التراب والوَرد

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: يقول سعدي الشيرازي[1] في أثره المسمى “كُلِسْتَانْ (: روضة الورد)”: كُن تُرابًا أيُّها الإنسانُ تُنْبِت وردًا؛ فما يَنبُتُ الوردُ إلَّا في التُرابِ”؛ فما المعاني التي تعبِّرُ عنها عبارته تلك بالنسبة لمفهومنا الخاصِّ بالعبودية؟

الجواب: إن هذه العبارةَ الجميلة بمعناها الحقيقيّ تقول: إنَّ الوردَ ينبُتُ في التراب فحسب، وكما أنَّه لا يمكن أن ينبُت وينمُو في الجرانيت والرخام أو الحديد فلا يمكن أيضًا أن ينمو في المعادن النفيسة التي تحظى بغايةِ تقديرِ الناسِ مثل الفضة والذهب والزبرجد والياقوت.

والحقيقة أنَّه يمكنكم ربطُ دفنِ الناس في التراب بعد موتهم أيضًا بهذا المعنى؛ إذ إنَّ الإنسان لا يُرمى جانبًا في أيِّ مكانٍ حين يموت، وإنَّما يُدفن في التراب كي يَنبت وردةً أخروية، سواء أربطتم الأمر بحقيقة “عَجْب الذَّنَبِ” أو بشيء آخر؛ فإنَّ في الإنسان “جوهرًا” يُحْييه الله جلَّ جلاله به من جديد، غير أنَّه لا يمكن أنْ يبدو كالوردة في الدار الآخرة إنسانٌ أطلق لنفسه العنان فَتَحَلَّلَ معنويًّا وهو ما يزال حيًّا ولَمَّا يَمُتْ أو يُدْفَنْ في التراب بعدُ.

سنام العبودية: السجودُ

يُذكر الترابُ في بعض الثقافات الشرقية منذ القِدَم على أنَّه رَمزٌ للتواضعِ والمحويّة دائمًا، لأنَّه جُعِلَ بأمرِ الله مصدرًا لحياةِ الإنسانِ ولغيره من الأحياء، رغم أنَّه يُداس تحت الأقدام، وبالتالي فإنَّ سموَّ الإنسانِ وإثمارَه مرهونٌ بتواضعه واستحقارِهِ نفسَهُ ومحويَّتِهِ وتذلُّلِهِ بين يدي ربِّه وتأدُّبِهِ معه، أمَّا إنْ همَّ يتكبَّر ويتفاخر فإنَّه سينقلب رأسًا على عقبٍ يومًا ما؛ فيهلك.

وعليه فإنَّه ينبغي للإنسان أن ينحني لله بقدر نِعَمِهِ وإحسانِهِ وألطافِهِ عليه، ويمكنكم تمثيل هذه الحقيقة في أذهانكم وإحياؤها عبر التفكير في أركان الصلاة؛ فعلى سبيل المثال: إنَّ الإنسانَ الذي يقومُ للصلاةِ مكبِّرًا تكبيرةَ الإحرامِ “الله أكبر” فيقف فيها خاشعًا خاضعًا؛ يَسْتَقِلُّ موقفه هذا بين يدي الله تعالى؛ فيُسارع إلى الركوع الذي يعني تعظيمًا آخرَ له سبحانه؛ فينحني راكعًا معظِّمًا لله فيبدو كعصًا ملتويةٍ، ثمّ يستشعرُ نِعَمَ الله أكثرَ فأكثر فيخِرُّ ساجدًا بمشاعر: “اللهم لك الشكرُ كلُّه على ما وفَّقتني إليه من عبادتك، فما أعظمك! وما أجلّك! أنا الحقير الوضيع وأنت الكبيرُ المُتَعَال، غير أنني عاجزٌ عن التعبير عن هذا بقيامي هكذا، وهاأَنَذَا أنحني لك خشوعًا وخضوعًا”، ثم يرفع رأسه من السجود وكأنه يبحث عن ضالَّتِهِ ومرادِهِ؛ فيتوجَّه إليه سبحانه وتعالى وكأنه يراه من فُرجة بابٍ فُرِّجَت له، ويسجُدُ مجدَّدًا وهو يقول: “كلا، إنَّ هذا ليس بكافٍ!”.

وقد ذكر مفخرةُ الإنسانيّة صلى الله عليه وسلم أنَّه ليسَ ثمة وضعٌ ولا حالٌ يكون فيه الإنسانُ أقربَ إلى ربِّهِ من حالِهِ في السجود؛ إذ قال: “أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ[2]، وقد عُبِّرَ شعرًا عن هذا المعنى الذي يُفِيدُه السجود على النحو الآتي:

الرأس والقدم على السواء… والسجادةُ تَلْثُمُ الجبهة الغراء

هذا سبيلك أيها الإنسان… لترقى وتقترب من ربِّ السماء

آفة نسبة النجاح إلى النفس

وهذا يعني أنَّ الإنسان يكونُ قريبًا من الله تعالى بِقَدْرِ تواضُعِهِ وخضوعِهِ وتذلُّله له جلَّ وعلا، والحقيقة أنَّ هذا هو السَّمت العام بالنسبة لإنسانٍ تعلّق قلبُه بربِّهِ حقًّا تجاه النعم النازلة عليه زخًّا زخًّا؛ فهو ينحني بتواضُعٍ أمام النِّعَمِ اللامتناهيةِ لِربه الكريم، ويضعُ جبهتَهُ حيث تطأُ قدماه، فَيُعْلِنُ ويُقِرُّ بأنّه الصِّفْر الفاني أمام الكبير المتعالي.

ومن هنا فإنَّه ينبغي لمن نذروا أنفسَهم لخدمة دينهم وبلدهم وأمتهم والبشرية جمعاء ألّا يَعزوا إلى أنفسهم أيَّ نجاح أبدًا، ومهما كانت الدرجة والمكانةُ التي يرتقون إليها، يلزمهم أن يتواضعوا دائمًا، وألَّا يتشوّفوا إلى أيِّ شيءٍ سوى رضاه سبحانه وتعالى؛ وألَّا تتعلَّقَ قلوبُهم بأيِّ شيءٍ؛ دنيويًّا كان أو أخرويًّا، وهذا هو ما يَجْدُرُ بهم فعلُهُ؛ إذ نذروا أنفسهم للخدمة في سبيلِ الحقِّ، عليهم ألَّا يتطلَّعوا إلى أيِّ شيء مُقابِلَ ما أدَّوه من خدماتٍ، فلا يقول أحدُهم مثلًا: “فلتُحَلّ شؤوني الدنيويّة، وليكن لديَّ بيتٌ فأعيش في راحةٍ؛ وليصل ولدي إلى هذا المقام أو ذاك”، وألَّا يربطوا تلك الخدمات حتى بدخول الجنّة أو اتِّقاء النار، وإنَّما يجبُ عليهم أنْ يطلبوا هذا من لُطْفِ الله وفضله وعنايته.

أمَّا منْ يملؤون خزائنهم ويصبُّون الماء في قنواتهم وأحواضهم رغم أنهم حين خرجوا كانوا يزعمون خدمة الدين والأمّة فهم كاذبون، كما أنَّ سعيَ الإنسان إلى الشهرة ونيلَ التصفيق وانتظارَه التقديرَ ورغبتَه في أن يُشارَ إليه بالبَنَانِ وسعيَه خلفَ المناصِبِ والدرجات الدنيويّة فيما يقوم به من خدمات يعني الرياءَ من جانبٍ والتجرُّؤَ على مساومة الله تعالى من جانب آخر، والذين ينسبون إلى أنفسهم ما يتحقَّق على أيديهم من نجاحاتٍ وما يُصيبُهم من نِعَمٍ مَنَّ الله بها عليهم، فيردُّونها إلى ذكائهم وفِطْنَتِهِم ودرايتهم، ويتحدثون بِفَرْعَنَةٍ؛ فإنّهُ وإن أُتيحَتْ لهم الفرصة اليوم إلّا أنّها سَتُسلَبُ منهم غدًا وسيفقدون ما في أيديهم وسينكفِئُون على مناخرهم، وسيُصابون بالخزي بقدر بَطَرِهِم وتغطرُسِهِم، وتلك هي سُنَّة الله تعالى، ولن تجِدَ لسُنَّة الله تبديلًا.

كن سَمَادًا فتورق الورود!

إنَّ المؤمن الحقيقي لا يُتصور منه استغلالُ النجاحات التي حظي بها ونالَها لصالحِ منافعه الشخصية، كما لا يُتصور بطرُه وتغطرسُه لأنَّ البلابل تصدح من فوقه، ولا ينبغي له ذلك، وعليه في مواجهة مظاهرِ الإحسانِ والإكرامِ التي حظي بها أن يتحرَّى سبلَ العودة إلى الأرض من جديد بِوَرْدَتِه وزَهْرَتهي وأوراقه ليشكِّل مناخًا وأرضيّة جديدةً مناسبةً لِتَبَرْعُمِ ونموِّ مجموعةٍ جديدةٍ من الورود.

كان الأستاذ نجيب فاضل[3] -أسكنه الله فسيح جناته- يقول حين يتحدَّثُ عن نفسه: “اعتبروني سمادًا”، إنني لا أنسى قوله هذا أبدًا؛ فتفكيرُهُ على هذا النحوِ رغمَ معرفتِهِ عظمةَ نفسِهِ وقدرَهُ مهمٌّ للغاية من حيث تعبيره عن تواضعه ومحوهِ، وعليه فينبغي للمؤمن أن ينظر إلى نفسه على هذا النحو، فإن تحوَّلَ إلى حديقةِ وردٍ طالت وامتدَّت في كلِّ الأنحاء، وغرّدت فيها البلابل من كل الاتجاهات وحطَّت على أوراقها وأغصانها وراحَت تنشدُ الأغاني والنعوت لأجله فلا بدَّ وأن ينهالَ على الأرض كي تنبت الورودَ الجديدة ثانيةً؛ إذ الواجبُ علينا تجاه نِعَمِ الله التي يُنزِّلُها علينا زخًّا زخًّا أن نُعمِّق تواضُعَنا وخجلَنَا ومحوَنَا أكثرَ فأكثر، حتى إنه يلزم علينا حين يتحدَّثُ البعض عنّا ويذكروننا بتقديرٍ وإشادةٍ أن نتعجَّبَ من هذا قائلين: “عجبًا يا إلهي! ماذا فعلنا من أخطاءٍ حتى يتحدَّثَ بشأنِنا هؤلاء بتلك العبارات المليئة بالثناء في الظاهر، إلا أنها ليست عندنا إلا سبًّا وشتيمة”.

وإنْ كان ينبغي إسنادُ تلك الخدماتِ المُنجَزَةِ إلى سببٍ ما في إطار دائرة الأسباب العادية؛ فلا ريبَ أنَّ هذا السبب هو ما يتوافر بين المؤمنين من وفاقٍ واتّفاقٍ، ولا بدَّ من الاعتقاد بأنَّ الحقَّ تعالى رأى الوفاقَ والاتفاقَ توجُّهًا إليه وإقبالًا عليه فقابله بالمثل؛ لأنَّهما أعظم وسائل التوفيق الإلهي.

إن أساس الأمر هو عناية الله تعالى ورعايته وكلاءته كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (سُورَةُ الأَنْفَالِ: 63/8)، وإننا بقدر ما نُحكِمُ علاقتنا به سبحانه وتعالى يُكثر جلَّ وعلا منَّا ويُقوِّينا؛ فهو يُظهر ملامح عظمته وجلاله بأن يُجرِيَ على يدِ قطرةِ ماءٍ عملَ محيطٍ عظيمٍ، وعلى يد ذرّةٍ وظيفةَ الشمس، و على يد نملةٍ صغيرة وظيفةَ الفيلة، لأنَّ مِنْ مظاهر ومعالم إظهاره عظمتَه وقدرتَه تعالى تحقيقَه أمورًا عظيمة باستخدام عناصر صغيرة للغاية.

ومن ذلك مثلًا أنَّ ساداتنا الصحابة الكرام حين ارتحل فخر الكائنات صلى الله عليه وسلم إلى أفق روحه؛ تغلبوا على الروم والفرس اللذين كانا القوتين العظمَيَيْنِ في ذلك العصر، وتبوّؤوا مكانًا مهمًّا في التوازن الدولي آنذاك؛ فنظموا الدنيا من جديد، علاوة على أنهم تغلَّبُوا على إحدى عشرة واقعة رِدّةٍ؛ حجمُ الواحدةِ منها يفوق حجم ما نعانيه من المنظمات الإرهابية اليوم ببضعةِ أضعافٍ، وقد أخمدَ سيِّدُنا أبو بكر رضي الله عنه كلَّ هذه الفتن خلال فترةِ خلافته التي لم تتجاوز العامين ونصف، وحقق السِّلمَ والأمنَ، وعليه فإنه ينبغي أن يخجل ويستحي من أنفسهم اليوم من لا يستطيعون التغلب ولو حتى على أبسط التشكيلات الإرهابية رغم أنهم يعتبرون أنفسهم قوًى عظمى، ويتحدثون عن امتلاكهم وحدات آليّة مزوَّدة بأجهزةٍ متطوِّرة.

اندمج مع التراب لدرجة ألَّا يُعرف قبرك!

الله حسبُنا وما سواه عبثٌ وهوى؛ فنحن لا نحتاج إلى تصفيقٍ ولا إلى تقديرٍ، ولا إلى عبارات التبجيل والتعظيم، وينبغي لنا أن نخدم في سبيل الحق تعالى في تواضعٍ ومحوٍ حقيقيٍّ، ونبتغيَ رضاه فحسب، ونُدفنَ في الترابِ كي نصبحَ بَذْرَةً لوردةٍ تَنْبُتُ من جديدٍ لاحقًا، ويجب ألَّا نتشوَّفَ إلى أيِّ تقدير، ليس ونحن أحياء فقط، بل وحتى ونحنُ نُوارَى الثرى؛ ولو من قَبيل: “أرجو أن يشارِكَ في جنازتي أناسٌ كثيرون”، وألَّا ننسى أبدًا أنَّ الأصلَ والأساسَ هو أن نُقوِّيَ علاقتنا بالله تعالى.

يجبُ أن نعيشَ أناسًا بسطاء متواضعين، وأن نسيرَ إلى أفق روحنا هكذا، ونرغب -إن أمكن- في أن تظلَّ قبورنا مجهولةً غير معروفة مثلما رغب قامة العصر العظيم الأستاذ بديع الزمان؛ إذ قال: “ألَا فلا يعرفنَّ قبري أحدٌ سوى اثنين أو ثلاثة من طلابي”، أنشدكم الله أيُّ نوعٍ من فهمِ التوحيد هذا!؟ ما أروعَهُ من اتِّصال بالله تعالى! فلا أحدَ يعرفُ مكانَ قبرِهِ منذ أن انتقل إلى أفقِ روحه وحتى اليوم سوى بضعة أشخاص؛ فقد جعلَ مبدأَ التواضعِ والمحو والخجلِ الخارق للعادة الذي عبَّر عنه في كتبه دستورَ حياتِه، وعاش حياته محقِّرًا نفسه.

وإن كنّا لا بد وأن نتشوف شيئًا نتيجة الخدمات التي يُجريها ربُّنا على أيدينا فلا بد وأن يكون تحليقَ الروح المحمدية في كل أرجاء الدنيا، غير أنَّه يجب علينا في هذا الصدد أيضًا ألَّا نُلِحَّ على رؤية النتيجة، بل إحالةُ الأمرِ إلى الإرادة الإلهية؛ لأن مراد الله أمام رغباتنا، نحن راضون بما أراده الله ورضي به، فنحن نريدُ ونرغبُ في الشيء، ولكننا لا نستطيع معرفة مراد الله سبحانه وتعالى، ولن يهتدي مَن طُبع على قلوبهم وإنْ أردنا نحن لهم الهداية؛ ولذلك فإننا نسعى سعيًا حثيثًا لتحبيب القلوب في الله سبحانه وتعالى ورسولِه عليه أكمل التحايا، لكن نحيل النتيجة ونتركها إلى ربِّنا ونرضى بحكمه وتقديره.

 

 

[1] سعدي الشيرازي (1219م- 1294م ): شاعر ومتصوف فارسي، تميزت كتاباته بأسلوبها الجزل الواضح وقيم أخلاقية رفيعة، مما جعله أكثر كُتاب الفرس شعبية، فتخطت سمعته حدود البلدان الناطقة بالفارسية إلى عدد من مناطق وأقاليم العالم الإسلامي، وبلغت الغرب أيضاً، من أشهر آثاره: “الكُلِسْتان (روضة الورد) و”البستان”.

[2] صحيح مسلم، الصلاة، 215؛ سنن أبي داود، الصلاة، 148؛ سنن النسائي، التطبيق، 75.

[3] نجيب فاضل (1904م-1983م): مفكر وكاتب وشاعر تركي، لقب بـ”سلطان الشعراء”، له أكثر من مائة كتاب، تتناول أشعاره وكتاباته العديد من القيم الإسلامية والأخلاقية والموضوعات التاريخية والفلسفية.

موقفُ المتطوِّعين مِن الاتّهامات المُوجَّهةِ إليهم

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: تثير بعضُ القطاعات مجموعةً من الشبهات حول مَن نذروا أنفسهم لخدمة البشر في كلِّ فرصةٍ؛ فتتهمهم وتفتري عليهم؛ فتُعكِّرُ الجوّ العامَّ، فما هو الأسلوب المرجو اتّباعه إزاء هذه النوعية من الحوادث؟

الجواب: بدايةً إنني شخصيًّا أرى أنَّه لا داعيَ للرَّدِّ على معظم الافتراءات المزعومة بحق حركة الخدمة؛ لماذا؟ لأنَّ كلَّ إجابة وردٍّ يعني مُوارَبةَ الباب قليلًا لأنْ يظنَّ صحةَ تلك الاتهامات من يسمعونها للمرة الأولى؛ حتى إنَّ ما تسوقونه من إجابات قد يدفع البعض لأن يتساءل: “تُرى أيُحِسُّ هؤلاء أنَّهم مُجرمون حقًّا؟”، ولهذا لا يكون صوابًا أن تحاولوا بيان عدم صحة وصدق كل تلك الاتهامات والافتراءات الظاهرِ كذبُها والبيِّنِ منتجوها والواضحةِ أهدافُها، فَالعقلُ والوجدانُ سيحكمُ من فورِهِ بأنّه لا علاقة لتلك الافتراءات بكم قطّ.

البيِّنةُ على من ادّعى

علاوة على أنَّ هناك قاعدةً من القواعد الكُلّيّة تقول: “البيِّنةُ على من ادَّعى، واليمينُ على من أَنكر”، فإذا ادعى البعضُ شيئًا ضدّنا؛ فإنَّهم مكلفون ومطالبون بإثبات ما يدَّعونه، نحن نؤكد أنَّ كلَّ هذه الافتراءات كاذبة، وإذا أراد أحدٌ أن نقسمَ على ذلك؛ فإننا نقسم بكل أريحية: “والله، بالله، تالله أنَّه لا علاقة لنا قط بالأمور التي تعزونها إلينا”.

فضلًا عن أنَّني أعتقد أنَّ مَنْ يتحدثون دون تروٍّ ولا استحياءٍ بحقِّ فدائيِّي الخدمة الذين نذروا أنفسهم لإعلاء كلمة الله وليست لهم غاية سوى نَيلِ رضاه سبحانه وتعالى؛ إنما هم أشخاص عجزوا عن الحفاظ على مستوياتهم الإنسانية؛ وإنني وإن كنت أرى نفسي أحقر من الجميع إلَّا أنّني كإنسان شرُف بعبوديته لله تعالى أعتبرُ النزول إلى مستواهم عند الردّ على افتراءاتهم تلك نوعًا من سوء الأدب مع الله تعالى، وعلى النحو نفسه فإنني كفردٍ من أفراد أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أعتبر الرد على تلك الافتراءات غير العقلانية وغير المنطقية التي يثور عليها الضمير اليقظُ يُشَكِّلُ خَطرًا يتمثَّلُ في النزول إلى مستوى هذه النوعية من البشر، وأَعُدُّ هذا نوعًا من سوء الأدب مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن ناحية أخرى فإنكم حين تبادرون إلى الردّ على كلِّ من يتحدث ضدَّكم فإن هذا يشغلكم كثيرًا؛ ويُهدِر أوقاتَكم القيّمة ولحظاتكم الثمينة، وبالتالي تعجزون عن القيام بأعمال عظيمةٍ للغاية يجب عليكم فعلها، والأكثر من ذلك أنَّ المفترين يُحرِّفون ما تسوقونه من ردود وأجوبة لأنهم ينتهجون المنهج الجدليَّ والدهماويّ، وهو ما قد يتسبب في تكون مجموعة جديدة من الأسئلة وإشارات الاستفهام في الأذهان، ونتيجة لكل هذه الأسباب فإنني أعتبر الرد على المفترين الذين يتفوهون ضدنا بمجموعات من الكلمات الطائشة غير المسؤولة عبثًا، وأُفَضِّلُ شخصيًّا التغاضي عنها كلّها.

جنون القوة الغاشمة

ومع هذا فإنَّه يجبُ -شريطة الحفاظ على أسلوبنا- الردُّ على الافتراءات وتوضيحُ الأمر والتصريحُ بالحقيقة إنْ كانت تلك الافتراءات المزعومة المطَّردة تتسبب في تشويش أذهان جموع واسعة من الناس، وتؤدي مع مرور الوقت إلى ميل أهل الفطرة والعقل السليم إلى مثل هذه النوعية من المزاعم الزائفة نتيجة كثرتها وتكرُّرِها باستمرارٍ، وانطلاقًا من هذا المنظور أَوَدُّ -إذا سمحتم- أن أتطرَّقَ باختصار إلى بضعة أمور مع خطوطِها الرئيسة:

لقد مُورِسَ حتى اليوم عديدٌ من الهجمات والاعتداءات على مجموعات شكّلها أناسٌ يرغبون في تحقيقِ مصالحِ أمَّتهم، ويكِدُّون من أجل ذلك؛ فلا يُقذفُ بالأحجار إلا الشجرة المثمرة، ولا سيما أنَّ من يتصرفون وفقًا للمنفعة السياسية والمصلحة الشخصية بذلوا ما في وسعهم من جهد وسعيٍ كي يُخضعوا لهم مَن عجزوا عن توجيهه كما يريدون، فلما سيطرت على قدر الأمة قوةٌ غاشمةٌ يتعذر تصويبها وتعديلها بالقانون والعدل كان المقياس الوحيد هو تلك الفكرة الكافرة: “ما دُمتُ قويًّا فمن حقي أن أفعل ما أريد، ولا قِبَلَ لأحدٍ أنْ يعترض عليَّ”.

