية فمن الصعب عليهم أن يُحدِثوا أيَّ نوعٍ من الانبعاث مادّيًّا ومجتمعيًّا، فقد تبدو حتى المشاكل الكبيرة صغيرةً بالنسبة لمن وصلوا إلى التشبع الروحي الكامل والتكامل المعنوي والثقة والاطمئنان، فهؤلاء يسهل عليهم كثيرًا القفز من فوق الخنادق العظيمة وتجاوزها وكأنهم يقفزون فوق حفر صغيرة، أما الذين لم يتخلصوا من أنانيتهم، ولم يتخلوا عن جسمانيتهم، ولم يتغلبوا على أهوائهم ورغباتهم؛ وباختصار لم يرتقوا في مدارج حياة القلب والروح؛ فلا شيء يُرجى منهم بشأن تحقيق السعادة والطمأنينة للبشرية.

وهذا هو السبب المهم وراء النزاعات والتصدعات والامتعاضات الواقعة في أيامنا، فالذين لم يتكاملوا وينضجوا بقدر الكفاية يُبدون امتعاضهم وانزعاجهم أمام أتفه الأشياء؛ تَراهم يستاؤون على الفور -لقلة خبرتهم وعدم نضجهم- إذا لم يُقابَلوا بالمعاملة التي كانوا يرجونها، أو إذا لم يجدوا النظرة التي كانوا يأملونها، وإذا وخزهم أحد بطرف إبرة محاولًا إنعاشهم وتنبيههم وتحذيرهم يبدون رد فعل قوي وكأن حربةً انغرزت في صدورهم.

ولو قوبلوا بآلاف من الجماليات تراهم يبحثون فيها عما يعكر صفوهم ويثير الضجر في قلوبهم، ويحكمون على كل الجماليات الباقية بالعدم، وإذا وردت كلمة أو كلمتان نابيتان بالنسبة لهم في حديث استغرق ساعة كاملة تراهم يحكمون على كل ما سمعوه اعتمادًا على هاتين الكلمتين، ويتخذون موقفًا معاديًا من الحديث وكأنه كله عبارة عن هاتين الكلمتين، وهذا يوضح أن كل ما سمعوه قد تمّ تمريره على مختبرات النفس والأنانية، فتم التوصل إلى نتائج خاطئة، وكانت العاقبة هو الاستغراق في ملاحظات خاطئة.

علمًا بأن الوظيفة التي تقع على عاتق أهل الإيمان الذين وهبوا الإيمانَ والقرآنَ قلوبَهم ولجؤوا إلى ربهم خاضعين منكسرين خمس مرات في اليوم؛ هي عدم الامتعاض والاستياء من هذه المواقف والتصرفات التي تبعث عليهما، وبدلًا من اتّهام الأشخاص الذين يقومون بهذه التصرفات السيئة وإساءة الظن فيهم؛ فعليهم التوجه إلى الله تعالى قائلين: “اللهم إننا ربما تعرضنا لكل هذا بسبب عدم استطاعتنا أن نكون أهلًا للصلاح، فاللهم أصلح أحوالنا وأحوالهم”؛ لأنه من المتعذر على الشخص أن يحل مثل هذه المشاكل المعاشة في العالم اليوم وهو لا يتحلى باللطف والرقة والشهامة والصدر الرحب.

على الإنسان أن يعقد العزم على عدم الامتعاض والاستياء من أحد، فلو شُغلنا بالامتعاض والاستياء لتعطلت الأمور ولم يكتب لها الديمومة والبقاء، دع عنك الاستياء من بعض المعاملات غير اللائقة التي نتعرض لها، فما دمنا نذرنا أنفسنا لخدمة الإنسانية فلا بد أن يكون لدينا استعداد لأن نضع جباهنا تحت أقدام الآخرين، وإذا وجب ذلك فلا بد أن نتهيأ للموت في هذا السبيل، وما أجمل ما قاله الشاعر سيد نيكاري تعبيرًا عن هذا:

أَبِالنَّفْس يُفتَنُ مَن هو بالحِبِّ مُغرَمُ

أبِالحِبّ يُفتَن من هو بالنفس مُتيَّمُ

وأعتقد أن هذه هي الفكرة المناسبة لأن تستقيم الإنسانية على عودها بعد انقصام ظهرها، والأجيال التي تحمل هذه الفكرة هي التي من شأنها أن تعمّر التصدعات والانكسارات على مستوى المجتمع، وأن تكون وسيلة لأن تعيش الإنسانية في أمان واطمئنان، أما من يستاء من هذا ويمتعض من ذاك فيدمر المجتمع ويخربه بهذا الامتعاض والاستياء فلا شيء لديه يعِدُ الإنسانية بأي خير.

كما هو معلوم قام مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم قبل غزوة أحد بوضع مجموعة من الرماة فوق الجبل، وطلب منهم ألا يغادروا أماكنهم مهما كان الوضع، وشدد التنبيه عليهم في ذلك، ولكن مجموعة كبيرة منهم لم تكن قد أدركتْ بعدُ دقة الامتثال للأمر فتركت أماكنها ظنًّا منها أن المهمة قد انتهت مع فرار المشركين، بعدها مباشرة قام المشركون بمناورة جديدة والتفوا حول الجبل، وأحدثوا في جيش المسلمين جرحًا بالغًا، حتى إن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شُجّ رأسه الشريف وكُسرت رباعيته، ولكن مع ذلك كله جمع صلى الله عليه وسلم أصحابه مرة أخرى وكأن شيئًا لم يكن، واستشارهم، ولم يواجههم بأخطائهم أو يعاتبهم أدنى عتاب.. فما أجمله من تصرف! وما أحلاها من نسمة تشي بالاحترام والتقدير!

من يدري كم تحطم هؤلاء وانسحقوا بسبب خطئهم في الاجتهاد! فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخفف عن قلوبهم المحترقة؛ لما رأى منهم وعيًا بخطئهم وانسحاقًا تحت وطأة ذنبهم، فجمعهم ليستشيرهم في الخطوات الجديدة التي لا بد من اتخاذها لمواجهة الموقف؛ وهذه هي الوسيلة لإثارة البطولة في الأرواح، ورأْبِ الصدع والانكسار الواقع في الميدان.

   صلح الحديبية

وفي هذا السياق يخطر ببال الكثيرين منا صلح الحديبية؛ لأن مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم قدَّمَ لإبرام هذا الصلح مع القرشيين تنازلات متتابعة، ورغم أن هذا الصلح كان مُجحفًا في بعض مواده فقد تحمل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في سبيل إبرام الاتفاق وتهيئة الأجواء للصلح والسلام.

كان النبي صلى الله عليه وسلم قد وعد أصحابه عند خروجهم من المدينة بزيارة الكعبة وأداء العمرة، وقطعوا جميعًا مسافة تزيد على أربعمائة كيلومتر بواسطة الخيل والبعير من أجل تنفيذ هذا الوعد، وفي النهاية وصلوا بالقرب من مكة، وأحرموا للعمرة، وساقوا معهم الهدي، فتصدى مشركو مكة للمسلمين في الحديبية، ولم يأذنوا لهم بدخول مكة أو الطواف حول الكعبة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم استطاع بمساعيه الحثيثة وفطنته العالية إقناعَ المشركين بعقد صلح الحديبية، لكنهم اشترطوا من أجل إبرام هذا الصلح رجوع المسلمين هذه السنة دون أداء العمرة، فكانت هذه المادة شديدة الوطأة على الصحابة رضوان الله تعالى عليهم الذين كانوا يتحرّقون شوقًا لدخول مكة والطواف حول الكعبة بعد فراق دام ثمانية أعوام، ورغم أن بعضهم ذكَّر النبي صلى الله عليه وسلم بالوعد الذي قطعه لهم، ونبههم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لم يقل لهم “هذه السنة”، فقد أخذوا منه عهدًا على أن يكون ذلك في العام المقبل إن شاء الله، ولكن ليس من الصعب التنبؤ بمدى صعوبة كل هذا وتأثيره على مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم!

أخذ خالد بن الوليد الذي لم تكن عيناه قد انفتحتا بعدُ على الحقيقة آنذاك يجول بفرسه ذات اليمين وذات الشمال، وكأنه يتحدى المسلمين بصنيعه هذا، ويدعوهم إلى مجابهته.. من جانب آخر اعترض سهيلُ بن عمرو -ممثّلُ جانب قريش في صلح الحديبية- على كتابة عبارة “رسول الله”، واشترط كتابة “محمد بن عبد الله” بدلًا منها، وكان أبو جندل بن سهيلٍ هذا قد جاء إلى الحديبية زاحفًا غارقًا في دمه بعد أن استطاع فكَّ أغلاله والهروب من محبسه، وارتمى في أحضان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن أباه سهيلًا طلب ردَّ ولدِه إليه بموجب هذا الصلح، فاضطر النبي صلى الله عليه وسلم إلى قبول طلبه مرغمًا حتى لا يُفسِد صلحه مع المشركين.

لم يكن من اليسير استساغة كل هذه الأمور، وخصوصًا بالنسبة لمفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم صاحب الشرف الرفيع والعزة والكرامة العالية؛ لأن القامات العظيمة تتمتع بحساسية مفرطة لا سبيل إلى تخمينها، يقول ربنا سبحانه وتعالى تعبيرًا عن هذه الحساسية العالية لدى نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الشُّعَرَاءِ: 26/3)، ومع ذلك كلّه فقد استطاع النبي صلى الله عليه وسلم تقبّل كل هذا متوخّيًا الحيطة والحذر الشديدين.

إن النبي صلى الله عليه وسلم هو نبيٌّ عظيم الشأن؛ اصطفت وراءه الملائكة، وتراجع جبريل عنه قدر خطوتين ووقف وراءه مطأطئًا، وتوسّل به آدم عليه السلام إلى ربه أن يغفر له، وتطلب الأمة المحمدية الشفاعة منه كل يوم، ولذلك عندما نتحدّث عنه لا بد من النظر إليه صلى الله عليه وسلم بهذه الجاهزية، وهذه الشخصية الفريدة، وهذه الحال النورانية المشرقة، ثم بعد ذلك انظروا إلى الوقاحة والغطرسة التي أبداها إزاءه صلى الله عليه وسلم حفنةٌ من عباد الأصنام الذين ما زالوا على الشرك آنذاك، وحاولوا أن تفهموا كيف تحمَّلَ النبي صلى الله عليه وسلم كل هذا دون أن تأخذه العزة بنفسه، فلا ريب أنكم حينها ستدركون أنه صلى الله عليه وسلم كان يحاول حل المشاكل غير آبهٍ بهذه التصرفات المستفزّة التي تبعث على الاستياء والامتعاض، وكان يسعى إلى فتح القلوب، وتهيئة جوٍّ جديد للصلح.

فالنظر بشمولية إلى الحوادث يعني إلى حد ما القراءة الحسنة والرؤية السليمة للجماليات التي يَعِدُ بها الصلح والتسامح في المستقبل، إن مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم بفعله هذا كان يرشد المسلمين إلى التخلي عن العناد في مسائل معينة، وإلى عدم مخالطة الأنانية أعمالهم، وإلى تجنب التأويلات السطحية المؤقتة، والتحلي ببعد النظر، وتحاشي إغضاب الناس وكسر خاطرهم، والنأي عن إثارة المشاكل المستقبلية باستخدام العنف والشدة، فهذا هو السبيل للحيلولة دون الوقوع في فخاخ المشاكل والغوائل المتداخلة.

   نحن نعدّ الفتح صلح الحديبية

أجل، لقد جرى صلح الحديبية في ظل ظروف قاسية، جُرحت فيها عزةُ المسلمين، لكن القرآن الكريم بشّر بأن هذا الصلح فتحٌ مبين، وهذا ما أثبتته نتائج الصلح فعليًّا، فضلًا عن ذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم يقولون فيما بعد: “إنكم تعدون الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية”؛ لأن المسلمين بعد هذا الصلح استطاعوا التجوال بأريحية في شبه الجزيرة العربية، والتعبير عن أنفسهم، وخلال هذه الفترة التي توقفت فيها الضغائن والأحقاد والعداوات تعرّف الكثيرون على الإسلام عن قرب، ودخل دهاة السياسة والعسكرية أمثال خالد بن الوليد وعمرو بن العاص رضي الله عنهما في الإسلام، وكما عبر القرآن الكريم دخل الناس في دين الله أفواجًا.

انطلاقًا من هذا الإجراء يمكن القول: إذا كان مسلمو اليوم يرغبون في تهيئة مثل هذا الجو من الصلح والوفاق داخل الدولة وخارجها فعليهم أن يتكبدوا التضحيات الجسام، أما إذا لم يتحملوا بعض المواقف النابية التي قد لا تناسبهم، وقدموا كرامتهم وغرورهم على الدوام؛ فسيظلون محرومين من الخيرات التي قد يأتي بها الصلح يومًا ما.

فعند النظر إلى الظروف الراهنة تتبدى الإنسانية في أمس الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى مثل هذا الوفاق والاتفاق؛ لأن حلَّ كثيرٍ من المشاكل المتفشّية الآن، وتخلّصَ الدول من التمزق والشتات، وضمان سلامة الطريق مرهونٌ بذلك، ولهذا فثمة حاجة ملحّة إلى الفهم والتطبيق الحسن للمنطق والمحاكمة العقلية اللذين قام عليهما صلح الحديبية.

 فإذا كانت الدولة العليّة العثمانية استطاعت إدارة الكثير من الأمم المختلفة على مدى عصور طويلة، فما نجحت في ذلك إلا بالوفاق والاتفاق، فبدونهما كان من المستحيل إدارة بنية كهذه سنوات طويلة دون مشاكل وعراقيل، والسبب الرئيس في المشاكل التي وقعت في القرون الأخيرة من عهدها يكمن في عدم استطاعتها تفعيل فلسفة الصلح وفكرته بشكل كامل، فلقد ثارت المشاكل عندما حُرِمَ الناس من الحريّة في قضاء حياتهم وفقًا لأنماط فكرهم الخاص، وعندما شرعت الدولة تفرض عليهم بعض القضايا أخذوا يبحثون في الخارج عن الدعم الذي فقدوه، وفي النهاية اندثرت هذه الدولة العلية العملاقة وأصبحت في طيات التاريخ.

 ***

[1] “في الجبرية والمعتزلة حبة من حقيقة، يا طالب الحقيقة! إن الشريعة تنظر إلى الماضي وإلى المصيبة غير نظرتها إلى المستقبل وإلى المعصية، إذ تنظر إلى الماضي وإلى المصائب بنظر القدر الإلهي، فالقول هنا للجبرية.. أما المستقبل والمعاصي فتنظر إليهما بنظر التكليف الإلهي، فالقول هنا للمعتزلة، وهكذا تتصالح الجبرية والمعتزلة، ففي هذه المذاهب الباطلة تندرج حبة من حقيقة، لها محلها الخاص بها، وينشأ الباطل من تعميمها”. (بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، اللوامع، ص 833)

سوء الظن: مرض معنوي يهدم عرش الكمالات المادية والمعنوية

Herkul | | العربية

   سؤال: عدَّ الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي سوء الظن من الأمراض المعنوية التي تهدم عرش الكمالات، إلى جانب اليأس والعُجْب والغرور؛ فما الأمور التي يجب مراعاتها حتى يستطيع الإنسان إحسان الظن بالآخرين، ويتجنب إساءة الظن بمن يشاركونه دربه أو الذين ينتسبون إلى مشارب مختلفة؟ 

   الجواب: ركز الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله في مواضع مختلفة من مؤلفاته على بعض الأمراض المعنوية التي تعاني منها الإنسانية والعالم الإسلامي على وجه الخصوص، ووضع الوصفات العلاجية الخاصة بها؛ فمثلًا يذكر أن أكثر الأمراض الفتاكة في العالم الإسلامي هي “الجهل والفقر والفرقة”، وإلى أن يتمكن المسلمون من حل هذه المشاكل فلن يكون بإمكانهم التخلص من الذلة والخنوع، وكما حدث في عهد “التنظيمات”[1] عندما كانوا يترقبون ما تُمليه عليهم أوروبا سيظلون فيما بعد أيضًا يترقبون ما تمليه عليهم الدول العظمى، وبذلك لن يتخلصوا من براثن الوصاية ألبتة، ولن ينالوا حريتهم واستقلالهم، وسيُحكم عليهم بمواصلة حياتهم بأيدٍ مغلولةٍ وأفواهٍ مكمّمة.

وتبرز هذه الأمراض الثلاثة بشكل أكبر على المستوى الاجتماعي والسياسي، ولكن نظرًا لأن كل شيء يبدأ من الفرد، فلا يمكن غضّ الطرف عن انعكاسات هذه الأمراض على المستوى الفردي؛ فلا سبيل للمجتمع أن ينعم بالصحة والسلامة وهو يقوم على الذنوب والموبقات، أما بالنسبة للأمراض التي جاء ذكرها بالسؤال فهي تتعلق بحياة الإنسان الشخصية والمعنوية مباشرة.

وقد ركز الأستاذ النورسي على اليأس أولًا، مشيرًا إلى أن الثلاثة الأخرى تتولد عن اليأس من جهة ما؛ لأنه يرى اليأس حائلًا دون أي كمال؛ بمعنى أنه عائقٌ كبيرٌ يحول دون أيّ خير وجمال؛ ومن الصعوبة بمكانٍ أن تجد إنسانًا يائسًا قد نال الفلاح، ولهذا فإن الاستغراق في الأفكار السلبية من قبيل: “لقد ولى الزمان، فلا تشغلوا أنفسكم عبثًا، فالأمة المحمدية لا يمكن أن تستوي على عودها من جديد”؛ تُقنع الإنسان بأنه لا فائدة ولا خير يُرجى منه.. إن مثل هذه الأفكار التشاؤمية هي بمثابة ضربات قوية تكسر يدي الإنسان وجناحيه، وتثبط عزائمه، فمن يفكر بهذا الشكل، أو يثرثر بهذه الأفكار فلا مناص أنه يهدم عالمه ويدمر دائرته وبيئته.

وفي هذا الصدد يقول الشاعر الإسلامي محمد عاكف في منظومته الشهيرة:

اليأسُ مستنقع عميق الغَور، إذا وقعتَ فيه فأنت غريقُ

فتمسك بالأمل بقوة، وانظر ما ستؤول إليه حالك يا صديقُ

إن من يحيا يحيا بعزيمته وبأمله المنشودِ

واليائس يغلّل روحه وضميره بقيد حديديٍّ منضودِ

أما المرض الثاني الذي تم التركيز عليه فهو العجب؛ والعجب وإن اختلف قليلًا عن الفخر والغرور والكبر ببعض الفروق الطفيفة فكل هذه الأمراض ناشئة عن ذات المصدر الفتّاك، فلو توفر مثل هذا المنبع المشؤوم داخل الإنسان تصاعد العجب أحيانًا، والغرور أحيانًا، والكبر أحيانًا أخرى.. والعجب يعني الإعجاب بالنفس؛ أي إعجاب الإنسان بنفسه في الداخل، وإعجابه بالأعمال التي قام بها، ومثل هذا العجب يتجلى في الخارج في صورة افتخار أحيانًا، وغرور أحيانًا، وكبر أحيانًا أخرى؛ ولا ريب أن كل هذه الأمراض تمثل صفة شيطانية.

   “اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ”

يُضاف إلى هذه الأمراض مرضُ “سوء الظن”، وهو: امتلاء القلب بالظنون السيئة بالناس؛ حتى يطفح على اللسان والجوارح، ولقد نهى القرآن الكريم المؤمنين عن سوء الظن فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (سورة الْحُجُرَاتِ: 49/12)؛ ولهذا فإن الوظيفة التي تقع على عاتق المؤمن هي حسن الظن قدر الإمكان، وتجنب سوء الظن، بل على الإنسان إذا شاهد أحدًا في وضع مخلٍّ أن يلتزم بالمبدإ الذي وضعه الأستاذ النورسي وهو “حسن الظن المصحوب بالحذر”؛ أي يحسن الظن بالجميع، ولكن مع أخذ الحيطة والحذر، وعدم التخلّي عنهما.

ويقول سبحانه وتعالى في آية أخرى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (سورة الإِسْرَاءِ: 17/36)، فهذه الآية الكريمة لها أهمية بالغة من حيث إنها تشير إلى عاقبة سوء الظن؛ لأن سوء الظن عبارة عن قناعة وتخمين سلبي لا يعتمد على معلومات قاطعة بحق شخص ما، والحال أن الآية الكريمة تنهى عن الاشتغال بما لم يقم على معلومات قاطعة، ولذا فإن من يعتقد في ظنه وتخمينه قطعية الثبوت والدلالة ويقيّم الناس على هذا الأساس فقد حمّل نفسه وزرًا عظيمًا، فمثلًا يقول القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (سورة الْحُجُرَاتِ: 49/6)، فعلى الإنسان ألا يصدِّق كل ما يسمعه، وأن يذعن لأوامر ربه التي جاءت بالآية الكريمة، وأن يفتش ويدقق في مصدر الخبر المتناهي إليه، وفي خلفياته ومدى صحته؛ حتى تتبين له المسألة بوضوح، وفي هذا السياق يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “كَفَى بالمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ[2].

وأحيانًا قد تقع العينُ على بعض الأمور، ولكن لا تعني رؤية الإنسان للشيء إدراك حقيقة ما يراه دائمًا، فكما أن الإنسان يخطئ أحيانًا في رؤيته فكذلك ربما لا يستطيع أن يفهم بعض الأمور بشكل صحيح، فما يقع على الإنسان هنا هو ألا يتسرّع في إصدار الأحكام على كل حادثة يشاهدها، وأن يسعى أولًا إلى التأكد من صحة ما شاهده.

جديرٌ بالذكر أن الفؤاد قد ذُكر في الآية الكريمة بعد السمع والبصر، وأنه مسؤول أيضًا عن أفكار صاحبه وتأويلاته. أجل، إن كلًّا من السمع والبصر والفؤاد مسؤولٌ يوم القيامة عن أيِّ حكمٍ لم يقم على دليل قطعيّ أو معلومة ثابتة، وسيشهدون -حفظنا الله- على صاحبهم في ذلك اليوم، وهذا يوضِّح أن حكم الإنسان على غيره اعتمادًا على ظنه وتخمينه أمرٌ يستلزم مسؤولية كبيرة.

   سوء الظن بين الجماعات

سوء الظن مرضٌ يلحِق الضرر بالكمالات المادية والمعنوية، ورغم أنه مرض فرديّ في الأساس فقد يتحول أحيانًا إلى مرض اجتماعي، فلو داوم الفردُ على إساءة الظن بالآخرين وتأويل تصرفاتهم بشكل سلبي والاستهانة بهم وتحقيرهم فهذا هو سوء الظن على المستوى الفردي، وكذلك إن أساءت جماعة معيّنةٌ الظنّ في جماعة أخرى، واستخفت بأعمالها ومساعيها ففي هذه الحال تتسع دائرة سوء الظن أكثر فأكثر، ويمكن أن تشكل الأنانية الفردية تهديدًا أكبر لأنها تقوَى باعتمادها على الأنانية الجماعية، وإذا قويت بالأنانية الجماعية صارت غير قابلة للتزعزع أو الانهيار.

وللأسف فإن سوء الظن بين الهيئات الأخرى والجماعات المختلفة فضلًا عن سوء الظن الفردي قد يؤدي إلى نتائج مدمرة أكثر من الناحية الاجتماعية؛ فمثلًا قد تسيء المجموعة (أ) الظنَّ بالمجموعة (ب)، وتنتقد كل ما تفعله، فتأتي المجموعة (ب) وتسيء الظن في الأولى، وتعتقد كل مجموعة أن الخدمات التي تقدمها هي أكثر توافقًا مع الإسلام، وأنفع للإنسانية، ولا يستهويهم إلا ما يفعلونه بأنفسهم فقط، أما الخدمات والأعمال الخيرة العديدة التي قام بها غيرهم فيبحثون لها عن مسوّغ وينتقدونها بقسوة. 

وقد يصيب أربابَ الخدمة مثلُ هذا المرض إن لم ينتبهوا؛ فمثلًا قد يسيئون الظن ببعض الجماعات والكيانات المختلفة، ويخطئون في تقدير أجلّ الأعمال الخيّرة التي يقوم بها هؤلاء، علمًا بأن المعيار الذي وضعه الأستاذ سعيد النورسي في هذا المضمار بيِّنٌ واضح، حيث يقول: “إن تفضيل الإنسان لمشربه بناء على محبته له لا يستلزم عداوته للآخرين”، فقد يحب الإنسان طريقه ومسلكه ومشربه بجنون، بل يلزم أن يفعل ذلك، ولكن هذا لا يقتضي الاستخفاف والاستهانة بمشارب الآخرين ونقدها وإضمار العداوة لها، فإنني ما قابلتُ ولا علمتُ مذهبًا أو دينًا يقول بأن توبيخ الآخرين والطعن فيهم والتشنيع بهم نوعٌ من أنواع العبادة.. ولا يُقبَلُ أبدًا أن يسبّ الإنسان أخاه الإنسان بحجة أنه لم يتبع منهجه الفكريّ.

ومع الأسف فإن سوء الظن هو واحدٌ من أكبر أمراض العصر وأكثرِها انتشارًا، وتختلفُ أنماط الناس في كيفية التعامل معه؛ فمنهم من يكشف عن هذا المرض الذي يعتلج في داخله صراحةً وعلانيةً، ومنهم من يُطلق أفكاره ومشاعره السلبية من وراء الأبواب المغلقة.

وقد يتعرض لمثل هذا الهجوم والاعتداء مَن نذروا أنفسهم للخدمة ابتغاء مرضاة الله تعالى، فقد لا يكترث الآخرون ممن يسيئون الظن بالخدمات الجلية التي يقومون بها، أو يفتشون عن أهداف ونوايا مختلفة من وراء كل هذا، فلو أن أرباب الخدمة تعاملوا مع هؤلاء بنفس المعاملة فقد ارتكبوا أيضًا نفس الخطإ.

وليس من الصحيح تقدير الخدمات بالكمّ والمظهر الخارجي، فمثلًا قد تكونون أقمتم ألفَ مدرسةٍ في أماكن مختلفة من العالم، على حين لم يوفَّق غيرُكم إلا إلى بناء خمس مدارس فقط، فإن قلتم حينها: “ما قيمة هذه الخمس بجوار الألف؟!”؛ فقد وقعتم في ذنب عظيم، فأنتم لا تعلمون! فلربما كانوا مخلصين أكثر منكم عندما قاموا بهذه الأعمال! فذرّةٌ من عمل مخلص تفوق أطنانًا من الأعمال التي لا إخلاص فيها.

وعلى ذلك يجب عدم الاستخفاف بأي خدمة، أو الاستهانة بها، ولا بد من إحسان الظن بكل من يسعى في سبيل الله لخدمة الإنسانية. أجل، يجب على الإنسان أن يكافح دومًا حتى لا يعتري قلبَه سوءُ الظن، وأن يضع سدودًا منيعة أمام الأحاسيس السلبية في الداخل، وأن يُلزِم نفسه دائمًا بحسن الظن في الآخرين؛ لأن نبينا صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الشريف: “حُسْنُ الظَّنِّ مِنْ حُسْنِ الْعِبَادَةِ[3].

   الجهاد الأكبر

لا ريب أن حسن الظن بحق الآخرين يأتي بالثواب والخير العميم؛ وذلك لأنه لا يسمح للوساوس الشيطانية والنفسانية والجسمانية والحيوانية بأن تجعلنا نصدر أحكامًا خاطئة إزاء أحوال الآخرين وتصرفاتهم، بل يساعدنا على مكافحتها والنيل منها، فاكبَحُوا جماحَ المشاعر السلبية في داخلكم، وغضوا الطرف عن عيوب الآخرين بأن تعطوا إرادتكم حقّها؛ بمعنى أن تصارعوا أنفسكم وتجاهدوها، فبينما سمَّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم جهادَ الأعداء الجهادَ الأصغر أطلق اسم الجهاد الأكبر على الجهاد الداخلي الذي يحمل النفس على الاستقامة؛ لأن جهاد العدو عابرٌ مؤقت، أما جهاد الإنسان نفسه وأهواءه ورغباته وأحاسيسه السلبية فهو دائم مستمر، فربما يضطر الإنسان إلى مجاهدة هذه المشاعر السلبية في اليوم مائة مرة؛ وهذا يعني أنه في حالةِ حربٍ دائمةٍ مع نفسه. 

وسوء الظنّ هو أحد أعدائنا في هذه الحرب التي لا بد من شنِّها، وثمة عوامل ودوافع أخرى تثير هذا الشعور؛ منها بعض المعاملات السيئة التي يُخاطب بها الإنسان، أو بعض الأخطاء التي يشاهدها، أو ما يتعرض له من الأذى والمشاكل؛ فكل ذلك سببٌ في إثارة شعور سوء الظن، وما يقع على الإنسان عندما يتحرك لديه هذا الشعور هو أن يعمل على قمعه، سواء بإلقاء صخرة ثقيلة فوقه، أو بالقفز عليه، أو بهضمه ببعض الإنزيمات المعنوية… المهم هو القيام بما يجب، والبحث عن وسيلة للحيلولة دون ظهور هذا الشعور.

وخلاص الإنسان من سوء الظن منوطٌ بإنكار الإنسان ذاته من جهة ما، يقول مفخرة الإنسانية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اللّهُمَّ اجْعَلْنِي فِي عَيْنَيَّ صَغِيرًا وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ كَبِيرًا[4]، فلا بد هنا أن نسترشد بكلماته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم مهما رأى نفسه صغيرًا فهو كبير عظيم، وهو لم يطلب أن يكون في أعين الناس كبيرًا لذاته، وإنما من مقتضى دعوته وما يحمله من رسالة إلهية قدسية، أما أنتم فعليكم أن تقولوا: “اللهم اجعلني في عيني صغيرًا، وبإخلاصي، وابتغائي رضاك، وخدمتي ساعيًا مجتهدًا”.

فإن استطعنا أن ننكر ذاتنا خمسين مرة في اليوم فلنفعلْ، وعند ذلك لن نشتغل بعيوب غيرنا، ولن نسيء الظن بهم، فلو كان لدينا بعض الفضل فليذكره الآخرون، أما التشوف لشيء يتعلق بذلك فهو مرضٌ خبيث، ولو فكّرنا في سلبياتنا قبل سلبيات غيرنا فلن نرمي الآخرين بالباطل ولن نتورط في سوء الظن، أما إذا لم ينظر الإنسان إلى عيوبه، ولم ينشغل بحصرها فسيظل طوال عمره يبحث عن العيوب فيمن حوله؛ ولن يصل أبدًا إلى المذنب الحقيقي.

***

[1]  يطلق مصطلح “التنظيمات” على مجموعة الإصلاحات التي أدخلها السلطان عبد المجيد في عام (1839م)، وقد انتهى عهد التنظيمات بإغلاق مجلس النواب عام (1878م).

[2]  سنن أبي داود، الأدب، 80.

[3]  سنن أبي داود، الأدب، 88.

[4]  البزار: المسند، 10/315.

حِيَلُ الشيطان

Herkul | | العربية

   سؤال: ما هي أدوات الشيطان الرئيسة التي يستخدمها من أجل إغواء البشر؟

   الجواب: مِن حِيَلِ الشيطان الخطيرة إظهارُه الذنوب الكبيرة التي تؤدي بالإنسان إلى جهنم وكأنها هفوات صغيرة، ويتحدث الأستاذ بديع الزمان بأسلوبه الخاص عن مدى خطورة هذه الذنوب التي تبدو وكأنها صغيرة بالنسبة للإنسان فيقول: “فاحذر! وخفِّف الوطء، وخَفْ من الغَرق، ولا تُهلِك نفسك بأكلةٍ أو كلمةٍ أو لمعةٍ أو إشارةٍ أو بَقْلَةٍ أو قُبلةٍ، فتَذهب عنك لطائفُك العظيمة التي شأنُها أن تستوعب العالمين”[1]، ويمكنكم ذكر المزيد من هذا، فمثلًا تصرفاتٌ مثل الاستخفاف بالآخر، ولمزه باللسان، وعبوس الوجه أمامه للإيحاء بسوء حاله؛ ربما تبدو صغيرة بالنسبة للبعض، إلا أن مثل هذه التصرفات والسلوكيات ليست صغيرة على الإطلاق عند الله تعالى.

في الواقع تلك الأعمال التي تبدو وكأنها صغيرةٌ هي الأشد خطرًا وفتكًا؛ فعقربٌ قد يكون أعظم خطرًا من ثعبان الكوبرا أحيانًا.. لأن عدوًّا واضحًا يُشعِر بنفسه من خلال أسلوبه في المجيء وصفيره وحفيفه يسهلُ الاحترازُ منه ودفعُ خطره حتى وإن كان كبيرًا.. لكن العقربَ يأتي خلسةً متخفّيًا؛ بين اللحاف أحيانًا، وتحت السرير أحيانًا، فيلدغ في وقت لا نتوقعه أبدًا.. لذلك فإن دفْعَكم خطرَه صعبٌ للغاية، وعليه ينبغي النظرُ إلى الذنوب والآثام بهذه النظرة، والخوفُ مما قد يأتي خلسةً أو على حجمٍ صغير كما العقرب.

أهم شيء بالنسبة للمسلم هو الابتعادُ عن كل أنواع الأخطاء والآثام دون تفريقٍ بين صغير وكبير، والتضرع إلى الله تعالى دائمًا أن يَقيَنا من ذلك، وإن أردنا التعبير عن ذلك بأسلوب بديع الزمان سعيد النورسي قلنا إن هناك أشياء صغيرة تبتلع أشياء كبيرة جدًّا، فالقلب واحدٌ من تلك الأشياء الكبيرة؛ لكنه وبالرغم من رحابته التي قد تستوعب الكون كلَّه فقد يُظلمُ أحيانًا بسبب أشياء تبدو صغيرة، وقد قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشأن هذا: “إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (سورة الْمُطَفِّفِينَ: 83/14)”[2].

وبحسب شخصية كل فردٍ ووضعه فإن الشيطان يستخدم شتى أنواع الحيل والحجج ليدفع الناس إلى ارتكاب الذنوب؛ إلا أن هناك مجموعة من الأشياء لها الأولوية في استخدامه إياها ولجوئه إليها دائمًا، وهذه الأشياء في الأعم الأغلب هي ما يضعُف الناس أمامه ويستسلمون له، ويشقّ عليهم مقاومته والصبر والثبات أمامه، وفي درس “الهجمات الست”[3] يوجد حديث عن الوسائل الرئيسة التي يستخدمها الشيطان في عدوانه، يُمكن أن يُرجع أو يُضاف إليها وسائل أخرى مختلفة، لكننا سنقف على بعضها هنا.

إن حب الجاه والشهرة واحدٌ من أكثر الوسائل التي يستخدمها الشيطان كي يدفع الإنسان لمقارفة الذنوب، فرغبةُ الإنسان في الحديث والكتابة عنه دائمًا، ورغبتُه بأن يقف الناسُ لمجيئه احترامًا، وانزعاجُه عندما لا يحدث ذلك، ولهثُه وراء التصفيق والتقدير؛ مظهرٌ من مظاهر حب الشهرة.. في حين أن مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم لم يرغب بذلك لنفسه وعارض هذا النوع من الحفاوة به قائلًا: “لَا تَقُومُوا كَمَا تَقُومُ الْأَعَاجِمُ، يُعَظِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا[4].

يحدثُ هذا، بينما حقُّ الوفاء لرسول الله يفرض على الجميع أن يقفوا احترامًا له إذا ما حضر، ولا أقصد بالجميع الأحياءَ فقط، بل الأحياء والأموات.. هذا هو معنى احترام النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة لنا، وهذه قضية مختلفة.. أما بالنسبة للجانب الآخر من الأمر فإن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكشف بأسلوبه هذا عن تواضعه الجمّ العميم، ويقرر مبدأً دينيًّا مهمًّا في الوقت نفسه، فمن يُسَرُّ بوقوف الناس وتصفيقهم له وحديثهم عنه يفقد ما يجب السرور منه أساسًا، ويستخدم حقه الأخروي مهدرًا إياه في هذه الدنيا الفانية.

وبالمثل، فإن حب الجسد، والذي يمكن أن نسميه شغفًا بالراحة، هو إحدى الوسائل التي يستخدمها الشيطان بشكل متكرر، وهو عامل آخر يدفع الناس إلى الهلاك.. فالأكلُ والشربُ والخلودُ للنوم والاضطجاع، واللهو صيفًا وشتاءً، والسعيُ دائمًا للراحة والرغبات الجسدية؛ كلٌّ منها فرصة مهمة جدًّا يستغلّها الشيطان، في حين أن الإنسان لم يُخلق لهذا.. إنه بطبيعة الحال سيستفيد من بعض المتع في دائرة الشرع مثل الأكل والشرب، لكن الغاية المثالية التي سيظل المؤمن يركض وراءها دائمًا هي عبادة الله، ودعوة الناس للتوحيد والحق والحقيقة.

إن الشيطان بارع للغاية في اكتشاف نقاط الضعف لدى الناس، إنه يقترب من كل شخص وفقًا لحالته الخاصة. فمثلًا، إذا كان لدى شخص ميلٌ للحياة البوهيمية فإن الشيطان يفعل كل شيء حتى يجره إلى الخطيئة؛ إنه يمسكه فيخدعه بحججٍ كالتنزّه وتغير الجوّ إلى أن يسوقه للتجوّل في أماكن سيئة؛ ويهمس في أذنه بأن السباحة سُنَّةٌ نبوية إلى أن يطوفَ به الشواطئ واحدًا تلو الآخر، وفجأة يُعمي عينيه أو قلبه حتى ينخرط في البوهيمية دون أن يعي ذلك.

وبالطريقة نفسها عندما يجد الشيطان لدى الإنسان ضعفًا تجاه المال فإنه يشرع في استغلال نقطة الضعف هذه ليدفعه إلى الحرام ويسوقه إلى الأعمال غير المشروعة، ويجره إلى حيث يريد بواسطة الرَّسَن الذي أحكم لفّه حول عنقه، إن هذا وأمثالَه قد لا يدركون أن الشيطانَ هو الذي يقودُهم، ويعتقدون أنهم يقررون ما يُقرّرون بإرادتهم الشخصية، بل ويظنّون في بعض الأحيان أنهم يتجولون ويتحركون في المنطقة المشروعة؛ إلا أنهم في الحقيقة مساكين صاروا أُلعوبة في يد الشيطان منذ وقت طويل.

ومن أدوات الشيطان الأخرى إثارةُ شعورِ الحسد والغيرة.. والحسدُ هو “أن يتمنى المرء زوال النعمة عن غيره، وانتقالها إليه”، وقد قال سيدنا رسول الله صلى عليه وسلم: “إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ؛ فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ[5]، لينبّه بذلك كيف أن الحسدَ شعورٌ يجعل المؤمن خاسرًا، وقد رُوي عن الحسن البصري قوله: “ما رأيت ظالـمًا أشبه بمظلوم من حاسد، نفس دائم، وحزن لازم، وغم لا ينفد”[6]، فإذا كان الشخص يشعر بالانزعاج من إنجازات الآخرين، فهذا يعني أن فيه قابلية للتفاعل مع حِيَلِ الشيطان.. فالشيطانُ المحترفُ في عمله الخاص لا يضيع استغلال نقطة ضعف كهذه؛ فيستثمر ما لدى الإنسان من ميل إلى الحسد بما يؤدّي في النهاية إلى تدميره.

حتى إن الغبطة والمنافسة اللتين لا حرج فيهما إذا ما استُخْدِمتا في الطريق المشروع يمكن أن تكونا أداة مهمة بالنسبة للشيطان، ذلك لأنهما جارتان ملاصقتان للحسد، بل إنهما يبدوان وكأنهما توأمه، إلا أنهما يأتيان بعده، والتنافس المشروع يعني: “إخوتي هؤلاء يركضون نحو الفردوس ركض الخيل الفتية بالأعمال الطيبة التي يقومون بها، فلنركض مثلهم دون أن نضر بهم، علينا ألا نتخلف عنهم في فعل الخير،كنا هنا معهم؛ وعلينا ألا ننفصل عنهم في الآخرة أيضًا؛ فالقرآن الكريم يقول: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/148)، ويقول أيضًا: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (سورة الْمُطَفِّفِينَ: 83/26)، لذا يجب على المؤمنين أن يتنافسوا في أعمال الخير.

لكن الشيطان غالبًا ما يريد أن يسيء استغلال هذا الشعور، فينشّطُ شعورَ الغيرة لدى الإنسان ويحوّل الغبطة إلى حسدٍ وعندئذ يبدأ الشخص يقول: “لماذا هو يركض؟ يجب أن أكون أنا من يركض بدلًا منه أساسًا”، بل إنه يحاول إعاقتهم، والإضرار بهم، وإرضاء إحساسه بالمنافسة من خلال لطمات يُنزلها على الآخرين، وفي كثير من الأحيان، لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يصبح عبدًا للانتماء، ولأنانية الجماعة، وهو أمر أكثر خطورة بالنظر إلى ما يُحدِثه من تدمير؛ لأن شخصًا كهذا يبدأ في اتخاذ موقفٍ تجاه الناس الذين ليسوا من طائفته أو من مذهبه.

إن شعورَ الحسد، وعدمَ تقبل الآخر، والتحزب هو الذي سبّب الفتن المختلفة التي بدأت في عصر سيدنا علي واستمرت لعدة عصور في تاريخ الإسلام، فقد تشكلت عشرات الجماعات مثل الخوارج والشيعة والزبيريين والأمويين والعباسيين، واتخذوا من الأشخاص الذين تجمعوا حول بعض الأفراد والأفكار جبهة ضدّ الآخرين؛ فتسببوا في حروب دموية.. ومَن تحرَّكَ منهم إيمانًا بفكرة: “سأكون أنا بدلًا منه في الإدارة”؛ جعلت كثيرًا من الناس يتقيؤون دمًا.. ولما أصبح المسلمون يأكل بعضهم بعضًا فيما بينهم، فقد سلط الله تعالى عليهم الكفار والظالمين؛ لأن الظالم سيفُ الله ينتقم به ثم ينتقم منه.

إن السبيل للتخلص من كل هذه المشاعر السلبية وعدم الانهزام لحيل الشيطان هو الإيمان القوي، والاستسلام لله، وسلامة القوام.. إذا كنتم قد استوعبتم الإيمان تمامًا فإنكم تستطيعون استيعاب أصعب الأشياء بإذن الله وعنايته.. وتقولون مثلما يقول الأستاذ بديع الزمان: “نحن فدائيو المحبة، ليس لدينا وقت للخصومة”[7]، وتعانقون البشرية جمعاء، بل إنكم حتى في مواجهة الأشخاص المجبولين على الشر ترجون لهم الإصلاح، وتسعون كي يتحقق السلام والهدوء في كل مكان، ولا تفكرون سلبًا بشأن الآخرين أبدًا.

***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة السابعة عشرة، ص 187.

[2] سنن الترمذي، تفسير القرآن، 83.

[3] ويقصد بهذا المصطلح ستة أنواع مختلفة من أعتى حِيَلِ الشيطان الخبيثة: حبّ الجاه والشهرة، والخوف، والطمع، والعنصرية، والأنانية والغرور، وحب الراحة والدعة، ولقد أورَدَها بالشرح والتفصيل بديعُ الزمان سعيد النورسي في المكتوبات، المكتوب التاسع والعشرين، القسم السادس، ص 505-529.

[4] سنن أبي داود، الأدب، 165.

[5] سنن أبي داود، الأدب، 44؛ سنن ابن ماجه، الزهد، 22.

[6] ابن عبد ربه: العقد الفريد، 2/158؛ القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 5/251.

[7] بديع الزمان سعيد النورسي: صيقل الإسلام، ص 494.

التحرُّك الإيجابي البنّاء وأثرُه على المجتمع

Herkul | | العربية

   سؤال: في واقِعِ اليوم؛ كيف ينبغي لنا أن نفهم معنى التحرُّك الإيجابي البنّاءِ في ظلّ انتشار الظلم والألاعيب الشيطانية التي من شأنها أن تسوق أهلَ الإيمان إلى التحرك السلبي؟

   الجواب: تُرتكب اليوم في دولَتِنا وفي كل أنحاء العالم -كما ذُكر في السؤال- صنوفٌ شتى من الظلم، وتُمارَس العديد من الدناءات والفظائع، ويُتوسَّل إلى الكثير من الألاعيب الشيطانية المختلفة.. وفي ظلّ هذا الدوران التاريخي الدؤوب تعرّضَت الإنسانية حتى الآن للكثير من الظُّلْمِ والجَور، حتى إنه قد مرت عليها فترات انفرطت فيها -كما يقول المؤرخون- حباتُ عقد المجتمعات كلية، وربما تسبب في هذا الجنون بعض المستبدين من أمثال نابليون وهتلر وستالين عن طريق إثارة شعور الجنون لدى الناس؛ فبسبب غرام هؤلاء بالسلطة تسببوا في مقتل الملايين من الناس، وبعد أن أُصيبت البنية بالضعف تسلطوا على الإنسانية، وابتدعوا لها أنظمة سَامَتْها سوءَ العذاب.

ووفقًا لقناعتي القاصرة فإن عالم اليوم يشهد فترة أخرى من الفترات التي أصيبت فيها البشرية بالجنون تمامًا، فهذا يعتدي على هذا، وذاك ينكل بذلك، والحق في يد القوي، والقوي يعمد إلى قمع الناس وقهرهم وفرض الوصاية عليهم بكل ما أوتي من قوة، إلى أن تفشَّى هذا المرض في المجتمع بأكمله، لدرجة أن من تنقصهم الكياسة والفراسة العالية التي يستطيعون بها إدارة الدولة قد أصيبوا هم الآخرون بحب الإدارة، وبدؤوا يقولون في أنفسهم: “يا ترى ألا نستطيع نحن الآخرين أن نستولي على القوة، فنقوِّم المجتمع كما نشاء؟ لماذا لا نكون من الذين يُشار إليهم بالبنان ويصفق لهم الناس؟!”، والحال أن هؤلاء لا يرغبون في الإدارة والسلطة خدمةً لدينهم وغاياتهم الوطنية ومصلحة بلادهم، بل من أجل مصالحهم الشخصية ومستقبلهم، وللوصول إلى هذه الأهداف يستبيحون كل الوسائل من الكذب والخداع والنفاق؛ إلا أنهم ولو أحرزوا انتصارات مؤقتة فإن الحق تعالى سيمنِّيهم بهزائم أضعاف ما كسبوا.  

فكما يجب أن يكون الهدفُ مشروعًا فلا بدّ أن تكون السبل التي تؤدي إليه مشروعة أيضًا، ومتوافقة مع القوانين الإنسانية والأخلاقية والإلهية، واستحلالُ كلِّ وسيلة تؤدي إلى الهدف ليس بنمطٍ فكري يليق بالمؤمن، فكما أن هذا السلوك يبتعد فراسخ عن منهج الأنبياء العظام فيجب أن يبتعد فراسخ أيضًا عن وارثيهم.

أجل، لقد حاز التحرك الإيجابي أهمية خاصة في عالم اليوم، هذا العالم الذي أصبحت فيه المكيافيلية تهيمن على المجتمع بأسره، ويُتوسَّل فيه إلى الحيل والألاعيب الشيطانية، وتنحل فيه حبات عقد الإنسانية، والتحرك الإيجابي يعني عدم مقابلة التصرفات والأعمال السلبية بمثلها، والبعد عن الانشغال بالأقوال والأعمال المنفورة، وتجنب نشر الإشاعات، وعدم إهدار الوقت في الثرثرة الفكرية، والانصراف إلى الخدمة دائمًا من أجل تحقيق الغايات المثالية، والاشتغال بالإصلاح والتعمير، والسعي دومًا إلى تحقيق الوفاق والاتفاق.

   عدم الوقوع تحت وطأة الحوادث

ولقد ركز الأستاذ النورسي كثيرًا على الحركة الإيجابية البناءة في مؤلفاته، وكان يوصي طلابه بها على الدوام، فالوظيفة الملقاة على عاتق رجال الخدمة اليوم الذين يستهدفون غايات مثالية معينة وينطلقون لتحقيقها؛ هي السعي وراء الإيجابيات دون التعلق بالسلبيات، فالمنشغلون بالأحداث لا يستطيعون إدارتها، ولا يقدرون على حل المشاكل التي يلزم حلُّها.

فإذا انشغلتم بالردّ على ما يُقال ضدكم من أقوال وما يُوجَّه إليكم من إهانات وما يدّعى عليكم من افتراءات، وحددت هذه الأمورُ أسلوبَ تعاملكم مع الآخرين؛ فلن تكون لديكم القدرة على عمل ما يلزم من أجل أمتكم أو من أجل الإنسانية، ولن تستطيعوا أن تُنشئُوا المشاريع التي تهدف إلى حل مشاكل الإنسانية، ولا أن توفّروا الدعم اللازم للمشاريع والخطط الحاضرة.

ولا يخلو هذا العصر أيضًا من مخالفين وأعداء لا يتورعون عن الكذب والافتراء والإهانة وتشويه صورة المؤمنين الصادقين الذين يعملون في الخدمة في سبيل الله، فلو أنكم اكترثتم بالأقوال والأفعال السلبية التي تصدر عن هؤلاء لما استطعتم أن تقوموا بما يجب عليكم القيام به، قد تهُمّون اليوم بالرد على إهانة أحدهم، ولكن سيأتي في اليوم التالي شخص آخر يتوجه إليكم بأفظع وأشدّ ممّا قيل لكم من قبل، وعندها تستغرقون في التفكير في حلّكم وترحالكم محاولين إيجاد الرد المناسب لما قاله ذاك وفعله، ونتيجة لذلك لا تستطيعون التخلص من طوق الحوادث الذي تعيشون داخله، ولا يخفى أنه من المتعذر على الإنسان الذي يعيش تحت ضغط الحوادث وتأثيرها أن يُقبل على الحياة، ولا أن يمتلك القدرة على التأثير.

من جانب آخر لو انشغلنا بالسلبيات التي تنعكس على شاشات التلفاز أو صفحات الجرائد سنكون سببًا في تكدير أذهاننا ومشاعرنا وأفكارنا، وسنعيش دائمًا مع الانفعالات وردود الأفعال والإحباطات التي تولِّدها هذه الحوادث، وسنفقد التفكير السليم، ولا نقدر على التفوّه بالكلام الحسن، وإنشاء الأفكار الجميلة، ولن نجد حلًّا للمشكلات المتراكمة التي تنتظر الحل، أما بالنسبة لتوضيح وتصحيح وتكذيب الادعاءات والافتراءات والاتهامات التي ألصقها البعضُ بنا، فعلينا أن نعهد بهذا الأمر إلى أهل العقد والدراية بدلًا من أن ينشغل بها الجميع.

فالذي ينشغل بهجوم الآخرين واعتدائهم دائمًا يدمِّر نفسه، ومن دمّر نفسه لا يُنتظَر منه إعمارٌ ولا تنعقد عليه آمالٌ، فهل من أسلم نفسه لتيار الشلال تسعه قوته أن ينقذ شخصًا على وشك الغرق؟! إن محاولته لإنقاذ هذا الشخص من المحتمل أن تؤدي إلى إغراقه بشكلٍ أسرع، ومن ثَمّ فعلى الذين نذروا أنفسهم من أجل ترميم الحضارة التي ما زالت تتعرض للخراب والتشويه منذ ثلاثة قرون ألا يستسلموا لأي نوعٍ من السلبيات؛ لأن عملية الترميم هذه لا يقوى عليها أناسٌ أجهدهم التعب بسبب صراعهم مع الحوادث اليومية، فلا يقدِر على القيام بهذا العبء إلا الأبطال الذين تخلّصوا من ثرثرة الأفكار وحازوا سلامة الروح.

   النظرة الشمولية والدبلوماسية

على الذين اعتمدوا التحرك الإيجابي مبدأً لهم ألا يقابلوا السلبيات بمثلها، ولا يسمحوا باستشراء الحقد والغل بين جنبات المجتمع، بل عليهم بدلًا من هذا أن يلجؤوا إلى الدبلوماسية لحل المشكلات، وبدلًا من استخدام الشدة والعنف عليهم السعي لحل المشكلات بالمنطق والمحاكمة العقلية السليمة، وأن ينظروا إلى الحوادث نظرة إجمالية شاملة، ويضعوا في حسبانهم الأسباب وما يتولد عنها من نتائج.

فالمشكلات التي يُعتقَد أنها قد تم حلها باستخدام القوة الغاشمة والسحق والقهر هي في الحقيقة ليست حلولًا دائمة كما هو الحال في أي وقت كان؛ مثال ذلك المشكلة القائمة إلى الآن في جنوب شرق تركيا، كم من الدماء أُريقت، وكم من حروب ومعارك اندلعت، ومع ذلك لم يتمّ التغلب على المشكلة ولم تُحَلّ، حتى بعدما ظُن أنهم قد فرّوا إذ بهم يستعيدون عافيتهم ويرجعون من جديد، ويواصلون معاركهم بإستراتيجيات جديدة، لقد جُرِّبَتْ محاولاتٌ عديدة لقهرهم وسحقهم، لكنهم نهضوا من جديد، وعندما استمر التعامل مع المسألة بالقوة والعنف -وانطلاقًا من إحساسهم بالظلم والاضطهاد- حاولوا أن يجدوا لهم ظهيرًا في الخارج، ونجحوا في ذلك. 

بيد أنه لو تم النظر إلى المشكلة نظرة إجمالية شاملة، ولو تم تشخيص الأسباب جيدًا، وتم اختيار العلاج المناسب لاختفت هذه المشكلة منذ وقت بعيد، ولو أنهم استخدموا الطرق الدبلوماسية بدلًا من القوة والعنف لما أُريقت الدماء، ولا تشكلت العداوات، ولا توارثت الأجيال الغل والأحقاد، فإن تجنُّبَ العنفِ، والتخلي عن التصرفات الفظة، وعدم سحق الناس وممارسة الضغط عليهم، واللجوء إلى اللين والرفق والعقل والدبلوماسية في حلِّ المشكلات؛ هو أحد متطلبات التحرك الإيجابي. 

   روح الوحدة والاتحاد

من الأسس المهمة الأخرى التي لا بد من التركيز عليها في هذا الصدد هو بذل الجهد في سبيل ترسيخ روح الوحدة والاتحاد بين أفراد المجتمع، فإن أمكن إرساء هذه الروح بين الناس من خلال التراجع، فالتراجع حينذاك أولى من التقدم.. يجب ألا نستصغر هذا القدر البسيط من الجهد لأجل تحقيق الوحدة والاتحاد بين الناس، فلهذا الجهد قيمة عظيمة عند الله، فنحن لا يمكننا الجزم بنوع العمل الذي يفضي إلى خلاص الإنسانية، فربما ينقذ هذا التراجعُ الكثيرَ من الناس.

إن القيامَ بتصرفاتٍ من شأنها أن تعمل على تمكين روح الاتحاد ولم الشمل مثل التقرب من الناس بالحال اللين والقول اللين والفعل اللين، والتجاوز عن أخطائهم وتقصيراتهم؛ هو أمر له أهمية خاصة عند الله تبارك وتعالى، فالحق تعالى يأخذ مثل هذه النوعية من التصرفات في الآخرة فينمّيها، فينال بها صاحبها النعم الأخروية المهمة التي يتعذر الوصول إليها.

ولهذا لا بد من حسن الظن في الآخرين، وبَذْلِ الجهد قدر ما نستطيع لجمع الناس ولم شملهم، أما انتظار أن يتشبه الناس بنا، وأن يفكروا مثلنا، وأن يسيروا على طريقنا؛ فهو نوع من الأنانية، فالمهم هو أن نجتمع حول بعض القواسم المشتركة، فلكلِّ شخصٍ صوتٌ وفكرٌ ونظرةٌ مختلفة، وقد تتشكل جوقة موسيقية متناغمة من أنغام وأصوات مختلفة.

وباجتماع أصوات شتى وآلات موسيقية مختلفة تتشكل أوركسترا كبيرة، فرغم اختلاف الأصوات والنغمات فإنها تعبر عن معنى معين لدى السامع، وهكذا فالمهم هو القدرة على جمع هذه الاختلافات والتنوعات حول روح الوحدة، أما ترقُّبُ أن يكون الآخرون مثلنا فهو أمر يتنافى مع الفطرة ويعبّر عن الأنانية، ويسوق الناس إلى التمزق والتشتت، وليس إلى الوفاق والاتفاق.

وكما هو معلوم فإن المدينة المنورة لما شرَّفها مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم كان عدد اليهود بها حوالي أربعة آلاف، ومثل هذا العدد كان من المشركين، أما عدد المسلمين بقضهم وقضيضهم فكان يصل إلى حوالي ألف وخمسمائة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم وجد سبيلًا إلى عمل وحدة مجتمعية بين هذه الطوائف، واستطاع أن يجمع اليهود والمشركين الذين يزيدون عن المسلمين خمسة أو ستة أضعاف حول وثيقة المدينة، فاستمر هذا الوفاق حتى العام الخامس من الهجرة إلى أن نقضه اليهود في النهاية.

فما يقع على عاتقنا هو أن نقبل كلَّ إنسانٍ في مكانه ومقامه، وأن نحترم فكره ومشاعره، فلو أنكم استهدفتم أفكار الناس ومعتقداتهم وحاولتم قصفها والهجوم عليها فستفرقونهم من حولكم، وتبعدونهم عن أنفسكم، وعندئذ لا تربحون شيئًا بل تكونون قد خاطرتم بسلامة الطريق الذي تسيرون فيه؛ لأن هؤلاء الذين فرقتموهم من حولكم وربما جعلتم منهم أعداء لكم لن يسمحوا لكم بالسير آمنين في الطريق الذي تسيرون فيه، بل سيظهرون لكم في كل ركن كالغيلان، يريدون تشتيت أذهانكم وهممكم وطاقاتكم، ومن ثمّ يجب أن تركزوا على الأعمال المطلوبة منكم، وإلا ستضطرون إلى الانشغال بالمشاكل التي سيسبّبها هؤلاء لكم بدلًا من الاشتغال بأعمالكم.

وهكذا فإن كنتم لا تريدون أن تتسببوا في كل هذا فلا بد أن تتحروا سبل التعايش في أمنٍ وطمأنينةٍ مع أصحاب الرؤى العالمية المختلفة، ولأجل هذا يجب أن تحترموا إنسانية الجميع، وألا تنالوا من قناعاتهم، وألا تؤذوا الناس بأيديكم وألسنتكم.

   محبة المنهج لا تعني التعدي على مناهج الآخرين

ولقد جعل بديع الزمان سعيد النورسي للحركة الإيجابية معيارًا، أشار فيه إلى ضرورة أن يحب الإنسان منهجه، ولا يتدخل في مناهج الآخرين، ولا يضمر لهم العداوة والبغضاء أبدًا؛ بمعنى أن محبة الإنسان لطريقه ومنهجه لا يستلزم وصف طريق الآخرين ومنهجهم بالقبح والباطل.

أجل، ما يقع على عاتق المؤمن الصادق هو أن يحب منهجه الفكري والاعتقادي، وأن يتمسك به بجنون، وأن يرعاه ويحميه بكل كيانه، بل يجب أن يكون فكرُه وشعوره على النحو التالي: “اللهم إنني أرضى أن أموت في اليوم عشرات المرات على أن تكون راية الإسلام المبين عالية خفاقة في كل أنحاء العالم”.. هذه هي محبّة الطريق والمنهج، وقد كانت هذه هي خاصية الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، كانوا أوفياء بحق لمنهجهم، وعلى أهبة الاستعداد للموت في هذا الطريق عن طيب نفس.

ومن لم يحمِل هذه الأفكار وهذه المشاعر، ولا يقدم على أي تضحية في سبيل تبليغ القيم التي يؤمن بها إلى العالم، بل ويهدر وقته يمنة ويسرة؛ ويصب لعناته على الآخرين، ويوجه الإهانات إلى هذا وذاك، فلن يفيد عمله هذا بشيء سوى إثارة العداوات، وإرضاء الشيطان وإسعاده.

فلو كنا نريد جمع الناس والتأليف فيما بينهم فلا بد أن نراعي مشاعر الآخرين وتطلعاتهم ومواقعهم وتمسكهم ومحبتهم لِقيَمهم، ثم نتحرك بناء على ذلك، والله تعالى هو الذي يؤلف بين قلوب العباد كما تقول الآية الكريمة: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ (سورة الأَنْفَالِ: 8/63)، فما يقع على عاتقنا هو مراعاة الأسباب دون قصور، والعمل على لمّ الشمل وتآلف القلوب، فلا نحوّل محبَّتَنَا لمنهجنا إلى عداوة الآخرين لنا، ولا نجعل اختلافنا سببًا للنزاع والخصام، بل نعمل دائمًا على نثر بذور المحبة في كل مكان، واحتضان كل البشرية، ورسمِ البسمة على وجوه الجميع.

الخدمة عليك والنتيجة على الله

Herkul | | العربية

   السؤال: يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ (سورة الرعد: 13/40). فما الرسائل التي تبثها هذه الآية الكريمة للمؤمنين؟

   الجواب: لنقف بدايةً على المفهوم السامي لهذه الآية بإيجاز: يذكر ربنا سبحانه وتعالى في قوله ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أنه سيُري نبيَّه صلى الله عليه وسلم بعضًا من البلايا العظيمة والعواقبَ الوخيمة التي سيُمنى بها المنكرون والمشركون، فما الوعيد الذي تسوقه هذه الآية للمنكرين، وفي المقابل ضمنيًّا ما هي البشارة التي تعدُ بها المؤمنين؟

إن دخول الناس في دين الله أفواجًا، وانكسار شوكة الكفر والشرك، وانهزام الكافرين والمشركين أمام الإسلام والمسلمين، وخفقان راية الإسلام عالية في كل جنبات الأرض، وارتفاعَ الأذان المحمدي من مآذن الأرض إلى أعالي السماء، وإرساء الحق والعدالة والسلام والطمأنينة في الأرض مرة أخرى، واندحار الظلم والقمع والاضطهاد؛ كل هذا سيتحقق في ضوء التشريع الذي وضعه الله تعالى، وبفضل تبليغ رسوله صلى الله عليه وسلم هذا التشريع وتجسيده دون نقص أو تقصير.. ولذلك تذكر الآية أن الله سبحانه وتعالى قد يُطلِعُ نبيَّه صلى الله عليه وسلم على بعض هذه الجماليات التي ستتحقق في المستقبل.

ولكن مع تتمة الآية يقول سبحانه: ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ إشارة إلى أن ربنا جل وعلا قد يستدعي سيدَنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إلى حضرتِه قبل أن يريه كلَّ هذه الجماليات التي وعد بها؛ ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ظل طوال حياته السنية يبلّغ رسالة ربه التي عهد بها إليه حتى أكملَها وأتمها، ولا ريب أن ربنا سبحانه وتعالى لن يضيّع مساعيه عبثًا، وسيوافيه أجره عليها كاملًا غير منقوص، وحتى وإن لم يشهد نبيُّنا صلى الله عليه وسلم كلّ الجماليات التي وعِد بها في الدنيا فإن الله سبحانه وتعالى سيثيبه عليها جميعها حتى وإن ظهرت وظفر بها الآخرون من بعده، فلربما يحصد الآخرون ثمار البذور التي نثرها، ويقوم آخرون بحفظها في مستودعها، ولكنه سينال ثواب كل هذا تامًّا غير منقوص.

ويمكن أن نقول هنا إن هذه العبارة تتضمّن أيضًا معنى: “أننا سنتمّ عليك أفضالَنا دون أن ننقص منها شيئًا”، وإن كان المعنى الأول هو الأرجح إلا أن هذا المعنى يشير أيضًا إلى حقيقة مهمّة.

وسواء أكان المعنى هذا أو ذاك فالنتيجة لا تعنيك، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾، أي تبليغ الحق والحقيقة إلى الناس، وتمثيل جماليات الإسلام على الوجه الأكمل، ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾.

ولمزيدٍ من الإيضاح نقول: “لا تُغرِق نفسَك في مثل هذه الحسابات، ولا تقل: “لو فعلتُ كذا لكان كذا”، لا تشغل نفسك بذلك، اشغل نفسك بمهمّتك فقط، وأعط وظيفتك حقّها، وركِّزْ على ما يسعك تحقيقه تبعًا للظروف التي تتواجد فيها، فأنت لا تدري بعد أن تنتقل إلى أفق روحك كم من الألطاف والمفاجآت تنتظرك، وكم من دول ستُقام، وكم من أنظمةٍ باطلة ستُقوَّض وتندثر! ولكن لا تضع حسابًا لكل هذا، فكلها أمور مدونة بصحيفة أعمالك عند ربك، فما عليك إلا أن تحسب حساب صحيفتك.

وقد قررت الأحداث التاريخية وأكدت هذا المعنى الذي أفادته الآية الكريمة، فقد وضع سيدُنا رسول الله صلى الله عليه وسلم البذرةَ في حياته السنية، وعندما رحل إلى أفق روحه لم تكن رسالته قد امتدّت إلى خارج مهدها، فالإمبراطوريتان الساسانية والرومانية في الشرق والغرب كانت القوة لا تزال بأيديهما، والعالم يخضع لسلطانهما، فدخلت العديد من الدول تحت حمايتهما، وخضعت لنفوذهما، ولكن بفضل البذور التي نثرها مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم بفضل الله وعنايته ظهر المسلمون كقوة، ولاحت شمس الإسلام حتى في مواطن نفوذِ هاتين الإمبراطوريتين.

وبالمناسبة يجب هنا أن نؤكد على مسألة مهمة، وهي أن البعض -في المناطق التي شرُفت بالإسلام بفضل الجيوش المبتعثة من قِبَلِ سيدنا عمر رضي الله عنه؛ فنالت عزها وانفتحت آفاقها- يضمرون عداوة كبيرة لسيدنا عمر رضي الله عنه، وبدلًا من أن يتوجهوا له بكل تقدير واحترام، ويدينوا له بالوفاء والولاء، ويحملوا له كلّ مشاعر الشكر والامتنان إذ بهم يرونه -حاشاه- جديرًا بكل إهانة واحتقار، على حين أنه لولا سيدنا عمر رضي الله عنه فمن يدري فربما كانوا ما يزالون يعبدون النار، ويؤمنون بالخرافات، ويتبنّون الاعتقادات الباطلة، فيا ليتهم يعرفون أنهم ما وصلوا إلى الإسلام الذي يعايشونه بهذه الطريقة أو تلك إلا على يد سيدنا عمر رضي الله عنه، ويا ليتهم يقرون له بالجميل!

إن نبينا صلى الله عليه وسلم بمقتضى هذه الآية قد ألقى البذور، ورحل إلى ربه دون أن يلتفت وراءه، فتحوّلت هذه البذور بإذن الله وعنايته إلى شتلات، حتى صارت أشجارَ دلبٍ تمتد أغصانها ذات اليمين وذات الشمال، يُذكر عن “كارل ماركس” المعروف بعداوته الشديدة للإسلام والمسلمين أنه تكلم عن عشرين دولة تشكلوا من خلال هذه البذور التي نثرها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبفضل هذه البذور أيضًا تشكلت بعد النبي صلى الله عليه وسلم العديدُ من المجتمعات والشعوب والدول التي تتبنّى الكثير من الفلسفات الجديدة والأنماط الفكرية والرؤى العالمية المختلفة، وأخرجت القيمُ السماويةُ التي قدمها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم للبشرية الكثير من العلماء والأدباء والفنانين والقادة ورجال الدولة، وغيرت هذه القيم مصير البشرية.

والخطاب في هذه الآية كما في الكثير من آيات القرآن الكريم موجَّهٌ إلى جميع المؤمنين في شخصِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل يجدر أن نقول إن المقصد الأساس في الآية هو تعليم المؤمنين أكثر من النبي صلى الله عليه وسلم المنهجَ الفكري السليم، أو كما يقول المثل العربي الشهير -لو جاز التعبير-: “إياكَ أعني واسمعي يا جارة”، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان على وعي بهذه المسألة في الأصل، فقد كان يؤدي وظيفته، ولا يتدخل في شؤون الربوبية، لأنه أصدق ممثل لها، لكن هناك أمور يُخاطَب بها المسلمون في شخص النبي صلى الله عليه وسلم على اعتبار أنه الممثل للدين والمبلّغ له، فلو لم نعدّ أوامرَ القرآن الموجهة لنبي القرآن صلى الله عليه وسلم خطابًا مباشرًا لنا لتعذر علينا أن نفهم رسالة ربنا بكل أعماقها وأبعادها.

وفي هذا الصدد يقول بديع الزمان سعيد النورسي: “إن الذين يعملون في طريق الـحق ويـجاهدون في سبيلـه، في الوقت الذي ينبغي لـهم أن يفكروا في واجبهم وعملـهم فإنهم يفكرون فيـما يـخصّ شؤون الله سبـحانه وتدبيره، ويبنون أعمالـهم عليه فيـخطئون، فعلى الـمرء أن يؤدّي واجبه ولا يتدخل بتدبير الله سبـحانه وقَدَره”[1].

وهذه الفكرة بالغة الأهمية بالنسبة لمن نذروا أنفسهم اليوم للخدمة الإيمانية والقرآنية، فما يقع على عاتقهم هو بث إلهامات أرواحهم في الصدور المحرومة، وتبليغ قيمهم إلى كل أنحاء العالم، وتوصيل أصواتهم إلى الجميع، أما بالنسبة لعاقبة هذا ونتيجته؛ متى وكيف يكون، فهذا أمرٌ يرجع إلى الله عز وجل لا غير، وما يقع على عاتقنا هو عدم التفكير في كل هذا، يجب أن يكون أساس مهمتنا هو الدستور القائل: “ألق البذرة، وليرعها من يرعاها، وليحصدها من يحصدها، وليحفظها في مستودعها من يحفظها”، بل ينبغي للإنسان أن يرحل عن الدنيا ناسيًا أو متناسيًا ما فعل من خيرات، إلى أن يصعب حتى على الذين يقتفون الآثار معرفة واقتفاء أثر نسبة ذلك إليه، يجب أن تظل الأسئلة من قبيل “مَن ألقى هذه البذرة؟ مَن غرس هذه الشتلة؟” بلا جواب.. فكل هذا ليس مهمًّا، فحتى وإن كان فاعلُها مطمورًا فستذكره الأمة كذكرى جميلة، وتقول: “جزى الله خيرًا من ألقى هذه البذور أيًّا كان هو”.

فلو ملكت هذه الأفكارُ والمشاعرُ على الإنسان جوانحه، فسيعيش بوعي الوظيفة وأداء الواجب فقط، وسيفكر في كيفية استغلاله لموقعه بشكل مثمر، وسينشغل فقط بأداء الأعمال والخدمات التي يتيحها له موقعه ووظيفته، وسيحاول استغلال الإمكانات التي بحوزته بقدر ما يستطيع، وسيعمل على اقتناص الفرص التي تواتيه، ولن يتشوف إلى أي أجر أو مقابل لكل ما يقوم به من خدمات، فإذا حان أجله انسلخ من الدنيا ورحل عنها دون أن يلتفت وراءه، مطمئنًّا لكونه قام بالمسؤوليات التي تقع على عاتقه، ولا ينتظر حتى أن يقول الناس عنه وهم يصلون عليه الجنازة: “اللهم إننا راضون عنه”، لأن مثل هذا التشوف في الدنيا يُعدّ بمثابة عقبة كؤود أمام ما ينتظره في الآخرة؛ فما يكتسبه الإنسان من نِعم دنيوية يقلِّل بقدره من نعم الآخرة.

ولذلك نرى مهموم هذا العصر الذي ظل حريصًا على الإخلاص طوال حياته، وعاش بإخلاص تام يوصي طلابه “بعدم إعلام موضع قبره حفاظًا على سر الإخلاص ولئلا يجرح الإخلاص الذي في رسائل النور، فأينما كان الشخص سواء في الشرق أو الغرب وأيًّا كان فإن ما يقرؤه من الفاتحة يصل إلى تلك الروح”[2]، فما أهمية أن يعرفه الناس أو يجهلوه إذا عرفه الله! هذه هي الفكرة التي لا بد أن يتبنّاها المحتسبون الذين نذروا أنفسهم للخدمة الإيمانية؛ عليهم أن يقوموا بخدمات تقرّ بها العيون وتغبطها القلوب، لكن عليهم أن يواصلوا حياتهم كالمجهول، ثم ينضموا بعد ذلك إلى جيش المجاهيل، ويدَعوا أنفسهم بين شلالات مجهولٍ تجري إلى بحرٍ مجهول يذوبون فيه ويتلاشون.

***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة السابعة عشرة، المذكرة الثالثة عشرة، ص 180.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: السيرة الذاتية، ص 523.

الثبات أمام النعم الدنيوية

Herkul | | العربية

إن التغيُّر والتحوُّلَ السلبيَّ أشبه ما يكون بالفيروس والميكروب الذي إن التصق بالإنسان لا يتركه بسهولة ويسر، وإنما يلازمه ويتسلّط عليه، بالضبط كالميكروب الذي يستقر في جذور الأسنان وبعد فترة وجيزة يتكاثر بالآلاف ليصيبها بالعفن، فالتحوُّل السلبيُّ متى ما طرأ على الإنسان وأبدى له الإنسان استجابةً ولو بطرف لسانه، لا يمكن ردعه بعد ذلك، وكلُّ تنازلٍ يستدعي ويُولِّد تنازلًا آخر وراءه، وعندما يبتعد الإنسان عن قِيَمه الذاتية ويبدأ بالتغير والتحول يتقاذفه الشيطان والنفس، ويجعلانه يعيش في انحرافات ما كان له أن يتخيلها في بداية الأمر، وما إن يدخل الدائرة الفاسدة تلك حتى يخرج منها شخصًا آخر مختلفًا بالكلية مثل “بلعم بن باعوراء”.

   التعساء الذين وقّعوا على هلاكهم

وفقًا للروايات الواردة فإن بلعم بن باعوراء كان من العارفين لاسم الله الأعظم، وكان عندما يرفع رأسه للسماء يستطيع رؤية العرش الأعظم، وكان من الصالحين الذين لا ترد لهم دعوة، وبحسب رأي جمهرة المفسرين فإن قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/175) تشير إلى بلعم بن باعوراء دون ذكر اسمه، وفي تتمة الآية يقول الحق تعالى مبيّنًا كيف صارت عاقبته: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/175-176) فرغم أن الجانب السماوي كان هو الغالب عند بلعم بن باعوراء لكنَّ الشيطان والنفس تمكّنا من خداعه، ليتعثر بالدنيا ويخلد إلى الأرض.

وهناك منقبة أخرى مماثلة وهي: أن سيدنا موسى عليه السلام وهو في طريقه إلى جبل الطور قابل شخصًا فقيرًا معدَمًا ينام على الرمال ويرتدي ثيابًا رثّة، فطلب من موسى عليه السلام أن يعرض حاله على الله قائلًا: “اعرض حالي على الحق تعالى واسألْه أن يوسّع علي رزقي”، فيتوجه موسى عليه السلام إلى الله تعالى يسأله أن يغني الرجل، ولكن الله تعالى يُعلِم موسى عليه السلام أن الفقر أصلح لحال ذلك الرجل، فيعود موسى عليه السلام للرجل ويخبره بذلك، إلا أن الرجل يصرّ على سيدنا موسى بأن يدعو الله له بالغنى، وفي النهاية يدعو سيدنا موسى عليه السلام ويستجيب الله دعاءَه، ويبارك له في أغنامه القليلة لتصبح مع الزمن قطعانًا ضخمة، وبعد مرور حقبة من الزمن يمر سيدنا موسى عليه السلام بتلك المنطقة مرة ثانية فإذا به يجد الناس مجتمعين لإعدام رجل، ويسأل فيعلم أن هذا الرجل هو الذي قابله فقيرًا منذ سنوات، وعندما يستقصي سيدنا موسى عليه السلام عن أصل المسألة يخبره الناس بأن هذا الرجل عندما منّ الله عليه بالمال والإمكانيات المادية تغيّر حالُه وتبدّل، واغترّ بماله وثروتِه، وذاتَ يومٍ سَكِرَ سكرًا شديدًا فقتل رجلًا دون أن يشعر، ولذلك استحق الجزاء بالإعدام.

ليس المهم بالنسبة لنا هنا هو صحة الرواية من عدمها ولكن المهم هو المعنى الذي يُستفاد منها.. ويذكر لنا القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة الكثير من الأمثلة للعبرة والاتّعاظ، وعلى سبيل المثال فقد وردَت في السنّة قصّةُ الرجل الذي أضلّه غناه وأغواه، كان ثعلبة من أمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، إلا أن ثروته أسكرته فَطَارَ عقلُه وتكدّر بصرُه، وبدخوله في الدائرة المفرغة للتغير السلبي أمضى توقيعه على هلاكه، فأصبح من التعساء الخاسرين.. إذًا فالتبدل والتغير السلبي يفتح على صاحبه بابًا من الغوائل والمصائب، وإن لم يحدث هذا في الدنيا ففي الآخرة يقينًا.

   دائرةُ التبدُّلِ الفاسدة

إن الذين تيسّرت لهم بعضُ الإمكانيات فقاموا بإنفاقها على كيفهم وراحتهم ورفاههم؛ هؤلاء يدخلون في مرحلة التبدل، أمسُهم مختلفٌ عن يومهم وغدُهم مختلفٌ تمامًا، فهؤلاء وإن حافظوا على تديُّنهم وأخلاقهم حال فقرهم وعجزهم؛ فإنهم عندما تسنح لهم الفرص يَفسدون فورًا ويُصبحون عرضةً للتحلل والانحلال، وبعض هؤلاء المساكين الذين دخلوا في الدائرة الفاسدة للتبدّل يتحولون إلى قارون الذي قال ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (سورة القَصَصِ: 28/78)، والبعض الآخر يصير كفرعون الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ (سورة النَّازِعَاتِ: 79/24).

والتبدل بكل صوره وأشكاله، ينفتح بزاوية صغيرة في المركز ولكن مع مرور الأيام تتّسع الدائرة وتكبر، وبعد فترة وإن كان يظن نفسه يسير في هذا الطريق إذا به انحرف عن الطريق منذ أمد بعيد، ومثل هذا الشخص قد يؤمن بالله قولًا، ولكنه يحيا كما توجّهُهُ نفسُه عملًا وحالًا، قد يسلك الطريق على غرار أمثال سيدنا موسى عليه السلام ولكن عندما يقترب من نهاية الطريق يتحول دون أن يشعر إلى أمثال قارون، وقد يبدأ السير بأداء يشبه المسيح عليه السلام ولكن في مرحلة ما يتحول إلى “دقيانوس”، لأنه متى ما بدأ الإنسان في التغير والتبدل السلبي لا تدري أين سينتهي به الأمر في نهاية المطاف، فهو يصل إلى درجة من التحول والتغير بحيث لو التقطْتَ له صورةً وهو في حاله القديم وقدَّمْتَها إليه لما استطاع أن يتعرَّف على نفسه.

إن العوامل التي تدفع الناس نحو التغير السلبي مختلفة؛ فالبعض يتغير وهو يلهث وراء تقلُّد المناصب والمواقع، والبعض وهو يحاول تحقيق الشهرة والصيت، والبعض يغيره الشعور بالاسترخاء والراحة، والبعض الآخر تغيره الملذات الدنيوية كالطعام والشراب، وهناك كثيرون ساروا على نهج الأنبياء، لكنهم بعد مرحلة معينة من ذلك الطريق الذي ساروا فيه صاروا مثل قارون وفرعون، وما ذلك إلا لأنهم صاروا فيما بعد عبيدًا للثروة أو لأنهم ألَّهوا بعض الأشياء المادية الموجودة في هذه الدنيا.

وآخرون دخلوا في الحياة السياسية وهم يحملون نيات طيبة في بداية الأمر، وطلبوا المناصب، إلا أنهم تعرضوا في هذا السبيل بعد مدة لتسمّم السلطة؛ كان هؤلاء الناس يبدون متواضعين في البداية ويسجدون معكم جنبًا إلى جنب، لكنهم بعد ذلك تألّهوا فجأة، وصاغوا القوانين وشكلوا الأنظمة جميعها وفقًا لمزاجهم، واستعبَدوا الجميع لأنفسهم.

ينبغي ألا يُعتقد أن شخصيات قارون وفرعون والسامري وبلعم بن باعوراء عاشوا في مرحلة من مراحل التاريخ وولوا بلا رجعة؛ ففي عصرنا هذا يوجد الكثير من أمثالهم؛ تعرضوا لتغييرات مستمرة بسبب طول أملهم وتوهّمهم الخلود، ففي الطريق الذي ساروا فيه رافعين لواء “الدين” و”الديانة” صاروا لاهثين وراء الدنيا، بل إنهم رضوا عن بعض الأشياء الإلحادية، وهذا يعني أنه مهما بدا هذا النوع من الناس بشرًا ظاهرًا إلا أنهم مُسخوا سيرةً، تمامًا مثلما مُسخ بعض الأقوام الذين ورد الحديث عنها في القرآن الكريم، لكنهم لم يستطيعوا إدراك هذا، مخدوعين بسيماهم المنعكسة على المرايا.. لهذا السبب أيضًا واصلوا السير في الطريق الذي يسلكونه، وارتكاب السيئات التي يفعلونها، لا يسمحون أبدًا بكشف أخطائهم وزلاتهم، وإذا تجرأ أحدٌ على القيام بذلك اتخذوا موقفًا جادًّا تجاهه وبدؤوا في معاداته، بيد أن أصحاب البصيرة يرون ويفطنون كيف غيَّرَ أمثال هؤلاء الناس من ماهيتهم وهويتهم.

   الوقوف بحزم إزاء التغير السلبي

 في هذا العصر الذي اتبع الناس فيه أهواءهم بشكل كبير يجب على من نذروا أنفسهم لخدمة الإيمان والقرآن خاصة أن يكونوا أكثر حساسية وحذرًا في مسألة التغير السلبي، وأن يكونوا أكثر ثباتًا على موقفهم، ويجب عليهم أن يُحافظوا حتى النهاية على الفلسفة ونمط التفكير والرؤية العالمية التي بدؤوا بها طريقهم، وعليهم كذلك وهم يودّعون الدنيا أن يودّعوها في درجة أعلى بكثير من تلك التي كانوا عليها حين جاؤوها، يجب أن يحافظوا حتى النهاية على الرغبة والشوق الذي أحسُّوه عندما بدؤوا طريقهم، وألا ينهزموا للدعة والكسل، وألا يسمحوا للقيم التي يمتلكونها بأن تذبل وتشحب فتتلاشى.

إن أفكارًا من قبيل؛ “الآخرون يستفيدون من الدنيا هكذا فلنفعل مثلهم؛ وهؤلاء يَطعَمون هذا العسل، فلنغترف مثلهم”؛ هي نوع من التغير السلبي بالنسبة لمن نذروا أنفسهم لخدمة الإيمان والقرآن، ولقد شرَّف مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم الدنيا في منزل فقير بساطُه الحصيرُ، وسار إلى أفق روحه وجوار ربِّهِ على نفس الشاكلة دون أن يغير موقفه وسلوكَه أبدًا.

ولقد انزعج صلى الله عليه وسلم من الرغبات الدنيوية لأزواجه، فانزوى بركنِهِ واعتزلهنّ مدةً من الوقت، ولما جاءه سيدنا عمر رضي الله عنه ووجد نبيَّنا عليه الصلاة والسلام يرقد على حصير على هذا الحال حتى إن أثر الحصير بدا واضحًا في جنبه المباركِ؛ أخذ يبكي، فلما سأله الرسول صلى الله عليه وسلم عن سبب بكائه: “مَا يُبْكِيكَ؟” أجابه رضي الله عنه بقوله: “يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ!”، فقال له عليه الصلاة والسلام: “أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ[1].

بعد أن شرَّف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الدنيا عاش تغيرات حقيقيّة؛ فقد عرج إلى السماء، حتى إنه فاق جبريلَ والملائكةَ فيما وصل إليه من مكانة، وكانت هذه التغيرات تعني التطوّر والارتقاء معنويًّا وأخرويًّا وملكوتيًّا، ولا ينبغي الخلط بين هذه التغيرات وتلك التي تقع نتيجة الانخداع بالدنيا ومفاتنها؛ أي إن هناك تغيرات تقرّب المرء من الله ورضوانه ورضاه، ومن الجنة ونعيمها.. وهناك تغيرات تؤدي بالمرء إلى المصيبة والتهلكة، وما يجب الابتعاد عنه وتجنبه من تغيرات هو ذلك النوع الثاني.. فعلينا أن نسعى للارتحال من الدنيا كما جئناها.

ومن المقومات المهمة التي تحافظ على الإنسان من التغيّر والتبدّل السلبي الاستغناءُ وعدم التشوّف لشيء، وعدم ربط الخدمات المنجزة بأي مقابل؛ دنيويًّا كان أو أُخرويًّا، فمن الصعوبة بمكان بالنسبة لمن يطمعون في الدنيا وما فيها أن يحافظوا على مواقعهم ومواقفهم في مواجهة العروض المبهرة التي تعِنُّ لهم؛ فمثلُ هؤلاء الأشخاص “يمكن شراؤهم” من قِبَلِ الآخرين.. في حين أن من ابتغوا رضا الله ينبغي لهم ألا يُباعوا أو يَطمعوا في أي شيء دنيوي على الإطلاق، وألا يحنوا ظهورهم ويُطأطِئوا رقابهم لأحد أبدًا، يجب عليهم أن يكونوا في القمة من الصمود والشموخ والتصميم، وألا يقعوا تحت منّة أحد، وإن مَن يضعَفُ أو يتنازل ولو مرة واحدة في هذا المضمار فقد سلك طريقًا مجهولًا ودربًا لا تُعرَفُ عاقبته.

لذا فعلى الذين نذروا أنفسهم لخدمة الإيمان أن يعزموا تمام العزيمة على ألا ينحرفوا عن الطريق الذي سلكوه قيدَ شعرة، وكما أنهم لم يبرحوا السير على الصراط المستقيم فيجب عليهم أن يُمسكوا بأيدي رفاق الدرب، وأن يبذلوا قصارى جهدهم لمنعهم عن الانحراف هم أيضًا، وإذا ما رأوا فيمن حولهم علامات على التغير والتبدّل السلبيّ وجبَ عليهم أن يُنبهوهم بأسلوب ملائم وبطريقة لا تتسبب في نفورهم، وأن يساعدوهم على إدراك الاستقامة من جديد، يجب أن تظلَّ أعينُهم مفتوحةً دائمًا في مواجهة الانحرافات؛ تمامًا مثل الجندي المناوب على الجبهة، وعليهم كذلك أن يسعوا إلى تجاوزِ وإصلاحِ أخطائهم وعيوبهم بكل السبل.

وقصارى القول؛ إن كنا لا نريد أن نكون ممن يخسرون ونحن في طريقنا إلى الجنة، ولا نريد أن نتعثر على الطرق المستقيمة، فيجب أن نصمد في مواجهة التغيُّر والمتع الدنيوية، وأن ندعو الله باستمرار أن يثبّت أقدامنا، وأن نتحلى بالصبر في مواجهة مفاتن الدنيا المغرية، وأن نكون على يقظة وحذر دائمين من الدنيا حتى لا تُسلب عقولنا ولا تزيغ أبصارنا.. إن كنا لا نريد أن يَطالَنا تغير وتحوُّلٌ سلبي، ولا أن نتعرض لعناء الطريق ومشقّته، ولا أن تنقطع بنا السبلُ فعلينا أن نتتبّعَ العرفانَ والمعرفةَ واليقين حذوَ النعل بالنعل وحذوَ القُذّة بالقذّة، وإن كنا لا نريد الابتعاد عن الله تعالى عند مواجهة الإمكانيات الدنيوية فعلينا أن نجدد عهدنا وولاءنا لله رب العالمين في كل موضع ومرحلة من الطريق.

***

[1]  متّفق عليه.

الدعاء الذي تعلمه سيدنا أبو بكر الصديق من رسول الله صلى الله عليه وسلم

Herkul | | العربية

   سؤال: سأل أبو بكر الصديق رضي الله عنه النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يعلّمه دعاءً يدعو به في الصلاة، فقال صلى الله عليه وسلم: “قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ[1]، فما الرسائل التي يوجّهها لنا هذا الدعاء؟

   الجواب: لقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه رجلًا ورعًا شديد التواضع، التزمَ الحساسية والدقّة المتناهية في حياته، وكمثالٍ على ذلك فلقد حدث أن قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات يوم: “مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ، لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ“، وعندما طرقت أذنَ أبي بكر الصديق تلك الكلمات قال مرتعدًا من تلك العاقبة السيئة: إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ ثَوْبِي يَسْتَرْخِي، إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مهدئًا من روعه: “إِنَّكَ لَسْتَ تَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلَاءَ[2].

لقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه من أوائل المؤمنين، وهو يصغر الرسول صلى الله عليه وسلم بعامين فقط، ومن ثم عايش المصطفى صلى الله عليه وسلم في مرحلة الطفولة والشباب، ومع أن ذلك قد يكون عقبةَ في طريق الإيمان إلا أنها لم تمثل أية عقبة له، بل إنه أول ما دعي إلى الإيمان أجاب مباشرة وبدون أدنى شبهة أو تردّد وعاش عمره كلّه بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحَبَ مفخرةَ الإنسانية صلى الله عليه وسلم في رحلة الهجرة واختبأ معه في غار ثور، وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن سيدنا أبا بكر وسيدنا عمر وزيراه من أهل الأرض[3]، ومن ثم فإنه أحد السعداء الذين عاشوا الإسلام وفهموه فهمًا سليمًا، وممّا يُؤسَفُ له أن بعضَ التعساء يشنعون على وزيرَي رسول الله من أهل الأرض ويسيئون إليهما رضوان الله عليهما.

   أفق العبودية الحقّة

لقد توجّه صرحُ المعرفة هذا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يطلب منه أن يعلّمه دعاءً يتضرع به إلى الله في صلاته، فيقوم الرسول بتعليم صديقِهِ الصدّيق الذي يطلب المعية معه هذا الدعاءَ الذي يعبّر عن التواضع والمحوية والخجل، ولو أن لدينا صديقًا كهذا يتحلى بالتواضع والإخلاص وسألَنا أن نعلّمه دعاء فإننا سنمطره بالمدح والثناء، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بدلًا من أن يقول له ما قد يسعد قلبه من ثناء؛ فقد اهتمّ بالأمور التي ستسعده في حياته الأخروية، ولم يمنحه المقامات والحظوظ الدنيوية، بل على العكس تمامًا فقد راح يوجّهه إلى أفق العبودية الحقة لله تعالى.

ويبدأ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء بتلك الكلمات: “اللَّهمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا“، فلا يكتفي بأن يذكر كلمة الظلم بصيغة المفعول المطلق وما تحمله من دلالات تأكيدية بل يضيف إليها قيدًا لفظيًّا آخر، وهو: “كثيرًا”، وهكذا يكون فخر الإنسانية صلى الله عليه وسلم يقول لأقرب أصدقائه ناصحًا إياه أن يقول وهو بين يدي ربه: “كم ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا! وارتكبت من المعاصي ما لا يوصف ولا يسمى!”..

ويكمل الدعاء بقوله: “وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ“، وبهذه الإفادة يؤكد على أن الله وحده هو من يغفر ويعفو عن الذنوب، ويكمل بعدها بقوله: “فَاغْفِرْ لِي مغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي“، ويشتمل الدعاء على المعنى التالي: “يا رب! إنني لا أدري كيف ستغفر لي المعاصي التي ارتكبتها وهي كأمثال الجبال! ولا كيف يمكن أن تغفر لي وأنا حمّالُ المعاصي والآثام! فكيفما ستعفو يا الله بالتفاتك الخاص لحالي اعفُ عني وارحمني!”، ومن بعدها يقول: “إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمِ“، وبهذه العبارة فهو يتوجه مرة ثانية لرحمة الله ومغفرته.

من المعلوم أن الصلاة لا يصح فيها شيء من كلام البشر، ولذلك ينبغي أن تكون هناك حساسية عالية لما يردده المرء من أدعية أثناء الصلاة، فهذا الأمرُ مهمٌّ وحسّاس، لا سيما عند الأحناف، فهم لا يجيزون للمصلي أن يدعو أثناء صلاته إلا بأدعية قرآنية أو مستمدة من الأحاديث النبوية المشهورة والمتواترة، فأثناء توجهنا لجانب الحق جل شأنه وعندما نفرد أجنحتنا محلقين في طريقه فلا بد أن تكون ريشات أجنحتنا مستمدة منه سبحانه، لكنّ باقي المذاهب تتوسّع في هذا الأمر قليلًا، ولأن هذا الحديث الشريف من الأحاديث المأثورة ونُقل إلينا عبر قنوات صحاح؛ فالدعاء به أثناء الصلاة لا يكون محذورًا، ولا سيما أن سيدنا أبا بكر رضي الله عنه قد طلب دعاءً يتضرّع به في الصلاة على وجه الخصوص.

ويجوز الدعاء أثناء القيام والركوع والسجود في الصلاة، ولكن للدعاء أثناء السجود الأفضلية، فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: “أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ”،[4] ولأن السجود ذروة العبودية، فيوصينا الرسول صلى الله عليه وسلم ونحن في أقرب مكان من الله أن تكون أصواتنا وأنفاسُنا تلهج بدعاء الحق جل جلاله.

   مكانة سيدنا أبي بكر

عندما ننظر إلى حياة سيدنا أبي بكر رضي الله عنه نجد أنه قامةٌ شامخة؛ لم يرتكب -بحسب قوله نفسه- أي نوع من الحرام لا بعد الإسلام ولا قبله، وكانت نظرة سيدنا عمر إليه رضي الله عنهما هكذا: “لَوْ وُزِنَ إِيمَانُ أَبِي بَكْرٍ بِإِيمَانِ أَهْلِ الْأَرْضِ لَرَجَحَ بِهِمْ[5]، ويُحتمل أنه بعد إسلامه لم يمر حتى بخياله ولا بحلمه الإثم والظلم، ولو أن شهادتي تُقبل بحقه لشهدت بذلك أنا أيضًا، لكن ما قيمة شهادتي والملائكة في السماء شهودٌ له!

إن توصية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدَنا أبي بكر بدعاء كهذا تظهر مدى تواضع سيدنا أبي بكر، وقدرته على الاستيعاب والتفهم.. إنه يعرف مكانه ويدرك موقفه أمام الله تعالى، ورسولُ الله أيضًا قال له ما قال لأنه علم أنه رضي الله عنه على وعي وإدراك لتلك الخصائص، ولما كان يعلم يقينًا أنّ صاحبه في الغار يمحو نفسه ويطهّرها باستمرار، وقد جعل التواضع والتفاني عمقًا في طبيعته فقد كان عليه الصلاة والسلام واثقًا من أن صاحبه سيتقبل هذا الدعاء بكل أريحية، وإلا فإن انزعاجَ إنسان -حفظنا الله- من النصيحة بمثل هذا ومقابلتَه بردّة فعل سلبية؛ يكون سببًا في سقوطه وهلاكه، ومع أن سيدنا أبا بكر لم يذكر شيئًا يتعلق بعدد مرات قراءته لهذا الدعاء لاحقًا؛ إلا أنه ربما يكون قد اتّخذه لصلواته وِردًا وللسانه ذكرًا.

وعلاوة على ما سبق فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن خلال هذا الدعاء قد أعطى رسائل مهمة للأجيال اللاحقة من بعده، وبعبارة أخرى: كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي أمته رسالةً في شخص هذا الإنسان؛ إذ يعرف أن ذلك الشخص قدوة طيبة للغاية، فإذا كان سيدنا رسول الله يُوصي أقرب صحابته إليه -رفيقه في الغار والذي قال عنه “وزيري”- بأن يدعو هكذا، وأن ينظر هكذا إلى نفسه؛ فعلى أية حال يجب علينا نحن أن نكون أكثر حساسية ودقة في هذا الشأن.

والواقع أن هذا الدعاء يتطابق معنًى مع أدعية سيدنا آدم وسيدنا يونس عليهما السلام التي وردت في القرآن الكريم؛ إذ يقول سيدنا آدم عليه السلام متضرعًا إلى الله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/23)، ويقول سيدنا يونس عليه السلام: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة الأَنْبِيَاءِ: 21/87).

   مفتاح الخير كله: التواضع والتفاني

أجل، إن الحق تعالى يستطيع أن يسمو بنا ويرفعنا بالتفاتاته السبحانية، وإحساناته الربانية، وإكراماته الإلهية، ويمُنَّ علينا بواردات وَهِبات مختلفة، فإذا ما بذلتم مجهودًا جادًّا للتوقف عن تخيُّل أنفسكم دائمًا في قاع البئر، ومشاهدةِ السماء من هناك وبذلتم جهدًا حقيقيًّا للحصول على أوجه الحسن والجمال التي ترونها فإن الله تعالى قادر على أن يبارك في قليلكم ويكثره ويزيده، إن تحبوا الله يُحببكم، وإن تطلبوا رضاه يرضَ عنكم، إن تبكوا مثل أيوب عليه السلام، وتفيض دموعكم مثل الجداول فإنه لا يردّكم خائبين، ويجعل دموعكم وسيلة إلى الهدف، فقد قال في حديث قدسي: “إِذَا تَقَرَّبَ العَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِذَا أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً[6]، أي إنه يقابل أبسط قُربات العبد بأضعاف أضعافها.

وعليه فإن الله تعالى لا يترككم وحيدين، وإنما يوصلكم إلى القمم من خلال ترقيتكم بكل عمل صالح تعملونه، وبفضل العبادة والطاعة يأتي يوم تحدون فيه أنفسكم في السماوات، وتنظرون إلى كل شيء نظرة مخروطية، وحين يصل الإنسان إلى نقطة كهذه يجب عليه ألا يُهمل قول: “يبدو أنني تائه! فهذه منزلةٌ لم أكن أنا الحقير أهلا لها!”، وحتى وإن قَدِر على إنجاز أعمال عظيمة جدًّا، وأدى مهام كبيرة للغاية، وحقق نجاحات مُبهرة فيجب عليه ألا ينسى أن “النفس أدنى من الكل، والوظيفة أسمى وأعلى من الكل”، وعليه أن يمتثل قول الشيخ محمد لطفي أفندي:

الجميع جيدون وأنا الحقير

كلُّ عبدٍ هو قَمْحٌ وَحَسَن

الجميع قمح، وأنا التبن

وَوَحْدِي أَنَا التِّبْنُ وَوَحْدِيَ الْقَبِيحُ

وإلا فإن من يرى نفسه في القمم، وأسمى من القمم لا مفر من أن ينقلب على رأسه يومًا ما؛ فيتدحرج في وادي غيٍّ دون وعي.

الواقع أن هذا إحدى ثنائيات المؤمن، فمن ناحية تسعون إلى معرفة الحق تعالى بأسمائه وصفاته، ومن ناحية أخرى تكونون حذرين، واعين بموقفكم وحقيقتكم مهما ارتقيتم وعلوتم.

وزيادةً في التوضيح تستطيعون أن تكونوا وسيلةً لتشكّلات وانفتاحات وفتوحات جديدة كي يتردد اسم الحق وتحلق الروح المحمدية في جميع أرجاء الأرض، وإلى جانب رقيّكم الشخصي تكونون وسيلةً لرقيّ وازدهار روح الإسلام والإحسان، ولكن العظمة الحقيقية هي عدم الانهزام للعُجب والغرور إزاء هذا كله؛ والتخلص من فكرة “أنجزنا أعمالًا عظيمة”؛ فكما أن الكبر والغرور مفتاح جميع الشرور؛ فإن التواضع والتفاني والحياء مفتاح جميع الخيرات.

لهذا السبب يجب على المؤمن دائمًا أن ينحني تواضعًا مثل العصا إزاء كثرة النعم التي يحظى بها، وروعة الإنجازات التي يُوفَّق إليها، فما يليق بالمؤمن ليس التكبر والتفاخر إزاء النجاحات والإنجازات، بل تفكّره بأخطائِه وذنوبِه مثلما فعل سيدنا أبو بكر، ولجوؤُه إلى رحمة الله تعالى ومغفرته، ذلك أن مضاعفة الله تعالى مظاهر إحسانه وإكرامه وإنعامه على عبده مرهون بتواضعه وتأدبه دائمًا أمام ربه تعالى، على العبد أن يشعر كلّما رفعه الله تعالى، بأنه في بئر أعمق، فإن تصوّرَ أن مظاهر الإحسان والحظوة التي نالها هي من عمل نفسه ومن عنده سلبه الله تعالى إياها يومًا ما.

ويمكننا هنا أن نتذكر قول سيدنا عليٍّ رضي الله عنه: “كُنْ عِنْدَ النَّاسِ فَرْدًا مِنَ النَّاسِ”، ومن يعيش وفقًا لهذه الفكرة فقد ابتعد عن فكرة التفوق والتعالي على الغير، وتخلّص من مرض رؤية النفس أسمى من الآخرين، بل يجب على المؤمن الحقيقي ألا يرى نفسه أفضل ممن يبدون مجرمين ومذنبين؛ لأن الله فحسب هو من يعلم الوضع الحقيقي لكل إنسان، وهو المطلع على قلبه.

وحاصل الكلام أن ما يضمن طلب المؤمن الذُّرى دون أن تزلّ قدمه ولا يزيغ بصره، وبقاءه في أمن وطمأنينة مرهونٌ برؤيته نفسَه إنسانًا عاديًّا يسير على الأرض، مهما ارتقى، ومهما حلّق في الآفاق وطاف.

***

[1]  صحيح البخاري، الدَّعَوات، 16.

[2]  صحيح البخاري، المناقب، 33؛ صحيح مسلم، اللباس والزينة، 42.

[3]  سنن الترمذي، المناقب، 46؛ مسند الإمام أحمد، 1/134.

[4]  صحيح مسلم، الصلاة، 215.

[5] البيهقي: شعب الإيمان، 1/143

[6] صحيح البخاري، التوحيد، 50؛ صحيح مسلم، الذكر والدعاء، 2.

الأجيال التي نشأت في فراغ إيماني ورموز الإصلاح

Herkul | | العربية

من المؤسف أننا نعايش ومنذ عدة قرون موجةً لإبعاد الناس عن الإيمان بالله تعالى، واستئصالِ حبِّ النبي عليه الصلاة والسلام من الأذهان، وإمحاءِ حسّ العبودية، فلم يبق هناك شعورٌ بالخضوع والخشوع، وترَكَ الإسلام الحقيقي مكانه للإسلام الشكلي الظاهري، إلى أن ذاب الحماسُ وانمحق من القلوب، وضاعت الحساسية في المشاعر تجاه الحق تعالى، انسلخت الأرواح وولّت، وخَبَتْ حياةُ القلب، وتلوَّثَ المنطقُ والمحاكمة العقلية بلوث العصر، وانهزم البشر لأهوائهم ونزواتهم، ويشيرُ إلى ذلك الأستاذ “بديع الزمان سعيد النورسي” بقوله: “قلعةٌ خربةٌ منذ قرون”، أما الشاعر “محمد عاكف أرصوي” فإنه يصور الحقبة التي عاشها بهذه المصاريع:

أينَ الإسلام؟ بل أين الإنسانية؟

لقد افتقدناهما كلّيًّا وبالتمام

 

فإذا كانت الغاية خداع العالم؛

فلن يُخدَعَ أحدٌ في هذه الأيام

 

وكم من مسلم حقيقي عرفتُ!

إلا أنهم في القبر يرقدون تحتَ الركام

 

لستُ أدري أين أجِدُ الإسلام!

كأنّه في السماوات العُلى فوقَ الغمام!

إذا ما طرحتم الجانب الذي يدفع إلى اليأس؛ فهذه هي حقيقة الأمر، إنها قطعةٌ شعريةٌ رائعةٌ في رسم حالنا وتصويره.

شاشات التلفاز والحاسوب والهاتف تصبُّ باستمرار شتى أنواع اللوث في أذهاننا، والعين تثير المشاعر السلبية، والقدم تنزلق نحو الذنوب مباشرة، والأذن تسمع ما لا ينبغي لها أن تسمعه، واليد تمتد إلى الحرام… وكم من جرائم وجرائم تُتركب بهذه الصورة! يُجرح القلب بضع مرات يوميًّا، وفي الآخرة لا يُقبل إنسان يحمل قلبًا كهذا! ولا سيما إذا كان لا يستشعر غصَّة السلبيات التي يتعرض لها، ولا يتوجه بهذا الخوف إلى رحمة ربه الواسعة! وهذا يعني أنه عندئذ يرحل إلى الآخرة بلا زادٍ زاهدًا ومستغنيًا عمّا عند الله تعالى.

كيف تستشعر هذه الأدمغة -التي تلوَّثت إلى هذا الحد- الحق تعالى بشكل صحيح! وإلى أيِّ مدى تستطيع أن تعرف سيد الأنام! لا أعرف كم مرة يجب أن ننظف أذهاننا يوميًّا حتى يتسنى لنا الاقتراب إلى الأشياء الطاهرة بطهر ونقاء، إن اللامبالاة في مواجهة الذنب والإثم ذنبٌ أكبر من الذنب، وهو مما لا يُغتفر، والتحلُّلُ من المسؤولية بقول: “ما ذنبنا!”، واعتبار المرء نفسه بريئًا إثمٌ عظيم، ذلك أن إنسانَ اليوم ما زال يتصرف وكأن شيئًا لم يكن على الإطلاق.. وكما أن من وُلدوا في الظلام لا يعرفون النور، ومن نشؤوا في الشتاء لا يعرفون الربيع؛ فإن إنسان عصرنا الذي نشأ في حقبة حالكة الظلام منذ ثلاثة قرون مضت دون أن يرى ربيعًا أو صيفًا؛ يجد التلوث والروائح الكريهة المحيطة به أمرًا طبيعيًّا.

ولأننا نشأنا في فراغ إيماني فإننا لا نستطيع معرفة القيم الخاصة بنا ولا نقدرها حق قدرها، وما استطعنا هضمها ولا جعلها جانبًا من جوانب طبيعتنا، ولو أننا استطعنا فعل هذا لَالْتزمنا الاستقامة دائمًا في جلوسنا ونهوضنا ونومنا وحديثنا وتفكيرنا؛ نفكر باستقامة، ونتنفس باستقامة، ونتصرف باستقامة، ونعامل الآخرين أيضًا في إطار الاستقامة، نسأل الله أن يهنأ من عملوا في المساجد ومراكز تعليم القرآن ومدارس الأئمة والخطباء والمدارس الشرعية، وأخذوا بأيدينا.. فلولاهم أيضًا لما تحصَّلْنا ولو حتى على المعلومات البسيطة التي لدينا الآن.

إلا أن ما سمعناه وتعلمناه ظلَّ ضمن أطر التنظير، ولم نستطع أن نجعله جزءًا من وجداننا وضميرنا، وعجَزْنا عن تكوين كرةٍ من المعاني بداخلنا بحيث تُحركنا مثل الدينامو، وتدفعنا باستمرار إلى الخير والاستقامة.. إننا لم نستطع أن ندرك أفق العلاقة التي تقشعر فيها أبداننا عند ذكره تعالى، تأخَّرْنا في معرفة الله ومحبته؛ لأن من علمونا الإسلام دائمًا ما تجولوا حول النظرية، فكانوا لا يدرون شيئًا عن هؤلاء.

   الإسلام الشكلي

وعليه فإن الإسلام الذي يعيشه الناس في يومنا الحاضر إنما هو إسلامٌ تقليدي.. إنهم يعيشون دينهم كما رأوا من أجدادهم، فما تتجاوز العبادات عندهم الشكلَ، لقد وقَعْنا في هذا المَزْلَقِ ولم نُعطَ الفرصة للاطلاع والشعور ومشاهدة حقيقة وعمق الدين الذي نعيشه، لهذا السبب أيضًا لم نستطع أن نرى الإسلام ونتعرف عليه من مستوى وفلك مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم، ظَللْنا بعيدين عن الإسلام الذي عاشه الخلفاء الراشدون والصحابة كل البعد، ما تسنى لنا أن ندرك أفق أمثال الأئمة أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم.. وما استطعنا اتباع منهج الشيخ الجيلاني والإمام النقشبندي ومولانا خالد والإمام الرباني قدس الله أسرارهم؛ ما قدرنا أن نرتقي بعبوديتنا إلى مستواهم، لقد ظَللْنا غرباء وفي منأى عن مشاعر وأحاسيس هؤلاء الأشخاص العظام الذين يقفون حتى الصباح بين يدي الله خشوعًا وخضوعًا والتجاءً وتذلُّلًا وتعبُّدًا.

تُرى لماذا كان مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم يتعبد حتى تتورم قدماه؟ ما الذي كان يُخيف الصحابة الكرام رضوان الله عليهم من أن يموتوا منافقين؟ ما المخاوف التي كانت تُغرق أولياء الله الصالحين في دموعهم؟ إذا ما فُحصت حياة معظمهم بدقة وعناية لما وجدتم ذنبًا ولو بقدر جناح بعوضة.. لقد كانوا يتلوّون ألمًا حتى بسبب بعض المواقف التي قد تعلق بخيالاتهم وتصوراتهم، والتي يعتبرونها من وجهة نظرهم غير لائقة بهم، بل إن معظمهم كان يخاف من ألّا يُختَمَ له على الإيمان.. أحد هؤلاء هو “الأسود بن يزيد النخعي” (ت: 75هـ) من التابعين العظام، حيث راح يبكي بحرقة حين أوشك أن يُسلم روحه إلى بارئها، فقال له قريبُه “عَلْقَمَة بن قيس” (ت: 681م): “ما هذا! هل تخاف من ذنوبك؟” فابتسم سيدنا “الأسود” متألمًا وردَّ عليه قائلًا: “أيُّ ذنب! إنني أخاف من أن أموت على الكفر!”، وبعد موته رآه علقمة في منامه فسأله كيف عامله الله تعالى، فأجابه قائلًا: “والله ما بقيت بيني وبين الأنبياء إلى مسافة أربعة أصابع”.

إن مَن لا يخشى على نفسه من سوء العاقبة هو مَن يجب أن يُخشى عليه مِن سوءِ عاقبته، فَمَن لا يحمل في قبله ووجدانه همَّ وخوفَ الرحيل إلى الآخرة حريٌّ أن يُخاف على عاقبته، إن هؤلاء الأشخاص العظام لما خافوا في الدنيا أمنوا في الآخرة؛ ذلك أنه ورد في الحديث القدسي أن الله تعالى لا يجمع بين أمنين ولا بين خوفين[1]، وبالتالي فإن من يترك لنفسه الحبل على غاربه، ويعيش حياة خالية من قيود الحذر والحَيطة يكون قد عاش الأمن والطمأنينة هنا، ولم يترك شيئًا للآخرة، والحال أنه يجب على الإنسان أن يحمل في داخله دائمًا همَّ الآخرة، وأن يقول: “أنا مرشح للأبدية، لرؤية جمال الله، لمقام يقول فيه تعالى “أنا راضٍ عنك”.. فيستحيل استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير”، ويجب عليه أن يعيش حياة حسّاسةً إلى حد كبير طلبًا لنيل هذه الأشياء الثمينة، وأن ينشغل ويهتم خوفًا من أن يفقدها بعد أن ينالها.

لقد نسينا هذه الملاحظات كلها في ظلِّ عواصف العصر، وظلّ الإسلام مربوطًا بالشكل، وبمعنى أصح لم يبق شيء كثير يمكن أن يفعله المسلمون من أجل إصلاح مستقبلنا.. ومثل هذا الفهم للإسلام لا يمنحنا أيَّ أمل ولا طاقة على الإطلاق، إننا وإن نكرر حياتنا خمسين مرة بنفس المنهجية الدينية التي تعلمناها من أجدادنا فإننا لا نستطيع أن نفعل شيئًا، ولا أن نبلّغ العالم شيئًا على مستوى الخلفاء الراشدين، ذلك أن أولئك الناس غيروا وجهَ العالم في حقبةٍ زمنية قدرُها ربع قرن من الزمان، وتلك النجاحات ليست مما يتحقق بالقوّة أو القدرة فحسب، وليست بإسلام لا يتجاوز كونه شكليًّا؛ إنها قضايا تُحَلُّ بلغة القلب والروح.

وكان “السلطان أحمد” يقول في عصر ازدهارنا:

بفراقك سيدي لم تبق فيَّ طاقة،

تمزق هذا القلب، ولم تبق في العشق محبة

لقد أبكاني أنا المسكين ذلك الحكم والقضا

فلم يتبق من البكاء لسيدنا يعقوب أية نوبة

كم هو مؤلم أن يتحول بنا الحال من مثل هؤلاء السلاطين لأناس مجانين مهووسين بالسلطنة والسلطة! والمجتمع أيضًا متذبذب مثل الأفراد تمامًا، فأحيانًا يسابق الملائكة، وأحيانًا أخرى يعيش انقباضًا مُريعًا، يُضيّق الفضاءات التي في ماهيته ويقلّصها ويخنقها، وبدلًا من أن يعمل على انفتاح فضاءات روحه يحبسها في ضيق الجسم وقوقعته.

إن الناس في عصرنا يعيشون خريفًا حقيقيًّا مقارنة بالعصور الوردية التي كانت في الماضي، والأكثر من هذا هو عجز البعض حتى عن إجراء هذه المقارنة! كم تردينا حتى إننا لا نستطيع الشعور بهذه الأعماق، ولا إجراء هذه المقارنات، إن العالم الإسلامي يحترق مستعرًا، ويُداس شرفنا وعزتنا تحت الأقدام، ومع ذلك لا نحزن ولا نتأثر! إننا نبخل حتى عن أن نذرف بضع قطرات من الدمع في هذا الشأن، وإن كانت الأمارات الخاصة بالبعث والإحياء محفوظة مستورة فإنني أظن أنه لم يحدث جدب ولا جفاف في أية فترة من التاريخ بقدر ما حدث في عصرنا، إنني أتردد دائمًا فيما إذا كان قول هذا صحيحًا أم خطأً.

وبالرغم من كل هذا أتمنى أن يكون لدينا توقع صادق ومخلص، ليتنا نستطيع القول: “تُرى هل هناك زمان أو يوم آخر من أيام الله؟” إنها الأيام التي حلَّق فيها الاسم الإلهي الجليل عاليًا، وعاش الناس حياتهم في طمأنينة خلف سيد الأنام، إن مثل هذا الفضول والتطلع يدفع الناس -على الأقل- إلى البحث عن الأيام الطيبة والمشرقة، يستحيل عليكم أن تجدوا شيئًا ما لم تبحثوا عنه.. وكما هو مذكور في أحد الأحاديث النبوية الشريفة فإن من يعيش بداخله قلقًا وهمًّا يخرج في رحلة السَّحَر، ويتوج سجادته بالتهجد والدموع، ومن يفعل هذا يصل إلى منزله ومستقره، لكن الإنسان حين يعتبر كل شيء يعيشه طبيعيًّا، ولا يكون لديه أيُّ فضول ولا رغبة، أي حين لا يقول “تُرى أليس هناك ما هو فوق ذلك؟”؛ سوف يُحكم عليه بالركود والثبات مكانه.

   إعمار قلعتنا الخربة منذ عصور

ينبغي علينا إعادة إعمار قلعتنا الخربة منذ عصور، فالإنسان الذي تعرَّضَ عالمه الروحي والمعنوي للشلل يجب إعادته إلى ماهيته الإنسانية كرة أخرى، فليس من السهل توجيهه نحو إحياء حياة القلب والروح من جديد، فكما أن إصلاح جهاز صغير يحتاج إلى علم وممارسة جادة، فما بالنا بإصلاح القيم المعنوية التي انقلبت رأسًا على عقب! لا شك أن الأمر يحتاج إلى همة عالية وجهد مكثف. نعم، يجب إصلاح القلوب الخربة، وإثارة حماستها من جديد، فإحياء الشعور الإسلامي المفقود يحتاج إلى بذل جهد كبير.

والذين يقفون في الصلاة أمام الله تعالى بغير إدراك ووعي من أمثالنا من المسلمين الشكليين لن يستطيعوا إصلاح هذه التخريبات العظيمة، وبغضِّ النظر عن إعمار القلعة العظيمة، أو إرشاد العامة للتمسك بالدين، فإن إيماننا هذا عاجزٌ عن إصلاح عالمنا الداخلي أصلًا، لأن الإسلام الشكلي لا يحل أية مشكلة، بل إن كل الشجارات المصنوعة باسم الإسلام تعود أصولها وأسبابها إلى الإسلام الشكلي، ومع الأسف فمن ناحية هناك جهّالٌ يقومون بتفجير أنفسهم وقتل الصغار والشيوخ والنفوس المعصومة باسم الإسلام ويظنون أنهم يخدمون الإسلام، ومن ناحية أخرى هناك فاقدو الحس والشعور الذين لا يبالون بأي شيء، وكما أن العنف والإرهاب والوحشية لن تحقق شيئًا فكذلك فقدُ الحس والشعور.. ودع عنك الحديث عن تعميرهم للقلعة الخربة منذ عصور، وتعمير القيم المنهدمة وإقامتها لتقف على قدم ثابتة من جديد، فإنني أعتقد أن هؤلاء لن يتمكنوا من مداواة جراحهم الداخلية أصلًا.

ولذلك ينبغي على الذين نذروا أنفسهم للإصلاح إعادة النظر في عبوديتهم، وفي صلتهم مع الله سبحانه وتعالى، عليهم أن يربطوا عبوديتهم بملاحظة أن الحقَّ مطلع عليهم وناظر إليهم في كل وقت وحين، ولذلك فالواجب عليهم أن يزيلوا كل الوسائط وأن يتوجّهوا مباشرة إلى طريق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدخول في عالمه، وإدراك معنى الإسلام هناك.. وبدلًا من التوجه لمن يتقدمون الناس ويتزعّمونهم بعمائمهم وجببهم فالأولى التوجه إلى سيدنا أبي بكر الصديق وإلى سيدنا عمر الفاروق وإلى سيدنا عثمان وإلى سيدنا علي رضي الله عنهم أجمعين، فهؤلاء هم من يجب أن يكونوا قدوةً نهتدي بهديهم… والحذرَ الحذرَ من التعثر بالذين يقومون بمهامهم الدينية كأنهم ممثلون في المسرح أو كشخصية في أحد الأفلام أو المسلسلات من أصحاب الإسلام الشكلي..  إنما الواجب هو التوجه مباشرة إلى عصر السعادة ومعاينة حياة أربابه والمواظبة على الطريق الذي ساروا عليه.

وعلى الذين نذروا أنفسهم للإصلاح والتعمير أن يمتلكوا طاقة لا تنضب، وحماسة تمكنهم من الاستمرار في الطريق دون تعثر، وأن يبقوا عالمهم الوجداني طاهرًا على الدوام متجهزين لتوجه الله تعالى.. وما يشرحونه لا يكون بالألفاظ فقط بل هو أمانة استودعوها أحوالهم وأطوارهم، لأن كل أمر لا يصبح جزءًا من القلب ولا يُـمثَّل بالحال والطور لا يمكن أن يجد في قلوب الآخرين صدًى له.. إن الواردات لا تتنزل على الأرواح الميتة ولا القلوب الملوثة، أما الوجدان المنطفئ والعقول المتوقفة عن العمل فليس لديها ما تقدمه للآخرين.

وإذا أردنا أن ننجو من الظلمة التي نعيشها منذ ثلاثة قرون فعلينا بالتوجه إلى الله سبحانه وتعالى، فهو صاحب القدرة القاهرة والإرادة السبحانية، ولو تفضّل علينا بتوجهه ستتنور دنيانا وعقبانا معًا، وبقدر ما تفتحون وجدانكم للحقّ جل وعلا فستنفتح لكم صدور الناس، وبقدر ما تتوجهون إلى جناب الحق سيتوجه الخلق إليكم، وإن لم يحدث هذا اليوم فسيحدث غدًا..

   الشكل قنطرة للوصول إلى الحقيقة

إذًا، هل ما يقوم به المسلمون من عبادات شكلية يذهب سدًى؟ هذا ما لا يجوز لنا قوله، بل على العكس إن الشكل يُعد قنطرة موصلة للحقيقة، ولكن المهم هو عدم الاكتفاء بالشكل وبما تعلمناه في الكتاتيب ونحن صغار، ومواصلة الطريق للوصول إلى حقيقة الأمر، وهؤلاء الواقفون على قنطرة التقليد عليهم العمل للوصول إلى التحقيق..

إن علماء أهل السنة أقروا إيمان المقلد واعتبروه، فما هو الإيمان التقليدي؟ هو ما وجد أجداده عليه من إيمان وتلقّاه منهم أقوالًا وأفعالًا، ولكن دون أن يكتشفه بذاته أو يشعر به، ودون أن يكتسبه كعمقٍ في طبيعته، ويرى علماء أصول الدين أن هذا الإيمان مقبولٌ، لماذا؟ لأن هذا الطريق يُعد أول مرحلة، وقنطرةً للمرحلة التي تليها، وعلى الإنسان ألّا يبقى في هذه القنطرة، بل يمر من خلالها كي يصل إلى الحقيقة، ولكن إن لم تصلوا إلى التحقيق وبقيتم في أماكنكم، فوفقًا لرؤية أهل السنة الواسعة والرحيمة ستنجون، وعليكم ألا تنسوا أنكم عرضة للوقوع والزلل في كل وقت، فَقَدَرُ الواقفين على قنطرة التقليد السقوطُ معها إذا انهارت، نسأل الله السلامة للجميع.

نعم، يجب ألا نكتفي بالإسلام الشكلي ونسعى دائمًا للوصول إلى العبودية الحقيقية، فالأستاذ النورسي يقول بأن وقوف المرء في مكانه واكتفاءَه بذلك يُعدّ من قلة همته، والأليق بالإنسان أن يكون دائم السير في أفق “هل من مزيد؟” فعليه أن يستنطق كل شيء، ويبحث دائمًا عن أجهزة عرض متنوعة للحقيقة، وعليه ألا يتعثر أثناء بحثه بفلان وعلان، ولا ينخدع بالمظهر والزي، بل عليه أن يتوجّه إلى مداره الأصلي، وأن يوجّه النظر إلى القلب، والحماسة البادية على سيماء الوجه، والدموعِ الساكنة في العين، والإخلاص الداخلي، فالمتصفون بهذه الصفات هم القدوة وسبيلُهم موصلٌ إلى الله سبحانه، وإذا تُرك هذا الطريق فالمصيرُ هو التعثُّر في الشكل والصورة، والانخداع بالإسلام الشكلي السائد.

إن المستقبل أمانة من الله لأوليائه، وهؤلاء هم الذين يضبطون أفعالهم وحركاتهم بقدر عمق شعورهم بصلتهم مع الله تعالى، ويغذون إيمانهم بالعمل والفاعلية، ويتوجون الإيمان بالإحسان، ويسارعون دائمًا نحو “معية الله” وينقّبون عن الطرق الموصلة إلى القرب من الله تعالى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم، وينصتون إلى الله تعالى في كل خفقة قلب، أما الهدف الذي يجعلونه عرشًا على عالم مشاعرهم وأفكارهم فهو الحياة وفقًا للإسلام -أمانةِ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم- بصورته التامة والكاملة وإحياؤه في نفوس الآخرين، ولذلك فهم دائمًا في جلوسهم وقيامهم يشيرون إلى الله تعالى ويرددون “صحبة المحبوب”، والجدية المرتسمة على أطوارهم وأسلوبهم والبادية على سيماهم تذكّر كلَّ من ينظر إليهم بالله تعالى، فالأولياء هم الذين يداومون على ما قام به الأوائل ويتوّجون كلّ ذلك برضا الله تعالى، والمستقبل سيكون عامرًا على أيديهم، وأسأل الله أن يجعلكم منهم.

   طوبى للغرباء

لقد تفضل الرسول صلى الله عليه وسلم في أحد الأحاديث الشريفة فقال: “بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَهُ النَّاسُ[2].

لقد بدأ الإسلام غريبًا، لأن إدراك دين التوحيد، وفهمَ رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، والتوجّه إلى جناب الحق، والشعور بلذة ونشوة هذا التوجه لم يكن ممكنًا لإنسان الجاهلية الذي كان يعبد الوثن والصنم، فالرسول صلى الله عليه وسلم أفاد أن الإسلام الذي نشأ غريبًا وسط الصحراء سيعيش غربة جديدة ومن بعدها يبشر هؤلاء الذين يتساءلون بِـهَـمٍّ في زمن الغربة بعد ما تبعثرت القيم وتهدمت عن إمكانية إصلاحها قائلين: “يا ترى هل من الممكن أن نقيم صرح الروح مرة أخرى؟”، وهذا يعني أن نيل هذه البشارة العظيمة لا يتحقق بالنوم كالمساكين، وإنما من خلال بذل الجهد والإصرار على تحقيق الأمر والعمل على استجلاب الربيع.

والذين أطلقوا لأنفسهم العنان في الراحة ستُمحى آثارُهم ويذهبون، إلا أنهم سيتركون للأجيال القادمة من ورائهم الكثير من الهموم والمشاكل، أما الذين يصرون على أسنانهم صبرًا في هذه الحياة ويظهرون قوامًا يقفون به خلف الصحابة رضوان الله عليهم؛ فسيتركون للأجيال من خلفهم دنيا عامرة، وفي هذه الأيام يبدو في الأفق الشفق الكاذب مبشرًا بالشفق الصادق، ولذلك فإنني لا أنظر إلى الأمور بنظرة سوداوية، فلقد بدأ المسلمون في تهجي القيم المترشحة من جذورهم الروحية والمعنوية، وسيأتي اليوم الذي يضعون فيه أجمل قافية لهذه القصيدة الشعرية، وأرجو أن تكون قافية هذا الشعر الصلاة على رسولنا صلى الله عليه وسلم.

***

[1]  انظر: ابن حبان: الصحيح، 2/406؛ البيهقي: شعب الإيمان، 1/483.

[2]  مسند الإمام أحمد، 2/177، 222؛ ابن أبي شيبة: المصنف، 7/83.

صرح العفَّة: يوسف عليه السلام

Herkul | | العربية

   سؤال: إلامَ يرشدنا موقف سيدنا يوسف عليه السلام تجاه الخطيئة في قوله: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ (سورة يُوسُفَ: 12/33)؟

   الجواب: عند النظر في قصة سيدنا يوسف عليه السلام نرى أن حياته كانت محاطة بالصعوبات والامتحانات منذ البداية؛ فقد أُلقِي في بئر وهو لا يزال صبيًّا حديث السن، وبيع في الأسواق مثل العبيد، وعاش بعيدًا عن بيته ووطنه، وافتُري عليه، وقضى زمنًا طويلًا في السجن.. ذلك لأن “أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ”[1]، لذا لم يتسنَّ لأي نبي أن يُبعث دون أن يذوق في حياته ألوانًا من الابتلاءات، ولو أمكن هذا لتحقق لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مفخرة الإنسانية؛ إلا أنه في مكة قد أُوذي وضُرب وأهين بأبشع الصور، وقُوطع وعُزل عن المجتمع، فلما استحال عليه العيش في مكة ترك وطنه في وحشة وكرب، إلا أنه لم يسلم من أذاهم حيث ذهب أيضًا، فهناك عانى كل أنواع الإيذاء والقسوة والجفاء.

إذا ما نظرتم إلى صفحات التاريخ، فسترون أنه إلى جانب الأنبياء، هناك الكثير من أولياء الله قضوا حياتهم في خضم آلاف الصعوبات وتعرضوا لشتى أنواع العذاب، وعلى حد قول ضياء باشا (ت: 1880م):

الجاهل يعيش في ترفٍ ونزهةٍ ورخاءٍ

والعارف يسبح في دوّامة المحن والبلاء

 فبينما ينعم أهل الدنيا والهوى بترف العيش؛ يواصل العارفون حياتهم في عوز شديد، هذه سنة الكون، ولا نعرف حكمة الله في ذلك؛ فربما يريد أن يفيض بالنعم والمنن في الآخرة على عباده الأصفياء الذين يحبهم زخًّا زخًّا.

   الإكرامات الإهية المترتبة على الامتحانات

طلب سيدنا يوسف عليه السلام إلى نيل ذُرًى أسمى من كل الذُرى رغبة منه في معرفة الله ومحبة الله، وقد أخضعه الله تعالى لامتحانات مختلفة ليُعلِمَه أن “الطريق إليه سبحانه يمر من هنا”.. إلا أنه عليه السلام لم يُبدِ أي استياء إزاء أيٍّ منها، وإذا ما واصَلْنا تناول المسألة وفقًا للبيان القرآني ترون أنه عليه السلام لم ينبس ببنت شفة لإخوته الذين ألقوه في البئر، ولا اشتكى حاله إذ مكث في السجن ظلمًا، على العكس من ذلك، إنه عندما وجد في السجن بعض القلوب متوجهة إليه دعاها فورًا إلى الحق تعالى، ومن ثم جعل من السجن مدرسة، ومن يدري أي نوع من الأسس وضعه هناك؟!، ثم أي نوع من الأنشطة قد بدأه هناك بحيث سيؤدي لاحقًا إلى إيمان الكثير من الناس؟!

وكما هو معلوم فإن أحد الامتحانات الصعبة التي تعرض لها سيدنا يوسف عليه السلام كانت تتعلق بعفته، وعلى النحو الذي ذكر في سورة يوسف فقد خرج سيدنا يوسف عليه السلام من البئر الذي أُلقي فيه على يد أفراد القافلة، وباعوه في سوق النخاسة في مصر، واشتراه عزيزُ مصر، واتخذه ولدًا له وآواه، ونشأ وتربى في القصر، ولما صار شابًّا وسيمًا يجذب الانتباه، عرضت عليه امرأةُ العزيز الفاحشةَ، فرفض هذا العرض القبيح بقوله ﴿مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (سورة يُوسُفَ: 12/23)، ونجح بعفته في اجتياز هذا الامتحان.

وهناك قولان مختلفان بشأن لفظ “ربي” الوارد في الآية الكريمة؛ وفقًا للقول الأول المقصود بهذا اللفظ هو العزيز، وفي هذه الحالة يكون المعنى هكذا: “لقد احتضنني سيدي وآواني، فكيف لي أن أخونه متجاهلًا كل هذه النعم والفضائل؟!”، أما بالنسبة للقول الثاني فإن المقصود من لفظ “ربي” هو الحق تعالى، إذ يحتمل أنه كان يقصد النعم التي منَّ بها عليه مالكُ الملك والملكوت الحقيقي، أيًّا كان ما يفهمه مخاطبوه.

لقد أنقذه الله جل جلاله من مثل هذه الخطيئة منحة إلهية وكرامة ربانية عليه، فقد يمنح الله بعض الناس قدرًا كبيرًا من الإمكانات المادية، وقد يأخذ بيد البعض الآخر من الشارع ويضعهم في مناصب مهمة، ويهب بعضهم أولادًا صالحين، كل واحد من ذلك كرم إلهي عظيم، ولكن لا شيء أعظم من صيانةِ المرء عفّتَه وسمعتَه ومجدَه وشرفه، والتزامِ العفة مدى الحياة، وحفظِ العينين والأذنين عن التدنيس، والسيرِ إلى حضرة الله بحسن الخاتمة.. كلُّ ذلك يُعد واحدًا من أعظم أنواع الإحسان والنعم التي يهبها الله تعالى للإنسان.

وهكذا منَّ الله تعالى على سيدنا يوسف مثل هذه المنَّة، ولم يسمح لشيء أن يُخلَّ بعفته، واستطاع عليه السلام بكل نزاهته وعفته أن يتخلص من نداء الخطيئة هذا، ولما صار لاحقًا مطمح نظر النساء شعر بالقلق من أن الأمر سيصير أكثر تعقيدًا ففضّل دخول السجن حتى يتسنى له الابتعاد عن الفتنة والخطيئة بقوله: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (سورة يُوسُفَ: 12/33)؛ وبالتالي فقد أوفى بحق إرادته مرة أخرى، وقاوم الخطيئة، واستطاع الصمود والبقاء رمزًا للعفة.

لقد أصبح السجن منحةً إلهية ليوسف عليه السلام؛ لأنه صِين هناك وأدى رسالةً ووظيفة مهمةً على حد سواء، وانفتح له الطريق المؤدي إلى المكانة الرفيعة، ولأنه استغل هذه المنحة الإلهية استغلالًا جيدًا صارت المنح الواردة فيما بعد مظهرًا لدائرته الصالحة، فالمنح تولِّد المنح، لقد اتسعت دائرة المنح إلى أن جاء يومٌ صار فيه يوسف عليه السلام شعلة ضياء ومصدر نور لأهل مصر فأضاء عالمهم.. بل إن أطياف ذلك الضياء استمرت حتى عهد سيدنا موسى عليه السلام.

   العلاقة بين العفة والإيمان

ليتنا نحن كذلك نستطيع امتلاك الشعور والفكر نفسه إزاء الخطايا، ليتنا نستطيع مجابهة الصعاب بدلًا من الغوص في الذنوب وعصيان الله تعالى، إن هذا مرهون بالإيمان القوي بالله تعالى، فهو ليس أفقًا يمكن إحرازه بإيمان تقليدي أو نظري، والإنسان يمكنه أن يقبل أسس الإيمان كلها بقوله (آمنت بالله…) متأثرًا بالبيئة الثقافية التي ينشأ فيها، لكن الإيمان الذي لا يُدعم بالأعمال الصالحة ولا يتعمق بالتفكر والتدبر يصعب عليه للغاية حماية الإنسان من الخطايا، ومن لا يستطيعون أن يجعلوا الإيمان ملء ضمائرهم ووجدانهم، وجزءًا لا يتجزأ منها، وعمقًا من أعماق طبيعتهم يستحيل عليهم أن يُصبحوا رموزًا للعفة.

إذا كان الإنسان يريد أن يعيش بأمان في ظل اسم الله “المؤمن”، فعليه أن يحاول إدراك أفق الإحسان؛ وهذا يعني أنه يجب عليه ممارسة عباداته وعبوديته بإحسان وكأنه يرى الله، وأن يؤديها مدركًا أنه جل وعلا يراه ويراقبه، ومن يتحرك بشعور المراقبة في جميع الأوقات، أي إن من يحوِّل إيمانه إلى مكتسبات في وجدانه بشعور الإحسان سوف تتاح له فرصة العيش الطاهر النظيف تمامًا دون أن تخالطه أو تلتصق به أدناس الخطيئة، ولا شك أن من أحرز قمم الإيمان والعبادة والإحسان إذا ما عُرض عليه عمل قبيح سيئ سيقول: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (سورة يُوسُفَ: 12/33).

   مخالفة النفس

وكما يلاحظ في الآية السالفة الذكر أن سيدنا يوسف عليه السلام لا يترك الحيطة والحذر بالرغم من أنه رمز للعفة والنقاء، إذ يقول ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، كما يقول في بقية السورة ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (سورة يُوسُفَ: 12/53)، فيؤكد أنه لا يمكن الوثوق بالنفس الأمارة، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضًا يقول داعيًا الحق تعالى “يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ وَلَا تَكِلْنِي إِلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ[2]؛ ذلك لأن المرء حين يختلي بنفسه ربما يأتي أفعالًا صبيانية، وربما يزل ويهوى، وقد ينخدع بحيل الشيطان وإغوائه، نسأل الله عز وجل أن يقينا مثل هذه المواقف والمحن.

وعليه فإن طريق التعبد السليم لله تعالى يمر من خلال معارضة أهواء النفس ونزواتها، وحتى تتسنى السلامة من ألاعيب النفس وحيلها وفخاخها يجب ابتغاء السبل الموافقة للإرادة الإلهية والاهتمام بالصدق والإخلاص، فإذا كنتم تضطلعون بأعمالكم كلها مراعاة لأوامر الله تعالى ونواهيه، فإنكم لا تسقطون في شراك النفس وشباكها، ويقول الإمام البوصيري في قصيدته “البُردة”:

وَخَالِفِ النَّفْسَ وَالشَّيْطَانَ وَاعْصِهِمَا   وَاِنْ هُمَا مَحَّضَاكَ النُّصْحَ فَاتَّهِمِ

أما في بيت آخر فيقول:

وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى   حُبِّ الرَّضَـــــاعِ وَإِنْ تَفْـطِمْهُ يَنْفَطِــمِ

أجل، إذا ما فُطم الطفل من الرضاع، وتحقق العزم والإصرار على تنفيذ ذلك فإنه لا يطلبه مرة ثانية، لكن الطفل إن لم يُفطَم في الوقت المناسب تعذّر فطامه بعد ذلك، وعليه فالمؤمن يجب عليه أن يكون حازمًا منذ البداية تجاه رغبات النفس وأهوائها، وألا يتهاون إطلاقًا في هذا الأمر، لدرجة أنه يجب أن ينظم حياته كلها ويقيمها على أساس مخالفة الشيطان والنفس، ولا سيما أنه أصبح من الصعب في عالمنا اليوم البُعد عن الخطايا بعد أن صارت أكثر شيوعًا وانتشارًا، وعليه فثمة حاجة ماسة للحيطة والحذر الدائم، واجتناب مواضع الشبهات.

   بناء الأسوار في مواجهة النفس

على الإنسان ألا يقع رهينة للنفس وألا يدخل في مجال تأثيرها بأن يقيم جدرانًا وأسوارًا دائمة بينه وبين الخطايا، وهو ما يُطلق عليه في المصطلح الديني اسم “سد الذرائع”، فقد وضع علماء الأصول مبدأً كهذا انطلاقًا من آيات كريمة مثل آية ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (سورة الأَنْعَامِ: 6/152)، وآية ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ (سورة الإِسْرَاءِ: 17/32)، فعلى الإنسان أن يُغلق من البداية السبيل المؤدي إلى الخطايا والآثام المحتمل أن ترتكبها أعضاء مثل اليد والرجل والعين والأذن واللسان، وأن يكون يقظًا دائمًا أمام أسباب الخطايا وسبلها، وألا يتجول في الأماكن التي يحتمل أن يقع فيها في الخطيئة والزلل محترزًا “على أية حال”، حتى لا ينفرج الباب لأن تُذله نفسه لاحقًا، وكما أنه من المقدر أو المتوقع أن تزل قدم من يسير في الثلج، أو تغوص رجل من يسير في الوحل، أو يغرق من يغوص في الأعماق دون معرفة السباحة فيحتمل كذلك أن من يدنو من الخطايا والذنوب ويحوم حولها يقع فيها، ذلك أنه بعد الدخول في طريق الذنوب يكون الرجوع منه والتصدي لرغبات النفس وأهوائها أصعب.

وقد شبه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد أحاديثه الشريفة من يخرج بمفرده أو يخرجان بمفردهما في سفرٍ بالشيطان؛ وقال “الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ[3]، وبهذا يعلمنا ضرورة بناء أسوار وحواجز أمام الخطايا والشرور، والحذر منها منذ البداية، فاحتمالُ ارتكاب الفرد الواحد للخطإ مرتفعٌ، وحتى وإن كان احتمال ارتكاب شخصين للخطإ أقل بكثير من ارتكاب شخص واحد له، إلا أنهما قد يتفقان على شر معين، أما ارتكاب ثلاثة أشخاص لهذا الفعل فهو أقل وفقًا لحسابات الاحتمالات؛ لأن كل واحد منهم يراقب الآخر، ويصبح حارسًا على عينه ولسانه ويده وقدمه؛ فإذا كان أحدهم سيزل أو يتردى أمسك به الآخرون فورًا.

لهذ السبب، يجب على من يحرص على حماية نفسه من الأهواء والنزوات ألا يترك نفسه للوحدة؛ فمن ترك نفسه للوحدة فقد أهملها ولم يهتم بها، وإذا اعتبرنا أنفسنا غالية فيجب أن نتّخذ لها بعض الحراس بينما نخرج في طريقنا؛ فلا نُمكِّن الشيطان من أن يسرق قيمنا الخاصة بنا، ولا ندعها ضحية للنفس، ولا نضيعها بسبب الأهواء والرغبات.

نعم، إن العيش في جماعة -أي أن تكون في مجتمع متحد فكريًّا وشعوريًّا- سيقدم الجو المناسب كما تقدم الصوبة الزراعية ذلك لزروعها ونباتاتها، واللهُ يحمي الأفراد الموجودين في جماعة ويصونهم أكثر؛ فعناية الله بالجماعة مختلفة جدًّا، ومن يأخذ مكانه في جماعة لا يزل أو أنه نادرًا ما يزل، ذلك لأن أعضاء الجماعة يشبهون الحجارة المتراصة في القبة؛ فكما يمكن لهذه الحجارة التعاضد والوقوف معًا دون الوقوع والسقوط؛ فإن الأمر هكذا تمامًا بالنسبة للناس إذا شكلوا وحدة واحدة بتعاضدهم وتكاتفهم؛ إذ يحتمون بذلك من الانزلاق والسقوط، وخاصةً إذا عمقوا مجلسَهم بجلسات إيمانية، وأسد بعضهم الخير لبعض، وعززوا علاقاتهم وقووها، فإن الله يصونهم ويشملهم بحمايته، ويحفظهم من الانزلاق، لذلك من الضروري الانتساب إلى هيئة وطائفة صالحة.

   الدائرة المشروعة تكفي لتحقيق المتعة

ثمة أمر آخر يجب مراعاته من أجل عيش حياة تتميّز بالعفة، ألا وهو عدم السير في الاتجاه المعاكس للفطرة؛ وعدم إغلاق الأبواب أمام المتع والأذواق التي تكون في إطار الدائرة المشروعة، إن إغلاق الأبواب منعًا لاستفادة الشيطان من نقاط ضعفنا، وتدعيمها بالمتاريس من الخلف أمر مهم للغاية، ومن لا يستفيد من الملذات والمتع التي في الدائرة المشروعة، أي الذي لا يأكل ولا يشرب بقدر ما يحتاج إليه، ولا يتزوج في الوقت المحدد أو لا يستفيد من النعم الأخرى، يمكن أن يصعب عليه مقاومة حيل الشيطان والنفس، فعلى حين هناك إمكانية لحماية أنفسنا من بعض السلبيات عبر طريق الاكتفاء بالمتع والملذات التي في الدائرة المشروعة؛ فليس من الصواب أن ندين أنفسنا ببعض الحرمان دون وجود سبب قاهر يدفعنا إلى ذلك.

وهنا يجدر بنا أن نُذكِّر بأن هناك حالات خاصة ببعض الأشخاص لا يمكن أن تكون مثالًا وقدوة بالنسبة لنا، فهناك شخص واحد فقط يمكننا أن نتخذه قدوة لنا؛ إنه مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم، علينا أن نسعى إلى اكتساب نظرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطعام والشراب والزواج والمنزل والمال والملك، واجبنا أن نتبع سبيل سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام أولًا، ثم الصحابة من بعده، ثم سبيل السلف الصالح من بعدهم، ثم سبيل العلماء والفقهاء، فالطريق طريقهم، والمنهج منهجهم، يجب علينا أن نُلجم رغبات النفس وأهواءها عبر اتباعنا هذا الطريق والمنهج، وأن نُلزم أنفسنا بما في الدائرة المشروعة من ملذات ومتع، ونغلق أمامها كل الطرق المؤدية إلى الحرام.

 ***

[1] مسند الإمام أحمد: 10/45.

[2] النسائي: السنن الكبرى، 6/147؛ البذار: المسند، 13/49.

[3] سنن أبي داود، الجهاد، 79؛ سنن الترمذي، الجهاد، 4.

المرشد القدوة: شعيب عليه السلام

Herkul | | العربية

   سؤال: ما الرسائل الموجهة إلى رجال الإرشاد في خطاب سيدنا شعيب عليه السلام قومه في قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (سورة هُودٍ: 11/88)؟

   الجواب: بادئ ذي بدءٍ من المفيد التأكيد على ضرورة معرفة خصائص الأقوام التي أُرسل إليها الرسل؛ من أجل فهم خطابات الرسل ونصائحهم فهمًا جيدًا؛ إذ ينبغي الانتباه إلى أن تصريحاتهم خاصة بظروف ومرحلة معينة، وأنها تشكلت وفقًا لمتطلبات بيئتهم الاجتماعية، وعند النظر إلى قصص الأنبياء المذكورة في القرآن يتبين لنا أن لكل قوم خصائصهم وعِللهم المختلفة.

وقد كانت مشكلة قوم سيدنا شعيب عليه السلام مختلفة عن غيرهم من الأقوام؛ فقد أُرسل عليه السلام نبيًّا إلى قوم مدين وإلى أصحاب الأيكة، وبحسب أحد التوجيهات الواردة في كتب التفاسير يُحتمل أنه عليه السلام نشأ في مدين، ولكنه كُلّف بإرشاد أهل الأيكة وتوجيههم أيضًا، ذلك أن القرآن الكريم حين تحدث عن إرساله عليه السلام رسولًا إلى مدين كان يستخدم عبارات ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/85)، (سورة هُودٍ: 11/84)، (سورة العَنْكَبوتِ: 29/36)، بينما لم يكن يستخدمها عند حديثه عن علاقته بأهل الأيكة قال تعالى ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (سورة الشُّعَرَاءِ: 26/176-178).

وعند النظر إلى البيان القرآني يتضح أن كلًّا من تلك الأماكن كان مركزًا تجاريًّا مهمًّا في ذلك العصر، وقد حقق أهلُ هذه البلاد ثروات هائلة، فدفعهم ذلك إلى التعجرف، فكانوا يلجؤون إلى المضاربات في تجارتهم وبيعهم وشرائهم، فيختلسون أموال الناس، ويحتالون عليهم في البيع والشراء ويخدعونهم، وبالنظر إلى الآيات أيضًا يُحتمل أنهم كانوا يترصّدون طرق المنتجين ويشترون بضائعهم بثمن بخس، ويبيعونها للناس بثمن باهظ، ويفرضون الخراج على البضائع التجارية، ويأخذون ضرائب فادحة منها، ولهذا السبب فإن سيدنا شعيب عليه السلام أوصاهم دائمًا بالصدق والعدل في بيعهم وشرائهم، وألا يأكلوا أموال الناس بالباطل.

   الدعوة المشتركة بين جميع الأنبياء

على الرغم من تعدد أشكال دعوة الأنبياء أقوامهم بحسب أمراض ومشاكل مجتمعاتهم، إلا أن هناك حقائق ثابتة مهمة للغاية اتفق وركز عليها جميع الأنبياء الكرام، فمثلًا عند النظر إلى منهج الأنبياء في الدعوة، يتبين أنهم جميعًا يدعون الناس إلى التوحيد وإلى عبادة الله، فقد حاول جميع الأنبياء حماية أقوامهم من الكفر والشرك والضلال والإفساد، ولذلك فإنه على الرغم من أن الأنبياء العظام تناولوا عددًا من القضايا المتعلقة بالنواحي والظروف الداخلية لمجتمعاتهم التي نشؤوا فيها، إلا أن الغرض الرئيس من مهمتهم كان دعوة الناس إلى التوحيد والعبودية لله عز وجل.

وبالشكل نفسه أكد جميع الأنبياء أنهم لا ينتظرون مقابلًا ماديًّا ولا معنويًّا من أقوامهم لقاء وظيفة النبوة التي يؤدونها، وأن أجرهم على الله تعالى فحسب، فعند النظر إلى قصص الأنبياء الواردة في سورة الشعراء على سبيل المثال يتبين أن جميع الأنبياء قالوا بالإجماع ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الشُّعَرَاءِ: 26/109، 127، 145، 164، 180) وما قاله الحبيب النجار لمن عزموا على قتل الأنبياء المرسلين إليهم يشير إلى الحقيقة نفسها بقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (سورة يس: 36/21).

وهذا يفيد أن أهم متطلبات النجاح في مهمة الإرشاد هو عدم التشوف لأي شيء، فمن لا ينتظرون أجرًا على ما قدموا من خدمات قد حافظوا على إخلاصهم، ونالوا ثقة الآخرين، بينما من يُديرون حياتهم وفقًا لتطلعات وأهداف معينة لم يثبت أنهم أوصلوا أتباعهم إلى شاطئ السلامة، وعلى حد قول نيازي المصري:

لا تركننّ إلى أيِّ مرشدٍ      فينقلِب الفسيحُ أمامك إلى مضيق

أما مَن استرشدَ بـ”المعصومِ”   سَهُلَ عليه اجتيازُ وسلوك الطريق

وإن نموّ الخدمات التي يجري تنفيذها وتعاظمها ككرة الثلج التي تكبر كلما تدحرجت مرهون بأن تُتوَّج بالإخلاص.

   نيلُ الثقة

دعونا ننظر الآن عن قرب إلى الآية الكريمة المذكورة في السؤال؛ فسيدنا شعيب يبدأ حديثه بقوله “يَا قَوْمِ“، ويُلاحظ هنا أن ياء المتكلم (ي) قد سقطت من كلمة “قوم”، وربما يشير هذا إلى حماس سيدنا شعيب عليه السلام واستعجاله هداية قومه، ويمكن أن نجد مثل هذا الأسلوب في مواضع كثيرة من القرآن الكريم.. ويواصل سيدنا شعيب عليه السلام حديثه إلى قومه بقوله ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ (سورة هُودٍ: 11/88)؟

يدعو سيدنا شعيب عليه السلام قومه بهذه العبارات إلى التفكر مذكرًا إياهم بنعم الحق تعالى عليه؛ وبذكره أن الأموال والنعم التي يمتلكها إنما هي رزق حلال من الله تعالى عليه؛ يكون قد ألمح إلى أن أرزاقهم ليست حلالًا.

 وفي موضع آخر يوضح لهم طرق الكسب الحلال؛ حيث يقول في آيات كريمة أخرى: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (سورة الشُّعَرَاءِ: 26/181-183).

وكما ذكرنا سابقًا فإن قوم سيدنا شعيب اكتسبوا ثرواتهم بالظلم والباطل، ولذلك يُحتمل أنهم يرون رسولهم -حاشاه- مثلهم في هذا الشأن، ويسيئون الظن به؛ ذلك أنه عليه السلام من نسبهم ونشأ بينهم، وللحيلولة دون وقوع مثل هذا الظن السيئ كان عليه السلام يبين أنه اكتسب أمواله بطرق مشروعة، فعن طريق بيانه أن الأموال التي يمتلكها إنما هي إحسان إلهي عليه، ورزق حلال طاهر طيب كان يدفع الشكوك التي يحتمل أن تدُبَّ في أذهان مخاطبيه، ويمكن اعتبار موقفه هذا بمثابة تقديم كشف حساب لقومه عما يملكه.

أجل، يجب على كل مرشد أن يكون جاهزًا لتقديم كشف حساب عن حياته للمجتمع الذي يعيش فيه؛ لأن نيله الثقة في نظر المجتمع مرتبط بهذا، وإذا نظرنا إلى حياة الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي نرى أنه بين في الكتب التي ألفها حساب كل شيء يمتلكه بدءًا من الثياب التي يرتديها وصولًا إلى الطعام الذي يأكله؛ لأنه إذا ما تكونت أية شبهة لدى الناس بحقكم كأنكم “تبددون ممتلكات الأمة أو تستأثرون بشيء من ممتلكاتها لأنفسكم”؛ فقدتم ثقة الناس بكم.

إن من خرجوا من مناطق عشوائية بالأمس، وبرزوا على الساحة ينادون بـ”الوطن” و”الأمة”، أصبحوا اليوم يعيشون في يخوت وقصور، وصاروا شركاء في مؤسسات، حتى إنهم أكسبوا أولادهم وبناتهم وأصهارهم الثروات الطائلة إلى جانبهم، يستحيل أن يكون أمثال هؤلاء مُقْنِعين ألبتة، وإنهم وإن أخفوا وجوههم الحقيقية اليوم بألاعيب وحيل مختلفة ولم يُشعروا أحدًا بثرائهم الحقيقي الذي يمتلكونه فسيأتي يوم ينكشف فيه كل شيء للعيان؛ فيفقدون كل الثقة والمكانة التي نالوها، ولا تبقى لهم أية قيمة تُذكر، بل إنهم يُلعنون متى ذُكروا، لذا يجب على المرشد الحقيقي أن يعيش حياته كلها بالعفة والعصمة، ويتجنب مواضع التُّهم، ويُشعر الناس بهذا أيضًا.

أجل، إن النبي العظيم عليه السلام كان بقوله ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ (سورة هُودٍ: 11/88) يوضح أنه اكتسب ما لديه من أموال بطرق مشروعة، ويبيِّن أنه لا يفعل مثلهم، فلم يدخل في مضاربات محرّمة، ولم ينهب أموال الأمة، ولم يرتشِ، ولم يغش ويحْتَل في بيعه وشرائه؛ فكسب ما كسب بطريقٍ حلال، وبإشارته عليه السلام إلى كل هذا كان يؤكد على أمانته وجدارته بالثقة، وفي الوقت نفسه كان يمهد الطريق للنصائح التي سيسديها إلى قومه لاحقًا.

   مطابقة القول العمل

وبقوله عليه السلام: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (سورة هُودٍ: 11/88)؛ يلفت الانتباه إلى مبدإٍ آخر مهم في عملية الإرشاد والتبليغ، ألا وهو مطابقة القول العمل، فنجد النص القرآني في موضع آخر: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/44) يوبخ بني إسرائيل لقولهم ما لا يفعلون.

أما الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (سورة الصَّفِّ: 61/2) فليست تعني “إذا كنتم لا تفعلون فلا تقولوا”، بالعكس تعني: “ما دمتم تقولون فامتثلوا فعل ما تقولونه”، لأن هذا هو السبيل إلى التأثير الحقيقي، ومرهون به حسن قبول المخاطَبين للكلام الـمُقال.

   السعي إلى الإصلاح

في الأمور التي نبه إليها سيدنا شعيب قومه بيَّن أنه لا يرغب في أن تخالف أفعالُه أقوالَه، ثم كشف عن رغبته الحقيقية بقوله ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ (سورة هُودٍ: 11/88)، وهنا يمكن رؤية مدى الحذر والحيطة الكامن في كلام هذا النبي؛ فكان يسعى إلى أن يسود الصلاح والسلام والطمأنينة بين الناس، ولأجل هذا أيضًا كان حريصًا منذ البداية على أن يصل بهم إلى سلامة القلب والروح والفكر والحس، لأن العاجزين عن إصلاح عوالمهم الداخلية يظلون عاجزين بالتأكيد أمام تحقيق السلام المجتمعي وتأسيس النظام الاجتماعي، ومع ذلك كان عليه السلام يبيِّن أن الإصلاح المراد مرهونٌ بقدر الاستطاعة.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد أحاديثه الشريفة: “إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَيَرْجِعُ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي[1]، فبشر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله ذلك بمن يركضون من أجل تحقيق الإصلاح في زمن فسدت فيه الأسواق والذمم، وغرقت البيوت في الجهل، وعجزت المدرسة عن تحقيق المرجو منها، وخبا العشق والحماس في المساجد، وعاش المسلمون فيه غرباء؛ ذلك أنهم سيركضون من أجل إصلاح المجتمع في مواجهة المفسدين وأرواحهم فداءٌ لذلك.

لهذا السبب يجب أن يكون الإصلاح هو الشغل الشاغل للمرشد وهمّه الأوحد، عليه أن يكون همه إصلاح الناس، وليس إصلاح دنياه الخاصة به فحسب، فحين يتم إصلاح الناس لن تبقى هناك مشكلة على وجه الأرض، فقد عرفت الأرض المشكلات مع الإنسان، فلا يمكنكم التغلب على المشكلات ما لم تصلحوا الإنسان.

هذا النبي المبارك المدرك للعجز والضعف البشري كان يتجرد من قوته المحدودة بقوله ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (سورة هُودٍ: 11/88)، ويلتجئ إلى قوة الله تعالى المطلقة، لأنه كان يعلم جيدًا أن عناية الله تعالى هي مصدر جميع الإنجازات التي تتحقق؛ فبالاعتماد عليه واللجوء إليه يمكن تحقيق نجاحات حقيقية ودائمة، وعليه فإن ما يقع على عاتقنا هو أن نثق به عز وجل ثقة تامة ونعتمد عليه عند التخطيط والكتابة والحديث، بل وفي كل خطوة نخطوها، ونركن ونتوجه ونلجأ إليه جل وعلا فحسب.

***

[1] سنن الترمذي، الإيمان، 13.

أُسُسُ مسلك الخِلَّة

Herkul | | العربية

   سؤال: يقول الأستاذ بديع الزمان “وما دام مسلكنا هو الـخليلية، فمشربنا إذًا هو الـخلة”[1]؛ فمن أي الجهات يمكن تقييم ارتباط مسلكنا بسيدنا إبراهيم عليه السلام الملقب بـ”خليل الله”؟

   الجواب: يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة النَّحْلِ: 16/123)، هذه الآية الكريمة تظهر مدى الأهمية في اتباع سيدنا إبراهيم عليه السلام، ذلك أنه قيل لمفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم ذات مرة “يا خليل الله” فقال “لَا، إِنَّهُ إِبْرَاهِيم[2]، وفي موقف آخر أيضًا خُوطب بـ”سيدنا” فقال عليه الصلاة والسلام: “سَيِّدُنَا هُوَ إِبْرَاهِيم[3] مانحًا إيَّاه هذه المرتبة.

   الحنيفية

هنا سُمّي سيدنا إبراهيم أو طريقه بالـ”حنيف”، وكلمة “حنيف” تعني البعدَ التام عن أصغر الشرك، ومما لا شك فيه أن للبُعدِ عن الشرك درجاتٍ، والمعنى الأول الذي يُفهم من الحنيفية هو ألا يعبد الإنسان إلهًا إلا الله، وألّا يشرك به أحدًا، وأن يبعد عن جميع الأوثان، وهناك درجة أسمى للحنيفية، هي أن يحفظ الإنسانُ مشاعره وأفكاره عن كل ما يوحي بالشرك أو يومئُ إليه، ويتوجهَ إلى التوحيد تمام التوجه.

أما الدرجة الأعلى في هذا الأمر فهي أن يجعل الإنسانُ شعور الحنيفية جزءًا من طبيعته، وصوتًا ونفسًا لها، من يُوفق إلى هذا يبدأ في التصدي -وبصورة فطرية- حتى لأصغر الأشياء التي يمكن اعتبارها شركًا؛ فمثلًا إذا حاول شخصٌ أن يعزو إلى نفسه الأعمال الطيبة المتحققة رأى فعله ذلك مشاركة لله في شؤونه، وبالمثل فإن محاولة إبلاغ الآخرين بالأعمال الخيرة المنجزة وكشفها لهم شرك في نظره، والركض وراء التصفيق والتقدير شركٌ، والتشوف في الدنيا إلى جزاءٍ عن الأعمال الجميلة المنجزة شركٌ، وواجب المؤمن الحقيقي هو العمل على الابتعاد عن كل هذه الأنواع من الشرك.

   القنوت

أما الآية الكريمة الأخرى المُشار إليها في السؤال فهي ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة النَّحْلِ: 16/120)، والقنوت هو التأدب مع الله تعالى وإطالة القيام بين يديه، وعبادته عبادة تامة، والخضوع له والتذلل إليه، وسيدنا إبراهيم بخصلته هذه كان قانتًا تمام القنوت، لكن هذه الخصلة كانت نواة في سيدنا إبراهيم فتحولت إلى شجرة مع سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ذلك أنه كان يطيل القيام في الصلاة حتى تتورم قدماه كما نقلت السيدة عائشة رضي الله عنها.

   كان أمةً

يُذكر أيضًا أن سيدنا إبراهيم عليه السلام كان أمة بمفرده، وهذا يعني أن همته كانت عالية بحيث تكفي لاحتضان الجميع، وإنسانٌ همتُه على هذا المستوى من العلو ليس من الصحيح اعتبارُه فردًا واحدًا، فسيدنا إبراهيم حتى وإن كان إنسانًا واحدًا فإنه كان في عزم وجهد وسعي لاحتضان الإنسانية كلها؛ إذ كانت سعَةُ صدره كفيلةً بأنَّ من يدخلها لا يقلق هل سيجد له مكانًا فيها أم لا؟

ويشير إلى هذه الحقيقة الأستاذ بديع الزمان كذلك بقوله: “من كان همه أمته، فهو أمة بمفرده”، لأن الإنسان الذي يحمل همَّ أمته، هو الذي لا يعيش لنفسه، فقد داس تحت قدميه كل أنواع المتع والملذات الدنيوية، وصغرت في نظره المقامات المعنوية كأن يكون من الأولياء أو من الأصفياء؛ إذ إنَّ همه الحقيقي ومقصده الوحيد هو صلاح الإنسانية ونجاتها، وإنسانٌ يفكر في الإنسانية بهذه الدرجة -ولا سيما في الأمة الإسلامية- هو أمة بمفرده، وهو مطمح النظر حتى وإن لم يكن في البشرية مثله شخص آخر، فالله ينظر به إلى المخلوقات، وربما يعفو عن الإنسانية جمعاء إكرامًا وإجلالًا له، فماذا تكون أهمية المقامات الدنيوية إلى جانب نيل مرتبة كهذه؟

   الحِلم

أما في آية ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ (سورة هُودٍ: 11/75)، فقد وُصف سيدنا إبراهيم عليه السلام بأنه “حليمٌ، أوَّاهٌ، مُنيبٌ” إلى جانب الصفتين السابقتين “قانت” و”حنيف”.. فالله تعالى يذكر في هذه الآيات الكريمات الخصال الجميلة التي يتصف بها سيدنا إبراهيم، ويوضح لرسوله عليه الصلاة والسلام ولكافة المؤمنين من بعدِه علَّةَ وجوبِ اتباعِ سبيلِ سيدنا إبراهيم.

فكلمة “حليم” الواردة في الآية الكريمة تعني القدرة على استيعاب السلبيات بقابلية وملكة واسعة رحبة، وعدم الانفعال والهيجان فورًا إزاء المواقف التي تدفع إلى الغيظ والسخط؛ لأنه إن لم يتم التحكم في الغضب والسخط الذي يجعل صاحبه يعيش حالة من الجنون العارض؛ وإن لم يُخفف بالحلم فقد تقع مظاهر مرعبة شتى من الندم يتعذر الخلاص منها بعد ذلك، فالإنسان حين ينهزم أمام الغضب يرتكب أخطاءً لا تكفي قوّتُه لإصلاحها لاحقًا، ومن لا يرغب في مواجهة مثل هذه الصعاب مطالَب بأن يكون على قدرٍ كافٍ من الحِلْمِ.

قد يواجه الإنسان في بعض الأحيان مشكلات يصعب هضمها واستيعابها، ومن ذلك على سبيل المثال، أنه قد يتعرض لإهانات وافتراءات وتشويهات خطيرة، وقد يُظلم ويُجار عليه ظلمًا وجورًا يصعبُ للغاية تحمّله، وقد يتعرّض لخيانة وغدر من كان يظنهم أصدقاء، ولا جرمَ أنه من الصعب حقًّا تحمُّلُ هذه الأمور وضبطُ رداتِ الفعلِ إزاءها بالمعقولية ورباطةِ الجأش، وكي يستطيع استيعابه والتغلب عليها؛ يجب أن تتوفر في بنيته الروحية إنزيمات مثل الحلم والصبر والتحمل والعفو.

وكما هو معروف فإن الحليمَ واحدٌ من أسماء الله تعالى، ولقد توقّفَ سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه على حلمِ الله عز وجل وعدم تعجيله عذاب الكافرين والمشركين بالرغم من غطرستهم وتجاوزهم الحدود، وتعجّبَ من إمهالهم تارة بعد أخرى، فقال رضي الله عنه: “مَا أَحْلَمَكَ يَا رَبَّنَا”[4]، وعليه فإن أحد مظاهر الحلم المهمة يتمثل في عدم التعجل في الرد على الظالمين والطغاة المتغطرسين بمثل ما فعلوا، بل إمهالهم بعض الوقت حتى يعرفوا أخطاءهم ويرجعوا عنها، فلسنا ندري؛ فربما أن هؤلاء الأشخاص حين يرون أن هذا القدر من الفظاظة والعدوان الذي ارتكبوه قد قُوبل بالعفو والتسامح يندمون ذات يوم، ويعتذرون ويبدؤون في تقديم الورود لمن رموهم بالحجارة في الماضي.

فالله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ثم يكمل هذه الآية الكريمة بقوله تعالى ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (سورة النَّحْلِ: 16/126) مبينًا بهذه العبارة ما هو أكثر فضلًا وخيرية؛ وهو العمل على عدم مقابلة الإساءة بالإساءة، بل الصبر والتحمل، والتغاضي عن تلك السلبيات، فإذا كان هناك ما هو خيرٌ فلماذا نرضى بالأقل! وكما قيل في إحدى الحكم والأمثال: “مقابلة الخير بالخير سمة كل إنسان، أمَّا مقابلة الشر بالخير فهي سمة الباسل المقدام فحسب”، وبينما يمكن للمرء أن يكون هُمامًا ويتصرف ببسالة فلماذا يقبلُ بأن يكون شخصًا عاديًّا بسيط الهمة!

   الأوَّاه

كشفت الآية الكريمة عن صفة أخرى من صفات سيدنا إبراهيم عليه السلام، ألَا وهي كونه “أوّاهًا”. حسنًا، فعلام كان يتأوه سيدنا إبراهيم؟ طبعًا لم يكن أنينُه بسبب المصائب والابتلاءات التي يتعرض لها، بالعكس كان يئن من خشية الله، ويتألم على حال المظلومين والضحايا، والمحتاجين والمُعدمين، والمذنبين الذين أبحروا في بحر العصيان وعجزوا عن العودة ثانية، ومن تدحرجوا في أودية الضلال والكفر، كان يتأوه ويسعى إلى إنقاذهم من الأزمات التي هم فيها، ويرشدهم إلى طريق الجنة.

وكيف لا يُحزن ويُتفجع على شخص شطَّ وذهب إلى جهنم! إن مفخرة الإنسانية عرج إلى السماء، و رأى هناك ما لم يُرَ، وبلغ ما لم يُبلغ، ووصل حدود عالم اللاهوت، وبلغ نقطة بين الوجوب والإمكان، كانت تلك النقطة هي التي تفصل الفانين عن الباقي جل جلاله، لكن هذا كله لم يُبهر عينيه، بالعكس حفّز فيه الشوق والرغبة في الأخذ بيد المزيد من الناس وإيصالهم إلى هذه النقطة، ولهذا عاد من تلك النقطة التي بلغها، لأنه كان يعيش من أجل إحياء الآخرين.