ومن ثم فإنَّه يجب فهم وإدراك الفكرة الأساسية التي تؤدي إلى كلِّ هذه الحوادث بكلِّ خلفياتها فهمًا جيدًا، فقد يفكر القطاع المعتمِد على القوة الغاشمة هكذا: “ما دُمتُ قويًّا، فعليَّ أنْ أفعل ما يحلو لي، وعلى الناس ألا يعتبروا هذا ظلمًا وجورًا، بل إنني أستطيع قطع الرؤوس إذا لزم الأمر، ولتكن تلك الرؤوس فداءً للنظام الذي أرغب في إقامته وفقًا لعالمي الفكري الخاص”، بل إنَّ البعض صرح بهذا النوع من الأفكار الرامية إلى إبادة من ليسوا في صفّه، ويمكنكم أن تصِموا ما ينتهجه أمثال هؤلاء: بـ”الاصطفاء الإداري أو الإرادي”؛ كما تقول به الداروينيةُ: “الاصطفاء الطبيعي”.

والواقع أنّ الصراعَ بين الإيمان والكفر، وبين الإيمان والنفاق الذي ما زال مستمرًّا منذ القديم يكمن في أساس كل هذه الأمور، وثمة تنافس وصراع دائم بين المنهج النبوي ووساوس الشيطان، وبين سبيل الله تعالى وسبيل الشيطان؛ فقد أَظهر أذنابُ الشيطان عداواتهم في قوالب وأشكال مختلفة ضد من يسيرون على منهج نبويٍّ دائمًا، ولكن البعض استهدف الدين والمتدينين مباشرة أثناء تنفيذهم صراع “فاوست-مفستو” Faust-Mefisto 1 هذا، وكان البعض الآخر منهم قد فعل نفسَ الشيء متنكرًا في مظهر المتدينين. أجل، مهما كان منهج وسبيل كل من هذين القطاعين مختلفًا عن الآخر فإن صراعهم والأهداف التي يريدون الوصول إليها بهذا الصراع واحدة.

حتى وإنْ أنشأتم سُلَّمًا إلى الجنة…

في يومنا هذا ثمة خدمات مهمة للغاية تُقدَّمُ على أيدي الأرواح المتفانية التي انطلقت إلى كل ربوع العالم بإذن الله وعنايته، والبذور التي زرعها هؤلاء سوف تنبُتُ وتنمو بعد عشر أو عشرين سنة بإذن الله تعالى كما تنبت البذور المبذورة في الأرض. أجل، تتشكَّلُ اليوم جُزَيْراتٌ من الطمأنينة والسكينة يسودُها الحب والسلام، يعيش فيها أولئك المتفاهمون مع بعضهم البعض بفضل عناية الله ولطفه.

وقد أزعجت كل هذه التطورات وتزعج وستظل تزعج أولئك الذين يعانون مشكلة في قبول الآخرين، ويؤيِّدون العراك والصراعَ وهم مرضى بالحسدِ والحقدِ والبغضِ؛ إذ سخَّروا كلَّ إمكانياتهم ليس في سبيل الخير، وإنما لِكَيدِ مَنْ اتحدوا فيما بينهم لأجل ولادة سِلْم عالميّ، ولكي يُثنوهم عن طريقهم الذي يسيرون فيه، كما أنهم سيسعون إلى كسر قوّتهم المعنوية بتلك الحرب النفسية التي ينفذونها، ويحاولون إفسادَ معنوياتهم، وسوف يتحركون ومنهجهم في ذلك: “ارْمهِ بالوحل، إن لم يلتصِق به فعلى الأقلِّ سيُلطِّخُهُ”، وسيختلقون افتراءات كثيرةً يستحيل أن يقبل بها العقل السليم، فيُعكرون آراء الناس من العامة، ويسعون إلى تشتيت أذهانهم.

ولأن نيات هؤلاء القوم وأفكارهم فاسدة فلن تستطيعوا إرضاءهم مهما فعلتم، ولا منع حملات التشويه التي يشنُّونها؛ وبالتالي فإنهم سيحاولون أيضًا إثارة الشكوك في الأذهان بحقِّ أخلص فعالياتكم وأكثرها عقلانيّة ونفعًا، حتى إنكم إن أقمتم سُلَّمًا يرقى به الناس إلى قلب الجنة، فكنتم بفعلكم هذا وسيلة لأن يدخلها البعض؛ فإنهم في ظل منهجهم الجدلي والدهماوي سيبحثون فيكم عن شيء ينتقدونه، فيقولون مثلًا: “لماذا تَشُقُّونَ على الناس الذين سيدخلون الجنة بأن تقيموا سُلَّمًا، ماذا لو أنكم اتخذتم مِنَصَّة هنا، فأركبتم الناس على صاروخ، واستطعتم إرسالهم إلى الجنة بشكل أكثر راحة!”.

ذليلٌ عند ضعفه، ظالمٌ عند قوَّتِهِ

إن مثل هؤلاء الذين يسعون كي يظهروا بمظهرِ الحيادِ والديمقراطية حين لا تكون الظروفُ والأحوالُ مواتيةً ومناسبةً لهم؛ ما إن امتلَكُوا القوَّةَ حتى فَعَلُوا ما في مقدورهم كي يحطِّمُوا ويُدَمِّرُوا من يرونهم مخالفين لهم، غير أنه يجب ألّا ننسى أنَّ من تعرضوا بالأذى للسائرين في سبيل الله حتى اليوم وقالوا عنهم: “يجب تدمير فلان وفلان” جُعِلَ كيدهم في نحورِهم، فدمَّروا أنفسَهم بأنفُسِهم، وكما حفِظَ الله في كل عهدٍ مَن سار في سبيله فسيحفظُ أيضًا كلَّ مَنْ يسير على الطريق المستقيم، ويسعى لإحياء القيم المعنوية، ويتحرك من أجل إعلام الدنيا كلها بالقيم المُنسابة من جذوره المعنوية والروحية، بينما سيعاقب الله ويُجازي حقًّا كلَّ من يتعرّض له بالأذى.

إذًا أيًّا كان ما يفعله الآخرون؛ فإنَّه ينبغي لمَنْ آمنوا بالله حق الإيمان ألا يتنازلوا عن شخصياتهم وسماتهم، وإنني شخصيًا لأدعو الله تعالى قائلًا: “ربَّاه! امنحني فرصة الإحسان إلى من يؤذونني، ومساعدتهم حين ألتقي بهم، فإن سألوني عن سبب هذا أقول لهم: “كُلٌّ يعمل على شاكلته، وشخصيتي أنا تُحَتِّمُ عليَّ أن أعمل هكذا على شاكلتي”، أقول هذا، وأرجو أن أمتلك القدرة على التضحية والفدائية من أجل رضا الله تعالى كي نؤسِّسَ روح الوحدة والاتحاد رغمَ الكمِّ الهائلِ الذي نراهُ من ظلمٍ وجورٍ وغدر وإهانةٍ.

 

[1]فاوست ومفستو: بطلا المسرحيةِ المشهورة المسماة “فاوست” للشاعر الألماني الكبير “جوته”، يمثِّل فاوست شابًّا وقع في شباك الشيطان الذي يمثله في المسرحية نفسها “مفستو”، وصراع “فاوست-مفستو” يعني الصراع القديم المستمر بين نوع بني آدم والشيطان.

أهل العلم ورجال الحركة والعمل

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما هي الرسائل التي تبعث بها إلى المؤمنين في عصرنا هذه الآيةُ الكريمةُ ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (سُورَةُ التَّوْبِةِ: 122/9)؟

الجواب: أوّلُ شيءٍ بيَّنه الله تعالى بعبارة ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ الواردة في هذه الآية الكريمة هو أنَّ خروجَ المؤمنين للحرب وهروعَهم إلى جبهة القتال واشتراكَهم على بكرةِ أبيهم في المعركة في آنٍ واحدٍ أمرٌ غير صحيحٍ، ثم ذكر بقوله تعالى ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ ضرورةَ تَخَلُّف مجموعة منهم كي تتفقَّهَ في الدين وتصلَ إلى روحه ومغزاه، ثم ختم الآية الكريمة بقوله سبحانه: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، فبَيَّنَ حتميةَ أن يُحذِّرَ أهلُ العلم هؤلاء أقوامَهم العائدين من مختلفِ جبهات الحرب من سوء عاقبة الطريق المعوجّ، وأنْ يُربُّوهم دينيًّا ويُعَلِّموهم ما ينبغي لهم معرفته؛ وذلك لأن المجاهدين الراكضين من جبهة إلى أخرى الذينَ يقِفون للأعداءِ بالمرصاد ربما يعجزون عن سدِّ حاجتهم في ذلك الموضوع بشكل تام، ويفتقرون إلى العلم بأمورِ دينهم لانشغالهم بأداء وظيفة مهمة للغاية كهذه.

المستوى العلمي والنجاح

كان المؤمنون يتعرَّضون في بداية انتشارِ الإسلام لهجماتٍ واعتداءاتٍ من قِبل أعداء الدين؛ وذلك لأنهم كانوا يُبَلِّغون الحقَّ والحقيقة، ويمثِّلون العدلَ ويُعَبِّرون عنه؛ فلم يكن بوسعهم وهم في مثل هذا الوضع أن يدعوا الأعداء: أن “هلمّوا إلى المسجد، فنجلس ونتحدث!”، ولو افترضنا أنهم دعوهم إليه لكان من المحتمل أن يأتيهم هؤلاء الأعداء الحاقدون المخربون فيدمروا المسجد على رؤوسهم، وحتى لا يعطي المؤمنون فرصة لحدوث مثل هذا الدمار، أي كي يحموا أعراضهم وشرفهم وشعائرهم الدينية ووطنهم ورايتهم ويصونوها فقد واجهوا العدو الذي بدأهم بالعدوان وذادوا عن أنفسهم.

وثمة مشكلات مشابهة وقعت في عصر الخلفاء الراشدين أيضًا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، اضطَرَّت المسلمين إلى مواجهة العدو ومقاومتِهِ على جبهاتٍ عِدَّة؛ فمثلًا دارَ كفاحٌ ونضالٌ في ثماني جبهات من أجل القضاء على أحداث الردة التي وقعت في عهد سيدنا أبي بكر رضي الله عنه، وإلى جانب ذلك كانت الإمبراطوريّتان الفارسيّة والرومانيّة -اللتان كانتا تمثِّلان القوى العظمى في ذلك الوقت- تتحيَّنان الفرصة للإغارة على المسلمين؛ وتعترِضان طريقَ المسلمين بالعراقيلِ كلما أُتيحَ لهم ذلك، وتختلِقان المشاكل لهم هنا وهناك؛ ممّا اضطرَّ المسلمين إلى خوض معارك دفاعية في أماكن مختلفة من العالم.

ولو أن الجميع شارك في الحرب في مثل هذا الوضع لحدثَتْ فجوةٌ خطيرة في مجال التعليم، ولذا فقد أمر الحقُّ تعالى في الآية الكريمة الواردة أعلاه بأنْ تبقى مجموعة تنشغل بالعلم ولا تنفر إلى الحرب؛ فتملأُ هذا الفراغ لدى العائدين من الحروب، وأشار تعالى بهذه الطريقة إلى ضرورة أن يحافظ المسلمون على مستواهم العلمي دومًا، وأن يَصِلُوا إلى الأفق اللازم بلوغه وفقًا لظروف العصر الذي يعيشون فيه؛ فالحقيقة أنَّ التصدِّي لاعتداءات تُشَنُّ من مختلف الجبهات والنجاحَ في ردّها يستحيل أن يتحقَّقَ ما لم يتسنَّ إدراك مثل هذا الأفق والمستوى.

سفراء الثقافة والمعرفة

إنَّنا في ظلِّ ظروفِ عصرنا الذي تبوَّأَتْ فيه الصدارةَ قوَّةُ العلمِ والبيانِ لا نستيطع الحفاظَ على هويتنا ووجودنا إلا بقوَّةِ العلم والقلم والبيان؛ إذ الغلبة على المدنيِّين في يومنا هذا إنما هي بالإقناع لا بالإكراه، ولذلك فإنَّه يجبُ على الأرواح التي نذرت نفسها لخدمة البشرية والتي تمثل سفراء الثقافة والمعرفة أن تحمل قيمها الخاصة إلى مختلفِ المناطق الجغرافية في العالم بواسطة العلم والعرفان والمحبة والتسامح والسلام، لا بواسطة السيف والدبابة والمدفع والبندقية والسلاح والقوة الغاشمة؛ لأن منهج المحبة والسلام يفتح السبيل إلى القلوب، أما منهج القوة الغاشمة فيتسبب في إثارة وتحريك مشاعر الحقد والبغض، ولأجل هذا فإنه يجب ألا يُلجأ إلى استخدام القوة المادية من أجل حل المشكلات ما لم تكن ثمة ضرورة لذلك؛ إذ إنَّ اللجوء إلى استخدام القوة المادية مقتصرٌ على الدفاع عن النفس أو دفعِ خطر محقَّقِ الوقوع فحسب.

وعليه فإنَّ أهمَّ ما يجبُ القيامُ به اليوم لِصالحِ ديننا والإنسانية إنما هو أن ننفتح على ربوع العالم، وننقل إليها قيمنا الثقافية والمعرفية، ونأخذ منها ما يتوافق مع قيمنا ومبادئنا الأساسية. أجل، إن ذوي الأرواح المنذورة في سبيل الحقِّ بمثابةِ سفراء فخريِّين يُمثِّلون قِيَمَنا الثقافيّة عبر تواصلهم مع الناس في مختلف الأماكن التي يذهبون إليها، فيأخذون ما يُستحسَنُ أخذُهُ من الجماليات هناك؛ ويُقَدِّمُونها إلى أهليهم وبني جِلْدَتِهم لِيَسْتَفِيدوا منها، غير أنهم ربما لا يستطيعون أثناء قيامهم بهذا الواجب المهمِّ أن يتغذَّوا علميًّا ومعنويًّا بالقدر اللازم؛ نظرًا لظروفِ انشغالهم بما يُركِّزُ على الحركة والعمل بشكل أكبر، وإذا كان الأمر كذلك فلا بدَّ من تنشئة أفرادٍ يَعُونَ ويفهمون جيدًا مصادرنا الأساسية ويفقهون قِيَمَنا المنبثقة من جذورنا المعنويّة، وبذلك يُسهمون في توفير الغذاء العلمي والروحي اللازم لمن لا ينفكون عن السعي والبذل في ساحة الحركة والعمل، وينبغي لمن يتحملون المسؤولية بغية التعمُّقِ في العلمِ والفقهِ أن يفيضوا دائمًا كَمَنْهَلٍ عذبٍ مورودٍ؛ فيُغذُّوا بذلك الأرواح الفدائيّة الكادحة في تلك الساحة؛ فتنهل هي الأخرى من ذلك المصدر بقدر ما يتسنَّى لها، وتُكمِل تَزوُّدَها وتجهُّزها بالعلم، وعليها أن تتمكَّن بهذه الطريقة من تجديد نفسِها باستمرار.

فقهاءُ مطّلعون على العلوم المادية والمعنوية

يشير الله تعالى بقوله ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ إلى ضرورة أنْ يبدأَ هؤلاء الذين سيتخلفون عن الحرب في سبيل الله بتَعَلُّمِ المسائلِ والأمورِ المتعلِّقة بالإيمان والإسلام وبالإحسان الذي يعني غرسَ الإيمان والإسلام في الطبيعة الإنسانية، ومع هذا كله فإنَّ تطبيقَ هذه القيم بطريقة سليمة، وقبولَ أيِّ مجتمع لها دون عناءٍ، واهتمامَ الناس من مختلف الأوساط الثقافية في العالم بها، وميلَهم إليها، وتقديرَهم إياها مرتبطٌ باستقراء الأوامر التكوينية إلى جانب العلوم الشرعية استقراءً صحيحًا؛ ولذا فإنه من الأهمية البالغة بمكان أن يتم إلى جانب تحصيل العلوم الدينية تعلُّمُ العلوم الطبيعية التي تعتبر منبع العلوم الحضارية ومختبرها؛ بل ومحورَ البحثِ في الوقت نفسه تعلُّمًا جيِّدًا، وإجراءُ الأبحاث حول ذلك، ومشاهدةُ الوجود المعروض في معرض الطبيعة.

ينبغي ألا تهمَلَ العلومُ الطبيعيةُ بينما تُدْرَسُ العلوم الدينية، إن همَّة الطالب لا يمكن أن تقوى وتتعضَّد إلّا باجتماعهما؛ ذلك لأنَّ استبعادَ أحَدِهِما بمثابةِ قصِّ أجنحةِ الآخر وتقطيعِ ذراعيه. أجل، يجب ألا يُضحَّى بالعلوم الدينية التي هي نور القلب، وألّا تُهمَلَ العلوم الطبيعية التي هي ضياء العقل والمنطق والمحاكمة العقلية.

علاوة على ذلك تؤكد تلك الآيةُ الكريمة أهمِّيَّةَ عشقِ العلم والبحث للمؤمنين، ومن ثم فعلى الإنسان أن يبذلَ جهدًا حقيقيًّا في سبيل تحصيل العلوم الدينيّة والعلوم الطبيعية على حدٍّ سواء، وأنْ يظل طالبًا وفيًّا لذلك حتى آخر لحظة في حياته، لأن الطالب هو من يسعى في إثر الشيء ويطلبه، وإذا ما استفاد الإنسان من نتائج أبحاثه، واستغل العلم الذي يطلبه -دينيًّا كان أو طبيعيًّا- في سبيل معرفة الله وإقامة توازنٍ كاملٍ فإنه يحظى بِوارداتِ طلبِ العلم؛ وما هي هذه الواردات؟! إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ[1].

وما دام طلبُ العلم وما سيحققه العالِمُ من فوائد للمجتمع مهمٌّ إلى هذا الحد فإنَّ المجتمع مطَالبٌ بأن يبذل ما في وسعه لاحتضان طلبة العلم والعناية بهم؛ لأنه صعب للغاية أن ينشغل من نذر نفسه للعلم بأمرٍ آخر غيره، وبناء عليه فقد قال بعض الفقهاء بجواز إعطاء الزكاة والصدقة للمتفرغ لطلب العلم حتى وإن كان ملبسُه من حرير وعتبةُ بابه من ذهب؛ لأن حياة أية أمة مرهونةٌ بتحصيلٍ علميٍّ كهذا، وإنها لتنهار وتتفرَّقُ ما لم يحدث هذا أو ما لم يتم القيام به، ولا سيما أنَّ ثمة تصدعات وشقوقًا حدثت في القرن الخامس الهجري بسبب التوقف الذي طرأ في هذا المجال، وتزامنًا مع التأخر الذي وقع في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين حدث انكسار وتحلل تامّان، ولم نستطع حتّى اليوم أن نَنْصبَ أظهرَنا وننهضَ من جديد.

الاستغناء ودفع الثمن

يجب على طلاب العلم أمام موقفهم هذا أنْ يفعلوا كلَّ ما بوسعهم في سبيل العلم والمعرفة، وألا يُضيِّعوا ولو ثانيةً واحدة من أوقاتهم، وأن يكثفوا هِمَمَهُم ويشحذوا همَّتَهم لهذا الأمر عبر تنظيمهم أوقاتَ عملهم بشكل جادٍ للغاية، وتوزيعِ العمل والتعاونِ فيما بينهم، وعليهم أن يستخدموا كلَّ طاقاتهم كي يَجْدُرُوا باهتمام الأمة وعنايتها بهم، فلا يأخذَنَّ النومُ من يومهم أكثرَ من أربع ساعات، ثمَّ ليخصصوا العشرين ساعة الباقية من اليوم للعملِ والتحصيلِ، فمن يدري! فربما لو تحرَّكوا على هذا المنوال لَـمَنَّ الله تعالى عليهم في سنتين فحسب بما يستغرِقُ تحصيلُه عشرَ سنواتٍ عادة.

وبالمناسبة ثمة شعور يعتمل بداخلي لا أخفيكموه؛ ألا وهو أنني آخذُ على خاطري ممن يذهبون إلى الخارج لدراسة الدكتوراه ولا يستطيعون إنجازها في عشر سنوات؛ إذ أشعر بانكسار في قلبي تجاههم، ولا شك أنَّ الله تعالى سيسأل ويحاسب الإنسان عن إضاعة هذا القدر من الوقت بينما تحتاج بلادنا وأمتنا كثيرًا من الأشخاص المثقفين المتعلمين، إنَّ الزمن أكبر رأسمال بالنسبة للإنسان، فإن سلك إنسانٌ سبيلًا كهذا وجب عليه أن يحرصَ على الوقت ويعض عليه بالنواجذ، وأن يقدح ذهنَهُ ويشحذَه، ويستفيد من كل ما يمكنه الاستفادة منه، وينهلَ من كل المصادر التي يمكن أن ينهل ويستفيد منها، وعليه بدلًا من إطالة الفترة؛ أن ينهي رسالته للدكتوراه قبل الموعد المقدر لها إن كان قادرًا على ذلك.

وثمة شيء أخير أريد أن أذكره هنا متعلقٌ بأهل العلم، ألا وهو: أن الاستغناء مبدأٌ مهمٌّ وأساسيٌّ للغاية بالنسبة للعلم ولِعِزَّةِ أهله، وهو من الأصول والمبادئ التي يعتمد عليها منهجُ النبوة؛ إذ يذكر القرآن الكريم في كثيرٍ من آياته أن الأنبياء الكرام لا يسألون الناس أجرًا على تبليغهم رسالات ربهم، ومن ذلك مثلًا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 127/26)، ومن هذه الزاوية فإنه ينبغي لأهل العلم ألا يضعوا أنفسهم في موضعٍ يضطرُّون معه إلى دفعِ ثمن ومقابلٍ لأيٍّ كانَ؛ ليجتنبوا ذلك في جميعِ مراحِلِ حياتِهم؛ سواء في مرحلة التعلُّمِ أو التعليمِ أو التعمُّق.