ومن يدري كم كان يحزن سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما رأى ضلال قومه وكفرهم، وعندما جاءته الملائكة المكلفون بإهلاك قوم سيدنا لوط عليه السلام اشتعل حزنًا وألمًا، ودخل معهم في جدالٍ وحوار، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ (سورة هُودٍ: 11/74)، والقرآنُ لا يقدم بيانًا بشأن الجدال، من المحتمل أنه أبان عن رغبته في رفع العقاب عنهم، وتأخيره أو تخفيفه.. لماذا؟ لأنه كان يعلم أن هؤلاء القوم الهالكين يستحقون الغضب الإلهي، وإذا ما حلّ بهم فسيُكَبّون في جهنم على مناخرهم، فربما كان يرغب في فرصة أخيرة لهم حتى يعودوا عن الطريق الخاطئ الذي يسيرون فيه.

ولا ريب أن النحيب والتأوه على من ضلوا طريقهم، والتحرّقَ من أجل هدايتهم صفةٌ مهمة للغاية بالنسبة لرجال الخدمة في يومنا هذا، لأن أساس مسلكهم هو حب الإحياء، فواجب أبطال الإحياء التضحية بمشاعر الفيوضات، والتضحية أيضًا بالمتع والحظوظ المادية والمعنوية كيلا ينسوا الآخرين، وحتى وإن فُتحت لهم أبواب الجنة على مصاريعها وقيل لهم ادخلوها يجب عليهم أن يفضلوا البقاء في الدنيا كي يُسهموا في أن يدخل في الجنة مزيد من الناس.

   الإنابة

نأتي الآن إلى الوصف الأخير لإبراهيم عليه السلام في الآية الكريمة، ألا وهو الإنابة، ومنيب تعني كثير الإنابة، وكما أن الاستغفار عتبة التوبة وبدايتها فإن الإنابة قمتها وذروة سنامها، فيجب على الإنسان أولًا أن يطلب من الله تعالى التطهّر بالاستغفار، ثم يتوجه إليه تعالى بالتوبة، ويسعى إلى أن يستعيد العبودية الحقة التي فقدها، وبعبارة أخرى: عليه بعد أن تعرض للتشويه أن يسترد هيئته مرة أخرى، ويسعى إلى أن يبلغ عن طريق الإنابة إلى هيئة أسمى، ولذلك فالإنابة هي عنوانُ الانخراط في صلة أوسع بالله تعالى.

ومع أن سيدنا إبراهيم عليه السلام أحد أولي العزم من الرسل كان ذا مكانة متميزة بين الرسل الآخرين بفضل هذه الصفات التي يتحلى بها، إلا أن صفات الكمال هذه قد بلغت الذروة في سيدنا رسول الله الإنسان الكامل الحقيقي.. لقد كانت كلها مجتمعة في سيدنا إبراهيم عليه السلام على شكل نواة، لكنها أورقت وأشجرت وأثمرت مع فخر الكائنات سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.

يمكننا أن ننظر إلى كل هذه الصفات على أنها أسس مسلك الخلة، وبالتالي فإنه ينبغي للمنتسبين إلى هذا المسلك أن يكونوا منيبين إلى الله تعالى، إلى جانب اتسامهم بالحلم والتأوه في علاقاتهم بغيرهم، عليهم أن يركزوا نظرهم على نيل رضا الله ومرضاته، وأن يقووا دائمًا صلتهم به تعالى، وأن يتوجهوا إليه باستمرار، وأن يعتصموا بحبله المتين حتى لا ينفرط عقدهم ويفنوا عند أية زلزلة بسيطة.

إذا كان الإنسان يتصرّف بحِلم وسِلم في علاقاته مع الآخرين، ويتغاضى عن عيوبهم بقدر المستطاع، ويعفو ويتأوه لصالح الإنسانية، ويفتح صدره للجميع، ويستمد قوته دائمًا من الله تعالى، وبفطرته يصمد أمام حتى أصغر أنواع الشرك فيمكن أن يكون هو الآخر أمة قائمة بنفسها مثل سيدنا إبراهيم عليه السلام، يجب أن يكون هذا هدفًا للفدائيين الذين كرَّسوا أنفسهم ونذروها لخدمة الإنسانية، ونظرًا لأن الحق تعالى قدّر إبراهيم عليه السلام وبجّله بهذه الخصال، ووصفه بأنه أسوة لخلفائه كان واجب المؤمنين هو السعي إلى اكتساب هذه الصفات والتحلي بها.

***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، ص 224.

[2] صحيح البخاري، الأنبياء، 19.

[3] صحيح البخاري، فضائل الصحابة، 5.

[4] ابن هشام: السيرة النبوية، 2/218.

المتكبرون في الماضي والحاضر

Herkul | | العربية

   سؤال: لا جرمَ أنّ تكبُّرَ بعض الأقوام المذكورين في القرآن الكريم وتمرّدَهم واحدٌ من أسباب استساغتهم ممارسة الإيذاء والتعذيب للأنبياء الذين بُعثوا إليهم، فما دور الكِبر في الظلم الواقع في حاضرنا؟
   الجواب: كما أن التواضع مفتاح كل الخيرات فالكبر أيضًا مفتاح كل الشرور، إن الكبر يعني أن الإنسان المخلوق العاجز الفقير الذي خلقه الله تعالى في الأرض يرى نفسه أكبر من حجمه الحقيقي، أو أن ينسب إلى نفسه بعض النعم التي منَّ الله عز وجل بها عليه ويعزوها إلى نفسه، وفي الحقيقة وجودُنا ونَيلُنا الحياة وخلقُنا بشرًا وتزويدُنا بمجموعة من الملكات والقابليات لطفٌ إلهي تام.. شكلُنا ولونُنا ونوعُنا وعقلُنا والخصائصُ الأخرى التي نمتلكها لا دخل لنا في أيّة واحدة منها على الإطلاق؛ فهذه جميعًا نعمٌ وهبَنا الله إياها منذ الخلقة فضلًا منه ومنّةً، ولقد كان من الممكن أن نُخلق خلقًا آخر أيضًا.
الوجه القبيح للكبر
إن ادعاء الإنسان حيازته لهذه النوعية من الخصائص التي ليست له، والتي لم يحصل عليها بإرادته وجهده، وزعمَه التفوّق بها على الآخرين يعني اغتصاب حقٍّ من حقوق الله، كما يعني سوءَ أدب معه جل وعلا، ولا يمكن أن يكون هناك عيب أقبح من هذا، ويمكننا فهم وضع شخص كهذا بمن ألبَسهُ الآخرونَ ثيابًا جميلةً للغاية وزينوه وجملوه؛ فنهضَ يتفاخر ويتبخترُ مغترًّا بهذه الثياب التي ليست له أساسًا.. فذاك هو الكبر.
وعلى حين يمتدح القرآن الكريم والسُّنة النبوية التواضع والتفاني، يذمان الكبر والمتكبرين ويعيبان عليهما، وليس في القرآن الكريم ولا في السُّنة النبوية المطهرة ولا بين كلام السلف الصالح شيء فيه تقدير للكبر واعتبار له، الاستثناء الوحيد في هذا هو ما رُوِيَ أن معاملة المتكبر بالمثل صدقة، ذلك لأن التواضع والخجل أمام المتكبرين المتغطرسين يكون مذلة، والأصل هو الوفاء بحق المكانة، والتعامل بعزّة مع أمثال هؤلاء.
وبخلاف هذا فقد عيب الكبر دائمًا؛ لأنه مرض عظيم يحول دون الإيمان كما يمكن أن يؤدّي إلى الخروج من دائرة الإيمان، فالحق والحقائق تفقد أهميتها وقيمتها في نظر الإنسان المتكبر؛ إذ يُعرض عن الحق بالرغم من رؤيته إياه، أو يسعى إلى إلباسه لباسًا آخر من خلال مجموعة من المغالطات، فليس من الممكن أن ينظر الإنسان المتكبر بإنصاف وحق إلى الحوادث والوقائع، وأيًّا كان السبب والحجة فإن من يرى نفسه أعلى من الآخرين وينظر إلى ما حوله باستحقار واستصغار لا يستطيع التصرف بعقلانية، ولا رؤية الحقائق على طبيعتها في معظم الأحيان.
فمثل هؤلاء الأشخاص يتصرفون وفقًا لما لديهم من أحكام مسبقة بشأن الآخرين دون أن يعرفوهم عن قرب، ولا أن يتحققوا من أمرهم بدرجة كافية، فالمتكبرون الذين يظنون أنهم يعلمون كل شيء يصنفون الناس من فورهم، ويذهبون إلى تعريفهم بحسب هواهم بدلًا من التعرف عليهم وعلى أفكارهم، وبعد أن يضع هؤلاء الناس تصورًا سلبيًّا في عقولهم تجاه البعض يصبح من الصعوبة بمكان أن يتم تغييرُ أفكارهم وآرائهم، حتى وإن لم يروكم ولم يقفوا على أفكاركم فإنهم لا يتورعون عن الكلام في حقّكم وانتقادكم بسهولة..
إنهم إن قرروا التصدي لكم وانتقادكم، سواء أكان ذلك بسبب الكبر الناشئ عن أنانيتهم الشخصية أو عن أنانيتهم الجماعية، فإنكم لن تستطيعوا منع تمرّدهم هذا لاحقًا مهمَا قلتم أو فعلتم.. إنهم يبدؤون في التشكيك حتى في أكثر تصرفاتكم براءة وعصمة؛ فيختلقون أمورًا يستحيل حدوثها، ويستخدمونها ضدكم.. بل إنهم يُحرفون إجاباتكم وردودكم على انتقاداتهم، وينتقون من أقوالكم، ويقتطعونها من سياقها وسباقها؛ فيستخدمونها ضدكم.
   متكبرو الماضي
بالنظر إلى سيرة حياة الرسل المذكورة في القرآن الكريم يتبين أن أمثال هؤلاء المتكبرين لم يغيبوا عن أي مرحلة من مراحل التاريخ، ليس مع المسلمين العاديين من أمثالنا فحسب، بل وعارضوا الرسل الذين بُعثوا إليهم وكافحوا ضدّهم كفاحًا مستميتًا، ولم تكف لهدايتهم وتصويبهم الصفات الأخلاقية السامية التي يتحلى بها الرسل ولا الوحي الذي جاؤوا به من عند الله تعالى، ولا المعجزات التي أيدهم الله تعالى بها.
فمثلًا عندما دعا سيدنا نوح عليه السلام، وهو من أولي العزم من الرسل، قومه إلى الإيمان بالله وعبادته وحده رد عليه كبار صناديد قومه فقالوا: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ (سورة هُودٍ: 11/27). أجل، لقد استحقر كفار تلك الفترة المؤمنين من جانب، واتهموا سيدنا نوحًا عليه السلام بالكذب من جانب آخر، وإذا نظرتم إلى ظاهر ما قالوه رأيتم أنه يندرج تحت عنوان عريض ألَا وهو “الكبر”.
وبالشكل نفسه قابل قوم سيدنا هود عليه السلام دعوته بقولهم: ﴿يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ۞ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (سورة هُودٍ: 11/53-54)، فهل هذا كلام يُقال للرسل الذين هم أكثر البشر منطقية ومحاكمة عقلية في الدنيا؟! لا شك أن من يقولون هذا الكلام الحقير -الذي يشق علينا مجرّدُ نقلِه- للرسل ذوي الصدق والأمانة والعصمة والفطانة، والمتصلين بعوالم الغيب الذين يعيشون في ظلال زخات الإلهام؛ لا شك أنهم يعيشون في لجة مرعبة ومخيفة من الكبر والتمرد.
ما تعرض له الرسل الآخرون على يد زعماء أقوامهم لم يكن مختلفًا عن هؤلاء، فقد جات تصرفاتهم العامة في صورة الإعراض عن أنبيائهم الذين يدعونهم إلى الحق والحقيقة، وسخريتهم منهم، وتكذيبهم إياهم، واستخفافهم بهم أو تهديدهم إياهم، ولم يقف سوء أدبهم وجرأتهم على أنبيائهم عند مجرد الكلام فحسب، فقد رجموا بعض الأنبياء بالحجارة، ولم يتركوا للبعض فرصة ليعيشوا حياة عادية بما مارسوه تجاههم من تضييق وضغط، وقد نفوا بعضهم، وقتلوا البعض الآخر.
أما أنواع الإيذاء التي تعرض لها مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم على يد كبار منكري وكفار قومه فقد كانت أكثر من الجميع، لم يتركوا نوعًا من أنواع الإيذاء والتعذيب إلا ومارسوه ضدّه عليه الصلاة والسلام، حتى إن شقه القمر بإشارة من إصبعه -وهي واحدة من معجزاته- لم يكف لكسر عناد قومه، فقد واصلوا كبرهم حتى بالرغم من هذه المعجزة الواضحة، وقالوا إن هذا ليس إلا سحرًا، وقد صور القرآن الكريم تمردهم إزاء هذه المعجزة بقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (سورة القَمَرِ: 54/2).
لم يقبل المشركون بآيات القرآن أيضًا ولم يعترفوا بها، ووصفوها بأنها “أساطير الأولين”، وينقل الله تعالى إلينا تمردهم هذا بقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (سورة الأَنْعَامِ: 6/25).
كانت آيات القرآن الكريم تتحدث عن أخبار لا يمكن أن يعلمها إنسان أميٌّ نشأ في محيط مكة؛ كانت تحكي قصص الأنبياء السابقين، وتنبئ ببعض الأمور المستقبلية، وتصور مشاهد أخروية، وتشرح السنن والآيات الكونية، لكن كل هذا لم يكن يعني شيئًا بالنسبة للكافرين المتكبرين الذين يعاندون ويصرون على اعتقاداتهم التي توارثوها عن أجدادهم، ولذلك كانوا يجدون غلافًا يُغلفون به كل حقيقة، ويسترونها به، وقد عبروا عن كفرهم وعنادهم لما حكاه القرآن الكريم من أشياء خارقة للعادة: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (سورة الفُرْقَانِ: 25/5).
كل هذا يكشف كيف أن التكبر والمرض العقلي “رؤية النفس أكبر من حجمها الطبيعي” ساق الإنسان إلى التمرد والعصيان، ولا سيما إن كان مثل ذلك الشخص يستند إلى كيان قوي يعزو من خلاله كل شيء إلى نفسه، عند ذلك يستعصي كبرهُ على السيطرة، ومثل هذا الشخص يُصاب بجنون نفسي حتى إنه لا يتقبّل أية حقيقة تُبلّغ إليه من الخارج، ومن يدور في هذا الفلك من جاذبية الشيطان يهرب من كل أنواع المعية والصحبة الطيبة؛ فلا يرغب في القرب لا من الله تعالى ولا من رسوله الكريم.
   متكبرو يومنا الحاضر
وطالما أن تصرفات المتكبرين إزاء الحق والحقيقة كانت على هذا النحو منذ الماضي وحتى اليوم فإنها ستستمر هكذا لاحقًا أيضًا، ولن تكفي قوتكم لتغييرها، والمساكين الذين انهزموا لكبرهم هم وممثلو فكرة الإلحاد في يومنا هذا سوف ينظرون باستعلاء إلى القلوب المضحية التي تركض في سبيل إعلاء كلمة الله، وسيفعلون ما بوسعهم حتى يخربوا لهم طريقهم الذي يسيرون فيه، ويتهمونهم باتهامات باطلة لا أساس لها ولم تُعهد من قبل، فإذا كان هذا المنطقُ يرمي حتى الأنبياء بافتراءات يُسترفع عن ذكرها فما بالنا بما قد يُفعَل مع ممثلي نهج النبوة؟!
إن منطقًا واحدًا ينبعثُ منه كلٌّ من الإلحاد والإنكار والنفاق؛ فأنصار هذا المنطق الذين يحسبون أنهم عقلاء ويرون أنهم أسمى من غيرهم استعلوا على الجميع وحرصوا في كل فرصة على معاداة المؤمنين الذين لا يُشبهونهم، لم يتوانوا عن خداع الجموع الساذجة البسيطة بافتراءات غوغائية وجدلية وكاذبة، وسعوا دائمًا إلى جذبهم إلى جانبهم، ولكنه من الطبيعيّ أيضًا أن تأثيرَ كلامهم الملفق وأفكارهم المنحرفة هذه لا يدوم طويلًا؛ فكما يقال “شمعةُ الكذاب تنير حتى العِشاء”، و”حبلُ الكذبِ قصيرٌ”؛ إذ سينكشف يومًا ما الوجه الحقيقي لمثل هذه النوعية من شبكات الشر التي تبني كل خطاباتها وأقاويلها على الكذب والافتراء.
إن الأرواح المضحية في يومنا هذا تنتشر في جميع أنحاء العالم محمّلة بأفكار مثل القيام بأنشطة تعليمية وتأسيس جسور الحوار ومساعدة المحتاجين، وتسعى إلى تحقيق أفكارها تلك من خلال المدارس والجامعات ومراكز الحوار والمراكز الثقافية، وعلى حين تفعل هذا تتحرك بحساسية إلى أبعد الحدود لئلا تزعج وتؤذي أحدًا، لا تنتظر أي نفع ولا مصلحة من أحد، ولا تعمل ضد أحد، ولا تطمع في المناصب الدنيوية، كما أنها تترك دائمًا مسافة أمانٍ بينها وبين السياسة.
ومع أن هذه هي الأخلاق والتصرفات العامة لمتطوعي الخدمة إلا أن جهودهم البريئة في سبيل خدمة الإنسانية تزعج البعض؛ حيث يسعى هذا البعض إلى عرقلة الخدمات المبذولة، وذلك عبر استخدامه مجموعة من الحيل والدسائس التي لا تخطر على عقل ولا قلب، في حين أن الخدمات المتحققة حتى اليوم واضحة للعيان، فإن كان ثمّةَ شكٌّ وتردّدٌ وقلقٌ فيمكن الذهابُ إلى حيث توجد تلك الخدمات ومشاهدتُها، والتعرف عليها وعلى من يتبنّونها عن قُرْبٍ، فما يفعله إنسان لديه قليل من الإنصاف والإذعان هو الذهاب إليها ورؤيتها، والتحقق منها في مكانها، لكن المتمردين والمتكبرين يتحاشون ذلك على الإطلاق.
مشاق نهج النبي صلى الله عليه وسلم
لماذا أقول كل هذا؟
– لأن البعض قد يتساءلُ ضمنيًّا فيقول: “بالرغم من أننا نضطلع بهذا القدر من الأعمال الجميلة والخيرة لنفع وصالح الإنسانية وسلامتها، لماذا نتعرض لهذا القدر من الإيذاء والعناء؟”. حسنٌ؛ ألم يضطلع الأنبياء العظام بأشياء جميلة؟! وما الذي فعله مفخرة الإنسانية؟ لقد قصروا حياتهم كلها على تبليغ وتمثيل الحقائق الدينية، ولكنهم بالرغم من هذا أُهينوا وأُوذوا حتى من قبل الدوائر الأكثر لهم قُربًا.
فمثلًا عندما ننظر إلى الحياة السنيّة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبين أن رمز الشفقة والرأفة هذا لم يطأ عن قصد ولو حتى نملة واحدة طيلة حياته، لقد وقف دائمًا إلى جانب الفقراء والمحتاجين، وحنَّ على اليتامى، وأطعم الجوعى، وسعى إلى احتضان البشرية جمعاء بحبّه ومودّته، إلا أنه بالرغم من هذا اتُّهم بأنه -حاشا وكلا- ساحرٌ، ووُصم ما جاء به بأنه “من أساطير الأولين”، وعارضه زعماء مكة في كل فرصة، وفعلوا ما بوسعهم من أجل إثنائه عن مواصلة الطريق.. وبعد أن فعلوا كل ذلك بالنبيِّ -أحبِّ عبادِ اللهِ إلى اللهِ- فلا غرابةَ أن يفعلوا بنا نحن الأشخاص العاديين مثلما فعلوا وأكثر.
حتى إن الحديث النبوي الشريف: “أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ”، يشير إلى أن السائرين في سبيل الله تعالى لا محالة سيتعرضون لمجموعة من الابتلاءات والمصائب، ونظرًا لأن الرسل لم ينجوا من هذا فإن الصادقين السائرين على طريقهم ومتبعيهم خطوة بخطوة سوف يُمتحنون وتحل بهم الزلازل والبلايا بقدر درجاتهم وإيمانهم، وكما حُورب الأنبياء سوف يُحاربون هم كذلك، وسيُحرم البعض من أوطانهم وبيوتهم، ويُنفى البعض الآخر من بلده، ويُسجَنُ آخرون وتُصادَرُ حرّيتهم، حتى إنه سيجري الحديث عن إعدامهم، وتُدبر المؤامرات والمكائد لاستئصالهم من الجذور.
وعليه فعند النظر إلى ما يحدث يمكن القول إن متكبري عصرنا أكثر حدة وطغيانًا مقارنة بمن كانوا في العصور السابقة، لأنهم يستطيعون الكذب براحة تامة دون خجل أو حياء على الإطلاق، ويلجؤون إلى تقوية ذلك بحسب الحالة، إنهم يُعدون مؤامرات وخططًا شيطانية من أجل القضاء على من جعلوهم أعداء لهم، حتى إنني أظن أن مثل هذه الأفعال لم تخطر ولو حتى على بال أبي جهل ولا ابن أبي معيط ولا عتبة ولا شيبة ولا الوليد، فثمة سلوك مفرط يُمارَس ضد الخدمة حتى إزاء أكثر أنشطتها براءة، حتى إنه يخيّل لي أن متمردي عصر الجاهلية أنفسهم لم يعيشوا جنون العظمة بقدر مَنْ في عصرنا.
   طريق الذين نذروا أنفسهم لله جل جلاله
بالرغم من كل هذا فمن المهم للغاية بالنسبة للسائرين في طريق النبي صلى الله عليه وسلم أن يثبتوا على الطريق الذي يسيرون فيه، ويواصلوا المسير دون توقف أو تردّد، يجب عليهم ألا يتوقفوا أو يضعفوا بحجّة ما يرونَه يُرتكب في حقهم ويُفعل بهم؛ لأن كل إنسان يفعل ما تستلزمه شخصيته؛ فالعقرب يلدغ، والثعبان يقرص، والورد يفوح زكيًّا، والبلبل يُغرد شجيًّا، وكلّ إناء بما فيه ينضح.. بعد إدراك هذا ووضعهِ بعين الاعتبار لا داعي للاستياء مما يفعله الآخرون.
وعليه فينبغي لمتطوعي الخدمة أن يعلنوا الحرب على الجهل والفرقة والشرور فحسب؛ وليس على من ضلوا طريقهم، ولا على الأشرار ولا على المتكبرين أنفسهم، يجب أن يكون هدفهم السعي إلى القضاء على صفات الشر والسوء مثل الإلحاد والضلال والتمرد والكبر بدلًا من الانشغال بالأشرار والفجار، عليهم أن يقولوا: “تُرى كيف لنا أن نخلص هذا الكيان النزيه الخالد الذي خلقه الله في أحسن تقويم من الفسق والفجور والكبر والغرور، ونوجهه إلى هويته الأصلية، ونحقق تواصله مع جذوره الروحية والمعنوية؟”، عليهم ألّا يتخذوا موقفًا من الأشخاص، ولكن من الصفات السلبية التي فيهم فحسب، وأن يشكلوا إستراتيجيات للقضاء على تلك السلبيات لا على الأشخاص، يجب عليهم إعلان التعبئة والوحدة ضد السلبيات عبر استخدام العلم والعرفان، والاعتماد على المحبة والمودة، وإعلاء القيم الإنسانية والكونية.
إن نضال متطوعي الخدمة كله عبارة عن هذا.. يجب عليهم أن يفعلوا ما يفعلون من أجل هذا؛ فرسالتهم الحقيقية هي محاربة “الجهل والفقر والفرقة” بشكل يلائم ظروف العصر، كما ذكر الأستاذ بديع الزمان في سنوات المشروطية.. عليهم ألا يتأخروا عن فعل ذلك مهما كانت الموانع قوية، وأن يثبتوا ويصرّوا على تجاوز الموانع والحواجز وعبور بحور الدم والصديد.
فضلًا عن ذلك فالإنسان في عصرنا هذا بدأ يصحو على الحق والصواب، ويقدر الأنشطة الخيرية بالفعل، وعليه فلا ضرورة للقنوط والسأم والاضطراب، وعلينا أن نسعى لإيقاظ الضمائر بقدر ما نستطيع من أجل تشييد صرح القيم الإنسانية على وجه الأرض، وأن نهتم بإنشاء عالمٍ خالٍ من الصراع والنزاع تمامًا، خالٍ من الأسلحة القاتلة الفتاكة المرعبة، وبهذه الطريقة يسعون إلى إقامة بيئة من السلم والسلام تشبه تلك التي في المدن الفاضلة، ومن أجل تحقيق هذا عليهم أن يَغُزُّوا السير بعزم وإقدام دون أن يأبهوا بأي شيء قد يعطلهم، وعليهم أن يركضوا في سبيل الخير حتى تنقطع أنفاسهم مثلهم في ذلك مثل الجواد الكحيلان.

الجَرَّة المشروخة: الخدمة في أوقات المحنة والشدَّة

Herkul | | العربية

   سؤال: تفاقم الظروف وزيادة الضغوط والاضطهاد يمكن أن ينتج يأسًا لدى بعض الأشخاص؛ فما الذي يجب فعلُه في مثل هذه المواقف حتى يتسنى الحفاظ على خط الاستقامة؟

   الجواب: أوَّلًا: أجدُ فائدةً في التذكير بضرورة عدم الانخداع بالوجه الخارجي للأحداث الجارية؛ فالبعض قد تخدعه قوته وقدرته وسلطته في استئصال ما يريد، وجريان الأحداث لصالحه، ويظن أنه يستطيع من خلال هذا تحقيق ما يصبو إليه، في حين أنه على حد تعبير الإمام محمد لطفي أفندي: “كم من شخصيّاتٍ عظيمة، وسلاطين ذوي وجوهٍ نورانيّةٍ، وملوكٍ وأباطرةٍ كـ”كسرى أنو شروان” انقلبوا ورحلوا عن هذه الدنيا مثلما جاؤوها دون أن يفعلوا أي شيء، ولا أن يصلوا إلى مقصودهم، من جانب آخر فإن أشخاصًا من أمثال أبي عبيدة وسعد بن أبي وقاص والقعقاع وطارق بن زياد الذين عاشوا حياتهم كأشخاص عاديين هدموا قلاعًا حصينة، وتخطوا أسوارًا منيعة، واخترقوا أماكن مُحكمة، وحققوا نجاحات عديدة بإذن الله وعنايته.

   من أجل الوصول إلى ذروة القيم..

إذا ما ربطنا المسألة ببيان الآية الكريمة ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (سورة الْحَدِيدِ: 57/21) وجدنا المؤمن الحقيقي لا يتعجرف ولا يتجبر إذا ما أنعم الله عليه، ولا ييأس ولا يقنط إذا ما مسه الشر واشتد به الأمر، فالنفس أدنى من كل شيء، والوظيفة أسمى وأعلى من كل شيء، قد يستصغر الإنسان نفسه، ويعتقد أنه ضعيف وواهن، وربما يكون هكذا في الحقيقة، ولكنه حين يلجأ إلى ذي الجلال ملك الملوك ويثق به يُوفق إلى إنجاز أعمال عظيمة عديدة تُدهش الآخرين وتأخذ ألبابهم.

يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رُبَّ أَشعَثَ أَغْبرَ ذِي طِمْرَينِ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ[1]. أجل، ربما ترون رجالًا مساكين مشردين، ولكن لهم قيمة وقدرًا عند الله، وإن بدوا في الظاهر مثل أبنية خربة أوشكت على الانهيار فإن بواطنهم مليئة بالكنوز في حقيقة الأمر، والله تعالى يوفق مثل هؤلاء الأشخاص إلى القيام بأعمال عظيمة ومهام جسيمة؛ لأنهم يمتلكون قلوبًا صافية حقًّا، وقد توجهوا إلى الله تعالى بإخلاص وصدق، فقد محوا أنفسهم وأفنوها، فصارت سماتهم هذه وسيلة مهمةً لطلب عناية الحق تعالى ورحمته، وقد وفقهم الله تعالى إلى هذا.

ومن ثم تكون غاية المرء نيل رضا الله والفوز بمرضاته تعالى، وأن يبرأ من قوته وحوله ويلجأ ويلوذ إلى حول الله وقوته؛ فيبتعد عن جميع الأفكار التي تفوح شركًا مثل: “فعلت، وعملت، وخططت، ونجحت”، وأن يعزو إلى الله تعالى كل نجاح وتوفيق حظي به، فإن تم النظر إلى المسألة من هذه الناحية تحققت السلامة من الوقوع في الشرك، ذلك أننا لا نستطيع الوصول إلى أية درجة ما لم ننكر أنفسنا، على المؤمن أن يعلم يقينًا أن الله قادر على أن يجعل أفواج النمل تبني أبراجًا عظيمة طالما رضي عنها سبحانه، وأن يخسف بالآخرين الأرض إذا سخط عليهم.

أجل، إنه الواحد الأبدي، لا شريك له ولا مثيل، فإذا أردنا أن نعطي قيمة للبعض أمام “الأبدي المطلق”، ونضفي عليهم قيمة حقيقية فما نصيبهم إلا “الصفر”، فالعلاقة بين الله والإنسان هي ذات العلاقة فيما بين “الأبدية-والصِّفْر”؛ إلا أن الإنسان “صفرٌ” بحيث إذا وضعت (أ) لفظ الجلالة على يساره أصبح “10” على الفور، وتزيد قيمته أيضًا بكل صفر يُوضع بعد ذلك، وبالتالي فإن الإنسان مع أنه لا يحمل قيمة ذاتية إلا أنه يصل إلى أعلى القيم إذا ما ركن واستند إلى الله تعالى، والأهم أن يقدِّر الجميعُ وضعَهم الخاص تقديرًا صحيحًا.

   الأيام دُوَلٌ

ثانيًا: المخلصون في يومنا، الذين يؤمنون بالله تعالى إيمانًا صادقًا؛ قد يكونون محاصرين في قلب دوائر متداخلة، بعضها دون بعض، حصارًا من قبل أشخاص استسلموا للوهم والغطرسة والحسد أو أساؤوا فهمَ شعور المنافسة والتنافس، ولكن عند النظر إلى هذه اللوحة المشؤومة، لا ينبغي أبدًا الاعتقاد بأنها ستستمر وتدوم إلى الأبد؛ فتغيير هذه الصورة ليس في أيديهم ولا في أيدي القلوب المؤمنة؛ على العكس كل شيء في يد الله؛ إذ يقول سبحانه في إحدى الآيات الكريمة ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/140) فاليوم عيد بالنسبة للبعض، وغدًا عيد للبعض الآخر.. اليوم مأتمٌ بالنسبة للبعض، والغدُ مأتمٌ للبعض الآخر، هذه سنَّة الله وقانونها الإلهي، ولا أحد يستطيع أن يغير ذلك.

لهذا السبب فإن الوضع الراهن يشبه ظلام الليل؛ إذ يجب عدم الوقوع في اليأس والقنوط من خلال الاعتقاد بأن ذلك الوضع سيستمر ويدوم إلى الأبد، فلكلِّ ليلٍ صباحٌ، ولكل شتاءٍ ربيعٌ، ولا شك أن الله تعالى عونٌ لكل عبد من عباده يتحمّل ويصبر، وأبطال الصبر الذين يصبرون على ما هم فيه ويتجرّعونَ شوكَ “الصبرِ” الشائك سيرتشفون في النهاية الشهدَ بإذن الله تعالى.

وبالإضافة إلى الإيمان القاطع بأن نهارًا سيأتي بعد الليل، فإنه يجب القبول بليلية الليل وحساب الأشياء التي يمكن القيام بها في هذا الوضع، يجب التفكير في حلولٍ من أجل تقصير الليل بقدر المستطاع، والانتقال بسرعة إلى النهار، لأنه وكما أن هناك طائفة من الأعمال تنجز نهارًا، فإن الليل أيضًا له ظروفه الخاصة به التي يجب الاستفادة منها، وأيًّا كان التوقيت ليلًا أو نهارًا، يجب أن يؤخَذ المستقبل بعين الاعتبار عند وضع الخطط، وليس النظر إلى الوضع الراهن فحسب؛ فلا الليل مستمرٌّ ولا النهار، ويجب على من يعيشون النهار ألا ينسوا أن ليلًا ما سيأتي، وعلى من يعيشون الليل أن نهارًا ما سيأتي من بعده، ويجب عليهم أن يتحركوا وفقًا لهذا.

لنفترض أنكم تعيشون نهارًا مشرقًا وضاءً، و-باعتباركم قلوبًا نذرت نفسها لله- تركضون في نشوة وفرحة في سبيل نشر إلهامات روحكم في ربوع الدنيا؛ فتقيمون أسواقًا ومعارض في كل مكان، وتعرضون القيم الخاصة بكم، سواء قبِلها الآخرون أو رفضوها بإرادتهم الحرة؛ فهذه مسألة أخرى، ولكنكم تعتبرون هذا واجبًا عليكم، وتخشون حساب الله تعالى إياكم إذا لم تؤدوا هذا الواجب، وأثناء القيام بهذا يجب أن تكون لديكم خطط وإستراتيجيات لليلٍ يعقب النهار بالتأكيد، لأنه منذ أن خُلقت الدنيا والبشريةُ لم تنجُ من المتمردين والظالمين والملحدين، عليكم ألا تنسوا أن مثل هؤلاء الأشخاص يكمنون مستعدين لكم في أماكن معينة سيهجمون منها عليكم بمجرد حصولهم على الفرصة، وبهذه الطريقة لا تنخدعوا بضياء النهار وتعيشوا فرحين فخورين، ولا تستسلموا لظلام الليل ويلفَّكم الذعر.

لقد ربط الحق تعالى حتى عباداتنا وطاعاتنا كالصلاة والصوم والحج والزكاة والأضحية بمواقيت معينة؛ إذ من الواضح للجميع مواقيت الصلوات التي سيؤديها المؤمن خلال اليوم، فصلاة الصبح تُؤدّى في وقت السحر، والظهر والعصر تؤديان خلال النهار، والمغرب بعد غروب الشمس، والعشاء بعدها على الترتيب المعروف، بل إن النوافل مثل صلوات: التهجد والضحى والأوابين قد حُدّد لها مواعيد ومواقيت، ومثلما ربط الله تعالى سنواتنا وشهورنا وأيامنا بتقويم هكذا، فيجب علينا نحن أيضًا أن نحدد بصورة واضحة واجباتنا التي يلزم فعلها بحسب ظروف المرحلة الزمنية التي نعيشها، وفي هذا الصدد يجب على كل مؤمن أن يعمل كالخبراء العاملين في مؤسسات تحليل الأفكار والآراء، والمراكز الإستراتيجية، وأن يخطط بشكل جيد للغاية لحياته وحياة أسرتِه في المقام الأول، ثم يحدد كيف له أن يؤدي الواجب اللازم في المجتمع الذي يعيش فيه، عليه أن يُشغّل العقل والمنطق والمحاكمة العقلية التي منَّ الله تعالى عليه بها تشغيلًا كاملًا، وأن تكون له خطط ومشاريع مستقبلية، وعليه أن يُنتج باستمرار أشياء تفيد المجتمع والإنسانية.. باختصار: يجب أن يكون في نشاط وفعالية دائمة، وإلا فإنه يصدأ كالآلات العاطلة ويتعفن، ويصبح غير صالح للعمل.

   الإعلان عن سرِّ الحركة الدائمة

من جانب آخر فإنه يجب كشف ومعرفة سر الحركة الدائمة، أيًّا كانت ظروف المرحلة الزمنية المعيشة، من المهم للغاية تحديد إستراتيجيةٍ للحركة والعمل الصحيح عبر التفكير دائمًا في “ماذا يمكن أن نفعل الآن؟” سواء في النزول إلى الأسفل، أو في الصعود إلى الأعلى.. الشيءُ المهمّ هو القدرة على التحرك وفقًا للوضع دون توقف أبدًا، فأحيانًا تهرولون مثل “الهرولة” التي تحدث في جزء من السعي بين الصفا والمروة، وتستمرون في الركض، وأحيانًا أيضًا تواصلون طريقكم بخطوات وئيدة بطيئة كما هو الحال في الجزء الآخر من السعي، وإن لم تستطيعوا مواصلة السير بسبب الازدحام فإنكم تبدؤون في القفز مكانكم، ويكونُ حتى انتظارُكم نشطًا فعالًا، ولكنكم لا تتوقفون عن الحركة أبدًا.

إن تتوقفوا تنهاروا وتسقطوا، وحين تفقدون حركتكم تنكبون على وجوهكم، وتنجرفون لقوة جاذبية خطيرة وتبدؤون في التآكل بسبب الاحتكاك، وتذوبون وتختفون، ولكنكم إن لم تتوقفوا وتابعتم الحركة باستمرار فسوف تحافظون على حياتكم وحيويتكم، وستتحركون في تناغم مع الوجود، وتدورون باستمرار حيث أنتم دون أن يثنيكم عن ذلك ليلٌ ولا نهار، هذا سُنَّةٌ وضعها الله في الكون، والإنسان أيضًا تابعٌ لقوانين العالم الطبيعي في جانب ما.

وحاصل الكلام إذا واصلتم الحركة والعمل ظللتم صامدين دائمًا بإذن الله، وإذا تركتم أنفسَكم لليأس والكسل والراحة والدعة، وأصبحتم راكدين انهرتم وتعثّرتم في الطريق، وإذا ألقيتم نظرة استقراءٍ على التاريخ يمكنكم أن تروا العشرات من هذه الأمثلة، فعندما دخلت المجتمعات والدول في فترات الركود، وبدؤوا يقضون الوقت في القصور، ويُسلمون أنفسهم للراحة والفتور بدؤوا ينمحون ويزولون من صفحات التاريخ، أما المجتمعات التي تحافظ على حماسها وصفائها وتخلق مركز جذب بجهودها ومساعيها فقد اجتذبت إليها الكيانات الأصغر والأضعف، كما أنها نالت الصمود والبقاء.

***

[1] صحيح مسلم، الجنة، 46-48؛ سنن الترمذي، المناقب، 124.

الجَرَّة المشروخة: بعض المعايير الخاصة بالأخلاق الحسنة – 2

Herkul | | العربية

   منهج إصلاح الأخطاء

حاولنا فيما سبق الوقوف على مسألة عدم تعيير الناس أو تحقيرهم، والعفو عن تقصيراتهم، ويجب ألا يُستنبط من كل هذا ما مفادُه ضرورة السكوت على الأخطاء وعدم التدخّل والتصدّي لها بأي شكل على الإطلاق.. ذلك أن القرآن الكريم كلَّف المؤمنين من خلال عدد كثير من آياته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل إننا إذا ما نظرنا إلى قوله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/110) وجدْنا أن هذه الخيرية رُبطت ورُهنت بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بذلك أيضًا فقال: “مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَلْيُنْكِرْهُ بِيَدِهِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ[1].

إن محاولةَ منعِ الناس من فعل المنكرات وأمرهم بالمعروف واحدةٌ من أوصاف المؤمن الأساسية، إلا أن المنهج والأسلوب والنظام الواجب اتباعه هنا مهم للغاية؛ فعملٌ كهذا لا يمكن أن يتحقق بإحراج الناس وإخجالهم، لا سيما إذا اختلطَ المنهجُ والردُّ بما يعتبرهُ الإسلام مرفوضًا مثل الكذب والافتراء وتشويه سمعة الناس، فإن المشكلة تتضخّمُ وتكبر، والأصل هنا ضمان أن يستقر في القلوب جمال الأفعال التي وُصفت بأنها طيبة، وقبح الأفعال التي وُصفت بأنها سيئة، أي إقناع الناس بسوء أو حسن تلك الأفعال المعنية، والإسهام في أن يقوموا بضبط أنفسهم وفقًا لهذا، وإلا فإن فهمًا من قبيل “أنا أقول وأحكي، ولا شأن لي بخلاف ذلك” دون أخذ وضع المخاطب في الاعتبار، ودون التمكن من تحديد الأسلوب الصحيح، ودون التفكير في الطريقة التي يجب اتباعها؛ أمرٌ لا علاقة له بـ”الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” لا من قريب ولا من بعيد.

وإذا نظرنا إلى حياة مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم، نرى نماذجَ وأمثلةً كثيرة على ذلك، ومنها ما قاله صلى الله عليه وسلم لماعز الذي جاءه معترفًا بخطيئته حاملًا فكرة التطهّر في الدنيا على أن يترك الأمر للآخرة: “وَيْحَكَ، ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ“، إلا أنه حين أصر ماعز على تنفيذ العقوبة على الرغم من أنه صلى الله عليه وسلم ردَّه أربع مرات، كان على رسول الله أن يطبق العقوبة عليه، لكنه صلى الله عليه وسلم بقوله “اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ، لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ[2]؛ حال دون أن يسيء الناسُ الظنّ بماعزٍ، لقد أراد ألا يُذكر ماعز على أنه إنسان عاصٍ، بل على أنه إنسان تطهّر من خطيئته وسار نقيًّا طاهرًا إلى الذات الإلهية.

لم يوجّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم الإدانةَ واللومَ إلى أحدٍ طوال حياته السنية، ولم يكشف مساوئ أحد في وجهه، ومن خلال استقراءِ سيرته صلى الله عليه وسلم لا يمكن العثور على أي سلوك من قبيلِ فضح الناس، وتتبع مواضع زلاتهم وركلِ إنسان سقط على الأرض، ولا مقابلة السيئة بالسيئة، على العكس من ذلك، فقد منع المؤمنين من التجسس والبحثِ عن أحوال الناس الخفية، وأوصى بستر الأخطاء ما أمكن ذلك؛ فكان يتنفس دائمًا عفوًا وتسامحًا طوال حياته، وتلك الكلمات التي قالها بعد فتح مكة للمشركين -الذين كانوا قد مارسوا ضدّه كل أنواع الإيذاء لسنوات طويلة- لا تترك مجالًا لأي كلمة أخرى للتعبير عن عفوه ورحمته: “لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ[3]، فقد كان لينه هذا وصفحه وعفوه عليه الصلاة والسلام من أهم العوامل التي فتحت القلوب ومكّنت الناس من دخول الإسلام أفواجًا وجماعاتٍ.

من ناحية أخرى، كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ما لاحظَ تقصيرًا من أحد الصحابة لا يصارحه به ولا يضربه به في وجهه؛ بل يضمّن لذلك المعنى ولتلك الملاحظة من خلال حديثه عليه الصلاة والسلام وخطَبِه أمام العامة دون توجيه الكلام إلى شخصٍ بعينه، حتى إنه عندما يجدُ حركةً جماعية في الاتجاه الخاطئِ؛ فإنه يجمع أصحابه ويتحدث على العموم دون أن يوجه كلامه بشكل مباشر لمن ارتكبوا هذه الأخطاء، وهكذا حُلَّت المشاكل دون أن يتعرّض أحدٌ للإهانة أو التجريح أو الاستياء، ودون أن تتأذى كرامةُ إنسان، أو يخالطَ الأمر أية كراهية أو غضب.

وعليه فمن المهم للغاية أن يتعرف الناس إلى محيطهم، ولا سيما من في الريادة ومن يتحملون مسؤوليّات معينة، وأن يهتمّوا بمعالجة الأخطاء، كذلك يجبُ على المعلم في المدرسة أن يدرسَ الحالةَ العامَّة للطلّاب في فصله وأن يعرِفهم جيدًا، فهذا جانبٌ مهمٌّ من الواجب والمسؤولية، أما الجانب الآخر منها فهو معاملة كلّ فرد بإنسانية، وعدم الإساءة إلى أي شخص، ومحاولة دفع الشرور بأنسب طريقة، أي إنه يجب على المسلم أن يتصرف وفقًا لشخصيته حتى في الحالة التي يدفع فيها الشرور عن نفسه، وأن يظلّ مرتبطًا بمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكيلا يُساء إلى أي شخص ولا يُوسَّع نطاق المشكلة يجب تحديد الأسلوب وفقًا للحالة الخاصّة بكل شخص، ومراعاة كل حدث على حدة، وبدلًا من الرد الفوري على المشكلات التي تتم مواجهتها والتحدث عنها يمنة ويسرة من الضروري التفكير في المشكلة ومحاولة إيجاد أنسب حلٍّ لها، ومن المعلوم أن علاج القضايا بالفظاظة أو التجريح أو الإهمال يكسر قلوب الناس ويُبعدهم كما علّمنا الله جل جلاله، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/159)…

علينا أن نعلم جيدًا أن هذه المهمّة في تحديد الأسلوب الخاص بكل حالة يُرادُ علاجها إنما تتطلب خبرة وحساسية.. لذا يمكن اعتبار هذا العمل من شأن النخبة والمثقفين.

وتجدر الإشارة إلى أن المشاكل لا يمكن حلها دائمًا عن طريق الحديث عنها، فالحديث عن بعض المشاكل قد يضخم الأزمة أكثر.. يجب أن يكون كلام المؤمن حكمة، وسكوته تأمّلًا وتدبّرًا.. إذا كانت الكلمات التي سننطق بها حكمة وجب علينا أن نتكلم، وإذا لم تكن كذلك وجب علينا أن نصمت وننتظر الوقت المناسب.. هناك بعض المواقف التي يجب على المرء التوقف عندها والتفكر والتأمل فيها، لأن الحكمة تتطور في أحضان التأمل.. إذا كانت هناك حكمة في حديثنا فسنتحدث، وإلا فإن حديثَ كل فرد كما يحلو له وكما يخطر على باله ليس إلَّا ضجيجًا وجعجعةً، وكما نعرفُ أنّ لكلِّ مقامٍ مقالًا فعلينا أن نتعرّف إلى فضيلةِ التحلي بالصبرِ والصمتِ والانتظار.

   محاسبة النفس

يشير سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد أحاديثه الشريفة إلى أن الإنسان خُلق مهيأً لارتكاب الخطإ والوقوع في الزلل، وذلك بقوله عليه الصلاة والسلام “كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ[4]، وهذا يعني أن لدى الطبيعة البشرية ميلًا للوقوع في الخطإ، فالبعضُ يضيّق مجال هذا الميل أو يتغلب عليه تمامًا من خلال وفائه بحق إرادته؛ والبعضُ الآخر لا يستطيع النجاح في هذا الشأن بالقدر الكافي، والمهم هو أن يعتدل الشخص فورًا بعد أن يتعثر ويقع، وأن يتوجّه مباشرةً إلى المكان الصحيح، ويُدخل نفسه تحت صنابير التطهّر فيتطهر.

نعم، قد تزل قدم أي فرد، لكن الهجوم فورًا على ذلك الإنسان، والحديث عن زلتِهِ هنا وهناك وإحراجه لا يوافق الأخلاق الإلهية ولا منهج رسولنا عليه الصلاة والسلام، من واجبنا أن ننظر في عيوبنا وننشغل بتصحيحها بدلًا من أن ننشغل بعيوب الآخرين وأوجُهِ قصورهم، لأن من يتعامى عن عيوب نفسه أو لا يراها بالفعل، يظلّ دائمًا يبحث عن العيوب لدى الآخرين، لكنني أعتقد أن من انشغل بعيوب نفسه ما تفرَّغ لتتبع عيوب الناس.

علينا أن نستدير وننظر إلى أنفسنا قبل أن نلقي بالحجارة على أي شخص، إذا كنا نرتكب عيوبًا مماثلة، فيجب علينا أن نخشى أن يرتد هذا الحجر علينا ويصيبنا في رؤوسنا، يُروى أن سيدنا عيسى عليه السلام قال لمن كانوا ينتظرون وقد أمسكوا بالأحجار في أيديهم أثناء معاقبة أحد المجرمين: “ليُلقِ الحجرَ الأول من لا خطيئةَ له”، وهنا يُسارع كل واحد من الحضور بالتخلص ببطء من الحجر الذي في يده.

وأخيرًا، من المفيد التذكير بأنه لا عذر لنا إذا لم ننتبه إلى مثل هذه الأمور وذهبْنا نخوض مع الجموعِ عن عيوب وخطايا الآخرين، فحتى لو وقع العالم كلُّه في خطيئةٍ ما فإن ذلك لا يشكل عذرًا منطقيًّا لمشاركتنا في مثل خطيئتهم، وكما ورد في المثل فـ”إن كُلّ شَاةٍ سَتُنَاطُ بِرِجْلِهَا”، لا عذرَ يوم القيامة لكلمات من قبيل: “الجميع كان يتحدث وأنا أيضًا تبعتهم”، لأنه كما ذكرت الآية الكريمة ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (سورة فَاطِرٍ: 35/18) فهناك يواجِه كلُّ إنسان فداحةَ ووطأة ذنبه وخطيئته، والواقعُ أنه إذا تسبّب شخصٌ في فتنةٍ وفسادٍ بكلماتِهِ أو كتاباتِه أو ما يصدر عنه؛ فإنه سيعاني أيضًا من وبال الخطايا التي تسبب فيها إلى جانب وبال خطيئتِه نفسه.

وبدلًا من الانسحاق في الآخرة تحت هذه الأعباء الثقيلة فإن الطريقة الأكثر حكمة -حيث تتوفر القدرة لذلك في هذه الحياة الدنيا- هي التحكم بألسنتنا وضبطها على إيقاعٍ كفيلٍ بعدمِ حدوث مشكلات من هذا القبيل، ومن دون ذلك فإنه يجب على المرء أولًا أن يتحقق من مشاعره وأفكاره المتعلقة بإخوته وأن يحافظ عليها نقية طاهرة، لأن ما يصدر عن اللسان هو الأفكار، وإذا كانت الأفكار قذرةً تخرج قذاراتٌ كثيرةٌ من اللسان، ومن يركز على عيوب الآخرين ويشغل ذهنه بها دائمًا فإنه سيعبّر عنها بحديثه النفسي أولًا، ثم يتناقلها ويرددها هنا وهناك.

ومن المؤكد أن من ينشغل بالتجسس وسوء الظن والإهانة ويتحدّث عن عيوب الآخرين باستمرار سوف يرى في الآخرة عقوبة خطاياه، لكن لا يمكن لشخص هكذا أن يكون مرتاحًا في الدنيا، بل إنه بذلك سيحول بيده حياته إلى جحيم، وسيُلوّث خلاياه العصبية، وسينقلبُ الأمرُ عليه ليكون له عقوبةً.

***

[1] صحيح مسلم، الإيمان، 78؛ سنن الترمذي، الفتن، 11.

[2] صحيح مسلم، الحدود، 22.

[3] البيهقي: السنن الكبرى، 9/199.

[4] سنن الترمذي، القيامة، 49؛ سنن ابن ماجه، الزهد، 30.

الجَرَّة المشروخة: بعض المعايير الخاصة بالأخلاق الحسنة

Herkul | | العربية

   سؤال: تأمرنا السنة النبوية الشريفة بالحذرِ من تعيِير المؤمنين، واحتقارهم أو فضحِ عيوبهم، ثم تأمرنا أيضًا ومن ناحيةٍ أخرى بعدمِ السكوت على المظالم والشرور وبضرورةِ التصدي لها.. فما الموقف الواجب على المؤمن التزامه في هذا الشأن، وكيف ينبغي أن يحقق التوازن بين الأمرين؟

   الجواب: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ[1]، وبهذا نهى عن تعييب الآخرين وتعييرَهم، ولفت الانتباه إلى المصير الذي يؤول إليه مرتكبي مثل هذه الخطيئة.

   عدم التعيِير

وفقًا للحديث السابق فإن من عاب أخًا له وعيَّره على جرمٍ -فعلَه أو لم يفعلْه- لن يموت دون أن يرتكب الجرمَ ذاته، وقد يتسبب هذا التعييب والتعيير أحيانًا -حفظنا الله- في مشكلة تقع لزوجة العائب أو ابنته أو ابنه أو قريب آخر له، أي إن الله جل جلاله قد يُعاقب ذلك الشخص في نفسه عما ارتكبه من ظلم، وقد يُعاقبه في أحد أفراد أسرته.. وكثيرًا ما يجد الإنسان سبيلًا للتخلص من مشكلاته الشخصية، ولكن المشكلات التي يتعرض لها أقرب الأقربين إليه قد تقصم ظهره.

إننا لا نستطيع معرفة حقيقة الأمر؛ فربما يكون مثل هذا العقاب رحمةً بمن يستحقه؛ إذ قد يكون كفارة عن خطيئته، ومثل هذا الضيق والخجل الذي يعانيه في الدنيا ربما ينقذه من العقاب في الآخرة، وبعبارة أخرى: إن المرء بتحمله أخفّ العقابين يكون قد نجا وتخلص من أشدّهما.. وقد تكونُ الخطيئة المرتكَبة كبيرةً لدرجة أن الأزمات والعقوبات الدنيوية لا تكفي لتطهيرها؛ فمثلًا: إن جزاء الجرائم الجسيمة من انتهاكٍ للقانون، وتعدٍّ على حقوق العباد، وتهديد سلامة أرواح الناس وممتلكاتهم، والتلاعب بأعراضهم وشرفهم، ومقارفة أدناس الكفر والشرك والنفاق؛ لا يُرى إلا في الآخرة.

يستحيل علينا أن نعرف الحكمة؛ فالله يذيق البعض العذاب هنا، والبعضَ الآخر في الآخرة، فإن كنا لا نريد أن نعاني مثل هذا الخجل في الدنيا والآخرة فعلينا أن نضبط ألسنتنا عند الحديث عن الناس جميعًا، لا سيما المؤمنين منهم، بل وأن نراجع أفكارَنا بشأنهم.

ذلك أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّة[2]، ويقصد بالأول اللسانَ، وهو ما يسهُلُ إلجامه في البداية، ويصعبُ للغاية إصلاحُ ما تحطم وانهار بعد أن يمرّ منه الكلام، لذا فعلى مَن اغتابَ أحدًا أو عابه بسبب أخطائه وذنوبه أن يأتيه فيستسمحه عن ذلك على الأقل، وإلا يكون قد انتقل إلى الآخرة وعليه حقٌّ لِعبد، ومن المسلَّمِ أن هذا ليس بالأمر السهل؛ إذ يجب على الإنسان أن يغلق فمَه منذ البداية ويضمنَ سلامةَ ما بين لحييه بدلًا من الانسحاق تحت وطأة المشكلة وفداحتها.

فالحذرَ الحذرَ حتى حينما يقتضي الأمرُ إبلاغًا عن حادث ما، وعلينا ألا نتجاوز الإطار، وألا ننتهك الحدود، وأن نبرأَ من الغرض والطمعِ عند طرح أية مسألة للحديث، وأن نحذرَ من إيذاء أيِّ أحدٍ بسبب كلماتنا، وإلا فإن كانت جلساتنا وأحاديثُنا من قبيلِ “فلانٌ فعل كذا، وعلّانٌ فعل كذا، ولهذا السبب أصابنا ما أصابنا”، وانشغلنا بخطايا الناسِ وهفواتهم وسوء الظن بهم فإننا نؤلم الكثيرين ونظلم الناس ونرحل إلى الآخرة محمّلين بالخطايا والآثام.

من جانب آخر فقد صرّحَ النبي صلى الله عليه وسلم بأنّ من يعيب أخًا لذنب فعله يُعاقب بأن يأتي مثل ما أتى أخوه، وعليه يا تُرى كيف يكون موقف من يعيبون إخوانهم لأخطاء وذنوب لم يرتكبوها؟! من المؤكد أن أفعالًا مثل تشويه حيثية الأبرياء بالأكاذيب والافتراءات، ووسمهم بالجريمة من خلال المؤامرات والمكائد؛ ذنوبٌ جسيمة، كلٌّ منها أعظم من الآخر عند الله تعالى، لا سيما إذا كان المستهدفُ مجموعةً كبيرة وليس شخصًا واحدًا؛ فإذا ما سعى المفترون إلى تشويه طائفةٍ كبيرة من الناس بإلقاء الوحل والقاذورات عليهم والتلاعب بكرامتهم؛ فقد تحتّم الفشلُ واستحال الفلاحُ على أولئك المفترين.. لا توجد وسيلةٌ لتخليصهم من الذنوب والآثام إلا إذا قام كل امرئ منهم بطلب السماح من أفراد تلك المجموعة التي عابوها وعيّروها فردًا فردًا، لذلك فإنه من غير المحتمل أن يقوم مؤمن حقيقي بفعل مثل هذه الألاعيب الخاصة بذوي النفاق والكفر.

أجل، بقدر حساسية المؤمن في حماية كرامته وشرفه؛ فإنه مطالَبٌ بأن يُظهر الحساسية ذاتها بحق الآخرين أيضًا، يجب عليه ألا يؤذي أحدًا، لا بيده ولا بلسانه، بل عليه أن يطهّر حتى ذهنه من الأفكار القذرة، ويجعل إحسانَ الظن بالناس طبعَه وفطرتَه، فالأصلُ أن المؤمن -بالنظر إلى معنى الكلمة- يعني الشخص الأمين الذي يثق به ويأمنُه الجميع، فالمؤمنُ الحقيقيُّ يغرسُ ثقة هكذا في محيطه بحيث لا يقلقُ أو يتخوّف أحدٌ منه أبدًا؛ فلا يجد الآخرون قبالته أيَّ ذعر حقيقي أو وهمي؛ ولا يخافون أن يطعنهم من الخلف إذا ما أداروا ظهورهم، بل يعلمون أنهم حتى لو تسبّبوا بإيذائه فلن يتسبَّب هو في إيذائهم وإن استطاع، هذا لأن للمؤمن حدودًا معينة لا يستطيع تجاوزها أبدًا ومبادئ أساسية لا يمكنه انتهاكها ألبتة.

من المهم جدًّا أن تصبح بعض المواقف والسلوكيات سمة وسجية في المرء، وكل شخص لديه سجية خاصة به تنبع من الفطرة الإنسانية، ولكن هناك أيضًا السجية والشخصية الإسلامية المكتسبة لاحقًا، ويستطيع المسلم الذي يمثل الشخصية الإسلامية أداء بعض السلوكيات التي تستلزمها الأخلاق الحميدة دون أية صعوبة، فإن عُجِنَ إنسان في بوتقة إسلامية وتخلَّق بالأخلاق الإسلامية، فإنه لا يتخلى عن شخصيته حتى عند مواجهة المواقف العدائية للطغاة والمعتدين، ولا يرد عليهم بمثل ما فعلوه معه، أو بالأحرى لا ينزل إلى مستوى الناس العاديين.

ولكننا إن لم نتمكن من جعل الأخلاق الحميدة طبيعة فينا، فإننا نعاني صعوبة في بعض القضايا، ولا يمكننا دائمًا إظهار الصمود والثبات ذاته، وحتى لو تصرفنا برحمة إزاء الجميع فقد ننفعل إذا ما أُغضِبنَا ولو قليلًا، قد نعاني من عدم الخبرة في ردود أفعالنا، وتعاملِنا مع الناس بين الحين والآخر، ونفسد الأعمال التي سنقوم بها، ومن هذه الزاوية، فإنه مهمٌّ للغاية أن نجعل الأخلاق الإسلامية طبيعةً وجبلَّةً فينا بالضغط على أنفسنا قليلًا والتمرس والتدريب والترويض الدائم على ذلك.

   النهي عن التجسُّس

أجل، حرَّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم تعييرَ المؤمنين بسبب أخطائهم وذنوبهم، وأشارَ إلى أن الإسلام ليس فيه أيُّ تكليفٍ بالتحرِّي عن الشرور والسعي إلى الاطلاع على خطايا الآخرين، على العكس من ذلك، لقد حرّم القرآن الكريم هذا الأمرَ تحريمًا قاطعًا بقول الله تعالى ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ (سورة الْحُجُرَاتِ: 49/12).

إن من ينشغلون دائمًا في التحقيق بأخطاء وعيوب الناس، مثلهم في ذلك مثل صياد شرير، سوف تتلوث طبائعهم وتتشوه فِطَرُهم شيئًا فشيئًا، وإذا ما تلوّثت طبائعهم فلن يقتصر التعييرُ والإساءةُ على المذنبين والمخطئين فقط؛ بل سَيَشْرَع ذووا الطبائع الملوثة في تشويه الأبرياء الأطهار أيضًا.. وخلافًا لذلك، فإن المرء إذا درَّب نفسَه على عدم الخوضِ في خطايا الناسِ حتى المذنبين منهم، ونزّهَ نفسه عن ذلك مهما خاضَ الناسُ فيه، وبرمَجَ نفسه على أن يكون ذلك فيه سجيّةً وفِطرةً؛ فإنه سينثر الضياء في من حوله وما حوله.

إنني كثيرًا ما أذكّر بقول الإمام الخادمي في تعليقه المسمى “البريقة” الذي كتبه حول “الطريقة المحمدية: “حتى وإن رأيتَ مؤمنًا في حالة سيئةً جدًّا، فلا تحكم عليه فورًا، امسح عينيك، وقل: “يا تُرى هل أنا أُبْصِرُ بشكل صحيح؟ هذا الرجل لا يرتكب ألبتة مثل هذه الخطيئة”، واستدِرْ ثم انظر ثانيةً، وتحقّق مما إذا كنتَ ترى بشكل صحيح أو لا حتى لا تتخذ قرارًا خاطئًا، تحقّقْ مرة أخرى معتقدًا أنك قد تكون مخطئًا، فإن فعلت هذا عشر مرات، وتكوَّنَتْ لديك القناعة بأن ما تراه صحيحًا فابتعِدْ قائلًا “إلهي! اللهم خلِّصْه من هذا الحال المشين، واحفظني من أن أقع في مثله”.

ومع أن الإمام الخادمي يريد بكلماته هذه أن يذكرنا بحقيقة مهمة، فإنني أعتقد أن السلوك الأصوب لأي شخص يواجه مثل هذه الخطيئة هو أن يقول: “ربما أنني رأيت بشكلٍ خاطئ”، ويولّه ظهره من أول نظرة، ويبرح المكان فورًا، ويبتعد من هناك، وألا يذكر ما رآه في أي مكان على الإطلاق؛ لأن الله لم يعيِّنَّا مدّعِين عموميين ولا محققين عن خطايا الآخرين.

لنضعْ نصب أعيننا دائمًا أن أحدَ أسماء الله الحسنى “الستار”؛ أي ستَّار العيوب والذنوب، وواجبُ المسلم هو أن يتحلى بهذا الخلُق، وانطلاقًا من هذه الحقيقة يقول صلوات الله وسلامه عليه: “مَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ[3]، وقد تعرض لنا أشياء كثيرة في الدنيا تخجلنا في الآخرة، إن لم نتحلَّ بهذا الخلق في هذه الدنيا فقد نفتضح في الدار الآخرة؛ أي إن الفضيحة والذلة التي نذيقها الآخرين في هذه الدنيا تحط علينا وتطوقنا في الآخرة، ومن الأفضل كفُّ البحث عن عيوب الآخرين وهفواتهم، فإذا ما اطّلَعْنا على ذلك صدفةً علينا ألا نكشفه للآخرين أو نتحدّث فيه.

   النهي عن التحقير والإيذاء

قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر من أحاديثه الشريفة: “بِحَسْبِ امْرئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ[4]، لا يمكن الاستهانة بأي شخص يؤمن بالله تعالى، وحتى وإن لم يكن مسلمًا؛ فإننا بحسب فهم سيدنا عليٍّ رضي الله عنه لا يمكننا تحقير أحدٍ أبدًا لأن جميع البشر متساوون معنا من حيث كونهم بشرًا، قد تكون لدى البعض صفات سيئة لا نقبلها؛ مثل الكفر والنفاق والضلال، وفي هذه الحالة يكون من غير اللائق بالنسبة للمؤمن مهاجمة هؤلاء الأفراد من خلال استهدافهم، بل يجب بذلُ الجهود لإنقاذ هؤلاء الأشخاص من تلك الصفات السيئة التي نبغضها؛ ذلك أن مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم لم يُهن أو يُقلّل من شأن أيِّ شخص طوال حياته السَّنية.

بالشكل نفسه لا يمكن للمؤمن أن يقول بالنسبة لإنسان زلَّت قدمُه أو سقط على الأرض: “لأركلَه أنا أيضًا ركلةً أخرى”، لا يمكن للمؤمن أبدًا أن يكون واحدًا من السفاحين الذين يتسابقون إلى طعنِ من زلّتْ قدمُه وفقًا للمثل القائل: “إذا وقع الجملُ كثرت سكاكينه”، لا يمكن للمؤمن أن يطعن في حقِّ مَن وقعَ أو أخطأَ ولا أن يشنّعَ به ويتكلّم بعيوبه ويجعل منها حكاية تتناقلها الألسن، ولا يُخجله أو يُحرجه بأن يتحدث معه عن ذلك أمام الآخرين، لا سيما وأن إفشاء الأخطاء والذنوب التي وقعت وتضخيمَها والمبالغةَ فيها والحديث عنها هنا وهناك ليس من سلوك المؤمن بالتأكيد، إن الواجبَ على المؤمن هو أن يقدر ويحترم ويحفظ كرامة ومكانة وشرف جميع الناس كما يفعل ذلك لنفسه، إن واجبه إزاء أخطاء الآخرين وذنوبهم هو الاعتبار من حالهم، وبذل الجهد في مساعدتهم إن كان بوسعه، والتضرع إلى الله بالدعاء ألا يضعه في نفس الموقف.

إنه لَأَمْرٌ مؤلم حقًّا -خاصة بالنسبة لمن يتمتعون بسمعة عالية ومناصب اجتماعية- أن يجري الحديث هنا وهناك عن أخطاء وذنوب ارتكبوها، لأن أُسَرَهم وبيئتهم ومجتمعهم ينظرون إليهم نظرة مختلفة، لقد اعتادوا على التقدير والتصفيق لهم، ورفعوهم على كفوف الراحة، وبذلوا لهم الاحترام والتقدير، فمن غير المناسب الحطُّ من مكانتهم في أعين الناس تجاهلًا لوضعهم وموقعهم طالما لم يكن ذلك واجبًا علينا، ولنحذر من التورُّطِ في الحوادث التي تقع ضدهم، وحتى إذا كان هناك أيُّ جانب من المسألة يتعلق بنا، فينبغي لنا ألا نترك أو نتخلّى عن خُلُقِ اللين وخصلةِ الرفق، وأن نتنبّه ألا نضر أحدًا؛ فأخلاقُ المؤمن تتطلب هذا.

إن إحراجَ الآخرين وإيذاءهم لنا ليسَ عذرًا أو حجّةً لممارسة الفعلِ ذاته، لا يمكنُنا احتقارُ أيّ شخص حتى وإن احتقرَنا، لا يمكننا أن نُحرج أحدًا حتى وإن أَحرَجنا، لا نستطيع إيذاءَ إنسان حتى وإن آذانا، لأن إيذاء الناس وكسرَهم يُعتبر زلة وهفوة في منهجنا، إن إيذاءَ شخصٍ لآخرَ يُحسَبُ زلّةً على البادي المعتدي، فإذا ما قام المعتدى عليه بالرد بنفسِ الطريقة فسيقعُ في الخطإ نفسه وسيُحسبُ ذلك عليه زلة أيضًا، إذا كنتم تعتقدون أن الشتم والإيذاء والسلوكيات الوقحة أمر مخزٍ، فيجب عليكم ألا ترتكبوها مهما حصل، يجب ألا تنسوا كذلك أن الصبر على افتراءات الآخرين وتعييبهم إياكم وتشهيرهم بكم سيكون بمثابة كفارة لخطاياكم.

وما أجمل قول إبراهيم حقي:

لا تحْقِرنَّ أحدًا ولا تؤذه

ولا تحطِّمن قلبًا

لا تنصُرنّ نفسك

لِنرَ ماذا يقدر المولى

فما يقدر المولى هو الأجمل!

ويعبر الشيخ محمد لطفي أفندي كذلك عن الحقيقة نفسها بهذه الرباعية:

يقول عاشق الحقّ عن مُرهَفِ الحِسِّ:

لا تـمـتعـض مـمّـن يؤذي

فمن امتعض من الأذى

قلّتْ درجتُه عن المؤذي

تعلمون أن بعض الأوساط التي ناصبتنا العداء حتى اليوم هاجَمَتْنا وآذَتْنا عدة مرات، فهدّموا الجسور وقطعوا السبل، لقد قطعوا كل وسائل الاتصال البينية، وأحدثوا دمارًا وخرابًا خطيرًا للغاية بأكاذيبهم وافتراءاتهم وتشويهاتهم، واستباحوا بحقِّنا كل أنواع الظلم والقسوة عندما أُتيحت لهم الفرصة، ولا سيما في الفترة الأخيرة فقد ارتُكبت مظالم قاسية جدًّا هدفها السحقُ والإبادة التامة، ارتكبت شرورٌ تصل إلى حد الإبادة الجماعية، وبالرغم من كل ذلك فإننا لم نفكر في أن ننشغل بعيوب أحد على الإطلاق مثلما لم ننشغل في الرد بالمثل على ما فُعل إزاءنا، لم نفكر في ذلك ولو حتى مجرد تفكير.

 

***

[1] سنن الترمذي، صفة القيامة، 53.

[2] صحيح البخاري، الرقاق، 23.

[3] صحيح مسلم، الذكر، 38.

[4] صحيح مسلم، البر، 32.

الجَرَّة المشروخة: سلطان الدنيا والعقبى

Herkul | | العربية

   سؤال: قد تُرتكب أخطاء عند مطالعة الجوانب البشرية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المذكورة في كتب السِّير أو تناول بعض الأحوال والأوصاف الخاصة به، فما هي الأمور الواجب الانتباه إليها حتى يتسنى الحديث عنه بشكل يتلاءم مع مستواه ومكانته عليه الصلاة والسلام؟

   الجواب: من المؤسف أنّه يوجد في عصرنا فئة تتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتحدث عنه وكأنه شخص عاديّ، لهذا السبب هناك أناس كثيرون يخطئون بشأن مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم، نسأله سبحانه ألّا يحرمنا الاستقامة؛ فكُلُّ كلمة لا تناسب شخصيته المعنوية النورانية أو رسالته النبوية هي زلَّة، ومن يقع في مستنقع القناعات والأفكار الخاطئة بحقّه عليه الصلاة والسلام ربما يتعرّض للوقوع في زلات بحق الله تعالى كذلك، حفظنا الله جميعًا.

إنه عليه الصلاة والسلام دليلُ المؤمنين الأكمل، لهذا السبب فإن من يغادر الطريق الرئيس الذي سار عليه تتفرق به السبل وتتشعّب دون أن يدري، وبالتالي فإنه يبتعد عن الله، ذلك أن القريب من سيدنا رسول الله يكون قريبًا من الله تعالى، ومن يبتعد عنه مدركًا ذلك أو غير مدرك يكنْ قد ابتعد عن الله عز وجل، ومن المؤسف أن كثيرًا من الناس في الوقت الحاضر يتناولونه كشخص عادي، ويبتعدون عنه لأنهم يعيشون تحت سيطرة رغباتهم وأهوائهم.

   نظرة كلية إلى سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام

دُوّنت كتبٌ ومدوّناتٌ كثيرةٌ في السِّيَرِ والمغازي والطبقات والشمائل والدلائل التي تتناول حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوصافَه النبوية وصفاته البشرية بمختلف جوانبها، ومما لا شك فيه أن كل هذه الكتب مهمة للغاية من حيث معرفته وفهمه حق المعرفة والفهم، لكن علينا ألَّا ننسى أن الأحداثَ التي قصّها أولئك الأشخاص العظام كُتَّابُ هذه الأعمال المذكورة، والمعلوماتِ التي قدموها ترتبط -في جانب منها- ببعض الملاحظات الشخصية وبأسلوب إحساسهم وتصوّرهم الخاص، وهم بالنظر إلى النتيجة سجلوا ما سمعوه وفهموه وأدركوا معناه، لهذا السبب فإنه عند قراءة الكتب التي تتناول أحوالَ رسول الله وأوصافَه فقد تُطرح بعضُ الملاحظات التي لن تلائم عظَمة قامته ومكانته، ومن ثمَّ فلا بد من جمع كل الأقوال والكلام الذي قيل بحق النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم والنظر إليه عليه الصلاة والسلام نظرة كلية ومخروطية شمولية من خلال جميع الأقوال والتعبيرات والأوصاف.

ومما لا ريب فيه أن الصحابة الكرام يعرفون بشريةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عن قرب، ولا سيما كبار الصحابة مثل سيدنا أبي بكر وسيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا علي رضي الله عنهم، فقد قرؤوه أفضل منا، وشربوا من هذا المنهل العذب المورود حتى ارتووا، ولم يكتفوا بأن يستفيدوا منه هم فحسب؛ بل نقلوا كلَّ شيء سمعوه ورأوه منه إلى الأجيال التالية حتى تتعرف عليه، وواجبُنا هو احترام هذه المعلومات الواردة عنهم بطريق النقل والاستفادة منها، فكل واحد من الصحابة الكرام أحسَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم بعمق مختلف من أعماقه، فإن جمعنا كلامهم ونظرنا هكذا إلى الشخصية الأحمدية حينها نستطيع أن نراه ونعرفه على نحو يليق بمستواه وقيمته ومكانته عليه الصلاة والسلام.

الإيمان بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والارتباط بسنَّته هو وسيلة النجاة بالنسبة للمسلمين؛ فالقدرة على إدراك عظمته كونه صاحب النور الأول وغاية الخلقة أمر مهم للغاية، وثمة عبارة مشهورة تدور بين الصوفية بصفة خاصة، وذلك على الرغم من انتقادها من حيث علم السندِ ومصطلح الحديث، يقول فيها الله تعالى “لَوْلَاكَ مَا خَلَقْتُ الْأَفْلَاكَ”، وقد كتب المرحوم نجيب فاضل كتابًا حول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع له عنوانًا مفاده “ذلك الذي نحن بسببه موجودون”.

لو لم يكن هو الشخص الذي سيضطلع بمهمة التشريفات لمشاهدي محشر الكون لما أمكن فهم معنى هذا الكون؛ ولما تسنى معرفة أن الوجود عبارة عن تجلي أسماء الله تعالى؛ ولتعذرت معرفة الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته السبحانية، والأمر بالمثل بالنسبة للناس؛ فقد كانوا يعيشون ولا يدرون أنهم ضيوف في الدنيا وسيرحلون منها إلى عالم آخر؛ فكانوا عاجزين عن العثور على الطريقِ المستقيم والسيرِ باستقامةٍ والوصولِ إلى الأفق الذي يجب عليهم أن يصلوا إليه، فإن كنا نعلم شيئًا في كل هذه القضايا فإنما نعلمه بفضله عليه الصلاة والسلام، وتعبيرًا عن هذه الحقيقة يقول محمد عاكف:

مدين له مجتمعه، مدينون له أفراده؛

مَدينة لهذا المعصوم البشرية جمعاء

يا رب! احشرنا بهذا الإقرار يوم الحشر!

وعليه فإنه يستحيل على كتب السيرة أن تحتوي كلَّ كمالاته الشخصية.

ويعبر بديع الزمان عن هذه الحقيقة في أحد المواضع فيقول: “هذا النبي المبارك الذي هو أنبل نتائج الكون وأكمل ثمراته والمبلّغ عن خالق الكون، وحبيب رب العالمين، ماهيتُه الكاملةُ وحقيقةُ كمالاته لا تحصرها الأحوال والأطوار البشرية التي ذكرَتْها كتب السيرة والتاريخ، فأنّى لهذه الشخصية المباركة الذي كان كلّ من جبرائيل وميكائيل مرافقين أمينين له في غزوة بدر أن تنحصر في حالة ظاهرية أو أن تظهرها بجلاء حادثة بشرية كالتي وقعت مع صاحب الفرس الذي ابتاع الفرس منه ولكنه أنكر هذا البيع وطلب من الرسول الكريم شاهدًا يصدّقه فتقدم الصحابي الجليل “خزيمة” بالشهادة له، ولئلا يقع أحدٌ في غائلة الخطإ يلزم من يسمع أوصافه البشرية الاعتيادية أن يرفع بصره دومًا عاليًا لينظر إلى ماهيته الحقيقية، وإلى شخصيته المعنوية النورانية الشامخة في قمة مرتبة الرسالة، وإلا أساء الأدب، ووقع في الشبهة والوهم”[1].

أجل، يجب ألا يُنظر إلى بعض الأحوال والأطوار البشرية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيُعتبر شخصًا عاديًّا كما يفعل البعض، فإلى جانب هذه النوعية من معاملاته يجب ألَّا يُنسى أبدًا أنه صاحب مقام الجمع، وأنه على اتصال دائم بعوالم ما وراء السماوات، وأن الله أمطره بالوحي زخًّا زخًّا، وصدرت عنه معجزات شتى، ومثَّل الأخلاق القرآنية أفضل تمثيل، لا بد من اعتبار كونه في معية الله الحق حتى وهو بين الناس، وأنه كان يتعامل معهم تعاملًا مختلفًا.

وعلى حد تعبير “البوصيري” فحتى المعجزات -مثل انقسام القمر إلى نصفين بإشارة واحدة منه، وجريان الماء فياضًا من بين أصابعه، وتحقق الشبع لجيش كامل بمؤونة قليلة، وتوضؤ ثلاثمائة فرد بقربة ماء- كل ذلك لا يكفي لإظهار قيمته الحقيقية، فلو أن المعجزات جرت وفقًا لعظمته لكان يلزم أن ينبعث الموتى من فورهم إذا ما قُرئ الاسم المحمدي فوقهم.

وفي موضع آخر يقول الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي كما أنه يتعذر عند النظر إلى البيضة التي خرج منها طائر الطاووس فهمُ جماله الذي يبهر العيون وإدراكُه؛ فإنه لا يتيسر إدراك قيمة الشخصية المعنوية له عليه الصلاة والسلام ودرجتها عند النظر لبداية حياته نظرًا ماديًّا سطحيًّا صوريًّا، ومن أجل إدراك قيمته الحقيقية يلزم النظر إلى الأنوار التي نشرها في كل الأرجاء[2]. أجل؛ إن طائر الطاووس بالنظر إلى بدايته خرج من بيضة، ولكنه بدأ لاحقًا يستعرض قوامه بألوانه التي تبهر العيون وزخارفه المتباينة الألوان، وجماله المُحيِّر، فيجب النظر إليه من هذه الزاوية.

وعلى ذات الشاكلة يجب أن يكون النظر إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ يجب ألا نعلَق بقشر البيضة، فإن يجرِ تناول رسول الله باعتبار الأب والأم فحسب، والمنزل الذي نشأ فيه والبيئة التي كبِر فيها، ويُنظر إليه على أنه يتيم أبي طالب يستحلْ إدراك قدره وقيمته الحقيقية عليه الصلاة والسلام، إنه إنسان فريدٌ خلقَه الله تعالى في ماهية مخصوصة.. وإن صح التعبيرُ؛ فمن خلاله تنظر الذات الإلهية إلى الوجود، والعظماءُ الذين أدركوا قيمتَه هذه لم يُهملوا في دعائهم أن يطلبوا معيةَ الحبيب الأكرم إلى جانب معيةِ الله، ولقاءَ الحبيب الأكرم إلى جانب لقاءِ الله تعالى، وعليه يجب السعي إلى الإحساس به ومعرفته بكل جوانبه هذه عليه الصلاة والسلام.

وكما قال البوصيري أيضًا فإنه صلى الله عليه وسلم، بالرغم من كونه بشرًا، إلا أنه ليس بشرًا عاديًّا، إنَّ له يدين ورجلين وعينين وأذنين مثلنا تمامًا ويأكل ويشرب ويبيع ويشتري ويقضي غير ذلك من احتياجاته البشرية؛ إلا أنّ له -إلى جانب هذا- روحًا فريدة ولطائف ربانية وسرًّا وخفيًّا وأخفى، فإن لم يُنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل خصوصياته هذه فليس ممكنًا مشاهدة قيمته ومكانته الحقيقية ولا معرفتها.

محمد بشر وليس كالبشر ** بل هو ياقوتة والناس كالحجر

لا جرمَ أن إدراك مثل هذه النظرة قد لا يتيسر للجميع، علاوة على أن معرفة وفهمًا هكذا ليس ضروريًّا من أجل النجاة الأخروية، فباعتبار النتيجة يَعرفُ كلُّ مؤمن رسولَ الله بحسب معرفته واعتقاده وأفقه، فإن كان شخص يقول “محمد رسول الله” ويخلص لهذا العهد والشهادة فإنه يُرجى له أن ينجو بعناية الله وإحسانه ورحمته، ولكن هذه قضية مختلفة، الأمر الذي نقف عليه هنا هو معرفة سيدنا رسول الله بعمقه الذاتي، وجوانب حقيقته الأحمدية وحقيقته المحمدية.

   مهاجر أفق الإنسانية

إن الكلام عن سيدنا صلى الله عليه وسلم يمثل عشر معشار ما يجب أن يُقال بشأنه، إنه سلطان الدنيا والعقبى، إنه أول موجود -التعيين الأول- ظهر كنواة في العلم الإلهي، وكما يمكن النظر إليه من هذا الجانب على أنه نواة شجرة الكون من حيث الحقيقة الأحمدية؛ فإنه يمكن النظر إليه على أنه ثمرة تلك الشجرة من حيث الحقيقة المحمدية، ذلك أنه مثلما كان أول مخلوق ظهورًا بين المخلوقات من ناحية ماهيته ووضعه؛ فإنه من الجانب الآخر، وبالنظر إلى الرسالة التي جاء بها، قد وجَّه الإنسانية جمعاء إلى الله تعالى.

إذا اعتُبر الكون كتابًا فإن النور المحمدي هو مداد قلم كاتب ذلك الكتاب، فقد زين الله جل جلاله خطوط هذا الكتاب بمداد سيدنا أحمد صلى الله عليه وسلم، ويمكن القول كانت هناك أشياء خاصة به في جميع أسطر الكون، وإذا ما اعتُبر الكون معرضًا فإن النور المحمدي هو أمينُه ومرشده على حد سواء، ومن هذه الزاوية فإنه لا بد عند النظر إلى رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من أن توضع في الاعتبار الحقيقة الأحمدية إلى جانب الحقيقة المحمدية، وتجري مطالعتهما سويًّا، عندئذ نستطيع أن نفهم كيف أن باب الكون انفتح بسيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي هو مفتاح سري وسحري، وأن الله خلق الوجود تقديرًا لحرمة ماء وجهه.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنظر إلى شمائله هذه هو مهاجر أفق الإنسانية، فبينما يأتي من عالم الأرواح أو من عالم التعيين الأول هاجر هجرة مهمة؛ إذ إن خروجه من الوضع الذي هو فيه وهجرته مثل هذه الهجرة أثقل من الهجرة التي قام بها من مكة إلى المدينة، فهجرة مفخرة الإنسانية إلى أفق الإنسانية يعني ولادتها من جديد؛ لأن العلاقة التي ستؤسسها بخالقها تساوي وجود وعدم إنسان لا يعرف الغاية من الخلق، والمقصد من البعث إلى الدنيا، وإلى أين ارتحل، إنَّ معلّمَ كل هؤلاء الأمور للإنسانية وموجدَ حلول مثل هذه النوعية من المشكلات الإنسانية هو محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم، فالواقع أن ما جاء به من قوة الطرد المركزي وصل تأثيره حتى يومنا هذا، ومع ذلك فهذه أمور خاصة بالعلم الإلهي وخطة القدر وعالم الغيب بمعنى ما، أما وجودها خارج العلم الإلهي وتشكل مجموعة من الكيانات في العالم الخارجي فيختلف عن هذا.

   الإنسان الكامل حقًّا

لقد عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنه أخروي حتى في الدنيا، لقد عاش حياته كلها لربه حامدًا، وبليله قائمًا ذاكرًا، لدرجة أنه يَذكر في إحدى المرات أنه يتحصل من عبوديته لله تعالى على المتعة واللذة التي يحصل عليها الأشخاص العاديون من الأكل والشرب والتنزه أو من غير ذلك من المتع الجسمانية، لقد كان يشعر من تعبده لربه وعبوديته له بعشق وشوق عظيمين، ولا ريب في أن هذا أيضًا يكشف عمقه في المعرفة، أما بعض المعاملات والتصرفات التي قام بها فيما يتعلق بالدنيا فقد كانت إحدى لوازم رسالته وتمثيله للدين الحق الذي جاء به، كان يهدف إلى تعليم أمته كيفية التصرف في مثل هذه الأمور، وإلا فلم يكن له كبيرُ تعلُّقٍ بالدنيا.

وعلى حد قول الجيلي فإن الإنسان الكامل حقًّا هو مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم وكونه الإنسان الكامل هو أحد نتائج عبوديته الحقة لله، ناهيك عن رسالته.. لقد حقق ذروة الكمال الإنساني في ظل عبوديته لله، وبالشكل نفسه فإن المعراج مكافأة له على عبوديته، لقد عرج سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدًا لله؛ ورفرف وسار بولايته، واكتسب بعبوديته شفافية لا حد لها حتى إنه -وعلى حد تعبير الأستاذ- ارتقى إلى المعراج بجسده الكوكبي النوراني، لم يستطع أن يمنعه قانون الجاذبية الأرضية، ولا قوة الاحتكاك، ولا قيد الزمان والمكان، لقد ساح في ظل ولايته إلى عوالم ما وراء الطبيعة، ودخل هناك في بُعد طُويت فيه تحت قدميه مسافات تُقطع في آلاف السنين، رأى ما لم يُر، وسمع ما لم يُسمع، وحل بإذن الله تعالى ما استعصى من المشاكل على الحل، وتيسر له -وهو لا يزال حيًّا- لقاء الله ورؤيته تعالى.

ثم عاد بالرسالة من رحلة المعراج، وجاء أمته برسائل وبشارات، وعاد إلى موطن المحنة والبلاء هذا ثانية كي يأخذ بيد البشر ويبلغهم ما سمع، ويقدم لهم ما رأى، ويوصلهم إلى نفس المائدة الربانية، وأتم رحلة عروجه بالنزول منها، وبعد أن وصل إلى أفق “قاب قوسين أو أدنى” عاد مجددًا إلى ديار أمثال أبي لهب وعتبة وشيبة وعقبة بن أبي معيط، ترك نعيمَ الجنة وعاد إلى الحياة والدنيا المريرة، وهذا تعبير عن الحب والمودة العميقة التي يشعر بها تجاه أمته.

لَمَّا اقْتَرَفَ آدَمُ الْخَطِيئَةَ قَالَ: يَا رَبِّ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ لَما غَفَرْتَ لِي، فَقَالَ اللَّهُ: يَا آدَمُ، وَكَيْفَ عَرَفْتَ مُحَمَّدًا وَلَمْ أَخْلُقْهُ؟ قَالَ: يَا رَبِّ، لِأَنَّكَ لَمَّا خَلَقْتَنِي بِيَدِكَ وَنَفَخْتَ فِيَّ مِنْ رُوحِكَ رَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ عَلَى قَوَائِمِ الْعَرْشِ مَكْتُوبًا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَعَلِمْتُ أَنَّكَ لَمْ تُضِفْ إِلَى اسْمِكَ إِلَّا أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَيْكَ، فَقَالَ اللَّهُ: صَدَقْتَ يَا آدَمُ، إِنَّهُ لَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَيَّ ادْعُنِي بِحَقِّهِ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ وَلَوْلَا مُحَمَّدٌ مَا خَلَقْتُكَ”[3]، ومثلما فعل سيدنا آدم عليه السلام فإننا نحن أيضًا نتخذ النبي الأكرم عليه الصلاة والسلام شفيعًا في أدعيتنا، وعلى الرغم من أن البعض قد يعترض، فإن روحانيته بالنسبة لنا تشبه الصوبة الزراعية بالنسبة للزروع، فنحن نشعر بالأمان ونحن في مناخه وبيئته.

وكما لُذْنا هنا بصوبته وكنفه نأمل أن نجتمع تحت لواء حمده في الآخرة بمشيئة الله تعالى، إنه صاحب لواء الحمد، ومن يلوذون بلوائه ينجون بلطف الله تعالى وكرمه دون أن يتعرضوا لأي سؤال صعب.

وحاصل الكلام أن واجبنا الأهم هو أن نبلغ الإنسانية جمعاء بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكل خصوصياته وأعماقه هذه، ونحببها فيه، ذلك أن التحبيب فيه يعني تحبيبًا في الله تعالى في الوقت نفسه، فمن يتوجه إليه عليه الصلاة والسلام حتمًا سيتوجه إلى الله، فالطرق المؤدية إلى الله تمر من خلاله عليه الصلاة والسلام، ولما كان وصفه بكلمة “جسر” عليه الصلاة والسلام سوء أدب يمكننا أن نقول إنه “نقطة العبور” أو “الوسيلة”، من يصل إليه ويبلغ محيطه النوراني سيصل بالتالي إلى الله تعالى، ومن لم يصل إليه، ويلتقِ به ويستنشق هواءه المُنعش يصعبْ عليه الوصول إلى الله تعالى.

***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب التاسع عشر، ص 105.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: المثنوي النورية، ص 182.

[3] الحاكم، المستدرك على الصحيحين، 2/672.

الجَرَّة المشروخة: الاستقامة

Herkul | | العربية

   سؤال: كيف ينبغي لنا أن نفهم قول الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم “شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأَخَوَاتُهَا”[1]؟

   الجواب: ورد أنَّ أبا عليٍّ السري رضي الله عنه قال: رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: “يَا رَسُولَ اللهِ رُوِيَ عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ: “شَيَّبَتْنِي هُودٌ” قَالَ: “نَعَمْ” فَقلتُ له: “مَا الَّذِي شَيَّبَكَ مِنْهُ قَصَصُ الْأَنْبِيَاءِ وَهَلَاكُ الْأُمَمِ؟” فأجاب عليه الصلاة والسلام: “لَا، وَلَكِنْ قَوْلُهُ ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (سورة هُودٍ: 11/112)”[2]، والحقيقة أن هناك سورًا وآياتٍ أخرى أحنت ظهر النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه ذكر هذه الآية بصفة خاصة؛ لأن أمر الاستقامة لا حد له ولا نهاية؛ إذ إنه لم يوضع هنا حدٌّ معين كأداء خمس صلوات وصيام شهر واحد، فسيد السادات صلى الله عليه وسلم صاحب الوجدان القادر على فهم الوحي السماوي في إطار سعته وشموله يستخرج معاني واسعة جدًّا من هذه الآية، وبالتالي فإنه يجد صعوبة بالغة في الوفاء بهذا الأمر بالنسبة له.

لا ريب أن كل إنسان سيفهم هذا النوع من الآيات حسب مستواه، فلو سألنا شخصًا عاديًّا: ما هو التكليف المقصود بهذه الآية؟ فإنه يجيب: “الاستقامةُ هي أن تؤدِّي الصلوات الخمس التزامًا بشروطها وأركانها، وتصومَ رمضان كما يجب، وتخرج زكاة مالك إن كان لك مال بلغ النصاب، وتحج البيت إن كنت تستطيع، وتجتنب كبائر الذنوب”.. وربما يجيب آخر عن هذا السؤال هكذا: “الاستقامةُ هي أداءُ الفروض والواجبات بحساسية وعناية، واتّقاءُ المحرمات، والتصرُّف بحذر إزاء المكروهات، وتركُ بعض المباحات خوفًا من أن تكون مكروهة، وأن تدورَ الحياةُ في فلك التقوى”.

   كيف فهم سيدنا رسول الله الاستقامة؟

إن المعنى الذي فهمه سيدنا رسول الله من هذه الآية أكثر اختلافًا مما تقدم، وذلك بالنسبة له هو صلى الله عليه وسلم، وربما أنه لهذا السبب كان صلى الله عليه وسلم يتعبّد ليلًا حتى تتورّم قدماه، ولا سيما أنه واصل فعل ذلك عندما تقدَّم به العمر فكان يصلي النوافل جالسًا حيث لا يستطيع الوقوف على قدميه، وبحسب ما عرفناه من الصحابة الكرام فقد كان يقرأ البقرةَ وآل عمران والنساء في ركعة واحدة أحيانًا، ويكرر قراءة الآيات التي تدعو المؤمنين إلى التفكر حول كتاب الكون، ويبكي منتحبًا شجيًّا.. وذات يوم سألته أمنا عائشة رضي الله عنها إزاء فعله هذا أنْ “أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟” فأجابها “أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا[3]“، أي إن رسولنا عليه الصلاة والسلام فهِم الاستقامة فهمًا واسعًا عميقًا هكذا.

لهذا السبب بدأ الشيبُ يُرى في شعره عليه الصلاة والسلام بعد أن نزلت هذه الآية، بحسب ما علمنا من الصحابة، فلما ذُكِّرَ عليه الصلاة والسلام بهذا قال “شَيَّبَتْنِي هُودٌ“، ويمكنكم أن تقولوا عن هذا “أحنت سورة هود ظهري، وأهرمتني”، لأن الآية المذكورة وضعت حكمًا مطلقًا ليس من الممكن تقييده عن طريق الوفاء بأعمال معينة خاصة به، ولما كان حد الاستقامة غير محدد فيستحيل القول -مهما أوتي من أعمال- إنه تم الوفاء بما تستلزمه الآية، ومن هذه الناحية وتحت التأثير القويِّ لإحساسه الدقيق وفهمه العميق فإن هذه الآية كانت ثقيلة للغاية على النبي الأكرم بطل الصبر التام والتوكل التام والتسليم التام والتفويض التام والثقة التامة بالله تعالى.

وثمة واحد من العظماء يصرح بملاحظاته فيما يتعلق بشكر الله تعالى هكذا: “رباه! كيف لي أن أؤدي شكري إياك! إن مجرد توفيقك إياي أن أشكرك نعمةٌ تتطلب الشكر في حد ذاتها، يجب عليّ أن أشكرك على كل شكر وُفِّقتُ إليه، إن أفنيتُ عمري بشكرك فلا أستطيع أن أؤدي شكر نعمك وآلائك التي أحسنت بها عليَّ”..

ويمكننا تناول المسألة وفقًا للتعبير الوارد في “كلستان” لسعدي الشيرازي: حيث يقول “يجب على الإنسان أن يشكر مرتين على كل نَفَسٍ من أنفاسه”، فكما أن الإنسان يموت إن لم يتنفس فإنه يموت إن لم يستطع إخراج ذلك النفس من جوفه، فالله يهب الإنسان الحياة مرتين حتى في شهيقه وزفيره، وكما أن الإنسان يعترف بأنه مدين بالشكر لمن يُسدُونَ إليه ولو حتى معروفًا بسيطًا فكيف ينبغي له أن يشكر الله تعالى الذي يغرقه بإحسانه! ولما كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على وعيٍ بهذه المسألة فقد تلوى وهَرِم أمام الآية الكريمة ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْت﴾ (سورة هُودٍ: 11/112).

   معيار الاستقامة

لا جرمَ أنه من الواجب على المؤمنين الذين يتّبعون رسول الله ويصطفّون خلفه محاولة إدراك هذا الفهم والمعنى، يجب عليهم ألا يكتفوا في أي وقت على الإطلاق بالعبودية التي يضطلع بها كل واحد منهم باعتباره فردًا من أفراد “هل من مزيد؟”، وعليهم السعي دائمًا إلى إعلاء هممهم كي يستطيعوا إدراك الاستقامة، ذلك أن الله تعالى بشر عباده السائرين على درب الاستقامة قائلًا ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ (سورة الْجِنِّ: 72/16) وزيادة في توضيح معنى الآية يمكننا القول إنكم “إن تركضوا في إثر الاستقامة، وتتبعوا الاستقامة، وتكونوا في قلب الاستقامة فإنني أُغرقكم في النعم”.

وفي هذا الصدد يجب على المؤمنين التفكير بتعمق وتفحّص حول الاستقامة، تُرى ما هو معيار الاستقامة؟ ما الذي يطلبه الله تعالى منّا بقوله “استقم”؟ أيّ نوع من أداء العبودية يطلب منا؟ لا شك أن السبيل إلى فهم هذا وتطبيقه يتأتى من اتباع النهج المقدس للأنبياء، كان يجب على الأقوام السابقين أن يتبعوا الرسلَ التي أُرسِلَت إليهم حتى يتسنى لهم أن يعيشوا حياتهم في إطار الاستقامة، والطريقُ الوحيد الذي تستطيع الأمة المحمدية من خلاله تحقيق الاستقامة هو اتباع سيدنا رسول الله صاحب مقام الجمع، الذي جمع في ذاته حقائق جميع الأنبياء، ومن هذه الزاوية إن كنا نرغب في أن نحيا حياة مستقيمة مثل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب علينا أن نتبع سنته، ونسير على نهجه، إن استطعنا النجاح في فعل هذا، ولم نفقد استقامتنا يحسن الله تعالى علينا ببركات من الأرض والسماء.

ولو أن قومًا حادوا عن الصواب وضيعوا استقامتهم فإن النعم التي منَّ الله تعالى عليهم بها قد تكون ابتلاء لإغرائهم، والنعم التي أمطرهم الله بها من رؤوسهم حتى أخمص أقدامهم ربما تكون سببًا لعجرفتهم، كما أن الثروات التي يمتلكونها، والمناصب التي يشغلونها، والإمكانيات التي لديهم؛ ربما تضلهم وتغويهم فيزدادوا فسادًا يومًا بعد يوم، ويأتي يوم يسوي فيه الله تعالى هؤلاء القوم الظالمين بالتراب كما ورد في الآية الكريمة: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الأَنْعَامِ: 6/45) أي إن كل واحدة من النعم التي نالها هؤلاء الأشخاص تصير مكرًا إلهيًّا، واستدراجًا لهم.

أجل، إن الهدف الأهم الذي يلزم الإنسان أن يدركه هو الاستقامة، أي مسألة أن تكون على طريق النبي أو لا تكون! ليس ممكنًا أن يصل أي شخص إلى مستوى الأنبياء، ولكن المهم هو السعي إلى الوصول إليه، والعمل على التحلي بصفاتهم وسماتهم عليهم الصلاة والسلام.

يمكن القول إن أساس الإسلام هو الاستقامة، ولهذا السبب فإننا يوميًّا نطلب الاستقامة من الله تعالى في صلواتنا بدعائنا إياه أن ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (سورة الفَاتِحَةِ: 1/6)، أي إننا نسأل الله تعالى كلَّ يومٍ أربعين مرة على أقل تقدير وندعوه ألا نقعَ في إفراطٍ ولا تفريط، وأن نحيا على الاستقامة دون انزلاقٍ إلى الكسل والجمود، وإن قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابي الذي طلب منه النصيحة “قُلْ رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ[4] ليبين مدى أهمية الاستقامة، لهذا السبب فإن الواجب علينا هو ألا نكتفي بطلبنا الاستقامة قولًا أربعين مرة في اليوم، بل أن نركض وراءها، ونتحرّى الطرق التي تقودنا إلى تحقيقها، ونعزم ونجتهد أن نعيش حياة مستقيمة ما حيينا.

   استخدام كل عضو في ما خُلِقَ من أجله

وكي يحقق الإنسان الاستقامة عليه أن يستخدم كلَّ عضوٍ من أعضاء بدنه باتجاه الغاية من خلقه، فقد منَّ الله تعالى على الإنسان بيدين ورجلين وعينين وأذنين ولسانٍ وشفتين؛ كلٌّ منها نعمة كبيرة، والمرءُ في معظم الأحيان لا يدرك قيمتها الحقيقية وأنَّ كلَّ واحدة منها نعمة عظيمة بالنسبة له إلا حين يُحرم منها ويفقدها، والآيات الكريمة ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ۞ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ۞ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (سورة البَلَدِ: 90/8-10) تُذَكِّرُ الإنسان بقيمة هذه النعم، وتدفعه إلى التأمل والتفكر والتدبر والشكر.

إن الواجب على الإنسان في هذه الحالة ألا يدنس عينيه بالنظر إلى الخطايا والمحرمات، وأذنيه بسماع ما لا يليق ولا يصح من الأقوال، ولسانه بالغيبة والنميمة والكذب والافتراء، وألا يجدع يديه بمدهما إلى الحرام، ورجليه بالمشي إلى المحرمات والخطيئة، وقد بين القرآن الكريم ما هي الأفعال السلبية المسماة بالذنوب والمحرمات والمنكرات والفواحش بيانًا واضحًا وصريحًا، والواجب على المؤمن هو أن يستخدم كل عضو من أعضاء جسده وحواسه في دائرة الحلال وفي اتجاه الغاية من خلقه، وإلا فإن أعضاءه تلك سوف تشهد عليه في الآخرة كما أشارت إلى ذلك الآية الكريمة ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (سورة فُصِّلَتْ: 41/20).

أجل، الأساس هو استخدام كل عضو في اتجاه الغاية من خلقه، فمثلًا وظيفةُ العين هي قراءةُ كتاب الكون قراءةً صحيحة، وتحليل الحوادث التي فيه والعثور بهذه الطريقة على السبل التي توصل إلى الذات الإلهية، فإن استخدم الإنسان عينيه في النظر إلى الآثام فإن هذه العين ستتكلم في الآخرة أمام الله تعالى “إلهي! إن عبدك هذا خالف أمر الآية الكريمة ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ (سورة النُّورِ: 24/30)، وتَحَرَّك على خلاف الحكمة من خلقي”، وستشكو من صاحبها، لأن العين التي تلوثت بالنظر إلى الآثام في الدنيا وعميت معنويًّا يكون أفق نظرها الخاص بالآخرة قد ضاق، وسُلب من يدها نصيبُها وحظُّها في الآخرة، وعينٌ هكذا يستحيل أن ترى مظاهر الجمال الخاصة بالعالم الآخر مناسبةً لإمكانياتها التي تمتلكها.

والأمر نفسه ينطبق على الأعضاء الأخرى؛ فالحكمة من خلق الأذن هي الإصغاء إلى كلام الله، وبيان رسول الله وكلام الأشخاص العظام الذين يستمدون الإلهام من هذه المصادر المقدسة، فإن تلوَّثت الأذن بلوث اللغو واللهو بدلًا من ذلك لم تستطع سماع المحاسن التي تُسمَع في الآخرة؛ ذلك لأنها ستحرم من قدراتها الكامنة فيها، ومن يدري كم يكون جميلًا سماع إحدى كلمات النبي أو كلام صحابي في الآخرة! ولا سيما سماع ولو حتى كلمة واحدة من الحق تعالى، إن ذلك يُكسِب الإنسان نشوة وفرحة يكاد يغيب فيها عن وعيه، إلا أن أذنًا تلوثت بالخطايا والذنوب في الدنيا يستحيل أن تسمع هذه المحاسن.

والأمر بالمثل بالنسبة للسان الذي يتلوث بالذنوب والخطايا كالكذب والغيبة والافتراء فليس ممكنًا أن يستجيب لهذه الكلمات المباركة، كذلك الرِّجلُ التي تركض وراء الحرام في الدنيا، وتذهب إلى أماكن يجب ألا تذهب إليها تُسلب القدرة على المسير الخاص بالآخرة، فإذا كان الإنسان قد لوث هنا أعضاءه التي يمتلكها، وحطمها وكسرها فإن هذه الأشياء المحطمة لن تحقق له فائدة في الآخرة، لذلك فإن الله الذي سيُنطق كل شيء في الآخرة سينطق هذه الأعضاء أيضًا، وستشهد هي أيضًا -حفظنا الله- على صاحبها.

ولن يُمنح هؤلاء حقَّ الاعتراض والطعن على شهادة أعضائهم بحقهم، ذلك أن الحق تعالى يقول ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (سورة يس: 36/65) وعلى حد التعبير القرآني فإن الأفواه ستحاول -في الآخرة- أن تجد أعذارًا لها كما يفعل البعض هنا في الدنيا فيقولون ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/38)، و﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ (سورة الأَحْزَابِ: 33/67)، من المحتمل أن الله سيختم على تلك الأفواه ولن يسمح لها بالحديث نظرًا لأنها ستحاول أن تجادل بالباطل هكذا، وبعد أن تصمت الأفواه ستبدأ الأعضاء الأخرى تتحدث عن الأخطاء والذنوب المرتكبة.

أجل، إن بعض الأخطاء والذنوب التي في هذه الدنيا سترتد في الآخرة على صاحبها بشكل مختلف جدًّا لا نستطيع تحديد ماهيته، ومن هذه الزاوية فعلى الإنسان أن يقوم هنا بأعمال صالحة، ويستخدم كل عضو من أعضائه في مكانه السليم الصحيح بحيث إنَّ تلك الأعمال حين ترتد عليه في الآخرة تسره وتسعده، وتمنحه جناحين فتجعله يطوف بهما في ربوع الجنة، وبدلًا من أن يُعطِّل أعضاءه بالذنوب، ويُذهِب قابلياتها ينبغي له أن يطورها أكثر باستخدامها في إطار الغرض من خلقها، والسبيل إلى هذا هو عدمُ الحياد عن الصوابِ والاستقامةُ مدى الحياة، وعدمُ الانحراف عن المسار والصراط المستقيم إلى طرق متعرجة.

   طريقُ مَن نذروا أنفسَهم لله

ومع ذلك فإن الحفاظ على الاستقامة ليس بهذا القدر من السهولة؛ فحياة معظم الناس مليئة بالمنعطفات والمنحنيات، ترون أن بعض الناس يشبهون الملائكة إلى حد ما، وتكونون وكأنكم تحسون أنفاس جبريل في أنفاسهم، لكنهم إن يعجزوا عن جعل الصواب فطرة فيهم، ويحاولوا الظهور أمام الناس بشكل مختلف من خلال تصرفات مصطنعة فإن شخصيتهم الحقيقية ومع أول ضغطٍ يُمارَسُ عليها سرعان ما تظهر على حقيقتها، فوضعُ هؤلاء الأشخاص يُشبه العقرب الذي لدغ رجلًا أنقذه من الغرق وساعده في العبور من الماء، فلما سأله الرجل: لماذا لدغتني وقد أنقذتك!؟ أجاب العقربُ: “ماذا عساي أن أفعل! فهذا طبعي!”، وعليه فإنَّ المهم هو أن يثبُت الإنسان على الخير والجمال.

لا يمكن لمن لم يحققوا الاستقامة أن يكونوا مقنعين في نظر الآخرين؛ فمن يتحركون هكذا يومًا، وهكذا يومًا آخر لا يبشّرون الآخرين بالثقة، حتى وإن كان الواحد منهم يتحلّى بأرقى مشاعرِ التضحية، وعلى استعداد لبذل كل أنواع الفداء في سبيل إقامة صَرحِ روحه، ويتمتّع بمشاعر الاستغناء غير منتظرٍ شيئًا على الإطلاق من أي أحد؛ فإنه يستحيل أن يكونوا مقنعين ما لم يجعلوا وضعهم ذلك صفة لازمة فيهم، وما لم يتخلوا عن التخبط والتغيُّر.

إن من يتفحصون نبض المؤمن يجب ألا يشاهدوا أيّ اضطراب فيه على الإطلاق، إن مخاطبيكم يصدقونكم إذا ما تفحصوا نبضكم بضع سنين ووجدوه يعمل بانتظامٍ وعلى شاكلة واحدة، وعليه فإن للاستقامة أهمية حياتية بالنسبة لمن نذروا أنفسهم ممن يعملون في فعاليات التبليغ والإرشاد.

لقد اُختُبر الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون مرات عديدة حتى اليوم إلا أنهم لم يتبدلوا أو ينحرفوا قط، وهذا هو سبب تقدير الله تعالى وتبجيله إياهم، لقد حافظوا على استقامتهم دائمًا في أيام العسرة التي تعرضوا فيها للمصائب والبلاء، وفي أيام الرخاء التي أدركوا فيها النعم والآلاء على حد سواء، فلم يجعلهم وابلُ النعم التي أُمطرت عليهم متعجرفين، ولا دفعهم حرمانُهم من بعض الأشياء إلى التشكي والتذمر، لقد نجحوا في الصمود والاستقامة والشموخ مثل الألف دائمًا، ولهذا السبب استطاعوا أن يكونوا أسوة حسنة لمن جاء من بعدهم.

أجل، لا يمكن أن يصل إلى الهدف المرجو من لم يستقيموا كالألِفِ، ومن يتلوون دائمًا، ويتخبطون هنا وهناك.. إن آلية السلوك من أقصر الطرق وأسرعها تكمن في القدرة على السير إلى الأمام مباشرة دون الانحراف يمنةً أو يسرةً، فإنْ كان كل واحد منكم يريد أن يكون عبدًا مخلصًا صادقًا أمام الله تعالى، ومرشدًا موثوقًا به في نظر الناس فعليه ألا يحيد عن الاستقامة، وأن يفكر بشكل صحيح دائمًا، ويتحدث صدقًا دومًا، ويركض في إثر الحق والصواب، يجب ألا تجعلنا ننحرف ونحيد عن الاستقامة مفاتنُ الدنيا التي تؤثر في رغباتنا وأهوائنا، ولا المناصب والمواقع ولا الضغوط والمظالم التي نتعرض لها؛ فجهدُ الإنسان وسعيُه في هذا الصدد يُسجَّلُ في قائمة سِجِلّ عباداته.

إن القرآن الكريم يبين لنا مدى أهمية الثبات بهذا الدعاء ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/8) الذي يعلمنا إياه، ذلك أن الكثيرين من أمثال “بلعم بن باعوراء” أو “برصيصا” الذي تميز بعلمه وعبادته -حسبما ذُكر في المناقب- علقوا بالسنارة التي ألقاها أو الشبكة التي رماها الشيطان الغَدَّار، وصاروا فريسة له.

ليس مهمًّا أن تُعرِض الدنيا عنا، وليس مهمًّا أن تهرب منا وتولي عنا، بل يجب على طالبي الآخرة ألا يهتموا بالدنيا ولا بما هو على شاكلتها، ومن نذروا أنفسهم لإقامة صرح أرواحهم يجب عليهم ألا يركضوا خلف أي شيء سوى رضا الله تعالى.

***

[1] الطبراني: المعجم الكبير، 17/286.

[2] البيهقي: شعب الإيمان، 4/82.

[3] صحيح البخاري، التهجد، 16؛ صحيح مسلم، صلاة المنافقين، 81.

[4]  سنن الترمذي، الزهد، 61؛ سنن ابن ماجه، الفتن، 12.

الجَرَّة المشروخة: رسائل من حادثة الإفك

Herkul | | العربية

   سؤال: ما الرسائل الموجهة إلى المؤمنين في الآية الكريمة: ﴿وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (سورة النُّورِ: 24/16) المتعلقة بحادثة الإفك؟

   الجواب: نزلت هذه الآية الكريمة في حادثة خاصة إلا أن الحكم الذي تتضمنه يشمل المؤمنين أجمعين؛ فهناك قاعدة مهمة في الأصول تنصّ على أن “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب”، وبعبارة أوضح: بينما تبين هذه الآية الكريمة لسادتنا الصحابة الكرام كيف ينبغي لهم أن يتصرفوا إزاء هذا الافتراء القبيح بحق أمّنا عائشة رضي الله عنها، فإنها في الوقت ذاته تُعَلِّم من سيأتي بعد ذلك من المؤمنين ماذا يقولون وكيف يتصرفون إذا ما تعرضوا لافتراءات من هذا القبيل.

معلومٌ أن المنافقين قد أتوا بافتراءٍ وبهتان عظيم بشأن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أثناء العودة من غزوة “بني المصطلق”، وعملوا على نشرِ هذه الفرية بين المسلمين، لدرجة أن بعض المسلمين المخلصين انجرفوا مع هذا التيار تأثرًا بالحالة النفسية العامة، وردّدوا هم أيضًا ما تقوله المنافقون هنا وهناك، وقد هزّت هذه الحادثة مفخرةَ الإنسانية صلى الله عليه وسلم وبيت سيدنا أبي بكر الصديق من الأعماق؛ حتى إن الطاهرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها التي هي رمز العفة والعصمة والوقار صارت طريحة الفراش، ولم يرقأ لها دمع إزاء هذا الافتراء العظيم.

إلى أن نزل القرآن الكريم بالتزكية التامة والتبرئة الكاملة لأمنا عائشة رضي الله عنها بأكثر من خمسٍ وعشرين آية كريمة، وما زادت تلك الآيات أمَّنا عائشة إلا رفعةً ومنزلة، وبيَّنت أنها بكل صفاتها وسماتها جديرةٌ بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت ولا زالت هذه الآيات الواردة في سورة النور تعكس نورانيَّتَها، وسيظل جميع المؤمنين إلى يوم القيامة يصدحون مرات ومرات بطهرها ونقائها وسمو منزلتها، فإن أثار شخصٌ ما بعضًا من الأفكار والتصريحات والادعاءات السلبية بحقّها رضي الله عنها بعد أن برَّأها القرآن الكريم فقد خرج من الدين بحسب ما ذكره العلماء؛ لأنه يخالف بذلك النصَّ القطعيَّ للقرآن الكريم.

   سترُ الخطايا

من الأمور التي تستدعي الأسف أن الغيبة والوشاية بالناس والافتراء عليهم أصبح بضاعة رخيصة في يومنا هذا، ولذلك يغتابُ الناسُ بعضُهم بعضًا بأريحية شديدة، يحدث هذا في حين أن الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (سورة الْحُجُرَاتِ: 49/6) تدعو المؤمنين إلى التزام الدقة والحذر في هذا الصدد، وأن يتحرّوا الخبر الصادق من الكاذب، وأن يعرفوا ما إذا كان يستند إلى دليل أم لا.

 

فضلًا عن ذلك فإنه ليس من الصواب الحديث عن ذلك الخبر وترويجه يمنة ويسرة حتى وإن اتضح بعد التحقق منه أنه حقيقي وليس افتراءً؛ ذلك أن إخبار الآخرين بمجموعة من المساوئ التي اطلع عليها شخصٌ ما ليس أمرًا إلزاميًّا ولا تعبديًّا أيضًا، فلا ريب أنَّ هناك مجموعة من التدابير يلزم اتخاذها حفاظًا على سلامة المجتمع، وحيلولةً دون وقوع الأخطاء والآثام التي أصبحت مرضًا متفشيًا على مستوى المجتمع، ولا ريب أن إفشاءَ العيوب الشخصية وفضحَ مرتكبيها أو استغلال الافتراءات المزعومة ليس تصرّفًا يليق بالمؤمن.

وعليه فإنني أريد أن أنقل هنا ملاحظة للإمام أبي سعيد الخادمي[1] في هذا الصدد؛ إذ قال ما مفاده: عندما ترى مؤمنًا يرتكب منكرًا أَعِد النظر كي تتأكّد من الأمر، فإن لم يكن؛ فامسح عينيك ودقق النظر من جديد، ربما تكون أخطأتَ، اُنظُر مرة أخرى، وحتى بعد أن تنظر عشر مرات وتتأكد مما رأيت فقل: (اللهم أخرجه من هذا الوضع القبيح، ولا تُردني في ذنب كهذا)، وابرحْ ذلك المكان… إن السيد خادمي شخصٌ جليل، وإنني أُكِنُّ له احترامًا كبيرًا؛ فعندما سمعتُ عبارته هذه للمرة الأولى حدّثت نفسي قائلًا: “يا إمام! لماذا لم تقلْ لمن يرى حادثةً كهذا أنْ يولّها ظهره من أول نظرة، ويبرح المكان!” لأننا لسنا نوّابًا عموميين ولا محققين مع الآخرين.

وكذلك فإن التصرف اللائق بالمؤمن عندما يأتيه خبرٌ كهذا بحق الآخرين هو أن يقول: “هذا افتراء بيِّنٌ”، لأن حديث الناس بعضهم ضد بعض وغمزهم ولَـمْزَهم وتهويلهم أبسطَ الحوادث وتحديثَهم الآخرين عنها إنما يفتحُ أبواب الفتنة ويضع مختلف شرائح المجتمع في مواجهة مباشرة بعضهم ضد بعضٍ، لهذا قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ[2] أي: نمّام. ومن هنا ندرك عظم هذا الذنب وشناعته.

   سدُّ الطرق أمام ظهور الافتراءات

إن حصر المسألة في حيِّز الذنوب الشخصية فحسب لهو تضييق لمعناها وفحواها، فهذه الآية الكريمة تُشير في الأساس إلى طبيعة التصرّف الواجب التزامه إزاء الادعاءات والافتراءات المزيَّفة التي تُلقى بشأن شريحة معينة من المجتمع، فبمقتضى أمر الآية الكريمة يمكن القول: إن ما يقع على كاهل المؤمنين تجاه مثل هذه الافتراءات هو أن يقولوا: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (سورة النُّورِ: 24/16)

فإن لم يكن ثمة حزم في هذه القضية ولم يُقطع السبيل أمام الافتراءات منذ اللحظة الأولى حدثت حزمةٌ من الانكسارات والتصدعات في المجتمع وسيستحيل التغلُّبُ على هذه الأمور لاحقًا؛ لأنه إن لم تتم السيطرة على الافتراء بمجرد ظهوره تفاقمَ أكثر وأكثر يومًا بعد يوم، فتتحطم القلوب، ويتزعزع شعور الثقة بين الناس، وتتشتَّتُ وحدة المجتمع ويتفرّق شمله، فأنى لمجتمعٍ قد فُقِدت الثقةُ والوفاق والاتفاق بين أفراده أن يحظى بالتوفيق الإلهي.

والآية الكريمة الأخرى التي وردت أيضًا في حادثة الإفك تبيّن وتوضّح كيفية التعامل مع مثل هذه الافتراءات التي ستقع في العصور اللاحقة، يقول تعالى: ﴿لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ (سورة النُّورِ: 24/12)

إذًا إن الحرصَ على قول “هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ” بشأن مثل هذه الحوادث من مقتضيات حسن الظن عند المؤمن الحق، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “حُسْنُ الظَّنِّ مِنْ حُسْنِ الْعِبَادَةِ[3]، وبالتالي فإنَّ من لا يُروجون مثل هذه الافتراءات ويتخذون موقفًا واضحًا إزاءها على اعتبار أن فعلهم ذلك من مقتضيات حسن الظن بإخوانهم المؤمنين؛ قد أدّوا حق إرادتهم، ونالوا ثوابَ ذلك، ربما أن أفعالًا مثل حسن الظن بالمؤمنين، والعزم والإصرار على ذلك، وإمساكِ اللسان تجاه الشائعات التي تُختلق بحقهم تبدو أمورًا بسيطة في الظاهر؛ لكنها في الحقيقة أعمال مهمة للغاية بالنسبة للإسلام.

من جانب آخر لو قام المؤمنون بإظهار موقفهم علانية إزاء مثل هذه الأكاذيب إلى جانب صيانتهم ألسنتهم عن الخوض فيها لقُطعتْ السبل دون وقوع فتن المنافقين ومفاسدهم، وأمام هذه العزيمة التي يتمسك بها محبو الحق والحقيقة تُبهتُ وتخرصُ شبكةُ النفاق التي تعبث بشرف المؤمنين وحيثياتهم من خلال الترويج لأخبار كاذبة وافتراءات وقحة.

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ (سورة النُّورِ: 24/11) يُفهَمُ منها أن مختلقي مثل هذه الافتراءات هم بضعة أفراد في معظم الوقت.. وقد يرمي بعضُ المنافقين المتخفين في صورة المؤمنين مثل هذه الافتراءات والأكاذيب بشكل منظم بقصد تشويه فئات معينة من المجتمع والتقليل من قيمتها، وربما يسعون إلى نشر هذه الافتراءات في المجتمع مستخدمين وسائل الإعلام بغيةَ التأثير أكثر فأكثر، فإن لم يقف -في مثل هذه المواقف- المؤمنون المخلصون خلف إخوانهم المتعرضين للافتراءات والأكاذيب ويدافعوا عنهم أثَّرَتْ هذه الأخبار التي لا أساس لها من الصحة على المجتمع بأكمله، وعليه فمن المهم للغاية إسكات تلك الأصوات النشاز من البداية، والوقوف إلى جنب من يتعرضون لهذه الافتراءات، والسبيل إلى ذلك هو أن يرفع المؤمنون أصواتهم بالحق مستغلين كلّ الوسائل المشروعة في سبيل ذلك، وأن يعبروا عن أنفسهم كما ينبغي.

لا ينبغي أن تُقصر المسألة على نصرة المسلمين فحسب، بل يجب دعمُ كلِّ من يتعرّض للظُلم والافتراء بغض النظر عن دينه وعرقه ومعتقده، ولنفترض أن مجموعة من الشائعات رُوِّجت بحق أفراد مسيحيين أو يهود أو غير ذلك؛ فإن محاولة أي مسلم الاستفادة منها لصالح نفسه أو اعتباره إياها عنصرًا لتحقيق مكسب ما أمرٌ لا يتوافق إطلاقًا مع قيم الدين الإسلامي الذي ينتسب إليه، وما عليه هو أن يردها بعرض يده؛ إذ يجب عليه التصرّف بحذر ودقّة إزاء الأمور التي من شأنها الإضرار بشرف الناس -جميع الناس، بغضّ النظر عن الانتماءات العرقية أو الدينية وغيرها- وكرامتهم وحيثيتهم، وينبغي أن يكون هذا خلقًا عامًا لأي مؤمنٍ.

***

[1]  محمد بن محمد بن مصطفى بن عثمان، أبو سعيد الخادمي (1113-1176 هـ): فقيهٌ أصولي، من علماء الحنفية، أصله من بخارى، ومولده ووفاته في قرية “خادم” من توابع مدينة “قونية” التركية، قرأ على أبيه وغيره، ونال الشهرة الواسعة بعدما ألقى درسًا في “أياصوفيا” بإسطنبول حول تفسير سورة الفاتحة، وله مجموعة من المؤلفات، منها: “البريقة المحمودية في شرح الطريقة المحمدية” أربعة أجزاء، و”مجمع الحقائق” في أصول الفقه، وشرحه “منافع الدقائق”، و”حاشية على درر الحكام” في فقه الحنفية، و”شرح الرسالة الولدية للغزالي”، و”حقيقة كلمة التوحيد عند الكلاميين والصوفية”. (الزركلي: الأعلام، 7/68).

[2]  صحيح البخاري، الأدب، 50.

[3]  سنن أبي داوود، الأدب، باب حسن الظن، 4993.

الجَرَّة المشروخة: الصدق

Herkul | | العربية

   سؤال: حين سُئل الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي “ما أول ما يلزمنا؟” أجاب: “الصدق”، ويعلّل ما قاله بأن ماهية الكفر هي الكذب، وماهية الإيمان هي الصدق.. وانطلاقًا من هذه النظرة هل لكم أن توضحوا مكانة الصدق بالنسبة للمسلمين؟

   الجواب: الصدقُ واحدٌ من خمس صفات أساسية للأنبياء عليهم السلام، بل إنه أولها، ويشير إلى هذا قول الحق تعالى عن سيدنا موسى وسيدنا إبراهيم عليهما السلام ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ (سورة مَرْيَمَ: 19/41)، وقولُه عن سيدنا إسماعيل عليه السلام ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا﴾ (سورة مَرْيَمَ: 19/54) لذلك فهم معصومون عن الكذب وعن مخالفة الحقيقة والواقع في أطوارهم وتصرفاتهم وكلامهم طوال حيواتهم؛ لأن تصديق الأخبار التي جاؤوا بها من عوالم ما وراء السماوات والإقرار بها مرهونٌ بامتثالهم الصدق في أحوالهم وأطوارهم وتصرّفاتهم وأقوالهم.

كما أن مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم كان قبل أن تأتيه الرسالة يُوصف بـ”الصادق الأمين”، وقد شهد له حتى أعداؤه بالصدق بعد أن جاءته الرسالة؛ وأقرُّوا بأنهم لم يجدوا عليه في حياته كذبًا قط، إلا أنَّ الغطرسة والتمرّد ساقهم إلى الكفران والإنكار.

   تعريف الكذب

للكذب تعريفان: أولهما؛ الإخبار بشيء يتعارض مع قناعات واعتقادِ وإحساسِ ومشاهداتِ الإنسان، ومن ذلك على سبيل المثال، نفيُ شخصٍ رؤيتَه شخصًا آخر على الرغم من أنه رآه، فقد كذب لأنه أدلى ببيان مخالفٍ لمشاهدته الفعلية.

أما ثانيهما؛ فهو التعبيرُ عن شيء بخلاف الواقع، وتزييف حقيقته، وعليه فإن إنكار المرء لله تعالى هو كذبٌ، لأن الشواهد الكونية تقرّ بوجود الحق تعالى عبر مئات الآلاف من الشواهد والألسن، وعلى حد تعبير الأديب التركي رجائي زاده محمود أكرم  (ت: 1914م):

الكون كلُّه كتابٌ أعظم،

في أي حرف منه تفتش يظهر معناه اللهُ.

من ينكر الله يكون كاذبًا وفي الوقت نفسه قد كذَّب بجميع الشواهد الموجودة في الكون الدالة على وجود الله عز وجل، ولهذا السبب ينال أشد العذاب في الآخرة.

وفي المقابل لهذا يكون إيمان المرء بالله نتيجة قراءته الشواهد الكونية قراءة صحيحة، واستفادته من الرسائل السماوية جيّدًا تعبيرٌ عن الصدق، كما أن تعبيره عن الأشياء التي رآها وأحسَّ بها كما هي دون أدنى تغيير صدقٌ أيضًا، وكما أن الصدقَ من هذا الجانب خُلُقٌ مهمٌّ للغاية من أخلاق المؤمن فإنه أهم وسيلة تمنح الآخرين الثقة به، وهو في الوقت نفسه تعبير عن الوفاء والولاء.

والواقع أن الصدق هو من المعاني الضمنية التي في القلب، وإذا وقرَ الصدقُ في قلب الإنسان سرى إلى لسانه وأحكم السيطرة عليه، وأصبحتْ أعضاؤه تعمل وفقًا له، وسيختار بحساسيةٍ كلَّ عبارةٍ سيتفوّه بها، ولن يسمح ولو حتى لكملة واحدة مخالفة للحقيقة بأن تخرج من فيه، وإن بدر منه خطأً بيانٌ مخالفٌ للواقع شعر بانزعاج شديد جدًّا، وربما ردّد “استغفر الله” خمسين مرة، ومن هذا المنطلق تتمثل القضية الحقيقية في تكامل الصدق واندماجه مع الطبيعة البشرية.

أما الكذب فهو خيانة للصدق والولاء، ومن يخطو خطوة باتجاه الكذب يكون قد دمَّر بناء الصدق والولاء، ففي عالمنا المعاصر -حيث راج الكذب وصار مهيمنًا في كل مكان- بات من الصعب جدًّا على المرء أن يُمثل الصدق بحذافيره، لكن ينبغي أن يُعلم جيِّدًا أن الشيء المهم عند الله عز وجل هو النجاح في تحقيق الصعب.

   مقام الصديقية

يعتبر مقام الصديقية أسمى مقام في الإسلام بعد النبوة، ذلك أنه قد ورد ذكرُ “الصِّدِّيقِينَ” بعد النبيين مباشرة في الآية الكريمة ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/69).

 

وبالتالي فإن هذا المقام أسمى بكثير من مقامات الإحسان والعشق والمعرفة، فهو عنوانٌ للارتباط المباشر مع الله، ومن مستلزماته التفاني والتضحية بالغالي والنفيس، ومَنْ يمثل هذا المقام يَقْبَل كل أوامر الحق سبحانه وتعالى وتقديراته ويُقبِّلُها ويضعُها فوق رأسه دون اعتبارٍ لما إذا كان عقلُه استوعبها أم لا، ودون أن يهتم بالمنفعة والفائدة التي ستحققها لنفسه، ويقول دائمًا مثلما يقول “إبراهيم حقّي” (ت:1780م):

“لا تقل لماذا هذا هكذا،

وهذا مناسب هكذا،

وشاهد النتيجة،

لنرَ المولى ماذا سيُقدِّر

ما يُقَدِّرُه هو الأجملُ

والواقع يمكن اعتبار “تفويض نامه: رسالة التفويض” لإبراهيم حقي بأكملها على أنها “رسالة الصدق”.

وهناك آيات عديدة من القرآن الكريم يؤكد فيها على الصدق دائمًا بعبارات شتى مثل “مُدْخَلَ صِدْقٍ”، و”مُخْرَجَ صِدْقٍ”، و”لِسَان صِدْقٍ”، و”قَدَمَ صِدْقٍ”، و”مَقْعَد صِدْقٍ”، أي إنه ينبغي للمؤمن أن يكون زاده الأكبر خلال رحلته الحياتية المرتبطة بالآخرة هو الصدق، يجب عليه أن يمتثل الصدقَ دائمًا في جميع شؤونه، في حركاته وفي سكناته، في بادئ الأمر وفي منتهاه، يجب أن ينسج أطياف الصدّيقيّة في كل مكان يمر به، وحين يغادره يجب ألا يخلّف وراءه أية فكرة سلبية على الإطلاق، يجب عليه اتخاذ كل خطوة بصدق، وباتجاه الصدق أيضًا.

ورغم ذلك قد لا يمكن دائمًا قول كل صواب، قد يلزم السكوت في بعض المواقف، ويُملأ فراغ السكوت بالتفكر والتأمل أيضًا، فالصمت حكمة، ولكن حكماءهُ في العالم قليلون، من المؤسف أن معظم الناس يفضّلون الثرثرة على الصمت.. فيجب السكوت حيث يكون الكلام ضارًّا، وكذلك عندما يعجز المخاطب عن فَهْمِ الكلامِ واستيعابه، وفي القضايا التي لا يعرفها جيدًا، أو يتعذّر الكشف فيها عن صوت القلب والتعبير عنه، إن سرعة بَوْحِ شخص في لحظة ما بالمشاعر والأفكار الموجودة في أعمق نقاط قلبه دون أن يفكر على الإطلاق علامةٌ على عدم توفّر التربية الكاملة لديه، ونظرًا لأن هذه النوعية من الكلمات تكون محرومة من التناغم والنظام، وغير محددة فإنها عديمة الفائدة بالنسبة لقائلها وسامعيها، بل إنها قد تكون ضارة لهم أيضًا.

من جانب آخر فإن السبيل لكي تؤثر الكلمات المقولة في أصحاب الضمائر النقية مرهونٌ بأن تكون صادقة، ثم إن تمثيلَ الأمور الخاصة بالحقائق الإيمانية والقرآنية وتجسيدَها ونشرَها بشكلٍ صحيح يكون وسيلةً لأن تنفتح أعين الكثيرين عليها، علاوة على أن تمثيل المؤمنين للاستقامة سواء بأحوالهم وأطوارهم أو بأقوالهم وكلامهم والتزامهم الصدق يكون بمثابة دعاء ورجاءٍ منهم أن يثبتهم الحق تعالى على الطريق المستقيم، فلن يُبعدهم الله تعالى عن الصراط المستقيم إن ثبتوا منذ البداية على الاستقامة والوفاء بالوعد متخذين من الصدقِ شعارًا لهم في كل أحوالهم.

ولا سيما في عالمنا المعاصر الذي أصبح الكذب فيه شائعًا ومتاعًا مطلوبًا مرغوبًا فإن استقامة اللسان وعدم انحرافه يبدو أكثر أهمية، يجب على المسلم أن يبتعد عن كل أنواع الكذب؛ صغيره وكبيره، وأن يكون كل قوله صدقًا، نظراته وإيماءاته وكل أحواله وحركاته …، ويجب ألا يسمح لأي شكلٍ من أشكال القبح، لا سيما الغيبة والافتراء وشهادة الزور، أن تدنو منه، لأنه لا يمكن التوفيق بين هذه القبائح وبين الإسلام.

نعم، قد يحدثُ أن تجري على اللسان مجموعةٌ من الكلمات غير مرغوب فيها من خلال مرونة الارتجال أثناء الحديث، فيُرجى مطالعتها في فئة الأخطاء التي تقع في الاجتهاد، لكن الحديثَ المخالفَ للواقع وقولَ أشياء ترمي إلى خداع الناس عمدًا وبإرادةٍ تامّة صفةٌ من صفات الكفر.

والتعبير القرآني ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/10) يكشف عن أن أهم سبب لاستحقاق المنافقين العذاب الأليم هو الكذب، وبمناسبة هذه الآية يبين الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي كيف أن الكذب سمٌّ بالنسبة للفرد والمجتمع والدين على حد سواء بقوله: “الكذب أساس الكفر، بل الكفر كذب ورأس الكذب، وهو الأُولى من علامات النفاق، وما الكذب الا افتراء على القدرة الالهية، وضد للحكمة الربانية.. وهو الذي خرّب الأخلاق العالية.. وهو الذي صيّر التشبثات العظيمة كالشبحات المنتنة.. وبه انتشر السمّ في الاسلام.. وبه اختلّت أحوال البشر.. وهو الذي قيّد العالم الإنساني عن كمالاته، وأوقفه عن ترقياته.. وبه وقع أمثال مسيلمة الكذاب في أسفل سافلي الخسّة.. وهو الحِمْل الثقيل على ظهر الإنسان، وهو ما يعوقه عن مقصوده.. وهو الأب للرياء والأم للتصنع.. فلهذه الأسباب اُختص بالتلعين والتهديد والنعي النازل من فوق العرش”[1].

وفي المقابل يقول بشأن الصدق: ” الصدق هو أساس الإسلامية، وهو خاصة الايمان، بل الايمان صدق ورأسه.. وهو الرابط لكل الكمالات.. وهو الحياة للأخلاق العالية.. وهو العرق الرابط للأشياء بالحقيقة.. وهو تجلّي الحق في اللسان.. وهو محور ترقي الانسان.. وهو نظام العالم الإسلامي.. وهو الذي يطير بالبشرية في مدارج الترقي كالبرق إلى كعبة الكمالات.. وهو الذي يصيّر أقلّ الناس وأفقرهم أعزّ من السلاطين.. وبه تفوّق أصحابُ النبيّ عليه الصلاة والسلام على جميع الناس.. وبه ارتفع “سَيّدنا محمد الهاشميّ” عليه الصلاة والسلام الى أعلى علِّيِّيْ مراتب البشر”[2].

   مرض النفاق

من أهم أسباب وقوف بديع الزمان على الصدق بإصرار، وربطه نجاتنا وترقينا الاجتماعي به هو مرضُ النفاق الموجود في عالمنا الإسلامي المعاصر، فالانحرافات ومظاهر الضلال التي حدثت حتى يومنا هذا في أديان ولدى أقوام مختلفة ظهرت في صورة الميل إلى الكفر والإلحاد، وتم التعبير عن أفكار الإلحاد تحت اسم أيديولوجيات وتيارات مختلفة، وحُوِّلت هذه الأفكار إلى نظام للدولة في بعض البلاد، ومن أجل إقامة هذا النظام بين الناس وترسيخه استخدمت شتى مظاهر القمع والظلم الخطيرة، حتى إن ملايين البشر قد قُتلوا، إلا أن هذه النوعية من الأيديولوجيات لم تُعمر طويلًا لأنها تخالف طبيعة الإنسان وتحتوي في ذاتها على متناقضات، وبعد أن تفسّخت تلك الأيديولوجيات بدأ الناسُ يتوجّهون من جديد إلى أديانهم ودور عبادتهم الخاصة.

لكن التطورات في العالم الإسلامي جرت بصورة أكثر اختلافًا، فأعداء الإسلام تخفّوا تحت رداء النفاق بدلًا من أن يُصرحوا بعداوتهم هذه، وسعوا إلى إبعاد المسلمين عن الإسلام باستخدام مخططات ومشاريع شتى، ومما لا شك فيه أن الأضرار التي تعرض لها المسلمون بأيدي هؤلاء المنافقين المسلطين عليهم في بقاع شتى من العالم الإسلامي صارت أكثر تدميرًا وأعظم خطرًا مقارنة بالأشخاص الذي يعادون الدين صراحة، وقد بين القرآن الكريم جزاء المنافقين في الآخرة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/145) هذا يعني أنهم سيكونون في جهنم في دركاتٍ أعمق وأدنى من فرعون وأبي جهل أيضًا، وقد عبر الأستاذ بديع الزمان عن هذا المعنى بقوله: “المنافق أشد من الكافر وأخبث”[3].

المنافقون يقفون جنبًا إلى جنب معكم في المساجد، ولكنهم على غير وضوء، يتحدثون عن عزة الدين وقداسته إذا اقتضى الأمر ولكنهم يدبرون المكائد له في الخفاء، يكذبون عندما يتحدثون، تمامًا مثلما قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ[4]، فبينما يعدد عليه الصلاة والسلام صفات المنافق في ذلك الحديث لفت الانتباه إلى كذبهم أول ما لفت، وهذا يعني أن الكذب واحدٌ من أخطر وأهم عناصر وآيات النفاق.

المؤسف أن المنافقين الذين تبوؤا أماكن ومناصب مختلفة في العالم الإسلامي قد نكسوا المجتمع بكذبهم وخداعهم وخيانتهم، وأحدثوا تشوّهات متداخلة فيه، ولو أنكم طلبتم من رسام بارع أن يرسم لوحة موافقة لمحتوى حديثنا وتشخيصنا لرأيتم أن هذه اللوحة تتطابق مع حال العالم الإسلامي اليوم، وعليه فإن إعادة العالم الإسلامي إلى هويته الحقيقية من جديد ربما هي أصعب من إيصال المجتمعات التي ينتشر فيها الإلحاد إلى هوية الإسلام الحقيقية، لذا يجب تناول القضية من الأعماق والجذور، وأن يُربَطَ كلُّ شيء بالإيمان بالله ومعرفته ومحبته؛ حتى يتسنى إعادة ترميم وإعمار بنية المجتمع التي فسدت.

   التقيّة

هنا سيكون من المفيد الوقوف بإيجاز على مفهوم التقية؛ لأنها، كما هو معروف، قد تبنتها شريحة معينة كواحدةٍ من المبادئ، ووضعتها ركنًا في دينها، وحاولت من خلال نظام التقية الذي طوَّرَتْه أن تتغلَّبَ على أعدائها بعد أن خَسِرَتْ معاركها معهم عن طريق القوّة والسطوة، ولسوء الحظ فإن شبكة التقية هذه سَرَتْ وانتشَرت في بعض الدول حتى أدق تفاصيلها باستخدام وسائل مختلفة للغاية في سبيل الخداع، واستولت على مناصب حيوية عديدة؛ فاستخدمت العديد من الأشخاص في سبيل تحقيق حساباتها ومصالحها الشخصية الخاصة، ونتيجة لذلك باءت بالشناعة والدناءة التي تقشعر لها الأبدان.

المؤسف أن شبكة التقية هذه اصطادت الغارقين في مستنقع الغفلة، ممن اتبعوا هوى أنفسهم وارتكبوا الذنوب في مجتمعنا وفي بلاد إسلامية أخرى أيضًا، ودفعتهم إلى الارتباط والعمل معها، إن نظام النفاق والتقية عادة ما يكون له تأثير القنبلة الذرية على المجتمع الذي يدخله، وبالتالي فإن البعض فقدوا حياتهم بما فيها من أشعة “ألفا”، والبعض  تعرض لهزة خطيرة للغاية بما فيها من أشعة “بيتا”، كما أن البعض تعرض كذالك لتأثيرات من قبيل الرشح والدوار والغثيان تأثرًا بما فيها من أشعة “غاما”.

التقية منهج شيطاني لأنها مظهر من مظاهر الكذب والخداع، وهي أكبر أسلحة نظام النفاق، لذلك لا يمكن لمن يستخدم التقية أن يكون مؤمنًا حقيقيًّا، ويستحيل أن ينجوا بسلام من سؤال منكر ونكير، أو أن يجتاز الميزان بسهولة، أو أن يعبر الصراط بيسر، لأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين بقوله: “مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا[5]، أن الكذب والنفاق يستحيل أن يتوافقا وينسجما مع الإسلام بأي شكل من الأشكال.

***

[1] – بديع الزمان، إشارات الإعجاز، ص 97.

[2] – بديع الزمان، إشارات الإعجاز، ص 98

[3] – بديع الزمان، المكتوبات، ص 97.

[4] – صحيح البخاري، الإيمان 24؛ صحيح مسلم، الإيمان 107.

[5] – صحيح مسلم، الإيمان 164.

الجَرَّة المشروخة: الـحُبّ

Herkul | | العربية

   سؤال: كيف يمكن للمؤمن أن يمتلك القدرة على تطوير العلاقات القائمة على أسس الحب والاحترام والتقدير مع محيطه؟

   الجواب: الحب هو جوهر الوجود، وقد خلقَ الحقُّ تعالى الوجود تعبيرًا عن حب ذاته؛ وخلق الإنسانَ باعتباره فهرسًا لهذه العوالم العظيمة، وجوهرَها وعصارتَها، لكن هذا الحبَّ مقدّسٌ وطاهر، ولا يشبه حبّنا؛ لأن الحب الذي نعيشُه إما أنه تعبير عن ضعف ونزعات لا نملكها، وإما أنه شعورٌ صار عبر معالجته جانبًا من طبيعتنا وشخصيتنا، ويستحيل إسناد أيٍّ من هذه الأمور إلى الذات الإلهية، ولذلك نقول -تنزيهًا للذات الإلهية- إنه خلقَ الوجودَ تعبيرًا عن حبٍّ طاهرٍ ومقدّس ومبرّأ، ومن ذلك ما رُوِيَ في الأثر على أنه حديث قدسي: “كُنْتُ كَنْزًا لَا أُعْرَفُ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ، فَخَلَقْتُ خَلْقًا فَعَرَّفْتُهُمْ بِي فَعَرَفُونِي[1].

وهذا الأثر حتى وإن لم يُعضد بسندٍ متصلٍ فإنه صحيحٌ بالنظر إلى معناه، فهو يقرّر معنى هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (سورة الذَّارِيَاتِ: 51/56) وقد فسر ابن عباس رضي الله عنهما لفظة “ليعبدون” على أنها “ليعرفون”، وفي هذه الحالة يكون معنى الآية هكذا: “لقد خلقت الجن والإنس صِرفًا ليعرفوني وليعبدوني”، والواقع أنَّ معرفة الحق تعالى حقَّ المعرفة والاطلاعَ على كنه ذاته القدسية، والوقوفَ على أسرار ربوبيته، أي على تصرفه وشؤونه في الكون؛ سيوجِّه الإنسان إلى العبودية والمحبة.. وقد قال الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي: “إنَّ أسمى غايات الوجود هي الإيمان بالله ومعرفة الله ومحبته، والتي هي أسمى وأجلّ ثمار الفطرة”[2].

أجل، كما أن الحب هو جوهر الوجود وعُصارته، فهو عنصر حيوي للغاية بالنسبة للإنسان؛ فهو يعيش بالحب، ويصبح سعيدًا بالحب ويجعل بيئته سعيدة بالحب، ولا يوجد علاقة بين الناس أقوى من الحب، ويستحيل على أي إنسان محروم من الحب والرحمة أن يرتقي روحيًّا، ويصل إلى مرتبة الكمال، فالحب أساسٌ حيوي للغاية، وخاصة بالنسبة لورثة المنهاج النبوي؛ إذ لا يوجد طريق مختصر لفتح قلوب الناس أقصر من الحب.

   الحب المنطقي

وليس الحبُّ بالأمر السهل، وبما أنّ الإنسان مخلوقٌ صاحب إرادة فهو بحاجة إلى التمرين والتأهيل في هذا الشأن، لذا فعليه أن يبحث عن كل الوسائل التي تفتح أبواب قلبه للآخرين، ويأخذها بعين الاعتبار، وبعبارة أخرى: فالحب الموجودُ بين المخلوقات الأخرى كـ”لطفٍ جبري” يتوقّف انتشاره بين البشر على الجهد والسعي إلى تحققه، فإذا تحقق الإصرار على هذه المسألة وأُحكِم الحفاظ بقوةٍ على علاقات الحب القائمة يمكن أن يصبح جزءًا من الطبيعة البشرية مع مرور الوقت، بعد ذلك يصعُب اقتلاعه وطرحه، ويتحول مَنْ نُحِبُّهم إلى قيمة بالنسبة لنا تعدل الحاجة بل وحتى الضرورة، إنهم عندما يتركوننا ونحن على هذا الحال فإننا نشعر في أعماقنا بوحشة تركهم إيّانا، فرَحُهم سيكون فرَحُنا، وحزنُهم سيكون حزنُنا، وكأننا بدأنا نشاركهم حياتهم.. بعد ذلك يتدثر حب الإنسان بدثار منطقي ويصير أكثر قوة، ومثل هذا الحب مختلف للغاية عن الحب العاطفي والمجازي الذي يكون بملاطفة الناس والظهور أمامهم بمظهر جذاب، ويُسمّى هذا بـ”الـحب السطحي”.

حقًّا، كي يستقر الحب الحالي العاطفي على أساس منطقي يجب النزولُ إلى أسبابه وأخذُها بعين الاعتبار، والتفكيرُ فيها وإسنادُها إلى أساس عقلاني.. وعلى سبيل المثال؛ يُعَدُّ الاجتماع على الأرضية المشتركة للإنسانية أحد الأسباب الأكثر عموميّة وأهمية والتي تستدعي حبَّ جميع الناس ومودّتهم، فإذا لم يُعتبر الاتصاف بالإنسانية وتقاسم الكرة الأرضية رابطًا مهمًّا يقتضي الحب، ولم يشعر الناس بالحب والمودة بعضهم تجاه بعض لمجرد كونهم بشرًا فحسب، وبرزت مظاهر الحقد والعداوة بدلًا من ذلك كانت عواقب هذا وخيمة وفادحة؛ لا سيما في هذا العالم الذي أصبح اليوم قرية صغيرة.

ولِجعلِ العالم مكانًا أكثر ملاءمة للعيش اليوم، صار من الضروري إرساء السلم والسلام على مستوى البشرية جمعاء ومدّ جسور التسامح والحوار بين الناس من مختلف الديانات والقوميات، ولا ريب في أن الناس بحاجة إلى مساعدة ودعم بعضهم البعض لتحقيق ذلك، فليس ممكنًا تحقيق هذه الأهداف المشتركة في عالم يسوده الحقد والكراهية بدلًا من الحب.

إن الإنسانية اليوم تتوقُ لمثل هذا الحب والعطف، فالوحشيّةُ تعمّ الأرجاء، وهناك عمليات إبادة جماعية في مختلف أنحاء العالم، ونرى شتى أنواع الشناعة والدناءة تُرتَكَبُ في حق الإنسانية، ولا يصدح في الأنحاء يمنة ويسرة سوى ضوضاء الظالمين الطغاة وصخبهم، وأنين المظلومين والضحايا، يفكر الناس في الدم ويشرب بعضُهم دماء بعضٍ، يبدو الأمر كما لو أن العالم قد عُهد بأمره إلى القتَلة، لقد أُثيرت الكراهية والأحقاد التاريخية، وصار الناس بعضُهم لبعض عدو، الجميع يبحث عن ذريعة للتغلّب على غيره وتعزيز هيمنته عليه.

أعتقد أن إعادة إحياء المحبة -التي هي حقيقة مهمة للغاية في عالم هكذا- وضمان أن يتعاون الناس من جديد سيكون أعظم هدية تقدمها أمّتُنا للبشرية، إذا كنتم تطمحون إلى المحبة فيجبُ عليكم أن تفتحوا صدوركم للجميع وتحتضنوا البشرية جمعاء، يجب أن تسعوا إلى تحقيق تفاهمٍ واتفاق على مستوى البشرية جمعاء، ولكن لنعلم أن الأمر سيستغرق وقتًا، فهذا لا يحدث فجأة، من الضروري الصبرُ والسعيُ بعطفٍ وحذرٍ لفترة طويلة لحل المشكلات المزمنة والتخلّص منها.

وبالمثل، فإن هناك وسائل للمحبّة، ومن ذلك الإيمان بوجود الله وبوحدانيته، وأن نكون من أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك الارتباط بفلسفة الخدمة، فمثلًا يمكن للمرء عندما ينظر إلى إخوته المؤمنين أن يفكر على النحو التالي: “هؤلاء سيكونون رفاقي في الدار الآخرة، سنكون معًا في المحشر، وعند الميزان، سوف نعبر الصراط معًا، سنذهب إلى الجنة معًا، من يدري، ربما سيأخذون بيدي هناك أيضًا، سوف يشفعون لي بإذن الله حيث أكون في ضيق شديد جدًّا”، وبما أن مثل هذه الأسباب تقتضي الأخوّة والحب، فإن التركيز عليها والتفكير حولها سيؤدي إلى الحب.

عندما ينظر المرء إلى أشخاص يسيرون في مسار واحد ويتقاسمون فلسفة خدمة واحدة، ويقول: “إذا أمسك بعضنا بأيدي بعض، وحافظْنا على وفاقنا وتحالفنا، تسنّى لنا حل العديد من المشكلات بإذن الله، يمكننا أن نحقق أهدافنا بشكل أسرع من خلال دعم بعضنا بعضًا”، كما أن اعتباره وجود إخوته ضرورةً بالنسبة له تتجاوز مجرّد الحاجة سيجعله أكثر ارتباطًا برفاقه وسيعزز أواصر الحب بينهم.

ذلك لأنه كلما زادت الأسباب التي تتطلب المحبة بين الناس كلما كان حبهم لبعضهم وعلاقتهم تجاه بعضهم أعمق وأوطد.. فمن الطبيعيّ أن يرتبط السائرون في نفس المسار والمهمومون بنفس الغاية المثالية مع بعضهم بروابط أقوى، وكلما ركّز المرء على هذه الأسباب التي تقتضي المحبة والأخوة وفصَّل المسألة بهذه الطريقة، أحبَّ إخوانه ورفاقه من صميم قلبه، وقرّر “لا أستطيع أن أفعل ذلك بدون إخواني”.

إذا لم تقفوا على أسباب المحبة ولم تفصّلوها وتركزوا عليها بهذه الطريقة؛ فسيظل حبّكم مجرد حس وشعورٍ، فالعاطفة والحب الحسي الذي يشعر به الإنسان تجاه الآخرين إنما هو محدود، لأنه مهما بدا الحبُّ العاطفي قويًّا فربما يتحطّم بسبب شعور آخر أقوى، وعليه فإن الأصل والضروري هو الحب المنطقي، والعشق المنطقي، والاشتياق المنطقي؛ لأن الحب المرتبطَ بمنطق معيّنٍ ليس من السهل أن يزول، لا ينبغي أن يُفهم من هذا أنه ليست هناك أية قيمة للعلاقة العاطفية. بالطبع لها قيمة بقدرها ووفقًا لها، ولكن المهم هو تقوية المحبة العاطفية وتعزيزها بالعقل والمنطق.

   معالجة المسائل بإنصاف

من الممكن أيضًا معالجة المشكلة من الاتجاه المعاكس، أي كما أن هناك العشرات، وربما المئات من الأسباب التي تتطلب الحب والإخاء فإن معظم الأعمال العدائية والصراعات القائمة بين الناس عندما يتم تناولها بعناية يتضح أنها لا تستند إلى أساس مهم، لسبب ما قد يشعر الشخص بالكراهية والغضب والحقد ضد بعض الأشخاص أو الجماعات، قد يتخذ موقفًا ضدّ بعض الناس بسبب أحوالهم وأفعالهم، ربما أنه لا يستسيغهم، ولكنه عندما تتم مناقشة هذه الأعمال العدائية بتفصيل، سيتبين أن معظمَها ليس له سببٌ وجيه.

تُرى هل يوجد بعضُ السلوكيات المخالفة لروح الإسلام لدى من تشعرون تجاههم بمشاعر سلبية؟! هل يرتكبون محرّمًا؟ هل يتوانون في تنفيذ ما يجب عليهم من التزامات؟ هل يعصون الله في شيءٍ؟ هل هناك ما يُقلق في علاقتهم وصلتهم بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل يسيئون إلى المقدسات؟ عندما يتم تفصيل القول في المسألة بهذه الطريقة، سيتبين أن مظاهر الكراهية والغضب التي بين الناس لا تنجم في معظم الوقت عن أي من هذه الأشياء المذكورة آنفًا؛ على العكس من ذلك، سوف نرى أنها تستند إلى اختلافات في المزاج ومجموعة من الآراء والتوقعات والخيارات المتباينة؛ فمثلًا قد لا تروقُنا أحوال البعض وحركاتهم، ربما أنها لطيفة ونحن مخطئون، إذا اتخذنا موقفًا ضدّ مَنْ حولنا بسبب قضايا فارغة وغير مهمّة ولا تستند إلى الحقيقة، فهذا يعني أننا ظلمناهم وجُرنا عليهم.

في بعض الحالات قد نشهد أن الأشخاص مِن حولنا يقومون بأشياء لا ينبغي لهم القيام بها، أو أنهم لا يقومون بالمهام المنوطة بهم، في مثل هذه الحالات يجب ألّا نتجاهل حقيقة أن الناس لا يمكن أن يتبعوا خطًّا مستقيمًا دائمًا من حيث طبيعتهم وعوالمهم الحسية، وأنهم قد يواجهون بعضًا من الانحرافات، فيجب التغاضي عن هذه الأحوال بقدر الإمكان، وألا نترصّد كل أخطائهم، يجب أن نمنحهم مهلة لمراجعة أنفسهم من جديد، واستجماع عقولهم، وإصلاح أخطائهم، فحتى هنا يجب أن نتعامل مع المشكلة بلغة المحبة وقوّتها وأُسُسِها، فلا شيءَ يصعبُ حلُّه إذا ما عولِجَ بالمحبّة، حتى الأقفال الصدأة منذ ألف عام يتسنى حلها عن طريق المحبة.

الواقع أنَّ ما يجب فعله بالنسبة لمَنْ يُضخِّم أخطاء أصدقائه البسيطة ويتخذ بسببها موقفًا تجاههم هو أن ينظر إلى نفسه أولًا؛ فالعديد منا مِمَّن يقومون بمراجعة مواقفهم وسلوكياتهم بشعور جاد من المحاسبة سوف يلاحظون أنهم أنفسهم لديهم العديد من المواقف والسلوكيات التي لا يشعرون إزاءها بالراحة إذا ما صدرت عن الآخرين، وبالتالي يتعلمون النظر إلى الأخطاء والعيوب بتسامح، لأنه سيكون من الغريب إدانة الآخرين واتخاذ موقف ضدهم بسبب مواقف وسلوكيات سلبية موجودة في أنفسنا أيضًا.

   تقوية الحبّ

ذات يوم وبينما كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم جالسًا مع أصحابه مرَّ أمامهم رَجُلٌ، فقال أحد الجالسين وأومأ إلى الرجل: يا رسول الله، إني لأحب هذا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “أعلمتَه؟” قال: لا، قال: “أعلِمْهُ” قال: فلحِقه، فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبك الذي أحببتني له”[3]؛ ذلك أنه يروقُ كلّ إنسانٍ معرفته أنه محبوب من قِبَل صاحبه، هذا شعورٌ جِبلِّي، فالتعبيرُ عن مشاعر الحب تجاه الآخر سيقوّي أواصر الصداقة ويتوّج مشاعر الحب.

إلى جانب ذلك، فإن الدعاء للأحباب بظهرِ الغيبِ عاملٌ آخر يزيد من الحب، إنَّ رفعَ إنسان يديه في مكان خاص لا يراه فيه أحَدٌ، ودعاءَه: “اللهم أَسعِد فلانًا بالفردوس، واجعل حياتَه في الدنيا مثل الحياة في الجنة!”، لا بد وأنه ضرورة من ضروريات حبّه ووفائِه لذلك المدعوِّ له، علاوة على ذلك فقد بيَّن نبينا صلى الله عليه وسلم مدى أهمّية هذا النوع من الدعاء عند الذات الإلهية فقال: “أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دَعْوَةُ غَائِبٍ لِغَائِبٍ[4].

من جهة أخرى، من المهم أيضًا أن نعرب عن حسن ظننا بمن نحبهم ونشهد لهم شهادة حسنة أمام الآخرين، فمثلًا عندما نقول: “الصديقُ الفلانيّ شخصٌ صادقٌ ومخلصٌ للغاية، أعتقدُ أنه كيانٌ مهمّ جدًّا في الدعوة لإعلاء كلمة الله”؛ نكون قد أبرزنا أنَّ مَنْ تحدثنا عنه شخص يجب تقديره ومحبته، ولا بأس في قول هذا طالما أننا نقول شيئًا حقًّا ولا نكذب في الأمر! لا سيما أن هذه الأمور ستربط القلوب ببعضها، وستزيد من المحبة.

إذا كان أصدقاؤنا ينفتحون على جميع أنحاء العالم ويخدمون فيها بشعور من التضحية والإخلاص، فلماذا لا نُحدِّث الناس عن ذلك؟ على العكس، يجب علينا أن نُحدِّث بذلك، لأننا في ظل هذا نكون قد قدمنا هؤلاء الناس الطيبين إلى الآخرين وحبَّبناهم إليهم، وكما يقول المثل الشعبي: “إن للجدران آذانًا”، فعباراتنا الإطرائية والتقديرية الصادقة من هذا النوع ربما تنتقل إلى آذانهم بتردّد لا نعرفه، فتزيد من المحبة بينهم وبيننا.

نعم، إذا تطوع شخص لدعوة آمن وأيقن بها، وألزم نفسه بها، ولم يتخلّ عنها لمدة ثلاثين أو أربعين سنة، كان حقًّا على الجميع أن يقبِّل رأسه، إنه إخلاص وولاء مهم للغاية، وفضيلة عظيمة يجب تقديرها وإخبار الآخرين بها، لذا فإنه يجب علينا -من جانب- الدعاء بأن تُقبِّل الملائكةُ رؤوسَ أمثال هؤلاء، وأن نعطيهم قيمتهم التي يستحقونها من جانب آخر.

ولكننا إذا أثنينا على أصدقائنا، وذكرنا فضائلهم باستمرار وصرنا مدَّاحين لهم فلا ينبغي لنا أن ننتظر الشيء نفسه منهم، علينا أن نفعل كل هذا دون مقابل، لأننا نُعلي من شأن خاطر الحق، ونذكر أمام الآخرين الحقائق التي نعلمها، نحن نقدر مَنْ يخدمون قيمنا وغايتنا المثالية، الذين يدعون إلى الله ورسوله، لأن هذه هي الأشياء التي نريدها، ولكن سواء فعلوا الشيء نفسه أم لا، اعترفوا لنا بنفس الفضل أم لا، فهذا شأنهم، ولا يعنينا في شيء.

   التوازن في الحب

إن أهمية الحفاظ على التوازن في الحب بقدر أهمية الحب نفسه، فالمؤمن يجب أن يحب الحق تعالى حدَّ الوَلَهِ في إطار جميع المعاني التي تعبّر عنها أسماء الله الحسنى، وأن يتأجّج بحبّه، إلا أنه ينبغي له أن يحافظ على الميزان في حبه لما سوى الله تعالى، لأنّ حبَّ الله فريدٌ في نوعه، ولا أحدَ يجدرُ أن نحبه كما نحبُّ الله، ذلك أن المشركين قد انتقدهم القرآن الكريم وعابهم لأنهم يحبون أوثانهم كما يحبون الله[5]، فالله تعالى المحيط بكل شيء ولا يحيطه أيُّ شيءٍ يجب أن يكون حبّه لا محدودًا ولا متناهيًا، إنه أسمى من مفهوم المستويات، وكلُّ ما سواه يكون بحسب مستواه.

على سبيل المثال يستحيل ألا يحب المؤمن بِوَلهٍ مفخرةَ الإنسانية مطمحَ نظر الله، ومرآة الأسماء الحسنى المجلاة، الذي عرّفنا بالله بشكل تام غير منقوص باعتبار أوامره التكوينية وأحكامه التشريعية، وكذلك أيضًا يحمل المؤمن محبة خاصة إزاء الخلفاء الراشدين والصحابة الكرام إضافةً إلى حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى جانب ذلك هناك مكان متميز في قلب المؤمن للمسلمين الذين يتجه معهم إلى قبلة واحدة، ولجميع الناس الذين يرى كلَّ واحد منهم عملًا فنّيًّا من صنع الله، لكن حب الله يجب أن يكون هو مصدر كل أنواع هذه المحبة، ويجب الحفاظ على التوزان في هؤلاء، وإلا فيُخشى أن ننالَ صفعةً بخلاف المقصد المراد.

من المؤسف أن هناك تطرّفًا في مواقف الناس وسلوكيّاتهم تجاه بعض الأشخاص؛ فقد يحظى بعض الناس بحب مفرط، كما أن البعض قد يُرفع إلى عنان السماء بسبب الحالة الروحية للجماعة، أو يُنظر إليهم وكأنهم نزلوا من السماء، وربما يقع إفراط في الأمر بالتقدير والمديح الموجه لهم، لكن ينبغي العلم بأنه عندما يقدم الإنسان مشاعر الحبّ لمن لا يستحقّها؛ فإن الله تعالى يصفعُه بأيدي هؤلاء الأشخاص، وهكذا فإنه من ناحية، يعاقبه على هذا الحبّ المفرط، ومن ناحية أخرى يظهر له أنَّ من أفرط لهم في المودة ليسوا جديرين بذلك إلى هذا الحد.

والواقع أن كلام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التالي يضع معيارًا مهمًّا في هذه القضية؛ إذ يقول عليه الصلاة والسلام: “أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا[6].

إذا كان الإنسان لا يريد أن يشعر بالخجل عندما يتحول الأمر إلى العكس، وألا يطأطئ رأسه، وألا يلوم نفسه فعليه ألا يضحي بالمعيار والاتزان في حبه، وبالطريقة نفسها فإنَّ مَنْ يبغض البعض لأنهم يحملون صفات سيئة، ويضع بينه وبينهم مسافة ينبغي له ألا يتجاوز الحد، وألا يدمر الجسور تمامًا، وألا يقطع علاقته بهم نهائيًّا، كي لا يندم الطرفان إذا ما زالت الخلافات ورجعوا إلى صوابهم ذات يوم.

من ناحية أخرى إذا أفرطتم في حبكم وجنحتم إلى المبالغة في تقديركم تكسرون عنق أخيكم على حد تعبير الحديث[7]، ويقول فضيلة الأستاذ بديع الزمان “أنا لا أُعجب بنفسي، أنا لا أعجب بأولئك الذين يُعجبون بي”، ليس كل شخص لديه مثل هذه الطبيعة الناضجة، ربما أن أنظمة الهضم لدى مَن لا تربطهم علاقات قوية بالله لم تتطور بما يكفي لاستيعاب هذا الثناء والتقدير، لهذا ربما ينهزمون أمام أنفسِهم، وينزلِقون في مراتع الفخر والغرور، وفي هذا الصدد جاء الأستاذ بهذا المبدأ: “يا إخوتي الأحبة! الثبات الثبات، الوفاء الوفاء… إن طريقنا في السمو والرقي هو الغلو في الارتباط والتساند فيما بيننا والسعي لنيل الإخلاص والأخوة الحقة، بدلًا من الغلو في حسن الظن والتطلع إلى مقامات أعلى من حدنا”[8].

ومعنى هذا: عليكم ألا تتخلوا عن رفقاء دربكم حتى وإن رأيتم فيهم خمسين عيبًا، عليكم أن تُمسكوا بأيدي رفاقكم الذين ترونهم تخلفوا عنكم، وتساعدوهم، فإن كانوا لا يستطيعون المسير معكم بنفس الخطى، ويتأخرون عنكم فعليكم أن تحملوهم على ظهوركم.

وبالمثل، يجب أن يحذر المؤمن جدًّا في التعبير عن حبه وعلاقته بأولئك الذين يعتبرهم “عظامًا”، وبغضّ النظر عن مدى عمق احترامه وحبّه وامتنانه لهم، وأيًّا كانت المكانة التي يرسمها لهم في عقله؛ فيجب عليه أن يكون حذرًا للغاية عند التحدث عنهم أمام الآخرين، وألا يخوض في عبارات مبالغٍ فيها، ينبغي ألا يدفع الآخرين إلى مشاعر الحسد والمنافسة من خلال إطلاقه على ذلك الشخص ألقابًا مثل “الغوث” و”القطب”، لأن كل واحدٍ يحترم مرشدَه وشيخَه ويضعه على واحدة من درجات الترقي، فإذا قمتم برفع شخص إلى جواره، فإنكم تضعونه في منافسة وتجعلونه يقول “لا، بل صاحبُنا أعظم”، وحتى ولو لم يقل ذلك أمامكم، فإنكم تؤدون به إلى أن يغتابك، ولذلك فإنكم تزجّون به في الخطيئة بهذا التصرّف، ولذا يجب أن يكون الأساس هو الإخلاص لمن تسيرون على دربهم، والالتزام بالقضية التي تتقاسمونها معهم، وليس منحُهم مراتب على خلاف العادة.

[1]  أنكره كثيرون واشتهر عند كثيرين، وقد أورده الآمدي معتَمَدًا في الإحكام في أصول الأحكام، 1/13.

[2]  بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، ص 253.

[3] سنن أبي داود، الأدب، 122.

 [4] ابن أبي شيبة: المصنف، 6/21.

[5] انظر: سورة البقرة: 2/165.

[6] سنن الترمذي، ِالبر، 60.

[7] صحيح البخاري، الشهادات، 16.

[8] بديع الزمان سعيد النورسي: الملاحق، ص 122.

الجَرَّة المشروخة: حقائق باتت ضحية الأسلوب – 2

Herkul | | العربية

   إعلاء شأن الحق

ثمة حاجة لأن تكون أحوالُ وسلوكياتُ ممثلي دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بصفة خاصة ليّنة هيّنة مطلقًا حتى يتمكنوا من التأثير في مخاطبيهم، وذلك لدرجة أن تتحلّل النيازك القادمة من اليمين واليسار إلى ذرات حين تدخل في بيئتهم، وتتحوّل هذه الذرات بمثابة الألعاب النارية التي تبثّ في الناس الفرحة والبهجة وليس الخوف والفزع، فعليهم أن يُعلوا من شأن الحق، وأن يفضلوه على سائر الشؤون، وألا يجعلوا الأصول ضحية الأسلوب مطلقًا، بالعكس عليهم أن يستخدموا أسلوبًا يؤدي إلى احترام أصولهم وتقديرها حقّ قدرها.

وإنه لو استطاع ممثلو الدعوة النبوية أن يكسروا بأحوالهم وتصرفاتهم شوكة العنف والحدة الموجهة إليهم مهما بلغت غلظة وفظاظة، فإن من يُعادونهم سيأتونهم -إن لم يكن اليوم فغدًا- مهيضي الجناح متذللين ويقولون: “نعتذر منكم، ذلك أننا لم نكن قد عرفناكم، ولم نستطع أن نعرفكم”.

ولا سيما الفدائيين الذين جعلوا الدعوة إلى الله ورسوله غايتهم المُثلى، ويتفانون من أجل الرسالة النبوية يجب عليهم أن يكونوا قادرين على أن يعضوا على ألسنتهم مراعاة لخاطر الحق، ويفوضوا الأمر إلى الله نزولًا عند مبدإ “لا حول ولا قوة إلا بالله”، ويتغلبوا على ما اعترض طريقهم، بل ويختلُوا بأنفسهم إذا ما جُنّ جنونهم في مواجهة الحوادث الغادرة التي تُشيب رؤوسهم، وتقصم ظهورهم، وتُذهب طمأنينتهم، وتُحرم النوم عليهم.