فلو أنَّ إنسانًا تجرَّد من شعور الاستغناء وعلَّقَ مجموعة من الأعمال التي يضطلع بها على مجموعة من التشوفات كأن يصبح مديرًا أو مديرًا عامًا أو نائبًا برلمانيًّا أو وزيرًا أو رئيس وزراء فإن مثله لن يستطيع أن يستفيق أو يُخلِّصَ نفسه من دفعِ تكاليفِ وأثمانِ ما تحصَّلَ عليه -نسأل الله السلامة-، ومما يؤسَفُ له أن المقابلَ والثمنَ الذي سيدفعُهُ سيُكَلِّفُ الكثيرَ ليس له هو فحسب، بل وللأمة التي ينتمي إليها، ومن هنا فإنَّه ينبغي لطلَّاب العلم أن يُنَظِّمُوا حياتهم وفقًا لمبدإ الاستغناء ويؤسِّسوها عليه، وأن يستخدموا -إذا ما لزم الأمر- إمكانيات آبائهم إذا ما توفر لهم ذلك، وعليهم أن يتدبَّروا أمورَهم بالحلال الخالصِ من كدِّ يمينِهم وعَرَقِ جبينهم ولو كان قليلًا، وأن يعيشوا على الكفاف، حتى لا يضطروا أبدًا إلى دفع ثمنٍ ومقابلٍ لأيِّ أحد.

 

[1] صحيح مسلم، الذكر، 38.

الأمور الواجبات في مواجهة المزاعم والافتراءات

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: أخبر القرآن الكريم أنَّ فرعون ومَلَأَه قالوا في حق موسى عليه السلام: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 109/7-110؛ وسُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 34/26-35)، وأرادوا بذلكَ تضليلَ الناس واتّهامَ رمزِ الأمنِ والأمان سيدنا موسى عليه السلام بأنّه صاحبُ أجَندة سرّيّة ويُمَثِّلُ خطورة على حكمهم؛ وفي يومنا هذا أيضًا تَختَلِق بعضُ بُؤَرِ الشر افتراءات وأكاذيب باستمرار؛ تمامًا كما فعلَ فرعونُ وملَؤُه؛ حتى تُكوِّن شبهاتٍ مماثلة حول ما يضطلعُ به المؤمنون حاليًّا من أعمال خيريةٍ، فماذا يجب على المؤمنين فعله في مواجهة هذا الموقف؟

الجواب: على المؤمنين بحسب قيمهم الأساسية ألا يُغيِّرُوا تصرُّفاتهم وفقًا للظُّروف والأحوال التي تطرأ، وأنْ يعلموا جيِّدًا أنَّ شرفهم يتمثَّل في أسلوبهم أثناء مواجهة أكثر الاعتداءات غدرًا وجورًا، وينبغي لهم أن يثبتوا على الطريق المستقيم دائمًا كما هو شأنهم في غير أوقات المحن والأزمات، لدرجة تكفلُ لِمَنْ يبغي استقراءهم وفهمَهم ألَّا يَجِدَ أبدًا أيَّ تناقضٍ يُشكِّل نوعًا من الريب والشك في الأذهان، وإلا فلا يوثق فيهم، وبالتالي يستحيل عليهم أن يحقِّقُوا تقدُّمًا في إبلاغ الآخرين إلهاماتِ أرواحهم.

العواصفُ الشديدة وأشجارُ الدُّلْبِ الصامدة

أجل، ينبغي للمؤمن في مواجهة ما يتعرَّضُ له من حوادث ألا يكون كأوراق الشجر التي تذروها الرياح، بل يجب عليه أن يتمثل موقفًا ثابتًا دائمًا لا يتزعزع، مثله في ذلك مثل الأشجار الضاربة جذورها في أعماق الأرض، وكما يُحدِّثُنا علماءُ النبات فإنَّ هناك أشجارًا في بعض البلاد سرعان ما تنقلع بسبب ضعفِ جذورِها إذا ما هبَّتْ ريحٌ عاتيةٌ أو نزلَ الثلجُ بكثافةٍ أكثر، حتى إن لِينَ التربة قد يكون سببًا كافيًا لتهاوي هذه الأشجارِ وتحطُّمها دون حاجة لأيِّ سببٍ خارجيٍّ، أما في بعض البلاد فهناك أشجارٌ تضرب بجذورها -ربما كي تعثرَ على الماء- بضعةَ أمتار في أعماق الأرض، وبهذه الطريقة فإنّها تصمدُ وتكون أكثر ثباتًا ومقاومةً رغم العواصف الشديدة، وهكذا ينبغي للإنسان المؤمن أن يكون.

أما مَنْ يُغيِّرون مواقفهم باستمرار بحسب طبيعة الظروف التي يتعرَّضون لها: سواء أكانت لهم أم عليهم، ويُجسِّدون مواقف نفعيّة تدورُ مع المصالحِ حيثما دارت؛ فإنّهم يفقدون أمانتهم عند الناس بعد فترة ما فلا يثقون فيهم، فلا بدَّ من الصمود والثبات على الموقف والمحافظةِ على المنهج الصحيح لِكسب ثقة الناس، ينبغي ذلك؛ لدرجة أن من جَسَّ نبضكم وسمع دقَّاتِ قلوبكم قبلَ عشرين سنة يجد نفسَ النبضات والدقّات حين يُعيد اليومَ جسَّ نبضِكم وسماعَ دقّات قلوبكم لا تتغيَّر رغمَ ما تتعرضون له من شتى صنوف الابتلاءات والأزمات والضغوط والنوازل والمحن.

أوليست لدينا أية مشاعر من الانفعال والتأثُّرِ؟ لا ريب أنَّ مثل هذه المشاعر والأحاسيس قد تَعصِفُ بداخلنا بين الحين والآخر باعتبارنا بشرًا، غير أنه يجب علينا أن نسيطر عليها ونستخدِمَها ضمنَ الدائرة المشروعة دائمًا؛ فقد منح اللهُ تعالى الإنسانَ الإرادةَ والقدرةَ على ذلك.

سرُّ حسن القبول الملحوظ في مختلف المناطق الجغرافية

هنا أحاول أن أوضِّحَ ما قلتُهُ بمثالٍ مشخّصٍ فأقول: تعلمون أنَّه ما إنْ تخَرَّجَ شبابٌ في عنفوان شبابهم من الجامعات في التسعينات حتى انفتَحوا على ربوعٍ مختلِفَةٍ من العالم، وهنا أستطردُ قليلًا فأقول: ليس صحيحًا تزكيةُ الناس مطلقًا؛ لأن الله جل جلاله قد يضرب وجوهنا في الآخرة بما نتفوَّهُ به من كلماتِ ثناءٍ ومدحٍ بحقِّ أيِّ شخصٍ ما لم يكن في وضعٍ وقوامٍ يستحقُّ عليه الثناء حقًّا، ولهذا السبب فإنه لا بدَّ من الحفاظ على التوازن دائمًا حين نُحسن الظنَّ بأحدٍ، وكما أنَّ تجاهلَ هذه النوعية من التضحيات المتحقِّقة نُكرانُ قدرٍ بَيِّنٌ وعجرفةٌ؛ فإنَّ تلمُّسَ بعض النيات السلبية وراء تلك التضحيات اختلالُ توازنٍ آخر وسوءُ ظنٍّ صُراح.

وبالعودة إلى موضوعنا الأصلي نقول إنَّ الأرواح التي نذرت نفسها قد انفتحت منذ أكثر من عشرين سنة ولا تزال تُواصِلُ الانفتاح على مناطق جغرافية مختلفة في العالم من أجل إبلاغ الآخرين بإلهامات قلوبها، وبالرغم من وقوع مجموعة من المشكلات في بعضِ البلاد فإنَّ عدد الدول التي ذهبوا إليها يربو اليوم عن مائة وسبعين دولة، ولهذا يجب ألا نستكثر المشكلات التي تحدث في بضع بلاد، وإنني على قناعة بأنَّ مَنْ انفتحوا على أنحاء مختلفة من العالم بدفعِ الله إياهم يحظَون بحسن القبول والترحاب هنالك بسبب نهجهم مواقف وتصرفاتٍ ثابتة على الطريق المستقيم. أجل، إن من تجسَّسوا نبضهم باستمرار أدركوا أنهم لم يتغيروا، وقالوا: “إننا نرى ونسمع هؤلاء الناس منذ سنوات، ولم نر في أجنداتهم شيئًا سوى خدمة البشر، إنهم يتنفَّسُون القيم الإنسانية فحسب”.

قلنا مائة وسبعون دولة، هذا يعني مائة وسبعين بيئة ثقافيّة مختلفة، ومن ذهبوا إلى تلك الأماكن من الأرواح التي نذرت أنفسَها للحق لم يتمكَّنوا من الحصول على أية محاضرات ولا معلومات كافية عن خصائص وسمات تلك البيئات الثقافية قبل أن يذهبوا إليها، غير أنهم كانوا يمتلكون ضميرًا واسعًا واعيًا بحيث يحتوي الإنسانيّة جمعاء، أي إنهم كانوا يسيرون في إثر حسٍّ واسعٍ امتلكه أمثال كلٍّ من يونس أمره ومولانا جلال الدين الرومي وأحمد اليَسَوي والأستاذ بديع الزمان، فماذا كان ذلك الحسُّ والشعور؟ لقد كان شعور إيصال الإنسانية جمعاء إلى شاطئ السلامة، فبهذا الشعور والارتباطِ الدائم بالقيمِ الإنسانيّة؛ لاقوا حسن القبول والترحاب حيث ذهبوا، وتربعوا في قلوب مخاطبيهم بإذن الله تعالى وفضله.                                                        

الانفتاح المؤثر في الأنفس مرهونٌ بالثبات الدائم

تُعْرَضُ على الشاشات اليوم عبرَ عديدٍ من الأفلام الوثائقية والبرامج التجاربُ والخبراتُ المكتسَبَة في مسيرةِ الانفتاح هذه، وتُسْرَد حكاياتُ أولئك المهاجرين في سبيل خدمة القيم الإنسانية وقصصُهم، غير أنه لا يستطيع أيٌّ من تلك البرامج والأفلام أن يعكسَ بالضبطِ ما وقعَ من أحداث وخِيضَ من تجارب، وما عِيشَ في ذلك الوقت من مشاعر وأفكار بكل رَحَابَتِها وعُمْقِها؛ لأن من نذروا أنفسَهم سلكوا طريقَهم بِصِدْقٍ وإخلاصٍ وعدم تشوف لأيِّ أجرٍ، حتى إنهم ظلّوا حيث ذهبوا شهورًا أحيانًا دون أن يحصلوا على ما يتقوَّتون به من مالٍ؛ ولقد حدثَ ذلك عندما لم تكن تسمحُ ظروفُ من يدعمونهم من المتطوِّعين في تركيا؛ فكانوا يدبرون أمورهم بقدرٍ قليلٍ من المال يُقيمُ أوَدَهم بالكادِ، وعملوا أحيانًا في بلاد الغربة كأُجَراء، وبهذا تدبَّروا أمرَهم، ومن ثم رأى مخاطبوهم تصرُّفاتِهم الصادقةَ تلك فصدقوهم من صميم قلوبهم، وإنني لأسأل الله تعالى أن يثبتهم اليوم أيضًا على الإيمان والإخلاص والصدق والوفاء! لأن استمرارية حركة كهذه بدأت حين بدأت بصدقٍ وإخلاصٍ ووفاءٍ حقيقيٍّ مرتبطٌ بالحفاظ على ذاتِ الموقِفِ صامدًا شامخًا؛ فأحيانًا ما يؤدِّي التناغمُ والاتّساقُ الرتيبُ في نظامٍ إلى نوع من العمى -لا قدر الله-، وإن النجاح والتوفيق المتحقق أحيانًا ما يدفع الإنسان إلى الغرور، أو يتسبب في أن يُسلم نفسه إلى الراحة والكسل، وأحيانًا أخرى يُرجع الإنسانُ محاسن الأمور التي تحققت نتيجة لتصرفاته وسلوكياته الشخصية -بالنظر إلى الأسباب الظاهرية- إلى استعداداته ومَلَكَاته الشخصية وإلى فطنته الرفيعة وأفكارِه الحكيمة، في حين أنَّ كلًّا من هذه الأشياء مثله كمثل فيروسٍ قاتلٍ يتسلّلُ إلى الجِسمِ ، وبوسعها جميعًا أن تهدمَ البنية الأساسية ما لم تُتَّخَذْ التدابير اللازمة.

ولهذا فالجِدَّ الجِدَّ في الحفاظ على الكيفية والمنهج، إلى جانبِ التضرُّعِ إلى الله تعالى بأن نقول: “اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ”، ونلزم الدعاء طلبًا لذلك فنقول: “اللَّهُمَّ يَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ ثبِّتْ قُلُوبَنَا علَى طَاعَتِكَ”، ونلح في طلب ذلك حتى لا نَنْزلق ولا ننخدع ولا ننخرط في السبل الخاطئة الضالة.

ولقد خُتم مقام النبوة بنبوَّة الرسول الأكرم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وليس لأحد نبوة ولا رسالة من بعده أبدًا، غير أن للإنسان –بل عليه- أن يسير على هديه وفي طريقه صلى الله عليه وسلم وعلى منهجه النبوي، وبصدق وعصمة وعفة وحكمة وفطنة عالية، وأن يتعقب أفق النبوة والرسالة شبرًا بشبر، فمن المرجو أن يتسنى بفضل منهجٍ وسبيلٍ يتخذ على هذا النحو سدُّ الطريقِ أمام طرح الآخرين مجموعة من التحليلات والتفسيرات الخاطئة بشأننا.

التشوُّفُ رِقٌّ

يجب علينا أيضًا أن نَقْتَنِصَ كلَّ فرصةٍ للإفصاحِ عن عدمِ تشوُّفِنا لأيِّ شيء سوى رضا الله تعالى، ويجب أن نثبتَ ذلك ونؤكِّده بتصرُّفاتنا وسلوكيّاتنا، فإن عَلَّقَ من نذروا أنفسَهم لخدمة الإيمان والقرآن ما قاموا به من خدمات على تشوُّفات دنيويّة فسيضطرُّون لدفع مقابلٍ لكل شيء يحصلون عليه في سبيل تلك الخدمة، ويكونون بفعلِهم ذلك قد ضيَّقوا مجالات تحرُّكاتهم؛ لأن كلَّ تشوُّفٍ ينتقص من حرّية الإنسان.

وعليه فإنه حريٌّ بهذه الأرواح النيرة أن تنأى تمامًا عن كلِّ تشوُّفٍ من شأنه أن يُقيِّدَ حرِّيَّتَها، وأن تُصِرَّ على عدم الدخول في أيِّ نوع من الارتباطات والالتزامات، ولا ريب أن لكل إنسانٍ صوتًا في سياسة بلده في الاتِّجاه الذي يراه مناسبًا لمصلحة الدولة والأمة، وهذا لا يعني الارتباط والالتزام بحزبٍ ما دون قيدٍ أو شَرْطٍ، فعلى هذه الأرواح المباركة حين تختار اختيارًا سياسيًّا معيّنًا ألا تُسْلِم إرادَتَها أبدًا لأيَّةِ منظَّمةٍ سياسيّةٍ كانت، وألا تسمَحَ بتاتًا بالمساسِ بحرِّيَّتِها وإرادَتِها الحرَّة، فَسِرُّ حمايةِ الحرّية وصيانتِها يكمنُ في العبوديّة لله تعالى فحسب، فمن أسلمَ نفسه للعبودية لله فقد ملك حريته الحقيقية كاملة غير منقوصة، وتخلَّصَ من عبادة العبادِ بعبادَتِهِ ربَّ العِبادِ، وإلا فقد حَطَّم الإنسانُ حُرِّيّتَه وفقَدَها.

ناهيكم عن التشوُّفات الدنيوية، فأبطالُ الغايات المثالية يجب عليهم ألا يتشوَّفوا –بما يقومون به من أعمال الخير- ولو حتى إلى الجنة؛ إذ ينبغي لهم أن يطلبوا الجنةَ من فضل الله تعالى، وذلك –على حد تعبير الأستاذ بديع الزمان- لأن القيام بتكاليف العبودية ليس للحصول على نعمٍ ومكافآت آتية بل شكرًا لما حظينا به من نعم ومكافآت سابقة، فينبغي للإنسان أن ينشد الله فحسب، وأن يعدَّ كلَّ طلبٍ سواه ترجيحًا للفناء على الخلود.

ولكنه وبالرغم من تحرك هؤلاء الأخيار وفقًا لهذه المعايير فإنَّ من استولوا على إمكانيات معينة ويعيشون جنون العظمة لدرجة المرض به قد يسعون لتضييق مجالاتهم، ويُلبسون المسألة لباسًا دينيًّا بِهَمْزِ الشيطان وتسويلِهِ، ويرغبون في استغلال جميع الإمكانيات من أجل مَلْءِ خزائنهم الشخصية وجيوبهم الخاصّة فحسب، حتى إن من يبدون وكأنهم أقوياءُ الإيمان، بل ويقضون معظمَ حياتهم في التكايا والزوايا ربما يلهثُون وراء هذه النوعية من المنافع الصغيرة البسيطة. أجل، إن من يعيشون جنونَ العظمة خوفًا من فقدان ما نالوه وحصلوا عليه قد يرون حتى مجرد اجتماع الحمائم في مكانٍ ما تهديدًا لهم؛ وذلك لأنهم ركزوا تمامًا على مصالحهم ومنافعهم الشخصية؛ فيشعرون بالقلق من تجمعها وتدور بأذهانهم وساوس من قبيل: “تُرى هل يطمع هؤلاء في مناصب وأشياء معينة؟”.

الفاسدون لا يرغبون في وجود أناسٍ صالحين من حولهم!

ونتيجة لهذه الحالة الروحية فإنهم لا يرغبون في رؤية أناس أعفّاء شُرفاء مستغنين عن الدنيا وما فيها من حولهم، حتى إنهم يشعرون بالانزعاج من وجودهم، ويُفَضِّلون مَن هم من نفسِ طينتهم وعقليَّتهم حين يقومون بعمل ما أو يُكوِّنون محيطًا ما، ويرغبون بهذه الطريقة في تأمين أنفسهم، ويرون ضرورة أن يحيط بهم دائمًا من يفكرون مثلهم فحسب؛ حتى لا تنفضحَ عيوبُهم أو يعرفَ الآخرونَ مساوئَهم يومًا ما، ولأنهم يرغبون في إخفاء لصوصيّتهم وسرقاتهم وعدم كشفِها أبدًا فإنهم لا يطيقون أصلًا أن يوجدَ بينهم من يستنكرون العيبَ ويرفضونه، وقد قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: “الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ[1].

أجل، إن الأدناس لا يرغبون في أن يروا حولهم من يعيشون بعصمة وعفة، ويلتزمون الصدق والتضحية، ويحافظون دائمًا على نزاهتهم وطهرهم، لكن مع هذا كله فإنّه ينبغي للأرواح التي نذرت نفسها لخدمة الإيمان والقرآن ألا تحيد عن الطريق المستقيم حتى في مواجهة هذا النوع من الظلم والعدوان، وكما أنها متوازنة معتدلة في مشاعر كالقوة العقلية والقوة الغضبية والقوة الشهوية؛ فعليها أيضًا أن تحافظ على توازنها واعتدالها في نضالها وكفاحها عندما تتعرض لِـحَسَدِ الآخرين وطمعهم وحقدهم وبغضهم.

الحفاظ على التوازن في مواجهة فاقديهِ

إن المهارة الحقيقية هي التمكن من الحفاظ على التوازن في مواجهة من فقدوا توازنهم، فمثلًا قد يتعدَّى عليكم البعضُ حَسَدًا وحقدًا، وقد يثورون ويتهيجون عليكم خوفًا من أن يفقدوا في المستقبل بعضًا مما في أيديهم من إمكانيات وميزات، وهنا يكون من المهم جدًّا ألا يُقابَل فعلُهم بمثلِهِ، وألَّا يُسمح بأن تجول في الأذهان هذه النوعية من السلبيات، وألا تُعطى الفرصة لها أن تسري إلى الخلايا العصبية، ولا بدَّ من ردِّها كما جاءت؛ فليس المهمُّ هو احترام الناس حين يُحبُّونكم ويصفقون لكم، وإنما القدرةُ على قول: “اللهم أسعد من لا يرغبون في سعادتي، وحقِّقْ مراد حتى من لا يرغبون في تحقق ما أريدُ”، حتى بالنسبة لمن لا يتقبلونكم وينزعجون من وجودكم، وإنَّ التوازن والاتزان في عالمنا الذي يسود فيه هذا القدر من اختلال التوازن يبدو أمرًا بالغ الأهمية.

وقد نزلت الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 2/5) في العهد المكي؛ إذ لم يبق نوع من أنواع الظلم والعدوان إلا وارتُكِبَ ضدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وفي هذه الآية أُمِرَ المؤمنونَ بالصَّبْرِ وأن تتَّسِعَ قلوبهم وضمائرُهم لكلِّ تلك الأحداث، وألا يقابلوها بالمثل، وبالتالي فإنه يجبُ ألا ينصرفَ المؤمنون عن العدل والحقِّ بسبب تصرُّفات وسلوكيات شنيعة؛ فظلمُ الآخرين وجورُهم لا يجيز لكم أبدًا أن تظلموهم، فأنتم أيها المؤمنون مطالَبون بالعَدْلِ دائمًا أبدًا.