فكل جهد يبذله المرء في هذا الشأن يُرجى أن يكون عبادة عند الذات الإلهية، لأنه جهد في سبيل الارتقاء إلى مستوى الإنسان الكامل، وهو ما يمكننا تشبيهه بصعود الدرج، فكلّما يصعد الإنسان خطوة على الدرج يحظى بثوابٍ مختلف.

وبالطريقة نفسها، حتى وإن كان المرء يتلوى ألمًا ويئن حزنًا ويتوجع قلقًا وأسًى إزاء الإساءة إلى القيم التي يؤمن بها، فإن محاولتَه التحكم في سلوكه وتصرفاته تجاه ذلك، وتجنّبَه مواقف رد الفعل المفرطة، وحسابَه بدقة بالغة وإجهادَه عقلَه حد النهاية في كيفية دفع هذه السلبيات وتبديدِها بأكثر الطرق عقلانية ولينًا؛ عبادةٌ مهمّةٌ تقرّبه من الله تعالى.

   عزم وإصرار نبويّ

إن السعي إلى إحقاق الحق محترِمًا القيم الإنسانية السامية حتى عند انتهاك الحقوق الأساسية، والتصرفَ باتزان نبوي تجاه أكثر الأفكار غلظة وجلفة، وعدمَ الانهزام للغضب والانفعال خصالٌ صعبة للغاية ومن الضروري التحلّي بها فعليًّا، وكي يستطيع الإنسان التغلب على هذه الصعاب يلزمه بداية أن يتحلّى بأخلاق وإرادة وعزم وإصرار نبوي شعورًا وفكرًا.

وعندما ننظر إلى قصص الأنبياء التي نقلها إلينا القرآن الكريم يتضح أن كلًّا منهم يمثل -بالنسبة لنا- قدوة حسنةً يجب علينا الاقتداء بها في هذا الشأن، لأنهم لم يحيدوا عن مبدئهم ولم يتخلوا عن هويتهم وواصلوا تمثيل الدعوة الحق التي جاؤوا بها، وذلك بالرغم من تعرُّضهم الدائم للإهانة والاعتداء والتعذيب من جانب أقوامهم، وعندما ننظر إلى الأحاديث التي دارت بينهم وبين أقوامهم يتضح لنا أن كلَّ واحدٍ منهم بطلٌ من أبطال الأسلوب.

فمثلًا سيدنا نوح عليه السلام عاش بين قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا بحسب التعبير القرآني، ودعاهم خلال تلك السنوات الطويلة إلى الحق والحقيقة كما قصّت لنا سورةُ العنكبوت، ومع ذلك أُهين وأُوذِي وضُرب، لكنه إعلاءً لخاطر الحق واصلَ طرْقَ أبوابهم دون غضب ولا سخط، لدرجة أن موقف من ظلوا يواصلون تمرُّدَهم ضدّ عزمه وسعيه عليه السلام في مسألة التبليغ والإرشاد قد أثار غيرةَ الله تعالى.

أجل، هناك درجة محدّدة إذا وصل الظلم والعدوان إليها تُثار غيرة الله، إذ إن الله لا يعفو إذا ما اجتيزت هذه الدرجة، فبعد أن أثار إنكار قومه وتمردّهم غيرة الله أمر الله تعالى نوحًا عليه السلام بأن يصنع الفلك، وبينما يصنع نوح فلكه كان أشقياءُ قومه يأتونه ويواصلون مضايقته وإيذاءه.

ويتناول القرآن الكريم هذا الوضع بقوله: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (سورة هُودٍ: 11/38-39).

وحتى في تلك اللحظات التي دنا فيها العذاب لم يغير سيدنا نوح عليه السلام من سلوكه وتصرفه رغم إصرار قومه على الكفر والإلحاد وعنادهم وتمردهم، وحين أنهى الفلكَ دعا المؤمنين وأخذهم إلى الفُلْك، وبدأ ينتظر الأقدار الإلهية، بل إنه حتى حين بدأ الماء ينهال من السماء كما ينصب الماء من كوب، ويتفجر من الأرض لم يقل ولو كلمة واحدة ضد قومه من قبيل “أما كنتم تقولون لن يحدث شيء! تبًّا لكم.. هيا خذوا نصيبكم مما قلتم!”، حتى إننا عندما ننظر إلى قوله لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلاَ تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ (سورة هُودٍ: 11/42) عندما اشتد الأمر وبدأ الماء يرتفع نجده لم يُغير قطّ من موقفه في اتباع القول اللين والحال اللين والأسلوب اللين.

   الصبر والعفو فضيلة

كما هو معلوم فقد أجاز القرآن الكريم مقابلة الفعل بمثله، وذلك بدليل الآية الكريمة ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (سورة النَّحْلِ: 16/126) ولكن بقية هذه الآية ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (سورة النَّحْلِ: 16/126) تلفت الانتباه إلى سلوك أكثر كمالًا وفضلًا.

وعليه فإنكم إذا لم تُقابلوا المعاملات الفظّة الخشنة والأذى والتعذيب والضرر بمثله وتحمّلتم وأعدتم ضبطَ أنفسكم وتهيئَتَها بحقٍّ، وقرأتم مشاعر مخاطبيكم مرة أخرى، وأحسنتم حسابَ وتوقُّعَ ما سيعود عليكم من وراء كل خطوة تخطونها، وتصرفتم وفقًا لذلك التصرف الأصح تجاه الآخرين فقد فعلتم الأفضل والأمر الخير بحسب التعبير القرآني.

وزيادة في التوضيح يجب اعتبار الحكم القرآني “المعاقبة بالمثل” رخصة وجوازًا لضعاف الناس، لأن بقية الآية أوصت أصحاب الهمم العالية والعزائم السامية بالصبر، ومن هنا فإن ما يقع على عاتق المؤمنين هو السعي إلى التحلي بعزم وصبر نبوي، ولما كان باب الوحي قد أُغلق فليس من الممكن أن يكون هناك نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الإنسان بوسعه أن يجتهد لأن يتخلق بأخلاق الأنبياء ويتحلى بصفاتهم العالية التي يمتلكونها.

   تجنب مضاعفة المصيبة

الجانب الآخر من المسألة هو أن البعض ربما يتسببون في مجموعة من التخريبات بسبب خطئهم في الأصول أو الأسلوب على حد سواء، وكيفية التصرف إزاء مثل هذه الفئة من الناس مسألةٌ ترتبط بالأسلوب أيضًا، فلو تم تحميل الواحد منهم مسؤولية المحن والشدائد المعيشة ومخاطبته “بسببك حلَّ بنا هذا، لو أنك لم تقل هكذا، ولم تفعل هكذا لما أصابنا ما أصابنا”؛ هو أيضًا خطأ في الأسلوب، فمثل هذه الأقوال تُضاعف المصيبة، وتُعاظم من الآلام والمصائب الواقعة.

ربما يُخطئ البعض في الأسلوب، بل وربما يؤثّر خطؤُه هذا على الأصول، ولكن ما يجب فعله في هذا الموقف هو الاعتبار وأخذ الدرس من ذلك الخطإ، والسعي إلى عدم تكراره مرة أخرى بعد ذلك، وإلا فإننا إن بدأنا في الطعن والتشنيع على الطرف الآخر بأننا تعرضنا لطائفة من الأضرار ووصلنا إلى هذا الوضع بسبب الأخطاء التي وقعت، نكون قد أخَفْنا الناس وضيّعْنا أصدقاءَنا، وزعزعنا القوّة المعنوية بيننا.

والآيات الكريمة التي نزلت بشأن ما حدث في غزوة أُحد، وتصرُّف النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا يخبرنا بأشياء كثيرة في هذا الصدد، فكما هو معروف لقد نبّه رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم تنبيهًا شديدًا على الصحابة الذين مَوضَعَهم على جبل الرماة بألّا يبرحوا مكانهم، إلا أنهم حين رأوا أن العدوّ انهزم وفرّ هاربًا ظنوا أن الحرب انتهت، وما حدث كان مبنيًّا على عدمِ فهم ما في إطاعة الأمر النبوي بحذافيرِهِ من دقّة وحساسية، فتعقبوا العدو وتركوا أماكنهم لِأَخْذِ الغنيمة خطأً منهم في الاجتهاد، ولكن كان ثمة شيءٌ لم يتمكّنوا من حسابه جيّدًا؛ إذ إن خالد بن الوليد الداهية العسكري العظيم استفاد من تلك الفجوة استفادة جيدةً للغاية، فحاصر الجيش الإسلامي من الخلف وبدأ يُهاجمه؛ مما أدى إلى استشهاد سبعين صحابيًّا ولم يُستثنَ أحدٌ من الإصابات على اختلاف أنواعها، حتى إن وجهَ مفخرة الإنسانية شُجَّ، وكُسرت رباعيته.

قد تتبادر إلى أذهان الجميع بعض الانتقادات إزاء مثل هذه الصورة، نظرًا لوجود أحداث مهمة تتطلب ربطَ الجُرْمِ وعزوَه إلى فاعله، في لحظة كهذه كان من الممكن أن يقولوا: “كل هذا بسبب فلان وفلان”، وكان يمكن أن يُوبّخ سيدنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الصحابة، وأن يتذمّر السادة الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم، وتحدث حالة خطيرة من الهرج والمرج، ونتيجة لكل هذا كان من الممكن أن يحدث على سفوح “أُحُد” -التي تُعتَبَر شبهَ هزيمة وشبهَ انتصار- كوارث أكبر بكثير.

لكن الحق تعالى قطع السبيل أمام الأزمات المحتمل حدوثها من هذا النوع بتلك الآيات الكريمة التي أنزلها بسبب ما حدث، وأعطى رسائل مهمة بالنسبة للاحقين، فقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/159).

بعد أن امتدح الحق تعالى لين قلب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، وبينما يلفت الانتباه إلى أهمية التصرف برفق ولين من جانب، يجذب الانتباه أيضًا إلى العواقب المحتملة للعنف والشدة من جانب آخر، ليس ذلك فحسب، بل يأمر الله عز وجل رسوله الكريم بأن يعفو عن الصحابة، أي أن يتغاضى عن خطئهم، ثم يطلب منه أن يسأل الله تعالى لهم العفو، وثالث شيء يأمُر به هو أن يشاورهم في الأمر؛ أي إن الله تعالى يأمر رسوله -الذي خرج إلى أُحُدٍ بقرار تمّ اتخاذه عن طريق الشورى- يأمره أن يجمعهم ثانية بعد ما حدث ويستشيرهم مرة أخرى.

الواقع أن الله سبحانه وتعالى يُعطي المؤمنين بهذه الآية الكريمة درسًا في غاية الأهمية في الأسلوب، إنه يُعلمهم كيفية التصرف عند مواجهة الفشل وخيبة الأمل نتيجة عيوبٍ وأخطاء ارتكبها بعضُنا قدرًا، ويعلّمهم عدم مضاعفة وتفخيم المصيبة والبلوى عبر إلقاء اللوم وتخطئة الناس من حولنا.

   اللجوء إلى الدعاء

ربما أول ما يجب قوله ههنا: إذا كنتم تريدون أن يتعرف الآخرون على ما تمتلكونه من قيم، وأن يهتدوا إلى الصراط المستقيم فاطلبوا هذا من الله بالدرجة الأولى، فإن كنتم لا تنهضون ليلًا، ولا تضعون رؤوسكم على الأرض، ولا تقولون “اللهم ربنا! لقد لجأنا إليك! اللهم اهدِ فلانًا وفلانًا”، فهذا يعني أنكم لستم مخلصين في هذا الشأن، ذلك أن الله تعالى يقول: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ (سورة الأَنْفَالِ: 8/63).     

وبما أن القلوب بين يدي الله فإنه هو من يؤلف بينها ويهديها إلى صراطه المستقيم، ومن هنا فيجب بالدرجة الأولى ألا يُهمل الدعاء، وبعد ذلك نفعل ما يجب علينا كبشر من أجل تحقّق ما دعَونا الله تعالى به.

وبتعبير آخر، إن الأسلوب -الذي هو مسألة فرعية- يجب أن يتّصف بالحساسية والدقة البالغة حتى لا يطيح بالأصل من جذوره، وكما يجب استخدام العقل والمنطق على الدوام، يلزم كذلك ألَّا يُهمل التوجه إلى الله قلبًا وروحًا، واللجوء إليه، وطلب العون والعناية منه، ويجب أن نقول في دعواتنا باستمرار “إلهي، أريد أن أدعو الناس إليك وإلى حبيبك، فألهِمْني يا الله حُسن الخطاب، وقني الخطأ والتقصير!”.

الجَرَّة المشروخة: حقائق باتت ضحية الأسلوب

Herkul | | العربية

   سؤال: ركّزتم فيما سبق على ضرورة “ألَّا تتم التضحية بالأصول بسبب الأسلوب”، فهل يمكن توضيح هذا؟

   الجواب: لفظة “أصول” هي جمع كلمة “أصل”، وتأتي بمعني الأسس والثوابت، وقد اكتسبت في العلوم الإسلامية مثل الفقه والكلام والتصوّف والحديث، معاني اصطلاحية مختلفة وفقًا للعلم الذي تُستخدم فيه، لكنها باعتبار معناها العام تُستخدَم بمعانٍ مثل: أسس الإيمان، وأحكام الدين الثابتة، ومبادئ الإسلام الرئيسة، وعبر توسيع إطار المسألة نقصد من الأصول الواردة في العبارة السابقة أسسَ العقيدة الإسلامية، وكذلك جميع الأحكام التي طلب الإسلام فعلَها أو تركَها.

أما الأسلوب فهو شكل الحديث والحال والتصرف والسلوك الذي نلتزمه بينما نقدم للناس ما لدينا من قِيم، وبالتالي فإن توخي الحذرَ التامَّ والإخلاصَ في ذلك أساسٌ ومبدأٌ مهمّ للغاية لا سيما لدى أرباب الخدمة.

على سبيل المثال حقيقة “لا إله إلا الله، محمد رسول الله” أصل مهم للغاية يجب على المؤمنين الالتزام به، وألا يُفرطوا فيه أبدًا، لأنها تشكل ركن الإسلام الأول، تُرى كيف ينبغي لنا أن نقدّم للآخرين هذه الحقيقة التي يجب أن نثبتها في قلوبنا إلى أن تغدوَ جزءًا لا يتجزأ من طبيعتنا؟ هنا يأتي دور الأسلوب، إن لم نستطع استخدام أسلوبٍ صحيحٍ في هذه القضية فربما ننال صفعةً على خلاف مقصدنا، ذلك أنه حتى وإن كان مقصدنا هو تعريف الناس بالله جل جلاله وبرسوله صلى الله عليه وسلم وتحبيبهم فيهما فربما نجعلهم أعداء لهما في النهاية، ربما نتسبب في العديد من مظاهر الدمار بينما نروم البناء، وبالتالي فإن خطأً نرتكبه في الأسلوب يمكنه أن يدك نظامًا مهمًّا للغاية في الأصول.

إنكم حتى وإن تأجَّجَت قلوبكم حبًّا لله ورسوله، وكدتم تنفطرون من حماسكم تجاههما، وكنتم مغرمين بتعريفهما للإنسانية لدرجة فرار النوم من أعينكم؛ فقد يذهب هذا التفاني والسعي الحثيث وما تجرعتم من ألمٍ أدراجَ الرياح، إن عجزتم عن إيصال مشاعركم وأفكاركم هذه إلى الآخرين في إطار نظام صريح ومنطق صحيح، بل إنكم سترون أن هذه الحقائق المهمة للغاية -والتي أنتم على أتم الاستعداد للتضحية بأرواحكم عن طيب نفس من أجلها- قد فقدت قيمتها، بل وديست بالأقدام، وستتجرعون مرارة الألم على ذلك.

   معرفة المخاطب

إن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر التزام ديني مهمّ للغاية يرد الأمرُ به في العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، فعلى سبيل المثال يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذٰلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ[1].

وهذا يعني أن دعوة الناس إلى التزامِ السلوكيات التي حضَّت عليها الحضرة الإلهية، ودعوتَهم إلى التغلبِ على الآثام التي نهى عنها العلم الإلهي أساس مهم للغاية..

وبعبارة مختلفة: إن ضمان التقاء القلوب بالله تعالى عبر إزالة الحواجز بين الناس والله جل جلاله أساس مهم للغاية في الإسلام، أي إنه من جملة المهام والمسؤوليات الأساسية التي يجب الوفاء بها.

وإذا اعتبرنا أن كل مسألة دينية “أصل”، وجب علينا أن نتناول تلك الأصول ونعرضها بأسلوب صحيح حتى تحظى بالقبول لدى المخاطبين، لأجل هذا أيضًا ثمة حاجة ماسة لمعرفة البيئة الثقافية والعالم الفكري الذي نشأ فيه المخاطَب ووضعهما في اعتبار المُخاطِب، ثم يجب عرض المسائل بأسلوب لين بقدر الإمكان بحيث لا يؤذي المخاطب ولا ينفِّره ولا يستفزّه.

يجب أن تتحلوا بأعلى درجات الحذر والحساسية والحكمة، لا سيما إزاء مَنْ تقابلونهم للمرة الأولى، لأنكم لن تستطيعوا بلوغ المكان الذي تريدون الوصول إليه ما لم تتخيّروا الأسلوب الصحيح لذلك، فإن أثَرتم أي مشاعر سلبية من ناحيتكم ولو لمرة واحدة في نفس مخاطبكم، سيصعُب عليكم للغاية فيما بعد أن تصحّحوا ذلك، فإنكم إذا ما قللتم من قيمة سلوكياتكم وتصرفاتكم في نظر المخاطبين منذ البداية فصارت كقيمة النحاس، فسوف يصعب عليكم تغيير أفكارهم بشأنها حتى وإن تلفّظتم كلامًا ثمينًا من عقيق وجواهر، إذا كنتم لا ترغبون في تحويل جواهركم النفيسة إلى نحاس، وجب عليكم أن تحاولوا العثور على الأسلوب الصحيح لفعل ذلك.

وبغض النظر عن وضع الشخص الذي أمامنا، فحتى وإن كان واحدًا من المساكين الذين استعبدَتهم أهواؤهم وشهواتهم فلا يستطيعون التخلّص منها بأي حالٍ؛ فلا ينبغي أبدًا لطمه في وجهه بأخطائه وعيوبه، على سبيل المثال، إذا قلتم له “لقد أطعت هوى نفسك وابتعدتَ كثيرًا عن الله، ألا تترك الهوى وتتجه إلى الله؟”؛ فقد دمرتم الأصول بمثل هذا الخطإ الذي ارتكبتموه في الأسلوب، بل إن تصرفًا هكذا غالبًا ما يغلق جميع الأبواب والنوافذ أمامكم ويمنع من اتخاذ أية خطوات أخرى، وبالتالي فإنكم تُضيّقون مساحة الحركة الخاصة بكم، مما يجعل السبل التي ستسلكونها مستحيلة عليكم.

ولتوضيح الأمر أكثر فإنني أسوق لكم مثالًا آخر؛ تخيلوا أن تقولوا لقاضٍ أعمى البصر سيحكم عليكم في قضية ما بالمحكمة: “أيها القاضي الأعمى، لا تحكم علينا دون الاستماع إلينا، إذا غابت عن عينك الحقائق فإنها لا تغيب عن أعيننا”؛ فإذا كان القاضي سيحكم عليكم بنزاهة وعدالة في الظروف العادية، فإنه في هذا الموقف سيستفيد من مرونة القوانين لِيَقلب المسألة ضدكم ويقهركم.. وعندها تنالون صفعةً على خلاف مقصدكم.

قد تضطرون أحيانًا إلى التعامل مع أوساط تنكر الحق والحقيقة تمامًا، وأحيانًا مع الحائرين والمترددين، وأحيانًا مع المؤمنين الذين يحاولون أن يعيشوا دينهم بطريقة مختلفة، بدايةً يجب قراءة الشخص المُخَاطَب قراءةً جيدة، والتعرف عليه بشكل صحيح من حيث مزاجه ومشربه، ومعرفة البيئة الثقافية التي نشأ فيها معرفة جيّدة والاقتراب إليه بعطف ولطف، بعد تقييم كل هذه الأشياء ووزنِها يجب تحديد كيفية بدء الخطاب، ونوعية الأدلة والبراهين التي سيتمّ استغلالها، واللغة التي سيجري استخدامها معه، وطبيعة الأسلوب الذي سيُتَّبعُ معه.

على سبيل المثال، إذا بدأتم الحديث وأنتم تخاطبون شخصًا منكِرًا لله بقولكم: “يا هذا، لماذا لا تقبل بوجود ووحدانية الله بينما هناك قدرٌ كبيرٌ من الأدلة الواضحة وضوحَ الشمس والمرئية رأيَ العين؟! توقفْ عن الإنكار والضلال، وقل: لا إله إلا الله”؛ فإن محاوركم سيسُدّ أذنيه عنكم، ويصبح فيما بعد أصم أبكم أعمى، لا يعقل ما تقولون.. نعم، كلنا يعلم جيّدًا أنه حتى تناول الطعام على المائدة له أسلوبه الخاص به، وكذلك بالنسبة لأية مسألة كهذه تقدمونها لمخاطبيكم؛ فإن لم تراعوا آداب المسألة وأركانها تتسبّبون في انغلاق الأفهام والأذهان المتلقية دون كلامكم القيِّم والثمين الذي تقولونه لاحقًا.

يقول الحق تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (سورة الأَنْعَامِ: 6/108)، إذا كنتم ستهينون وتسبّون آلهة المشرك؛ سواءً كانت “اللات” أو “مناة” أو “العزى” أو “نائلة” أو “إيساف”… فقد مهّدتم الطريق أمامه كي يُهين القيم التي تؤمنون بها ويُهاجمها، ونتيجة لذلك، فإن أولئك المشركين سيتشبثون بِقِيَمِ البيئة الثقافية التي نشؤوا فيها ولن يتخلوا عنها بسهولة، إذا لم تتصرفوا باحترام تجاه معتقداتهم مع الإقرار بأنها باطلة، فلن تستطيعوا إثارة مشاعر الاحترام في مخاطبيكم تجاه قيمكم الخاصة، إن طريقة تقديمكم للأمور مع مراعاة وضع مخاطبكم مسألة مهمة جدًّا، يجب عليكم أن تضعوا في الاعتبار بشكل جيد للغاية أي نوع من التعبيرات، والكلمات والمفاهيم التي ينزعج منها أو لا، وكيفية البدء في الكلام ومواصلته معه، وكيف تنسجون أفكاركم وتحبكونها وما إلى ذلك.

هذا الأسلوب والمنهاج في الدعوة يمكن استنباطه من بديع الزمان سعيد النورسي، إذ قال في رسائله: “عليك أن تقول الحق في كل ما تقول، ولكن ليس لك أن تذيع كل الحقائق، وعليك أن تصدق في كل ما تتكلمه، ولكن ليس صوابًا أن تقول كل صدق”[2]، لذلك يجب أن يتحرى المؤمن الصدقَ في حديثه دائمًا، وأن تكون كل كلمة في كلامه حقيقة بالتمام، لكن لا ينبغي له أن يقول في بعض البيئات، وأمام بعض الناس بعضَ الحقائق التي يعرفها بتمامها، إذا كانت هذه الحقائق سوف تثير ردة فعل في الجانب الآخر، وتؤدي إلى اتخاذهم موقفًا تجاهكم، وتقلِّلَ من قيمة حقائقكم الثمينة كاللؤلؤ والمرجان فتجعلها مثل قيمة النحاس، فمن الأفضل أن تبقى تلك الحقائق في أذهانكم، ينبغي للمرء أن يتحلّى بالحكمة القائلة “لكل شيء وقتٌ وحينٌ”، وأن يتحلى بالصبر في هذه القضية إزاء تباطؤ الزمان الذي قد يُوصِل إلى حد الجنون، لأن العديد من الحقائق التي تُرفض عندما تُقال لأول مرة، تحظى بحسن القبول عندما تُقال في وقتها المناسب.

في البداية قد لا يكون المرء قادرًا دائمًا على أن يحدد بشكل صحيح متى وأين وكيف يتحدث مع محاوره، وطبيعةَ الأسلوب الذي سيستخدمه، لا سيما أنه من الصعب للغاية بالنسبة لأصحاب الطبائع المتهيجة التحلي بالصبر والمحافظة على وداعتهم وهدوئهم تجاه التصرفات والسلوكيات التي ينزعجون منها، لكنّ تعوُّدَ المرءِ على هذا وجعلَه بعدًا من أبعاد طبيعته يعتمد أيضًا على إعطاء الإرادة حقّها، ومهما شقّ عليه الأمر في أوله فإنه يستطيع أن يُعوّد نفسه على ذلك مع مرور الوقت، بل يجب عليه ذلك، فالمواقف التي يحاول الرجل إظهار أنها تأتي منه طواعية، في حين أنه يُجبر نفسَه عليها، ستكون جزءًا من طبيعته مع مرور الوقت، ثم إن روح الإنسان وأحاسيسَه ستكتسب الدُّربة في هذه المسألة، وكما يفعل أرباب الصناعات المختلفة أعمالهم الخاصة دون أية صعوبة نتيجة لاكتسابهم الخبرة والدُربة مع تراكم السنين، فإنه أيضًا سيدرب نفسه إلى أن يجعل أسلوبه محميًّا من الخطر حتى في أكثر المواقف صعوبة وإشكالًا.

   المحافظة على الوحدة والترابط

من المعلوم أن الحق سبحانه وتعالى وصف في بيانه الكريم أن المؤمنين إخوة، وكثير من الآيات القرآنية الحكيمة نبّهت على أهمية الوحدة والترابط، وهذا يعني أن تحقيق الوفاق والاتفاق أحد أصول الإسلام المهمة، لكن إذا ألقينا نظرة عامة على أحوال المؤمنين اليوم فمع الأسف سنجد الفرقة والاختلاف تسود بينهم وتفرض حكمها عليهم، ومن أجل إصلاح هذه المسألة فعلى المؤمنين السالكين طريق الإصلاح هذا أن ينتبهوا إلى الوسائل والأسباب ويولوهما الدقة والاهتمام.

قد يقف البعض على مسافة منكم لمختلف الأسباب، ولكن وبغض النظر عن أسلوبهم وأطوارهم تجاهكم فالواجب عليكم عدم التخلي عنهم، لأن المسلم عليه ألا يتخلى عن المسلم، لذلك فمهما هربوا منكم فعليكم الاقتراب منهم، ولكن أهم شيء هنا أسلوبكم في التقرب إليهم، فلو أنكم قلتم لهم: “إننا نقوم بالأمر على الشكل المطلوب، وطريقُنا ثمارُه أكثر، وفوائدُه جمة، وأنوارُه ساطعة، فتعقلوا بنا وانضموا إلينا، وكونوا عونًا لنا”؛ فإنكم بقولكم هذا تكونون قد أبعدتموهم عنكم أكثر فأكثر.

ولكن بدلًا من ذلك عليكم أن تتخذوا أسلوبًا أكثر لطفًا ومعقولية وإنسانية، فمثلًا يمكنكم مخاطبتهم هكذا: “إننا نحارب الجهل والفقر والافتراق عبر إنشاء وفتح المراكز التعليمية، والفاعليات الخيرية، وفتح طريق الحوار بين الناس، ولكننا لا نجزم أن ما نقوم به هو الطريق الصائب، فلا ندري هو صائب أم لا؟ ولذلك نريد أن نستفيد من أفكاركم وخبراتكم، بل إننا نريد أن يكون لنا مكانًا في قلوبكم فتذكرونا في دعواتكم وتضرعاتكم، فإن دعمكم هذا سيكسب الأعمال التي نقوم بها بركة خاصة”.

فلو أن الأمر تم الاقتراب منه داخل هذا الإطار السابق، وأظهرتم للناس احترامًا وتوجهًا صادقًا، سيقابلونكم بنفس الاحترام والتوجه؛ إن لم يكن اليوم فغدًا، ولذلك فإن قوبلتم بالرد والرفض فعليكم ألا تستسلموا، وإن أُغلقت دونكم الأبواب خمسين مرة، فعليكم طرقها مرة تلو الأخرى، والاتصال الهاتفي بهم، وعليكم أن تبحثوا عن طرق جديدة ومتنوّعة لتحقيق الوفاق والاتفاق، وعلى الإنسان أن يقول لنفسه: “قد أكون ذكرتُ الكثير من الأمور الجميلة ومع ذلك فإنني تصرّفت بشيء من الخشونة والوقاحة؛ ما كان عليّ أن أقول هكذا، يجب أن أجد أسلوبًا لائقًا وملائمًا أفضل من أسلوبي السابق، فإنني عاجز لدرجة أنني لا أعرف ما يجب علي أن أقوله لهذا الإنسان…”، وعليه أن يتوجه لهذا الشخص مرة أخرى ولكن هذه المرة عليه أن يقول له على سبيل المثال: “من فضلك لا تتركنا بمفردنا، كن عونًا وسندًا لنا، أَنِرْ لنا الدرب والآفاق بأفكارك الآفاقية، ولا تحرمنا من ألطافك”.

وإذا أُغلق الهاتف أو الباب في وجوهكم مجددًا، فعليكم بالتفكير المستمر، والبحث الدؤوب للنفوذ إلى قلب مخاطَبكم، وعليكم إيجاد البدائل، واستخدام الطرق المختلفة، وإن لم يحدث فعليكم حينها مراجعة “العقل الجمعي” وعليكم وأنتم تفعلون هذا أن تضعوا نصب أعينكم مدى إدراك المخاطب، وعالمه الروحي، وموقفه الديني، وتصوراته الدنيوية، ثم تحاولون إيجاد طرق مختلفة للتلاقي معه والوصول إليه.

ومن حيث المبدأ فليس شرطًا أن يسير الأشخاص وفقًا للطريق الذي رسمتموه، ولا أن يشاركوكم مساركم الخاص؛ فكونكم تعيشون وفقًا لمسلككم الخاص الذي تحبونه، هذا لا يستلزم منكم الشعور بالحسد والتنافس والعداوة تجاه الآخرين، فلتعشقوا مذهبكم ومسلككم ومشربكم الخاص ولتكونوا صادقين ومخلصين له لأبعد الحدود من ناحية، ومن ناحية أخرى لا تنسوا أن للآخرين أشخاصًا وقدواتٍ يحترمونها، ومبادئَ يُعلون من شأنها، ومسالكَ يتبعونها، وما يقع على عاتقكم هو أن تفتحوا قلوبكم للجميع، وألا تظهروا أدنى درجات التحقير لما يعتقده الآخرون ويجلّونه، وعليكم أن تذكروا بالجميل كلَّ من يخدم الدين، ولتجعلوا أبوابكم مفتوحة على مصاريعها لهم دائمًا أبدًا، وعبر هذا السبيل تتم المحافظة على سلامة الطريق وأمنه وخلوه من الحوادث المرورية؛ وإلا فستواجهكم مقطورة في كل أركان الطريق، لتتوالى الحوادث، وتكثر الضحايا.   

   رعاية الأسلوب حتى أمام الفراعنة والجبابرة

وكما أفدنا سابقًا وفي مناسبات مختلفة، إن الله سبحانه وتعالى عندما اختار اثنين من أحب عباده إليه وأرسلهم إلى فرعون، قال لهم في محكم التنزيل ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (سورة طَهَ: 20/44) بينما فرعون هو الرجل الذي جمع قومه ليقول لهم ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ (سورة النَّازِعَاتِ: 79/24)، ففي الأساس كان لفرعون شخصية تبث الرهبة في نفوس الناس عند ذكر اسمه، ويتلعثمون ويرتجفون خوفًا إن مَثلوا أمامه، ورغم أن فرعون شخص من عِظم كبره وتكبره وتمرده يدعي الألوهية؛ لكن الله سبحانه وتعالى عندما أرسل إليه رسولَيه عليهما السلام أمرهما أن يستخدما معه أسلوبًا لطيفًا ليِّنًا، وكأن معنى الآية الكريمة: “نعم، إنه رجلٌ سيئ، ولكن هذا ليس مبررًا لأن تقذفوا أخطاءه في وجهه وتخاطبوه بأسلوبه، بل خاطبوه بتجرّدٍ تام، وقولٍ ليّن قد يسوقه إلى الحق ولا ينفّرُه منه”. 

وفي الظروف العادية فإن شخصًا متكبرًا متألِّهًا مثل فرعون، إذا جاءته مثل هذه الرسالة من الخارج فإن الفعل المنتظر منه -بالنظر إلى طبيعة شخصيّته وسلوكياته- هو أنه سيستشيط غضبًا، وسيقتل هؤلاء الرسل شرّ قتلة وعلى جناح السرعة -وهذا بغضّ النظر عن عصمة الله لهما من بطشه، فهذا أمر آخر- لكن بدلًا من ذلك نجد فرعون بدايةً يناقشهما في مسألة الرسالة الإلهية، وبعدها يقرّر عقد مناظرة ومنافسة بين سيدنا موسى عليه السلام والسحرة، وهذا يعني أن فرعون قد أصبح مجبرًا على فعل ذلك نتيجة الأسلوب اللين والكلمات المؤثرة والأطوار والأحوال والتصرفات والأفكار التي عرضها كلٌّ من سيدنا موسى وسيدنا هارون عليهما السلام. 

وعندما ينتصر سيدنا موسى عليه السلام على سحر السحرة يبدأ فرعون في اتخاذ موقف جدلي، ويبذل أقصى وسعه حتى لا يُساقَ إلى الإيمان، لكن كثيرًا من الحاضرين والمشاهدين لمعجزة سيدنا موسى عليه السلام تبدأ قلوبهم تشعّ بنور الإيمان، وعلى الأقل فجميعهم ينجون من دركة الكفر المطلق ويقعون في درجة التردّد، ومثل هؤلاء الناس الذين خطوا الخطوة الأولى تجاه الإيمان تكون خطواتهم التالية تجاه الإيمان أسهل وأيسر، انظروا كيف أن “القول اللين” و”الحال اللين” كانا سببًا في ذلك التوفيق العظيم.

وهنا أريد أن أستطرد قليلًا ثم أعود، فنبيّنا محمدٌ عليه الصلاة والسلام كان مثل نبيّ الله موسى عليه السلام، فقد كان يخرج مرات ومرات أمام فراعنة عصره من أمثال أبي جهل والوليد بن المغيرة، وعتبة بن ربيعة وغيرهم، ليبلّغهم الوحي الذي أنزله الله عليه، ورغم معاملتهم السيئة وفرضهم المقاطعة، إلا أنهم عاشوا سنوات عديدة في البداية دون أن يقرروا قتله ومن معه والخلاص منهم، ولو أنهم عزموا فعل ذلك ما كان الله تعالى ليعطيهم الفرصةَ بدليل ما حدث بعد ذلك، ولكن المهم هنا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعامل معهم بأسلوبٍ راقٍ غاية في اللطف واللين، فلم يقل لهم ما قد يمسّ مشاعرهم وينال منها، ولم يكن في ألفاظِه وأطوارِه وأحوالِه يثيرُ حفيظتهم أو يستثيرها، فقد كان في أغلب الأوقات يجذبهم إليه بأسلوبه وينتصر عليهم بأفكاره، وعلى الرغم من أن المخاطبين كانوا يحيدون بالنظر عنه عنادًا وكبرًا، إلا أنه صلى الله عليه وسلم كان يحرز انتصارات داخل الضمير العام للمجتمع.

ومن جهة أخرى فإن الله سبحانه وتعالى قد أمر سيدنا موسى وسيدنا هارون باتّباع أسلوب ليّن في تبليغ فرعون، حتى يكون قد أزال من يد فرعون أية معذرة واهية قد يلجأ إليها في الآخرة، فلا يقول: “نعم قد جاءني الرسول وبلغني الرسالة، ولكنه عرضها بأسلوب غاية في الفجاجة والفظاظة، وقلّل من شأني، فصرت خجلًا أمام قومي”، وبهذا المعيار فحتى مثل هذه المعذرة الصغيرة نزعها الله من يد فرعون بقوله تعالى: “فقولَا له قولًا لينًا”.

ولا أدري اليوم ونحن في هذا العصر ندعي التمدّن والتحضّر ونقول بأن القيم الإنسانية أصبحت في المقدمة، هل استطعنا فهمَ رسالة هذه الآية بدقائقها الحقيقية أم لا؟! هل استطعنا أن ندرك الحكمة والمصالح وراء القول الليّن؟!

وفي محكم التنزيل هناك آية متعلقة بأهل الكتاب يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (سورة العَنْكَبوتِ: 29/46)، إذًا هذا يعني البحث أثناء مخاطبتهم على أفضل أسلوب وأحسنه، والحديث بصورة لا تجرح مشاعرهم، لأنه يجب أن تضبطوا أنفسكم وفقًا لحال مخاطبكم، وحينها تُفتَح القلوب وتصِلون إلى الغاية المبتغاة، لكن إن نظرتم إلى حال المسلمين اليوم وأطوارهم سترونهم لم يستطيعوا الوصول إلى هذا الأفق بعد. 

وإن كان من الواجب استخدام الأسلوب اللين مع فرعون ومع أهل الكتاب، إذًا علينا أن نعيد النظر في خطابنا تجاه بعضنا البعض مرات ومرات، وعلينا ألا نهدم القلوب لأن القلب هو بيت الله، وهدمُه هدمٌ لبيت الله تعالى، وخطاب المؤمن تجاه المؤمن يجب ألا يكون هدمًا للقلوب بل ينبغي أن يكون إعمارًا لها، وعلى هذا يجب أن يكون هذا حال المؤمن في كل أطواره من عافية وابتلاء وأفراحٍ وأتراح، وذلك ليكون مقنعًا لمخاطبيه.

ومما يجب ذكره هنا أيضًا، أنه لكي يصدر القول اللين من إنسان يجب أن يكون ليِّنًا في كل أطواره وأحواله، لأن الإنسان وفقًا لشخصيته فإن لم يكن ليِّنًا ولطيفًا فكذلك أفكاره وأقواله لن تكون لطيفة ولا لينة.

***

[1] صحيح مسلم، الإيمان، 78؛ سنن الترمذي، الفتن، 11؛ سنن أبي داود، الصلاة، 239.

[2]  بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب الثاني والعشرون، ص 323.

الجَرَّة المشروخة: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّه

Herkul | | العربية

   سؤال: ورد في أحد الأحاديث النبوية الشريفة الحديث عن سبعة أصناف من الناس سيستظلون بعرش الرحمن يوم القيامة؛ يوم لا ظلّ إلا ظلّه سبحانه وتعالى، فما هي الصفات المشتركة بينهم؟

   الجواب: ثمة عنصران مهمَّان جدًّا يُمكِّنان الإنسان من إحراز مستوًى في العبادة والوصول إلى القمم المستهدفة من خلقه، هما وفاؤه بعباداته وطاعاته مهما كان في الأمر من مشقة ، من ناحية، وابتعادُه عن الذنوب والمحرمات مهما كانت صعبة ، من ناحية أخرى؛ لأنه كلما كان العمل الذي يضطلع به العبد صعبًا، كلما زاد الثواب والمكافأة التي سيحصل عليها.. وبالمثل، إذا استطاع المرء تجنب الخطايا التي يصعب للغاية تجنُّبُها، قَدِر على الوصول إلى أعلى مراتب العبودية.. والنقطةُ اللافتة للانتباه في هذا الحديث المعني بالذكر والتي تعتبر قاسمًا مشتركًا هي حقيقةُ أن هذه الأصناف السبعة تنجز أعمالًا يصعب القيام بها بالنظر إلى بعض الخصائص الفطرية الكامنة في الإنسان والظروف المعيشية المحيطة به.

ونص الحديث المراد على النحو الآتي: عن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: “سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ[1].

والآن فلننظر عن كثبٍ وبالترتيب، إلى تلك الأصناف الواردة في هذا الحديث الشريف:

   1- الإمام العادل

ذكر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الإمام العادل على رأس من سيستظلّون بظلّ العرش، ويدخل ضمن هذا الإطار أيضًا جميع المسؤولين والإداريين؛ بدءًا من “القائم مقام” المسؤول عن إدارة أصغر قصبة وصولًا إلى رئيس الدولة المسؤول عن إدارة الدولة، وهكذا يفوز بهذه البشارة كلُّ مسؤول في مثل هذا الموضع، يسعى إلى إقامة العدالة بحذافيرها، ويتصرّف بحساسية بالغة وحذر شديدٍ لئلا يظلم أو يجور ولو على مثقال حبة من شعير.

من السهل إلى حد ما بالنسبة للأشخاص العاديين الذين لا يشاركون في أي مستوى من مستويات الإدارة أن يكونوا عادلين، ولكن كلما زادت المسؤوليات والالتزامات كلما أصبح من الأصعب مراعاة العدالة والحفاظ على الاستقامة، وعلى سبيل المثال: إذا كان من الصعب على منْ يتولى منصب عمدة قرية أن يكون أكثر عدلًا من أي شخص عادي؛ فإن مَنْ يكون مسؤولًا عن دولة كبيرة وفي موقع السلطان سيصعب عليه تحقيق العدالة؛ لأن من يحرزون مثل هذا الموقع يتمتعون بقوة وقدرة كبيرة، ويقف بجانبهم أناس يقولون دائمًا “فخامة الملك” احترامًا وخضوعًا، بالإضافة إلى ذلك، هناك جماهير غفيرة تصفق لهم ما إن يتفوهوا بكلمة، دون اعتبار إن كانت جيدة أو سيئة.

الحقيقة أنه من الصعب للغاية ألا يتجرع امرؤ في مثل هذا الموقع من سُمّ القوة، وألا ينجذب للتصفيق والتقدير، وألا يسيء استعمال الإمكانيات الواسعة التي بيده، وألا يبرح العدل والحقانية مع وجود كل هذه العوامل المُضلِّلة والمُفسدة، وهكذا فإن الإنسان الذي يتغلب على هذه الصعوبات، ولا يختلس حتى حبة شعيرٍ ليست له، ويستخدم جميعَ الإمكانيات والقوى والقدرات المستأمن عليها في سبيل خدمة أمته فحسب سوف يحظى بمزيد من المفاجآت الإلهية حين ينتقل إلى الحياة الآخرة. وبتعبير آخر كلما ارتفع مقام المرء ومنصبه كلما صعُب عليه الحفاظ على استقامته؛ والتغلبُ على هذه الصعوبة يرفعه بشكل عمودي إلى الكمال الإنساني.

   2- شاب نشأ في عبادة الله

وفقًا للآية الكريمة ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (سورة الذَّارِيَاتِ: 51/56) فإن الهدف الأساس من خلق البشر هو أن يعبدوا الله تعالى، وبحسب تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لهذه الآية هو الوصول إلى معرفة الله. وبالتالي فإن الطريق إلى النجاح في الامتحان الدنيوي هو معرفة الله، والتعرف عليه، ومحبته، وعبادته حق العبادة. فلا شك أن هناك مجموعة من الصعوبات أمام النجاح في امتحان كهذا إذا ما وُضعت في الاعتبار العوامل التي قد تحيد بالإنسان عن الطريق المستقيم كالنفس والشيطان.

ومع أن هناك صعوبات يواجهها الجميع حتى يتمكنوا من عبادة الله بحقٍ، إلا أنه من الصعب جدًّا أن تكون هناك حياة تعبدية مثالية لا تشوبها شائبة في مرحلة الشباب التي تطوّقها تمامًا الأهواء والرغبات، لهذا السبب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الصنف الثاني الذي سيستظل بعد الإمام العادل بظل عرش الله، هم زمرة الشباب الذين أسلموا أنفسهم للعبادة، ونشؤوا وكبروا وبلغوا الكمال في دربها، ونظرًا لأنه يصعب للغاية على الشاب أن يتمرد على رغباته وإملاءاتها ويقول لها “لا”؛ فقد أُشيد في الحديث الشريف بالشباب الذين يتغلبون على هذه الصعوبة ويطيعون الله بدلًا من الهوى، وعليه فإن قدرة الشاب على قول “لا” للرغبات والمطالب المحرمة التي قد تطمع فيها أعضاء جسده كالعينين والأذنين واللسان؛ سترفعه إلى قمة الكمال الإنساني.

   3- رجل قلبه معلق بالمساجد

أما الصنف الثالث الذين ورد ذكرهم في الحديث فهم الذين تعلقت قلوبهم بالمساجد، تخيلوا شخصًا يأتي المسجد فيؤدي صلاته، ثم يخرج جسده الماديّ ويغادر، إلا أن قلبَه يظلّ في المسجد، وبينما هو في الخارج يبقى في انتظار الصلاة التالية على أحرِّ من الجمر؛ إذ لم تتمكن مفاتن الدنيا وهموم المعيشة، والحرص على كسب المال، وفكرة التلذّذ بمتع الدنيا من أن تجد لها مكانًا في قلبه.. بالعكس فحين يخرج من المسجد الذي تعبد فيه لله ربه يشعر وكأنه يختنق بثاني أوكسيد الكربون؛ ولذلك يبدأ في التطلع إلى طريق المسجد حتى يتنفس الأكسجين من جديد، فمثلًا حين يُصلي الظهر ويخرج من المسجد يقول في نفسه “ليت أذان العصر يُرفع فأُهرع إلى الجامع؛ ليتني أشعر مرة أخرى في وجداني بنداء المؤذن “الله أكبر”.

ويمكننا ربط هذا بذلك الحديث النبوي الشريف “مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ حَتَّى أَصْبَحَ كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ[2]، ففي مثل هذه الأحاديث يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم إن أنفاس الإنسان الذي تعلّق قلبُه بعبادة الليل ستكتب له بمثابة التسبيح والذكر، وذلك لمجرد نيّته هذه فحسب.

ولا شك أن ارتباط الإنسان بالمساجد والعبادة إلى هذا الحد حال لا يتسنى الجميع أن يناله؛ ولذلك فإن من يستطيعون هذا يرتقون مباشرة إلى الله تعالى.

   4- المتحابون في الله

أما الزمرة الرابعة فهم الذين قال عنهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم “رَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ”، والأصل أن “الحب في الله، والبغض في الله” أساسان مهمان في الدين، لكن هذا الأمر ليس يسيرًا ألبتة، فمن الصعوبة بمكان أن ينحّي المرءُ مصالحه وأذواقه ورغباته الشخصية ناحيةً، ويتحبب إلى أخيه ويتقرب ويتودّد إليه لأجل دينه وتديّنه وإيمانه وقربه من ربه وخدمته لدينه وأمَّته.

ولكن أليس ما نشعر به من حب عميق في نفوسنا تجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم جميعًا، وتشوفنا لأن نكون بجوارهم، سببُه الأساس هو نيل رضا الله سبحانه؟! وبتعبير أكثر وضوحًا: ألسنا نحبّهم بسبب الرسالة الإلهية التي حملوها إلينا، وقربِهم من الله عز وجل، ولأنهم مثّلوا في أنفسهم أوّلًا جماليّات الإسلام الحقيقية على وجهها الأكمل، واضطلعوا ببطولات حقيقيّة من أجل دينهم؟! لقد أظهر هؤلاء تفوُّقًا فريدًا وعاليًا في مسألة تمثيل الدين ومعايشته حتى إن كل الموازين الدنيوية لتعجز عن وزن وتقدير ذلك، بل إنني أظن أنه لو وضعت أعمالهم وفضائلهم تلك على الميزان في الآخرة لما تحمل الميزان وخرَّ من عِظم وثِقل أعمالهم.

وبجانب هذا النوع من الحب توجد أيضًا علاقات تقوم على المنفعة الدنيوية والمصلحة الشخصية، وفي سبيل تلك المصلحة يكون أحد الطرفين للآخر بمثابة ذيل أينما حلوا أو ارتحلوا، فأحيانًا تجدهم يلتفون حولهم وكأنهم حراس أو ندماء، وأحيانًا يتملّقونهم، وأحيانًا أخرى يتسابقون من أجل ستر وإخفاء عيوبهم، ومع أنهم يظهرون لهم الحب والوداد إلا أنهم في الأصل لا يحبون إلا منفعتهم ولا يجرون إلا وراء مصلحتهم.. ومثل هذه العلاقات المنفعية لا يُبتغى بها مرضاة الحق سبحانه وتعالى.

فالمتحابون في الله الذين تقوم علاقتهم على رضا الحق سبحانه، لا يتملقون ولكن يحبون الخير لبعضهم البعض؛ وما يرونه من قصور وأخطاء عند بعضهم لا يتحرَّجون من قوله، ويجذب بعضهم بعضًا دائمًا إلى الاستقامة، بل إن عتابهم وانكسار قلوبهم من بعضهم البعض يكون في الله أيضًا، وفي سبيل الحيلولة دون أن يقع أحد أصدقائهم في الظلم أو الخطإ، فإن من أعظم العوامل التي تُدخِل المرء في ظل عرش الرحمن يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله هو: التحابّ في الله دون التشوّف إلى أي مصلحةٍ دنيوية، وقيام هذه العلاقة واستمراريتها على أساس رضا الله سبحانه وتعالى فحسب.

   5- أبطال العفة

الصنف الخامس الذي أخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيستظل بظل عرش الله يوم القيامة هو الشخص العفيف الذي إذا “طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ”، ولا شك أن صبر الإنسان في تلك الحال وضبطَه لرغباته وغرائزه يُعَدّ أمرًا في غاية الصعوبة، ولذلك فإن نجاح الشخص في ذلك الموقف الصعب يجعله يرتقي إلى عرش الكمالات الإنسانية.

ويُروَى في هذا الصدد: أنه كان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شاب متعبد قد لزم المسجد، وكان عمر به معجبًا، وكان له أب شيخ كبير، فكان إذا صلى العتمة انصرف إلى أبيه، وكان طريقه على باب امرأة فافتتنت به، فكانت تنصب نفسها له على طريقه، فمر بها ذات ليلة، فما زالت تغويه حتى تبعها، فلما أتى الباب دخلت، وذهب يدخل فذكر الله عز وجل، وجلي عنه، ومثلت هذه الآية على لسانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/201)، فخر الفتى مغشيًّا عليه، فدعت المرأة جارية لها فتعاونتا عليه، فحملتاه إلى بابه، واحتبس على أبيه فخرج أبوه يطلبه، فإذا به على الباب مغشيًّا عليه، فدعا بعض أهله، فحملوه فأدخلوه، فما أفاق حتى ذهب من الليل ما شاء الله عز وجل، فقال له أبوه: يا بني ما لك؟ قال: خير، قال: فإني أسألك، قال: فأخبَرَ بالأمر، قال: أي بنيّ، وأيّ آية قرأتَ؟ فقرآ الآية التي كان قرأَ، فخرّ مغشيًّا عليه، فحركوه فإذا هو ميت، فغسلوه وأخرجوه ودفنوه ليلًا، فلما أصبحوا رُفع ذلك إلى عمر رضي الله عنه، فجاء عمر إلى أبيه فعزاه به، وقال: ألا آذنتني؟ قال: يا أمير المؤمنين كان الليل، قال: فقال عمر: فاذهبوا بنا إلى قبره، قال: فأتى عمر ومن معه القبر فقال عمر: “يا فلان ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (سورة الرَّحْمَنِ: 55/46)، فأجابه الفتى من داخل القبر: “يا عمر قد أعطانيهما ربي عز وجل في الجنة مرتين”[3].

   6- أبطال الإنفاق في سبيل الله

ويشخّص الحديثُ حالةً دقيقةً وصعبةً أخرى فيقول: “وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ”، والأصل أن المسألة هنا يكتنفها تشبيهٌ مهمّ يشير إلى أهمية القيام بأعمال الخير في السرّ والكتمان، فإذا روعي هذا الأمر فسيظل الشخص بعيدًا عن أدنى أشكال الرياء والسمعة، كما سيجنِّب المتصدَّق عليه الشعور بالخزي والحرج، فضلًا عن أن الشخص المتصدِّق سيظل محتفِظًا بإخلاصه، دون أن تشوبه أيّة شائبة.

وتأثرًا بهذا الحديث وغيره من الأحاديث ظهر في عهد الدولة العثمانية ما يُسمّى بـ”أحجار الصدقة”[4]، وكانت عبارة عن أعمدة حجرية يترك فيها المتصدِّق بعض الصدقة من النقود، حتى يأتي المحتاجُ ويأخذ منها قدر حاجته، وإنّ إقامة مثل هذا النظام ليدل على مدى استقامة المجتمع في ذلك الوقت، وخلوّه من جرائم السرقة والغصب والابتزاز.

أما عكس ذلك فهو التصدق على المحتاجين أمام أعين الجميع، عندها لا يَسلم المحتاج من المنّ والأذى، والتعرض للهمز واللمز من هؤلاء وأولئك؛ لأن مقصد هؤلاء المجاهرين بالصدقات هو الظهور أمام الناس بمظهر الكريم المحب للخير، ونيل التقدير والتصفيق والتهليل من قِبل المجتمع، يقول الله تعالى مشيرًا إلى هؤلاء ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/263).

   7- الخشيةُ حدّ البكاء

وينتهي الحديث بـ”رَجُل ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ”، والحقيقة أن الإنسان إذا انزوى إلى مكان لا يراه فيه أحد، ووضع رأسه على الأرض ساجدًا لله تعالى في ظلمة الليل مثلًا متذكرًا موقعَه ومكانه من الطاعة، ومتفكرًا في موقفه أمام الحق سبحانه، ومتأملًا في عظمةِ الله جل جلاله وصغرِه أمام تلك العظمة الإلهية ففاضت عيناه بالدموع إثر ذلك؛ فلا جرَمَ أن هذا من أعظم الأعمال التي يرفع الله سبحانه بها عباده إلى الأعلى مباشرة. 

والواقع أن كل الأمور التي ورد ذكرها في الحديث هي أمورٌ شاقّة وصعبةٌ لا يوفّق إليها كثيرٌ من الناس؛ حيث تحتاج إلى الصبر والتحمل والعزيمة والثبات، فمن ينجح في اجتياز تلك المصاعب والعقبات، يكون مظهرًا للكثير من الألطاف الإلهية.. ويمكن قياس أعمال الخير الأخرى على تلك الأعمال بجامع العلّة، فكل العبادات والطاعات التي يقوم بها الشخص يمكن تقييمها وفقًا لهذا المعيار، بناءً على ذلك فمَن يقوم بالأعمال الشاقّة، أو مَن يظلّ مبتعدًا عن المحرمات التي يسهل الوقوع فيها ويصعب الاحتراز منها؛ سيحرز مرتبة عظيمة عند الحق تعالى فينال من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

نسأل الله أن يقوِّي ويوفِّق جميع المؤمنين لا سيما الأجيال الخادمة للدين إلى تجاوز الصعاب وتحقيق تلك المرتبة العالية، فإن هؤلاء سيقومون -بمشيئة الله- بما أنيط بهم من أعمال شاقة، وسيتحلون بأسمى درجات الصبر والصمود أمام المنكرات والشرور، وعندها سينالون شرف الدخول في ظل عرش الله عز وجل، وسيسعدون بالألطاف الإلهية التي لا حصر لها.

***

[1] صحيح البخاري، الأذان، 36؛ صحيح مسلم، الزكاة، 91.

[2] سنن النسائي، قيام الليل، 63؛ سنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، 177.

[3] ابن عساكر: تاريخ دمشق، 45/450، البيهقي: شعب الإيمان، 1/468.

 [4]أحجار الصدقة: عمود متوسط الطول من الحجر الرخام مجوف من أعلاه لوضع النقود وفي أحد جوانبه توجد فتحة لاستخراج النقود. وهكذا لم يكن يلتقي المتصدق بمن تصدق عليه.

الجَرَّة المشروخة: التعمّق في العبودية

Herkul | | العربية

   سؤال: ما الأمور التي ينبغي للمؤمن مراعاتها حتى يبلغ الكمالَ في العبودية لله تعالى؟

   الجواب: يجب على المؤمن أن يستفرغ جهده في سبيل التوجه إلى الله والتعمق في العبودية، وأن يبذل طاقته من أجل إعلام الناس بالقيم التي يؤمن بها؛ وذلك أهم وأعظم الغايات. أجل، لا بد أن يتمثّل العبد هذا النمط من العبودية لربه، ويفرّغ نفسه لمثل هذه العبادة؛ حتى إذا ما رآه أحدهم قال: “يبدو أن هذا الشخص لا يُشغِل نفسه إلا بالعبودية”، وإذا اطّلعت عليه الملائكة أخذَتْها الدهشة والحيرة من عمق عبوديّته لربه، فَتَرمُقه بمشاعر الغبطة والتقدير قائلة: “سبحان الله! كيف لهذا البشر المستودَع بالغرائز والشهوات أن يجتاز هذه الملمات، ويسيح في أفق الروح؟

وعلى نفس الشاكلة يجب على المؤمن أن يكرّس نفسه لخدمة الإيمان والقرآن حتى إذا ما نظر إليه أحدٌ من الخارج قال: “من المحتمل أن هذا الشخص لا يعرف شيئًا سوى الخدمة”، وإذا ما رأى الآخرون همتَه وسعيَه وعزمَه على استغلال كل إمكانياته لإعلاء كلمة الله، وأن تسترد أمته موقعها اللائق بها في التوازن العالمي حسبوا أنه مجنون، والواقع أنه إن لم تلتصق به هذه الصفة بسبب وعيه الديني وتعمّقه في معايشة الإسلام فمن الصعب أن نقول إنه قد وصل إلى الكمال في الإيمان.

باختصار يجب عليه أن يكون مثل الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم أجمعين؛ فمن رآهم وصفهم بقوله: “رهبانٌ بالليل فرسانٌ بالنهار”؛ بمعنى أنهم كانوا يقضون ليلَهم في العبادة والطاعة مثل الرهبان الذين وهبوا أنفسهم للعبادة في الأديرة، ويظلّون حتى الصباح يئنّون ويسبّحون ربهم كتسبيح داود عليه السلام دون كللٍ أو مللٍ، أما في النهار فإنهم يجوبون الديار وهم يمتطون صهوة جيادهم في سبيل إعلاء كلمة الله، وكذلك يجب أن يكون حال المؤمن، يبذل وسعه في الجهتين، وأيًّا كانت الجهة التي يراه الناس فيها فعليه أن يثير إعجابهم وتقديرهم بعمق أحواله وتصرفاته.

   أعظم دليل مبشِّر لما سيمنحه الله لاحقًا

والواقع أن نجاح الإنسان في مهمّة إعلاء كلمة الله منوطٌ بتعمّقه في العبودية؛ بعبارة أخرى: إن انفتاح صدور مخاطبيكم لكم عن آخرها يتناسب طرديًّا مع انفتاح وجدانكم لربكم جل وعلا، فبقدر توجّهكم إلى الحق تعالى يتوجه الناس إليكم، وإن لم يكن اليوم فغدًا.

قد تقع بعض الإخفاقات اليوم، وتتعرضون للمصائب ابتلاءً من ربكم وتطهيرًا لكم، فالصحابة رضوان الله عليهم وهم الصفوة قد تعرضوا لمثل هذه الابتلاءات الشديدة فصبروا، فمن لم يَبلغ الاستقامة الكاملة في داخله اندثر؛ ولم يثبت إلا الأصفياء فيهم الذين حافظوا على موقعهم ووضعهم كأفراد في هذا المجتمع الزكي الفريد، ولهذا فمن المهم أن نحافظ على استقامتنا ونعزز علاقَتنا بربنا سبحانه وتعالى، فإذا استطعنا الحفاظ على عمقنا في العبودية فإن الله تعالى اليوم أو غدًا سيوجِّه القلوب من جديد إلينا ويوطِّن حبنا في قلوب الخلائق.

لقد هاجر رجال الخدمة إلى كل ربوع العالم، ورغم وجود بعض التقصير لديهم فإنهم لاقوا قبولًا حسنًا في الأماكن التي رحلوا إليها، ووضع الله حبهم في قلوب الخلائق، وهذا أعظم برهان على ما سيمنحه الله من عطايا لاحقًا. أجل، لم ير هؤلاء حيثما رحلوا أيّ ردٍّ معاكس حتى اليوم، فإذا ما وقعت بعض المشاكل البسيطة فهذا لا محالة إنما ينشأ عن خطإ أسلوبنا ومنهجنا في التعامل مع الآخرين، أو عن نسبة هذه النجاحات إلى أنفسنا؛ وعلى ذلك إن لم نخلّ بعهدنا الذي قطعناه مع ربنا، وتوجهنا إليه بكل كياننا فلا بد أنه إن شاء الله سيزيد من نعمه وإحساناته لنا ويديمها علينا.

ما ذكرناه حتى الآن هو جانبٌ من المسألة، أما الجانب الآخر فهو: مهما تعمقَ الإنسانُ في عبادته لربه، ونذر نفسه لخدمة دينه فعليه ألا يقنع بما يعمله، وأن يطلب المزيد على الدوام قائلًا: “هل من مزيد؟”، وبدهيٌّ أن الإنسان لو أخذ بعين الاعتبار النعم التي يملكها في الدنيا فضلًا عن الألطاف الأخروية فسيستقلّ العبادات التي يتوجه بها إلى ربه ويقتنع أكثر أنها غير كافية، فعلى سبيل المثال: لقد خلق الله تعالى الإنسان من العدم ثم سوّاه وجعله بشرًا سويًّا، ثم أنعم عليه بالاصطفاف خلف مفخرة الإنسانية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فكل هذا وغيره نعمٌ عظيمةٌ لا يستطيع العبدُ أن يؤدّي حقّها.

   أبطال التوبة والإنابة والأوبة

من جانب آخر على المؤمن أن يتوجه إلى الله بالتوسل والتضرع مستشعرًا الندم من أعماق قلبه على أبسط الأخطاء التي ارتكبها في حقه سبحانه وتعالى، فإذا ما رفع يديه إلى السماء بالتوبة والاستغفار أو وضع جبهته على الأرض ساجدًا بَدَا وكأنه يحمل آثام البشرية بأسرها.

ولا ريب أن أعظم مرشد لنا في هذا الأمر هو المرشد الأكمل وقدوة العالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد كان يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم أكثر سبعين مرة، ولكن يا تُرى هل كان ذلك بسبب ذنبٍ اقترفه؟ حاشا لله! فهذا الظن يُفضي بالإنسان إلى الشكّ وعدم اليقين.. لقد كان صلى الله عليه وسلم يقوم بما تتطلبه عبوديته من جانب، ويدعو إلى ما تقتضيه دعوته وإرشاده من جانب آخر، وكان باستغفاره ودعائه كأنما يخاطب أمّته قائلًا: “أيها المسلمون! استغفروا الله وتوبوا إليه على كل ذنب اقترفتموه عمدًا أو خطأً أو سهوًا، وابكوا وتحسّروا وتوبوا إلى ربكم على كل الأفكار البغيضة التي لوَّثت أخيلتكم وتصوراتكم وعزائمكم ونواياكم”.

فمن أهم الخصال التي يتّسم بها المؤمن أن ينسَى كلّ خيرٍ فعله، ويتذكر دائمًا أدنى خطإ ارتكبه. أجل، مهما تعمّق المؤمن في عبوديته، ومهما استفرغ طاقته في سبيل تبليغ الدين إلى الصدور المتعطشة، ومهما قدم من خير لتلبية حوائج الناس المادية والمعنوية فعليه ألا يقنع بذلك وأن يتناساه، حتى لا يُداخله الكِبر والغرور.

وحتى لو تذكر ذنبًا صغيرًا اقترفه قبل خمسين عامًا فعليه أن يتلوّى ندمًا واضطرابًا وكأنه قد أتى بهذا الذنب حديثًا ويقول في نفسه: “كيف تلطخَت يداي بمثل هذه اللوثيات مع أن الله تعالى قد وضع لنا مبادئ إلهية تنير طريقنا حتى لا نحيد عن الطريق المستقيم، وجعلها لنا شريعة ومنهاجًا”، وفي كل مرة يتذكر فيها الذنب يستغفر الله من ذنبه مرة أخرى، وينزل بمطرقة التوبة والاستغفار على رأس كل خطأ وذنب اقترفه، حتى لا تدنُ الذنوب من حِماه مرة أخرى.

إن ما يليق بالمؤمن الحقيقي هو أن يستصغر مزاياه ونجاحاته كلما كبرت وأن يهوِّل من شأن أبسط خطاياه وذنوبه كلما صغرت.. أجل، عليه أن يهوّل من حجم انحرافاته الصغيرة والكبيرة كالنظر إلى الحرام أو الاستماع إلى الحرام، أو النطق بالفحش من الكلام، أو المشي إلى الحرام، أو مدّ الأيدي إلى الحرام، أو تلوث العقل بالأفكار البذيئة؛ كل هذه الانحرافات على المؤمن أن يهوّل من شأنها وينقصم ظهره وينحني صلبه أمامها، ويقول كما قال الشاعر:

لو وزنني بهذه الذنوب الديّانُ

لانكسر في أرض المحشر الميزانُ

فالمؤمن الذي يعيش حياته بهذا الميزان الحساس سيعيش دائمًا في جوٍّ من المشاعر الروحية العالية، ومَن يداوم على التوبة والاستغفار، ستكون مشاعره في غاية التيقّظ والتنبه تجاه كل الأمور المنهي عنها، أما مشاعر التأنيب ومحاسبة النفس فستكون بمثابة الخندق الحاجز بينه وبين المحرمات، لتتشكل لديه مناعة مسبقة تجاه المعاصي، وإذا حدث العكس ولم يلتزم الشخص بهذه الدرجة من التيقّظ تجاه المحرمات، وتساهل قائلًا: “ماذا يمكن أن يحدث من ارتكاب هذا الأمر الصغير؟!”؛ فسيتطور الأمر ومع مرور الوقت ستصبح هذه الصغائر المجمعة ضخمةً كالجبال وسيصيبه وبالها.

وإذا نظرنا إلى حال عظماء الناس لوجدناهم دائمًا ساروا على طريق الاستقامة هذا، وسيدنا على رضي الله عنه أحد هؤلاء يقول بصوت يملؤه الأنين والتضرع “إلهي إذا لم تعف عن غير محسن فمن لمسيء في الهوى يتمتع” وهنا أتعجب وأتساءل: هل نزلت المعصية بساحة خيال هذا الشخص الجليل؟! إن واجبنا تجاه قولهم هذا هو ترديدنا “حاشا.. معاذ الله” لأننا لا ندري ما يعدّه هؤلاء المقربون من المعاصي.

ومن ناحية أخرى، على المؤمن أن يحترز من الظهور عبر أحواله وأطواره بمظهر المختلف المتميز على الآخرين، فعليه أن يولي اهتمامًا كبيرًا لإصلاح باطنه وظاهره، وأن يتصرف بالصورة الطبيعية في كل موقف، وأن يبقى على مسافة بعيدة من أدنى درجات الرياء والسمعة، وألا يُدخل نفسه في أفعال وأطوار متصنعة للإعلاء من شأن نفسه، وألا يلهث وراء طلب التقدير والتصفيق، وأن يكون صادقًا وصميميًّا لأقصى درجة، وكما يعبِّر مولانا جلال الدين الرومي في قوله النفيس: “إما أن تبدو كما أنت، وإما أن تكون كما تبدو”، فعلى الشخص ألا يدفع الآخرين إلى أن يعتقدوا به ما ليس فيه.

فكل واحدة من جملة هذه المسائل تشكِّل بعدًا عميقًا مختلفًا للعبودية، فلو قام الإنسان بما يجب عليه في كل هذه المسائل فسيصل بإذن الله وعنايته إلى الذرى، أما الذي يقصر في بعض هذه الأمور فهو على خطر التعثر والبقاء وسط الطريق.

   اجتياز الصراط

من الجدير بالذكر أن العبودية قد تبدو سهلة وبسيطة من ناحية التكاليف الواقعة على عاتق المؤمنين إلا أنها في الحقيقة عبارة عن خطٍّ دقيق جدًّا، وبعبارة أخرى يمكننا أن نقول إن العبودية يسيرة كالسير في الطريق العام، ولكنها من جانب أخر صعبة كصعوبة العبور فوق الصراط.

والذين يظنون أن المسألة بسيطة وهينة فسينجون بعناية الله سبحانه وتعالى، ولهذا السبب علينا ونحن نعرض مسألة العبودية على الآخرين ألا نعرضها بصورة تقطع عندهم الآمال، فلو أن شخصًا تربطه مع الله علاقة قوامها خيط رفيع من القطن فعلينا أن نتوخى الحذر ولا نقطع هذا الخيط، فمن أين لنا أن نعلم، ففي يوم ما قد يتحول هذا الخيط الرفيع برحمة الله إلى عروة وثقى لا انفصام لها، بمعنى أن مثل هذا الرابط الذي كان ضعيفًا في بداية الأمر، سيقوى بمرور الزمن ليتخلص الإنسان من عبودية الجسم والبدن ويرتقي إلى ذروة الكمالات الإنسانية.

ولكن عندما ينظر الإنسان لنفسه يجب عليه ألا ينظر إليها بهذا الشكل، بل عليه أن يتفقد في كل وقت رابطته مع الله هل هي خيطٌ رقيق، أم حبل متين؟ وربما في كل يوم عليه أن يتفقد عدة مرات هذا الخيط المستمسك به هل يتحمله أم لا، هل سيجتاز به الجسورَ أم لا، هل سيصل للمنزل والمستقر أم لا؟ فمهما كان مدى ثبات موقفه تجاه الذنوب والمعاصي، ومهما كان مدى تشبثه بالأوامر الدينية عليه أيضًا أن يحمل شعور الهم والتأنيب لنفسه في كل حين.

يُنقل عن سيدنا عمر رضي الله عنه قوله: “لو نادى مناد في السماء أن جميع أهل الأرض في الجنة إلا واحدًا لظننت أنه أنا”، بينما في الحقيقة استطاع سيدنا عمر خلال عشر سنوات من خلافته للمؤمنين تحقيق ما لم تستطع الدولة العثمانية تحقيقه عبر مائة وخمسين عامًا، ولربما كانت وجهة نظره “لو أن في مكاني هذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، لقام بتحقيق أضعاف وأضعاف ما قمت به، لأنه في عامين ونصف حقق ما فعلتُه في عشر سنوات”.

ولهذا السبب فمهما حقق الشخص من نجاحات مبهرة وفتحت على يديه أفاق جديدة للإنسانية، بل لو أنه من خلالها فتح باب عصر جديد فعليه ألا يغتر بنفسه، وعليه ألا يربط أي عمل يقوم به بتقدير وتصفيق الآخرين له، وعليه ألا يتطلع لمنافع دنيوية من وراء أفعاله، بل عليه أن يقوم بكل أفعاله مستهدفًا رضا الله سبحانه وتعالى وناسبًا الفضل له جل جلاله.

فهناك علاقة طردية بين مقدار انشراح صدر العبد عند إسناده النجاحات المتحققة على يديه إلى لله تعالى مع قوة إيمانه، فالمؤمن الممتلئ قلبه بالإيمان إذا نُسبت إليه النجاحات شعر بالضيق ولم يرتح للأمر فيقول “لماذا الناس ينسبون إليّ ما لا يصح نسبته إليّ؟”، ومثل هذا التفكير يصنع ويحقق كل شيء فيحول الشيء الصغير إلى عظيم، والقطرة إلى محيط، والذرة إلى شمس، بل ويحقق المستحيل من الأمور.  

    الترجيح الصائب

وبهذا الاعتبار فعلى الإنسان أن يقوم بالاختيار الصحيح والترجيح الصائب، فإذا كان الناس المحتشدون حوله في الصالونات وفي الميادين -الذين معظمهم لا يفهمون ما يقوله- يقولون له: “إننا نفتخر بك”؛ فعليه ترجيح قول الروحانيين والملائكة في الأرض والسماء له: “إننا نفتخر بك”، وإذا كانت ترجيحاتكم متوجّهة إلى النعم الأخروية بمعنى أنكم اخترتم الله سبحانه على ما ومن عاداه، فسيتوجه لكم جل جلاله ويصطفيكم لتكونوا من “الأخيار”، فالسبب الكامن وراء إطلاق لفظ “المصطفين الأخيار” على الأنبياء العظام، هو أنهم قاموا بالترجيح الصائب في هذا الأمر، فإذا كانت النتيجة في الآخرة إما إلى الجنة أو إلى النار فعلينا في هذه الحياة أن نقوم بترجيح صائب ونختار إلى أيهما نتّجه.

فالمؤمن الحقيقي هو الذي يتعمق في العبودية، ويأخذ على عاتقه مهمة إعلاء كلمة الله، ويحاول أن يكون من أبطال التوبة والاستغفار، ويقف أمام الله تملؤه الخشية، ويسعى إلى الوصول للكمال الباطني والظاهري، ويعلم أن كل توفيق له من الله سبحانه.. والشخص يوفَّق في القيام بمثل هذه الأعمال بحسب كمال إيمانه، والله تعالى يقول في القرآن الكريم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/136) منبّهًا المؤمنين على مسألة تجديد إيمانهم وموضحًا الطريق نحو التعمق في الإيمان، ويؤكد الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا المعنى بقوله في الحديث الشريف “جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ[1].

ومن هذه الجهة فعلى الإنسان في كل صباح أن يعقد العزم على بدء يومه بإيمان جديد نضِرٍ، وأن يجدد إيمانه عبر التعمق فيه أكثر فأكثر، ليبث فيه الحياة والنضارة، وكلما زاد الإيمان قال: “يا إلهي كيف لم أشعر بك أمس بمثل ما أشعر بك اليوم!”، وعليه ألا يرى سوى المعبود بحقٍّ والمقصود بالاستحقاق.. عليه أن يحلل كل ما رآه وشعر به من جديد ويضعه تحت الاختبار مرة أخرى ليستخرج صيغًا ومعاني جديدة، وبمقاربة بديع الزمان “سعيد النورسي” عليه أن يكون بطلًا من أبطال “هل من مزيد؟”، ففي كل منزل ينزله يحاول ملء زاده والتزود للانطلاق إلى منزل آخر، لا يعرف الشبع ولا الارتواء، يفرد أجنحته فيظلّ محلقًا يبتغي الارتقاء دون توقفٍ ولا انتهاء.

***

[1]  مسند الإمام أحمد، 2/359.

الجَرَّة المشروخة: الصحابة كقدوة

Herkul | | العربية

   سؤال: إن العملية التربوية تُشعِرنا دائمًا بالحاجة إلى نماذج فاعلة ورائدة يتسنّى تقديمها للمخاطبين تحت مسمّى “النماذج القدوة”؛ فكيف يجب تقديم سادتنا الصحابة إلى الناس في إطار هذه الحاجة؟

   الجواب: لقد استمع الصحابة الكرام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واصطبغوا بصبغة مجلسه، وشكلوا صورتهم بفرشاته، فنهلوا الإسلام من منهله العذب الصافي، واكتسبوا ميزةً خاصة، وبالتالي فهموا القرآن الكريم والسّنة النبوية فهمًا جيدًا للغاية، وأصبحوا على دراية بالمقاصد الإلهية، وعاشوا حياتهم كلها يبتغون مرضاة الله تعالى، ولذلك لفتَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الانتباه في العديد من أحاديثه الشريفة إلى وضع الصحابة الكرام المتميز والفريد، وأشار إلى ضرورة اتباع طريقهم ومنهجهم إلى جانب سنّته عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم في الواقع أناس مثاليّون يجدُر الاقتداء بهم.

ومن ثَمّ فمن المهم للغاية أن يعرف الناسُ في يومنا هؤلاء الصحابةَ معرفة جيدة؛ لأن الصحابة كلما عرَفَهم المجتمع أحبهم أكثر، وكلّما أحبهم اقتدى بهداهم وتمسّك بمنهجهم، وإن اتباعهم حذوَ القذة بالقذة وحذو النعل بالنعل لهو سبيلُ السلامة، كما أن مخالفتهم ستؤدي إلى الفوضى والندامة، وكما أن الاقتداء بهديهم وسيلةٌ مهمّة للغاية لاتباع رسول الله فإن اتباع رسول الله أيضًا يعني اتباع أوامر الله تعالى.

فإذا عرف الناس الصحابة وأحبوهم واقتدوا بهديهم تخلقوا بأخلاقهم تدريجيًّا، وسعوا إلى التشبه بهم أطوارًا وتصرفاتٍ، ثم إنه لا يُتصوّر من المفعمين بحب الصحابة إلى هذا الحد ألا يحبوا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تتحرق قلوبهم حبًّا وعشقًا لله سبحانه وتعالى.

والواقع أن شعور الإنسان بالإنسانية الحقيقية مرهون بهذه الأمور، فمن الصعب للغاية على إنسان لا يُكِنُّ في قلبه حبًّا لله تعالى ولا لمفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم، ولا لممثليه الصادقين أن يحلق ويرتقي إلى أفق الإنسان الكامل؛ فطريق الارتقاء إلى الإنسانية الحقة يمر من خلال التحلي بأخلاق ذلك الشخص العظيم الذي كان خلقه القرآن.

   فضلُ الصحابة وميزتُهم

من ناحية أخرى، إذا لم يُعرف الصحابة جيدًا، ولم يتم الوقوف على حياتهم الدينية وأنماط تفسيرهم وتحليلهم استحال أيضًا فهم حياة سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام فهمًا تامًّا؛ لأن الصحابة الكرام يشبهون جسرًا يوصل إلى رسول الله عليه السلام، بل يمكن القول إنهم جسور للوصول إلى مرضاة الله ورؤيته ورضوانه، فمن الصعب للغاية فهم القرآن والسنة ومقاصد الدين قبل التعرف عليهم.

فإذا كنا نريد نماذج رائدة ينبغي اتباعها واتخاذها مثالًا يُحتذى به في عصرنا هذا، لا سيما بالنسبة للأجيال الشابة اليوم، فإن من يستحقون ذلك في المقام الأول بعد الأنبياء هم سادتنا الصحابة الكرام، ولذلك يجب علينا أن نرجع دومًا إلى حياتهم ونوجّه الأنظار إليهم عندما نضرب الأمثلة ونعرض النماذج.

ولقد وردت قصص الأنبياء بالقرآن الكريم في سور عديدة منه لِحِكَمٍ شتى مثل: توجيه الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم وإرشاده وبيان حقائق الطريق الذي سلكه، والترويح عنه إزاء المتاعب التي يتعرض لها، وعلى الرغم من أن الإنسانية عاشت فترات مختلفة للغاية من خلال التداول التاريخي المتكرر، إلا أن الله تعالى الذي يعرف الأزمان بكل معالمها، قد أخبر صاحب مقام الجمع صلى الله عليه وسلم ببعض أحداث الأنبياء السابقين؛ لأن الخلاصة والحكمة التي ستؤخذ من هذه القصص ستكون مرشدًا ودليلًا للناس في جميع الأزمنة.

وعلى نفس الشاكلة يجب علينا دائمًا -ونحن نتناول المشكلات الدينية والأخلاقية- أن نعرض مقتطفات من حياة هؤلاء الصحابة الذين خلّفوا وراءهم حياة تصلح للاقتداء بها؛ إذ جعلوا الحقائق الإسلامية بعدًا لطبيعتهم، وحاولوا تطبيق كل أمر ديني تعلموه من سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام.. وعلى سبيل المثال: فعندما ننظر إلى حياة سيدنا أبي بكر رضي الله عنه نرى أنه: خلال فترة خلافته التي استغرقت عامين وبضعة أشهر، تغلب على إحدى عشرة حادثة ردة يعتبر كل منها بمثابة منظمة إرهابية بتعبير اليوم، فخلال خلافته القصيرة هذه أنجز أشياء عظيمة، ومع ذلك لم يترك أية أصول مالية عندما توفي، حتى إنه لم ينفق كل راتبه المخصّص له، فسيدنا أبو بكر الذي اتخذ من العيش الوسط أساسًا لحياته كان بعد أن ينفق قدرَ حاجته من راتبه يضع الباقي في جرّة، ويوصي بأن يُسلم هذا المال إلى الخليفة الذي سيأتي من بعده؛ إذ إنه كان يرى ضرورة إعادة الفائض من راتبه إلى خزانة الدولة.

فلما رأى هذه الجرة خليفتُه الفاروقُ عمر، لم يستطع حبسَ دموعه في عينيه وقال باكيًا: “لقد أتعبتَ كلّ من بعدك يا أبا بكر”، ومع ذلك لم تكن حياته رضي الله عنه تختلف عن حياة أبي بكر؛ فقد عاش هو أيضًا حياة بسيطة، متواضعة قانعة للغاية.. وعلى سبيل المثال؛ كان في زمن المجاعة يأكل مما يأكل الناس ويشرب مما يشربون، ويسد جوعه بخبز يغمسُه في زيت الزيتون، فلمّا جاؤوا له بِلَحْمٍ ذات مرة؛ سأل عما إذا كان الناس في مقدورهم أكلَ هذا أم لا، فلما علم أنهم لا يستطيعون ذلك ردّه.

وعلى نفس الشاكلة حياة الصحابي الجليل مصعب بن عمير رضي الله عنه، لقد كان قبل الإسلام يعيش حياةً مِلؤُها الراحة والرفاهية، ولكن ما إن دخل الإسلام حتى انخلع من ربقة كل تلك الإمكانات المادية وذلك النعيم، وصار مثالًا للتضحية والفداء في سبيل الدين، إلى أن ذاق شراب الشهادة في غزوة أحد، وظلّ يسخّر من جسده ما يمكن أن يكون بمثابة الدرع الواقي للرسول صلى الله عليه وسلم من ضربات السيوف والسهام إلى أن جاد بأنفاسه الأخيرة، وهاجر من دنيانا دون أن يترك حتى ما يمكن أن يُكفَّن به.

وفي الواقع لو أننا تناولنا حياة أي صحابي ممن عاشوا حول الرسول صلى الله عليه وسلم فسنجد أن كل واحد منهم له ميزة وفضائل مختلفة؛ لأنهم جميعًا جعلوا حياتهم فداء لدعوة الإسلام، وجعلوا غايتهم العليا إعلاء كلمة الله، وقدّموا في ذلك الطريق تضحيات لا مثيل لها، ولم يكن في حسبانهم وهم يقدمون تلك التضحيات أي هدف دنيوي مستقبلي، وإنما كان هدفهم الوحيد هو رضا الله سبحانه وتعالى، فقضوا أعمارهم محمّلين بروح التضحية وشعور الاستغناء عن الدنيا وما فيها، ومن هذا المنظار فإنّ كل واحدٍ من الصحابة يمثل قدوةً حسنة بالنسبة للأمة.

ولذلك يجب تعريف إنسان عصرنا بهؤلاء الصحابة وفقًا لعظمتهم وسعة أفقهم؛ لأن الإنسان بطبيعته يحبّ ما يعرفه، أما ما يجهلُه فلا يشعر تجاهه بأية علاقة أو حب.. فلو أن إنسان عصرنا لا يحب الله سبحانه وتعالى بجنون، وإذا ما ذُكر جل جلاله لا يتحرّق شوقًا إليه، فهذا يعني أنه لا يعرفه بصورة كافية.. وكذلك إذا كان إنسانُ عصرنا لا يشعر بشوقٍ وحبٍّ تجاه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تحمله قدماه وينهار مغشيًّا عليه من شدة التأثر إذا ذكر اسمه، فهذا أيضًا يرجع إلى قلّة معرفته به عليه أفضل الصلاة والسلام، وكذلك إن لم يختلج في صدره رغبةُ أن يكون مثل أبي بكر الصديق أو عمر الفاروق رضي الله عنهما فهذا يعود إلى أنه لم يتعرف على هؤلاء الصحابة الكرام رضوان الله عليهم حقَّ المعرفة.