وإن شُنّت ضدكم حملة من التشويه والافتراء، وارتكبت المظالم بشأنكم دائمًا، وأُثيرت أسوأ المزاعم والافتراءات ضدكم صباح مساء؛ فَيُمْكِنُ في مثل هذا الموقف توضيحُ الأمر أو تصحيحُه أو تكذيبُه بحسب ما هو مُثار، ويمكن كذلك استخدامُ حقِّ التعويضِ، غير أنه يجب علينا حتى ونحن نستخدِمُ هذه الحقوق أن نتمثَّلَ ما تفرضه علينا شخصيّتنا وسماتنا الخاصة، وعلى النحو الذي يليق ويجدر بنا؛ فحقًّا ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ (سُورَةُ الإِسْرَاءِ: 84/17)، وما يقع على عاتقنا نحن هو أن نتحرَّكَ دائمًا وأبدًا وفق ما تقتضيه هويّتُنا الخاصة.

[1] صحيح البخاري، الأنبياء، 2؛ صحيح مسلم، البر والصلة والآداب، 159.

الوقتُ وقتُ الهَمّ والحزن

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: إننا في عالمنا المعاصر دائمًا ما نتعرَّضُ ونواجِهُ حوادث تكوي القلوب، ومع ذلك فلا نرى أنفسنا نتأثَّر بها كما ينبغي، فما هي أسبابُ عجزِنا عن التأثُّرِ هذا؟ وكيف ينبغي لنا أن نتصرَّف حتى نكون عبادًا مؤمنين حسَّاسين؟

الجواب: ثمة دوائر مختلفة يرتبط بها الإنسان بدءًا من أقربها منه وصولًا إلى أبعدها عنه؛ بحيث يُشكِّل الفردُ النقطة المركز في تلك الدوائر، وبتعبير آخر: فإنَّ من الطبيعةِ والفطرةِ أنَّ أوَّلَ ما ينشَغِلُ به الإنسانُ نفسُهُ، وما ذُكِرَ في القرآن الكريم من التعبير عن بدءِ الإنسانِ بنفسِهِ في طلبِ المغفرةِ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: 41/14)، و﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (سُورَةُ نُوحٍ: 28/71) يُشِيرُ في أحدِ معانيهِ إلى هذا الموقفِ الإنسانيِّ الطبيعيِّ الفطريِّ.

ومع هذا كلِّه فإنَّه يستحيل للمؤمن الحقيقي أن لا تؤثِّر فيه الحوادث والوقائع التي تقع حولَه، بل الحقيقة أنَّ كلَّ من نالَ نصيبَهُ من الإنسانية -بما في ذلك المؤمن- يشعرُ بالقَلَقِ والانزعاجِ من الأزمات والآلام التي يعيشها الآخرون، فيتألَّـمُ مثلًا مِنْ تعرُّض الأبرياء للظُّلم والعنف، ومن تَقاتُلِ الناس وتناحرِهم فيما بينهم؛ وذلك لأن جميعَ الناس بالنظر إلى الأصل هم أغصانُ شجرةٍ واحدةٍ أو أوراقُها أو أزهارُها أو ثمارُها، يخاطبنا القرآن الكريم قائلًا: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾، ولذلك فإنَّ كلَّ إنسان لم يفقدْ ضميرَه يهتَمُّ بآلامِ وهمومِ أخيه الإنسان باعتبارهما أبناء أبٍ واحدٍ هو آدم عليه السلام، حتى إنَّ نفسه تتلوَّى ألـمًا وقلبُهُ ينزفُ دمًا بقدرِ عمقِ حسِّ وشعورِ الشفقة عنده، أما المؤمن الحقيقي ذو مشاعر الرحمة والشفقة الواسعة فإنَّه يحسّ من أعماقه بالقلقِ والوجعِ متأثِّرًا بما يعيشه الناسُ أجمعون من مظالم وأزمات ومضايقات؛ وفي مقدِّمتهم بنو دينِهِ ووَطَنِهِ وأمّتِه الذين يتَّجهون معه إلى نفسِ القبلة، ويشاركونه ذاتَ القيم، ويعيشون معه على أرضٍ واحدة؛ فيشعرُ بأن النارَ أينما تسقط وتشتعل بسبب المظالم والأزمات إنما تسقطُ في داخله هو فتحرقه وتأكله.

“القلق كناقوسٍ يدقُّ في منتصفِ الليل”

يستحيل ألَّا ينزعج وألَّا يأرقَ من يعونَ وضعَ العالم الإسلاميِّ ويدركون الحيلَ والمؤامرات التي تحاكُ ضدَّ المسلمين في يومنا هذا بصفةٍ خاصّة وهم يواجهون كلَّ هذه الحوادث الجارية، كما يستحيل ألَّا يتلوَّوا ألمًا وقلقًا، وألَّا ينشغلوا بذلك ليلَ نهار؛ فممَّا يؤسَف له سعيُ الآخرين في الماضي والحاضرِ إلى إذكاءِ نارِ الخلافِ والفرقةِ بين شتّى المجتمعات الواقعة في الجغرافية الإسلامية، والتي تعايشت في وحدة وتعاون مرَّ العصورِ وكرَّ الدهورِ، وأقامت علاقات جيدة مع بعضها البعض دون خِلافاتٍ ولا صِدامات قط على قرون عدة، نأسَفُ عندما نرى الأغيارَ اليوم ينثرون بذور الخلاف والنزاع فيما بينها، ويلعبون بها شرَّ الألاعيب، ويُدبِّرون المؤامرات للإيقاعِ بتلكَ الطوائفِ المجتمعية بعضها في بعض.. وإنَّ مَنْ يستبيحون كل السبل والطرق ويستحلُّونها كي يتمكنوا من الحفاظ على وضعهم القوي في التوازنات الدولية يواصلون تنفيذ حيل التفريق هذه دون تباطؤ حتى يتسنى لهم الحكم والإدارة بسهولة ويسر؛ إعمالًا للمقولةِ الشهيرة “فَـرِّقْ تَسُدْ”.

وبينما يتناحَرُ المسلمون يتدخَّلُ الأغيارُ بينهم لاعبين دورَ الحَكَم والفيصَلِ فَيُسَيطِرون على مصادِرِ ثرواتهم، وكما أن هؤلاء الأغيار أثاروا العداءَ بين مختلف العناصرِ في دولةٍ عالميةٍ ضخمةٍ؛ فمزَّقوها شرَّ ممزَّقٍ وانقضُّوا على ثرواتها الطبيعية؛ فإنّهم اليوم أيضًا يلعبون نفس الألاعيب تحدوهم عينُ الرغبات والآمال. أجل، إنَّ من أشعَلوا نيران الاختلافِ والفُرقةِ بين الطوائفِ المسلمةِ في وقتٍ ما يواصلون اليوم أيضًا تنفيذَ نفس الشرور والخبائث بمكرٍ وخبثٍ أكثر من ذي قبل.

علاوة على أن مناعةَ المسلمين الذين يتناوشون مع بعضهم البعض ضَعُفت ضعفًا شديدًا فيما يتعلَّقُ بحماية القِيَمِ والمعايير الإسلامية؛ وذلك نتيجةً لنخر الدُّودِ في جسدِ الأمة، ومن ثمَّ فإنَّ طرحَ الناس المتنازعين فكرةً متوازنة ومحاكمةً عقليّة سليمةً أمرٌ في غايةِ الصعوبةِ بل يمكن القولُ باستحالتِهِ؛ لأن الكتلَ والأفراد المتصارعة فيما بينها تبتعد عن المنطقية وتنزلق في هوّة العاطفيّة، بل إن بعضًا منها يتحرَّك وفقًا لغرائزِهِ وشهواتِهِ كالبهائم كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 179/7)، وهم لا يفكِّرون ولو للحظةٍ واحدة: “لماذا كلُّ هذه النزاعات والصراعات؟ وما الذي تُكسبه للعالم الإسلامي؟ وكيف نسمح لأحدٍ أن يُسوِّد نفسَه علينا متقمِّصًا دورَ الحَكَمِ بحجة أننا نتصارع فيما بيننا؟”، فإنَّ مَنْ لم يشعُرْ بالحزن والأسى إزاءَ كلِّ هذه الحوادث ولم يستطع تحليلَها ورؤيةَ ما وراءها من خلفيّات وما لها من أبعادٍ؛ فإنَّه فَقَدَ بعضَ المشاعرِ الإنسانيّة.

“إن لم تبكِ فاستحيِ من الضَّحِكِ على الأقلّ!”

من يستطيعُ الحفاظَ حقًّا على صحوةِ ضميرِهِ يتأثَّرُ بما يراه في عوالم أخرى حتى غير عالم الإنسان كعالم الحيوان وعالم النبات بل وحتى عالم الجماد، واحتواءُ كلِّ شيء في تلك العوالم بَرْهَنَةً على رب العالمين سبحانه وتعالى؛ واهتمامُ كلِّ ذي وجدانٍ بكلِّ ما في الكون باعتباره خليفة الله في الأرض؛ وتألمُه بألم الجميع؛ كلُّ ذلك يُـمثِّلُ ضرورةً إنسانيّة.

ولقد تأثرتُ تأثُّرًا بالغًا أمام مجموعةٍ من المناظِرِ شاهدتُها قبل سنوات في أفلامٍ وثائقيّة، من بينها على سبيل المثال أنَّ بضعة أسود أحاطت بثور من فصيلة “البَيسون”؛ فقفز أحدها على ظهره، وأمسك الآخرُ بقدمهِ، بينما قَبَضَ الثالثُ على رقبتِهِ وأكلُوه، وهذا المنظرُ لا يُفارِقُ عينيَّ أبدًا، ومع أنه كان لهذا الحيوان المسكين قرنان إلا أنّه لم يكن لديه ما يستطيعُ فعلَه في مواجهة مخالب الأسودِ القويّة وأسنانها القاطعة، وحين أرقدُ في فراشي وألتفُّ بِلِحافي أنصب في خيالي أحيانًا الفخاخ والشِّباكَ لتلكَ الأسودِ التي مزَّقَتْ ذلك الثورَ فيما شاهدته من مناظر قبل ربما عشرين سنة، وأجهز سهمي، وأرميها به قائلًا: “لماذا مزقتم حيوانًا مسكينًا كهذا؟ هذا ما تستحقونه”.

فضلًا عن أنَّ عالم الحيوان فيه سلسلةٌ غذائية؛ فالحيوان الذي خلقه الله تعالى آكلًا للّحوم يواصل حياته بأكلِ غيره من الحيوانات، وكما أنَّ الحيوانات آكلةَ النباتِ تتَّجِهُ إلى تناوُلِ الأعشابِ بمجرَّدِ أن تضعَها أمهاتُها؛ فإنَّ الحيوانات آكلةَ اللحومِ تتَّجِهُ إلى البحث عن لحمٍ لها؛ لأن فطرةَ كلٍّ منهما تقتضي ذلك، كما أننا أيضًا نَسْتَلُّ السكِّين حينًا فنذبحُ باسم الله ما نريدُ أكلَ لحمِهِ من الحيوانات المحلَّلَةِ، ولكنه وبالرغم من تقبُّلِنا هذا الوضع الطبيعيّ عقليًّا إلا أننا نتأثَّرُ حِسِيًّا ونتألم لتمزيقِ بضعة حيوانات مفترِسَةٍ أحدَ الحيوانات البريئة، ونشعرُ بالضيق لذلك، ونتأذى منه، وأظنُّ أن كلَّ من يُصْغِي إلى صوتِ ضميرِهِ سَيَشْعُرُ بنفسِ المشاعِرِ في هذا الموضوعِ.

والآن فإنه يستحيلُ بالنسبةِ للإنسانِ الذي يتأذَّى من هذا النوعِ من المشاهِدِ -حتى وإن كانت متعلِّقة بالحيوان- ألَّا ينزعجَ حين يشاهد أناسًا يُقتَلُون وألَّا يتلوى ألمًا وحزنًا لهذا، ومِنْ ثَمَّ فإن عدمَ التأثُّرِ والانفعالِ تجاهَ الحرائق الموجودة سواء في بلدنا نحن أو في غيرها من البلاد الإسلامية الأخرى؛ إنما يدل على تجرُّدِ الإنسان من الإنسانيّة، أما من لم يفقد إنسانيَّتَهُ فإنه سيتأثَّرُ يقينًا أمام هذه السلبيّات الحاليّة.

ويقول الشاعر “محمد عاكف” وهو يتحدث عما يتعرض له المسلمون:

ما يُنْتَهَكُ اليومَ هو عِرْضُنا، ومَنْ يُذبَّحُ هم أولادُنا؛ فانتَبِه يا ذا الغرورِ

إن لم تبكِ أيُّها الصفيقُ فاستحيِ على الأقلِّ من الضحكِ والسرورِ

كما أنَّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في أحدِ أحاديثِهِ الشريفة: “مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ[1]، أي إن كان لِأَيِّ إنسانٍ نصيبٌ من الإيمان فعليه -على الأقلّ- أن يشعر بألم لما يتعرّض له المسلمون من مزعِجات ومنغِّصات، فمن لا يؤلمه هذا لا يفكِّر في تطويرِ مجموعةٍ من الحلول البديلةِ من شأنها أن تقضي على تلك المشكلات المشارِ إليها.

غير أنه ينبغي لكلِّ فردٍ في هذا الصَّدَدِ أن يَنْظُرَ إلى نَفْسِهِ أوَّلًا، وأن يتجنَّبَ إساءةَ الظنِّ بالآخرين، ومَنْ يدري.. فربما يكونُ ظهورُ مَن حولنا وكأنّهم متبلِّدو الحِسِّ غير متأثِّرين بالأمرِ ينبعُ من كونهم أناسًا صبورين وجَلِدين للغاية، كما أنهم ربما يشعرون من أعماقِهم بما نشعرُ نحن به من أَلَـمٍ ومرارةٍ، وربما تنزِفُ قلوبُهم حزنًا منهم على ما يتعرَّضُ له المسلمون من مشكلات وأزماتٍ، غير أنهم لقوَّةِ أنظمتِهم المناعيّة والمقاوِمَةِ لا يتأوَّهون من ألَـمِ البلاء، ولا يَئِنُّون حتى لا يُعلِموا الأغيار شيئًا عن حالهم.

نعرةُ الحربِ من شأنِها أن تقضي على الإنسانيّة

هناك جانبٌ مهمٌّ من المسألةِ فيما يتعلَّقُ بالشعور بالهمّ والحزن أمام تلك الابتلاءات والمصائب التي يعيشُها الناس، ألا وهو: أنه كما لا يصحّ عدمُ الشُّعُورِ بالأمرِ وعدمُ الاهتمامِ به؛ فلا تصحّ أيضًا إجراءاتٌ كالصراخ والصياح والضجيجِ والتدميرِ والحَرْقِ أو اللجوءِ إلى العنف؛ لأن ردَّ فعلٍ كهذا يُطرَحُ كَحَلٍّ للمسألةِ يخالف الإسلام والإنسانيّة، وبالتالي فإنَّه يجبُ ألا يُسمح بتاتًا بمثل هذه النوعية من التصرفات؛ بل ينبغي السعي إلى الحيلولة دون أنواع الوحشية عن طريق إعلاء القيم الإنسانية وإرسائها.

ومن أجل هذا فإنَّه إن كان لا بدَّ من ردِّ فعلٍ على المظالِمِ والتعدِّيات المرتَكَبَةِ فلا بدَّ من التأكيدِ في كلِّ فرصةٍ على أنَّ دينَنَا بريءٌ تمامًا من أحداثِ الإرهابِ والعنفِ التي تؤدِّي إلى قتلِ الأبرياء دون أن تُفَرِّقَ بين صغيرٍ أو كبير ولا رضيعٍ ولا طفلٍ ولا رَجُلٍ ولا امرأةٍ ولا شابٍّ ولا شيخٍ عجوز، ولا بدّ من أن يُلام صراحةً ويُندَّدَ بمن يقومون بمثل هذه الأعمال، وأن يُحالَ دون انتشار فكرة استخدام العنف والقوّة الغاشمة، وينبغي السعيُ بقدر الإمكان إلى تصحيح مسارِ من يعيشون انحرافًا فكريًّا في هذا الشأن، وإنقاذُهم من طريق الضلالة، وبينما نفعل هذا من جانب؛ يجب من جانب آخر على عقلاء السياسيين وعلماء الاجتماع والفلاسفة والتربويين أن يجتمعوا ويسعوا إلى إحلالِ لغةِ السلام والحوار محلَّ لغةِ العُنْفِ والحربِ، كما يجبُ بواسطة العقل المشترك تكوينُ مناخٍ سلميٍّ ولغةٍ سلميّة في مواجهة نعرات ودعوات الحرب التي ستشعلُها بعضُ الدول من أجلِ مصالحها وأطماعها الشخصية، ولا بدَّ من تطوير المشاريع وإعداد الخططِ البديلة لمواجهةِ كلِّ أنواع الإثارات والمحاولات الساعيةِ لإشعالِ فتيل الحرب العالمية الثالثة، التي لو اندلَعَت فمن المحتمَلِ أن تُحرِقَ بِلَهِيبِها العالم بأسره من أقصاهُ إلى أقصاهُ، ويجب أيضًا التنفيذ المباشِرُ لما يمكن تحقيقُهُ من تلك المشاريع والخُطَطِ، وإلا فإن الأسلحةَ الحديثةَ الفتَّاكةَ وحربًا عالميةً سَتُسْتَخْدَمُ فيها تلك الأسلحةُ ستقضي على الإنسانية جمعاء.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                         

 

[1] الطبراني: المعجم الأوسط، 151/1، 270/7؛ الحاكم: المستدرك، 356/4.

سوءُ الظن: مرضٌ فتّاك

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ورد في الحديث النبوي الشريف أنَّه: “إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: “هَلَكَ النَّاسُ” فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ”[1]؛ فهل يدخل في عموم هذا الحديث تصرفاتٌ كإساءة الظنِّ أو انتقاد الآخرين باستمرار؟

الجواب: هذا تصريحٌ نبويٌّ مبارَكٌ من جوامع الكَلِمِ، يكتَنِزُ في ثناياه حقائقَ عدّة؛ وإحدى تلك الحقائق هي إساءة الظنِّ بالآخرين كما تقدم في السؤال؛ إذ إنَّ الحديثَ عن الآخرين والحكمَ بأنهم “هلكوا” وإلقاءَ الكلام بحقِّ الآخرين جزافًا من قبيل “انتهى أمره” مثلًا؛ ليس إلَّا نتيجة لسوء الظنّ، بينما رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم أخبر أنَّ من هلك وانتهى أمره بالفِعل هو من ساءَ ظنّه بالآخرين فأطلَقَ مثل هذه النوعية من البيانات.

مُؤَلِّهو أنفسِهم يبحثون عن المذنب في الخارج

ومن نتائجِ سوءِ الظَّنِّ “الأنانيةُ” و”مركزيةُ الذات”، بل وحتى مرضُ “النرجسية” (Narcissism) الذي هو ربطُ كلِّ شيء بالنفس ونسبتُهُ إليها خلال الحديث عن الآخرين، ومن ينتقِد الجميعَ ويوبِّخهم ويبحث عن جرمٍ لكلِّ فردٍ فهو يؤلِّهُ نفسَهُ دون أن يدري على الإطلاق، ويعبدها ويقف أمام المرآة تسيطرُ عليه أفكارٌ مثل: “ليس هناك مثيل لي، فلتكن الدنيا وما فيها فداءً لي”.

ومَنْ حُرِمَ حسنَ الظنِّ وسيطرَ عليه سوءُ الظنِّ ربما يستخفُّ بما يؤدّيه الآخرون من عبادات كالصلاة، فمثلًا حينما يرى إنسانًا يُصلي قد يجول بذهنِهِ تساؤلٌ فوريٌّ: “تُرى هل استطاع هذا الشخص أن يندمج مع الصلاة تمامًا ويخشع فيها؟”، غير أنه إذا ما فكَّر تفكيرًا كهذا واجهَهُ قولُ سيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أفلا شققتَ عن قلبه[2]، إننا لا نستطيع معرفة ما في قلب الإنسان، وربما نظنُّ أنَّ إنسانًا يؤدّي صلاته على نحوٍ شكليّ وصوريٍّ، بينما هو يصليها بخضوعٍ وتعمُّق في حقيقة الأمر! ولذلك يجب علينا أن نتجنَّبَ تمامًا الدخول في ملاحظات وآراء سلبيّة بشأن تصرفات الآخرين وعباداتهم وإن كانت مهمَّتُنا هي بيان الصحيحِ من الأمورِ كالكلام عن صحيح الصلاة وبيانِ صفات المؤمن، وذلك لأن النظرَ إلى عبادةِ الآخرين وطاعتِهم ونحنُ تُسَيطِرُ علينا أحكامٌ مسبقةٌ بشأنها ومحاولةَ استشفاف نيّاتهم إنّما هو سوءُ ظنٍّ مرعبٌ مخيفٌ، وقد يتسبَّبُ مثل هذا النوع من سوءِ الظنِّ في انحطاط الإنسان، ولقد حرّم الله جلّ جلاله سوءَ الظنِّ تحريمًا صريحًا وقاطعًا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا﴾ (سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 12/49).

وعليه فإنّه ينبغي إحسانُ الظنِّ بالآخرين عند النظر إليهم طالما توفَّرَ ما مِنْ شأنِهِ أنْ يُشَكِّلَ أساسًا لِحُسْنِ الظنِّ بهم، بل يجب الاعتمادُ على حسنِ الظنِّ والابتعادُ عن إساءةِ الظنِّ حتى وإن كان في الشخصِ الآخر جانبٌ واحدٌ فحسب يدعو إلى حسن الظنّ به، فمثلًا إنْ كان هناك إنسانٌ رأسُماله الوحيدُ هو كلمة التوحيد أو الشهادتين، ولم نَرَ منه عملًا صالحًا فإنه يجبُ أن تكون قناعتُنا بحقِّهِ على نحوِ: “إنَّ أخي هذا نطقَ بالشهادتين من صميم قلبِهِ، وربما أن كلمتَهُ هذه بلغَتْ مرتبةً عُليا عند الحضرة الإلهية، فتكون سببًا لنجاته في الآخرة”، ومن ناحية أخرى يجب علينا أنْ نخاف الهلاكَ على أنفسنا إن خالطَ الرياءُ والسمعةُ ما نقومُ به من عبادات حتى وإن كنّا نؤدّي خمسين صلاةً نافلةً يوميًّا بعد أداء الصلوات الخمس.