فما يجب علينا إذًا هو أن نعرِّف هؤلاء الصحابة بما يحملونه من قدر وعظمة إلى إنسان عصرنا حتى تتيقظ لديه رغبةُ التشبه بهم، وإن المسلمين اليوم لا يعرفون الذي يجب عليهم اتباعه بسبب عدم معرفتهم الصحابة الكرام بالصورة الكافية.

وفي طريقنا لفعل ذلك علينا الانتباه للأسلوب الذي نستخدمه عند حديثنا عن الصحابة الكرام؛ فيجب علينا ألا نتحدث عنهم كأشخاص عاشوا في حقبة تاريخية معينة فقط، وإلا اكتفى المخاطبون بالتسلي ببطولات هؤلاء الصحابة ولن يظهروا العزم أو الرغبة الشديدة في أن يكونوا أمثالهم، فمن هذه الزاوية علينا أن نحييَ الصحابة في القلوب، ونقدمهم كنماذج يجملُ التأسّي بهم على الدوام.

من جهة أخرى، فإن الأحداث التاريخية لا تتكرر بعينها بل بمثلها، ولذلك فعندما نوجه الأنظار لحياة الصحابة علينا أن نضع نصب أعيننا ظروف العصر الذي نعيش فيه، وبتعبير أخر علينا ونحن نقدم حياة الصحابة ألا نجعل المتلقي يقول: “مثل تلك الحياة لا سبيل إلى معايشتها”، ومن الأهمية بمكان مراعاة ظروف عصرنا أثناء الحديث عن سيرة الصحابة حتى لا نوقِع المتلقي في التناقض والحيرة، ولذلك يجب إقناع المتلقي بأن حياة الصحابة الكرام نماذج يمكن امتثالها في عصرنا وفي كل عصر، ولكي يحدث هذا لا بد من الوقوف على أساسيات فقه السيرة لتكون الخلفية التي ننطلق منها أثناء حديثنا عن الصحابة الكرام، ولكن من المؤسف أن هذا لم يحدث بالقدر الكافي حتى يومنا هذا، وانطلاقًا من إشارة الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي إلى أهمية مذاكرة التفسير بعقل جمعي مشترك، نقول: باتت الحاجة ماسة الآن إلى إعمال مثل هذا العقل الجمعي المشترك في دراسة الترابط المنطقي لأحداث السيرة النبوية بكل أبعادها، الأمر الذي سيعظم استفادة إنسان عصرنا من السيرة، وسيعين على تقديم محصلة نهائية من المعرفة التي يمكن تطبيقها على أرض الواقع.

   ممثلو الصحابة الذين نذروا حياتهم لإحياء الأخرين

لقد كان والدي رحمه الله يعشق الصحابة، فإذا ذُكر بجواره الصحابة رضوان الله عليهم اغرورقت عيناه بالدموع، ويكاد يُغشى عليه، ولهذا السبب فقد كبرت وترعرعت وأنا أقرأ في مكتبته الكتبَ المكتوبة باللغة العثمانية عن حياة الصحابة، وقد كنت أتأثر بعمقٍ بسيرتهم وعمري لم يتجاوز الثامنة بعد، فقد كنت أعيش معهم في قيامي وجلوسي، وكلما تقدم بي العمر كنت أزداد بهم إعجابًا وحبًّا، وفي نفس الوقت كنت أجول بناظري بحثًا عن ممثليهم في عصري، ولطالما قلت لنفسي: “ألا يوجد من يمثلهم في هذا العصر”.

وفي النهاية، وأثناء دراستي بالمدارس التقليدية، زار أحد طلاب الشيخ بديع الزمان “سعيد النورسي” مدينة “أرضروم”، وحينها وجدتُ ضالتي، فقد أشار الشيخ بديع الزمان على طالبه “مظفر أرسلان” أن يزور منطقة “أرضروم”، ولقد تأثرت بشخصيته في قيامه وجلوسه وكلامه وأطواره وملابسه، وحينها حدَّثْتُ نفسي قائلًا لها: “هذا يعني أن الصحابة ليسوا فقط بين طيات الكتب، فهناك من يمثلهم في هذا العصر”، لأنه كان يحمل صدرًا مهمومًا، وعينين تفيضان بالدموع على الدوام، لقد كان بحق إنسان العشق والشوق، وخلال إقامته في “أرضروم” ما كنت أتخلّف عن مجلسٍ له أو موعظة.

نعم، علينا ونحن نعرِّف أجيال اليوم بحياة الصحابة أن نُريهم أمثلة لممثّلي الصحابة في هذا العصر، حتى يعرفوا أن حياة الصحابة ليست مجرّد مرحلة زمنية تاريخية قد مرّت وانقضت، وحتى يروا أن هناك من يخدم الدين بنفس مشاعر التضحية والإيثار، فلو أن هؤلاء الذين يمثّلون روح الصحابة استطاعوا الخروج أمام الأجيال الشابة فبثّوا إلهامات قلوبهم في صدور هؤلاء، فسيتكوّن لدينا جيلٌ جديدٌ من ممثلي الصحابة بإذن الله وعنايته.

ولتنشئة مثل هذا الجيل، هناك حاجة لأشخاص يضحون بحياتهم من أجل إحياء الأخرين؛ أشخاصٍ ينذرون أنفسهم لخدمة الإنسانية حتى يبلغ بهم الأمر إلى أن يقولوا: “إذا لم نُحيِ حياة الآخرين فلا معنى لحياتنا”؛ أشخاصٍ يصيرون مياهًا من أجل نماء الأخرين، ويتحولون إلى ترابٍ فيه قوة إنبات النباتِ وحمله وتثبيته، ويتحولون إلى أشعة شمس تنير الآخرين من رأسهم حتى أخمص قدميهم، باختصار إننا في حاجة ماسة إلى أشخاص يكرسون حياتهم كلها لخدمة الإنسانية، وبقدر إخلاصهم وتضحياتهم ستخرج أجيال عاشقة للرسول صلى الله عليه وسلم، ومحِبّة للصحابة رضوان الله عليهم جميعًا.

 الجَرَّة المشروخة: ثقافة البيعة

Herkul | | العربية

   سؤال: ثمة أشخاص لا يعرفون ماهية حركة الخدمة، فراحوا يتهمون من أحب هذه الحركة وتعلق بها بـ”أن عقولهم أسيرة ومرهونة للآخرين” و”أنهم بايعوا الخدمة بلا شرط أو قيد”؛ فما نصيب هذه الادعاءات من الحقيقة؟

   الجواب: جدير بالذكر أن البيعة أساسٌ مهمٌّ في الإسلام وإن لم تكن وُلدت معه، وكما وردت البيعة في آيات عديدة في القرآن الكريم وأحاديث كثيرة في السنة النبوية، فقد طُبقت أيضًا على أرض الواقع بأشكال وصور مختلفة في حياة رسول الله وخلفائه الراشدين أيضًا، والبيعةُ أن يتعهّد المرء بالولاء لدين أو نظام أو شخص يمثل ذلك النظام، وأن يفي بالتزامات هذا الولاء.

ومن خلال أوسع معانيها في الثقافة الإسلامية فالبيعةُ تعني العقد المُبرم بين الشعب والحاكم المنتخب رئيسًا للدولة، يُبايع المواطنون رئيسَ الدولة ويحافظون على الولاء له طالما التزم بصلاحيّاته وقام بما وُكل إليه من مهام.

   البيعة في الإسلام

ترد في القرآن الكريم والسنة النبوية ممارسات مختلفة تتعلق بالبيعة؛ فيقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/81) في هذه الآية يتحدث الله عز وجل عن العهد الذي أخذه على النبيين السابقين، وذلك طلبٌ إلهي بالبيعة.

إن معظم الأنبياء الذين أُخذت منهم هذه البيعة لم يلتقوا بمن أُرسل بعدهم من الأنبياء الآخرين، ولم يُعاصِرْ أحدٌ منهم النبيَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فإن الأنبياء وإن بدوا هم المخاطب والمعنيّ الأول بهذا العهد، فالحقيقة أن هذه رسالة بعثت من خلالهم إلى أممهم.

أجل، يتحدث الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن العقد الذي أبرمه مع أنبيائه ومع أممهم في شخصهم، ووفقًا لهذا العقد فإنه جلّ وعلا يطلب منهم أن “آمِنوا بأي نبي تدركونه يأتي من بعدكم، وصدقوا به، وصدِّقوا بموسى عليه السلام إن أدركتموه، وبعيسى عليه السلام أيضًا إن تدركوه، وإن أدركتم محمدًا المصطفى صلى الله عليه وسلم فصدّقوا وآمنوا به أيضًا”، واستجابة لهذا قَبِل وأقرَّ بذلك الأنبياء أجمعون، ولا ريب أن خُلفَ مثلِ هذا الوعد بعد أخذه والنكوص عن مثل هذه البيعة بعد تحقُّقها إثمٌ عظيمٌ أمام الله ووبالٌ على فاعله، فإذا وصلَ النكوصُ إلى درجة قبول بعض الجوانب الخاصة به صلى الله عليه وسلم على مضض فهو ضلالة؛ أما إن كان النكوصُ عن عقيدةٍ وقناعة فهو ارتدادٌ والعياذ بالله.

ولقد طبَّق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مختلف مراحل عمره حقيقة البيعة التي أخذها من الحق تعالى والراسخة الثابتة في سنن النبيين، فمثلًا أخذ صلى الله عليه وسلم البيعة من مسلمي المدينة الذين التقوا به عند العقبة في العام الحادي والثاني عشر من بدء الرسالة؛ إذ صافحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هناك واحدًا واحدًا، وأخذ منهم العهد على أن يحموه عندما يأتي إلى المدينة مما يحمون منه أنفسهم، وأن ينصروا الإسلام، وعندما سألوا ما جزاؤهم على بيعة كهذه؛ أجابهم رسول الله بأنّ جزاءهم “الجنة”؛ فَرَضوا بذلك وبدا عليهم السرور والحبور، وفي تلك الأثناء قال لهم سيدنا العباس رضي الله عنه الذي كان مرافقًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم “هل تدرون علامَ بايعتم؟!”، (أي هل أنتم مدركون تمامًا إلى تبِعاتِ ما ستُلقيه تلك البيعةُ على كاهلكم) فلفت الانتباه إلى أهمية المسألة وعبئِها.

وبالشكل نفسه عندما شرَّف رسول الله المدينة المنورة جاءه أهلها، فبايعوه واحدًا تلو الآخر، وحتى بعد أن مرت سنوات على هجرة رسول الله إلى المدينة جاءه المسلمون الجدد وبايعوه، وأثبتوا صدقهم وإخلاصهم، بل إنه عندما وصل مفخرةَ الإنسانية، وهو بالحديبية، خبرٌ بأن سيدنا عثمان رضي الله عنه الذي أرسله إلى مكَّة رسولًا قُتل قام بجمع الصحابة الذين بايعوه في السابق وأخذ منهم البيعة مرة أخرى.

هذه البيعات التي أخذها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه تعني الالتزام إزاء النظام الذي جاء به الإسلام، وإزاء ممثّل هذا النظام، وواضعِ هذا النظام، وبالتالي فهو بمثابة العهد مع الله عز وجل.

ولقد ترسخت البيعة بين الصحابة بمرور الزمان، وصارت نظامًا، وأصبحت عرفًا وتقليدًا، ولذلك استمرت في عهد الخلفاء الراشدين أيضًا، فعندما انتُخب سيدنا أبو بكر فسيدنا عمر فسيدنا عثمان ثم سيدنا عليٌّ خلفاءَ بايعهم الصحابة، وإن حدث في التطبيق اختلافات، وأُخرجت المسألة من محورها الأساسي أحيانًا إلا أنها حافظت على وجودها بين المسلمين في العصور التالية أيضًا، أي إن المواطنين يعلنون من خلال البيعة أنهم قبلوا الإداريين الذين يرأسونهم، بل إن البيعة لم تقف عند حد اختيار رئيس الدولة من قِبل المواطنين فحسب، فأحيانًا ما أخذ شيوخ طرق مختلفة البيعة من مريديهم.

   العقيدة والاشتراك في الغاية المثالية

وبعد هذا الشرح المختصر الذي قدمناه زيادة في فهم الموضوع يمكننا الآن الوقوفُ على جانب المسألة المتعلق بحركة الخدمة.. بداية يجب القول إن من يزعمون أن متطوعي الخدمة بايعوا “مديريهم وروادهم” دون شرط ولا قيد لا يدرون شيئًا عن ماهية المسألة، فمثل هذه المزاعم تكشف أن أصحابها لا يعرفون حركة الخدمة؛ لأن الرابطة التي تجمع متطوعي الخدمة وتوحّدهم ليست نظامًا هرميًّا، ولا سلسلة من الأوامر والتعليمات، ولا أيضًا مبايعة بين أفراد، بالعكس إن وحدة العقيدة والفكرة والغاية المثالية تجمعهم معًا، وتُوجِّههم إلى الأهداف المشتركة، ويمكننا أن نُشبِّه حالهم هذا بحال من يجتمعون في الجامع لصلاة الجمعة أو العيد، أو من يتحلقون حول الكعبة من أجل الطواف، أو من يقفون بعرفات أداءً لمناسك الحج، فكما أن المعتقدات والأهداف المشتركة تجمع هؤلاء الناس وتجعلهم يؤدّون نفس العبادات فإن مجموعة من المعتقدات والأفكار المثالية تجمع متطوعي الخدمة وتضمن تحرّكهم معًا.

فما هي تلك الأهداف المشتركة؟ على سبيل المثال: مكافحة الجهل والفرقة والفقر، هذه الأمراض الثلاثة الخطيرة التي تحدث عنها الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي هدفٌ مهمّ بالنسبة لمتطوعي الخدمة، ذلك أن متطوعي الخدمة بدؤوا استنفارًا علميًّا جادًّا للقضاء على الجهل حتى اليوم، وبحسب إمكاناتهم المتاحة أنشؤوا المدن الطلابية ومراكز التدريس والدراسة والمدارس والجامعات؛ ونادوا بالمحبة دائمًا من أجل القضاء على الخلافات والنزاعات التي بين الناس، ومن خلال أنشطتهم حول التسامح والحوار استطاعوا احتضان الجميع؛ وعبر مجموعة من الفعاليات التنظيمية بذلوا الجهد لمساعدة رجال الأعمال، ومدِّ يد العون للمحتاجين.

ولو توسعنا قليلًا في شرح المسألة، فسنجد أن المحرك الأساس الذي يجعل الناس تجتمع تحت اسم حركة أو جمعية ما؛ هو معقولية الأفكار والتصورات والفعاليات والمشاريع التي تضعها تلك الحركة، وتوافق أفكارها مع القواعد الدينية وتماشيها مع مقتضيات الزمان، وتلبيتها في الوقت ذاته احتياجات الناس، ولذلك فاستمرارية الخدمات لا يقتضي تقديم البيعة لفلان أو لعلان، ولا الدخول تحت لواء هذا أو ذاك، وكما يسارع الناس لصلاة الجمعة إذا سمعوا النداء، ويتجمعون في صباح صلاة العيد أفواجًا، أو يتوافد الحجيج على عرفات في اليوم التاسع من ذي الحجة، فكذلك يسارع إلى الخدمة هؤلاء الذين يجدون أفكار الخدمة وفعالياتها مثالية وتتناسب مع أهدافهم.

وبمعنى أخر، فالناس إذا رأوا أن ما تقدمه الخدمة في حدود المعقولية القرآنية، وإذا تيقنوا أن الطريق الذي تسلكه الخدمة هو طريق النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا أدركوا أن الهدف من تقديم هذه الخدمات والفعاليات هو العمل المشترك وإحلال الصلح والسلام، فحينها سيدعمون هذا العمل، ولذلك فكما شرحنا آنفًا لا وجود للبيعة داخل حركة الخدمة، فها هو الأستاذ النورسي لم يطلب أخذ البيعة من أحد على الإطلاق، وعلاقته مع طلبته لم تكن علاقةَ الشيخ بالمريد، بالعكس كانت علاقةَ أخوة كما عبّر بنفسِه عن ذلك، وبناءً عليه فلا محلّ للبيعة لأي شخص في حركة الخدمة مهما حاز ذلك الشخص من مكانة فائقة على غيره بسبب عمره أو قدمه أو علمه.

   البيعة الضمنية (المعنوية): التضحية والتفاني

ولكن على كل حال يمكن للأشخاص الذين حرّكهم شعور التضحية والتفاني فنذروا أنفسهم للخدمة أن يعقدوا هذه البيعة لأنفسهم، فمثلًا من الممكن أن يقولوا لأنفسهم “سأظل بإذن الله وعنايته طوال عمري منطلقًا في هذا السبيل القويم، وسأسعى جاهدًا لنشر اسم الله الجليل واسم حبيبه ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم في كل البقاع، ولن تكون لي أية تطلعات خارج الخدمة، وسأضحي بكل الفيوضات الدنيوية والأخروية في سبيل الخدمة، وإلى أن أموت لن أترك هذا الطريق حتى ألقى الله سبحانه وتعالى هكذا”.

إن الإرشاد والتبليغ من الأمور المهمة التي كلَّفَنا بها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ومن ثم يتوجب على الفرد أن يفيَ بما قطعه على نفسه من عهود، لأنه إذا نذر القيام بأعمال مشروعة في الدين وجب عليه الإيفاء بنذره.

فإذا ذُكرت البيعة في الخدمة، فهي تعني إيفاء الشخص بالعهد الذي قطعه بينه وبين نفسه بعدم ترك طريق الخدمة، فهذه البيعة يمكن أن نطلق عليها بيعة ضمنية وليست صريحة، وإذا كانت البيعة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم تُعقد على مستوى الأصلية فإن هذه البيعة ستجري على مستوى الظلية.

إن الخدمات الجليلة التي تتحقق في بقاع مختلفة من العالم، وهذا التبادل الثقافي والمعرفي الذي يجري مع أهالي البلاد التي يهاجر إليها رجالُ الخدمة، والخطوات المهمة التي تُتّخذ من أجل إحلال السلام في العالم؛ كل هذا وأكثر قد تمّ بفضل هؤلاء الذين عاهدوا أنفسهم على التضحية في ذلك السبيل، فهم يواصلون أعمالهم وخدماتهم الإنسانية دون أن ينتظروا أي مقابل مادي أو معنوي، وإذا لزم الأمر يتقاضون مرتبات يسيرة تعادل المنح المقدمة للطلاب، وهم ببذلهم تلك التضحيات والإيثار يُكِنّ لهم كثيرٌ من الناس من أقاصي إفريقيا إلى قلب الشرق الأقصى كل مشاعر الامتنان والشكر والعرفان.

وكما نظهر كل التقدير للبيعة التي عقدت على مستوى الأصلية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم، فلا يسعنا إلا تقدير تلك البيعة التي تجري على مستوى الظلية والتي تعني التفاني والتضحية، وعندما أفكر في الإخوة الذين أوقفوا أعمارهم من أجل الخدمة وانطلقوا متفرقين في ربوع الأرض لتحقيق غايتهم العليا يختلج صدري المشاعر الآتية: إنني لا أدري هل ننجو في الآخرة أم لا، وهل سنُمنح فرصة الشهادة لهؤلاء الإخوة أم لا، ومع ذلك لا أيأس من رحمة الله تعالى ولو للحظة، فإن مُنحتُ الفرصة هناك للشهادة لهؤلاء فسأقول: “إلهي إنني أشهد أن هؤلاء تفرقوا في شعاب الأرض مضحين بحياتهم من أجل إبلاغ العالم القيم التي ورثناها عن نبينا صلى الله عليه وسلم”، وكما ذكرت، أنا لا أدري هل سيسمح لي في ذلك الموقف بالشهادة أم لا، فهذا أمرٌ لا يعلمه إلا الله، ولكن تلك هي مشاعري.

   الارتباط بالعقل الجمعي

من جانب آخر فإن كل ما يجري من أعمالٍ داخل الخدمة يخضع للعقل الجمعي وللاستشارة، وعلى ذلك فلا وجود لما يسمى “تقييد العقل وأَسْره”.. فكما التزمنا الأخذ بالاستشارة حتى يومنا الحاضر، فلن يتغير الأمر بالنسبة لنا في المستقبل، ولقد ذكرت مرارًا وتكرارًا: إن كان هناك إنسان يفوق “يوليوس قيصر” أو “الإسكندر الأكبر” أو “نابليون” في عقله ودهائه بعشرة أضعاف وتحرك وفقًا لرأيه الشخصي، فلن يتفوق على عقل شخصٍ استشار ثلاثة أشخاص في الأمر، فالاستشارة مهمة لوضع ملاحظات مختلفة لأي مسألة، وإعمال الفكر لإيجاد حل ومخرج للمشكلة، وللوصول إلى القرار الصائب، ولهذا السبب قال فخر الإنسانية صلى الله عليه وسلم: “مَا خَابَ مَنِ اسْتَشَارَ“.

وكذلك فرسولنا صلى الله عليه وسلم ومع كونه رسولًا يوحى إليه من قبل الله سبحانه وتعالى، إلا أنه في الأمور التي لم يرد في شأنها أمر من المولى سبحانه وتعالى كان يستشير الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وفي الاستشارة كان يعرض رأيه ويستمع لآراء الصحابة الكرام، ويتم اتخاذ القرار وفقًا للقناعة العامة، بل إنه صلى الله عليه وسلم وفي بعض الأحيان كان يخالف الصحابة رضوان الله عليهم في رأيه، ومع ذلك كان يأخذ برأيهم؛ حتى يعطي الاستشارة حقها ويُرسي قواعدها، وكما حدث في غزوة أحد فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن موافقًا على أن تكون المعركة في ساحة مفتوحة، وكان يرجّح البقاء في المدينة للدفاع عنها، إلا أنه نزل على رأي الصحابة، وانطلق المسلمون يقاتلون المشركين في ساحة المعركة وكانت النتيجة استشهاد سبعين صحابيًّا، وقد طبق الرسول صلى الله عليه وسلم مبدأ الشورى بنفسه ونقله من حيز النظرية إلى ساحة التطبيق رغم توقعه لمثل هذه النتيجة لكي يُرسي قواعد الشورى عملًا وتطبيقًا، ولا تظل حبيسة النظرية والقول.

وبهذا الاعتبار فعلى كل إنسان أن يسلّم بالقرار الذي يتمخض عن الشورى حتى وإن كان يعتقد اعتقادًا جازمًا أن رأيه أصح وأولى، وذلك لأن الاجتهاد في طلب الصواب يكسب الإنسان الثواب تمامًا كما هو الحال في الصلاة والصيام، وكذلك من يتراجع عن رأيه احترامًا لمبدإ الشورى فهو كَمَنْ يُبعِد نفسَه وينأى بها عن الملذات المحرّمة، فهذا نوعٌ من أنواع الصبر الذي يُثابُ صاحبهُ عليه، أما الذي يثق في رأيه فقط ويظن أنه على علم بكل شيء، ويسير وفقًا لعقله فهذا طريقه الخسران والخيبة.

بل إن الإنسان لو كان في مكانة عالية بسبب سنِّه أو بسبب ما لديه من تجربة وعلم يفوق بها من حوله فيحترمونه ويقدرونه، ولا يعترضون على ما يفعل، فهذا الشخص ليس لديه أدنى حق في إجبار الآخرين على الاقتناع بأفكاره، وعليه ألا يحوّل الاحترام الذي يشعر به الناس تجاهه إلى وسيلة من وسائل القهر والاستبداد، عليه أن يعرض أفكاره بصورة صريحة وواضحة، وعليه أن يُبدي اهتمامًا لتقييم الأشخاص الذين يشاركونه الدرب نفسه، فالرؤى والقرارات لا تكون بحسب ما يدلي به أحدهم بسبب موقعه ومكانته، بل يتم تقييمها واتخاذها وفقًا لصوابها ومعقوليتها، ولا شك أن تطبيق هذا على وجهه الأتم مرهون باستيعاب عميق للتربية الإسلامية.

وفي النهاية فكل عمل يخضع لتفعيل مبدإ الشورى لا مجال فيه لتقييد العقول من قِبل الآخرين، فالمكان الذي تصدر فيه القرارات بعد مراجعة أفكار الجميع لا محلّ فيه لفكرة “الطاعة العمياء”، بل على العكس تمامًا، إنه مكانٌ تسوده حرية التفكير والآراء.

الجَرَّة المشروخة: مكاسب الإيمان والأمل

Herkul | | العربية

   سؤال: وقعت في السنوات الأخيرة بعضُ الأحداث المأسوية القاسية؛ مما أدى إلى سيطرة اليأس على أصحاب القلوب المؤمنة ورؤيتهم المستقبل مظلمًا، فما هي أفكاركم وتوقعاتكم فيما يتعلق بالمستقبل؟

   الجواب: إن كل قناعة تُذكر في هذا الشأن ما هي إلا قناعات ذاتية ومشاعر شخصية؛ لأنه لا يعلم الغيب إلا الله، والمؤمن لا علاقة له بالادعاءات ولا الكهانة، ولذلك فإن المعلومات التي سنقدمها فيما يتعلق بالمستقبل اعتمادًا على تحليلات وتفسيرات مبنية على بعض الأحداث التي وقعت في أيامنا وعلى مدار التاريخ لن تكون بالمعلومات الموضوعية الدقيقة مطلقًا، فمن المفيد أخذ هذا الأمر بعين الاعتبار.

وبعد هذا التنويه أقول: لم أشعر في أي وقت من الأوقات بالتشاؤم حيال مستقبل تركيا أو مستقبل الخدمة، وكنت دومًا أتمسك بهذا الأمل حتى في الآونة التي لا أجد فيها حولي إلا ثلاثة أو خمسة أشخاص، فقد تظهر الفتن، ويكثر الهرج والمرج، ويتعرض المؤمنون الصادقون لمعاملات قاسية من قِبل بعض المستبدين، وينسحقون تحت نير الظلم والاضطهاد، لكن لم يفتّ هذا في عضدهم ولم يثبط عزيمتهم؛ لأن الإنسان طالما آمن بالله وتشبث بالسعي واستعان بالحكمة لا يساوره خوف ولا ينتابه يأس؛ فإذا ساوره القلق وشعر بالخوف وانتابه اليأس؛ فهذا بدوره سيتسبب في إثارة الذعر في الناس المحيطين به السائرين معه على الدرب نفسه، وسيسوقهم إلى تشتت أفكارهم ووقوعهم في التردد، وبعد ذلك يبدأ الانزلاق والانفضاض.

   صحة الطريق وسلامة النية

فالمهم بالنسبة للمؤمن هو صحة الطريق وسلامة النية، فإذا سعيتم إلى إعلاءِ كلمة الله، وغرسِ الأمن والأمان في جميع البقاع عن طريق التسامح والتعليم، وأوقفتم الخدمات التي تبذلونها على رضا الله تعالى؛ فهذا يعني أنكم تسيرون في الطريق الصحيح؛ وهذا هو الطريق الذي يأخذ الإنسان إلى الجنة، ويوصّله إلى الرضا والرضوان، أما الباقي فلا يعنيكم؛ لأن النجاح قد حالفكم منذ البداية بسبب سلامة نواياكم ومقاصدكم ومساعيكم، علاوة على ذلك فإن تحقيق غاياتكم وجني ثمار خدماتكم هو أمرٌ منوط بالله تعالى ليس إلا.

فأحيانًا يكتب الله النجاح للجهود التي تُبذل في سبيل إعلاء كلمته، وأحيانًا لا تترتب أي نتيجة مرجوة على هذه الخدمات لِحِكَمٍ لا يعلمها إلا الله، ففي الحالة الأولى يخطئ المؤمنون حين يدّعون أحقيتهم في النجاحات التي أحرزوها وينسبونها لأنفسهم، وفي الحالة الثانية يخطئون على نفس الدرجة حين يشعرون بالإحباط والتشاؤم لعدم إحرازهم أي شيء، لأن ما يقع على عاتقنا هو مراعاة الأسباب التي تسهم في تحقيق غاياتنا، أما النتيجة فمآلها إلى الله سبحانه وتعالى.

من جانب آخر فإن اليأس عائقٌ كبير يحول دون الوصول إلى الغايات السامقة، يقول الشاعر الإسلامي محمد عاكف معبرًا عن مدى خطورة هذا البلاء:

اليأسُ مستنقع عميق الغور، إذا وقعتَ فيه فأنت غريقُ

فتمسك بالأمل بقوة، وانظر ما ستؤول إليه حالك يا صديقُ

إن من يحيا يحيا بعزيمته وبأمله المنشودِ

واليائس يغلّل روحه وضميره بقيد حديديٍّ منضودِ.

ولهذا فإن اعتبار المستقبل مظلمًا قد يجعل المستقبل بالفعل مظلمًا، ويجعل الطرق الواصلة إلى الكمالات عثرة وعرة.

أجل، إننا نؤمن اعتمادًا على البشارات التي تزفّها إلينا العديد من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة بأن المستقبل مشرقٌ، أما ما يقع من بلايا ومصائب فمجرد زوابع مؤقتة على الطريق الموصِّل لهذا المستقبل المشرق، ومن ثمّ فلو أن يأجوج ومأجوج زلزلوا الأرض، ودمروا كلَّ ما فيها فإننا نؤمن أو ينبغي لنا أن نؤمن بأن التعمير والإصلاح سيحل بفضل الله وعنايته في النهاية، فكلٌّ من الإيمان والأمل مصدرُ قوةٍ يساعدنا على الصمود والثبات، ومواصلةِ السير في الطريق إلى أن نفوز برضا الله تعالى.

عند فتح مكة نظر أبو سفيان إلى وضع الصحابة رضوان الله عليهم آنذاك، وتذكّر بداية الأمر، ثم أخذته الحيرة والدهشة وتذكّر كيف بدأت الدعوة النبوية بامرأة وصبي وعبد، ثم وصلت في النهاية إلى هذه الأبهة والعظمة.. والحق أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حقق هو وعددٌ قليلٌ من صحابته الضعفاء الفقراء نجاحات عظيمة خلال فترة وجيزة، ولا ريب أن هذه النجاحات ترجع -من ناحية الأسباب- إلى الإيمان والأمل والعزم والثبات، فقد آمن هؤلاء بحقٍّ بالطريق الذي يسيرون فيه، ولم يفقدوا آمالهم عندما واجهتهم البلايا والمصائب، وواصلوا سيرهم في طريقهم الصحيح دون تردد، واستغلوا كل الفرص ليحدِّثوا الآخرين عن الدعوة التي يؤمنون بها، وعاشوا متمسكين بآمالهم على الدوام، وفي النهاية لم يخزلهم الله ولم يضيع جهودهم.

قد يتعرض السائرون على نهج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض البلايا والمصائب، وربما ينسحقون تحت وطأة الظلم والاضطهاد الذي يمارسه بعض المستبدين الذين عميت أعينهم عن كل شيء سوى أنفسهم ومصالحهم الشخصية، إلا أن الوحدات الآلية والطائرات والمقذوفات والمدافع التي يملكها غيرهم هي أشياء بسيطة وتافهة للغاية أمام مصدر القوة الذي يعتمد عليه هؤلاء المؤمنون في دعوتهم، ولذا فإنه من الصعوبة بمكان أن تتسبب الهجمات والاعتداءات الوافدة من الخارج في إبعاد هؤلاء المؤمنين الذين ارتبطت قلوبهم بدعوةٍ ما عن الطريق الذي يسلكونه، أو في إنهاء الخدمات التي بدؤوها، المهم هو حفظ التناغم في الداخل، وإحياء شعور التضامن والاتحاد، وعدم الوقوع في شراك التفكك والاختلاف في الداخل، وإذا كان لا بد من القلق فيجب أن نقلق من أنفسنا.

وفي هذا الصدد حُكي لنا أن الأستاذ النورسي كان يقول: “لو قالوا لي إن روسيا على وشك الهجوم عليكم بوحداتها الآلية فسأضع إحدى رجليّ على الأخرى، وأقول لزبير[1]: اصنع لي فنجانًا من القهوة يا زبير، ولكن لو قالوا وقع خلاف بين الأصدقاء في الداخل؛ فحينها سأنزوي في غرفتي وأظل أجهش بالبكاء”.

وعلى ذلك فإذا كان لا بدّ من القلق فيجب أن نقلق من أن نفقد قوامنا ومكانتنا، بل يجب أن نسأل أنفسنا دومًا: هل يا ترى سنقدر على إنجاز المهمة التي تقع على عاتقنا لنعطي موقعنا حقه، وهل نحن نحمل روح التفاني والتضحية من أجل القيام بالخدمات المنوطة بنا؟ إلى جانب ذلك علينا أن نحاسب أنفسنا على الدوام، فلو وجدنا قصورًا في أيٍّ من هذه الأمور فعلينا أن نسعى لتلافيه، وهذا ما ينبغي أن يعنينا بداية، أما ما سوى ذلك من حوادث مؤلمة فهي أشياء مؤقتة عابرة، لا داعي للانشغال بها كثيرًا، ولكن يجدر بنا إذا نخرت دودة في جسدنا -حفظنا الله- فقطّعت أوردتنا، ومصَّت دمنا أن نجلس ونبكي على حالنا.

ومع ذلك نجد أنفسنا أحيانًا نترك ما يجب علينا التركيز عليه وننساه، لنغرق في الواقع ونشغل أنفسنا بالمسائل اليومية ونتيجة لذلك نقع في الفوضى، بينما الشيخ سعيد النورسي يقول “لا نملك سوى يدين، ولو كانت لنا مائة من الأيدي ما كانت تكفي إلّا للنور (يعني للقيام بالخدمة)”[2]، ومن هذه الجهة فالوظيفة المتعينة على الأرواح المؤمنة هي توجيه كل همتهم وتكثيفها لتحقيق ما يجب عليهم فعله من خدمات، وعليهم ألا يتهاونوا في تلك الوظيفة وأن يتمموها بلا أي نقصان أو إهمال، لأنه كما أن من سبقونا قدموا أعمالًا ناقصة وغير مكتملة بسبب القصور والإهمال ونحن نحاول بصعوبة ملء ما تركوه من فراغ، فكذلك الجيل الذي سيأتي من بعدنا سيحاول بصعوبة شديدة ملء ما نتركه من فراغ وسيذموننا من خلفنا.

إن الطريق الموصل للثناء والدعاء بالرحمة لنا من قبل الأجيال اللاحقة، هو القيام بالوظائف الواقعة على عاتقنا على أكمل وجهدون قصور أو نقصان، ولو أننا قمنا بواجبنا على الوجه التام، فسيقولون: “رضي الله عن أجدادنا، فبرغم أقدامهم المكبلة والمصفدة، كافحوا دون توقف”.

وعلينا أن نؤمن إيمانًا قطعيًّا بأنه لو أننا سرنا في طريقنا بإيمان خالص وبأمل راسخ وأدينا ما يتوجب علينا فعله من وظائف على أكمل وجه فإن الله سبحانه وتعالى لا يتخلى عن عباده المؤمنين، لأنه سبحانه يقول في بيانه العالي القرآن الكريم ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/139)، فطبقًا للآية القرآنية الجليلة فإن المؤمنين من البداية هم الأعلون، فهؤلاء الذين لديهم القابلية للتفوق، لو أنهم داوموا على التدرب بعزم وبإرادة فسينالون التفوق والعلوّ.

وكذلك رسولنا صلى الله عليه وسلم أجاب صاحبَه أبا بكر الصديق رضي الله عنه عندما لجأ إلى سلطنة غار ثور، فقال له ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ (سورة التَّوْبَةِ: 9/40)، ولذا فإن كان الله معنا فلا حاجة إلى الاغتمام والتكدر، والمهم هنا أن نكون في مشاعرنا وفي أفكارنا وفي إذعاننا وفي قبولنا متواجدين داخل إطار المعية الإلهية، وإذا استطعنا تحقيق ذلك فإن الله جل جلاله سيقابل توجهنا إليه بتوجه من لدنه، وهكذا في مواجهة ملاحظة المعية السبحانية لن تكونوا بمفردكم وسيقابل توجهكم لمعيته بمعية خاصة من عنده.

   المداومة على حسن الظن بالله سبحانه وتعالى

ومن جهة أخرى فعلى كل شخص تحل به مصيبة أو يتعرض للابتلاء أن يتوجه بمحاسبة نفسه أولًا وإعادة النظر في مسؤولياته وتقييمه، بمعنى عليه أن يقول “إننا الآن لو هزمنا أو تقهقرنا أو اهتززنا فإن هذا بسببنا، لربما ارتكبنا أخطاء وقصرنا في علاقتنا مع الله سبحانه وتعالى”، ومن المهم النظر للمسألة هكذا للمحافظة على حسن ظننا بالله تعالى، لأننا واثقون أن الله جل جلاله لا يظلم عباده مقدار ذرة.

فمن المهمّ أثناء تقييمنا للأحداث هو أن نصل إلى وجهة النظر الصائبة وأن نتناول المسائل من كافة جوانبها، فأحيانًا مايكون الأمر ظاهره فيه الشر لكن باطنه من قبله الرحمة، فالله سبحانه وتعالى يستخدم تلك الابتلاءات ككفارات للذنوب وهكذا ينقينا من الآثام والخطايا، فمن خلال زلزلتنا يوجهنا إلى فتح أعيننا ويوقظنا ويوجهنا لرؤية الصواب بصورة واضحة، ويوصلنا لحقيقة التوحيد، ويسوقنا إلى التوجه التام له سبحانه.

فالله سبحانه وتعالى من أجل أن يوقظ من ضل عن الطريق ومن وقع في الغفلة وليعيدهم إليه يشوكهم بطرف الإبرة، فإن لم يستيقظوا يوكزهم بإبرة أغلظ، وإن لم يكفِ هذا لتنبيههم وَكَزَهَم بطرف السهم، وأحيانًا يبتلي بأشياء أكبر من ذلك، وما كل ذلك إلا لطمات الشفقة الإلهية، فلو أننا نظرنا إلى هذه الأمور من الناحية الظاهرية فقط وقيمناها بصورتها السطحية لظننّا أنها متوجهة ضدنا ونقمة علينا، بينما الله سبحانه جل شأنه من خلال تلك الابتلاءات يوقظنا ويفتح بصائرنا ويحفظنا من الابتلاءات الأخروية.

ولو توسعنا في شرح المسألة قليلًا، فإن الحق جل جلاله يزلزل المؤمنين الذين أتبعوا أنفسهم هواها ونسوا هدفهم وانطلقوا يطلبون الدنيا، ويتركون الحساب وراء ظهورهم، يهزهم بمجموعة من الابتلاءات والمصائب، وهكذا يسوقهم إلى وظيفتهم الأصلية، بمعنى أن تلك الابتلاءات ما هي إلا تنبيهات للإنسان على وجود فوضى داخل حياته القلبية، وقد يكون هذا التنبيه في شكل آفة طبيعية كالزلازل أو العواصف والأعاصير، أو السيل أو القحط.. كذلك أيضًا قد يظهر التنبيه من خلال إيقاظ روح العداوة ضدهم فيأتي التنبيه في صورة ظلم وغدر يقع عليهم، وفي هذه الحال يتعين فهم الدرس واستيعاب التنبيه.

وفي الأصل فإن الله سبحانه وتعالى من عظيم نعمته على المؤمنين أنه لا يترك أخطاءهم وقصورهم للعقاب الأخروي وإنما يبتليهم بالمصائب حتى ينقيهم من الذنوب والمعاصي وهم في الدنيا، لذا يتعين عليهم النظر إلى هذه التنبيهات على أنها نوع من الالتفات والغنيمة، وأن يصلحوا أنفسهم ويعملوا على تنظيم أحوالهم وأطوارهم، وعليهم أن يفكروا بالصورة التالية “لقد انغمسنا ووقعنا في الوحل، ومرشدنا ومربّينا سبحانه أمسكنا من آذاننا وأخرجنا من المستنقع، ونبه علينا ألا نتجول في ذلك المستنقع ثانية”.

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ”[3]، وقد أرشد رسولنا صلى الله عليه وسلم عبر هذا الحديث إلى الكيفية التي تتحول بها المصائب والبلايا إلى خير للمؤمن.

ولذلك فالمؤمن سواء حاز بعض التوفيق، أو تعرض لبعض المشكلات، فطرق الفوز والفلاح مفتوحة أمامه، ولا مكان للخسران في حياته، والشرط الوحيد لأن يكون مظهرًا لذلك هو أن يحافظ على “وقفة المؤمن” أمام الله والأحداث، أما الخسران فهو واقع لأهل الضلال والنفاق والكفر والظلم، فهؤلاء وإن انخدعوا ببعض النجاحات الشكلية، أو حازوا علوًّا دنيويًّا بطريق الخداع والمكر، فإنهم في هذه الحياة وفي الآخرة لن يستطيعوا النجاة من الاضطراب وسيعيشون خسرانًا فوق خسران.

***

[1] زبير كوندوز ألب (1920-1971م): ولد في مدينة “قونيا”، ظل عشر سنوات ملازمًا للأستاذ وفي خدمته ليل نهار حتى وفاة الأستاذ النورسي.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة السادسة عشرة، ص 143.

[3] صحيح مسلم، الزهد، 64.

الجَرَّة المشروخة :الحرية الحقيقية

Herkul | | العربية

   سؤال: “ليس هناك مقام ولا منصب أسمى من العبودية (لله)، وإن وُجِد فهو الحرية التي هي في الأصل بُعدٌ من أبعاد العبودية”، فما معنى هذا الكلام؟ وكيف ينبغي أن يكون مفهوم الحرية لدى المؤمنين في هذا العصر الذي أكثر فيه الناس من الحديث عن الحرية؟

   الجواب: إن العبودية الحقيقية لله تقتضي تخليص صاحبها من جميع العبوديات المخزية والمزرية والمبتذلة، والإنسان الذي يعي هذا الشعور بالعبودية لله ينسلخ من عبوديته للمخلوقات، ولا يقع أسيرًا لرغباته وشهواته.

   معوقات نيل الحرية

أما من لم يستطع أن يكون عبدًا حقيقيًّا لله فإنه معرَّض للابتلاء بشتى صنوف العبوديات، فأحيانًا يصير عبدًا لرغباته وشهواته، ويعيش حياة بوهيمية لا تقيم وزنًا للأعراف والقواعد، وأحيانًا ينهزم أمام أطماعه، ويدخل في مضاربات شتى لجمع الأموال والثروات بغضّ النظر عن حلها أو حرمتها، وأحيانًا أخرى يقع أسيرًا للمقام والمنصب، ويستغل موقعه، ويطمح للاستيلاء على مال الشعب وأملاكه.

وقد يصير عبدًا لحسده وضغائنه، فيحقد على الذين يسعون في طريق الخير ويعملون على فتح قلوب الناس، وبسبب ما يستولي عليه من حقد وحسد يحرص على أن يعيق أعمال هؤلاء ويقف حجر عثرة في طريقهم، ولا شك أنه بذلك يجلب على نفسه أضرارًا جسامًا، ففي الدنيا يكاد يهلك نفسه عندما يرى النجاحات التي حقّقها هؤلاء، وفي الآخرة يُبطِل عمله، وفي هذا الصدد يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “الْحَسَدُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ“.

ثمة عبودية أخرى يُبتلى بها الذين لا يستطيعون أن يكونوا عبادًا حقيقيين لله تعالى، ألا وهي حب الشهرة، فمحبو الشهرة يلتمسون كل الطرق لأن يُشار إليهم بالبنان، وليتوجه إليهم الناس بالتصفيق والتقدير، ولو حقق هؤلاء المساكين نجاحًا صغيرًا وقدموا شيئًا من التضحيات فإنهم يأملون أن يقول الناس عنهم: “أنتم فخر بلدنا”.. إنهم لا يتكلمون دون تصفيق، ولا يقدمون شيئًا دون تقدير، التصفيق يستهويهم ويجعلهم يغيبون عن وعيهم، وهكذا يصبح هؤلاء الناس الذين يحملون هذه الروح الأنانية عبيدًا للشهرة.

وهناك أيضًا عبيدٌ للدعة والراحة والمال والمصالح والمنافع، وهؤلاء البائسون -غير القادرين على تذوق العبودية لله ولا على معرفة قيمتها- يظلون يركضون طوال عمرهم وراء رغباتهم وأطماعهم وأهوائهم وولعهم وشغفهم وميولهم، ويلتمسون كل الأبواب في هذا السبيل، ولكن لا يقنعون ألبتة ولا يُحرزون السعادة الحقيقية.

والواقعُ أن أساس الوثنية هو ضعفُ شعور العبودية لله، فنظرًا لأن المشركين لم يستطيعوا أن يكونوا عبادًا لله بحق ولم ينالوا نصيبًا من حظوظ العبودية فإنهم قد لجؤوا إلى طرق مختلقة لسد جوعهم وإرواء ظمئهم، فوقعوا تحت تأثير بعض الأفكار الشيطانية؛ مما جعلهم مثلًا ينصبون شيئًا على الأرض حتى يهطل المطر، أو يتوسلون لأهل القبور كي تتحقق مطالبهم، أو يربطون خرقًا بالأضرحة ويوقدون الشموع بغية الوصول إلى أهدافهم، وبذلك وقعوا رويدًا رويدًا في وديان الشرك.

وهناك بعض من الناس يعارضون مسألة العبودية لله، بحجة أن هذا -حاشا لله- ينافي كرامة الإنسان، وأن الإنسان الذي يتوجه بعبوديته لله سيعتاد على العبودية، وبالتالي سيوجه عبوديته للمخلوقات، بمعنى أنهم اعتقدوا أن العبودية لله تنافي الحرية، علمًا بأن هذا هو السبيل لإحراز الحرية الحقيقية، وعندما يكون الإنسان عبدًا لله يتحرر من كل العبوديات الأخرى، ويجب أن نسلّم بداية بأن الإنسان يختار دين الإسلام بمحض إرادته، ويؤمن بأركان الإيمان بكامل حريته، ويؤدي عباداته بكل أريحية، باختصار يؤدي عبوديته لله بإرادته الحرة.

لأجل ذلك توجد علاقة وطيدة بين الحرية وبين العبودية، فمن لم يستطع أن يتخلص من طوق الشهرة وحب الراحة والخمول والدعة وغير ذلك من الأطواق فإنه لا يستطيع أن يكون حرًّا، كما لا يمكن أن يكون عبدًا لله بالمعنى الحقيقي، فكما أن الحرية لازمة للعبودية الكاملة، فكذلك إحرازُ الحرية الحقيقية يتوقف على العبودية الحقة لله تعالى، فإذا أراد الإنسان أن يقطع علائقه عما سوى الله وأن يتحرر من أهوائه ورغباته ومن عبودية المخلوقين وأن يمحو من قلبه كل المخاوف سوى خشيته من الله تعالى فعليه أن يعمل على أن يكون عبدًا حقيقيًّا لله تعالى.

فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد وهب الإنسان نعمة جليلة مثل الإرادة فعليه أن ينظر فيما يستغلها، وأن يتشوّف إلى عظائم الأمور، وينأى بمطالبه عن الأذواق والحظوظ الدنيوية حتى لا يضرّ بشرفه وكرامته، وعليه ألا يضيّع رأس عمره في الجري وراء الصغائر التافهة، وألا يقع أسيرًا للمشاعر الجسمانية والنفسانية، وألا يخشى أحدًا سوى الله تعالى، وألا يخنع أمام هذا أو ذاك، وألا يركع ولا يحني عنقه، ولا يتصرّف كالمتسول، إنما ينحني ويركع إلى مَن هو جدير بالانحناء والركوع وهو الحق سبحانه وتعالى.

وهكذا فكما أن هذا هو السبيل لإعطاء الإنسان إرادته حقها فكذلك هو أيضًا السبيل للحرية الحقيقية، فإن الإنسان بفضل عبوديته لله ينسلخ من المشاعر السلبية كالحسد والطمع، ومن المخاوف والتطلعات الدنيوية، وحينذاك يطمئن عالمه الداخلي ويرتاح، ومثل هذا الشخص لا ينسحق أمام أي قوة دنيوية بسبب أنه على أهبة الاستعداد للرحيل في أي وقت عن الدنيا كما جاء إليها.

   هل هناك ما يُعرف بالحرية المطلقة؟

ومن الناس من يفهم الحرية على أنها حرية مطلقة لا تعترف بأي قيد، ولا تتقيد بأي شرط، ولا تخضع لأي مبدإ، ولكن مثل هذه الحرية لا وجود لها في أي مكان بالعالم، فلا النظام الرأسمالي ولا النظام الليبرالي ولا النظام الشيوعي سمح للناس بأن يعيشوا كما يحلو لهم بلا قيد أو شرط، بل وضعوا قواعد وشروطًا تقيد الحرية بشكل ما، فمثلًا رغم أن الأنظمة الشيوعية قد أبرزت مفهومًا يوسِّع من دائرة المباح في كثير من الموضوعات ويخاطب رغبات الناس وأهوائهم، فإنها قد تعاملت بشدة كبيرة للغاية في مسألة التبعية لأنظمتها، فكشفت عن استبداد كبير في تصرفاتها، وبذلك سلبت الناس حقوق الملكية، وقتلت رغبتهم في السعي والعمل، وعرّفت المجتمعات بالعديد من القوانين التي تتنافى مع طبيعة الإنسان وعقله.  

وعلى غرار ذلك فرغم أن بعض الدول في عصرنا الحالي قد اعترفت بقدر كبير من الحرية لمواطنيها فإنها لم تسمح ألبته بأي أفكار تناهض الأيديولوجية الرسمية للدولة، بل وضعت بعض القيود حتى في الأماكن التي يُنادَى فيها بحرية الفكر والوجدان، وعندما برزَتْ أفكارٌ تناقض مفاهيمها اتّجهت إلى وضع بعض العقوبات المشددة التي تمنعها، ورغم كثرة كلامهم عن الحرية فإنهم لم يتحملوا أدنى مخالفة لأنظمتهم. أجل، إن القصد من ذكر كل هذا هو أن الحرية المطلقة لا تكون إلا في الرؤى والأحلام، فحتى الآن لم تظهر حرية مطلقة غير مقيدة في أي مكان بالعالم.

والواقع أن سلامة حياة المجتمع وتناغمها يتطلب وضع بعض الضوابط التي تقيِّد الحريات، فلو فُهمَت الحرية على أنها تلبية كل الرغبات والشهوات دون قيد أو شرط فهذا من شأنه أن يتسبب في اختلال الأنساب، وتشتت الأسر، وتشوّه المجتمع، وعلى الشاكلة نفسها فلا يمكن إقرار بعض الأفعال التي تقع باسم الحرية مثل إهانة المقدسات، وازدراء الدين، والسخرية من قيم الأمة؛ لأن في هذا تدميرًا لكل القيم الأخلاقية، وكذلك لا يمكن تشريع العمل ضد الدولة والأمة بحجة الحرية؛ لأن هذا سيُفضي إلى ضعف مفهوم الأمة والدولة، وإلى صعوبة تعايش الناس مع بعضهم.

ولكل هذه الأسباب سنّت جميع الأنظمة الحقوقية قوانين تحقق المحافظة على الدين والنفس والنسل والمال والعقل، وطبقت عقوبات مشددة على الجرائم التي تهدد هذه الكليات الخمس؛ بمعنى أن الدول جميعها قد شعرت بالحاجة إلى تقييد الحريات فاستصدرت لذلك بعض القوانين والتشريعات، وقديمًا قالوا: “تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الأخرين”، بتعبير آخر: مهما كان للمواطنين من حقوق وحريات فإنها تقف عند الحد الذي يبدأ عنده حرية الآخرين، ولو تناولنا المسألة من وجهة نظر إسلامية نقول: إن حرية الإنسان تقف عند الحدود التي وضعها الله ورسوله ودينه.

وعلى ذلك فإن مفهوم الحرية المطلقة الذي يدعو إليه البعض في أيامنا ليس له مسوّغ من وجهة النظر الإسلامية أو المنطق الإنساني، ولذا قال البعض إن مفهوم الحرية المطلقة الذي يبيح للإنسان أن يفعل ما يشاء لا يصلح إلا في عالم الحيوانات، ومع ذلك فقد شاهدنا في بعض البرامج الوثائقية أنه حتى الحيوانات لا تستطيع أن تواصل حياتها وفقًا لهذا المنهج، حيث إن لديهم أيضًا حدودًا وساحات معينة، فإذا هم أحدهم بانتهاك حدود الآخر والتعدي على حقوقه وقعت المواجهات بين بعضهم البعض، بل قد يتحول الأمر إلى عراك ونزاع، وعندها يضطر المغلوب إلى أن يدع الساحة للآخر.

وكذلك فإن العديد من الحيوانات تعيش فيما بينها في جو من التعاون والتضامن، فمثلًا إذا نظرنا إلى حياة طيور البطريق في القطب الجنوبي فستأخذنا الدهشة والعجب من النظام الذي أسَّسَته تلك الطيور فيما بينها، حتى إن العديد من القراء والمفكرين وأصحاب المحاكمات العقلية والمنطقية من الناس لا يستطيعون القيام بنفس الأعمال التي قامت بها هذه الطيور، ولو أن الناس أسّسوا فيما بينهم نظامًا هكذا لعاش الجميع في راحة وطمأنينة، وعلى ذلك فإن الحيوانات قد استطاعت بالسوق الإلهي وليس بإرادتها أن تمارس حياتها ضمن حدود وضوابط معينة؛ بمعنى أنه لا وجود بينها للحرية المطلقة.

لقد وضع الله في عقول الحيوانات قسمًا من القوانين لتعيش داخل نظام وانتظام، فهي تعيش وفقًا لتلك القواعد بدافع إلهي، بينما الإنسان كائن ذو عقل وإرادة، بل يمكننا القول إن العقل والإرادة من لوازم الإنسان غير المفارقة له، بمعنى أنها خصائصه الأساسية التي لا يمكن التفكير في إنسانيته بدونها، فالإنسان ليس مجموعة متراكمة من الأخشاب ولا نبتة كسيقان نبات دوار الشمس، ولكي يستطيع الناس العيش مع بعضهم داخل نظام وانتظام وتناغم عليهم أن يراعوا الحدود ويتحملوا المصاعب بمحض إرادتهم.

إن إعطاء الإرادة حقَّها أمرٌ في غاية الأهمّية، وإذا ما التزم الإنسانُ به فلن يُحقق التناغم الداخلي المجتمعيّ فقط، بل سيتسنى له تجاوزُ الملائكة الكرام.. إن مفخرة الإنسانية جمعاء عليه الصلاة والسلام -وهو من استخدم الإرادة على وجهها الصحيح- قد تجاوز جبرائيل عليه السلام في رحلة المعراج، لذلك فالتنعم بالجنان والفوز برؤية الرحمن سبحانه وتعالى مرتبط دائمًا باستخدام الإرادة في موضعها الصحيح.. وبتعبير آخر لو أن الإنسان التزم -من خلال الإرادة- بالنطاق الذي حدده الله، وسار في الطريق الذي رسمه له، وراعى المبادئ الموضوعة له نال رضا الله سبحانه ورضوانه، ولذلك على الإنسان أن يتنازل عن بعض جوانب الحرية، وأن يخضعها بالإرادة لشيءٍ من المبادئ.

ومن جهة أخرى فالحرية نعمة كبيرة منَّ المولى عز وجل بها على الإنسان، ولذلك فإن معرفة قدر هذه النعمة وقيمتها والمحافظة عليها مسؤولية هامة تقع على عاتق الإنسان، لأن وظيفة المؤمن هي استخدامه نعمَ اللهِ عليه وفقًا لمراد الله تعالى وأوامره.

فلو أنه جل جلاله منحَنا بعض الحقوق وأحسن علينا بها كي نظل في دائرة الإيمان ونرتب فلسفتنا وأفكارنا وحياتنا وفقًا لها، فلا يمكننا التضحية بأي من تلك الحقوق، لأنه إذا لم نستطع حمايتها والمحافظة عليها فلن نستطيع المحافظة على وجودنا كأفراد وعائلات وأمة، ولن نعيش الإسلام بالتمام، لأن عيش الإسلام بصورة كاملة لا يمكنه أن يتأتى إلا في مجتمع صُمّم وفقًا للأسس الإسلامية.

ولو أن العالم الإسلامي اليوم أضاع -نتيجة للكسل والإهمال- مثل هذه النعمة التي منَّ الله تعالى عليه بها، وانصاع لأشكال عديدة من الوصايات المختلفة، أي إنهم لو لم يحافظوا على حريتهم فسيُسألُون عن ذلك أمام الله تعالى، والأدهى من ذلك أنهم إن كانوا لا يشعرون بوقوعهم تحت وصاية كهذه، ولا يظهرون أية حماسة أو غيرة من أجل الخلاص منها، ولا يحاولون استرداد ما سُلب من أيديهم من إمكانات، فهذا معناه أنهم يهينون حريتهم ودينهم وإيمانهم.

ومن هذه الجهة فإن معرفة قيمة نعمة الحرية التي منَّ الحق تعالى بها علينا، والاستمساك بها واستخدامها في مكانها أمر في غاية الأهمية، لأن بقاء ذاتيتنا الخاصة وعدم تبدّلنا وتغيّرنا مرتبطٌ بذلك، فينبغي لكل مسلم أن يكون على وعي بالعصر الذي يعيش فيه، وأن يضع الخطط والمشاريع المستقبلية، وعليه وفقًا لإدراكه الخاص أن يخطو خطوات تدفعه إلى الأمام وإلى مستقبل أفضل، وإهمالُ هذا يحمل في طياته إهانةً لما يؤمن به من قيم، كما أن الاستسلام للغفلة في هذا الشأن جرمٌ.

لو أن الأجيال السابقة حافظت على حقوقها وحريتها وعزتها وشرفها، وأدَّت وظيفتها على أكمل وجه وبلا تقصير، لما عاش المسلمون اليوم الوصاية والتشرذم الذي هم فيه، إنني دائمًا ما أقدم خالص احترامي للأجداد وأحاول أن أذكرهم بالخير دائمًا، إلا أنني حين أنظر إلى ما يتعرض له المسلمون اليوم من وصايات بعضها فوق بعض لا أستطيع منع نفسي من عتابهم بعض الشيء؛ لماذا عجزوا عن قراءة الواقع في عصرهم قراءة صحيحة؟ لماذا لم يستطيعوا تمييز عدوهم؟ لماذا فقدوا مكانتهم كعنصر موازنة في العالم؟ لماذا فقدوا حرياتهم وأسلموها لآخرين؟ لماذا أدخلوا أنفسهم في ربقة الذل والهوان؟ ولماذا أصبحوا أسرى وأذلاء عند الآخرين؟!

والأمر نفسه بالنسبة للمسلمين اليوم فلو أنهم لم يقوموا بما يجب عليهم من أجل إنقاذ أنفسهم من هذه المشكلة التي هم واقعون فيها، ولم يتحلوا بفضيلة تحمل الصعاب في سبيل ذلك، فإن أجيال المستقبل ستواجههم بمثل تلك الكلمات، وستُطلِق الأسف والتعسَ على الإخلال بحقّ الوظيفة، وعلى عدمِ إنشاء مجتمعٍ جديد، وعلى العجز عن إرشاد الأحفادِ إلى طرق الانبعاث، وعلى تفكيرهم المنحصر في المنافع والراحة الشخصيّة! ومن يدري ربما لن تتكلم تلك الأجيال القادمة بحَيطةٍ وحذرٍ مثلنا، وربما تصلُ بنقدها إلى صبّ اللعنات عليهم. 

ولذلك يجب على المؤمنين أن يستخدموا ما أنعم الله تعالى عليهم به من آلاء ونعم وإمكانات بصورة عملية لتأمين مستقبلهم مبتغين رضا الله سبحانه، وعليهم أن يبذلوا في هذا الطريق كل ما بوسعهم من طاقة، وأن يضربوا أروع الأمثلة في التضحية؛ لدرجة أنهم لن يبخلوا بالتضحية بأرواحهم في سبيل تحقيق ذلك، يجب عليهم أن يضعوا النهاية والخلاص لخمسة قرون من الكسل وقرنين من الركود التام، عليهم أن يُعوِّضوا المسؤوليات التي أضعناها خلال تلك الفترة.

   الفكر الحر في العلم

تعرض المسلمون بعد القرن الخامس الهجري لمرحلة من التوقف في البحوث العلمية، لذلك فإن أحد الأعمال الواجبة اليوم هي تمرير العلوم من منشور الفكر الإسلامي وصياغتها من جديد، وإعادة تشكيلها وترتيبها وتصنيفها وفقًا لخريطتنا الفكرية. نعم، لقد وضعنا -حتى القرن الخامس الهجري- قواعد البحث بصورة مباشرة عبر القامات العلمية آنذاك، إلا أن هذا الأمر انتقل إلى الغربيين في العصور التالية، فوضعوا العلوم في قوالب مختلفة من وضعية ومادية وطبيعية.

إننا لا نستطيع اليوم فيما نقوم به من أعمال وأبحاث في مختلف مجالات العلوم أن نخرج عما وضعوه من مناهج واصطلاحات، فنواصل دراساتنا في إطار قوالبهم، لذلك فإننا عاجزون عن التفكير بشكل مختلف عنهم، وبالتالي لا تقودنا أبحاثُنا إلى الحقيقة التي نسعى إليها، لذلك يجب على علماء المسلمين أن يتخذوا الفكر الحرّ مبدأً لهم، وأن يعيدوا النظر مرة أخرى في المكتسبات العلمية من بدايتها، وأن يتخلصوا من الوضع القائم وينفكوا من التبعية العلمية ويناقشوا كل شيء، لأنه من دون المناقشة لا يمكن تأسيس شيء جديد، ولذلك يجب أن نتوقع احتمالية خطإ المعلومات التي حصلنا عليها جاهزةً ولو بنسبة قليلة، فمثلًا الدكتور المتخصص في مجال الطب يجب عليه أن يعيد النظر في كل ما تعلمه ليتأكد من صحة تلك المعلومات من عدمها، وأن يُخضعَ تلك المعلومات للاختبار. 

هذا العمل ليس سهلًا ألبته، ويتطلب عشقًا حقيقيًّا للعلم والبحث والحقيقة، والأكثر من ذلك قد يستلزم قدرة الإنسان على وقف حياته من أجله، وتحمل المصاعب والمشقات وتقديم تضحيات حقيقية، وإذا كان الغرب قام بثورة صناعية وقطع مسافة طويلة في العلوم التقنية فقد تحقق هذا على أيدي منْ وقفوا أعمارهم وسنِي حياتهم من أجل هذا العمل، فمنهم من وقف حياته من أجل الدراسة والتدقيق في حياة الحيوانات، ومنهم من فعل ذلك من أجل كشف خبايا التاريخ وأسراره، ومنهم من أراد أن يفك شفرة الحوادث الطبيعية، لكن هؤلاء في النهاية أسندوا أعمالهم إلى الأسباب المادية والطبيعية، ومن أجل اجتياز الوضع الراهن يجب إسناد كل ما يتوصل إليه من حقائق علمية متعلقة بالوجود والأشياء إلى الذات العلية الخالق سبحانه، وكما يتم نقض الغزل وإعادة نسجه في حُلة جديدة منمّقة، يجب أيضًا أن يتم فعل ذلك في موضوع العلم، وقد نُصيب أحيانًا ونخطِئ أخرى في أثناء قيامنا بذلك، ونطور بعض المسائل إلى أحسن مما هي عليه، ونسير على نفس الخطى مع الآخرين في بعض المسائل، بل إننا قد نطلب المساعدة منهم.

ولكن هذه الأمور، لا تتم على أيدي أناس عاديين؛ إذ إن تحقّقها يستلزم جدية تامة وعزمًا حقيقيًّا، وطالما أنه لم يُبذل مثل هذا الجهد والعمل، فلن يتمكن المسلمون من التخلص من الازدواجية، ولن يستطيعوا القضاء على صراع العلم والدين، وكما أن القرآن الكريم كتاب جاء من صفة كلام لله تعالى، فإن الكون أيضًا كتاب آخر مستمد من قدرة الله سبحانه وتعالى وإرادته، ولأن هذين الكتابين من المصدر ذاته فلا يمكن أن يكون هناك تعارض بينهما.

نعم، كما تؤلمني الوصاية المفروضة على الإرادة، تؤلمني الوصاية المفروضة على العلم، أما تناول المسائل بصورة مستمرة على شاكلة قال فلان هكذا وقال فلان هكذا، وعدم إضافة فكر جديد، فهذا ليس إلا همهمات أرواح بائسة أسلمت أنفسها للوصاية المفروضة عليها، وأقول كما قال الشاعر محمد عاكف “عشت حرًّا منذ الأزل، وسأعيش حرًّا، أتعجب أهناك مجنونٌ يستطيع تقييدي بالأغلال!”.. والحقيقة أنه ينبغي أن يكون هذا شعار كل مؤمن، على الشخص أن ينظر إلى ماضيه المجيد وأن يتوجه بنظره إلى جذوره الروحية والمعنوية، ثم يعيد النظر إلى حاله البائس اليوم ويتفكر، ويعيبُ ذلك على نفسه، ثم يتوجه لإنشاء دنياه من جديد عبر تخلصه من تلك العيوب.

ولأن هذا الإحياء لن يحققه إنسانٌ يرزحُ بأفكاره تحت الوصاية؛ فلا بد من وجود أفكارٍ حرَّة، فالأساس أن الحرية تبدأ في الفكر، والإنسان الذي ينقاد في أفكاره للآخرين لا يمكن أن يكون حرًّا، وعليه فقد ظل إنسانُنا تحت الوصاية لعدة قرون؛ ففقَد عشقَه وحماسَتَه، ودخل تحت وصاية الآخرين.. إن ما يؤسَفُ له أن هذا الجيل المسكين البائس أصبح يتسوّل كلّ شيء من غيره، وما يجب عليه الآن هو أن ينجو من التسول وأن يحصل على حرّيته الحقيقية.

الجَرَّة المشروخة: في الصلح خيرٌ

Herkul | | العربية

   سؤال: في أيامنا هذه نجد النزاعات والمشاجرات منتشرة بصورة كبيرة بداية من نطاق العائلة إلى غيرها من قطاعات المجتمع بأنواعها المختلفة، فهل هذا بسبب قلّة المصلحين الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم؟ ولو كان الأمر هكذا فكيف يمكن تلافي هذا القصور؟

   الجواب: لقد وضع القرآن الكريم مبدأً في غاية الأهمية في هذا الموضوع بقوله ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/128)، وقد نزلت تلك الآية الكريمة في سياق الحديث عن حل النزاعات بين الزوجين مبيّنةً ضرورة استهداف الصلح عند حدوث ذلك، ولكن لا ريب أن الآية قد وضعت في الوقت ذاته مبدأً موضوعيًّا عامًّا لحل كل النزاعات والمشاكل التي قد تحدث داخل المجتمع بقطاعاته المختلفة؛ فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ وهكذا نجد القرآن يوصينا باتخاذ الصلح والتفاهم حلًّا لكل الإشكالات والمشاكل التي قد تثور بين أفراد الأسرة أو بين فئات المجتمع على حد سواء.

وإذا نظرنا للأمر من الناحية التاريخية فسنجد أنه بداية من عصر الرسالة والعصور التي تليه تنبه المسلمون لأهمية الصلح في تحقيق الاطمئنان والاستقرار داخل المجتمع، فحاولوا قدر استطاعتهم حلّ الخلافات الناشئة بين الأفراد والجماعات عن طريق الصلح.. وكانت الدولة تفعّل ذلك المبدأ القرآني في إطار مؤسّساتٍ عاملة بأسماء وعناوين مختلفة؛ بمعنى أن الدولة كانت ترعى بنفسها تلك المسألة، فإذا ما وقعَ خلافٌ بين الأفراد توجّهوا لهيئة تحكيمٍ وسيطة من أجل حلّ المشكلة وإزالة الخلاف، وفي يومنا لو أن الدولة اهتمت بالمسألة ووضعت القوانين واللوائح التي تنظمها؛ فلا بد أن هذا سيسهم بصورة كبيرة وسيكون له مردود إيجابي، فما يقع على عاتقنا نحن المسلمين اليوم هو بث الحياة في هذا المبدأ القرآني العظيم ومحاولة تفعيله فيما بيننا أو استخدامه في المواضع التي تمضي فيها كلمتنا.

   سمات الغرباء الذين نالوا بشرى رسول الله

وفي هذا الصدد يَقُولُ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، ثُمَّ يَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ” قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: “الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ[1].

 أي إن النفاق والشقاق والخلاف والفرقة سيكثُر وينتشر بين الناس في هذا العصر الذي سيصبح الإسلام فيه غريبًا، وهذا الاختلاف والتنازع سيُظهِر نفسه في كل قطاعات المجتمع وبين الناس بعضهم البعض بدءًا من علاقة الأفراد داخل الأسرة الواحدة وحتى الرؤساء والمرؤوسين، فمن الضروري في مثل هذا الزمن أن تكون هناك زمرة لا تتدخل في مثل تلك النزاعات، وتنأى بنفسها عن كل أشكال الفرقة والاختلاف، وتوجِّه كل طاقتها وسعيها لنشر الوفاق والاتفاق، وإلى جانب كل تلك المساعي تنشد رضا الله والتوفيق الإلهي، فإذا تحقق على أيديهم الصلح والوفاق نسبوا ذلك إلى العون والتوفيق الإلهي، وهؤلاء هم الغرباء الذين جاءتهم البشارة في الحديث الشريف.

وبعبارة أوضح نقول: إن هؤلاء الغرباء هم الذين سيتمسكون بحبل الصلح والوفاق عند إفساد المفسدين وتلاشي كل جميلٍ بسبب إفسادهم، وسيقفون في مواجهة كل أشكال العنف والتطاحن، بل إنهم في قنواتهم التلفزيونية وفي جرائدهم اليومية يبتعدون عن الجدالات العنيفة والمناقشات العقيمة، ولن يكونوا ألبتة أداة للنزاع والشقاق حتى وإن كانت فئات المجتمع تتنازع وتتصارع ويأكل بعضها البعض، إنهم على العكس تمامًا؛ سيحاولون إصلاح ما حدث من تدمير وتخريب، ورغم سيطرة السلوكيات والأطوار الوحشية على مجتمعهم مثل مشاعر الثأر والانتقام والنعرات الدموية وجنايات الشرف؛ فلن تجد أبدًا في قاموس هؤلاء الغرباء وأسلوب حديثهم أيًّا من ذلك ألبتة؛ لأنه مخالفٌ كلّيّةً لمبادئ الدين الأساسية، فمثلًا إضافة كلمة “شرف” لجناية القتل لا يعطي تلك الجناية أية مشروعية، فالشرف يكمن في الأعمال والسلوكيات التي تقبَّلها المجتمع المسلم بعد أن اختبرها بالأدلة الشرعية ومرّرها بمصفاة الشرع، فاكتسبت الذيوع والانتشار، لكنّ قتلَ الإنسان لا يمكن توفيقه مع النصوص الدينية، ولذلك فكل تلك الأفعال تدخل تحت قائمة “الفساد” الوارد في الحديث النبوي الشريف.

ففي وجه كل فساد وإفساد يجب أن يكون هناك فريقٌ من المصلحين يقفون في صف السلام، ويتنفّسون الصلح دائمًا، ويوقفون أنفسهم لمهمة التوسط من أجل الإصلاح ونشر السلام؛ لأن مثل هذه الأفعال الشنيعة والدنيئة يصعب حلها عبر ما تضعه الدولة من قوانين وعقوبات وتشريعات فحسب، ولكن ما يجب أن يتم هو؛ إقناع العقول بالبعد عن مثل ذلك الفسق والفجور، واستنهاض القلوب والضمائر، وكذلك غرس حب الإنسان في نفوس أفراد المجتمع، وتطوير مشاعر الحب والاحترام، وشرح فوائد الصلح والوفاق.

ومن ناحية أخرى يجب تقوية مشاعر الإيمان بالآخرة والحساب، لأنه لا يملأ فراغ الإنسان شيء مثل التفكير في الآخرة والحساب أمام المولى سبحانه وتعالى، وفي يومنا هذا لم تستطع القوانين الجنائية ولا العقوبات القانونية أن تسدّ هذا الفراغ، ولا أن تمنع جرائم السرقة، ولا أن تتغلّب على الظلم والجور.

 فلطالما لم يستقر في وجدانك الضمير الذي يلجمك ويردعك فإن تلك القوانين لن تعني لك شيئًا، فحتى وإن وضعتم أغلظ العقوبات وأشدها على النفس فإن المجرمين سيجدون طريقة ما للتملص منها، وسيبتكرون خططًا وإستراتيجيات لأفعالٍ إجراميةٍ لا تخطر على بال.

 فإذا كان المجتمع يعيش حالة من الانحلال والتفسّخ كما يُشاهد في عصرنا هذا خاصة، ويسوده الانحطاط الأخلاقي فلا يمكن تجاوز تلك المعضلات دون إعمار القلوب بالإيمان بالله وبالآخرة، ولذلك فتقوية الإيمان وإرشاد الناس إلى طريق الإيمان التحقيقي من أهم طرق نشر الصلح والصلاح بين الناس.

   مشكلات يمكن حلها بالسلم والتفاهم

فمثلًا مشكلة الإرهاب مشكلةٌ خطيرة قائمة منذ سنوات في تركيا، فلو أننا كنا استخدمنا السلم والتفاهم في حلها لكانت انتهت منذ وقت طويل، لو أن موظفي القضاء والموظفين المدنيين -وحتى المؤسسات الأمنية والموظفين العسكريين ورجال الدين الذين نشؤوا نشأة طيبة- أُرسلوا إلى المناطق التي تندلع فيها المشاكل بدلًا من محاولة قمع الناس هناك وسحقهم عبر استخدام القوة والسطوة، واستطاعوا احتضان ذلك المجتمع بمودة واحترام وتسامح؛ لكان شرق تركيا وجنوب شرقها تخلص اليوم من كونه مشكلة تزعج تركيا.

وعلى الرغم من أن سلطات الدولة تجاهلت مثل هذه التوصيات، ولم تشرع في عملٍ كهذا، وأصرت على مواصلة الاستعانة بالقوة الغاشمة إلا أنَّ ثمارًا طيبة للغاية تحققت نتيجة وجود بعض الأنشطة التعليمية والخيرية في فترة ما مثل توزيع متطوعي الخدمة للحوم الأضاحي، ومدهم يد العون للمحتاجين، وتبنيهم للأجيال الشابة من خلال المدارس والمراكز التعليمية المفتوحة، ولو أن مثل هذه الخدمات الجميلة لم يمنعها الظالمون والمعتدون لربما كان سيحدث تلاحم وتماسك حقيقي بين هؤلاء الفئات التي فُرِّق بينها منذ سنوات طويلة، واتخذت خطوات مهمة للغاية من أجل ضمان وحدة البلاد وسلامتها.

ما أردت قوله هو: لتفكِّرْ سلطاتُ الدولة أو شرائح المجتمع كما يشاؤون، ويفعلون ما يفعلون، ولكن يجب على متطوعي الخدمة الذين نذروا أنفسهم للإصلاح أن يواصلوا السير في طريقهم الذي بدؤوه، ينبغي لهم بذل قصارى جهدهم لجعل القيم الإنسانية والعالمية مثل السلام والتسامح والتوافق والحوار تسود في المجتمع، بل وفي العالم بأسره، ويستخدمون لذلك جميع الوسائل المشروعة.

فإذا كان هناك مجتمعٌ يتشاجر الناس فيه باستمرار، ويضرب بعضهم بعضًا، وتتفاقم فيه مشاعر الحقد والكراهية والعداء؛ فهذا يعني أن ذلك المجتمع يعيش حالة هذيان خطيرة، وغالبًا ما يؤدي مثل هذا الهذيان إلى انفصام الشخصية المجتمعية، وهذا خطر يهدد مستقبل المجتمع وسلامة الناس وسعادتهم؛ وبالتالي لا يجب تجاهله بأيّةِ حالٍ، لذلك يتحتم التدخل المباشر لحل مشاكل هذا المجتمع، وذلك من خلال اغتنام كل فرصة وإيجاد طرق بديلة مختلفة تمامًا، فإذا ما اعترضكم أحدٌ وحطّم الجسور التي تجتازونها وأنتم تسيرون في هذا الطريق، وجب عليكم سلوك طريق آخر على الفور والاستمرار في المضي قدمًا إلى هدفكم دون توقف.

   التخلق بالأخلاق الإلهية

 يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “رَجُلانِ مِنْ أُمَّتِي جَثَيَا بَيْنَ يَدَيْ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَبِّ خُذْ لِي مَظْلَمَتِي مِنْ أَخِي، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْطِ أَخَاكَ مَظْلَمَتَهُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ مَا بَقِيَ مِنْ حَسَنَاتِي شَيْءٌ، فَقَالَ: يَا رَبِّ فَلْيَحْمِلْ مِنْ أَوْزَارِي“، وَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: “وَإِنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَيَوْمٌ عَظِيمٌ يَوْمٌ يَحْتَاجُ فِيهِ النَّاسُ إِلَى أَنْ تُحْمَلَ عَنْهُمْ أَوْزَارُهُمْ“، ثُمَّ قَالَ: “قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلطَّالِبِ بِحَقِّهِ: ارْفَعْ رَأْسَكَ فَانْظُرْ إِلَى الْجِنَانِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَرَأَى مَا أَعْجَبَهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالنِّعْمَةِ، فَقَال: لِمَنْ هَذَا يَا رَبِّ؟ قَالَ: لِمَنْ أَعْطَانِي ثَمَنَهُ، قَالَ: وَمَنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ يَا رَبِّ؟ قَالَ: أَنْتَ، قَالَ: بِمَاذَا؟ قَال: بِعَفْوِكَ عَنْ أَخِيكَ، قَالَ: يَا رَبِّ فَإِنِّي قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ، قَالَ: خُذْ بِيَدِ أَخِيكَ فَادْخُلَا الْجَنَّةَ”، ثُمَّ قَالَ: وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ”[2].

ربما تُعزى صفة “مصلح” إلى الحق تعالى انطلاقًا من مفهوم هذا الحديث الشريف، لكننا لا نجد مثل هذا الاسم لا بين الأسماء الحسنى التسعة والتسعين المشهورة، ولا بين الثلاثمائة اسم التي ذكرها “محي الدين بن عربي”، ولا بين الألف اسم الواردة في الجوشن الكبير، فالأسماء الحسنى “توقيفية”، أي إننا لا نستطيع أن نعزو إلى الذات الإلهية اسمًا لم يرد في القرآن الكريم أو في السُّنة النبوية، ولكن يمكن نسبته إلى الله عز وجل بمنظور ومقاربات بعض العلماء الذين يضعون مسمّى للمعاني التي تعبر عنها الأفعال المنسوبة إلى الله تعالى في القرآن والسنة، وينسبون هذا الاسم إلى الله، من جانب آخر فإننا وفقًا لما ورد في الأثر لا نعرف جميع أسماء الله تعالى، إننا نعرف الأسماء التي تتعلق بحياتنا الشخصية والعائلية والاجتماعية، أو ترتبط بصلتنا بالحق تعالى؛ وبعبارة أخرى: إن ما نعرفه في الأسماء الإلهية هو ما يعنينا مباشرة.

علاوة على ذلك فإننا لا نعرف جميع الأسماء التي ستتجلى في الآخرة، كما أننا لا نعرف الأسماء التي ستتجلى حتى تلك اللحظة التي ستتواجد فيها العوالم المادية، لذلك يمكن أن يكون اسم “مصلح” بين تلك الأسماء.

وأخيرًا بما أن التخلّق بأخلاق الله تعالى يُعدّ هدفًا مهمًّا بالنسبة للمؤمنين فإنه يجب على كل المؤمنين أن يكونوا مصلحين، وينبغي لهم العمل على تهيئة جوٍّ من الصلح والسلم الدائم في كل الدوائر التي تعنيهم بدءًا من أقرب دائرة إليهم إلى أبعد دائرة؛ وذلك من خلال القضاء على كل أنواع البغضاء والشحناء، وتهدئة الصراعات والمنازعات ونشر السلم والسلام.

***

[1] مسند الإمام أِحمد، 27/237.

[2]  الحاكم: المستدرك، 4/620.

الجَرَّة المشروخة: أخلاقيات النقد والانتقاد

Herkul | | العربية

   سؤال: ما هي الأمور التي يجب على الناقد والمنتقَد أخذها في الاعتبار؟ وما هي المعوقات التي تحول دون الإنصاف وإحقاق الحق وغير ذلك من الأخلاقيات التي أولاها الدين أهمية كبيرة؟

   الجواب: النقد هو عبارة عن التدقيق في الأقوال والأفعال والتصرفات والأعمال التي يقوم بها شخص ما أو مجموعة من الأشخاص والكشف عما فيها من نواقص وزلَّات، فإذا ما صدر النقد وفقًا للأصول المتعارف عليها صار عاملًا مهمًّا في تصويب بعض الأخطاء وتلافي النقائص والزلات، وفي المقابل هناك النقد الهدّام وهو الذي يكبِّر المشكلة ويهوِّلها ويعمِّق من التخريبات، وبتعبير آخر هو استخدام أسلوب من شأنه تثبيط الروح المعنوية لدى الناس، واللجوء إلى الاستقصاء والاستجواب لدرجة تسوق إلى اليأس وتثبط الهمم عن القيام بأي فعاليات، أو تعميم القضايا وتهميشها، وهذا النوع من النقد غير مطلوب وغير مستحسن.

 ولذلك فالنقد يختلف عن السلوكيات والأساليب التي تهدف إلى الاعتراض من أجل الاعتراض مثل الغوغائية والمغالطة والتشهير بالطرف الآخر أو ذمّه والقدح فيه.

   النقد في الثقافة الإسلامية

وإذا ألقينا نظرة على التاريخ الإسلامي فسنجد أن النقد قد حافظ على وجوده من بداية نزول الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن بصور وأشكال وقوالب مختلفة، فعلى سبيل المثال يمكننا النظر إلى ما وضعه العلماء المسلمون من قواعد لنقد متون وأسانيد الأحاديث للتفريق بين الأحاديث الصحيحة والموضوعة، فلقد استخدم العلماء المسلمون النقد كأداة لتصفية الأحاديث الشريفة مما نُسب إليها كذبًا وزورًا، ومن خلال الفحص والتدقيق في رواة الأحاديث ومتونها والشروح والتعليقات المتصلة بها أسهم هؤلاء العلماء في أن تظل الأقوال الزائفة الملفّقة خارج دائرة الدين.

وكما هو معلوم فالقرآن الكريم نُقل إلينا كله متواترًا، ومن هذه الجهة فكل آياته قطعية الثبوت، ولكن كما أن بعض الآيات قطعية الدلالة فهناك قسم من الآيات القرآنية الكريمة ظنية الدلالة، ولذلك فمن أجل التيقن من المعنى الصحيح وضع العلماءُ كلَّ الاحتمالات، وأعادوا النظر في كل التأويلات والتفسيرات المطروحة، وكان غرضهم من كل هذا التدقيق هو الوصول إلى الحكم الأصح، وبذلك خضعت حتى الآيات القرآنية الكريمة لفحصٍ وتدقيقٍ شديدين للوصول إلى المعنى الصحيح لمدلولات الألفاظ.