والأمثلةُ على هذا الأمرِ كثيرةٌ؛ فمثلًا مَنْ تبدو علاقته بالله تعالى ضعيفةً في الظاهر بسبب تقصيره في أداء ما عليه من عبادات، ولكنه إذا تكلّمَ صدقَ، ولم يخالط الكذبُ حديثَه؛ يجب علينا أن نحمل سلوكه هذا على خوفه من الله، وأن نقول بشأنه: “نظرًا لأن هذا الشخص حسّاسٌ إلى هذا الحدّ في حديثه؛ فهذا يعني أنّه على علاقة قويّة بالله تعالى”، كما أنَّ تصرُّفات شخصٍ شديدِ الحساسية في مواجهة المحرمات، ولا يضع في فيه ولو حتى لقمة حرامًا، ويرفض مقابل وأجر أيِّ عمل لم يقم به ويعتقد أنّه لا يستحقُّه تصرفاتٌ جميلةٌ لدرجة أننا يستحيل علينا بيانها وتوضيحها ما لم نربطْها برضا الله تعالى عنه، ولذلك فإنه يجب علينا أمام هذه المواقف كلها أن نُحْسِنَ الظنَّ دائمًا بشأنِ علاقة ذلك الشخصِ بالله جلَّ جلالُهُ.

التوزان: حسن الظن مع الحيطة والحذر

إلا أن تجنُّب الإفراط والتفريط يفرض علينا أن نجمع بين حسن الظن وأخذِ الحيطة والحذر، لا سيما بحقِّ من نشاهد تَذَبْذُبَهم وتردُّدَهم؛ إذ قد لا يكون من نُحسِنُ الظن به إنسانًا كاملًا ومكمّلًا إن كان يحيد عن طريق الاستقامة بين الحين والآخر، ومن هذه الناحية يجب علينا أن نوسِّع دائرةَ ملاحظاتنا ونتصرَّف بحيطةٍ وحَذَرٍ في المواضيع الحسّاسة كتكليفِهِ بالوظائِفِ المصيريّة أو تحميلِهِ أعمالًا في غايةِ الأهمّيّة وما إلى ذلك مع حسن الظن به، وليس من حقِّنا التفوُّهُ بعباراتٍ تُنْبِئ عن سوءِ الظنِّ من قبيل: “إنني لا أَثِقُ بفلان، فلانٌ لا يوثَقُ به”، يجب ألَّا نتفوَّه بها حتى وإن كنَّا نشعرُ بمثل هذا الشعورِ فعلًا.

إذًا يجب علينا ونحن نفكر في الآخرين أن نعتقِدَ بأنَّ أوهنَ الأعمال وأبسَطَها قد تُنْقِذُهُم عند الله تعالى، وأن ننظرَ إلى أخطائِهم نظرةَ تسامُحٍ، وأن نتحاشى الحديثَ ضدَّهم، فثمَّةَ واقعةٌ حدثَتْ في عصرِ صدرِ الإسلام تُعْطِي المؤمنين دروسًا وعِبرًا مهمة في هذا الصدد؛ إذ إنَّ صحابيًّا كثيرًا ما أُتي به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثَـمِلًا وعُزِّر لِفِعْلِهِ ذلك، وكانت الخمرُ قد حُرِّمت حديثًا، وذات مرّة من تلك المرات أُحضرَ إلى حضرة النبي صلى الله عليه وسلم بسببِ ارتكابه نفس الفعل، فقال أحد الموجودين هناك يقصده: “اللهم الْعَنهُ، ما أكثر ما يؤتى به!”، فَلمّا سمعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك قال: “لاَ تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ“، وفي رواية أخرى قال صلى الله عليه وسلم: “لَا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ[3]، ومن ثمَّ فإنه يجب علينا حين ننظر إلى الآخرين أن ننظر إليهم دائمًا من أفق رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا.

حُسْنُ الظنِّ: ما أجمله من عبادة

حَذَارِ ثمَّ حَذَارِ من إساءة الظنِّ بالقلوب المؤمنة المتصلة بالله تعالى وبرسوله العظيم والقرآن الكريم، والتي نذرت نفسها لخدمة القرآن والإيمان، وينبغي كذلك النأيُ عن تصيُّدِ عيوبها؛ فقد حذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك بقوله: “مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ[4]، ومن هذه الزاوية فإنه ينبغي لأيّ إنسان أن يخاف وترتعد فرائصه ويتلوى خوفًا تشغله فكرة: “نسبتُ هذا العيب إلى فلانٍ، ولكن ماذا عساي أنْ أفعل إن اتهمني الناس أو اتهموا زوجي أو أولادي بمثل هذه العيوب!”

أجل، إن المؤمن الحقيقي يجب عليه أن يفكِّرَ بحذرٍ بشأن الآخرين أيًّا كانوا، وأن يتصرف بحيطة وحذر شديدين؛ فكما هو معلوم إن التيقُّظَ والانتباه الدائم أوَّلُ مراتب الكمال، وعلى المؤمن وهو يسير في سبيل الله تعالى أن يسيرَ منتبهًا دائمًا، وأن يصبغَ أفكارَهُ بحسنِ الظنِّ ما أمكنه ذلك، وألا يقعَ في وزرِ سوءِ الظنِّ أبدًا، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “حُسْنُ الظَّنِّ مِنْ حُسْنِ الْعِبَادَةِ[5]؛ ليبين لنا كم أنَّ حسن الظن أفقٌ سامٍ جليلٌ.

ومع هذا فالحذرَ الحذرَ، وإياكم والإهمالَ تجاهَ من يستمتعون ببثِّ السموم في البشرِ كما الثعبان، ويحاولون دائمًا القدحَ في الآخرين وذمّهم، فعلينا أن نضعَ أمامهم السدود والعراقيلَ لنحولَ بينهم وبين ذلك، غير أنَّه يجبُ ألا يمنعكم تصرُّفُكم بحذرٍ وحيطةٍ في هذا الموضوع من الدعاء بالهداية لهؤلاء الذين يحيكون شتّى أنواع المؤامرات ضِدّكم، من أجل هذا فإنني أُسَارِعُ بالدعاء لمن افتروا عليَّ وكتبوا ضدي منذ خمسين سنة حين أفكِّر في أنَّ صنيعهم هذا قد يُدخِلُهم النار فأقول: “اللهم إنّي أسألك الخير لهم! وقفت ببابك اللهم! فلا تعذبهم في جهنم! اللهم ألقِ الإيمان في قلوبهم، وشرّفهم به!”.

وإلى جانب هذا فقد منحكم الله تعالى حقَّ اختيارِ سبيلٍ آخر؛ إذ يمكنكم حينما يؤذيكم من يؤذيكم أن تدعوا عليهم قائلين: “اللهم عليك بهم، اللهم اهزمهم وزلزلهم، وشتِّتْ شملهم، وفرِّقْ جمعهم، ومزقهم كلَّ ممزَّقٍ، واجعل بأسَهم بينهم، وانصرنا عليهم!”، من حقِّكم أن تقولوا كلّ هذا، لأنَّه إن كان هناك أناسٌ يُعَذِّبُونكم، ويُؤْذونكم ويقسون عليكم، ويحيكون مؤامراتٍ شتى ضِدَّكم، وينصبون لكم الفخاخ والحيلَ فمن حقِّكم أن تقوموا بأعمالٍ وتحرُّكات تُفسد عليهم خطَطَهم تلك، وتقلبُها رأسًا على عقبٍ، وتجعل الدائرة تدورُ عليهم، إذ يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (سُورَةُ النَّحْلِ: 126/16)، ومع هذا كله فإن هذه الآية الكريمة تُختَمُ بقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾؛ لِتُبَيِّنَ أنَّ الصبرَ وعدمَ التخلّي عن النُّبل واللُّطْفِ هو الأفضلُ لكم فيما يتعلَّق بحقوقِكم الشخصيّة.

 

[1] صحيح مسلم، البرّ والصلة، 139.

[2] صحيح مسلم، الإيمان، 158.

[3] صحيح البخاري، الحدود، 6.

[4] سنن الترمذي، صفة القيامة، 53؛ البيهقي: شُعب الإيمان، 67/9.

[5] سنن أبي داود، الأدب، 88؛ مسند الإمام أحمد، 338/13.

منظومةٌ تقدر على حمل الإسلام

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ذكرتم فيما سبق أنَّه لا يمكن حملُ الإسلامِ وتبليغُهُ إلا بواسطة منظومةٍ فعّالةٍ تُمثِّلُ الفهرسَ المعنوي للوجود كله، تتشكَّلُ من العقلِ والوجدانِ والروحِ والجَسَدِ[1]، فما المقصود بذلك؟

الجواب: كُلُّ ما ذُكِر في السؤال من عناصر يشكِّلُ في حدِّ ذاتِهِ أعماقًا مختلفةً مفطورةً في الإنسان، وهي بمثابة ركنٍ ركينٍ بالنسبة لِفَهْمِ الإسلام وتبليغِ الناس به.

العقل

إذا نظَرْنا إلى العقلِ نجدُه يؤدّي وظيفتَه في التفريق والتمييز بين الحسَن والقبيح والنافعِ والضارِّ؛ إذا ما استُخدم على نحوٍ صحيحٍ تحت مظلّة إرشادِ القلبِ والروح، لكن أنصار المذهب العقلانيّ اعتبروا العقل كلَّ شيء، كما أنَّ عقلانيِّي عصرِنا الجدد جعلوه ركنًا مقدَّمًا على الكتاب والسنة، أما بعضُ معارضيهم فقد أنكروا العقلَ تمامًا، أي إنَّ الإفراط في إعلاءِ قَدْرِ العقل من قِبَلِ فئةٍ معيّنة ولّد التفريطَ في شأنه من قِبَلِ أُخرى، وإذا ما نَظَرْنَا إلى الوضعِ العام للعالم الإسلاميّ اليوم يتَّضحُ جليًّا إهمالُ العقلِ بكلِّ وظائفِهِ، وحدوثُ الانزلاقِ المروِّع نحو التفريطِ في هذا الموضوع.

والحال أن ثمة حكمة مهمّة لخلقِ العقل؛ إنه -قبل كل شيء- مناطُ التكليفِ والعبوديّة؛ فإنْ حُرِم الإنسان من نعمة العقل حُرِم من شَرَفِ مخاطبةِ الله تعالى إيَّاه، فهو سبحانه يخاطب الإنسان بوصفه صاحبَ عقل، ويعقد الصفقات بين الإنسان وبينه سبحانه، ومن ذلك على سبيل المثال قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 40/2)، وقوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 152/2)، وفهمُ هذا وممارستُه مرتبطٌ بالعقل، أما إدخالُ الله تعالى عبدًا فاقدَ العقل الجنةَ أو عدم إدخاله إياه فهذه مسألةٌ أخرى، غير أن نَيلَ الإنسان شرفَ مخاطبة الله تعالى إيّاه في ظلّ نعمة العقلِ وفهمه الأوامر الشرعية المنوطةَ به وتطبيقه إيّاها أمرٌ شديدُ الأهمّيّة بالنسبة لِفَهْمِ مكانةِ العقلِ وقيمتِه في الدين.

وإلى جانبِ ما سبقَ يُـمثِّلُ العقلُ العنصرَ الأساسَ في فهم الأشياء المرئيّة والمحسوسة، غير أنَّ له دائرة محدّدة تتناسبُ مع طبيعتِهِ هو؛ إذ إنه قد يَزِلُّ ويحيدُ عن الصواب في أيِّ وقتٍ ما لم يزن بميزانِ الشرع ما يحصل عليه من معلومات، ولهذا فلا بدَّ أن يُقدّر العقل بقدر قيمتِه التي يستحقّها، ومن جهةٍ أخرى فإنكم تَشلّون جانبًا من الآليّة أو النظام الذي تمتلكونه إذا ما عزلتم العقل ونحيتموه جانبًا دون أن يقوم بوظائفه كلها؛ ومن ثَـمَّ فَنِظامٌ شُلَّ على هذا المنوال يستحيلُ أن يؤدّي الوظيفةَ المرجوة منه، وكما يتعذَّرُ على سيّارةٍ تنقصُها دوّاسة الوقود أن تتحرّك بأيّة حال بالرغم من سلامتِها ووجودِ كلِّ أجزائها في أماكنها؛ فإن النظام العام للإنسان أيضًا يُصاب بالشلل ما لم يؤدِّ العقلُ -أحدُ أهم أركان هذا النظام- المهمةَ المطلوبةَ منه والمنوطةَ به.

الوجدان

يشكِّلُ الوجدان ركنًا آخر من أركان هذا النظام، وعلى حدِّ تعبير فضيلة الأستاذ بديع الزمان فإنَّ للوجدان أربعةَ أركان هي: الحسُّ والإرادةُ والشعورُ واللطيفةُ الربّانيّة، وللّطيفة الربانية أعماقٌ هي: “السرُّ” الذي هو وديعةٌ ربَّانيةٌ في قلب الإنسان، و”الخفيُّ” المتعلّق بالصفات السبحانيّة والله أعلم، و”الأخفى” الذي يمكننا أن نسميه أفق البحث عن “الذات البحت”، وإنَّ عدم معرفة الأمّيين من أمثالنا بمثل هذه الأمور ليس دليلًا على عدمِ وجودِها؛ لأنَّ مَنْ أدركوا هذه الآفاق أخبرونا عنها بِفَضْلِ تجاربِهم الروحيّة.

وإذا اجتمعت كُلّ هذه العناصر التي تُشَكِّلُ آليَّةَ الوجدان يتحقَّقُ “الحَدْس”، ويمكننا أن نسمي هذا بـالحسّ الداخلي، أو التقييم أو التحليل الداخلي؛ حيث إنَّ الإنسان يُرشِّحُ الأشياءَ والحوادث التي تقعُ في العالم الخارجي ويُصفِّيها بواسطة الحدس هذا، ويفهمُها فهمًا صحيحًا، غير أنه إذا ما أهمل ولو حتى عنصرًا واحدًا من تلك العناصر الخاصة بالوجدان فإنه يتعذَّر عليه تشغيلُ الوجدان تشغيلًا تامًّا، وإننا لنشُلُّ ذلك الموجود المسمى بالإنسان حين نُعَطِّل آليّة الوجدان التي هي ركنٌ أساسٌ في منظومتِهِ، وفي مثل هذه الحالة تنعدمُ قيمةُ وأهمّيّةُ كونِ هيئةِ الإنسان وبنيته البدنيّة وملامح وجهه وأعضاء بدنه من عينٍ وأُذُنٍ وشفةٍ… إلخ فائقة الحُسْنِ والجمالِ.

الروح

الروح هي الأخرى ركنٌ من أهمِّ أركان هذه الآليّة العجيبة الـمُلغزة، فهي نظام يفوق اللطيفة الربانية، وقد قال الأولياء عند تحديد خطِّ السير والسلوك الروحانيّ: ينبغي الانتقال من اللطيفة الربانية إلى الروح، فللروح جانبٌ إلهيّ؛ إذ إنها هدية نضرة نَدِيَّة جاءتنا من عند الله تعالى باعتبارها نفخةً إلهيّة؛ فنُحَسُّ بها ونُرَى ونُعرَف ونُراعى، إنها أمانة إلهيّة؛ ولذلك فإنَّ القفز من اللطيفة الربانية إلى أفق الروح تعبير عن احترام هذه النفخة الإلهية التي أودعها الله تعالى فينا أمانةً منذ بداية الخلق؛ قال تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ (سُورَةُ الْحِجْرِ: 29/15)، وهذا في الوقت نفسِه أفقٌ عالٍ مَن يرْتَقِ إليه يُحِس ويشعر بأنَّ مصدَرَهُ إلهيٌّ صِرْفٌ، ومهما كان نيلُ اللطيفة الربانية والفوزُ بها مرتبة مهمة فإنَّ من يَحبُون في مرابِعِها ولا يتسنى لهم الصعود إلى أفق الروح يتعذَّرُ عليهم الإحساس بشيءٍ كثير بالنسبة لتلك المنة الإلهية.

الجسد

نضيف إلى ما تقدم من العناصر عنصر الجسد الذي هو الجانب المادي من الإنسان، وكما أنَّ أنظمةً كالعقل والوجدان والقلب والروح التي تشكل الجانب المعنوي من الإنسان مهمَّةٌ للغاية؛ فإنّ الجسد الذي يمثل الجانب المادِّيَّ منه ذو أهمية خاصة به أيضًا؛ فالقدرةُ على عبادة الله تعالى، وأداء عبادات كالصلاة والصيام والحجّ أمرٌ مرتبطٌ بسلامة تشغيلِ هذا النظام، وكما أننا لا نُدركُ ما الذي يحدثُ بأدائنا الصلاة وخشوعنا بين يدي الله تعالى وتلاوة القرآن؛ فإَنَّه يتعذَّرُ علينا كذلك أن نعرف كيف سيكون مردودُ القيام بهذه العبادات، وكما أخبرتنا الأحاديث النبوية الشريفة فإنه: “إِذَا أَحْسَنَ الرَّجُلُ الصَّلَاةَ فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا قَالَتِ الصَّلَاةُ: حَفِظَكَ اللَّهُ كَمَا حَفِظْتَنِي فَتُرْفَعُ، وَإِذَا أَسَاءَ الصَّلَاةَ فَلَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا قَالَتِ الصَّلَاةُ: ضَيَّعَكَ اللَّهُ كَمَا ضَيَّعْتَنِي فَتُلَفُّ كَمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ الْخَلِقُ فَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُهُ[2].

ومن جانبٍ آخر فإنَّكم تُهَذِّبون أجسادكم وتُربُّونها بعباداتكم التي تؤدّونها بدنيًّا؛ فهي تحقق مجموعةً من الفوائد للإنسان بالنظر إلى بنيته الطبيعيّة والتشريحيّة، غير أنَّها لم تُبنَ على هذا النوع من الحكم والمنافع، بل شُرِعَت لِتأهيلِ الإنسانِ للجنّة وتخليده فيها، ولكي يحظى برؤية الله سبحانه، ويبلغَ مستوى يُرضي الله عز وجلَّ، أي إنّه حتى وإنْ كانت ثمة مجموعةٌ من الفوائد الدنيوية وبعض المنافع التي تصبّ في صالح تربية النفس تتحقّقُ وتنجمُ عن عبادات كالصلاة والصيام والزكاة إلا أنَّ الثمرة الحقيقية من ورائها تُجنىَ في الدار الآخرة.

والجسدُ من حيث كونه وسيلة لنيل الإنسان هذه النعم كلها وفوزه بها في الآخرة هو من النعم والهباتِ الإلهيّة الغالية، ولقد جرى التأكيدُ على هذه النعمة منذ النشأةِ الأولى حينما خُلِقَ آدم عليه السلام، إذ أمر الله تعالى الملائكة بالسجودِ له؛ فسجدوا أجمعون إلا إبليس تكبَّرَ ورفض الانصياعَ للأمر ولم يكن من الساجدين، وهو ما حكاه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 34/2). نعم، لم يسجد إبليس تكبُّرًا منه وأنانيّةً وغرورًا، بينما رأى الملائكةُ ما في الإنسان من وسعة وما يكمن في الانصياع للأمر من دقّة ورقّة فَخَرُّوا ساجدين، فكان هذا بمثابة عملية إلهيّة لإثارة الاحترام لدى الأرواح لجسدِ آدم عليه السلام، وكما صرحتُ في مناسبات شتى سابقًا فإنه لو جاز السجودُ لأحد سوى الله لجاز السجودُ للإنسان؛ لأنه مخلوقٌ مُكَرَّمٌ بالنظر إلى بنيته الداخلية والخارجية.

وباعتبارِ طبيعةِ الملائكة فإنّهم مدركون الدقَّةَ التي في إطاعةِ الأمر، ويعرفون أسرارَ الألوهيّة، ويعيشون منفتحين على عالم الملكوت، ويتسنّى لهم التواجد في أكثرَ من مكان في آنٍ واحد، غير أنهم لا يستطيعون أن يشعروا تمامًا بخصائصِ العالم المادّي، ولهذا السبب تعجّبوا أمام موجودٍ غريبٍ كالإنسان؛ فقالوا تعجُّبًا منهم لا اعتراضًا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 30/2)؛ وذلك لأن الإنسان مخلوقٌ يفورُ شهوةً، وأنانيّة، وفخرًا وغضبًا وعقلانيّةً، وهو بالنظر إلى جوانبه هذه كائنٌ مُهيَّأٌ لمقارفةِ المساوِئِ والعيوبِ، غيرَ أنه سرعان ما يرتقي إلى أن يكون عبدًا لله مقبولًا محبوبًا محمودًا عند ربّه جلّ وعلا ما إن يُهَذّب كلّ هذه الأمور؛ فيخلق الله تعالى بكلّ هذه الشرور النسبية خيرًا كثيرًا، أي إنَّ الملائكة لا تستطيع معرفة هذا الجانب من الأمر، والإنسانُ باعتبار بنيتيه الروحية والجسدية، والعلاقة القائمة بينهما يتضمن معاني ونكاتًا لا تستوعبها الكتب.

وعليه فإنَّ فهم الإسلام بهويته الأصلية ورحابته وشموليته الصحيحة وتطبيقه وتبليغه إنما يتحقَّقُ باستخدام أجزاءِ هذه الآليّة كلٌّ في مكانه دون إهمالٍ لأيٍّ منها على الإطلاق. أجل، ينبغي استخدام العقل والوجدان والروح والجسد كلٌّ لما خُلِقَ له، وفي الاتجاه الذي أُوجِدت من أجله؛ لأن الإنسان لا يمكنُهُ أن يؤدّي حقَّ الأداء ما كُلِّف به من وظيفة ومهمّة إنْ أهمل أيَّ واحد منها.

 

[1] فتح الله كولن: ونحن نقيم صرح الروح، دار النيل، القاهرة 2008م، ص 23.

[2] أبو داود الطيالسي: المسند، 479/1؛ مصنف عبد الرزاق، 587/1؛ الطبراني: المعجم الأوسط، 263/3.

اتساع الأفق الفكري

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ماذا يعني اتّساع الأفق الفكري؟ وكيف يمكن الحصول على أفقٍ فكريٍّ واسِعٍ؟

الجواب: أولًا: إننا في عصرنا هذا بأمسِّ الحاجة إلى أرباب الأفقِ الفكري الواسع، العاشقين البحثَ والحقيقةَ، القادرين على التحليلِ والتركيب، وإقامةِ ما يتناولونه من مسائل على أرضيات وأسسٍ علميّة، بيد أنَّه ينبغي لنا أن نعلمَ بدايةً بأنه ليس من اليسير أن يُقبِل الناس في عصرنا وينفتحوا على تعمُّقٍ وتوسّعٍ في هذا الاتجاه؛ إذ إننا عَلِقْنَا بين فَكَّيْ هجمات الخارج الغاشمة المباغتة وأوجهِ ضعفنا الداخلية في فترةٍ حقَّقَ الغربُ فيها لنفسه ثورةً علميّةً وفكريّةً وصناعيّة؛ ولهذا صرنا وكأننا أُصِبْنا بالشللِ التّام اعتبارًا من القرن التاسع عشر، وانعقدَ لسانُنا لِما تعرَّضْنا له من ضَرَبات أخرسَتْنا تمامًا، أما الحوادث التي أعقبت ذلك فقد جاءت ومعها ابتلاءات ومصائب أعظم من تلك؛ فإذ بنا جُعِلْنا أمّة محشورةً في ساحةٍ ضيِّقةٍ للغاية، وقد عُزِلَتْ عن الدنيا، لا تهتمّ بآلام الشعوب الأخرى، ولا تنفتح على أيّة منطقة جغرافية، أَضِفْ إلى ذلك نشأة النزعات الشوفينيّة[1] الـمُغالية؛ إلى أن بَدَأْنا نظنُّ التعاملَ مع الجميع بغليظِ الألفاظ والفتونةَ والتأمُّرَ عليهم مهارةً!

الخطوة الأولى: التملُّصُ من عقدة الدُّونية

إن مشاعرَ كعقدة الخوف والذلّة والدُّونيّة قد تغلغلَتْ في جينات أجدادِنا منذُ العهدِ المذكورِ آنفًا، ولما كنّا نحن أيضًا نحمل جيناتهم فإنه يستحيلُ القولُ إننا استطَعْنا التخلُّصَ من تأثيرِ تلك الصدمة التي ما زلْنا نعيشها، وسواء علينا أأدركنا ذلك أم لم ندركه؛ فإنَّنا نبدو وكأننا قد أُصِبنا بالشلل بتأثير هذه النوعية من الأحاسيس والأفكار، وبالتالي فإن الانعتاق من كل هذه الأفكار السلبية، والانفتاحَ إلى آفاق الفكر الواسع، والتمسُّكَ بهويتنا في الفكر، والتوجُّهَ إلى الأفق الذي أَرشد إليه اللهُ تعالى ورسولُه صلى الله عليه وسلم، والذكرَ والتدبُّرَ والتفكُّرَ في ضوءِ التوجيهات القرآنيّة، واستحداثَ تركيبات والإتيانَ بتحليلات جديدة وحديثة دائمًا… إلخ كلّ ذلك ليس أعمالًا سهلةَ المنالِ ولا يسيرة التحقق بالنسبة لأجيال عاجزة مكبّلةٍ بعقدة الدُّونية، ومع ذلك لا يستحيل تحقيقها.

ويجب علينا أولًا أن ننفض عنَّا عقدة الدُّونية اللعينة التي أصابَتْنَا وتتضاعف يومًا بعد يومٍ، فإن أمكننا فعل هذا فقد خطونا أولى خطواتنا من أجل فتح الباب إلى آفاق الفكر الواسع والعميق.

الصفات هي الأهمُّ لا الأسماء

ثانيًا: ينبغي ألا ننسى أبدًا أنَّ الله جلَّ جلاله أولى عنايةً خاصةً بصفات الناس، ولهذا السبب فإنَّه تعالى يكافئ الإنسان، حتى وإن كان غير مسلم، طالما أنه يفوقكم باعتبار ما يحمله من أوصاف إسلاميّة كالاجتهاد، والعملِ الممنهج، وتحليلِ الحوادث والأشياء عشقًا للبحثِ والحقيقة، والقدرةِ على تركيب العناصر مع بعضها؛ لأن كلَّ هذه صفات مقبولةٌ ومَرضِيَّةٌ عند رب العالمين، واتصافُ إنسان غيرِ مقبولٍ بهذه الصفات المقبولة المرضيّة لا يُقلِّلُ من قيمتها، تمامًا كما أنَّ قطعة الماس لا تفقد شيئًا من قيمتها بسقوطها في الوحل.

وعليه فينبغي النظرُ إلى الصفات من هذه الزاوية، فإن كانت صفات المؤمن موجودةً في غير المؤمن فسوف يُوَفَّقُ المُتَحَلُّون بها ويثبُتُ حكمهم في الحياة الدنيا؛ وسوف يُخْضِعونكم لِوَصَايَتِهم بفضل الإمكانيات والقوّة التكنولوجية التي امتلكوها بالعلم، تمامًا مثلما فعلوا بدءًا من حقبةِ ما يُسمَّى “عصر النهضة”، ومتى عشقتم الحقيقة أنتم أيضًا، وعشقتم البحث وفقًا لها، وسخرتم أنفسكم لهذا العمل تسخيرًا يصل إلى حدِّ الجنون به، ودقَّقْتم الأشياء والحوادث تدقيقًا؛ فسوف يمُنُّ الحق تعالى عليكم حينها بمزيدٍ من النعم والألطاف الخاصّة، وهكذا تعمرون دنياكم، وتسلكون سبيل الفوز بدار السعادة الأبدية.

معايير الكتاب والسنة

عند تناوُلِنا لأيِّ مسألةٍ يجبُ علينا أن نتناولَها من وجهةِ نظرٍ عامّة، سواء أكانت تلك المسألة لصالِحِ مخطَّطَاتنا وتصوُّراتنا المستقبليّة، أم لِفَهْمِ الإسلام في إطارِ رحابته وشموليته، أم لأجل حياتنا القلبية والروحية؛ فنُخضع الحوادث إلى تحليل شمولي، ونسعى إلى رؤية الأشياء التي يمكن أن ندركها بأفقنا من المبدإ حتى المنتهى، ونُنْتِج أفكارًا بديلةً أيضًا لما تعذّرت علينا رؤيته من الأشياء، ونختبر تلك الأفكارَ التي ننتجها ونقيسُها دائمًا بمقياس الكتاب والسنة، ولا يمكن الوصول إلى التفسيرات التي أماطَ الزمانُ اللِّثامَ عنها وفقًا لمعايير الكتاب والسنة إلا بكثرة التنقُّلِ المكُّوكي بين ظروف عصرنا ومصادرنا الأساسية؛ فالزمان والملابسات من أكبر المفسِّرين للحوادث والأشياء.

ومن ذلك على سبيل المثال أننا عندما نُفَكِّرُ في عالم اليوم يتحتّم علينا لمستقبلٍ واعدٍ أن نسعى لاحتضانِ الإنسانيّة جمعاء دون أنْ نَأبَهَ بالاختلافات العرقيّة والدينيّة والمذهبيّة، ولِتحقيقِ التفاهم والتعارف بين مختلف الأمم والجماعات وتلاحمها، ويجب أن نعمل على تتويجِ البشريّة جمعاء بالقِيَمِ الإنسانية الأساسية في العالم البشري أجمع، وليس في العالم الإسلامي فحسب، فثمة حاجةٌ مُلِحَّة، بل إننا في أشدِّ الاحتياج إلى وجهة نظر واسعة كهذه، حيث انتشرت الأسلحةُ القاتلة في كلِّ مكان، وإلَّا فإنْ تجرَّأ البعضُ على القيام بأعمال شريرة في مكان ما فقد يدفع هذا غيرهم إلى مقابلته بالمثل، وهو ما سيُنتِجُ بالـمُحَصِّلَةِ يقينًا تحوُّلَ الدنيا إلى خرابة.

وهكذا فإنه ينبغي لِرجال الفكر والرأي الذين يفطنون إلى خطورة الأمر أن يُصرِّحوا بِقَلَقِهم ومخاوفِهم المحقّة في هذا الموضوع، وأن يستدعوا الإنسانية إلى الوحدةِ والاتحاد، والوفاق والاتفاق، ويسْعَوا إلى تحقيق تلاحمِ الإنسانية حول هذا الفكر، ولذلك فلا بدَّ من التركيز على العناصر التي ستَكون قادِرة على تشيكل الكيان المطلوبِ، وحسابِ الموانع والعوائق التي قد تنشأُ، وتكوينِ فكرٍ مشتَرَكٍ بين مختلف القطاعات، وإفراغِ الأفكار التي تخطر بعقولهم في حوض العقل المشترك الذي كوّنوه، والسعي إلى حلِّ المشكلات بواسطة الوعيِ الجمعيِّ، أما بعضُ المشاريع والخُطَطِ التي يستحيلُ تحقيقُها حاليًّا فلا بد من أن تُتْرَك أمانَةً لِتَقْيِيمِ وتنفيذِ الأجيالِ القادمة.

الظروف الجديدة الطارئة وسلامة الطريق

إن اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة من أجل تحقيق سلامة الطريق والسبيل المسلوك يشكل بعدًا آخر من أبعاد الفكر الواسع، فربما تكونون مزوَّدين تمامًا بالإيمان والأخلاق، وقد تُدهِشُون العالم وتحيِّرونه بمشيَتِكم ومسيرِكم النشيطِ، بل وتكونُ ثقتُكم بعنايةِ الله ورعايتِهِ وكِلاءته كاملةً تامّة، غير أن كل هذا يشكل جانبًا واحدًا فحسب من المسألة، أما الجانب الآخر منها فهو القدرة على أن نضع في الحسبان أحاسيس وأفكار وحركات الآخرين أيضًا، وإلا فربما تواجهون بينا تسيرون من أجل تسليم هذه الأمانة إلى أيدٍ أمينة مجموعةً من الغيلان، فإن تجاهلتم -وأنتم تقدمون ما تملكونه من قيمٍ إلى المجتمع- قوَّةَ وقدرة من يعملون ضدّكم، وانطباعاتهم حولكم؛ فربما يرغبون في هدم وتقويض تراثكم الخدمي، ومن هذه الزاوية فإنَّه يجب عليكم التحلِّي بأبلغ درجات الحساسيّة مع أيِّ تصرُّفٍ يتعلّق بسلامة خطِّ السير على طول الطريق كي لا تتعرّضوا لأيّة مشكلة في أثناء طريقكم، كما يجبُ إعادة اتّخاذِ التدابير الضرورية من أجل سلامة خطِّ السير بحسب الظروف الجديدة الطارئة.

إن قراءة العالم الذي نعيش فيه قراءة صحيحةً تمثل بعدًا آخر من أبعاد الفِكْرِ العميقِ، وقد انفتَحَ “فدائيُّو خدمةِ الإنسانية” في يومِنا الحاضرِ على مائة وسبعين دولة، وهذا يعني أنهم يتعايشون مع أناس نشؤوا في مائة وسبعين مناخًا وبيئة ثقافية مختلفة… وقد يتقبَّلكم المخاطبون ويستسيغون منطقكم ضمن أُطُرٍ محدَّدة؛ غير أنه قد تحدث بعد فترةٍ مصادماتٌ تنشأ عن الاختلاف الفكري والثقافي؛ ومن ذلك على سبيل المثال أنَّ أهل البلاد التي تذهبون إليها ربما يتوهمون أنكم تسعون لصهرهم فيكم قوميًّا وثقافيًّا، وعليه فينبغي أوّلًا تقييمُ كلِّ هذه المواضيع تقييمًا صحيحًا، واتخاذُ القرارات الصحيحة المتعلّقة بما سيتمّ من خطوات في هذه الشؤون، واتّقاء التصرفات والسلوكيات التي قد تثير القلق والريبة لدى الآخرين.

الفكرُ يترعرعُ في حضنِ الحركةِ والعمل

إن قراءةَ ما بِحَوزَتِنا من آثار كُتبت من أجل إقامة صرح روحنا قراءةً جيِّدةً، وحسنَ فهمِ الأهداف التي حدَّدَتْها من أجل حياتِنا المستقبليّة والأبديّة، إلى جانبِ فهمِ الرسائلِ المبثوثة فيها والمعاني التي عبرت عنها من أجل حياتنا، وتحليلِ طبيعة الدنيا التي رسَمَتْها من أجلنا تحليلًا جيِّدًا لأمرٌ مهمٌّ جدًّا، لأنَّ الاكتفاء بالموجود تقَاصرٌ في الهمّة، ومن هذه الزاوية فإنَّه بينما نُطالِعُ ما بأيدينا من مصادر لا بدَّ وأن نداوم على قراءتها ونحن تحدونا فكرة: “تُرى أيَّةُ معانٍ أخرى يمكننا أن نستخرجَها منها!”؛ فربطُ المسألةِ بمجرَّدِ التسلِّي بالقراءة فهمٌ ناقصٌ، والمهمُّ هو تناولُ تلك المؤلّفات بحسنِ المذاكرة، والقدرةِ على رؤيةِ ما تُظْهِرُهُ من أهدافٍ تَصُبُّ في صالحِ مستقبلنا.

ولا ننسى أنّه يجبُ أن يتزامنَ كلُّ هذا مع الحركة والعمل، ويسيرَ بمحاذاتِهِما، فإن تسنَّى تحويل الأفكار إلى أعمال وحركات أمكن اتخاذ قرارات أكثر منطقية وعقلانية؛ فمن يقبعُ خاملًا دون حركةٍ ثمَّ يتخيَّلُ عوالم برّاقة مثلما يفعل كُتَّابُ الطوبيا (المدينة الفاضلة)؛ فلن يعودَ ذلك عليه بشيءٍ من النفعِ والفائدة؛ ما لم يكن لذلك وجودٌ ومقابلٌ في الحياة العملية، وما أكثر الأفكار البرّاقة التي طُرِحَتْ حتى اليوم، ولكنها سرعان ما فقدت بريقَها دون أن تتقدَّمَ خطوَتَين؛ وذلك لأنها لم تُتَرْجم على أرضِ الواقع، ولا سيما أن القرآن الكريم تحدَّثَ عن العمل الصالح في معظم الآيات التي تحدث فيها عن الإيمان، فأشار بذلك إلى ضرورة أن يتزامنَ العملُ والحركة مع الفكر، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 25/2).

العقل المشترك

إن أفكارنا ورؤانا ليست نتاجَ الوحي، ولذلك فإنها دائمًا ما تكون مشوبةً بموروثِنا المعرفيّ القديم، أي إنَّ مجموعة من المعلومات الخاطئةِ التي في أذهانِنا قد تدفَعُنا إلى تحليلات وتراكيبَ خاطئة، وقد نُخْطِئُ في اجتهاداتِنا واستنباطاتنا الشخصيّة، وبعضُ الأفكار التي نطرحُها ربما لا تكون صالحةً للجميعِ دائمًا، ومن هنا فإن اعتبارَ الأفكار التي نتوصل إليها والخطط والمشاريع التي نرسمها بشأن المستقبل محتاجةً للتصحيحِ ومطروحة للتشاور والنقاشِ؛ أمرٌ في غاية الأهمّـيّة من أجل الوصول إلى رحابةِ الفكر واتساعه.

مناخ الفكر الحرّ وهجرة الأدمغة

إن تحويلَ وجهةِ هجرةِ الأدمغةِ التي تحدُثُ على المستوى العالميّ إلى عالمنا نحن عبر إبراز نتاجات خبراتنا العلمية يُشكِّلُ جانبًا آخر من المسألة، والواقع أنَّ انسلالنا من التسوُّلِ على عَتَبَةِ الآخرين، وقدرتَنا الذاتيّة على الحياة، والوصولَ إلى تراكيب وتحليلات حديثة متجدِّدة بواسطة الفِكْرِ الحرِّ أمرٌ لا يتحقَّقُ إلا بحصولِ العقولِ الشابّة والنشيطة على مناخٍ وإمكانيّاتٍ تستطيعُ فيها خدمةَ بلادِها.

التوفيقُ كُّلُه منه سبحانه!

وبعد كل ما سبق فإنه ينبغي للإنسان مهما ارتفعَ وارتقى باعتبار أفقِهِ الفكريّ والإمكانيّات التي حصلَ عليها، بل حتى وإن لامست هامتهُ الذرى؛ ألّا ينسى أبدًا أنّ الله هو المحسِنُ عليه بهذا كله، وعليه أن ينحني أمام الألطافِ والإحسانات الإلهيّة كالعكّاز تقديرًا وإجلالًا له جلّ جلاله؛ لأن الرفعة تقتضي التواضعَ، كما كان من شأن مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعالمين، صاحب أعظم الدرجات وأرفعِ المقامات؛ الذي جسَّدَ طيلَةَ حياتِهِ تواضعًا ولينًا لا ندَّ له ولا نظير، وكما تتمايل الأشجارُ نحو الأرض وترتكن إليها كلما تثاقلت الثمار في أغصانها؛ ينبغي للإنسان أيضًا أن يُزيد من تواضعه ولين جانبه كلما زادت ألطافُ الله وإنعاماته عليه.

ومن ينظرون إلى ما وهبه الله لهم ومنَّ به عليهم على اعتبارِهِ مرتبة وترقية هم حقيقون بها؛ إنّما يتردَّون في الهاوية دون أن يشعروا على الإطلاق، وإنهم حتى وإن أنقذوا بلدًا أوشكت على الزوال؛ فسَيَحيقُ بهم تعنيف الله ولومه إيّاهم ويسقطون يومًا ما في هُوَّةٍ سحيقة جدًّا إذا نسبوا إلى أنفسهم ما أنعم الله تعالى به عليهم من تجلّيات وطلبوا التقدير والتصفيق مقابل هذا، وفي هذا قال فضيلة الأستاذ بديع الزمان: “مَن يقصّر منكم في الإخلاص فقد هوى من على برجٍ عالٍ، ولربما يتردى في وادٍ سحيقٍ، إذ لا موضع في المنتصف”[2]، وبتعبيرٍ مختلف؛ فإنَّ مَن يتردّون مما يُعادِلُ قمّةَ جبلِ “إفرست” مثلًا يندفنون في قعرِ بحيرةِ لوط، وكثيرًا ما يتجاورُ الأعلى والأدنى؛ فإن أعطى الإنسان حقَّ الأعلى ظلَّ ثابتًا هناك، وإن لم يعطه حقّه تدحرج من القمة وانحطَّ إلى القاع.

[1] الشوفينيّة: إفراط في الوطنية ينتهي إلى معاداة الدول والثقافات الأخرى.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، ص 224.

تعظيمُ الله وتقديرُه حقَّ قَدْرِهِ

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما الرسائل التي تحملها وتنقلها إلى الناس الآيةُ الكريمة: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَاْلأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (سُورَةُ الزُّمَرِ: 39/67)؟

الجواب: إن عبارة “وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ” الواردة في صدر الآية تعني: أنهم ما عرفوا الله تعالى حقَّ معرفتِهِ مستجمعينَ صفات جلالِهِ وجمالِهِ، وما عظَّموه حقَّ تعظيمه؛ إذ تجاهلوا قدرتَهُ المطلقة الغالبة على كل شيء، ورحمتَه وشفقتَه الأبدية، ونِعَمَهُ وألطافَهُ التي أَنْزَلَها على عبادِهِ، فلم يُعَظِّموه بما يليقُ به وبشأنِهِ العظيم سبحانه؛ ولذلك فقد انزلَقُوا في مستنقعِ إنكارِ الجميلِ وعدم تقديرِ الجليلِ.

ومن عبارة “حَقَّ قَدْرِهِ” نفهم أنه وإن كان بين هؤلاء الناس من قدَّره وعظَّمه جلَّ جلاله بقدرٍ معين إلا أنهم لم يقدروا ذا الجلال والكمال بالشكل الذي يستحقُّه ويليقُ بذاتِهِ العليّة؛ فثمّة فرقٌ بين “مجرد التقدير” و”التقدير بحقٍّ”؛ فالله تعالى هو من خلَقَنَا، وجعلنا في أحسن تقويم، ودعانا إلى الصراط المستقيم بواسطة الرسل والأنبياء وهدانا إليه، وحَفّزَ هِـمَمَنا بما وعدنا به من خيرٍ جزيلٍ، ووجَّه أبصارنا إلى دار القرار، ولم يكِلْنَا إلى أنفسنا طرفةَ عين، ومعرفةُ كل هذه الأمور واحترامُه تعالى وشكره بناءً على هذا العلم يمثل تقديرًا من العبد لربه سبحانه وتعالى، وأما خلاف ذلك فهو عمى وكفر للنعمة وعدم تقدير.

وتضرب الذاتُ الإلهيّة مَثلًا على عظمتها وجلالها بقوله تعالى: “وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ“؛ أي إنَّ الدنيا تبدو نقطةً صغيرة وشيئًا تافهًا بالنسبة لقدرة الحقِّ تعالى أيًّا كان حجمُ هذه الدنيا وجسامتُها في نظركم، وتعبير الآية عن قدرتِهِ سبحانه على الأرض إنّما يُقدِّم لمن يعيشون فيها رسالةً مفادُها أنْ: “اخضعوا أمام قدرتِهِ القاهرة وإرادتِهِ الباهرةِ، وتحركوا في دائرة الأمر والطاعة”.

وتخبرنا الآيةُ بعبارةِ “وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ” الواردةِ قبل خِتامها أنه سبحانه وتعالى سيطوي السماوات كطَيِّ السِّجلِّ للكتب؛ فيجعلها مطويّة كالورقِ الملفوف.

أما عبارة “سُبْحَانَهُ وَتَعَالٰى عَمَّا يُشْرِكُونَ” التي تُشَكِّلُ فذلكة الآية فتعني أنَّ الله مُنَزَّهٌ ومُبَرَّأٌ عما يشركُونه به هؤلاء.

بُعْدَا الخشية: المعرفي والوجداني

ثمة درجاتٌ مختلفةٌ لتقديرِ الله تعالى وإجلالِهِ تتفاوتُ بحسب مدى التعمُّقِ أو السطحيّة في الشعور بقدرة الله وعظمته في الكون، ودرجةِ الإحساس بما يغمرنا به من نِعَمٍ وألطاف.