ورغم أن العلماء يعون جيدًا أن نقدَ رواة الحديث أو علماء الدين قد يكون سببًا في اقتراف بعض الذنوب مثل الغيبة وسوء الظن وتتبّع عورات الناس إلا أنهم ورغم خوفهم الشديد من الوقوع في مثل هذه الذنوب قد فعلوا ذلك من أجل المحافظة على الدين، فمثلًا الإمام “شعبة بن حجاج” -وهو من كبار علماء الحديث- كان قبل قيامه بنقد الأسانيد يقول “تعالوا حتى نغتاب في الله عز وجل”[1]، مبينًا بذلك مدى حساسية المسألة وأهميتها، فهؤلاء العلماء لم يحبذوا الصمت عند الحديث عن الدين أو عند إسناد حديث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن مثل هذا الصمت قد يؤدي إلى وقوع بعض التصدعات والانكسارات في الدين.

وفي ظل تبادل الأفكار ومناقشتها تطور علم المناظرة، فأثناء المناظرة تُناقش كل الأفكار المطروحة وتخضع للنقد بغية الوصول إلى الحقيقة في النهاية، ولقد كانت تُراعى قواعد المناظرة وآدابها من أجل الوصول إلى الهدف المنشود منها وظهور الحقيقة عيانًا بيانًا.

وكل هذه الجهود التي قدمها علماء السلف جديرة بالتقدير والاحترام، ونحمد الله آلاف المرات على أن هؤلاء هم أسلافنا، لأن كل ما بذلوه من جهود رائعة في خدمة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والعلوم الدينية كان هدفه الحفاظ على الإسلام، وتمهيد السبل التي توصلنا إلى الله ورسوله، فكانوا لنا هُداة مهديين لنسير على الطريق المستقيم دون أن نضل السبيل، ولا يمكن فهم أو إدراك قيمة هؤلاء دون الدخول إلى عالمهم والتدقيق الشديد في حياتهم.

   الإنصاف في النقد

لقد أعطى السلف أهمية كبيرة للإنصاف داخل منظومة النقد وعلم المناظرة؛ ولقد جعلوا الأساس في الانتقاد هو ظهور الحق أكثر من ظهورهم محقين في انتقاداتهم، بل إنهم كانوا يرون الشخص الذي يسعد بظهور الحق على يديه ويتباهى بذلك أنه يفتقد إلى الإنصاف، ومن جهة أخرى كانوا يرون أن من خرج منتصرًا في المناظرة لم يكسب شيئًا جديدًا، وأن المنهزم هو من استفاد لأنه تعلم شيئًا جديدًا.

والحادثة التالية المروية عن سيدنا عمر رضي الله عنه خيرُ مثالٍ على ما نقوله في هذا الصدد: خَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ النَّاسَ فَحَمِدَ اللهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: “أَلَا لَا تُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَبْلُغُنِي عَنْ أَحَدٍ سَاقَ أَكْثَرَ مِنْ شَيْءٍ سَاقَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ سِيقَ إِلَيْهِ إِلَّا جَعَلْتُ فَضْلَ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ”، ثُمَّ نَزَلَ، فَعَرَضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مِنْ قَرِيبٍ، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَكِتَابُ اللهِ تَعَالَى أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَوْ قَوْلُكَ؟ قَالَ: “بَلْ كِتَابُ اللهِ تَعَالَى، فَمَا ذَاكَ؟” قَالَتْ: نَهَيْتَ النَّاسَ آنِفًا أَنْ يُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/20)، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “كُلُّ أَحَدٍ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ” مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ لِلنَّاسِ: “إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ أَلَا فَلْيَفْعَلْ رَجُلٌ فِي مَالِهِ مَا بَدَا لَهُ”[2].

ولكن مع الأسف فإن البرامج الحوارية التي تُقدّم في التلفاز، والأطوار والأساليب التي يتخذها السياسيون تجاه بعضهم البعض، وثقافاتنا الحديثة التي تفشّت فيها الأنانية؛ قد أفسدت كثيرًا من أفكارنا وأساليبنا وأقوالنا، وحوَّلتنا إلى كائنات هجومية، وأبعدتنا عن إنسانيتنا وعن امتثالنا وحبنا للحق والعدالة، فالناس اليوم عندما يتحدثون مع بعضهم البعض أو يتناقشون أو ينتقدون لا يفعلون ذلك ابتغاء الوصول إلى الحق والحقيقة، ولكن هدفهم هو إخضاع الطرف الآخر لأقوالهم وأفكارهم، والجميع يريد أن يكون هو المحِقّ، وأن ينفذ كلامه، وأن ينال التقدير والاستحسان من الجميع، وعندما يكون الوضع كذلك فإن ضرر النقد يكون أكبر من نفعه.

   العوامل التي تؤدي إلى عمى البصيرة

ولا شك أن هناك عواملَ كثيرةً تؤدي إلى عدم موضوعية الشخص الناقد في بحثه عن الحق والحقيقة وتجعله ينتقد بصورة ينقصها الكثير من الإنصاف، بل إن الإنسان الذي يتعرض لتلك العوامل تجعله لا يرى الحقيقة بل ربما تجعله يراها شيئًا أخر ولذلك تجد هذا الشخص يرى الأبيض أسود، والأسود أبيض، أو تجعله يرى المعوجّ مستقيمًا، والمستقيم معوجًّا.

فمثلًا من العوامل التي تؤدي لعماء بصيرة الإنسان حب الشهرة، فتصرفات الإنسان إن كان يقيسها بمدى تحقيقه لشهرته فوجهة نظره ستصبح ضيقة لهذا الحد، لأن مثل هذا الشخص لن يلفت نظره سوى الأشياء والأفعال التي ستوصله إلى أفق الشهرة الذي يرجوه فقط، بل الأكثر من ذلك سيكون كل بحثه وهمه هو البحث عن الأدوات والوسائط التي توصله إلى الشهرة، ولذلك فهذا الشخص وإن تصرف بموضوعية في بعض المسائل إلا أنه لن يكون موضوعيًّا بالمعنى العام.

وكذلك الشخص الذي ينصبّ كل تفكيره على مستقبله ومصالحه الشخصية فقط فهذا سيكون على عينيه غشاوة دائمة، فمن الصعب على من تطلع للوصول للرئاسة والسلطة وتقلد المقامات المختلفة أن يفكر أو يحلل الأمور بصورة سليمة، لأن تفكير هذا الإنسان وملاحظاته تتشكل وفقًا للأهداف التي يريد تحصيلها، وإن كان صائبًا في بعض الأمور إلا أنه بوجه عام سيحيد بفكره عن طريق الصواب، وحتى وإن كان هذا الشخص صالحًا ولديه عقل راجح إلا أنه سينظر إلى الأمور ويربطها بمصلحته ومنفعته الذاتية.

وثمة عامل أخر من العوامل التي تؤدي إلى عماء بصيرة الإنسان هو اتباعه أيديولوجية ما دون تدبّر وتبصّر.. نعم، فمن ينساق بلا وعي وراء أيديولوجية ما من الصعب عليه أن يرى الحقيقة وأن يكون موضوعيًّا، فهؤلاء أيا كانت الأيديولوجية التي يتبعونها، فإن تقييمهم للقضايا سيكون وفقًا لما تراه أيديولوجيتهم من صواب؛ ولهذا السبب سيضللون كثيرًا من الناس؛ لأنهم يريدون إجبار المجتمع على ما يرونه صحيحًا، ولذلك فكثيرًا ما سيؤدي هذا إلى انكسارات وانشقاقات وتغيرات غير طبيعية داخل المجتمع.

وإن الانحياز، والأنانية الذاتية، والأنانية الجماعية؛ يمثلون أحد أهم العوامل لعماء بصيرة الإنسان، فمن يحاولون إرغام الآخرين على مشربهم المنتمين إليه ويسعون إلى فرض آرائهم على الآخرين لن يروا المسائل بشكل موضوعي، لأنهم سيقيمون المسائل التي يتناولونها وفقًا للمعاني التي تعبر عنها بالنسبة لهم، ولكن عباد الله الذين تخلصوا من كل العبوديات ولا يريدون انفكاكًا عن عبوديتهم لربهم سبحانه وتعالى هم فقط الذين يمكنهم رؤية كل شيء حقيقة أو قريبًا منها.

والقوة أيضًا من أهم الأسباب التي تؤدي إلى عماء البصيرة، والأصل أن هناك حكمة من وجود القوة، فالقوة المستندة في وجودها للعقل والمنطق والمحاكمة العقلية فنِعمّ هي، أما القوة المتجردة من العقل والمنطق والتي يرى فيها صاحبها أنها الحل لكل مشكلة لن تؤدي بصاحبها إلا إلى أسارة عقله؛ ولذلك كنت دائمًا أنظر إلى مثل هذا الشخص بنسبة ثلاثة أرباع أعمى، ولا يمكن الاكتفاء بما يُعرَض من حلول ويجب البحث عن حلول بديلة، وكما أن هذا الشخص ستكون قوّتُه بلاءً على نفسه فكذلك سيكون بلاء على الأمة التي يتواجد فيها.

كثيرًا ما أتألم حين أنظر إلى تاريخنا؛ وذلك لاستخدام القوة في حل مشكلات كان يجب حلها عن طريق العقل والمنطق والتفكير، حتى إنني انتقدت بعضًا ممن أحبهم كثيرًا، وقلت متأسّفًا: “ليتهم حلوا تلك المشكلة بالتفكير والتدبّر، وليس بالقوة!”.. لقد حزنت بشدة لأن من يمتلكون القوة لا يبحثون عن حلول بديلة ولا يقومون بحل القضايا بطريقة أكثر ليونة وإنسانية؛ ففي رأيي أنه من الصعب للغاية حلُّ المشكلات من جذورها بواسطة القوة بعيدًا عن العقل والمنطق؛ حيث تزداد احتمالية تجدّدها مرة أخرى بعد فترة ما، وقد شهد تاريخ البشرية أمثلة عديدة على هذا حتى الآن؛ حيث تمرد المضطَهَدون والمقهورون لاحقًا بطرق مختلفة انطلاقًا من مشاعرهم.

لا يمكن الحديث عن الإنصاف في النقد الذي يوجهه من يعانون هذا النوع من العمى؛ فعندما ينتقدون أحدًا يتحدثون دائمًا بقصد تشويهه، بل إنهم لا يعتقدون أنهم ربما يكونون مخطئين، وبحسب ما يقول العامة “يحاولون دائمًا تقديم أنفسهم كملعقة بيضاء خرجت حديثًا من اللبن”، لذلك لا يمكن الاستفادة من كلامهم.

أجل، على المرء أن يبتعد عن كل هذه المظاهر من العمى حتى يكون منصفًا في نقده ويخدم ظهور الحقيقة.. ومن يرغبون في تنوير المجتمع بأفكارهم وإرشاد من حولهم إلى القبلة الحقيقية دائمًا ينبغي لهم التزام جانب الحق وعدم التضحية به أبدًا، وإلا فإن المصابين بأنواع العمى المذكور أعلاه ربما يُضِلُّون بأفكارهم أو كلماتهم أو كتاباتهم الآخرين في أحيان كثيرة، لأنهم في معظم الأحيان قد يعتقدون أن مشاعرهم وعواطفهم أفكارًا.

وعليه فينبغي لمن يتحدثون ويعلقون وينتقدون ما يتصل بالقضايا الاجتماعية أن يراجعوا أنفسهم جيدًا إذا كانوا يريدون خدمة الحق والحقيقة، عليهم أولًا أن يعرفوا كيف يحترمون الحقيقة، ولا يليق بهم التكلم دون تفكير ولا تدبرٍ.. وحتى وإن اعتقدوا لسنوات طويلة أن الفكرة التي قبلوها صحيحة؛ فيجب عليهم أن يعرفوا كيف يغيرون رأيهم وقناعتهم بسهولة شديدة حين يجدون الحقيقة كامنةً في فكرة معاكسة لما اعتنقوه؛ فيقول الواحد منهم: “المسألة ليست كما أعرف، كنتُ مخطئًا في ذلك، وهذا يعني أنني كنت أسيرًا لأهوائي الشخصية حتى يومنا هذا؛ فظننتُ أن أهوائي وحماسي فكرًا”.

   الانتباه إلى المنهج والأسلوب في النقد

هناك عامل مهم آخر يجب مراعاته في النقد حتى يتقبله الآخرون ألا وهو الأسلوب المستخدم فيه؛ فطريقة الحديث مهمة للغاية بقدر أهمية صحة الكلام المطروح ومعقوليته، ولكيلا يُزعج النقدُ الطرفَ الموجه إليه يجب أن يكون الأسلوب صحيحًا ونمط العرض إنسانيًّا أيضًا، فإذا حدث هذا وُضعت في الحسبان اقتراحاتكم وأفكاركم التي تهدف إلى حل المشكلة أو تصحيح الخطإ، بل وتسنى لها أن تكون وسيلة لحدوث حالة من الانفراج.

وعليه فمن الأهمية بمكان مراعاةُ الحالة العامة للمخاطب قبل توجيه النقد إليه واستخدامُ الأسلوب الذي يناسبه، فإن كان المخاطب لن يستطيع استيعاب ما نقوله، فلا فائدة من التحدث إذًا؛ لأن الكلمات التي تقال لمثل هذا الشخص سوف تستفزه، وستُحرك فيه مشاعر عدم احترام الحق.

فأحيانًا ما يكون الأسلوب الذي نستخدمه حائلًا بيننا وبين المخاطب أكثر من الموضوع ذاته الذي ننتقده فيه، مما يؤدي إلى أن يرفض ولا يستسيغ النقد أبدًا، فإذا وجّهنا إليه النقد على شكل مطرقة ثقيلة وكأننا نضربها بها على رأسه أصابته الكلمات التي نقولها بصدمة روحية، وحتى إن اعتقد مثلُ هذا الشخص أن كلامنا صحيحٌ فقد لا يرغب في قبوله لأنه منزعج من الطريقة التي نتحدث بها.. بل إنه قد يختلق أنواعًا مختلفة من الفلسفات ليُثبت أنه على صوابٍ أو ليُلبس الباطل بلباس الحق، وبالتالي نكون قد جعلناه نائبًا ومتحدثًا بلسان الملاحظات والآراء الشيطانية.

وإلى جانب أهمية مسألة النقد وأسلوبه فهناك أهمية أخرى خاصة بشخص الناقد؛ لدرجة أن الشخص الذي يعترض بشدة على ما نقوله له ربما يتقبّله ذاته ويفرح به عندما يسمعه من شخص آخر، وهذا يرتبط إلى حد ما بالعلاقة بين الناقد والمنتقَد؛ فالمرء قد يرى نقد من يحبهم نوعًا من التقدير والثناء.. وعليه يجب ألا نصرّ على أن نذكر بأنفسنا بعض السلوكيات التي نراها خاطئة، وألا نعاند في هذا الأمر، بل يجب أن نُحيل الأمر إلى مَن نراه أكثر فعالية وتأثيرًا منا، فإن كان المهم هو أن تتقبل بعضُ الصدور الحقيقةَ، وتنتصر للحقّ، فما أهمية من يعبر عنه؟! 

هناك نقطة أخرى يجب مراعاتها من حيث المنهج وهي: إذا كان المخاطب سينزعج إذا صارحناه مباشرة بأخطائه، فيمكننا أن نبحث عن بيئة يتسنى له أن يتعلم منها الدرس، ونتحدث إلى الجمهور؛ فلقد حدث عدة مرات أن استخدم رسول الله الطريقة نفسها للحديث عن أخطاء رآها؛ فقد جمع صلى الله عليه وسلم أصحابه بالمسجد بسبب خطإ رآه من أحد الناس، فتحدث على العموم لا على الخصوص، وبالتالي تمكن الشخص الذي أخطأ من إدراك خطئه وتصحيحه دون أن تتأذى نفسه ولا يُساء إليه.

وفي عالم اليوم المشحون بالأنانية صار من الأهمية بمكان الانتباه إلى مثل هذه التفاصيل الدقيقة في باب النقد؛ فترى الأنانيّين -مثل الجبال الجليدية التي في القطبين- عاجزين تمامًا عن تحمل النقد والانتقاد، وإذا أردنا في مثل هذه المرحلة ألا يُزدرى الحق والحقيقة، فعلينا إيجاد الإجراء والأسلوب الذي نعتقد أنه صحيح وفعّال في هذا الصدد.

   الانتباه للانتقادات ومقابلتها باحترام

وعلى الجانب الآخر، فعلى من تعرض للنقد أن يكون منصفًا، بل وأن يعرف كيف يشكر من بيّن له أخطاءه، وعلى حد قول بديع الزمان: “إن نبهني أحدٌ على وجود عقرب في أي جزء من جسمي، عليّ أن أرضى عنه، لا أمتعض منه”.

وبتعبير آخر: إذا انبعث الدخان من مكان في منزلنا، وعندها قال أحدهم: “تُرى هل هناك حريق في هذا المنزل؟”؛ فيجب التحرك وفحص جميع الغرف، والتصرف وفقًا لهذا الوضع، وإلا فإن محاولة إسكات ذلك الشخص بقولنا: “كم أنك رجل شؤم! لماذا تقول ذلك!”؛ لن تُفيد أحدًا على الإطلاق.. فلسنا ندري؛ ربما يكون الشخص المتحدث يدُلُّ وينبّه إلى كارثة بالفعل، ولكن الطريق إلى فهم ذلك يتمثّل في مراجعة المسألة التي انتقدها مرة أخرى.

في السنوات الماضية جاءني ضيفٌ مثقفٌ وعلى دراية ووعي، وعندما همّ بالمغادرة مال عليَّ قليلًا ودون أن يُسمع الجلوس قال: “ليت الإخوة يقرؤون الكتب قليلًا”، وانتقد بطريقة ضمنية قلة قراءة الكتب، فكان ما يجب القيام به إزاء هذا النقد هو التأكد إن كان ثمّة نقصٌ في هذا الجانب حقًّا أم لا، ومحاولة تلافيه إن وُجد بالفعل؛ أي بذل الجهد اللازم من أجل تطوير أشكال جديدة من القراءة مثل تكليف الناس بقراءة كتب مفيدة، وتمكينهم من معرفة دينهم والعالم الذي يعيشون فيه معرفة أفضل، وتوفير المناخ لتكون قراءةُ الكتب عمليةً أكثر انتظامًا مع المواظبة عليها، وتطوير أساليب القراءة كاللجوء إلى المذاكرة والمدارسة دفعًا للإلف والتعود، واستيعابها وفهمها بشكل أكبر.

ربما لا تكون الانتقادات الموجهة دقيقةً وصائبةً أحيانًا، وقد تحتوي على أحكام مسبقة وضغائن، لكننا إن اعترضنا على الانتقادات، وطرحناها كلها جانبًا فقد أضَعْنا السمين مع الغث، فإن استطعنا بدلًا من ذلك أن ننظر باحترام وبقدر معين إلى النقود النحاس والحديد بل والمزيفة إلى جانب النقود الذهبية والفضية فقد مهدنا الطريق للاستفادة منها هي الأخرى.

من جانب آخر إذا كنا نريد أن تُحترم أفكارنا وآراؤنا وتنال التقدير فعلينا أن نقدر أفكار الآخرين وآراءهم حق قدرها، وإن كنا نريد مقابلة المعقول بطريقة معقولة فعلينا أولًا أن ننظر إلى أفكار الآخرين غير المعقولة وكأنها معقولة، وبمعنى أصح: يجب علينا أن نبحث عن جانب معقول في هذه الأفكار؛ ففي مثل هذه القضايا ينبغي التخلي عن الإساءة والفظاظة، ولا بد من مراعاة اللين والدفء في تصرفاتنا وسلوكياتنا، وفتح صدورنا حتى للأفكار التي تبدو مخالفة لنا.

والحقيقة أنه لا مكان في الإسلام للأفكار القاسية غير المهذبة ولا المنقحة، لقد تناول الإسلام بعض الأفكار وعالجها وشكلها وجعلها على نحو يسهل دخولها منه إلى كل قلب، هذه هي الطريقة التي يجب أن نستخدمها في النقد، فإذا استطعنا أن نكون رَحْبِيِّي الصدور، ونتبنى مبدأ احترام الحق، ونتحمل الأفكار المختلفة فسنحول دون أن تكون بعض الانتقادات سببًا للصراع والشجار.

ذات مرة اقترحت على الأصدقاء أن يتخذ كل واحد منهم أخًا ينصحه وينبهه إلى أخطائه، وليقل له: “يمكنك بكل سهولة أن تخبرني بكل الأخطاء التي تراها تقع مني فيما يتعلق بديني وحياتي الدينية، وما أقوم به في عملي وعلاقاتي الإنسانية”؛ لأننا عندما ننظر إلى حياة ساداتنا الصحابة، نرى أن بعضهم كان يُصارح بسهولة شديدة البعضَ الأخر بأخطائه، وإن لم تكن لدينا معلومات قاطعة بوجود مثل هذا الاتفاق بينهم، فهم بالنسبة لنا نجوم ومصادر نور تضيء طريقنا في ليالينا المظلمة.

***

[1] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، 7/152.

[2]  البيهقي: السنن الكبرى، 7/380.

الجَرَّة المشروخة: سبيل النجاة من الضلال والخسران

Herkul | | العربية

   سؤال: يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة الكهف ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (سورة الْكَهْفِ: 18/103-104)، ورغم ما يبدو لنا من أننا محاطون بدائرة صالحة؛ فما الأمور التي ينبغي علينا الانتباه إليها في حياتنا الدينية وخدمتنا الإيمانية، حتى لا نكون من “الأخسرين أعمالًا”؟

   الجواب: بادئ ذي بدء دعونا نتوقف قليلًا مع الآية القرآنية الكريمة التي ذكرتموها، فالآية تبدأ بلفظ “قل” وفي هذا إشارة إلى أن المقصود بالآية هو من عاند وأصر على الضلال فبقي بعيدًا عن الموضع الذي ينبغي أن يكون فيه.

ثم تقول الآية الكريمة “هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا”.. فكلمةُ “أَعْمَالًا” هنا جاءت بصيغة الجمع لتشمل جميع أشكال الطاعات من عبادات ومعاملات وأخلاق وكل الأعمال من حركات وسكنات وأطوار مختلفة، وهذا يذكرنا بما جاء في الحديث الشريف عن الرسول صلى الله عليه وسلم “اَلْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً” (رواه الشيخان)، ويمكننا أن نقول إن كلمة “أعمالًا” في الآية الكريمة تستوعب كل شعب الإيمان.

أما قوله تعالى “بِالأَخْسَرِينَ” فكما هو معروف من قواعد اللغة العربية جاءت الكلمة هنا بصيغة “اسم التفضيل” ولذلك فهي تعني “أكثر المتضررين، والذين يعيشون حالة تامة من الضياع، أو هؤلاء الذين كل أعمالهم تسوقهم إلى الخسران حتى كأنهم اتخذوا عرشًا لهم في قلب وادي الخسران”.

تقول الآية الكريمة بعد ذلك “الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا” فهؤلاء ضاعت كل أعمالهم واجتهاداتهم، واستحالت هباءً منثورًا، هذا ما تفيدُه الآية لتضيف بعد ذلك “وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا”.

والمعاني الواردة في الآيتين الكريمتين تفيد معاني مختلفة ومتفاوتة، كلٌّ حسب درجته وموضعه؛ فبالنسبة لأهل الشرك والكفر فإنّ هاتين الآيتين تتناولهما على النحو التالي: إنهم يعتقدون أنهم يعملون من أجل تحقيق الرفاهية الدنيوية ويقومون بمختلف الفاعليات والأنشطة، وكذلك وفقًا لتصوّرهم فإنهم يعملون على مساعدة الناس وتسهيل حياتهم وإعطائهم الإمكانات اللازمة لذلك، ولكنهم أثناء فعلهم ذلك يهملون أمورًا في غاية الأهمية ويغفلون عن الأساسيات الضرورية من إيمان بالله عز وجل، وتنفيذ ما أمر به الدين الإسلامي من أوامر، ونشر وترسيخ الأخلاق العالية بين الناس، واحتضان كل الناس بل كل الموجودات بالشفقة والرحمة.

فهم يغفلون عن كل هذه الأمور المهمّة وينكبّون على الأمور الدنيوية المادية ويكتفون بها، ليس هذا فحسب بل إنهم يعتقدون اعتقادًا جازمًا أنهم يقومون بأمور عظيمة ومهمّة، بينما هم في الحقيقة في ضلال وخسران كبير لعدم امتثالهم لأوامر الله ونواهيه، وعدم تمثيلهم لما وضعه الإسلام من جماليات، وهم لا يخدعون إلا أنفسهم باعتقادهم بأن ما يقومون به من أعمال هي من قبيل الأمور الجليلة، وذلك لأن كل ما يقومون به لن يجلب لهم أية فائدة أخروية.

ومن ناحية أخرى فإن هذه الآية القرآنية الجليلة تتوجه بالخطاب لأولئك المؤمنين المذنبين الذين لا يستطيعون التجرد أبدًا من الذنوب والآثام ويقضون حياتهم في تخبّط دائم، فمثل هؤلاء يكتفون بعبوديتهم لله سبحانه وتعالى بصلاة الجمعة من كل أسبوع، اعتقادًا منهم أن هذا وحده كاف لنجاتهم، بالطبع لا يمكن التقليل من شأن أي عمل يتم في سبيل الله، فمثلًا إن كان هناك إنسان على قارعة الطريق وجاء أحدهم بعربته فأقلّه إلى حيث يريد، فقد يكون هذا العمل ذو قيمة كبيرة عند الحقّ جل وعلا، فما بالنا بأداء شعيرة من شعائر الإسلام كصلاة الجمعة! لا يحق لأحد أن يستصغر قيمتها على الإطلاق، لكن إن كان الشخص يربط تقييمه للنجاة الأخروية بمعاييره غير المنضبطة، ويغض الطرف عامدًا عمّا وضعه الله سبحانه وتعالى من معايير فهو مغبون ويخدع نفسه، ولذلك فكما أن الكافر يقيم عرشًا لنفسه في قلب وادي الخسران، فمن المحتمل أن مثل هذا الشخص يقيم لنفسه عرشًا في وادي الضلالة.

وإذا عدنا للسؤال، فبالطبع هذه الآية تتوجه أيضًا بخطابها لمن نذرو قلوبهم للخدمة وغايتهم العليا هي إعلاء كلمة الله جل وعلا، فلو أنهم لم يتمسكوا بأصول الدين ولم يتخذوا القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة مرشدين لهم في الطريق، ونسو هدفهم ومقصدهم الأصلي، فبدون أن يشعروا سينحرفون عن الطريق ويمكن أن يعيشوا مثل هذا الخسران، فمثلًا يقوم هؤلاء بفتح بيوت ومراكز ثقافية، ومراكز للحوار، أو مدارس تعليمية أو أنهم هاجروا من ديارهم وأوطانهم وتوطنوا في بلاد جديدة من أجل تحقيق معنى الجهاد في صورته الأصلية المتمثلة في إعلاء كلمة الله، والغاية من هذا النوع من الخدمات هو ترسيخ اللبنة الأولى في سبيل شرح الحق والحقيقة للناس، وتذليل الصعاب أمام القلوب للوصول إلى الله سبحانه وتعالى، وتأمين محبة الله عند الخلق، وكنتيجة تأمين رضا الله عليهم وحبه لهم؛ فما يتم تحت اسم الخدمة من فاعليات وما يتم إنشاؤه من مؤسّسات تعد وسائل مهمّة لتحقيق هذا المعنى من الجهاد، وهكذا فالمسألة الأصلية هنا هي استخدام هذه الوسائل والوسائط الاستخدام الأمثل لتحقيق هذا المقصد.

وفي حالة تجاهلنا هذه الحقيقة ونسيانها، وشروعنا في الحديث عن أنفسنا عبر الأنشطة والمشاريع المقامة باسم الخدمة، والرغبة في نيل التقدير والثناء، والتطلع لأن يُشار إلينا بالبنان، وأن نرهن نجاحاتنا بالتقدير والتبجيل فعندها نخسر نحن أيضًا -حفظنا الله- الدنيا والعقبى، ونُهدر جميع الخدمات التي فعلناها دون أن نشعر ألبتة.

أما السبيل إلى الثبات على الاستقامة في هذا الأمر فهو: قد يستعملكم الله تعالى في أمور مهمة للغاية، وربما تحققون نجاحات أبلغ من أسلافكم، لكنه حتى إزاء نجاح كهذا يجب القول: “ربما لو كان هناك آخرون مكاننا لبلغوا بهذه الأعمال إلى ما هو أبعد، فماذا عسانا أن نفعل وهذه هي قدرتنا وطاقتنا! نسأل الله أن يعفو  عنا؛ لقيامنا بالعمل مكان أناس أكفأ وأفضل منا، وعجزَنا عن رسم البسمة على وجه الإنسانية كلها”.

ولكن إذا ما أُهمِلَت هذه الملاحظات، وطُلب في هذه الدنيا الحصول على التصفيق والتقدير مكافأة على ما أُنجز، وتم الاستسلام للكبر والغرور إزاء ما تحقق من نجاحات عندئذ تتحقق الخسارة بينما يُرجى الفوز والفلاح، ولا سيما أن الانخراط في تصرفات وحركات من قبيل استغلال المناصب والمواقع لصالح المصالح الشخصية، وإقامة دواليب المصلحة من خلالها، واستخدام رصيد المحبة والمكانة عند الله في سبيل تحقيق الثراء، والانكباب وراء الرغبة في العيش مثل الملوك باستغلال الإمكانيات المتاحة، واللهث لامتلاك السيارات الفارهة والقصور الفاخرة، وهو ما يمكن اعتباره ضلالًا وخسرانًا تامًّا، وهذه صفاتُ غير المؤمنين -حفظنا الله- ففي هذه الحالة قد يدخل المرء تحت إطار “الأخسرين أعمالًا”.

بالطريقة نفسها، ينطلق بعضهم بأفكار ونوايا جيدة مثل حماية الوحدة الروحية، وتوفير النظام والانتظام، ومضاعفة الخدمات، ويعتقدون أنهم يقومون بأعمال جيدة لتحقيق هذه الأفكار.. غير أنهم يتخبطون يمنة ويسرةً خبطَ عشواء ولا يتركون قلبًا إلا وقد آلموه وكسروه بسلوكهم الفظ الغليظ، ولا يمنحون أحدًا الفرصة للحديث عن خطئهم؛ لأنهم لا يستطيعون تحمل ذلك، وحتى وإن حسِبوا أنهم بطريقتهم هذه يفعلون خيرًا للأمة، فقد أسسوا بنيانهم على الخسران لأنهم اتصفوا بصفات الكافرين.

يا له من خسران أن تضيع هباءً كلُّ أعمال شخص يعتقد أنه يقوم بأعمال طيبة في هذا العالم، وأنه يصب ثواب هذه الأعمال الصالحة في حوض فيرسله إلى الآخرة ليحصل على ثوابه يوم القيامة، ثمّ يرحل إلى الآخرة مفلسًا من الحسنات؛ لأنه أدخل الرياء والسمعة في أعماله، وأسّس بكل هؤلاء عالمًا من المصالح في الدنيا!

والطريق إلى تجنب كل هذه الأخطار والبعد عنها هو الإخلاص في جميع الأعمال، وإذا كان الناس يثقون بكم، ويدعمونكم بإمكانياتهم، وتقومون ببعض الأنشطة منفتحين على جميع أنحاء العالم فيجب عليكم القيام بكل هذه الأعمال لوجه الله تعالى فقط، وينبغي ألا تخلطوها بأية حسابات دنيوية..

بالطبع سوف تنشئون المدارس والجامعات ومراكز التعليم والمراكز الثقافية ومراكز الحوار، ولكنكم ستستخدمونها في سبيل غايتكم المثالية فحسب، ولا شيء غير ذلك، ومن خلالها تشاركون الآخرين مشاعركم وأفكاركم، وعبر الاستفادة من هذه الوسائل واستثمارها تُفيضون إلهامات قلوبكم في صدور الآخرين، وتضمنون أن يطلع الآخرون ويتعرفوا على قيمكم الخاصة، وستأخذون في الوقت نفسه ما يمكنكم الحصول عليه من محاسن لدى الآخرين وتستفيدون منها من أجل تطوركم، هذه هي واجباتكم، لكنه وبما أن روح الأفعال هي الإخلاص والصدق، فلن تتطلعوا إلى أية منفعة مادية ولا معنوية في أثناء القيام بذلك، سوف تتصرفون باستغناء كامل وشعور تامٍّ بالتضحية والتفاني.

وزبدة القول إنه يجب على من يُكرسون أنفسهم لخدمة الإنسانية -مهما كان المجال الذي يخدمون فيه- أن يتبعوا طريق الأنبياء العظام، وألا يتشوفوا ولو حتى لقدر ضئيل من المكافأة على خدماتهم، حتى وإن افتُرض أنهم اقتلعوا الجبال من جذورها، وغيروا مدار الكرة الأرضية، ومنحوا النظام الشمسي شكلًا مختلفًا، فإن هذه الخدمات ستضيع جميعًا ولن تحقق من ورائها أية فائدة إذا كانوا يتشوفون إلى مكافآت مادية وروحية مقابلها، هذا هو أساس طريقنا، فإذا كان هناك من يميلون إلى الخروج عن هذا الإطار فعليهم مراجعة أنفسهم مرة أخرى، وإلا فقد يخسرون حيث يظنون أنهم يربحون.

 

الجَرَّة المشروخة: مساعدة المحتاجين بعيدًا عن الأنانيةُ الجماعية

Herkul | | العربية

   سؤال: من أهم ما يميز حركة الخدمة “مدّ يد العون إلى الآخرين”، فما أهم الفعاليات التي يتوجب القيام بها لتحقيق هذه الميزة وتفعيلها؟

   الجواب: الإسراع لمساعدة المحتاجين هي أبلغ دعوة لاستجلاب عناية الله عز وجل، ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ[1].

وفي حديث آخر يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ[2].

   صنوف العون

ولقد استطاعت جمعية “هل من مغيث (Kimse Yok mu?)”[3] أن تسدّ حتى اليوم ثغرة مهمة في هذا الميدان، ولكن علينا ألا نكتفي بالفعاليات التي تقوم بها.. والواقع أنه يجب على الجميع أن يؤسس مثل هذه الجمعية الخيرية في عالمه الذاتي، وأن يهرول لمساعدة الآخرين، وإذا أخذنا بعين الاعتبار كلَّ صنوف العون وأشكاله وأنواعه سنلحظ أن فعالياته تجري في إطارٍ ضيّق؛ لأن تقديم المساعدات المادية للمحتاجين ما هو إلا نوع فقط من أنواع الإعانة، فلو أننا فكرنا في الأمر من نواحيه المادية والمعنوية والدنيوية والأخروية فسنجد أنه يتعدّى إلى نطاق أوسع كثيرًا.

ولهذا يجب ألا نقنع بمدّ يد العون إلى الذين يعانون من الأزمات المادية فقط، بل يجب إلى جانب ذلك أن نسعى إلى إعانة الذين يعيشون في خضمّ الأزمات المعنوية، ويتلوَّوْن من الضغط والضيق، ويئنّون من الأزمات النفسية، وأن نبثّ الأمل والاطمئنان والسكينة في نفوسهم، وأن ندلّهم على طريق الحياة المطمئِنّة الآمنة.

فإذا ما نظرنا إلى المسألة من هذا المنظور الواسع لألفينا كل الناس في المجتمع مكلفين بمد يد العون إلى غيرهم؛ كلًّا حسب وضعه وموقعه، فكما أن الذي آتاه الله مالًا يستطيع تقديم العون إلى المحتاجين من خلال مساعدته المادية، فكذلك الطبيب يمكنه إعانة الناس من خلال العمل على تخفيف آلامهم، وكذلك الشرعيّون يستطيعون إعانة غيرهم من خلال إسداء النصيحة لهم، وعلى الشاكلة نفسها الأخِصائيون النفسيون يمكنهم أن يكونوا مرشدين لمن يعيشون في أزمات نفسية.

أما أهمّ هؤلاء فهم الذين يعملون على التقاء القلوب بربها وفوزها بآخرتها؛ وذلك من خلال إزالة العقبات التي تحول بين العباد ورب العباد سبحانه وتعالى. أجل، يجب على الذين عشقوا الحق تبارك وتعالى ونذروا أنفسهم لإعلاء كلمته أن يمدوا يد العون إلى الذين يجهلون الطريق، وانقطعت بهم السبل، فتاهوا في منعطفات الأودية بدلًا من السير على الجادة.. وكما أن الأزمات الدنيوية تعتبر من أكثر العقبات التي تمنع القلوب من الالتقاء بالله، وتحول دون تفكيرها في الآخرة فإن الجهود والمساعي المبذولة من أجل التخلص من هذه الأزمات تدخل -بمعنى ما- ضمن الأمور التي تساعد على التقاء القلوب بالله سبحانه وتعالى، وإن قضاء حوائج الناس المادية والمعنوية هو جسر مهم ينقذ الناس من الاشتغال بالأمور البسيطة التافهة، ويقربهم من الله سبحانه وتعالى، وإن أيّ دعم لمن يعانون الفقر والضيق سيكون عاملًا مهمًّا في تيسير استجابتهم للدعوة في سبيل الله.

والواقعُ أن تقديم الدعم المادي والمعنوي هو مسلك الأنبياء العظام عليهم الصلاة والسلام، فلو ألقينا نظرة على حياته السنية صلوات ربي وسلامه عليه لوجدنا أمثلة كثيرة على ذلك؛ فقد ظل صلى الله عليه وسلم طوال حياته يسعى إلى مساعدة الناس ورعاية المحتاجين على الدوام بصفته موظّفًا عزيزًا كريمًا من قِبل الله تعالى، حتى إنه لم يكن يردّ سائلًا ألبتة، إن كان معه أعطاه، وإلا وعده بالإعطاء، وفي الوقت ذاته لم يقصِّر في أداء كلِّ ما يلزم لإزالة العراقيل بين القلوب وربها، وإعانة القلوب على الوصول إلى الله والالتقاء به سبحانه وتعالى، حتى إنه في خطبة الوداع وقف صلوات ربي وسلامه عليه أمام الحشود الهائلة فأشهَدَهم وسألهم قائلًا: “هَلْ بَلَّغْتُ؟” ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فردّ الجميع في نفس واحد وكأنهم جوقة موسيقية: “نَعَمْ”، فقال عليه الصلاة والسلام: “اللَّهُمَّ اشْهَدْ“.

ولعلنا نفهم هذا السؤال النبوي الذي ينطلق من الشعور الكبير بالمسؤولية عند تفسيره على النحو التالي:

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه يقول لهم: “هل أديتُ مهمّة الرسالة بحق؟ هل أنا أبلغتُ دعوة الله بحق؟ هل ساندتكم بحق؟ هل دللتُكم على الحق بكل وضوح؟”، وهكذا فإن كلَّ إنسانٍ حسب موقعه ومستواه مكلّف بحمل مثل هذا الشعور بالمسؤولية، وبمحاسبة نفسه، وهل يا تُرى أدَّى حق الموقع الذي هو فيه أم لا؟ فمثلًا عليه إن كان واعظًا أن يسأل الناس بعد مرور عشر سنين أو عشرين سنة عن أفكارهم ومشاعرهم، قائلًا لهم: هل أديتُ وظيفتي نحوكم؟ أتشهدون على ذلك؟ لأن مثل هذا التصرف له أهمية بالغة من أجل الخلاص من براثن المسؤولية؛ فيجب على الإنسان ألا يدع مثل هذه الشهادة إلى ما بعد وفاته، بل ينبغي له وهو ما زال حيًّا يرزق أن يحاسب نفسه، ويعاني من التفكير وسؤال النفس هل أدى وظيفته بحق أم لا، وأن يكشف عن هذه المشاعر للرأي العام، وأن يُشهدهم على ما فعل، وينطلق بشهادتهم إلى الحق سبحانه وتعالى.

أجل، إن مدّ يدِ العون إلى الناس حسبَ حاجتهم وعدم ردّ الأيدي التي تمتد طلبًا للمساعدة؛ هو مطلبٌ إنساني وخُلقٌ إيماني، وكما يمكن أداؤه بالجهود الفردية يمكن كذلك القيام به عن طريق بعض الجمعيات كجمعية: “هل من مغيث؟”، فمن خلالها وأمثالها يمكننا مساعدة الفقراء والمحتاجين، والركض لإغاثة الملهوفين، والأخذ بيدِ مَن تقطّعت بهم السبل؛ فإن فعلنا ذلك تفضل الله تعالى علينا -وهو سند من لا سند له- بعونه وإعانته في أكثر أوقاتنا احتياجًا، ولقد ظلّ متطوّعو الخدمةِ يقومون حتى الآن بمثل هذه الفعاليات، وسيستمرون على ذلك بعون الله وإذنه فيما بعد.

   تجنّب الأنانية الجماعية

أُريد أن أتوقّف ههنا مع موضوع مهمٍّ من وجهة نظري، إن مثل هذه الأعمال الخيرية وتقديم المساعدات يجب ألا يُبتغى من ورائها سوى إعانة المحتاجين وبالتالي الفوز برضا الله سبحانه وتعالى، ويجب التجرد من أي أفكار أخرى تخرج عن هذا الإطار، وعدم استخدام تلك الأعمال الخيرية كوسيلة لنيل الشهرة أو الوصول لمنفعة دنيوية ألبتة.

فهل يا ترى استطعنا أن نصل إلى تلك الدرجة من الإخلاص ونحن ننجز تلك الأعمال؟ أم أننا ضحينا بتلك الأعمال الميمونة من أجل نيل الشهرة أو الشرف؟ إنني لا أريد أن أسيء الظن بأحد، ولكن ينبغي لنا ألا نغض الطرف عن ذلك التقصير الذي نرتكبه أحيانًا، فمع الأسف قد تُنسب بعض الأعمال الجميلة الخادمة للإنسانية إلى الأنانية الجماعية، فحينها تتسبب هذه الأنانية الجماعية في إظهار الحقد والكره لدى الذين لا يحبون الدين، وفي نفس الوقت تثير مشاعر الغبطة والحسد لدى بعض المسلمين المبتدئين الذين لم يصلوا بعد إلى درجة الإيمان الحقيقي.

ونتساءل هل يا ترى يمكن القيام بهذه الخدمات دون نسبتها إلى فلان أو علّان؟ لو اعتقدنا أنه يمكن تنفيذها بدون نسبتها لأحد ولم نفعل، إذًا فقد ارتكبنا خطأً منهجيًّا، وهذا الخطأُ قد أوقعَ الذين يُضمرون العداوة لنا في فخ ممارسة العدوان علينا، وأوقع أهلَ الإيمان بفخّ الحسد، وعلى ذلك يظهر في مواجهتنا أناسٌ لا يستسيغون وجودَنا، تراكمت في نفوسهم مشاعرُ الحقد والكره؛ حتى صار كلُّ ما يشغلهم في قيامهم وقعودهم هو القضاء على تلك الخدمات المنتشرة في ربوع الأرض شرقًا وغربًا.

يا ليتنا كنا مسمّى بلا اسم، ويا ليتنا قمنا بأضعاف تلك الأعمال ولكن بلا عنوان وبلا اسم، إننا لو نظرنا إلى عصور الإسلام الأولى لوجدنا كثيرًا من الأمور تم إنجازها وأداؤها وكانت عبارة عن مسمى بلا اسم، فرغم أن المسلمين في ذلك العصر وصلوا إلى قمة الزهد والتقوى والورع والإخلاص إلا أننا لم نرَ لا منظّمات ولا مؤسّسات ولا طرق ولا حركات، وإلى القرن الثالث الهجري لم يكن هناك لا طريقة نقشبندية ولا طريقة قادرية ولا رفاعية، ففي تلك القرون الثلاثة الأولى كان المسلمون لا يحيدون عن أوامر الله قيد أنملة، وكانوا يحيون حياة القلب والروح بكل أعماقها ودقائقها؛ دون أن يعرفوا معنى الصوفي أو يدرسوا التصوف أو أن يكون لديهم علم بالطرق أو يدخلوا التكايا والزوايا .

وهذا لا يعني أنني أتهم هؤلاء الذوات الذين أنشؤوا تلك الطرق وأقول بأنهم مبتدِعة.. بالعكس، فكل واحد من هؤلاء اتخذ طريقًا ومسلكًا منشؤه خصوصيات الرسول صلى الله عليه وسلم أو خصوصيات الخلفاء الراشدين، ولقد أخذ هؤلاء الظروف التي عايشوها بعين الاعتبار فمنهم من جعل الخلوتية مشربه، ومنهم من جعل الجلوتية مرتكزه.. ومنهم من أصبح ذكره جهريًّا ومنهم من أصبح ذكره خفيًّا.

ولقد ظل هذا المسمى الذي كان موجودًا دون اسم حتى العصر الثالث الهجري، ثم وضعت الأسماء رويدًا رويدًا فظهرت بعض الأنانيات الجماعية دون شعور، وبدأ ينتشر في المجتمع ما يسمى بالانتماء لفلان وفلان.. ورغم أن المؤسسين الأوائل بريئون من ذلك -فهم كالتاج فوق رؤوسنا- إلا أن الخلف تسربت إلى نفوسهم نسبةُ ما يقومون به إلى الأنانية الجماعية، ونشأ عن ذلك أيضًا ظهور الانقسام داخل المجتمع، حيث بدأ الجميع يتحدث بصيغة “نحن” و”أعمالنا”، وأصبح تقييم الناس على أساس هل هذا الشخص ينتسب إلى حزبنا أو منهجنا أو طريقتنا أم لا؟ ولا ريب أن هذا الانحياز قد صاحبه شيء من الظلم والجور.

فبما أنكم لم تصلوا إلى المستوى الذي وصل إليه عبد القادر الجيلاني، ومولانا خالد البغدادي، وشاه نقشبند… في الزهد والورع، فإنه لَـخَطر العظيم أن تعتمدوا في أفعالكم على انتسابكم لهذا أو ذاك، بل إن الفرد لو لم يأخذ حذره وينتبه فإن الأمر يكون بمثابة السم الزعاف، وهؤلاء الذوات الكبار حتى وإن لم يرتكبوا مثل تلك الأخطاء فإن اتخاذ النسبة والانتماء إليهم أساسًا للقيام ببعض الأعمال يوقع عوام الناس من أمثالنا في ورطات خطيرة، وطريق السلامة من تلك المهالك هو معاملة جميع المنتسبين للطرق المختلفة وللمشارب المتباينة بمعيار واحد، واحتضان الجميع وإظهار المحبة لهم، وتقدير كل عمل جيد يقومون به.

ولكنني أرى في نفس الوقت أن أسلم طريق وآمنه هو أن نكون مسمى بلا اسم، ليتنا اتخذنا هذا المعيار فيما قدمنا من خدمات! ربما حينها ما كان الناس ليتوقفوا عند نسبتها إلى هذا أو ذاك وكانوا سيُقبلون على الأعمال الخدمية هذه ولا يبتعدون عنها، وفي الأساس فإن هذا المنهج هو الذي يتناسب مع حقيقة الأمر؛ لأن كل الخدمات الجيدة التي قدمت لا يمكن نسبتها إلى فلان ولا إلى علان؛ فالمخطِّطُ لها وفاعلُها وخالقُها على الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى، وقد استخدم الله سبحانه وتعالى بعض الناس على وجه خاص لإنجاز هذه الخطة القدرية ولذلك لا يحق لأحد أن ينسب تلك الخدمات الجميلة لنفسه.

ويا تُرى هل اشتغلنا بموضوع الاسم كثيرًا؟ ولم نتجاوزه ونضعه خلف ظهورنا؟! إن الخالق جل جلاله يقول في سورة الكهف: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (سورة الْكَهْفِ: 18/20)، ألم ننتبه إلى النقطة التي تشير إليها هذه الآية! هل اشتغلنا بالاسم كثيرًا حتى أَثَرْنا حِقد الأعداء وحسَدَ الأصدقاء؟ إن مثل هذه الموضوعات يجب علينا أن نطيل الوقوف عندها والمناقشة والبحث.

والخلاصة، فكل خدمة تبتغي وجه الله سبحانه وتعالى وإقامة صرح الروح المبتغى، يجب أن تبتعد كلَّ البعد عمّا يمنع إتمامها، أما إذا اعتمدنا في هذه الأمور على الأنانية الجماعية وتضرّرت الخدمة، فيجب أن يكون موقفُنا نحن كمؤمنين على النحو التالي: إذا كانت أرواحُنا وأموالُنا -وليست الأنانية الجماعية فحسب- تعوق دون سير الخدمات فليسلبها الله منا كلها ولْتَبقَ الخدمة، والحقيقة أن رأيي أنا الفقير كان هكذا على الدوام، ودائمًا كنت أرفع أكف الضراعة إلى الله سبحانه وتعالى داعيًا “اللهم إن كان وجودي يضرّ بالخدمة فاقبضني إليك”.

ولأن المهم هو استدامة الفاعليات الخادمة للدين وللأمة ولكل الإنسانية فعندما نؤدي ما علينا ونرسل أطياف الإيمان إلى القلوب، وننشر نسمات المحبة والتسامح بين الناس، فلا حاجة لأن نُعرف ولا لأن يُحتفى بنا ولا لأن يُصفق لنا الناس، وإلا حينها سنكون أضعنا رضا الله من أجل تصفيق الناس، وهذا نوع من أنواع الشرك.. وطريقُ الانعتاق من هذا الشرك هو أن نقوم بما علينا من خدمات دون إثارة أية جلَبة، وأن نتجنب الأبّهة والعظَمة، ونسيرَ في طريقنا إلى الله بهدوء.. هذا هو طريقُنا ومسلكُنا.

 ولكن لا أستطيع الجزم بأننا حافظْنا على تلك الآداب والأركان، ربما أحيانًا أضَعْنا أعمالَنا بسبب جهلِنا وسذاجتِنا.

   التحرر من الشكل والنزول إلى الجوهر والروح

من المؤسف أن الأسماء في العديد من القضايا الدينية تقدّمت على المسمّيات كثيرًا في يومنا هذا، وأصبح كلُّ شيء يجري على الأسماء، وعندما يكون الأمرُ كذلك يتعذّر التغلّب على هذه النوعية من الأشكال والقوالب، ويتعذّر كذلك إدراك الجوهر والروح.

وكمثال على ذلك فالصلاة والصيام والزكاةُ يؤديها الجميع ولا يستهينُ بها أحد، بيد أنه إن تعذر التغلب على الشكلية في أدائها، وإدراكُ المعنى الذي تحمله، والإحساسُ بتعمق شعور العبادة في الوجدان، أي إنه حين يتعذر إدراك أنَّ كل واحدة منها بمثابة جسر يُوصّل إلى الحقيقة؛ يستحيل الانتقال من الاسم إلى المسمى، والارتقاءُ من الإسلام النظري إلى الإسلام القلبي والروحي، ويصعبُ السير قُدمًا إلى المنتهى؛ لا سيما أن الأسرار مثل السر والخفي والأخفى لا يمكن الإحساس بها قط، ذلك أن هذه العبادات وأمثالَها بمثابة قوالب وأظرفٍ وأردية للجوهر، والأساس هو السعي من أجل الوصول إلى ذلك الجوهر من خلال تلك القوالب، ومحاولة الإحساس به وتمثيله.

أجل، الأساس هو العمل على تطبيق الإسلام بمفهومه الحقيقي، والإخلاص التام، والقدرة على تشكيل النموذج والقدوة للآخرين في هذا، فإن كان القلب يلهج دائمًا بـ”الرضا” وينبض به، ويتحرى مراد الله تعالى في كل شيء فهذا يعني أنه يعيش إسلامًا حقيقيًّا، والأساس أن الحركة المنتظمة حول أشخاص معيّنين وكذلك ما تريد المؤسسات فعله هو عبارة عن هذا الأمر، والهدف الرئيس المُراد الوصول إليه خلف هذه الأسماء الظاهرة على الساحة هو تطبيق الإسلام بحذافيره وبحساسية بالغة، وتمثيله بالطريقة التي مثَّله بها سادتنا أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم أجمعين، ذلك أنه عند النظر إلى العديد من الأشخاص الذين كانوا يصلون مائة ركعة كل ليلة في العهد الأول، ويصومون صوم داود، ويختمون القرآن مرةً كل أسبوع، بل كل ثلاثة أيام؛ يمكننا القول إنهم أدَّوا وظيفة هذه المؤسسات تمام الأداء.

لكن الاسم بدأ يتقدم على المسمى مع مرور الزمن، وراح المسمى ضحية للاسم، والروحُ للجسد، والمعنى للقالب.. وكلما أُمعِن في الاسم تمادى الناس أكثر فأكثر بالأنانية الجماعية، وبدؤوا يفاخرون ببعض انتماءاتهم، وبعد أن التزموا طرقًا مختلفةً لصالح تطبيق الدين وتمثيله، بدؤوا يحوِّلون كل واحدٍ من تلك الطرق إلى مذهب يربطون كل شيء به، ويعتبرون ما يجب القيام به لصالح الدين عبارة عن هذه الأمور فحسب.. عندئذ أصبحت هناك حالة من العمى والصمم وقسوة القلب تجاه الجوهر والمعنى، وحين تم تقييم القضايا وتناولها من منظور الأنانية الجماعية شُرِعَ في القول بتقييمات ضيقة ومتعصبة إلى حد كبير من قبيل “من يلتحق بنا ويفكّر مثلنا ينجُ، ومن لا يتبع سبيلنا لا يُفلح”، وراح الدين وقيَمُه الحقيقيّة يتعرّضان للغدر ويُستهان بهما.

من ناحية أخرى فإنَّ التحرك التزامًا بالأنانية الجماعية يتسبب في نسبة بعض النجاحات والإنجازات إلى فلان وعلان، وبالتالي إلى نسيان الله تعالى، وبينما الأصل هو التقرب إليه تعالى خطوة في كل شيء مرئي ومسموع ومتذوق، والقدرة على رؤية يد قدرته خلف كل حادثة، والقدرة على قول “هو” دائمًا عبر إفناء الذات؛ فإن من يتحركون وقد سيطرت عليهم الأنانية الجماعية لن يستطيعوا قول هذا، وسيشرعون في الابتعاد عن جوهر الأمر.

إن أخطر أحوال الابتعاد هو عدم الفطنة إلى ذلك الابتعاد؛ لأن الإنسان إذا أدركَ ابتعاده فإنه يفكّر في تلافيه بطريقة ما، ويتوجه إلى الله بالتوبة والاستغفار من جديد، إلا أنه من الصعب أن يتراجع عما ارتكبه من خطإٍ ما لم يكن يدرك ذلك الخطأ، ولا سيما إذا كان يرى الصدق والصواب لدى المجموعة المرتبطِ بها فقط، ولا يستطيع أن يرى مثل هذا الصدق والصواب عند سواها، وكان يعزو الأشياء التي يفعلها في كل المجالات -إدارية ودينية وغيرها- إلى نسبته وارتباطه بالمجموعة وإلى فلان وعلان فيها؛ فهذا يعني أنه ينحدر إلى الهاوية دون أن يدرك على الإطلاق، وبعبارة أخرى: رغم أن الطرق المؤدية إلى الله تعالى كثيرة بعدد أنفاس المخلوقات؛ فإن رؤيةَ إنسانٍ الطريقَ الذي سلكه فحسب من تلك الطرق، وعدمَ اعترافه بشيء صحيحٍ خلافه، واعتبارَه كلَّ الطرق الأخرى باطلةً -حفظنا الله- قد يتسبب في هلاكه.

وسبيلُ البعد عن خطر كهذا يتمثل بالدرجة الأولى في تجديد الإيمان باستمرار، وتقوية الصلة بالله، وتقديم رضاه تعالى على كل شيء، إلى جانب هذا أيضًا يجب على الإنسان ألا يتعلق بالخدمات التي اضطلع بها بنفسه وألا يعول عليها، وعليه أن يشجع الخدمات التي ينجزها الآخرون، وألا يتجاهل أنشطة من يخدمون بطرق مختلفة في شتى بقاع الدنيا، بالعكس يجب عليه أن يبحث عن سبل للعمل سويًّا معهم، والمضي قدمًا إلى الأهداف المشتركة.

ثانيًا، إن من يمدحون الأنشطة والمشاريع النافعة للإنسانية والتي تعدها بمستقبلٍ زاهر، ويثنون عليها ويروجون لها؛ يجب ألا يكونوا هم القائمين بها، فإن كان في هذه الأعمال جانب يستحق أن يُعظم ويُفخّم فيجب أن يقوم بذلك الآخرون؛ وعلى الآخرين ألا يمدحوه إلا إن كان يستحق المدح والثناء، والأكثر من ذلك أيضًا أنه يجب أن تُردَّ كل هذه المحاسن وتُعزى إلى الصاحب الحقيقي جل جلاله لكل أنواع الحسن والجمال ، وإن كانت ثمة أشياء تُعزى إلى بعض الناس -بمقتضى السنن الفطرية- فيجب أن يُقال من الأعماق وبشكل صادق تمامًا “ليس لنا تدخل في الأمر، لو لم يهيئ الآخرون الأرضية لذلك، ولم تُهَيَّأ الأذهان في هذا الشأن؛ لما استطعنا نحن أن ننجح في هذه الأمور”، وهذا تصرُّفٌ ضروري إحقاقًا للحق، واحترامًا لله، وتجنبًا لإثارة مشاعر الحقد والحسد لدى الناس، وإلا فإن الإخلاص يكون قد تعرض للخدش من جانب، وأُخِلَّ بأمن الطريق من جانب أخر.

   الفيروسات القاتلة للإنسان

إن من عجزوا عن التمسك بحبل وثيق وعن الحصول على قوامهم المعنوي خاصةً قد يتطايرون يمنة ويسرة ويهلكون مثل أوراق الشجر التي حل عليها الخريف، فهناك أنواع شتى من الفتن تؤدي بِقَدَمِ الإنسان أن تزل، فمثلًا إن كانت القوة الواجب استخدامها في تقويم الظالمين، وتخفيف آلام المظلومين، ومد يد العون إلى المحتاجين وإعانة الحق وإنهاضه تُستخدم في سحق الآخرين، وتُسخّر لصالح المنافع الشخصية، فتُعمي الإنسان عن الحق والحقيقة، فإن قوَّةً كهذه تُعتبر بالنسبة للإنسان فيروسَ بلاءٍ من الله تعالى.

وبالشكل نفسه فإن الشهرة والسُّمعة والصيت الذي يمكن استخدامه كرصيد لدى الناس لإبلاغهم بالحق والحقيقة وإرشادهم إلى الطريق الحق إن كانت تستخدم كوسيلة لإرضاء مجموعة من الأهواء والرغبات الشخصية وتجعل الإنسان يتشوف إلى تقدير الآخرين وإجلالهم له فهي مصيبة أخرى بالنسبة للإنسان. ويصف الأستاذ بديع الزمان شهرة كهذه بمقولة “عسل مسموم”، ذلك أننا نشاهد بكل أسى وحزن كثيرين من المشتاقين للشهرة والمبتلين بها في يومنا الحاضر يتسمّمون ويهلكون أمام أعيننا.

الشهوةُ الجنسية سيفٌ ذو حدين، تمامًا كالقوة والشهرة، يمكن أن تكون نعمة بالنسبة للإنسان ويمكن أن تكون فيروسًا قاتلًا أيضًا، فإن استُخدمت في إطار الدائرة المشروعة من أجل استمرار النسل كانت نعمةً عظيمة، ولكن إنْ دخَل الإنسانُ في البوهيمية غير مكتفٍ بالمتع واللذائذ التي في إطار الدائرة المشروعة، وانحرف إلى مختلَف طرق الإشباع في الدائرة غير المشروعة كانت الشهوةُ بلاءً بالنسبة له، ولقد هلك كثيرون في زماننا بسبب فيروس الشهوة، كما أن البعض استفاد من نقطة الضعف هذه فاستغلّها لدى الآخرين وأسَرَهم ورهنَهم من خلالها، ثم استخدمهم في الاتجاه الذي أراده.

كذلك الثروة المُكتسبة من طريق مشروع، والمستخدمة في سبيل إعلاء الإسلام الدين المبين، ومساعدة المحتاجين في المجتمع تعتبر نعمة عظيمة بالنسبة للإنسان، بينما الثروة المُكتسبة من طرق غير مشروعة والتي تجعل الإنسان وقحًا ترِفًا فهي بلاء.. وعند النظر إلى أحوال المساكين الذين يستغلون المناقصات وجميع إمكانيات الدولة لحسابهم الشخصي، ويسيطرون على ثروات عظيمة في فترة قصيرة بينما هم جاؤوا من أماكن فقيرة عشوائية، ويستخدمون ثرواتهم تلك في إشباع رغباتهم التي لا تنتهي نفهم بصورة أفضل كيف أن الثروة تحولت إلى مصيبة، وكما أن الثروة كانت وسيلة لارتقاء أشخاص عظام مثل سيدنا عثمان رضي الله عنه ارتقاء مباشرًا إلى الله تعالى فقد تكون سببًا لأن يغرق آخرون في أعماق الأرض مثلما حدث مع قارون.

وهكذا فإن “الأنانية الجماعية” أيضًا قد تكون فيروس بلاءٍ، والحقيقةُ أنّ أناسًا يحملون شعورًا وفكرًا مختلفًا وبنفس الوقت يستطيعون أن يُشكِّلوا وحدة واحدةً عبر الالتفاف حول غاية وفكرة مثالية مشتركة ثم يستثمروا تلك الطاقة في الخير والبر لَيُعد نعمة كبرى بالنسبة لهم.. لكن إن كانت الأنانية الشخصية تكتسب مزيدًا من القوة عبر الأنانية الجماعية كما أشار الأستاذ بديع الزمان فإن المجموعة -التي يُفتَرَضُ أن تُشبه في الأساس نقوشًا مختلفةً في شريط زينة- تتحول إلى وسيلة للفرقة والصراع من خلال تهويل الفروق الدقيقة الفرعية بين الطرق والحركات، وحين يقع الناس في صراع من أجل الاستحواذ على المكان بدافع الحقد والحسد تصبح الأنانيّة الجماعية مرضًا اجتماعيًّا.

لقد تسلطت هذه النوعية من الاختلافات والفروق على شعوب ودول شتى منذ القديم، بل إنها دكت حتى أعظم الإمبراطوريات وخسفت بها الأرض.. يجب الانتباه إلى أن كل واحدة من هؤلاء كافية لإغراق الإنسان، ولا بد من مكافحة هذه الفيروسات والميكروبات، والسعي إلى تحويل وجهها إلى الخير والبر، فإن استطعنا النجاح في هذا كانت له نتائج خيرة ونافعة للغاية، وفي حال حدث العكس تسبَّبَت في هلاك الأفراد والمجتمعات على حد سواء.

***

[1] صحيح مسلم، الذكر، 38؛ سنن أبي داود، الأدب، 68.

[2] الطبراني: المعجم الأوسط، 6/58.

[3] جمعية “هل مِنْ مُغِيث؟ (Kimse Yok mu?)”: هي إحدى جمعيات العمل المدني العالمية المؤسسة في (03 يناير 2002م)، وكان يعمل معها عشرات الآلاف من المتطوعين، وهي كانت تقدم المساعدات الإنسانية في كل أنحاء العالم دون أدنى تمييز بسبب الدين واللغة والعرق والنوع، وكانت تمدّ يد المساعدة في محافظات تركيا كلها عبر 40 فرعًا لها، وفي 110 دول بالعالم، وهي عضو استشاري بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة (ECOSOC)، وقد فازت الجمعية في 10 يوليو بـ”جائزة البرلمان التركي لأفضل الخدمات المقدمة”، ومنذ عام 2010م وحتى اليوم وهي تعمل بالتعاون مع المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) من أجل توفير احتياجات اللاجئين في تركيا في مجالات مثل الصحة والتعليم والغذاء؛ وتأتي فلسطين وغزة على رأس المساعدات التي تقوم بها الجمعية خارج تركيا، ومنذ (2006م) وحتى الآن تزداد تدريجيًّا فعاليات المساعدات والمعونات التي تقدمها الجمعية في المنطقة، وقد اكتسبت صفة “الجمعية العاملة للصالح العامّ” بقرار مجلس الوزراء التركي الصادر في 19 يناير (2006م)، كما حصلت بقرار مجلس الوزراء التركي الصادر في 6 فبراير (2007م) على صلاحية “جمع التبرعات دون تصريح”، إلا أن هذه الصلاحية أُلغيت من التنفيذ بقرار مجلس الوزراء الصادر في 2014/09/22؛ فقامت الجمعية برفع دعوى قضائية ضد هذا القرار الأخير لدى محكمة مجلس شورى الدولة في 2 أكتوبر (2014م) تطالب فيها بوقف القرار من التنفيذ، وكانت لا تزال الإجراءات القانونية مستمرة ولكن أغلقتْ من قبل الحكومة في تاريخ 23 يوليو/تموز (2016م).

الجَرَّة المشروخة: معيارُ الاستفادة من النعم الدنيوية

Herkul | | العربية

   سؤال: مع تطور مستوى الرفاهية وزيادة الإمكانيات تزايدت درجة الاستفادة من النعم الدنيوية، فكيف يمكن تحقيق التوازن في هذا الأمر حتى لا ندخل ضمن شرذمة “المترفين” الذين ذمّهم الله عز وجل في القرآن الكريم؟

   الجواب: “المترفون” مصطلح قرآني يُطلَق على الغارقين كلّيةً في المتع والملذات، يأكلون ويشربون ويركنون إلى الدعة والخمول، يرتعون ويلهون كما يحلو لهم، ولا يعيشون إلا لتلبية الحاجات النفسيّة والجسمانية، وفيهم يقول ربُّنا سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (سورة الإِسْرَاءِ: 17/16).

وفي آية أخرى يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (سورة الأَحْقَافِ: 46/20)، وهذه الآية تذمّ الذين يُهدرون ما يملكون في الدنيا، ولا يستبقون شيئًا للآخرة، ولقد تنبّه أمثال عمر بن عبد العزيز وأبي ذر رضي الله عنهما لمضامينِ هذه الآية وما كان على منوالها؛ فاعتقدوا أنهم سيعيشون خسرانًا في الآخرة بقدر استمتاعهم بالنعم في الدنيا، أما إذا حافظ الإنسان على توازنه عند استعماله للنعم التي وهبها الله له، ولم يُسرف، وتجنَّبَ الترف والأبّهة؛ فلن يعيش حرمانًا في الآخرة.

وفي آيةٍ مشابهةٍ جعل الله تعالى إيثار الحياة الدنيا على الآخرة من خصال غير المؤمنين، فقال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ (سورة إِبْرَاهِيمَ: 14/3)، فإذا لم يعِ الإنسان للصيف شتاء، ولم يفكر على الأقل كالنملة في الاحتفاظ بحبات من القمح من أجل الشتاء، وأهدر كل النعم التي جناها في الدنيا، ولم يحتفظ بشيء لما بعدُ؛ فلن يبقى له شيء في الآخرة، وهذا يعني أن من أسباب الخسران في الآخرة أن يعتبر الإنسان الدنيا كلّ شيء، وأن يستنفذ كل الإمكانيات التي بحوزته دون تفكير في الآخرة، وأن يكيّف حياته وفقًا لهذه الدنيا، فيجعلها أكبر همه ومبتغى علمه.. وهكذا تشير هذه الآية وما شابهها من ناحية ما إلى خصال المترفين.

   العدالة الاجتماعية

ولقد عني الرأسماليون والشيوعيون وبعض العلماء المسلمين المتأثّرين بهم بمفهوم العدالة الاجتماعية عناية كبيرة، وقد يكون الحديث عن هذه المسألة والكتابة حولها أمرًا سهلًا ميسورًا إلا أنّ الأهمّ والأصعب هو تطبيقها؛ فعلى الناس أن يقتدوا في حياتهم بنبيّهم صلى الله عليه وسلم، ثم بالخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين، فهؤلاء لم يتخلّوا عن البساطة في حياتهم حتى في الوقت الذي أقبلت عليهم الدنيا بمتَعها وزخارفها عندما كانوا يحكمون الدولة؛ حيث جعلوا مستوى معيشة السواد الأعظم من الناس معيارًا بالنسبة لهم، فما يقتات منه الشعب وما يأكله ويشربه أقاموا حياتهم على أساسه، لم يلبسوا الألبسة الغالية، ولم يقيموا الموائد الفاخرة المتكلفة، بل أحيانًا كانوا يرقدون على الرمال في المسجد النبوي فتطبع على جنوبهم وأطرافهم.

وكذلك سار الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز على نهج الخلفاء الأربعة، وفي الفترة التي امتلأت فيها خزينة الدولة بالأموال وطفحت لم يغير قط من حياته البسيطة، وداوم على أكل الخبز والزيت، هذه هي حقيقةُ العدالة وجوهرُ الحقانية، إنه في مدّة خلافته التي استمرت سنتين ونصف أنجز من الأعمال ما يحتاج إلى مائة سنة، وأعاد النظر في النظام الذي أخلّ به مَن سبقوه من خلفاء بني أمية، ووضع النظام من جديد، ومع أفول شمس الخلافة الأموية في الشام بزغت شمسها مجددًا في الأندلس بفضل جهوده ومساعيه، فأقامت العمران، وظلت تنير أوروبا على مدى ثمانية قرون، حيث مهّد الله تعالى السبيل أمام هؤلاء العظماء الذين كانوا يراعون هذا القدر من الحساسية والدقة في حياتهم، ووفقهم إلى إحراز العديد من النجاحات الباهرة.

فإن راعى حكام الدولة وضعَ السواد الأعظم من الناس رغم وفرة الإمكانيات؛ فعاشوا على الكفاف وطبقوا القاعدة الذهبية التي جاد بها عمر بن عبد العزيز عندما قال: “خيرُ القصد عند الجدة”[1]، واستحبوا الفقر بإرادتهم؛ تحقّقت حينذاك العدالة الاجتماعية الحقّة.

أما إن استحوذت فئة من الأرستقراطيين على كل الثروات في المجتمع، فأقامت الموائد الفارهة، وارتدت الملابس الغالية، وعاشت الحياة الفاخرة؛ ثارت حفيظةُ الشعب وشهيّته، وإذا ما نظرنا إلى الثورات الاجتماعية في أوروبا وروسيا والصين في وقت ما سنلحظ أن السبب وراء هذا كله هو صراع الطبقات بين الأغنياء والفقراء، لقد تضجّر هؤلاء الفقراء من تداول الثروات بين أقلّيّة معينة، وللحيلولة دون ذلك جنحوا إلى ديكتاتورية البروليتاريا، لكن الأمر انقلب هذه المرة رأسًا على عقب، وأسفر الإفراط في هذه الناحية عن تفريطٍ في ناحية أخرى. وفي اللحظة التي حسبوا فيها أنهم حلوا المشكلة اتخذ الصراع منحى آخر.

وكما لاحظنا فإن شرذمة المترفين تدمّر عاقبتها من جهة، وتُشعل فتيل النزاع والصراع في المجتمع من ناحية أخرى، أما سبيل الخلاص من هذا فيكمن -كما أشرنا سابقًا- في أن يراعي الإداريون والأغنياءُ الوضع العام للمجتمع في حياتهم ونفقاتهم، بل يجب أن يتقاسموا ثرواتهم مع المحتاجين، ويمدوا إليهم يد العون من خلال الزكاة والصدقة والإنفاق حتى يتحقّق نوعٌ من التوافق والتصالح بين جناحي المجتمع، وبذلك لا يتعرّض الضعفاء للضغط والظلم والاستبداد أو الاحتقار، ولا تشتعل مشاعر الكره والحقد في نفوس الفقراء ضد الأغنياء، وكذلك فإن الخلفاء الراشدين لما عاشوا كعامة الناس كسبوا ثقة المجتمع واحترامه، ولما عاش بعضُ سلاطين بني أمية في رفاهية وبحبوحة من العيش جلبوا على أنفسهم كرهَ وحقدَ وبغضَ المجتمع لهم.

قد يضيّق الله تعالى على بعض عباده في الرِّزق لعلمه أنهم لا يستطيعون أن يؤدوا غناهم حقه، وهذا نوع من اللطف الجبري؛ لأن الله تعالى بذلك يصونهم من السفاهة والغفلة؛ بمعنى أن تقشّف الفقير وتواضعه لطف من الله له، المهم هنا هو أن يتحقق هذا التوازن مع الإرادة؛ فما يُكسب الثوابَ للإنسان في الواقع هو أداؤه حق إرادته، وعدم استغراقه في المتع والملذات، وعدم نسيانه لربه وللحشر والنشر، وعدم تقصيره في عبادته وطاعته رغم توسيع الله عليه في الرزق؛ لأن الثروة وسعة الرزق كثيرًا ما تكون سببًا في الغفلة، والغفلةُ يصاحبها الانشغال بالدنيا والبعد عن الله، وبذلك يكون التوسيع في الرزق رزيّة وليس مزية، فإذا صبر الإنسان، ولم ينحرف، ولم يُثِر شهية الآخرين وحفيظتهم ضده بأفعاله وتصرفاته، ولم يستثر غضبهم عليه، بل مدَّ يد العون للمحتاجين منهم بما لديه من إمكانيات، وكسب محبتهم وتعاطفهم؛ فبذلك يكون قد أوفى حقَّ نعمِ الله عليه، وأدى شكرَه نحو ربه جل وعلا.

   دور المتع والملذات في انهيار الدول

من أهم الدساتير التي جعلتُها نبراسًا لي في حياتي هي توقير الآباء والأجداد، وذكر السلف بكل خير؛ لأن هؤلاء بذلوا كل وسعهم في خدمتهم للدين، ولهذا فإنني أتجنب بقدر الإمكان مساءلتهم ونقدهم، ومع هذا لا تُنكَر أهمية إدراكِ بعض الحقائق التاريخية واستنباطِ العبرة منها.. وإننا إذا ما درسنا أسباب انهيار الدول الإسلامية منذ فجر التاريخ مثل الدولة الأموية، والدولة العباسية، والدولة العثمانية، والأندلس؛ سنلحظ أن الميل إلى الدنيا والبذخ والإسراف له دور كبير في وقوع هذه الدول وانهيارها.

فمثلًا منذ نشأة الدولة العثمانية حتى عهد السلطان القانوني كان السلاطين العثمانيون يخرجون على رأس الجيش إلى المعركة، فكانوا بذلك يرفعون الروح المعنوية لدى الجنود، ولكن في الفترات التالية تخلى السلاطين عن تلك العادة، ولم يشعر الجيش بحاجة إلى إظهار بطولاته الخاصة به، ومن ثمّ توالت الهزائم إثر بعضها البعض، فمثلًا بعد هزيمة “فيينا” حُكم على الصدر الأعظم “قره مصطفى باشا الميرزفونلى (Merzifonlu Kara Mustafa Paşa)” بالإعدام، ولكن يا تُرى هل الجرم يقع فقط على عاتق الجيش والميرزفونلى؟ كما أن هناك تساؤلات أخرى تصرّ على ذهن الإنسان مثل: “سلطاننا المعظم، لماذا لم تخرج مع الجيش إلى فيينا؟ إن العديد من أجدادك مثل السلطان القانوني والسلطان سليم الأول قد رحلوا إلى أفق أرواحهم وهم في جبهة الحرب أو عند خروجهم إليها، فَلِمَ انحرفت أنتَ عن طريقهم؟

فمع الأسف أدى انزواء السلاطين العثمانيين في القصور واستغراقهم في الملذّات إلى تثبيط عزائمنا وركوننا إلى الدعة والخمول، كما أن الرغبة في العيش بالبيوت المبهرجة، وعدم القناعة ببيت واحد، وتشييد البيوت للأبناء والأحفاد، بل والتفكير في الأصهار من الرجال والنساء، باختصار صار الولع بالحياة، والتخلي عن فكرة الإحياء سببًا كارثيًّا كبيرًا بالنسبة لنا.. ولو قرأتم كتاب “ليالي القمر على البوسفور (Boğaziçi Mehtapları)” للأديب التركي “عبد الحق شيناسي حصار” لأدركتم بوضوح كيف كان العثمانيون غارقين في الملذات في العهد الأخير للدولة العثمانية، لقد كان هذا الوضع أشبه ما يكون بفيروس “إيدز” الفتاك بالنسبة لنا.

   السبيل إلى العيش بعفة وعدم الانزلاق وراء الإغراءات

يحب ألا ننسى أن مثل هذه الغفلة التي قد تقع دائمًا في حياة البشر يمكنها أن تأسرنا، وعليه يجب أن نكون في حالة تيقّظ وانتباه دائمة.. إنني أنزعج حتى من المكان الذي أقيم به حاليًّا لأنني أراه فاخرًا جدًّا، إنني أتضجّر من الجلوس على المقعد، ولا تزال في روحي رغبة بأن أقيمَ في كوخ خشبي، وعند نافذة الجامع، ولكنني بدأت أرقد في الفراش بسبب آلام معينة أعانيها بعد سن الستين فحسب؛ فما جلست في مقاعد فاخرة لا في سنوات دراستي، ولا خلال المرحلة الطويلة التالية لها من حياتي، ويجب ألا يُعتبر قولي هذا تواضعًا مصطنعًا، فذلك شيءٌ يخالف طبيعتي.

في الواقع يجب على كل مؤمن أن يكون حذرًا في هذا الموضوع، وأن يحقق التوازن من تلقاء نفسه وبإرادته الخاصة؛ لدرجة أنه لا ينبغي أن يسمح للمشاعر والمتع والرغبات والأهواء الدنيوية بأن تغريه فيظن بأنه سيستطيع أن يحافظ على توازنه رغم وجودها، وأنه ربما يستطيع التعبير عن نفسه أكثر من خلالها، كلا.. بل يجب على الإنسان أن يُكَوِّن أرضية يستطيع العيش عليها بشكل يوائم فطرته ويكفي حاجاته، وأن يُغلق جميع المنافذ التي قد يتسلل إليه الشيطان والنفس منها، أما مَنْ يغوص في البوهيمية فإنه ينخدع بوهمٍ يُسيطر عليه ويأسره ويُسيِّره ويتحكّم به، وكأن رُقاقة إليكترونية قد ثُبِّتت في عقله للتحكم فيه.

إن لم يسيطر الإنسان على نفسه بخصوص الاستفادة من النعم الدنيوية، ولم يكتفِ بالدائرة المشروعة فقد يصبح عُرضةً لاستغلال الآخرين إياه؛ حتى إنه يقع في فخاخ أناس يضطر بعد فترة أن يكون ذيلًا لهم فيتحرك كيفما يشاؤون، ومن قضوا علينا وفرّقونا منذ الأمس وحتى اليوم فعلوا ما فعلوا عبر استخدامهم هذه النوعية من الطرق، ولا نَنْسَ أنه يوجد في يومنا أيضًا بعضُ بُؤر الشر سيئة النية لن تتوانى عن إزعاج ومضايقة حركة كهذه التي نذرت نفسها للخدمة ولتحقيق السلم والطمأنينة في العالم، وقد تتزلف تلك البؤر الشريرة إلى بعض الناس كي تستخدمهم في سياق آمالها المظلمة، وتعرض عليهم أشياء من المتع الدنيوية، حتى إنها قد تظهر أحيانًا على أنها تنافح عن الحق، فتزين لهم الشرور، وتقدم لهم بعض الإمكانيات الدنيوية، وبينما هي تفعل ذلك تقدم لكم شتى أنواع الإغراء، فتجعلكم أسرى وأرقاء لها، فإن لم تُظهروا الحساسيّة اللازمة في هذا الشأن ولم تنتبهوا فإنكم، ودون أن تدركوا أبدًا، قد تُشِلُّون إرادتكم وأنشطتكم التي ستقومون بها.

إنكم تمثلون رسالةً حياتيّة للغاية.. أنتم أبطالُ الإحياء، وإذا ما أُصبتم بحبّ الحياة فإنكم تئِدون مهمّة الإحياء، وإن تستسلموا للحياة تخسروا نشاطاتكم الإحيائية، وعندئذ يستحيل الحديث عن وجودكم؛ إذ إن هذا يعني أنكم صرتم عدمًا، وحكمُ الله تعالى بشأن جماعةٍ هكذا حكمٌ واضحٌ صريحٌ، إذ يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة الْمَائِدَةِ: 5/54) وكما ورد في هذه الآية الكريمة يذهب الله تعالى بهؤلاء، ويقضي عليهم، ويأتي بأناس آخرين جدد ونُضرٍ تمامًا.

و”الارتداد عن الدين” المذكور هنا له مستويات مختلفة؛ فالبعض يرتد من الإيمان إلى الكفر، والبعض يظهر تراخيًا في تطبيق الأركان الإسلامية، والبعض الآخر يفقد تمامًا ما لديه من عشق وشوق للخدمة؛ فيُنحّيَ جانبًا المشاعرَ والأحاسيس مثل: حس الإحياء، وحس التضحية، ومفهوم الإيثار، ويرجع عن الطريق الذي يسير فيه فيتخلى عن الخدمات التي يقوم بها، وكل واحد من هذه الأمور ارتداد بمعنى مختلف عن الآخر، ويعني تراجعًا إلى الوراء.

أجل، إذا ما ارتد قوم عن الطريق والغاية والإدارة والنظام والرؤية الكونية وفلسفة الحياة التي تبنّاها المجتمع -أيًّا كان نوع ذلك الارتداد- فإن الحق عز وجل يقول لهم: “إنكم باستسلامكم للفساد والتعفّن تُعلنون عن أداء مهمّتكم وانتهاء أمركم؛ لذلك حقّ عليَّ أن أستبدلكم بقوم آخرين يحبون الله ورسوله حبًّا جمًّا، ويحبهم الله ورسوله حبًّا عظيمًا”.. وبينما هؤلاء ينحنون أمام المؤمنين رأفةً وتواضعًا يقفون صامدين في مواجهة الكفر والإلحاد، ويقومون بواجبهم في إعلاء كلمة الله؛ أي إنهم يسعون كي يبلغوا ثقافتهم وقيمهم إلى كل أرجاء الدنيا، وبينما يقومون بهذه الوظيفة لا يُلقون بالًا إلى انتقادات ولَوم بعض الأفواه الثرثارة، لأن هؤلاء الناذرين أنفسهم حين يُقبلون على خدمة كهذه دون تشوف إلى أي شيء فقد يرميهم بعضُ المنزعجين من النور بِتُهم ومزاعم لا أساس لها من الصحة، ويسعون إلى تشويههم بأكاذيب وافتراءات مُختلقة، غير أن مَن نذروا أنفسهم يواصلون مسيرهم دون أن يقفوا عند هذه النوعية من العراقيل.

لذا يجب علينا أن نسعى كي نظل جددًا نضرين دائمًا؛ فأهمُّ ديناميات هذه الخدمة هو روح التضحية، إنْ نذَر إنسان نفسه لقضية معينة فيجب ألا يتشوّف إلى شيء آخر، فلا يركض وراء المنافع المادية، ولا يفكر في الرفاهية الدنيوية، ولا يركن للمتعة والدعة، وتراه يهرب من المكاسب غير المشروعة والمتع الحرام كمن يهرب من الشيطان، ويدعو الله دائمًا ويتوسل إليه: “اللهم لا تحرمنا من روح الإحياء والتضحية! اللهم لا تدعنا إلى علةٍ هي بلاء منك مثل علة حب الحياة والعيش!”، وكما يتنبه من نذروا أنفسهم إلى هذا يسعون كذلك إلى أن يظل رفاقهم أيضًا على هذا الدرب، وإن انزلق وانحرف في هذا الشأن أحدٌ سعوا إلى إعادة تأهيله وإصلاحه، ويستخرجون الدروس والعبر من حال السابقين الغابرين، ويعيشون عازمين جاهدين على ألا يقعوا في مثل ما وقع فيه السابقون من خطإ وزلل.