وقد يتبادرُ إلى الذِّهْنِ هنا هذا السؤال: “هل هذا التقدير مجرّد معرفة، أم أنه يشمل كل أعضاء الإنسان بما فيه من لطائف؟” كما أن المحبة تتشكَّلُ وتنمو في أحضانِ المعرفة؛ فإن الحب مرتبطٌ بالعِلم؛ والأمر هكذا تمامًا إِنْ تكوَّنَ في القلبِ شعورٌ بالخشية أي شعورٌ بالخوف أساسُهُ ومحورُهُ احترامُ الله وتعظيمُه تعالى؛ فمثلُ هذا الشعور يقف وراءه العِلم بالدرجة الأولى، ومن ثم فربما يتحوَّل العلم إلى معرفةٍ وثقافةٍ وجدانيّة، ثم إلى طبيعة في الإنسان وعمقًا من أعماق طبيعته نتيجةً لذلك، والطاعات التي سيؤدِّيها المؤمنُ بعد هذه المرتبةِ تُصْبِحُ أحداثًا تتشكَّلُ بِفِعْلِ ما فيه من دوافع داخليّة، أي إنَّ قول الإنسان: “سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ، اَللهُ أَكْـبَـرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللهِ بُـكْرَةً وَأَصِيلًا” على سبيل المثال لن يكون لمجرد أنه أُمر ووُصِّي بقول هذا فحسب، بالعكس سوف تنبعُ من داخله هذه العبارات التقديريّة والتعظيمية مباشرةً حالَمَا يفيضُ قلبُهُ جَيَاشًا فائقًا بتدبُّرِ الأشياء والحوادث، ومطالعة القدرة القاهرةِ والإرادة الباهرة؛ فيسمو سُمُوًّا يفوقُ شعوره بالامتثالِ للأمرِ.

ومن هذه الناحية يتسنَّى القولُ إنَّه يمكن للمؤمن أن يُعَبِّرَ عن مشاعرِ تقديرِهِ للقدرةِ القاهرةِ والإرادةِ الباهرةِ والمشيئةِ السبحانية نظريًّا، غير أن حقيقةَ المسألةِ تكمُنُ في تحويلِهِ هذا التقدير إلى بُعدٍ داخليّ، وجعلِهِ جزءًا من طبيعتِهِ، وإلا فإنّه سَيُعَبِّرُ عن مشاعر التقديرِ والتعظيمِ لِمُجَرَّدِ أنه أُمِرَ بهذا فحسب، أو حينما وحيثما يُذكَّرُ بذلك، وأما القلوبُ المؤمنة التي شَكَّلَتْ مَعْسَلَةَ المعرفة في وجدانها بالتفكُّرِ والتدبُّر هي تلك التي تمتلِئُ وتفيضُ بأحاسيسِ التعظيمِ والتقديرِ في كلِّ مرحلةٍ من مراحل حياتها، بل وفي كل فينةٍ من حياة بعضها، فمثلًا حين يواجه حادثة ما يرى فيها تجلي القدرة والعظمة الإلهية يقول متأثرًا بها: “سُبْحَانَ اللهِ”، وحين يرى أنه قد غُمِرَ بالنعم من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه يُـردِف من فوره قائلًا: “الْحَمْدُ لله حَمْدًا كَثِيرًا”، ويفيض حمدًا لله تعالى وثناءً عليه، وحين تتراءى أمام ناظريه تلك الإجراءات العظيمة الجسيمة التي تدلُّ على عَظَمَةِ الله تعالى وجلالِهِ يلهجُ بذكر الله وتعظيمه قائلًا: “اَللهُ أَكْـبَـرُ”.

وكما قال “رجائِيزاده محمود أكرم”:

الكون كُلُّه كتابُ الله الأعظمُ

فإذا تصفَّحْتَ أيَّ حرفٍ منه وجدتَ الله الأكرم

أي إنَّ أيَّ حرفٍ يعرضُ للمؤمِنِ يُعَبِّرُ له عن الله تعالى بما يَليقُ بِعَظَمَتِهِ وجلالِهِ، وذلك هو التقديرُ الحقيقيُّ، والمهمُّ هنا هو أن يجعلَ الإنسانُ تقديره لله تعالى مسألةً وجدانيّةً فطريّةً فيه.

تأثيرُ الخشيةِ على الفردِ ومحيطِهِ

ثمة حديثٌ نبويٌّ شريفٌ من شأنِهِ أن يُسَلِّطَ الضوءَ على هذا الموضوع، ألا وهو قول مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم حين رأى من يعبثُ بِلِحْيَتِهِ في أثناء صلاته: “لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هذا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ[1]، فإن كان قلبُ الإنسان عامرًا بشعور الخشية من الله واحترامه حقَّ الاحترام سَرَى هذا في كلّ تصرُّفاته وسلوكيّاته حتى إنه يهيمن على كلَّ إيماءاته وإشاراته.

وهكذا فإننا حين ننظرُ إلى تصرُّفات وحركات وسكنات الأشخاص العظام من أصحاب القلوب العامرة بالخشية والتقدير فإننا نشعرُ ونُحِسُّ بأمارات وانعكاساتِ خشيَتِهم لله تعالى؛ وإذا ما خالَطْنَاهم اصطبَغْنَا بِصِبْغَتِهِم وحظينا بالسكينةِ والطُّمأْنينةِ؛ فقد عِشتُ تلك المشاعر والأحاسيس التي تشرح صدر الإنسان حين كنت أَشرُف بالوجود في حضرة الشيخ “محمد لطفي أفندي”؛ فهولاء الأشخاص العظام حين يذكرون اللهَ جلَّ جلاله والرسولَ صلى الله عليه وسلم أو يتصرَّفون بحساسيّة في شتى المواضيع يـبـثُّـون فيكم من الإيمان والإذعان ما تعجزُ الكتب أن تُعبِّـرَ عنه، وحالُ الشيخ محمد لطفي أفندي كان خيرَ مثالٍ لـهذا؛ فذات يوم حضر إليه أحدهم وقال: “سيدي الشيخ! حَجَجْتُ، فوجدت أن الكلاب التي في المدينة المنورة قد أصابها -من الإهمال أو من غيره- الجَرَبُ!!” فلما سمع الشيخُ هذا القولَ انتفضَ قائلًا: “اُسكُتْ! فالمدينةُ روحي فداها، بل وحتى فِدى كلابِها الجربة!”، ولا بدَّ أنَّ ما دفعَ فضيلةَ الشيخ لقولِ تلك الكلمات هو تَرَبُّعُ حبِّهِ العميقِ واحترامُه الجمّ لمفخرةِ الإنسانية صلى الله عليه وسلم على عرشِ قلبه، فعبَّرَ الشيخ من فَورِهِ عن هذه الحساسيّة، وهكذا فإن المسألةَ الحقيقيّة الجوهريّة هي إسلامُ المرء نفسَهَ لشلَّالٍ من الخشوع والخشية بحساسيّة عميقةٍ تجاهَ القِيَمِ المقدّسة، وتوجُّهَه إلى حيث يذهبُ به ذلك الشلال.

قيمةٌ مهمّة افتقدناها

مما يؤسف له أنَّ غرسَ هذه الأمور في الوجدان هو من أهمّ القِيَمِ التي افتقدناها؛ فقد افتَقَدْنَا نحن -ضحايا الإسلام الشكلي- قلوبَنَا، ونَسِينَا ديناميكيَّاتنا الداخلية، ومع أن بعضًا من القِيَمِ المنسوبة إلى الدين قد عُلّمَتْنا -نسأل الله أن يرضى عمَّن علَّمُوها- إلا أنّنا اكتفينا بالمعلومات النظريّة والتقليديّة والنقلِ فحسب دون أن نتمكّنَ من تعلُّمِ القِيَمِ الخاصّة بحياة القلب والروح، ومن ثمَّ لم يتسنَّ لنا أن نعيشها ونحياها، وكما ورد في قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 88/26-89)، وقوله: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (سُورَةُ البَيِّنَةِ: 8/98)؛ فإن امتلاك الإنسان “قلبًا سليمًا” ينقذُهُ في الدار الآخرة إنما يتحقق باحترامه اللهَ ربَّه وخشيتِهِ منه سبحانه وتعالى.

وإنَّ عدم تأثُّرِ قلوبِنا بتلك الآية التي تُزَلْزِلُ المنابرَ والمحاريبَ إنّما هو تعبيرٌ وأمارةٌ أخرى على حالنا الذي يدعو إلى الحسرةِ والندامة؛ فذات يوم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم على منبره الشريف الآيةَ الواردة في هذا السؤال -الذي يشكل أساسَ موضوعِنا-؛ فتحرَّكَ المنبرُ تحته صلى الله عليه وسلم حتى كاد يُسْقِطُهُ عليه الصلاة والسلام من فوقه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هكذا بيده، ويحركها، يقبل بها ويدبر ثم قال: “يَأْخُذُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ، فَيَقُولُ: أَنَا اللهُ -وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا- أَنَا الْمَلِكُ“، يقول سيدنا عبد الله بن عمر راوي الحديث: نظرتُ إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إني لأقول: أساقطٌ هو برسول الله صلى الله عليه وسلم؟![2].

ولو أننا لم نفقدْ قلوبَنا وأحاسيسَنا لأَرْجَفَتْها هذه الآيةُ الجليلةُ التي هزَّتْ المنْبَرَ النبويَّ، ودفعَتْنَا إلى الخشيةِ.

فندعو الله تعالى أن يوفِّقَنا إلى النجاةِ من الشكليّة والسطحيّة، ويمكِّننا من النفوذ إلى الجوهر، وينقلنا من القالب إلى المعنى، وأن يملأ قلوبنا بشعورِ الخشيةِ حتى تُسيطِرَ وتسودَ في كلِّ تصرُّفاتنا وسلوكيّاتنا مدى الحياة! اللَّهم آمين.

 

[1] عبد الرازق: المصنف، 266/2؛ ابن أبي شيبة: المصنّف 86/2؛ البيهقي: السنن الكبرى، 404/2.

[2] صحيح مسلم، صفات المنافقين، 25؛ مسند الإمام أحمد: 304/9.

العَمَاية عن القريب، والعمل الدؤوب

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ثمة أناسٌ نشؤوا في عصور أشخاصٍ عظامٍ، بل وعاشوا في محيطٍ قريبٍ منهم، وبالرغم من هذا لم يستطيعوا الاستفادة منهم، ويبدو أن هؤلاء كثيرون كثرةً لا يُستهان بها على مرِّ التاريخ؛ فما هي أسبابُ ذلك؟ وما السلوكُ الذي ينبغي لنا التحلّي به لئلّا نقعَ في مثلِ هذا الموقِفِ؟

الجواب: قد لا يستطيع الإنسان رؤيةَ وتقديرَ ما لا يُقدَّرُ بثمنٍ من قيمٍ قريبةٍ جدًّا منه؛ وذلك أحيانًا لعجزِهِ عن ضبطِ وجهةِ نظرِه، وأحيانًا بسبب تعصُّبِهِ لشيءٍ ما وتأثُّره بمجموعةٍ من الأحكام المسبقة، وأحيانًا أخرى بسبب الحالةِ الروحيّة النابعةِ ممّا وقعَ في داخله من حَسَدٍ وحقدٍ، وناهيكم عن التقدير فإنه أحيانًا ما يعادي تلك القيمَ عداءً لا هوادةَ ولا رحمةَ فيه، ويمكنكم أن تُطْلِقوا على مثل هذه الحالة داء “العَمَاية عن القريب”.

أبو لهب: نموذج حقيقي في الحسد والغيرة

إن من يقعون في مثل هذا النوع من العمى والداء تستحيل عليهم -بأية حال- الاستفادةُ من الشخصيات العظيمة، ورؤيةُ ما تنبغي لهم رؤيته بسبب ما يكتنف نظرتهم إلى الأشياء من نقص وقصور؛ يتعذر عليهم ذلك حتى وإن عاشوا معهم ولازموهم كل الملازمة، تمامًا كما هو الحال في مثال أبي لهبٍ، العم الشقيق لرسول صلى الله عليه وسلم، والذي عاش معه صلى الله عليه وسلم في نفس البيئة والمحيط المنزلي، وكثيرًا ما احتضن أبو لهبٍ تلك الشخصيةَ العظيمة عليها أفضل الصلاة والسلام، ولاعبَهُ في صغرهِ، وقد أَذِنَ لجاريتِهِ “ثويبة” بأن ترضعه عليه الصلاة والسلام[1]، وتجاورَ منزلُهُ مع منزلِ النبيّ صلى الله عليه وسلم سنين عددًا، فكثيرًا ما كانا يلتقيان في الطريقِ، كما أسَّسَ أبو لهب رابطةَ قرابةٍ أخرى حينما زوّجَ ولديه “عتبة” و”عتيبة” بالسيدتين: رقية وأم كلثوم كريمتي الرسول فخر الكائنات صلى الله عليه وسلم.

وبإيجازٍ: فلقد شهد أبو لهب ورأى ما تحلَّى به مفخرة الإنسانية في حياته كلها من أخلاق حسنة طيبة، ومع هذا كان تعيسَ الحظِّ؛ إذ لم يؤمن برسالة سيِّدِ الأنبياء؛ فانغرسَ في وحلِ داءِ “عَمَاية القريب”، ولم يقفْ الأمرُ عند كفرِهِ به صلى الله عليه وسلم؛ بل صار من ألدِّ خصومِهِ وأعدى أعدائِهِ. أجل، لم يرضَ، بل قُلْ لم يرغبْ أحدُ أقربِ أقرباءِ مفخرةِ الإنسانيّة -الذي اصطفَّت النجوم تحت قدميه مرصوفةً كأحجارِ الرصيفِ- أن يُقْبِلَ ويؤمنَ بعظمتِهِ ورفعتِهِ عليه الصلاة والسلام.

ومن هذه الناحية فلا بدَّ أن نعلمَ أن مَنْ استعملهم الحقُّ تعالى في كثيرٍ من الخدمات العظيمة ربما يتعرّضون لتحقيرِ وإساءةِ بعضِ من يعيشون في المحيطِ القريبِ منهم بالرغم من أنشطتهم وفعاليّاتهم التي تستحقُّ تقديرًا عظيمًا، بل إنهم قد يتعرّضون لخيانتهم وعداوتهم، وأهمّ أسباب ذلك سَخَطُ الخصوم على حكمِ القَدَرِ، وعدمُ رضاهم بتقديرِ الله، ووقوعُهم في دوّامة الحسد، والفهم السقيم، بينما جميع الإمكانيات والملكات التي يحظى بها الإنسان إنما هي من تقدير الحقِّ تعالى، والحكمُ بيده سبحانه ليس إلا.

استعمال البسطاء في مهام كبرى

كما يكلِّفُ الله جلَّ جلاله الكبار والعظام بأعمال كبرى أحيانًا؛ فقد يستعمل الأشخاص البسطاء أيضًا في مهمات عظيمة جدًّا، ويوفِّقهم إلى إنجازِ أعمالٍ فائقةٍ، وربما أنَّ ما يجبُ على الإنسان فعلُه في هذا الشأن إنما هو توجهه إليه سبحانه وسؤاله بصفاءٍ قلبيٍّ، وعدم استحقاره أحدًا ولا الاستخفاف به إطلاقًا؛ فكم من الناس من يبدو وكأنه متشرد بينما قلبه مليء بالكنوز، وهو ما عبر عنه “إبراهيم حقي” شعرًا فقال:(ترجمه)

يقول حقي:

إذا أردت أن تكون ماهرًا بهذا الطريق

فلا تُفشِيَنْ سرَّكَ أيُّها الصديق

ولا تَحْقِرَنْ أهلَ الخرابات يا “ذاكرُ”

فكم من خرابات بالكنوز تزخرُ

ويُروى أنّه كان لإبراهيم حقِّي ولدان؛ أحدهما يُدعى ذاكرًا والآخر يُدعى شاكرًا، فكان ذاكر ولدًا صالحًا مشغولًا دائمًا بذكر الله، أما شاكر فكان في تلك الحقبة لا يبرحُ الخمّارات ولا يفيقُ من السُّكر، وفي يوم من الأيام اصطحب حقي أفندي ولده ذاكرًا، وسارا سويًّا؛ فمرَّا خلال طريقِهما على خمّارةٍ، فأمر إبراهيم حقي أفندي ولدَه أن ينتظرَه في الخارج ودخل هو تلك الخمارة، فلما دخلها وجدَ ابنه شاكرًا ثملًا مطروحًا على الطاولة؛ فسأل صاحب المكان: كم على ولدِهِ من دين، ثمَّ سدّده عن ابنهِ، ثم خرج وواصل المسير هو وولده ذاكر، فلما أفاق شاكر أراد أن يسدِّدَ ما عليه من مالٍ لصاحبِ الخمارة ويخرجَ، لكن صاحبها قال له: “لا شيء عليك، لقد سدَّدَ والدُك كلَّ دينِك”، وعندها كادَ شاكرٌ أنْ ينهار، واعتصره شعورٌ مذهلٌ بالحياء والخجل، فاقتفى أثر والده من فورِه ينشدُه، فوجدَهُ على حافَّةِ هاويةٍ قد جلس هو وذاكرٌ، فاستمع شاكرٌ حديثَهما خلسةً منهما؛ فإذ بأبيه حقي أفندي يقول لذاكرٍ: “أي بنيّ! توفِّيَ واحدٌ من الأولياء الأربعين، فإن تقفزْ أنت من تلك الحافّة، فإنّك تَنُوبَ منابَهُ”، غير أنَّ ذاكرًا تردّد، ولم يستطع القفز بأية حال، فقال شاكرٌ الذي كان يسترق السمعَ: “أبتاه! ماذا لو قفزت أنا؟ أينفع ذلك؟”، ثم طلب منه أن يسامحه وقفز في الحال، وبهذا صار واحدًا من الأولياء الأربعين، وبناءً عليه قال السيد حقي أفندي ذيكما البيتين المشهورين وسط ذهول ابنه ذاكرٍ ونظراته الحائرة.

ولا بد في المناقبِ من النظر إلى معنى الحوادث والعبرةِ المُستَخلَصَةِ منها لا إلى أصلها؛ فقد تكون تلك الحادثةُ صحيحةً أو خاطئةً، بيد أنَّ الحقيقةَ المراد التعبير عنها إنّما هي في غاية الأهمّيّة، وقد قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تعبيرًا عن هذا المعنى: “كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لاَ يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ مِنْهُمُ البَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ[2].

أجل، إن الله جلَّ جلالُهُ قد يستعمل أناسًا -ربما تستصغرونهم ولا تبالون بهم- في أعمالٍ عظيمةٍ، لدرجة أنكم تعضون على أناملكم دهشة وحيرة أمامها، ومثلما أنَّ الله تعالى يَسْتَنْشِئُ النمل الأبيض أو ما يُسمَّى بـ”الأَرَضَةِ” أبنيةً أعلى بكثيرٍ من قامتِه، فإنه يَسْتَنْشِئُ أناسًا تستصغرونهم وتعدّونهم عاديّين كالنمل الأبيضِ أبراجًا شاهقةً، حيث إن قادةً مثل ساداتنا: أبي عبيدة بن الجراح والقعقاع وسعد بن أبي وقاص رغم أنهم كانوا أفرادا عاديين نشؤوا في البادية؛ فقد أخضعوا خلال فترةٍ زمنيّةٍ قياسيّةٍ الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية التي ظُنَّ أنهما لا تسقطانِ، وأنّه ليسَ من الوارِدِ وقوعهما، وأرشدوهما إلى الطرق المؤدّية إلى الإنسانية الحقيقية.

عبارات يخالطها الشرك بالله: “إنما أوتيته على علم عندي”

يقول الله جلَّ جلالُهُ: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 5/54)، والنفس على حدِّ تعبير الأستاذ سعيد النورسي: “أدنى من الكل، والوظيفة أسمى وأعلى من الكل”[3]، وإن كنا أناسًا بسطاء عاديين فهذا لا يمنعُ من أن يستعملنا الله جلَّ جلالُهُ بعنايتِهِ وقدرتِهِ الأبديّة في خدماتٍ عظيمة جدًّا؛ وهذا لطفٌ وإحسانٌ إلهيٌّ صرفٌ لا يتأتّى إلا منه تعالى، وكلُّ ما يُقال في هذا الشأن من كلمات مثل: “نحن فعلنا، ونحن عملنا، ونحن خطّطنا لهذا بينما الآخرون ما كانوا يرون هذا ويفكرون فيه ولو حتى في أحلامهم” يفوحُ شِركًا، ولذلك فلا بدَّ من البُعْدِ التامّ عن مثل هذه المزاعمِ والأقوالِ، وعلى حدّ قولِ الأستاذ بديع الزمان -وكما هي القاعدة العربية- أيضًا فإنَّ: “نفي النفي إثبات”[4]، وعليه فإنكم لا تستطيعون الوصول إلى أية قيمة طالما أنكم لا تنكرون أنفسكم، وإن كان لا بدَّ من استيضاحِ المسألة بعبارة تتردّد وتتكرّر كثيرًا؛ فإنَّ الخالدَ الباقيَ حقًّا واحدٌ ولا أحدَ خالدٌ باقٍ غيره، وإن كانت ثمة قيمة محدّدةٌ للموجودات الأخرى أمام الخالد المطْلَقِ فإنها الصفرُ ليس إلا، ولذلك فإن العلاقة بين الإنسان والله جلّ جلاله تُشبه العلاقة بين الصفر والخلود؛ فالله هو الخالد الباقي، أما الصفر فهو الإنسان الفاني، غير أنه بالرغم من خلو الصفر من أية قيمة ذاتية إلا أنّه يكتسب قيمة إذا ما استُخدِم عن يمين الأرقام؛ وهكذا الأمر بالنسبة للإنسان فإنه حين يلجأُ بعجزه وفقره إلى الله تعالى يكتَسِبُ قوّة عشرات، بل مئات، بل وآلافٍ كالأصفارِ التي توضَعُ إلى جوارِ أَلِفِ لفظِ الجلالة.