   طريق من نذورا أنفسهم للخدمة

أرى أنه يجب على الناذرين أنفسهم للخدمة العملُ في هذه الشؤون بالعزائم وليس بالرخص، يجب عليهم الانتباه في كل شيء يستخدمونه بدءًا من دور إقامتهم إلى مطاياهم وملابسهم، وألا ينخرطوا في حياة الرفاهية أبدًا، فإن كان منزل من حجرتين يفي بحاجتهم لزمهم ألا ينتقلوا إلى ما هو أكبر، وعليهم عند شراء سيارة أن ينظروا أيحتاجونها أم لا، وألا تحتوي خزائن ملابسهم على ما زاد عن حاجتهم، وإن كانوا سينتقلون من مكان إلى آخر وجب عليهم اختيار أكثر الطرق اقتصادًا، عليهم أن يجعلوا منهجهم في الاستفادة من نعم الدنيا تذوُّقًا لا شبعًا منها، وعليهم تعويدُ أنفسهم على حياة الاقتصاد والتدبير.. -والحقّ أن اقناعَ الفقير الفاقد للإمكانيات المادية واقتناعه بالاقتصاد والتدبير ليسَ فضيلةً، وإنما الفضيلة والأساسُ في القدرة على الاقتصاد مع توفر الإمكانيات لأنَّ خيرَ القصد عند الجدة- فإن لم يراجعوا حياتهم ثانية وتعذّر عليهم تصميمُها وفقًا لهذه المبادئ استحال عليهم أن يمنحوا غيرهم النظام والانتظام.

والخلاصة أنه يجب عليهم أن يُؤسسوا حياتهم على الاقتصاد والقناعة، ويبتعدوا عن الإسراف بكل أنواعه؛ فكما أن الاقتصاد سببٌ للبركة فإن الإسراف سبب للخيبة والخسران، وينبغي أن نتّخذ مفخرة الإنسانية أسوةً حسنة لنا في هذا الشأن أيضًا كما هو الحال في كل شأن؛ ذلك أن الحجرة التي أقام فيها هو وزوجتُه صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها كانت ضيّقة لدرجة أنه ما كان يبقى له موضعٌ يسجد فيه ما لم تطْوِ أمُّنا المباركة قدميها[2]، لقد كان ينام على الحصير صوات الله وسلامه عليه، وكما أن ميل الناس في زماننا إلى الحياة الفارهة والترف يستحيل أن يكون حجةً لنا يستحيل أيضًا أن يكون معيارًا؛ فلدينا معيار واحد ووحيد: إنه الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم؛ ومن كان ذا رؤيةٍ ومعايير مخالفة لما نراه فليعش وفقًا لفهمه وعاداته الخاصة كما يحلو له، لكن يجب ألا ننسى أبدًا أن الإنسانية لن تجني نفعًا ممن يعيشون حياتهم من أجل جسمانيتهم وراحتهم فقط.

كم هو مؤسف أن عصرنا يعاني قلّةَ عقلٍ، وقسوةَ قلبٍ، وذلّةَ روح؛ فلا تقشعر القلوب عند ذكر الله، ولا تدمع العيون، والحياة ترتكز على البدن والجسمانية؛ لقد سُلّمَت أزِمّة الأمور إلى النفس، وراح الناس يفكرون في الأكل والشرب والراحة والاستمتاع بالحياة فحسب.. فلا حديث عن سلامة الروح والعقل والقلب، كم أنه صعبٌ جدًا! وبالتالي تبدو الإنسانية سائرةً في طريق من شأنه أن يمهد الطريق إلى الشقاء والسفه، في حين أن تحويل ديار المحنة هذه إلى ممرٍّ يؤدّي إلى الجنة يمكن أن يتحقّق بالحيوية في حياة القلب والروح، والسبيل لنيل راحة الدنيا والعقبى كليهما مرهون بالعقل السليم والقلب السليم والروح السليمة، لكن المؤسف أنّنا فقدنا ذلك منذ بضعة عصور، ويستحيل القول إن أمّتنا على وعي بهذا الذي فقدناه.

إن إنسانًا يبحث دائمًا عن الفُرش الدافئة والوسائد الناعمة، والأرائك الملائمة للراحة والدِّعة، ولا يفارق الموائد الفاخرة، واعتاد على الاستفادة من شتى النعم يستحيل أن يشعر بالشوق إلى الله الذي هو المتعة الحقيقية.. تُرى كم يبلغ عدد الأشخاص الذين يمكن القول إن صدورهم تخفق بإعلاء كلمة الدين؟ كم شخصًا يرفع الواحد منهم يديه ويتألم داعيًا الله “اللهم إن كانت حياتي تفيد شيئًا لصالح إعلاء الدين فأحيني، وإلا فخُذني إليك!”؟ إنّ ما يقع على عاتقنا هو السعي إلى بلوغ هذا الأفق وبعث هذه الروح بيننا من جديدٍ.

 

[1]  الغزالي: إحياء علوم الدين، 3/356، ومعنى العبارة: أي إن أفضل أنواع الاقتصاد ما كان عن غِنى وليس عن فقر.

[2]  صحيح البخاري، الصلاة، 106.

الجَرَّة المشروخة: السبيل الأقوم للاستفادة بحق من القرآن الكريم

Herkul | | العربية

   سؤال: تكلمتم فيما سبق عن أهمية مراجعة القرآن الكريم بصفاء الحسّ والشعور بالحاجة حتى تتحقق الاستفادة الكاملة منه، فما المقصود بصفاء الحس والشعور بالحاجة هنا؟

   الجواب: ثمة عديدٌ من المبادئ والقواعد التي يجب مراعاتها من أجل فهم القرآن الكريم فهمًا صحيحًا وإدراك ما فيه من مقاصد إلهية، وكما تتبوّأ إيضاحات وهدي النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم مكانة مهمة في هذه المسألة فكذلك لا بد من تفعيل الضوابط التي وضعها علماء الإسلام فيما يتعلق بهذا الأمر، ولكن قبل الأخذ بهذه القواعد المتعلقة بعلوم القرآن فمن الأهمية بمكان أن يتحلى الإنسان بصفاء الفكر والشعور، وأن يشعر بحاجته الماسة إلى الأحكام والمبادئ التي بيّنها القرآن الكريم.

   صفاء الحس

صفاء الحس يعني أن يصفِّي الإنسانُ أفكاره، ويلتزم بالصدق والإخلاص، ويركز على المسألة التي يدرسها ويحاول فهمها، ويتجنب ما عداها من أفكار أخرى، ومن ثمَّ كان لهذا الأمر أهمية كبرى في كل مسألة، أما التعامل بصفاء الحسّ مع القرآن والسنة فيشير إلى سعي الإنسان وعزمه وتصميمه على فهم هذين المصدرين الكريمين بما يتوافق مع المراد الإلهي، مع الانسلاخ من كافة الأحكام المسبقة، والانغلاق دون الأيديولوجيات والأفكار الغريبة، والإنسان الذي يتحلى بصفاء الحس لا يفكر إلا في مرضاة الله تعالى فحسب، وبالتالي لا يجعل القرآنَ أداةً للحديث عن نفسه، أي إن الإنسان ذا الروح القرآنية لا يتّخذ من كلام الله وسيلة لأي منفعةٍ؛ لأن مقصده الأساس هو فهم البيان الإلهي وفقًا لمراد الله، والسعي على تبليغه للآخرين.

فلو كان الإنسان على علمٍ بحقٍّ بآيات القرآن الكريم وكلماته وموضوعاته ومحتواه لكنه يستغلّ كل هذا للتعبير عن نفسه وإبراز ذاتيته فحينها لا يمكننا وصف أفكاره ومشاعره بالصفاء والنقاء، لأن الإنسان إن كان يصبو من وراء علمه بالقرآن الكريم إلى احترام الناس له وإقبالهم عليه أو الوصول إلى منصب أو مقام معيّن فهذا يعني أن مشاعره مشوبةٌ بالنجاسة والقذارة، وأنه عديمُ المعاني القلبية، فاقدٌ للروح القرآنية، ومن المحال أن يصل إلى ما يأمله، فحتى وإن انخدع به الناس واتبعوه مؤقّـــتًا، فلن يظلّ الأمر يصبّ في صالحه على الدوام.

فثمة علاقة وطيدة بين صفاء الحس وبين النية والمقصد؛ حيث إن استفادة الإنسان من القرآن الكريم تختلف تبعًا لصلاح النية وفسادها، فمن توجَّهَ إلى القرآن الكريم رغبةً منه في أن يكون صاحب علم في هذا المجال، ولكن استولت عليه بعض النوايا الفاسدة كرغبته في إبراز سعة علمه ومعارفه، وتشوّفه إلى إقبال الناس عليه وتوجههم إليه واحترامهم وتقديرهم له؛ فلن يستفيد حقَّ الاستفادة من القرآن الكريم حتى وإن وصل إلى بعض آماله مؤقتًا.. وفي المقابل لو أن الإنسان ابتغى رضا الله فحسب، ولم يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ولم يركض وراء حساباته الخاصة، وحاول أن يفهم مراد الله عن طريق القرآن الكريم الذي أنزله الله على كل الإنسانية ورغب عن طريق ذلك في أداء العبودية الكاملة لله تعالى؛ فلا شك أنه سيفهم القرآن بشكل أكبر وأعمق، وسيطّلع على الحقائق التي لم يستطع الكثيرون فهمها.

ولهذا ينبغي للإنسان أولًا أن يراجع أحاسيسه وأفكاره تجاه القرآن الكريم، وأن يراعي المكانة التي يضعها له في ذهنه، ولا ينسى أن القرآن هو كلام الله، ولا ينظر إليه نظرة سطحية وكأنه كلام بشر حاشا لله، وأن يتذكر دائمًا أن القرآن يتميّز بأسلوبٍ وأداءٍ معين خاص به، فإذا أراد أن يفتح القرآنُ له أبوابه ليدلف منها؛ فعليه ألا يجعل من أفكاره ومشاعره حائلًا دونه، ولا يجعلانه يعيش حالة من الخسوف والكسوف، إذ لا بد من صفاء النية والتخلص من شتى الأفكار القذرة؛ حتى يتسنى له رؤيةُ القرآن بشكلٍ صحيحٍ وإدراكُ معانيه على نحوٍ سليم، والوصولُ إلى مراد الله الكامن بين ثنايا عباراته.

ولا حرج على الشخص الذي يرغب في الوصول إلى مثل هذا الصفاء في النية في تعامله مع القرآن الكريم أن يدعو الله بلا حدود حيث إنه أمرٌ صعب المنال، فمن الأهمية بمكان أن يرفع الإنسانُ أكفّ الضراعة إلى الله عزّ وجلّ ويقول: “اللهم إني أريد فهمَ مقاصدك العليا في قرآنك الذي أرسلته إلينا، أريد أن أعرفك وأشعر بك من خلال كلامك، أريد أن أسمع كلامك وكأني أسمعه منك، أو أسمعه على الأقل من حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم الذي يتناثر الدر والياقوت من فمه الشريف، فاللهم وفقني لفهم القرآن”، ولو دعا إنسانٌ ما بهذا الدعاء ألف مرة لقلنا له: “ولم لا يكون ألفي مرة”.

   الشعور بالحاجة

أما الشعور بالحاجة فيعني أن يرى الإنسانُ القرآنَ الكريم المنهلَ العذب المورود، وأن يشعر باحتياجه إليه، وبذلك سيُعمِل فكره ومنطقه ومحاكمته العقلية في سبيل الاغتراف منه، بل لن يقتصر على استيعاب المسألة بحدود عقله، وسيحاول سبر أغوارها بسعة قلبه وأعماق وجدانه، وينهل منها ما يستطيع، وإلا فمن المتعذر على ذلك الذي أدلى دلوَه أن يغترف شيئًا من ذلك المنهل، ومن المحقق أنه سيرجع خالي الوفاض.

وكما هو معلوم فالحاجة أمُّ الاختراع؛ إذ إنها عامل مهم يسوق الإنسان لتعلم أشياء جديدة واختراع أشياء مبتكرة، وإن الدرجة التي تفوق الحاجة هي الاضطرار، فالاضطرار هو أسلوب في غاية الأهمية للالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى، والله تعالى يجيب المضطر ويكشف عنه السوء بنص القرآن الكريم.

وهكذا إذا توجه الإنسان إلى القرآن بحاجةٍ تصل إلى مستوى الاضطرار، ودعا الله قائلًا: “اللهم إني لا أستطيع العيش ولا الاستقامة على الطريق السوي بدون القرآن”؛ وجد فيه ما ينشده.. فمثلًا لو صادف الإنسان محتاجًا مترفّعًا عن السؤال، معرضًا بوجهه عنه، غير مكترث بإعطائه من عدمه فهل سيهتم به ويعطيه شيئا؟! كلا، وفي المقابل لو أن هذا المحتاج أشعرَنا بحاله ومقاله وأفعاله باحتياجه الشديد فهل من الممكن أن نرد طلبه؟! كلا، ولذلك فإن من الأهمية بمكان في تحقيق الطلب والوصول إلى المقصد أن يدرك السائل لحاجته حقَّ الإدراك.

وكذلك فإن من يسأل سؤال المستغني المتعالم سيلقى ردًّا موافقًا لسؤاله، بمعنى أن مخاطبَه لن يردّ عليه، أو سيجبيه اعتباطيًّا ببضع كلمات كي يتخلّص من الموقف، ولكن إذا سأل الإنسانُ سؤالًا وهو يثق في المسؤول ويُظهِرُ حاجته إلى إجابته بالفعل فإن المخاطبَ المسؤول سيسعى حتمًا إلى إجابة طلبِه بكلّ وسعه.

وهكذا المؤمن إذا توجه إلى القرآن الكريم مستشعرًا حاجته إليه فلا ريب أن فهمه له سيكون على نحو أعمق وأوسع؛ لأن القرآن الكريم لا يفتح خزائنه إلا لمن أقبل عليه بمشاعر صادقة، أما من يتعامل معه باستغناء فسيضنّ بنفسه عليه، وسيسدل ستائره أمام وجهه، ويغلق أبوابه، ويقول: “لا تحاول عبثًا، فالأبواب موصدة”، ومهما فهم ذلك الإنسان شيئًا من معاني القرآن الظاهرة فلن ينفذ حتمًا إلى أعماقه، أو يصل إلى حقائقه، أو يدرك المقاصد الإلهية الكامنة بين ثنايا آياته.

   إدراك المرء حاجته إليه

من المفيد هنا الوقوف على أمر آخر، ألا وهو ضرورة أن يكون المرء واعيًا بحاجته إلى القرآن الكريم أولًا حتى يستطيع اللجوء إليه عبر الشعور بالحاجة، ومن ثمَّ تنبغي الاستفادة من بعض الديناميات حتى يتسنى الشعور بهذه الحاجة، فمثلًا يلزمنا أن نتمكن من تحذير وتوجيه بعضنا بعضًا في أمور مثل فهم ماهية القرآن الكريم، وإدراك دوره الحيوي في تلبية حاجاتنا الدنيوية والأخروية، وإذا لزم الأمر نستثمر إمكانياتنا لنكون أكثر تأهّلًا في هذا الشأن، وذلك عبر مدارسة ومذاكرة الكتب الخاصة بالقرآن الكريم، ونستطيع أن نبين للناس مدى حاجتهم إلى القرآن عبر عقد دروس ومجالس قرآنية، وتناول مجموعة من المواضيع في هذه المجالس، فإن نعمل دائمًا حول هذه القضايا، ونستنتج بعض المسائل المتعلقة بالقرآن بواسطة محاولاتنا لسبر أغواره ونسعى لجذب الانتباه إليها فإننا نستطيع أن نُشعر الناس بحاجتهم إلى القرآن الكريم ونوجههم إليه.

وإلا فإن القرآن يظل أمامنا مثل كنز نعجز عن الحصول على مفاتيحه، ويتعذر علينا الاستفادة منه بالشكل اللائق؛ إذ ثَمَّة حاجة إلى مفتاح حتى تتسنى الاستفادة من هذا الكنز السماوي العظيم.. وهكذا فإن الشعور بالحاجة وصفاء الحسّ مفتاحان مهمان لبوابات الاستفادة منه، ومن هذه الزاوية يجب أن نبحث بالدرجة الأولى عن طرق امتلاك هذه المفاتيح ومساعدة الآخرين في امتلاكهم لها أيضًا.

وفي القرآن الكريم يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (سورة الأَنْفَالِ: 8/24) وهذا يعني أن انبعاثَنا يتحقق باستجابتنا لدعوة الله ورسوله، أي باتّباعنا أحكام القرآن الكريم، ولا يمكن للحياة أن تستمرّ مع أولئك الذين انغلقوا دون هذا النداء، والطريق للقدرة على إجابة هذا النداء إجابة تامة هو أن يتخلص الإنسان من كل أنواع الأحكام المسبقة ومن الألفة والأنس، فيتمكن من النظر إلى القرآن الكريم بمشاعر صافية، ويكون مدركًا لاحتياجاته في الوقت نفسه ويسعى لتلبيتها بالقرآن.

وبعبارة أخرى يجب أن نستفيد من القرآن الكريم حتى يتسنى لنا الانبعاث، والقدرة على الاستفادة منه تتحقق بالشعور والإحساس به وأن نرتشف من معينه ما يقر ويستقر في صدورنا بالمعنى التام، فنجعله طبعنا وطبيعتنا، وبعبارة أبسط: يجب أن نستوعبه.. بل إنكم حين تلِجون القرآن بعقلكم ومنطقكم يجب عليكم التسليم التام الكامل بأنه كلام الله تعالى، وهذا التسليمُ الكاملُ بذلك هو أحد أهم الأشياء التي يجب علينا أن نطلبها منه تعالى.

علينا أن نُشبع عقلنا ومنطقنا وأحاسيسنا ولطائفنا -أو قُلْ: ماهيَّتنَا- بالإيمان بالقرآن وليس بالنظر إليه نظرة بسيطة من خلال العقيدة البسيطة والصافية التي دُرِّسَت لنا ونحن صغار، حتى إننا حين نقابل شيئًا ضده نستطيع أن نتمثّل رد فعل مناسب بصورة مباشرة ولا إرادية، وهذا يعني أنه من الواجب علينا أن يُصبح رد فعلنا بشأن الدفاع عن القرآن حالةً طبيعية فينا.. فيجب ردُّ الأفكار الخاطئة الواردة من الخارج، المخالفة والمنحرفة برد فعل نابع من طبيعتنا، فإن ظهرت شكوك بداخلنا في هذا الشأن ووقفنا على منحدر التعرض لهزة فإن هذا يمنعنا من فهم القرآن.

وعليه يجب علينا أن نرفع أيدينا إلى الله تعالى وندعوه “اللهم امنحنا إيمانًا تامًّا بالقرآن حتى إن اعترض طريقي ألفُ شيطان وشيطان وحاولوا إقناعي بالأدلة العقلية والمنطقية أن القرآن ليس كلام الله أستطع أن أردهم جميعًا بظهر يدي، اللهم جنِّبني أن تتسلل إلى إيماني بالقرآن أيةُ فكرة مخالفة تخالط خطتي الذهنية وخيالي وتصوري، وأعنّي على أن يتلاشى وينمحي أمام سبحات وجه إيماني كلُّ ما تسلل إليّ من ذلك”، وأن نتحلّى بالصمود والثبات، وكما قلنا سابقًا يجب علينا أن نلحّ على الله تعالى في الطلب، ومهما طلَبْنَا فليس على الله بكثير.. لكنه للأسف حينما نطالع الحالات الروحية للناس ونطّلع على كيفية دعائهم نجدهم لم يجدّوا ويجتهدوا في الطلب من الله تعالى.

إذا ألحَّ الإنسان على الله تعالى في الطلب حيال هذا الشأن فسوف يقول على الأقل: “تُرى كيف لي أن أحقق إيمانًا كهذا؟”، وسوف يسعى وراء تحقيق هذا الأمر، سوف يبحث عن هذا كالرَّحَّالة، ولن يكتفي بما يجد، وسيقول باستمرار “هل من مزيد؟”.. والإنسانُ الذي يسعى وراء هذا يكون جادًّا ومثابرًا، فإن انخرط في الأمر بكل ذاته وهويته وصل إلى مقصوده إن عاجلًا أو آجلًا.. لكنه يستحيل على القاعد عن البحث أن يصل إلى شيء.

لهذا السبب علينا أن نحاسب أنفسنا دائمًا، ونتحرى أين نحن في هذا الشأن، يجب أن نراقب ما نأمل فيه، وأن نفكر حول “ما هي أهم مسألة في حياتنا بالنسبة لنا”، وأن نجعل التعمق في الإيمان والمعرفة الغايةَ المثالية في حياتنا، وأن نمارس بعض الأنشطة الدنيوية أيضًا مثل المأكل والمشرب والزواج والإنجاب على نحو مرتبطٍ بهذا أيضًا، وإلا يتشتت أمرُنا، فننسى الغاية الأصلية من خَلْقِنا، ومع مرور الزمن تصبح بعض الأمور الدنيوية الغاية الأولى بالنسبة لنا.

الجَرَّة المشروخة: معيار الاشتغال بوسائل الإعلام

Herkul | | العربية

   سؤال: ما هي المعايير الرئيسة التي يجب مراعاتها عند الاشتغال بوسائل الإعلام وتتبّع الأحداث الراهنة؟

   الجواب: على الإنسان أن يطّلع على مستجدات عصره حتى يتعرف جيدًا على العالم الذي يعيش فيه، ولا جرم أن أيسر الطرق العملية لتحقيق هذا الأمر هو متابعة مختلف وسائل الإعلام، والواقع أن هذه المؤسسات الإعلامية قد أضحت أكثر الوسائل السريعة والعملية للوصول إلى المعلومة في أي مجال، ناهيك عما تتيحه من فرصٍ للاطلاع على الأحداث الجارية، لا سيما وأن الإنسان في ظل الإنترنت يستطيع الحصول على المعلومات التي يحتاجها بيسر وسهولة، وإجراء دراساته وأبحاثه بشكل سريع.

   وسائل الإعلام وبحور الخطايا

ولكن الأمر ليس بهذا القدر من البساطة؛ لأن وسائل الإعلام وإن كانت تتيح للناس الفرصة للاطلاع على التطورات الراهنة والوقوف عليها فإنها تفتح الباب لدخول العديد من السلبيات؛ فقد تأخذ الإنسانَ وتجرّه إلى المنكرات، وتغمسه في النجاسات، فمن الممكن أن تكون هذه الوسائل أنفاسًا وأصداءً للملائكة، وقد تكون مصيدةً للشياطين، وكما يصل الإنسان إلى بعض المعلومات النافعة من خلال هذه الوسائل فكذلك قد يُبحر بسببها في بحور الخطايا والعصيان، وبينما يعتقد الإنسان أنه في طريقه إلى الكعبة يُفاجأ بمنافذ وممرات تنحدر به إلى أودية مختلفة تمامًا.

بتعبيرٍ آخر فإن وسائل الإعلام لو استُخدمت بنيةِ التعرّفِ على ما يجري في الدولة والعالم، ومشاهدةِ البرامج الوثائقية، والتزودِ بمعلوماتٍ عن بعض الموضوعات، وإثراءِ الحياة العلمية والمعرفية؛ فحينها يمكن الاستفادة منها استفادة جمّة، ولكن كثيرًا من الناس يتعذر عليهم التحكم بأنفسهم، وبعد الإبحار في نهر النيل أو نهر دجلة يكتشفون أن لهما فروعًا أخرى، وحينذاك يقومون باختراقها واستكشافها، فما يكون من هذه الفروع إلا أن تأخذهم دون وعيٍ منهم إلى ساحات مختلفة؛ ولهذا يجب قطعًا مراعاة بعض الضوابط والمعايير في هذا الشأن.

أجل، إن الإنسان لو عكف على قراءة الجرائد، وأصبح لا يفارق الإنترنت؛ فقد يعيش تناقضًا مع نفسه من حيث القواعد الدينية؛ لأنه قد يُفاجأ بصورٍ مُخلّة على صفحات الجرائد أو مواقع الإنترنت؛ فيتكدر سمعه وبصره وفمه وقلبه، ويبتعد عن عالمه الخاصّ، ولا يستطيع الحفاظ على قيمه الذاتية، ويُقلع إلى بحار الخطايا والذنوب، وقد لا يقدر على العودة مرة أخرى، ومع الأسف بِتْنا نشاهد اليوم كيف اختلت الأساليب، وتكدّرت الأفكار، وغدا الناس غير متزنين، يتأرجحون بين الإفراط والتفريط، ولم يعد لديهم أيُّ معيارٍ يحتكمون إليه، وعلى ذلك فإن السبيل إلى تجنب هذه الأمور هو تحديد المساحة التي يتجول فيها منذ البداية والالتزام ببعض المعايير المحددة.

ورغم المنافع الجمة التي يجنيها الناس من وراء الإنترنت ووسائل الإعلام فلطالما تكلم المختصون عن الأضرار الجسيمة التي تسببها هذه الوسائل في أيامنا؛ فقد تسبب يُسر الوصول إلى الإنترنت، واستخدام غالبية الناس له إلى ظهور العديد من المساوئ والمفاسد، فمثلًا بات الكثيرون يهدرون أثمن أوقاتهم أمامه، وتزلزلت العديد من الكيانات الأسرية بسببه، وانتُهكت حياة الناس الخاصة تحت مُسمّى أخبار النجوم، وانحطت الأخلاق، وشُوِّه المجتمع، وطبيعي أن تظهَر مثل هذه الأضرار في بيئةٍ بات الوصول فيها إلى المنكرات سهلًا ميسورًا، فكما تأمر النفسُ الأمارةُ الإنسانَ بالسوء دائمًا فإن الشيطان أيضًا يدعو إلى الأغراض النفسية والعبثية على الدوام.

فمن الصعوبة بمكانٍ على الإنسان الذي يستخدم التلفاز أو الإنترنت أن يتحكم في إرادته، وأن يعرف النقطة التي يتوقف عندها، وأن يستغلّ هذه الوسائل في الاتجاه النافع فقط، فيا ليتنا نُجمِعُ على “ميثاق شرفٍ” يصون المجتمع، ونَضَعُ بعضَ المعايير الخاصة باستخدام وسائل الإعلام، وتُفرَض عند اللزوم بعض القيود فيما يتعلق بهذه المسألة، أو تُغلَق السبل التي تتسبّبُ في سوقِ الناس إلى الموبقات وتشويهِ المجتمع وتآكلِ الأسر.. ويا ليته يُحظَر الدخول إلى المواقع أو القنوات التي تدفع الناس إلى الخطايا. أجل، ثمة حاجة ماسّة إلى فرض بعض القيود والضوابط حول هذا الأمر، لا سيما في هذا العصر الذي تيسر فيه الوصول إلى كل شيء، وبات الإنترنت فيه هو الشغل الشاغل للجميع صغيرهم وكبيرهم، كما أننا بحاجة مُلحّة أيضًا إلى أشخاصٍ يضعون حدًّا لهذا التخريب والإفساد، وكما أن مثل هذا التدبير يفوق استطاعتنا فأعتقد أنه قد يتجاوز حتى قدرة الدولة، فيا ليت هذه القضايا تُعالج على الصعيد الدولي، وتُقدَّم بعض التدابير حول هذا الأمر.

   وسائل الإعلام وتشتت الأذهان

من جانب آخر فإن تعقُّبَ الأحداث الراهنة، والوقوفَ على كل حادثة بتفاصيلها، ومعرفة خلفيّاتها؛ ليس مسعًى يضطر إليه الجميع؛ لأنه لا فائدة ألبتة تعود على حياة الإنسان الفردية والأسرية والمجتمعية والدينية من معظم هذه الأشياء.. وَدَعْكَ من الفائدة التي لا تعود؛ فإن هذه الوسائل تجرّ الناس إلى بحار الخطايا والذنوب، فمثلًا قد تعوّدهم على الثرثرة وإطلاق الشائعات، وتُلجئهم إلى ادعاء المعرفة؛ بمعنى أنهم يتكلمون أو يفترون أمام الناس حتى يظهروا بمظهر العلماء وذوي الخبرة الواسعة؛ أي إنهم يُبرزون أنفسهم، ويسوِّقونها عن طريق هذه الوسائل الإعلامية.

فضلًا عن ذلك فإن الناس عندما يستغرقون كثيرًا في الاطّلاع على الأحداث الجارية فإنهم يُهملون الأعمال التي من المفترض القيام بها، ويبتعدون عنها؛ ومن المسلَّم به أن لدى الناس قدرة استيعابية معينة، فلو أنكم شحنتم أذهانكم التي تتمتع بهذه القدرة الاستيعابية بالكثير من المعلومات الخانقة التي لا فائدة منها، وقصرتموها على هذه الحوادث الجارية فقط؛ فإنكم بذلك تضيِّقون على الذهن وتمنعونه من القيام بوظيفته في الساحات والأعمال النافعة التي لا بدّ منها، وتحرمونه من المعلومات المفيدة التي يجب معرفتها، وتهدرون هذه القوة الاستيعابية المحدودة في مثل هذه المسارات، ولا تجدون فرصة مواتية للقيام بالخدمات التي يجب القيام بها في الأصل.

ولأضرب لكم مثالًا من المجال الذي أعرفه: فمثلًا يتمتع الطلبةُ الذين يحفظون القرآن بقدرة محددة يستطيعون بفضلها حفظ قدر معين كل يوم، فلو أنكم حاولتم أن تجعلوا أحدَهم يحفظ مثلًا عشرين صفحة في حين أن قدرته على الحفظ لا تتجاوز خمس صفحات يوميًّا فسترهقونه وتُتْعِبونه وتجعلونه غير قادر على حفظ الخمس صفحات المعتادة التي يجب عليه حفظها.

ولذا يجب على الإنسان أن يكون على وعي بقدرته، وأن يستغلّها في مكانها الصحيح، وأن يبني تعامله مع وسائل الإعلام على ضوابط وأنظمة محددة، وأن يتجاهل بعض الأشياء وإن كان يُبصرها أو يدري بها؛ حتى لا يتشتت ذهنه؛ لأنه من الصعب على الأذهان التي جُرِحت وتأذَّتْ بشيءٍ من الأحداث الصادمة أو السلبية أن تكون مثمرة ومنتجة أو أن تقوم ببعض الأمور النافعة، ومن ثم يجب علينا ألا نلتفت أو ننشغلَ بما لا يمثِّل أهمية أو فائدة بالنسبة لنا.

فضلًا عن ذلك لا يقتصر الأمر على سريان المعلومات المتعلقة بالأحداث الراهنة إلى قشرة الدماغ وإشغالها لهذا المكان، بل تأخذكم وتتجول معكم في أودية مختلفة، وتُذهب نومكم، وتُشغل نهاركم، بل وتقلِب أحيانًا عالمَكم الحسّي والشعوري والقلبي رأسًا على عقب، فإذا اجتمعتم بأصدقائكم انشغلتم بتفسير وتحليل الظواهر التي ترونها أو تقرؤون عنها بدلًا من مدارسة الكتب النافعة، بل وتسرقون وقت الآخرين بحديثكم عن الأمور التي لا لزوم لها.

وكما أنَّ بِنيةَ الإنسانِ المادية تضمّ جهازًا مناعيًّا يشكِّل درعًا وستارًا للحماية من هجوم الجراثيم على الجسم فكذلك بنيتُه الروحية تضمّ جهازًا معنويًّا يوافق طبيعتها، ويحمي الإنسانَ من الضغط والتشوه والانهيار أمام الأحداث السلبية المؤذية الخانقة التي تفسد الأمزجة، ولكن لهذا أيضًا حدٌّ معين، فمهما حاول الشاغلون أنفسهم دومًا بالأخبار السلبية لوسائل الإعلام أن يستمرّوا واقفين في ثبات وشموخ فإنهم لن يستطيعوا ذلك، ولا يُتَصوَّرُ ثباتُهم وشموخهم دون الوقوع في اليأس وفساد الأمزجة، وأسوق مثالًا على ذلك؛ فلو أن الحرب قامت على قدميها، وأصبحت القذائف والقنابل تنفجر في كل مكانٍ حولكم، وأحيط بكم من كل ناحية وكنتم في وسط الميدان، فهل يمكنكم حينها أن تقولوا: “لن يصيبنا ضررٌ من هذا، علينا أن ننشغل بأعمالنا فقط”؟، أو أن تتبرؤوا من كل هذا قائلين: “قلْ كلٌّ يعمل على شاكلته، وهؤلاء بأكاذيبهم وافتراءاتهم وتشويهاتهم يعملون على شاكلتهم”؟ كلا، لا يمكن ذلك أبدًا؛ لأن جهاز مناعتكم الروحي سينهار بعد فترة، وتتدمّرون روحيًّا، ولا يُتصوَّر من روحٍ انهار أو عُطِبَ جهازُها المناعي أن تنجح في أعمالها، أو أن تقوم بخدماتٍ معتبرة، ولذلك علينا أن نراجع أنفسنا في كلِّ هذه الأمور مرة أخرى.

نعم، صحيح أن وسائل الإعلام أصبحت مهمة للغاية في عصرنا، وأنها تعنينا في كثير من النواحي، ونظرًا لأن الجميع لا يمكنهم القيام بالأعمال اللازمة بشأن وسائل الإعلام، فإن كثرة انشغال من ليس هذا عملهم بالأمر ومحاولتَهم معرفة كل الأخبار المتعلقة بوسائل الإعلام حتى أدق تفاصيلها سوف يُشتتهم ويوقعهم في الفُرقة، لذا فمن الضروري تطبيقُ مبدإ تقسيم الأعمال الذي تحدث عنه الأستاذ بديع الزمان، وتركُ الأعمال التي يتعين القيام بها في هذا المجال لخبراء المجال نفسه، وبالطبع فمَنْ يتعين عليهم بحسب موقعهم معرفةُ ما يحدث في البلاد وفي العالم على حد سواء، وتحديدُ بعض الإستراتيجيات وفقًا لذلك سيكونون على دراية بهذه الشؤون إلى حد ما عبر تلك الوسائل، ولكنه ليس صحيحًا بالنسبة للجميع أن يُصِرُّوا على متابعة وسائل الإعلام عن كثب وإضاعة ساعاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي وعلى شبكة الإنترنت.

   وسائل الإعلام وتضييع الوقت

ومما لا شك فيه أن تضييع الوقت أحدُ أعظم أضرار الانشغال بالقضايا اليومية وبوسائل الإعلام في عصرنا؛ لأنه مع زيادة عدد الصحف وأجهزة التلفزيون، وانتشار مواقع الإنترنت وتطوير وسائل التواصل الاجتماعي بدأت تُبَثُّ أشياء كثيرة تجذب الإنسان إليها، أما تتبع الأخبار والتعليقات والمقالات وما إلى ذلك فإنه يسلُب الناس جزءًا مهمًّا من وقتهم لدرجة أن البعض منهم -على سبيل المثال- يُهملون صلواتهم أو يؤدّونها بسرعةٍ كيفما اتفق، ولا يستطيعون تخصيص وقتٍ كافٍ للدعاء وللأوراد والأذكار، ولا يقومون بأعمالهم المكلفين بها كما يجب، وهكذا يغلقون -عن غير قصد- أبوابَهم ونوافذهم أمام الواردات التي تأتيهم من الله سبحانه وتعالى.

إن علاقة الإنسان بربّه يجب أن تكون قوية بقدر سعة مجال خدمته، ومثل هذا الشخص ينبغي له أن يُولي مزيدًا من الاهتمام لعباداته وأدعيته وغذائه الروحي، ربما حين يؤدّي شخصٌ عادي ما عليه من فروض ويتجنب كبائر الذنوب يكون قد أدى عبوديته لله تعالى، بيد أنّ مَنْ يحظون بمجموعة خاصة من نِعم الله تعالى مُلزَمون بالتوجّه إلى الله عز وجل بقدر تلك النعم، بمعنى أنه يجب على الجميع أن يؤدي عبوديته وفقًا للمكانة التي أنزله الله تعالى بها ولذلك يتحتّم على مَن اختصّه الله ورفعَه وأنعَمَ عليه بِنِعَمٍ خاصة -إذا ما أدّى الفروضَ فحسب- ألّا يعتقد أنه بذلك قد أدّى واجباته كأي شخص في القاعدة؛ إذ يجب أن يكون متعمقًا أكثر في حياته التعبدية بقدر المعارف التي يمتلكها والنعمِ التي حظي بها، ويمكنكم أن تُطلقوا على هذا “الالتزام الذاتي”.

 إلا أن الأحداث الراهنة قد زجَّت بالناس داخل أسوارها الخاصة لدرجة أن القضايا المهمة التي يلزم الانشغال بها أساسًا باتت تؤدّى من باب الطرح عن العاتق وكَفّ العَتَبِ، إننا نبخل في تخصيص زمن لله ربنا ندعوه فيه ونتضرّع ونتوجه ونبتهل ونتوسل إليه، ولكننا على الجانب الآخر ننفق وقتَنا بسخاءٍ حين نمسك الهاتف، أو نجلس أمام الحاسوب أو نلتقي مع الأصدقاء للحديث عن القضايا الراهنة، وتضيعُ ساعاتنا وتنقضي في اللَّهْوِ، ولسوء الحظ فإننا لا نرى مدى الإهدار الرهيب لوقتنا.

وعليه يجب علينا عندما نجتمع ألا نقتل وقتنا بالأحداث الراهنة، يلزم أن نتحدث دائمًا عن الحبيب سبحانه وتعالى، وأن نتدارس حوله باستمرار، بل وحتى حين نجتمع بنيّة التشاور ومناقشة بعض القضايا يلزمُنا أن نُكرِّس معظم أوقاتنا للحديث عن الله سبحانه وتعالى، والانشغال بمذاكرة عبوديّتنا، لدرجة ننسى معها موضوعاتنا الخدمية وأمورنا العادية، يجب علينا أن نحاسب أنفسنا بالمدارسات الدائمة، ونراجع صدقنا ونحاول التخلص من الغفلة.

وإلا فأيًّا كان الموضوع الذي اجتمعتم لمناقشته فإنكم لو ظللتم تتحدثون لساعات حول موضوعٍ ما، ثم نهضتم وتوليتم دون أن تفعلوا شيئًا في سبيل التوجه إلى الحق تعالى، وتجديد إيمانكم به مرة أخرى، والتعرف عليه بشكل أفضل؛ فإنه يستحيل أن تجدوا بركة لما تقومون به من أعمال، لا سيّما إذا ما تخلَّلَ مجلسكم شيءٌ من الغيبة والنميمة.. وحتى لو اعتقدتم أنكم توصلتم إلى نتائج مهمة من الناحية العقلية والمنطقية فإنني أقسم لكم أنكم لن تنالوا بركة أعمالكم بتاتًا ما لم يكن مدارُكم وهدفكم الحقيقي هو التقرّب الدائم إلى الله سبحانه وتعالى.

الخلاصة يجب ألا نضيّع اجتماعاتنا ولقاءاتنا، ليس فقط في مناقشة بعض القضايا الجديدة المتعلقة بالوضع الراهن، بل ولا حتى في التشاور حول المسائل المتعلقة بالخدمة، إن كنا نعتزم إنشاء مدرسةٍ، أو التخطيطَ لإنشاء صحيفة فعلينا أن نناقش ذلك بسرعة، وألا ننشغلَ إلا بالقضايا الرئيسة التي تحتاج إلى التعمّق حولها والتركيز عليها؛ لأن ديننا وعلاقتنا بالله ربنا مقدَّمةٌ على كل شيء، ويستحيل أن نستبدل العلاقة مع الله لا بالدنيا ومتاعها ولا حتى بالآخرة، وإننا في هذه الأمور كلها نحتاج لأن نراجع أنفسنا مرة أخرى، ونؤدبها ثانية.

   الأضرار الأخرى لوسائل الإعلام

ما من إنسانٍ اليوم إلا وينشغل بالإنترنت ووسائل الإعلام، بل إن أولئك الذين يضنّون بأنفسهم عن الاشتغال به كثيرًا؛ ينشغلون به أثناء تناولهم الطعام وشربهم الشاي على الأقل، ولا سيما أن هناك فئة وصلت إلى درجة “إدمان” وسائل الإعلام، ومن مظاهر التدمير الخطيرة للإنترنت الذي دخل حياتنا بهذا القدر أنه بدأ يأخذُ مكان ومكانة “الكتاب”، ويعمل كأداة معرفية، فعلى الرغم من أنه يسهل الوصول إلى المعلومات ويسرّع ذلك، إلا أنه تسبب في بعض السلبيات بالنسبة لعالمنا الفكري وأنشطتنا العقلية والذهنية، ويمكنكم تفصيل الحديث عن هذه الخسائر بدءًا من قطعه السبيل أمام المحاكمة العقلية والتفكير العميق وصولًا إلى مجموعة من الاضطرابات العقلية والخَرَفِ المبكر.

وأبسط مثال على ذلك أن الناس يعتقدون أنهم يستطيعون الوصول بسهولة إلى المعلومات، ومن ثمَّ لا يحفظون أي شيء في ذاكرتهم؛ فتُصاب الذاكرة بالتبلّد والكسل، ومن ثم فإن مَنْ يتعامل مباشرة مع هذا النوع من المعلومات يعتاد على الاسترخاء والراحة مع مرور الزمان، فيُصابُ بالكسل الذهني.

من ناحية أخرى، فوفقًا للنتائج التي توصل إليها الخبراء، فإن هذه الوسائل تسبب الإدمان للبشر وتضر بمجالاتها المغناطيسية، وبالإضافة إلى ذلك، فإن الإنسان حين يستخدم أجهزة الوسائل الإعلامية يبتعد باستمرار عن الطبيعة ويغوص في العوالم الافتراضية منفصلًا عن الحياة الحقيقية، بينما الله تعالى خلق الإنسان في الطبيعة، مُحاطًا بالأسباب، وعندما تُبعدونه عن الطبيعة والأسباب فإنكم تدفعونه إلى طريق يتعارض مع الفطرة، والحقيقةُ أن أساسَ العديدِ من المشاكلِ المادية والروحية والدمارِ الذي نعانيه هو ابتعادُنا عن الطبيعة.

ومن الأسباب المهمة لتعاملنا بهذا القدر من الحساسية في هذه القضية هو السلبية المقترنة بوسائل الإعلام اليوم؛ فحين تضع أمامَنا هذا العدد الكبير من البرامج المشتِّتة للأذهان، وتنثر أمامنا أحلك الأشياء وأبشعها وأكثرها تعقيدًا، ثم لا تقدم لنا معلومات تدلّنا على طريق النجاة، وتعلّمنا كيفية التخلص من هذه المحن يجب علينا أن نتحرّك بحيطةٍ وحذَرٍ في هذا الصدد، والمؤسف أن البعض في هذه الأيام يشوّه الأحداث دائمًا لتكوين رأي عام معين، ودائمًا ما يظهرون الحقائق للناس خلافًا للواقع، ويُخفون عنهم خلفية القضايا وملابساتها، وعليه نتعلم الأحداث التي تقع بشكل مختلف عن ماهيتها الحقيقية دائمًا فنضطرب، ولو كانت هناك منظمات إعلامية تحافظ على ضوابط النشر وأخلاقيات الصحافة، تَبُثُّ وتنشر دون تضليل، ولا تشتيت ولا إفساد؛ لانْحسرَ الضررُ الذي تُسبِّبه وسائل الإعلام إلى أقلّ الدرجات.

من المؤسف أن وسائل الإعلام اليوم تتجاهل المعايير الأخلاقية، ولا تلتزم بالأخلاقيات الإعلامية، وقد تحولت إلى أداة دعائية أكثر من كونها وسيلة إعلام توعويّة للشعب، وهي تتلاعب بكرامة الناس وشرفهم من أجل المصالح السياسية، وتعلّق كل شيء على الأسباب المادية، لذلك فإن كثرة الانشغال بوسائل الإعلام تبدأ بعد مدة في التأثير علينا سلبيًّا؛ فنخسر الأرضية التي نقف عليها، ونتحرك وفق أرضية الآخرين ورؤيتهم وتقييمهم للأحداث، ونبدأ -دون أن ندرك- في التصرف وفقًا لضروريات هذه الأرضية الزلقة التي كوّنها أهل الدنيا وفقًا لمصالحهم الخاصة، وإذا ما أردنا حلًّا لمشكلاتنا فقد ننحرف -دون قصد منّا- إلى مجموعة من الطرق الخاطئة التي يستخدمونها لأنفسهم، ونتوهم أنه لا يمكننا الوصول إلى النتائج إلا من خلال هذه الطرق، لذلك من الضروري مراعاة هذه الجوانب من القضية فيما يخص الانشغال بوسائل الإعلام، وكذلك التصرّف بحذر ودقّة حتى لا يحدث تعوُّدٌ على الأخطاء الحالية وبالتالي تبنِّيها.

الجَرَّة المشروخة: ملاحظات حول القواعد الأخلاقية لوسائل الإعلام – 2

Herkul | | العربية

   توجيه وسائل الإعلام للرأي العام

أصبحت وسائل الإعلام في يومنا أداةً قويّة ومؤثرة إلى حد كبير في توجيه الناس، وإن المستوى العام للشعب له دورٌ مهمٌّ في هذا الأمر؛ وبما أنّ المجتمع بصورته العامّة ليس بمستوى يمكنه من قراءة الحوادث الجارية قراءة صحيحة، وإخضاعِها للتحليل باستخدام لغة العلوم الاجتماعية، والنفاذِ إلى العلوم التكوينية، واستنباطِ المعاني المهمة فهو سهل التوجيه والقياد، وخاصة إذا ما تمت الاستفادة من “سيكولوجية الجماهير”، واستُغلت مشاعر الناس استغلالًا سيّئًا يُصبح من السهل تحويلهم إلى “قطيع” وتوجيههم والتحكم فيهم.. وإلى جانب ذلك فإن كانت الخُطب والأحاديث تُلقى وتُدارُ عطفًا على القيم التي تُعَدُّ مقدّسة كالوطن والأمة والعلم والدين، ويتم الحديث عن حمايتها فسوف تأخذ المشاعر والأساطير الحماسية مكانَ العقل والفكر، ولذلك فإنه حين يُقال لمثل هذه الجماهير “إن الوطن يضيع، فماذا تنتظرون!” يكون من السهل للغاية توجيههم إلى الهدف المراد.

إذا وُضعت كل هذه الأمور في عين الاعتبار اتضح أكثر كيف تصبح وسائل الإعلام عنصرًا مرعبًا وهدّامًا ومخرِّبًا بحسب الموقف، كما أن الأحداث الجارية في تركيا أكبر مثال على هذا؛ فالقوى المسيطرة على وسائل الإعلام تشوِّه من تريد بأكاذيب وافتراءات وتقدمكم في صورة أعداء.. إنكم ستظلون في الأذهان ملطّخين بــ”الوحل” حتى تقوموا بمحْوِ بقعِ الوحل المقذوف عليكم، وإلى أن تصحّحوا المسألة تكون الأمة قد تقدّمت مسافة طويلة في الطريق الخطإ، ولست أدري أيصحّ أن يُسمّى ذلك تقدّمًا أم يجب أن يُسمّى تردّيًّا! لكنه حين يُلوَى عنق الحقائق وتُقدَّم مغلوطة، ويظهرُ الصواب خطأً، والخطأُ صوابًا بصورة دائمة؛ فمن المؤكد أن الشعب يُضلل.

ومن هذه الناحية هناك حاجة ماسة إلى الأشخاص المخلصين المحبين لوطنهم وأمتهم ودينهم الذين يُدلون بدلوهم في هذا المجال، ويمثلون القول الصادق والفكر الصحيح والخطاب السليم في خضم الأقوال والأفكار المنحرفة والمعوجة.. ذلك أن مثل هذه الملاحظات السليمة التي تذاع عبر وسائل نشر مختلفة مثل الصحف والمجلات والقنوات التليفزيونية تدفع الناس للتأمل والتفكر، وتُعينهم على رؤية الحقائق والصواب، فإلى جانب وسائل إعلامية تتلاعب بجملة من قبيل “سرقوا معزةَ الإمامِ” فتجعل الفاعل فيها على نحو “الإمامُ سرق المعزةَ”، وتحرف الأمر تمامًا، هناك حاجة ملحة للغاية إلى وجود أصوات وأنفاس تكشف حقيقة الأمر.

علاوة على ذلك؛ فإن وجود وسائل إعلامية تمثّل الأخلاق والحق سوف يدفع المؤسسات الإعلامية الأخرى إلى أن تكون أكثر دقّة وتحفظًا، فلن تستطيع أن تبث بسهولة خبرًا تعلم أنه كذب وتحريف، لأنها ستخاف من أن ينفضح كذبها.

لهذا السبب يجب أن نصرف طاقتنا في الكشف عن حقائق الأمور وأن نهتمّ بأنفسنا بدلًا من السعي إلى تصحيح أخطاء وسائل الإعلام، وعلينا إيجادُ قنوات وسبل مختلفة والسعيُ إلى إيصال الحق والحقيقة إلى الناس، وأن نسعى أيضًا ليكون لنا صوتٌ ونَفَسٌ في فضاءات الواقع الافتراضي الذي يتحرك فيه الجميع ويستخدمونه بكل سهولة، يجب ألا يجد مستخدمو الإنترنت الأكاذيب والافتراءات فحسب عندما يستخدمونه، بل لا بد أن يجدوا إلى جانب هذا الحقيقةَ ويتمكنوا من رؤيتها ورؤيةِ حرف الأنظارِ المستخدمة ضدّهم.. وأيًّا كان ما يُطالعونه، وحيثما توجهوا ينبغي أن يعثروا على أشياء تصحّح أفكارَهم، وتفتح عيونَهم على الحقيقة.

   إزالة القناعات الخاطئة

أعتقد أنه منذ “عهد التنظيمات”[1] وحتى اليوم توجد في تركيا فئةٌ ومجموعة من القوى نصَّبَت نفسَها وصيَّةً على الدولة، فأصبحت وكأنها تقوم بعمل الدولة، وقد أخذت تمارسُ القمع والضغط على المتدينين، وتهاجمهم دائمًا بتلفيق مجموعة من الحجج الواهية، وتتصرّف بقسوة وراديكالية في الاستجابة لأكثر حقوقهم وطلباتهم براءةً وسلامةً، ولم تُهملْ الأخلاق والمبادئ الدينية فقط، بل حتى قواعد الديمقراطية وحقوق الإنسان.. لقد حوَّلت أبسط المسائل إلى وسيلة للشجار والعراك، وبالتالي شعر المتدينون أنهم تحت ضغط دائم، وانعكس هذا إلى أفكارهم وسلوكياتهم وتصرفاتهم وعاشوا حياتهم في ريبة وشكٍّ، وحدثوا أنفسهم باستمرار “تُرى ماذا لو عبرنا عن أنفسنا؟ لو عبرنا عن فكرتنا هذه؟!”، ولذلك ظهر في المجتمع أناس يستغرب بعضهم بعضًا، ولا يفهم بعضهم لغة بعض، وانقسم المجتمع إلى معسكرات غير طبيعية تختلف عن بعضها في مصطلحاتها، ونمط الكلام والأسلوب ومنظومة القيم.

وعلى هذا فإنه يُنظر إلى من وضع الأفكار والآراء وأصدرها بالدرجة الأولى، وليس إلى الأفكار نفسها، فحتى وإن وضعتم مشروعًا جميلًا لصالح البلاد، وطرحتم أفكارًا قيمة للغاية فإنه يستحيل لهؤلاء أن يروا جمالها ونفعها الخاص؛ بل إنهم يحكمون عليها وفقًا للقناعة والرأي السائد بشأن واضعيها.. إن صنَّفَكم البعض على نحوٍ ما، وظلوا ينظرون إليكم من هذه الزاوية فهذا يعني أنهم يُقيّمون حركاتكم كلها وفقًا لذلك التصنيف، لدرجة أنكم حتى وإن وضعتم سُلَّمًا إلى الجنة ورفعتموهم عليه بأنفسكم فسيعتقدون أن هناك ريبة أو خفاءً ما ولا يتخلّصون من أسر أوهامهم.

ثمة حقيقة لا بد من وضعها في عين الاعتبار، ألا وهي أن هناك أفكارًا خاطئة تم تكوينها بحقكم عند بعض الناس، لدرجة أن أبواب حسن الظن جميعها قد أغُلقت تمامًا.. ولذا فإنكم لن تحظوا بالقبول عندهم قطعيًّا ولن يرضوا عنكم حتى تتّبعوهم، ولكنه وبرغم كل هذا فليس أمامنا طريق آخر سوى العثور على قنوات وسُبلٍ مختلفة نعبّر من خلالها عن أنفسنا، فمن الضروري السعي إلى تعريف أنفسنا بوضوح وشفافية إلى هؤلاء عبر التفكير في الأمر بعدة طرق، وإيجاد وسائل جديدة للغاية، والتواجد بشكل أو بآخر في المنتديات المقروءة والمسموعة والمرئية لهم.

علينا ألّا نيأس أو نملّ في هذا الشأن.. إننا إن نفعل ما يقع على عاتقنا دون أن نخطئ في المبدإ والأسلوب فسنرى -ولو بعد حين- أن الناس تعرفوا علينا بشكل صحيح وأن قناعاتهم بشأننا قد تغيرت.. فقد حدث حتى اليوم أن جاء إلينا العديد من الأشخاص فاعتذروا إلينا قائلين “كنا أخطأنا في معرفتكم، ما كنا نعلم شيئًا عنكم على الإطلاق”، ولكنه يجب ألا يُنسى أنه كانت لديهم مكتسبات وتصوّرات قديمة بحقّنا، وأن ردّهم إياها دفعة واحدة وإقرارهم بأنهم أخطؤوا كان صعبًا للغاية، وأنه لا يمكن التعبير عن أنفسنا بالحديث إلى الناس مرة أو اثنتين، بل يجب التواصل معهم باستمرار وصبر وعزيمة.

لأنه -وبالرغم من كل شيء- لا بد ألا يُنسى أن الله عز وجل خلق الإنسان كريمًا ووضع في طبيعته شعور الإنصاف، وكما أن الإنصافَ نصفُ الدين فهو حقيقةُ ماهية الإنسان أيضًا، ولذا فإن المجالَ والاحتمالَ مفتوحٌ لعودتهم إلى الإنصاف يومًا ما والتخلّص من قناعاتهم الخاطئة، لكنني لست مقتنعًا أنه تم استخدام جميع القنوات والسُّبل اللازمة استخدامًا صحيحًا.

   الرفق والوداعة

إن ما يُشكل مشاعرنا وأفكارَنا هو الثقافة التي نشأنا فيها، ولأننا وجدنا أنفسنا في بيئة مجتمعية يتشاجرُ أفرادُها ويتصارعون بعضُهم مع بعض؛ فإننا ندخل في طريقهم ونتصرف مثلهم، ثمة أناس يقولون عنّا كذا، ونحن أيضًا نقول شيئًا آخر ضدّهم، إن كانوا يسبوننا ويقدحون فينا نبدأ نحن كذلك نفعل مثلهم، ولكن استمرار الاحتكاكات المتبادلة ومظاهر التوتر والوخز والطعن والتعريض يعني أننا نُبعِد الناس عن أنفسنا.

أجل، يجب التصريح بالحقائق والتمسّك بها ورفعها وعدم التنازل عنها، ولا يحقّ لنا التفريط في الحقّ والحقيقة لصالحِ أيّ شيءٍ كان.. ولكن نجاحنا في جعل الناس يقبلون الحقّ مهمٌّ بقدرِ أهمية تقدير الحق وتقديسه، وعلينا أن ننتبه إلى المنهج الذي سيُتّبع والأسلوب الذي سيُسْتَخدم، وألّا نهملَ العقل والمنطق، ولا الصمود والإخلاص التامّ في هذا الشأن.. وعلينا أن نضع أحاسيسَ المخاطبين في الاعتبار، وأن نحسبَ الآثار المترتبة على الأقوال والكتابات.

ولا يمكن الارتقاء ولا التقدّم عبر سلوكيّات وتصرّفات من قبيل استخدام عناصر وسائل الإعلام لمجرّد التنفيس عن الذات والتفريج عنها، ومحاولة الانتقام بهذا الطريق من أولئك الذين يؤذون أرواحنا، والهرولة رغبة في تحقيق ذلك، وإذا ما وخزنا أحدهم بإبرة وخزناه بِمِسَلَّةٍ، ومحاولة رمي الآخرين بأحجار أكثر عددًا مما رمونا بها.. أما إذا ما تعلَّق الأمر بحماية البلاد، وصدّ العدوان عبر الاشتباك المباشر فإن الصمود والثبات هو التصرف الجدير بالتقدير، وخلافُ ذلك يعني ضعفًا ووهنًا، لكننا الآن وبعد أن طُوِيَت صفحة الحروب المادية المباشرة ودخل السيفُ في غمدهِ فعلينا إذا ما تحدّثنا عن قيمنا أن نلجأ إلى الإنسانية والإنصاف، لا سيما في يومنا هذا.. يجب معالجة القضايا عبر إخضاعها لآلية الضمير.. وعلى المرء أن يكبح جماح نفسه، وألا ينشغل بالرد على الآخرين، وعليه أن يبتعد عن الحركات العاطفية والاندفاعية.

ومهما يفعل الآخرون، فإننا لا نرد على الهجوم بمثله، وعلى الانفعال بنظيره، وعلى الحدة بشبيهها، لنقف صامدين، ولكن لا نعاند، علينا أن نكون لطيفين بما يكفي لجعل من يُهاجموننا يتخلّون عما قالوا، ويندمون على ما فعلوا، بل وحتى يشعرون بالخزي والعار، ولنفكر ونتأمل قبل التحدّث والكتابة والتحرك، ولنُعمل أذهاننا في أية فكرة وأية ملاحظة عشر مرات، والأكثر من ذلك أنه ينبغي لنا أن نتشاور مع الآخرين ونلجأ إلى الوعي الجمعي، فإذا انتبهنا إلى كل هذه الأشياء، وتعرضنا إلى ردة فعل سلبية برغم كل هذا، فعلينا أن نقول “ماذا عسانا أن نفعل! يبدو أن هذا هو قدرنا”.

   تحديد جدول الأعمال

للأسف غالبًا ما نركض إثر جداول الأعمال التي وضعها الآخرون، ونظلّ في وضع دفاعي دائمًا، إننا نستنفد طاقتَنا في الردّ على البعض، يجب علينا أن نتخلّص من هذا الوضع ونكون في موقع صنّاع جدول الأعمال وألا نكون في موقع متابعي جدول أعمال الآخرين، ولكن تجدر الإشارة إلى أن عمليّة تحديد جدول الأعمال ليست شيئًا سهلًا وبسيطًا؛ إذ قبل أن نطبّقَ جدولَ أعمالٍ ما يجب حساب الإيجابيات والسلبيات التي قد تنتج عنه حسابًا جيّدًا، يجب أن توضع في عين الاعتبار التعليقاتُ التي ستعلن بشأن المسألة المطروحة، والأقوال والانتقادات التي ستقدم، كما يجب في الوقت نفسه تحديد كيفية الرد على كل هؤلاء.

أحيانًا قد تطرحون جدول أعمال معين وتجمعون آراء الناس حوله، إلّا أنكم قد تعانون منه لاحقًا وتنسحقون بسببه نظرًا لضعف حججكم التي تدافع عنه، وعدم جاهزية الإجابات البديلة المتوقع تقديمها، وبعبارة أخرى: إنكم بينما تنوون الهجوم تقعون في وضع المنهزم الذي خانته أنظمته الدفاعية، وعليكم في أثناء عملية تحديد جدول الأعمال ألا تعطوا من يعتبرون أنفسهم الطرف الآخر فرصةً كي يهاجموكم ويعتدوا عليكم.

ويجب خلال وضع جدول الأعمال طرح مواضيع توافقَ عليها أغلبُ الشعب، واتفقوا على كونها في مصالح البلاد، كما تجبُ دراستُها وبحثُها جيّدًا قبل طرحها، وعلى الضمير الجماعي أن يتبناها ويساندها، ولأجل هذا أيضًا يجب معرفة المجتمع معرفة جيدة، ووضع المشاعر والرأي العام في الحسبان، وينبغي خلال وضع جداول الأعمال أن نتجنب القضايا التي تثير الشكوك في الأذهان، وتؤدّي إلى إساءة الفهم، وتثير التوتر داخل المجتمع.. وكما أن لتقديم الطعام طريقة وأسلوبًا معيّنًا فلا بد من اتباع مبدإٍ معينٍ أيضًا في تقديم الغايات السامية والقيم النبيلة إلى الناس.

***

[1]  يطلق مصطلح “التنظيمات” على مجموعة الإصلاحات التي أدخلها السلطان عبد المجيد في عام (1839م). وقد انتهى عهد التنظيمات بإغلاق مجلس النواب عام (1878م).

الجَرَّة المشروخة: ملاحظات حول القواعد الأخلاقية لوسائل الإعلام

Herkul | | العربية

   سؤال: يُلاحظ أن وسائل الإعلام في وقتنا الحاضر قد تسبّبت في وجود العديد من السلبيات نتيجةَ إخلالها بالقواعد الأخلاقية، فإذا كان هذا هو الوضع القائم فما الواجبات التي تقع على عاتق وسائل الإعلام برأيكم؟

   الجواب: عند النظر إلى أحوال الناس وسلوكياتهم اليوم فإننا نلاحظ فسادًا كبيرًا وعِلَلًا وأسقامًا كثيرةً تنخر في صحة المجتمع، وتُشير إلى هذا تلك الزيادةُ الخطيرة في تناول العقاقير المضادة للاكتئاب في السنوات الأخيرة، حتى إنها بلغت عشرة بالمائة؛ وهذا يعني أن العديد من الناس يعيشون تحت ضغط واكتئاب كبيرين، بل إن هناك الكثير من الناس الذين تبدو صحتهم على ما يرام ولا توجد أدنى احتمالية لإصابتهم بأي مرض نفسي عند النظر إليهم في الظاهر، إلا أنهم يتناولون مثل هذه العقاقير، ولولاها لما استطاعوا أن يكونوا متّزنين، ولأضرّوا بأنفسهم والآخرين.

ولو جئنا بأناس عاشوا في عهودٍ مختلفة وشاهدوا حال الناس في عصرنا لحكموا بتدهور الحالة النفسية لدى أغلبية المجتمع، فللأسف سيطرت على مجتمعنا اليوم كثيرٌ من الأمراض النفسية مثل جنون العظمة، وجنون الشك، والانفصام العقلي، لكن نظرًا لأن أغلبية الناس تعاني من الداء نفسه فقد صاروا لا يميزون مرض بعضهم البعض، فكما يَعتبر المجانين أنفسَهم عقلاء وأن غيرَهم هم المجانين؛ فإن الناس في عصرنا الحاضر قد أصبحوا لا يعون أمراض بعضهم بعضًا.

وغالبًا ما يكمن سبب هذه المأساة في كثير من العوامل التي تُتلِف أعصاب الإنسان وتسوقه إلى الجنون، فالناس يقومون ويقعدون في توتّرٍ على الدوام؛ ويبدأ التوتر معهم من داخل البيت، ويستقبل الطفلُ الحياةَ في توتر، ويخلد الناس للنوم في توتر، ويصبحون على توتر، ولا ريب أن هذا كله يؤثّر في حياتهم الأسرية والوظيفية وعلاقاتهم الإنسانية، فتراهم يغضبون لأتفه الأسباب، ويشغلون بالهم بأهون الأمور، ويكسرون خاطر من حولهم لأسباب بسيطة، وبما أنهم منزعجون فإنهم يُزعجون ويُضايقون المحيطين بهم، وتنتابهم حالات روحية تدفعهم إلى التخريب والتدمير.

والواقع أن البيئة لو عجّت بالسلبيات التي تشوِّه الأذهان وتكدّر المجتمع فمن المتعذر أن نجد فيها تصرفات متوازنة وأطوارًا لينة وأفكارًا سليمة بعدما أثارت السلبياتُ الناسَ ووجهتهم إلى نَواحٍ سلبية، ولا مشاحة في أن وسائل الإعلام تعدّ من أهم العوامل التي تفضي إلى مثل هذه السلبيات؛ فإن تقديمَ الأخبار التي توتِّر الأجواء، ونشرَ الأكاذيب التي توقِع بين الناس، والتجسسَ على عورات الناس أو الجماعات غير المرغوب فيها، والمبالغةَ في تصدير الحقائق من أجل زيادة نسبة المشاهدة، وغيرَ ذلك من الأخطاء؛ تتسبب -مع الأسف- في كثيرٍ من السلبيات وحدوثِ تصدّعات خطيرة في بنية المجتمع.

   ميثاق الشرف الاجتماعي

فيا ليت المؤسسات الصحفية والإعلامية والمؤسسات التابعة للدولة تجتمع فيما بينها وتوقّع على ميثاق شرف، وتتفق على مبادئ معينة وتُبِرم فيما بينها -بتعبير جان جاك روسو- “عقدًا اجتماعيًّا” ينصّ على عدم توتير الأجواء، والالتزام بالقواعد الأخلاقية، وتقديم التقارير الصحيحة والدقيقة، وعدم التلاعب بكرامة الناس وشرفهم! ليت هذه المؤسسات الصحفية والإعلامية تتعهد بتجنّب التصرفات غير المسؤولة والمتهورة، ومراعاة حساسية الشعب! ليتها تراعي وتحسب منذ البداية النتائج التي تتمخض عن وصول أخبارها إلى الرأي العام! ليتها تبثّ أخبارًا تقوّي أواصر الوفاق والاتفاق بدلًا من إلهاب فتيل العداء والمشاحنات! ليتها تتجنب تقديم الأخبار والبرامج التي ترفع الضغط وتوتّر الناس!

فمن الأهمية بمكان أن يتمّ تفعيل وتطبيق المواد التي ينصّ عليها قانون الصحافة بدقة بالغة، وأن تُفرَض عقوباتٌ رادعة على الذين يخلّون بهذه القوانين! ولكن الأهم هو تبنّي تلك المواد ومراعاتها؛ ولهذا فمن الأهمية بمكان أيضًا إقناع العاملين بمؤسّسات الإعلام بأهمية هذه الموضوعات، وتوحيد آرائهم وأفكارهم حول القواعد الأخلاقية، وإبرامهم “ميثاقَ شرفِ” يتفق عليه الجميع.

ولكن رغم أننا قطعنا أشواطًا كبيرة في العملية الديمقراطية في السنوات السابقة، وتقدمنا خطوات كبيرة في ترسيخ القيم الديمقراطية فمن الصعب أن نقول إن المجتمع الآن مهيّأٌ تمامًا للقيام بمسؤوليات هذا الميثاق، حيث إن الشعورَ العام في المجتمع والبنية الاجتماعية -مع الأسف- غير مهيَّئين لتحقيق التطورات المطلوبة في هذا الأمر؛ إذ إننا لسنا على المستوى المطلوب من حيث انفتاح الفكر وسعة الوجدان.

ومع هذا فإن عدمَ مراعاة بعض وسائل الإعلام لهذا الأمر وتهورهم فيه لا ينبغي أن يدفعنا إلى أن نتشبه بهم، وعدمَ الوصول إلى اتفاق جماعي في هذا الموضوع لا يستلزم تركَه كُلّيةً، فإن إتيان الآخرين للمنكر لا يبيح أو يجيز لنا هذا المنكر، بل لو كان 99.9% من الناس يرتكبون المنكرات فإن هذا لا يجيز للباقين مجاراتهم، لأن الله تعالى سيحاسب الجميع فردًا فردًا في الآخرة، وحينها لا تزر وازرة وزر أخرى، ولا يُعفى عمّن قلد ذنوب الآخرين واقتدى بها؛ لأنه إن كان لا بد من الاتباع والتقليد فليقلَّدْ الآخرون في صوابهم فقط وليس في أخطائهم.

   أسلوب الخطاب

ومن ثمّ فعلى كل من يسعى لإقامة حياته على القيم الدينيّة والأخلاقية أن يراعي الدقة في مسألة القواعد الأخلاقية لوسائل الإعلام، وأن يكون قدوةً للآخرين في هذا الأمر؛ فمثلًا يجب على العاملين في البرامج التلفزيونية أن يستخدموا لغةً محترمة عند خطابِ بعضهم بعضًا، كأن يقولوا “السيد المراسل فلان” أو “السيدة المراسلة فلانة”، وبذلك ينتعش حسّ الاحترام بين أفراد المجتمع.

والواقع أن هذه المعاملة الطيبة كانت سجية عامة في مجتمعنا، ففي البيئة التي نشأتُ فيها لم يكن هناك أحد يخاطب غيره باسمه مجردًا، بل لا بد أن يضيف إليه “السيد فلان”، “أخي فلان”، “أختي فلانة”، فلا يذكر أحدٌ غيرَه إلا بمثل هذا الاحترام، أما إذا تخلى أحدٌ عن هذه المعاملة المحترمة ونادى غيره باسمه مجرّدًا فإن هذا يعتبر من قبيل الغلظة والفظاظة، وكأنهم كانوا يعتبرون هذا الخطابَ الفظّ عادةً جاهليّةً لأناسٍ لم يخرجوا من البادية بَعدُ.

فلو راعينا اليوم مثل هذه المعاملة المحترمة عند كتابة المقالات الصحفية أو عند تقديم البرامج التلفزيونية وخاطبنا بعضنا البعض بـ”السيد فلان”، “السيد الأستاذ”، “صاحب المقام”، بل لو عبَّرنا عن انتقاداتنا بنوعٍ من الاحترام كأن نقول مثلًا: “لقد تفضّلتم بكذا، ولكن ثمة وجه آخر للمسألة وهو كذا… “، وأصررنا على هذا التعامل المحترم؛ فإنني أعتقد بأن هذا السلوك سيلقى قبولًا حسنًا وتقديرًا كبيرًا لدى الآخرين؛ لأن القدرةَ على السريان لدى الأجسام المظلمةِ الكثيفةِ محدودةٌ، أما الأجسامُ الجميلةُ النورانيّةُ فإنها تسري بسرعة هائلة.

أجل، لا بدّ أن ننتقل بالأمر إلى موضوعات أهم وأعظم، وأن نسعى إلى إحياء قيمنا الضائعة مرة أخرى، وأن نحسّن ونعدِّل الأسلوب واللغة غير المنضبطة، وأن نكون ممثّلين للخير والجمال في جميع أنشطتنا، وأن نراعي لأقصى درجة حسن استخدام اللغة التي تُعدّ وسيلة تبادل بين الحضارات والثقافات، وأن نتجنّب الكلمات الزائفة، وأن نستخدم -بقدر المستطاع- الكلمات التي تعبر عن ثقافتنا الذاتية وجذورنا الروحية.

    الصدق والأخلاق

ولا جرم أن الصدق من أهم الأمور التي يجب مراعاتها عند تقديم الأخبار في وسائل الإعلام وكتابة المقالات وإعداد البرامج التلفزيونية، ولا يجوز لمؤمنٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يكذب عن قصد ويفتري على الأبرياء أو أن يشوِّه سمعتهم بالكذب والافتراءات، دع عن الكذب والافتراء، بل وحتى لا يجوز لمؤمن يمثّل الصدق أن يبالغ في الأخبار التي يقدِّمها، أو يذيع أخبارًا غير متأكد من صحتها، بل لا يجوز له أن يقدّم لوسائل الإعلام حقائقَ يُعتقَد أنها ستضرّ أفراد المجتمع.

وللأسف الشديد فإن بعض الناس رغم إيمانهم بالله لا يستطيعون الحفاظ على التوازن أحيانًا، ولكن يلزم ألا ننسى أن الحقيقة إن لم يُعبَّر عنها كاملةً عند الإخبار عن أي حادثة وذُكرَت أمورٌ تخالف الواقع فستضيع المصداقية بعد ذلك عند ظهور خلاف الأمور المدَّعاة، وسترتد هذه الأمور المشوبة بالإفراط والتفريط على أصحابها.

من أجل ذلك يلزم ألا نبتّ في الأمر إن لم تتضح لنا مقدماته وخلفياته، وألا نشرع فيه دون تروٍّ وفهمٍ عميقٍ للمسألة، وأن نتجنّب الأخبار المبالَغ فيها، وأن نكون معتدلين في تفسيراتنا وتأويلاتنا، وبذلك لا نخدع الناس، ولا نضيِّع مصداقيّتَنا وثقةَ الناسِ بنا، فضلًا عن أننا في الوقت ذاته سنخلِّف أدوات صحيحة للمحللين والمؤرخين الذين يأتون من بعدنا.

قد لا يراعي الآخرون شيئًا من هذا، ويتلاعبون بشرف الناس وكرامتهم، ويشوِّهون سمعة الكثيرين بقولهم “أطلق الشائعةَ فإن لم تصب هدفها فسيبقى أثرُها”، وقد لا يكون بوسعنا مواجهة هذا الأمر، ولكن وإن لم يكن لنا تأثيرٌ أو نفوذٌ على الآخرين فلا يصح أن نكون مثلهم ولا ينبغي لنا هذا، فما يقع على عاتقنا هو أن نبلّغ الصدق دائمًا، وأن نطرح كلَّ شيءٍ بصدق، وأن نتكلم بصدقٍ، ولا نتخلى أبدًا عن الصدق.

من جانب آخر ثمة مسائل مرتبطة بحياة الناس الشخصية، إن الله تعالى لم يكلّف أحدًا بالتجسس على الناس والبحث عن عيوبهم، والتجسُّسُ يعني تفقُّدَ أحوال الناس وتتبُّعَ عوراتهم، وهو أمر حرّمه الإسلام، فما يجبُ علينا عند الاطلاع على بعض آثام الناس هو سترها وليس إفشاؤها طالما أنها لا تضرّ بالحقوق العامة.

فمثلًا لا يقع على عاتق أحدٍ شهِد جُرمًا شخصيًّا أن يبلّغ القائمين على الأمر به، وكما أن هذا الأمر ليس من وظيفته فكذلك لا مسؤولية عليه إن لم يبلّغ، بالعكس يعتبر سترُه فضيلة.

وكلنا يتذكر هذه المرأة التي جاءت إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم معترفةً له بالزنا، فلم يتوقف النبي صلى الله عليه وسلم عند الواقعة، ولم يصرّ على معرفة تفاصيلها، ولم يصغِ كثيرًا إليها، بل إن وجهَه صلى الله عليه وسلم قد احمرّ حتى كاد يقطر دمًا، ثم حوّل وجهه إلى الميمنة، وسكت كأنه لم يسمع شيئًا، فقد حاول الرسول صلى الله عليه وسلم أن ترجع المرأة عن كلامها، ومنحها الفرصة تلو الأخرى خلال سنوات طويلة كي تستغفرَ وتتوبَ ولا تعود لطلَبِ الحدّ.

لكن مع الأسف اصطبغ هذا الأمر في أيامنا بشيء من الصفاقة والوقاحة؛ حيث بات الناس يتصيدون لغيرهم الذنوب والعيوب بدلًا من إخفائها وسترها، ويتجسّسون على حياتهم الشخصية، ويتسابقون في الكشف عن عيوبهم، وكثيرًا ما يتلاعبون بشرف الناس وكرامتهم وأعراضهم، وكل ذلك من أجل جذب الأنظار وزيادة أعداد القراء والمشاهدين فحسب، الأمر الذي نتج عنه أن ساءت حياة الكثيرين منهم، وهذا أمر لا يتوافق مع الدين ولا مع الإنسانية، سامحوني.. إنها وقاحةٌ صريحةٌ.

إن تقديمَ المتهمين الذين انتهكوا حقوق الآخرين وأفسدوا النظام العام ومعاقبتَهم شيءٌ، وفضحَهم أمام الملإ والتعامل بتهوّر دون مراعاة لكرامة الناس وشرفهم شيءٌ آخر، فإن الجرم لو وقع تتدخل النيابة العامة في الأمر، وتحيل المتهمَ إلى المحكمة، فإن ثبتَت الأدلةُ ضدّ هذا المتهم ينالُ عقابه، لكن مثل هذا التحقيق والتنقيب ليس من مهمة وسائل الإعلام.

ولو نظرنا إلى المسألة من حيث التربية الإسلامية، والمفاهيم الإنسانية، وقواعد الأخلاق العالمية للاحظنا أن المحكمة حتى وإن أدانت المتهم بأن حكمت عليه بأنه لصُّ أو ناقصُ مروءة أو شريرٌ فليسَ من حقِّ وسائل الإعلام نشرُ هذا الخبر، فلا أحدَ يحوز فضلًا أو يكسب ثوابًا من الله لمجرد أنه أخبر الرأيَ العامَ عن مثل هذه الوقائع، بل الثواب في سترها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى في أحاديثه الشريفة بستر الذنوب والعيوب، وبشَّرَ الذين يسترون عيوبَ الناس في الدنيا بستر عيوبهم في الآخرة[1]، فهذا هو ما تقتضيه الأخلاق والتربية الإسلامية.

ولذلك فكما أن قصد المسلم لمالِ غيره أو روحه أو عرضه يُعدُّ جرمًا عظيمًا فكذلك نشر مثل هذا الجرم باللسان أو القلم يعد جرمًا ووقاحةً أخرى، فمن الناس مَن ينزلق أحيانًا بسبب اتباعه لنفسه وشيطانه، ثم تأتي وسائلُ الإعلام وتُفشي سرّه وتكشف خبايا أمره، وعندها يظل هذا الشخص طوال عمره منكّس الرأس من الخزي والعار الذي لحق به، بل قد لا يقتصر هذا الخزي على الشخص وحده، ويتعدّى إلى أسرته أو عشيرته أو جماعته؛ فلا حقّ لأحدٍ أن يكون سببًا في خزي الناس وتحقيرهم، فمثل هذه الوقاحة لا علاقة لها بحقِّ استقصاءِ الأخبار أو إذاعتِها، فليس هناك دِين إلهي أو نظامٌ بشري سليم يسمح بذلك الحق ألبتة. أجل، الذنبُ ذنبٌ، ولكن سحقَ الناسِ بسبب هذا الذنب وتعريضَهم للخزي والهوان ذنبٌ أكبر.

ولقد ورد أن بني إسرائيل لحقهم قحطٌ على عهد موسى عليه السلام فاجتمع الناس إليه فقالوا: يا كليم الله ادع لنا ربك أن يسقينا الغيث، فقام معهم وخرجوا إلى الصحراء وهم سبعون ألفًا أو يزيدون، فقال موسى عليه السلام: “إلهي اسقنا غيثك وانشر علينا رحمتك وارحمنا بالأطفال الرضع والبهائم الرتع والمشايخ الركع”، فما زادت السماء إلا تقشعًا والشمس إلا حرارة.. فقال موسى عليه السلام: “إلهي اسقنا”.. فقال الله تعالى: “كيف أسقيكم؟ وفيكم عبدٌ يبارزني بالمعاصي منذ أربعين سنة فنادِ في الناس حتى يخرج من بين أظهركم ففيه منعتكم”.. فصاح موسى في قومه: “يا أيها العبد العاصي الذي يبارز الله منذ أربعين سنة اخرج من بين أظهرنا فَبِكَ مُنِعْنَا المطر”.. فنظر العبد العاصي ذات اليمين وذات الشمال فلم ير أحدًا خرجَ، فعلم أنه المطلوب، فقال في نفسه: إن أنا خرجتُ من بين هذا الخلق افتضحتُ على رؤوس بني إسرائيل، وإن قعدتُ معهم مُنِعوا لأجلي، فانكسَرت نفسُه ودمعَتْ عينُه، فأدخل رأسَه في ثيابه نادمًا على فعاله، وقال: إلهي وسيدي! عصيتُك أربعين سنة وأمهلْتَني، وقد أتيتك طائعًا فاقبلني! وأخذَ يبتهل إلى خالقه، فلم يتمّ الكلام حتى ارتفعت سحابةٌ بيضاء فأمطرت كأفواه القِرب، فعجب موسى وقال: “إلهي سقيتَنا وما خرج من بين أظهرنا أحد”، فقال الله: “يا موسى سقيتُكم بالذي به منعتكم”، فقال موسى: “إلهي أرني هذا العبد”، قال: “يا موسى إني لم أفضحه وهو يعصيني أأفضحه وهو يطيعني؟!”[2].إن هذا الخلقَ إلهيٌّ وعلينا أن نتحلى به، إلى جانب الاستغفار والتوبة الجماعية.

لكنه من المؤسف أن كثيرًا من وسائل الإعلام محرومةٌ من مثل هذه التربية؛ إنها تلعب بشرف العديد من الناس بهدف رفع نِسَب المشاهدة، حتى إنها لا تتورع عن أن تنشر في الصحف والمجلات ومواقع الانترنت أو القنوات التليفزيونية بعضَ أخبارٍ مختلَقَة تقدّمها دون مصدرٍ أو توثيق، تفعل هذا وكأنها فتحت عيونها وراحت تنتظر أن تفتضح عورات الناس كي يستغلوها وينشروها ويُتاجروا بها.

إنني حين أشاهد مثل هذه الأخبار لا أتمالك نفسي من أن أقول: “هذا يعني أنها تعاني ضحالة خطيرة في الفكر، ونظرًا لعدم امتلاكها أفكارًا مهمة تقولها للأمة تسعى إلى إثارة الهياج والحماس، والتعبير عن نفسها بأشياء غير سليمة.. إنها تحاول -من جهةٍ ما- سترَ عيوبها وأخطائها الشخصية بواسطة مثل هذه الأخبار والتعليقات”.

ومهما يفعل الآخرون فإنه يجب على المؤمنين بالله حق الإيمان ألا يذيعوا عيوب الناس وخطاياهم، وعليهم أن يكونوا قدوةً لغيرهم في هذا الأمر، وبدلًا من الانشغال بعيوب الآخرين لِينظروا إلى فضائلهم ويُقدّروها.. عليهم أن يسعوا إلى إعداد مواد إخبارية تُسعد الناس، وتُطلق وجوههم، لا تُخزيهم وتُخجلهم.. وكما أن الأخلاق الإنسانية تستلزم هذا فإن الأخلاق القرآنية التي تتمثل فيها الأخلاق الإنسانية بأسمى أشكالها وأعلاها تستوجب هذا أيضًا.. فلا يليق بالمسلمين أن يقولوا: “إن الناس جميعًا على هذا المنوال، ونحن نفعل مثلهم”، لأنه -وكما ذكرنا في البداية- لو تلبّس الجميع بالشرّ ولم يبق سوى إنسان واحدٍ فما يقع على كاهله هو مواصلة السير في الطريق الصحيح الذي يعرفه.

ولا تخفى الأهمية البالغة للأسلوب الذي يجب أن يتعامل به مَن يُمثِّلون الإسلام في هذه القضايا؛ فالتصرفات الصحيحة وكذلك الخاطئة التي يقومون بها لا تبقى قاصرة عليهم أنفسهم، بل تُعزى إلى الدين في الوقت نفسه، فإن كانت أحاسيسهم وأفكارهم كما يأمر الإسلام، وتصرفوا وفقًا للإسلام ونفذوا أنشطتهم كلها في إطاره؛ دفعوا الآخرين إلى التعاطف مع الإسلام، وعندها يقول من يراقبونهم “ما أجمل ما يحمله هذا الدين من نظامٍ بديع!”، وهكذا لا بد من العثور على السبل التي تؤدي بالآخرين إلى هذا القول، وجعلهم يغبطونهم على أنهم مسلمون، وإثارة الإعجاب والاستحسان لديهم.

(هذا المقال سيتابع في الأسبوع القادم).

 

[1] انظر: صحيح البخاري، المظالم، 4؛ صحيح مسلم، البر، 58.

[2] ابن قدامة: كتاب التوابين، 55.