الظلم لا يدوم أبدًا

وإذا انتقلنا إلى الشطر الثاني من السؤال؛ فإن الأرواح المخلِصة التي نذرت نفسها للخدمة ابتغاءَ مرضاة الله قد يُحيطها ويطوقها بعدة أطواق الظالمون الجائرون الذين لا يعترفون بحقِّ أحدٍ غيرهم في الحياة، ويُخطِئُون في فهم معنى التنافس (التسابق في سبيل الله)، ويتحركون محشوِّينَ بِمشاعرِ المزاحمةِ ثم يقولون: “نحن فحسب ولا أحد غيرنا في هذا العالم!”، غير أنه يستحيلُ توقُّعُ استمرارِ هذا الوضع ودوامُهُ إلى الأَبَدِ، لأنَّ الظلمَ لم يدم في أيِّ زمان على الإطلاق، والله تعالى يُمهل الظالم، ولا يهملُهُ، وكما وردَ في الحديثِ النبويِّ الشريف فـ”إن اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (سُورَةُ هُودٍ: 102/11)”[5]. أجل، “قد يدوم الكفر لكن الظلم لا يدوم”؛ فَيُرْجِئُ الله جل جلاله الكفر للنظر فيه في المحكمة الكبرى يوم الحساب، فيعاقب عليه في حضرة كبريائه، غير أن الظلمَ ينالُ عقابه في الدنيا إما عاجلًا وإما آجلًا، ويلقى الظالمون جزاءهم لا محالة لأنه اعتداء على حقوق العامة، وحقوق الأبرياء.

كما أن هذا الطريق هو طريقُ الله، والله جلَّ جلالُه لا يتخلّى أبدًا عمن يسير بإخلاصٍ وصدقٍ في هذا الطريق، وكما تفضّل سبحانه وتعالى في الآية الكريمة ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 140/3)؛ فإنه يُعرِّض للهزيمة أحيانًا، ويمتحنُ بابتلاءاتٍ ومصائبَ أحيانًا أخرى لِحِكَمٍ مختلفةٍ يعلمُها هو جلَّ وعلا، ويُشكِّلُ الأشياء والحوادث بِيَدِ قُدْرَتِهِ وفق ما يريد سبحانه، ولذلك فإن كان اليومُ عيدًا بالنسبة للبعض؛ فالغدُ عيدٌ بالنسبة للبعضِ الآخر، وإن كان اليوم مأتمًا للبعضِ فالغدُ مأتمٌ للفريقِ الآخر، إذن ينبغي للأبطال الراغبين في إبلاغِ الإنسانية بإلهاماتِ أرواحهم ألا ينشغِلوا بما يقوله ويفعلُه الجاهلون، على العكس تمامًا فينبغي لهم أن يقولوا: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (سُورَةُ القَصَصِ: 55/28)، وأن يشغلوا قلوبَهم وعقولَهم بالبحث عن “كيفية إيصال دساتير القرآن الماسيّة وجماليات الإسلام إلى الناس على أفضلِ نحوٍ وأحسنِهِ”، ولِقلوبِ المخاطبين حينئذٍ أنْ تقبلَ أو ترفضَ بإرادتها الحرّة؛ فالنتيجة ليست من شأننا، لكنَّ العملَ مطلوبٌ منا؛ فعلينا أن نُغَلِّفَ هذه القِيَمَ الخاصّةَ بنا بأجملِ الأغلفةِ، ونزيِّنَها بأكثر النقوش والزخارف بهاءً، ثم نُسَوّقها ونطرحُها في الأسواق العالمية بأكثرِ الأساليبِ جذبًا.

أجل، يلزم ألا ننظرَ إلى فتراتِ التعرُّضِ للظُّلْمِ والاضطهادِ على أنها ظلامُ ليلٍ حالكٍ دامس، وألا نَقْنَطَ وألا نتشاءَمَ أبدًا، لأنه وكما يُخَلِّفُ كلُّ شتاء ربيعًا؛ فكلُّ ليلٍ يعقبه صباحٌ بلا شكٍ، ولذا يجب ألا ننسى أنَّ نهارًا سيأتي بعد الليل البهيم، وأنَّ شمسًا ستُشرِقُ بعدَ السوادِ الحالك، فينبغي لنا أن نُعِدَّ في ظلام الليل خطَّةً لمستقبلٍ مشرقٍ منيرٍ، وبالشكل نفسه يلزمُنا أن نضعَ في حسباننا ونحن ننعمُ بالنهار أن ليلًا آخر سيخلفُه، وبتعبير آخر فإنَّه حريٌّ بالمؤمن بينما يحثُّ جوادَه في جوِّ النهار المنيرِ فرحًا فخورًا ويتبختر به يمنةً ويسرة؛ ألَّا ينسى أن ليلًا آخر سيحلُّ بعد النهار، وعليه أن يجهِّزَ خطَّةً وإستراتيجيّة مستقلّةً لهذا الليل؛ لأن أحداث التمرُّدِ والتنازُعِ لم تنقطِعْ ولم تتوقّف قطُّ على وجهِ الأرض حتى اليوم ولن تتوقَّفَ؛ فستظهر حركاتٌ من العناد والعصيان تتمحورُ حول الإلحاد والكفر أحيانًا، والحسد والغيرة أحيانًا أخرى، سوف تعترض طريق الناس بآلاف من الحِيَلِ والمؤامراتِ، ولهذا السبب يجب ألا نُبقيَ تفكيرنا معلّقًا بسواد الليل وألا نُصابَ بالذعرِ والهلعِ منه، وألا نفرحَ بِضياءِ النهارِ ونركنَ إليه؛ علينا أن نُعِدَّ ليلًا خُطَطَ النهار (المستقبل) ومشاريعه، ونجهز نهارًا أيضًا استراتيجيات الليلِ (الأزمات) وظلمتِهِ.

الحركة والعمل الدائمين المتواصلين

ينبغي لمثل هذه القلوب المؤمنة أن تستثمرَ كلَّ لحظة في عمرها في فلكِ العمل الصالح؛ فتحملَ إلى الليل ضوءَ النهار، وإلى الشتاءِ دفءَ الربيع، فالإيمان في حدِّ ذاتِهِ يُكلِّفُ الإنسان بالعمل الصالح في كلِّ موقفٍ وظرفٍ بقدرِ ما يطيقُه.

ويمكنكم من أجل فهمِ معنى العمل والحركة الدائمين المتواصلين بهذا المعنى أن تتذكَّروا ذلك المسير في أثناء الطواف، فكما هو معلومٌ فإنَّ المُسلِمَ حينما يرملُ في الطواف فإنّه يُسرعُ في إنجازِ الأشواطِ مع هزِّ الأكتافِ وتقاربِ الخطى ما دام صحنُ الطوافِ يسمحُ بذلك، فإذا لم يسمح المطاف بذلك لشدّة الزحامِ فإنه يُراوِحُ مكانه متلبِّسًا بالحركةِ والقفزِ دون إيذاءِ أحدٍ، أي إنه يتحرك على كلِّ حال، فيحافظ على شدّه المعنوي، ويواصل -بإذن الله وعنايته- مسيرَهُ في المكانِ والزمانِ المناسِبَينِ.

أجل، إن الجمودَ قصورٌ ذاتيٌّ، والأشياءُ بطبيعَتِها جامدةٌ، ومن يُحَرِّكُها هو الله جلَّ جلالُهُ، والإنسانُ مرتبطٌ بنواميس عالَمِهِ الطبيعيّ، فحينما يقفُ في مكانِهِ يبدأُ في مرحلةِ السقوطِ والتشتُّتِ، مثلُهُ في ذلك مثل النيازِكِ تمامًا حين تتعرض لفراغٍ جوِّيٍّ؛ فإنها تقعُ تحت تأثيرِ جاذبيّةٍ أخرى، فتتآكل بالاحتكاكِ، ثم ما تلبثُ أن تذوبَ وتنقرِضَ، لكن الإنسان إن واصلَ الحركةَ حيث يكون مثلما تواصلُ الشمس والنجوم والقمر دورانها؛ فإنه يظل حيًّا، وينشر حوله الأنوارَ والأضواء التي يستمدّها من نورِ الحقيقة.

وإن تقسيم الحقِّ تعالى العباداتِ الواجبة على فتراتٍ زمنيّةٍ محدّدةٍ وموزّعَةٍ على مدارِ اليومِ وتكليفَهُ بها مثالٌ لافتٌ من أجلِ فهمِ روحِ وكُنْهِ الحركةِ الدائمةِ والمتواصلةِ.

فالإنسان يقومُ في جزءٍ محدَّدٍ من الليل امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ (سُورَةُ الإِسْرَاءِ: 79/17)، فيتلو القرآن، ويصلّي صلاة التهجُّد، ويجأرُ في وقت السَّحَرِ أيضًا بالاستغفار ممتثِلًا قولَ الله تعالى ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (سُورَةُ الذَّارِيَاتِ: 17/51)، فإذا حان وقتُ صلاةِ الصبحِ يُصلي سنَّةَ الفجرِ أوّلًا ثم الفرض، وحين تُشرِقُ الشمسُ ويزولُ وقت الكراهة يُصلِّي صلاةَ الإشراق، كما يصلي صلاة الضحى حتى قبيل صلاة الظهر، فيقيم صلاةَ الظهر في الوقتِ الذي تُثقِلُ كاهلَهُ أعباءُ عملِهِ اليومي، وعندما يُقبِلُ على الحضرةِ الإلهية بأداء صلاة العصر يكونُ وكأنَّهُ حوَّل تعب اليوم الساحِقِ الذي زاد عليه إلى رحلة تأملية في آفاق الروح، فينعمُ بقسطٍ من الراحةِ، ثم يؤدّي صلاتي المغرب والعشاء بنفس الشعور والفكرِ أيضًا، وبهذا يَسْلَمُ من أيّ فراغٍ وخواءٍ روحيّ.

لقد وزّعَ الله تعالى عباداتنا اليوميّة وفقَ تقويم زمني لا يتخلّلُهُ الفراغ، وعليه فينبغي تقسيمُ الخدماتِ التي ستُبْذَلُ في سبيلِ الإنسانية لِتُنْجَزَ على مدارِ أسابيع وشهور ومواسم بل وسنوات عملًا بمفهوم الحركة والعمل الدائِمَين المتواصِلين، وحريٌّ بكلِّ مؤمنٍ فيما يتعلَّقُ بهذا أنْ يعملَ وكأنَّهُ خبيرٌ إستراتيجيّ؛ فيُحدِّدُ الأعمال التي يستطيعها من أجل نفسه وعائلته والمجتمع الذي يعيش فيه، وبهذا يحمي حيويّته الذاتيّة وطاقتَهُ الإنتاجيّة؛ لأن أجدادَنا قالوا: “يلمعُ الحديد عندما يعملُ”، ومن هنا فإنَّ العملَ والنشاط الدائم هو السبيلُ إلى البريقِ والحياةِ دون اندثارٍ أو تعفُّنٍ.

وقد استخدم القرآن الكريم في أغلَبِ الآيات التي تحدَّثَ فيها عن المؤمنين عبارةَ ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 25/2) فَلَفَتَ بذلك النظرَ إلى جانبِهم الحركيّ والعمليّ؛ فالعملُ الصالِحُ يعني العملَ التامَّ دون نقصٍ ولا قصورٍ، وكما سبقَ في مثال الصلاة؛ فثمة ضرورة إلى مراعاة الخشوع أي العمق الداخلي الذي يعكس العلاقة بالله تعالى إلى جانب مراعاة أركان الصلاة وشروطها من أجل أدائها أداءً تامًا كاملًا، وجميعُ الأعمالِ التي يضطلع بها المؤمن تقتضي منه أيضًا أن يؤدّيها مراعيًا شروطَها الداخليَّة والخارجية على حدٍّ سواء، وهكذا وبعد أن يؤمن المؤمنُ بالله وتنطبقَ عليه صفةُ الإنسان الأمينِ فإنه لا يتركُ اعتقادَهُ مجرَّدَ أمرٍ نظريٍّ، وإنما يؤيّده ويقوّيه بالحركة والعمل.

وكما كان الحال في عصر الخلفاء الراشدين خاصةً، وعصر السلاجقة وأوائل العصر العثماني فإنَّ الأفراد والمجتمعات التي كانت تضطلع بأعمالها في إطار روح الحركة الدائمةِ ليلَ نهار ثَبتَت وصمدت بإذن الله وعنايته؛ إذ سارَتْ قُدُمًا دون أن تتردَّى أو تتهاوى، ولكن يمكن القول ارتباطًا بفكرة الأتمِّيَّةِ والأكمليّة -ولا أقولُ هذا طعنًا في أجدادنا العِظام ولا تشنيعًا بهم؛ فأصغرهم تاجُ رأسي وسيّدي- إنه ما إنْ حدث فراغٌ وخواءٌ في خطَّةِ الفِكْرِ والحركةِ والعملِ حتى قعدَ الحكّام عن الخروجِ للجهاد على رأسِ الجيوش، وبدؤوا يعيشون حياة فارهةً في القصور، وبطبيعة الحال وبالتوازي مع هذا؛ أسلمَ الشعبُ نفسَهُ للراحةِ والفتورِ، ونسيَ السعيَ والركضَ من أجلِ تحقيقِ فكرةٍ مثاليّة سامية، وخلدَ إلى الفراش الوثيرِ الدافئِ، وقد تعرَّضَ من أسلموا أنفسَهم لقبضةِ وحشِ الدنيويّة على هذا المنوالِ لِغَدْرِ رغباتِهم، وانصهَرُوا وسقطُوا في شِباكِ رغباتِهم الدنيويّة وشهواتِهم البدنيّة، وفي فترةٍ كهذه تغيَّرَ فيها وفَسَدَ تمامًا مِحوَرُ “مفهومِ المجتمع” فَشِلَتْ وخابَتْ -رغمَ المحاولات المتكرّرة- آمالُ الحكّام من أمثال مراد الرابع، وعثمان الثاني اللذين كانا يعرفانِ جيِّدًا ما يقعُ على عاتقهما من مهمّات، وربما أنَّ هذا حدث بفعلِ أساليب شتى استخدمَتْها بُؤَرُ الشر الداخلية والخارجية.

والحاصل أن من أسلموا أنفسَهم للجسمانية ولِدَعَةِ وفتورِ الحياة الدنيويّة تعرّضوا -ودون أن يدرُوا أو يُدركوا أيَّ شيءٍ- لِغَدْرِ تلك الراحة والدعة، ووقعوا ضحيةً لها؛ فهلكوا.

 

 

[1] انظر: صحيح البخاري، النكاح، 21؛ البيهقي: السنن الكبرى، 262/7.

[2] سنن الترمذي، المناقب، 125؛ أبو يعلى: المسند، 66/7.

[3] بديع الزمان سعيد النورسي: الشعاعات، الشعاع الرابع عشر، ص 477.

[4] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة السابعة عشرة، المقام الثاني، ص 233.

[5] صحيح البخاري، تفسير سورة هود 5؛ سنن الترمذي، التفسير، 12.

قوة الإيمان المنيعة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما هي أكبر العوائق التي قد يواجهها من يرغبون في إيصال إلهامات أرواحهم وتبليغِ جماليّات القِيَمِ التي يؤمنون بها إلى قلوبِ الآخرين؟

الجواب: إنَّ أكبرَ عناصرِ الامتحانِ بالنسبةِ لِلْبَشَرِ هي الرغبات والأهواء الدنيوية، وقد ارتُكِبَ كمٌّ هائلٌ من المظالم ووقعَت حِزْمةٌ من الأزمات في المجتمعات التي تُطَوِّقُ هذه العناصرُ مشاعرَ أفرادِها وأفكارهم، وتُخيِّمُ عليها وتطغى، وتعرَّض العديدُ من رجال الحقِّ والحقيقة وفي مقدِّمتهم الأنبياء عليهم السلام لاعتداءاتٍ وهجماتٍ قاسيةٍ جاحدةٍ، ولشتّى أنواع الإهانات والافتراءات، بل وحتى لِمحاولات القتلِ وللمذابحِ أيضًا، كما أنَّ أوَّلَ حادثةٍ تكوي القلوب والأكباد قد وقعت في بيت سيدنا آدم عليه السلام الذي تنَزَّلَ عليه الوحي زخًّا زخًّا، ومع أن قابيل نشأ في مناخٍ كهذا إلا أنه قتلَ أخاه هابيل كي يَصِلَ إلى شهواتِهِ الدنيويّة الفانية، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 27/5-30)، وهكذا بدأَتْ أَوَّلُ جريمةٍ بإغواء الشيطان للإنسان، وتتابعَ على إثرها الكثيرُ من حوادثِ الإغواء والانخداع، ولـمَّا تنتهِ بَعْدُ.

وكما ورد في أحَدِ الكتبِ المقدَّسَةِ؛ فإن سيدنا داود عليه السلام الذي أرسَلَهُ الله إلى بني إسرائيل ليُنقِذَهم من الاضطهاد والذُّلِّ وليقودَهم إلى العِزَّةِ والرِّفْعَةِ قد تعرَّضَ على أَلْسِنَةِ قومِهِ لافتراءاتٍ لا يُتَّهَمُ بها ولو حتى الأفراد العاديّون مثل الزنا والقتل، -حاشا وكلّا أن يقعَ منه ذلك عليه السلام- واضطره قومُه إلى الحلفِ بالله على التابوت، محاولين التضييقَ عليه وإلجاءه إلى ما لا يرغبُ في فِعْلِهِ.

أما سيِّدُنا رسولُ الله مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم فقد تعرَّض للعديد من الاتهامات على أيدي أعدائه؛ فَرَمَوهُ بأنه -حاشا وكلَّا ألف مَرّة ومَرّة- ساحرٌ مرّةً، قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ (سُورَةُ يُونُسَ: 2/10)، ومرّة أخرى بأنه شاعر، قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ﴾ (سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ: 5/21)، ومرّة أخرى بأنه كاهن، قال تعالى ردًّا عليهم: ﴿وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (سُورَةُ الْحَآقَّةِ: 42/69)، وبذلوا جهدهم كي يمنعوا الحقائق التي سيُبَلِّغها عن ربه تعالى من أن تدخلَ في القلوبِ فَتُنِيرَها.

أَذْهَبْتُمْ طيباتكم في حياتكم الدنيا!

وقد تقعُ حوادث كهذه في يومنا هذا أيضًا، ومن المُؤكَّدِ أنّها لن تتوقَّفَ لاحِقًا، والمهمّ هو ألا نفعلَ مثلما فعلَ بعضُ الشعراء حينما خلَّدوها كملاحمَ للأحزانِ والهمومِ، ونقلوها إلى الأجيال اللاحقةِ كرسائل شكوى. أجل، إن المهمّ ههنا هو أن يتقبَّلَ الإنسانُ برضًا تامٍّ كلَّ هذه الملِمَّات التي تحلُّ به، وألَّا يتشكّى منها إلى الناس، وأن يتحيَّنَ الفُرَصَ وأوقاتَ العزلةِ فيلجَأَ إلى الله تعالى ويبثّ إليه سبحانه وتعالى ما يعتمِلُ في صدرِهِ، بيدَ أنه ينبغي له وهو يفعلُ ذلك ألا يُسمِعَ أحدًا صَرْخَتَهُ وصيحتَهُ؛ فاللهُ جلَّ جلالُهُ ولا أحدَ سواه هو مالكُ الزمانِ والمكان، والحكمُ حكمُهُ، ومِنْ ثَمَّ فليسَ مِنْ شأنِنا التدخُّلُ في النتائِجِ، وعلينا أن نحترمَ أحكامه تعالى بشأننا ونقدرها حقَّ قدرِها، ونمضي قدمًا في طريقِنا متمثِّلين قولَ الشاعر التركي الصوفي إبراهيم تَنُّوري:

ما أعذب البلاء إن كان من جلالِهْ!

وما أحلى الوفاء إن كان من جمالِهْ!

فـــــكـــــلاهــــــــمــــــــا صــــــــفــــــاءٌ لــلـــــــروح

فما أحلى لطفه! وما أعذب قهره!

فقد يأتي الجفاءُ من الجلالِ حينًا، والصفاءُ من الجمالِ حينًا آخر، ولا بدَّ من التسويةِ بينهما هما الاثنين؛ فلا يُفرَحُ بالصفاءِ، ولا يُستاءُ من الجفاءِ، ولنتَرَفَّعْ عن مثلِ قولِ: أَلِأَنني فعلتُ كذا وكذا أصابني ما أصابني؟ لماذا تحُلّ بي أنا دائمًا هذه الآلام والأزمات والشائعات والأحقاد والمظالم؟ وما أجملها في هذا الموضوع من كلماتٍ أبيات الشيخ “محمد لطفي أفندي” التي تَبُزُّ بِحُسنِها بريقَ اللؤلؤِ والمرجان:

يقول عاشق الحقّ عن مُرهَفِ الحِسِّ:

لا تـمــتــعــض مــمّــن يـؤذي

فمن امتعض من الأذى

قلّتْ درجتُه عن المؤذي

أجل، إن كنتم تتشوَّفون إلى الكمال في الآخرة فَحَذَاريكمْ أن تطلبوه هنا من الأشياء الدنيويّة؛ فما طلبُ ذلك من الدنيا إلا علامةٌ على النقصِ؛ وإنَّ انتظارَ أمورٍ دنيويّة مثل تصفيق الناس وتقديرهم ليس إلا استثمارًا خاسِرًا وزائفًا بالنسبة للآخرة، وقد حذَّرَنا القرآن الكريم من هذا فقال سبحانه وتعالى فيه: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (سُورَةُ الأَحْقَافِ: 20/46)، ولذا فحريٌّ بنا أنْ نُرجِئ إلى الدار الآخرة طلبَ كلِّ ما سيمُنُّ به الحقُّ تعالى علينا من أنواع اللُّطْفِ والنعيم، وألا نستَنْفِدَ ههنا في دار الفناء هذه كلَّ الخيرات والهِبات التي وُعِدنا بالحصول عليها في الآخرة.

وثمة قصة مُعَبِّرَة تُحكى فيما يتعلقُ بهذا الموضوع؛ إذ حُكيَ أنَّ زوجةَ أحد عباد الله الصالحين اشتكت إلى زوجِها صَلَفَ العيش وضيقه، وطلبت إليه أن يدعو الله كي يخلصهم من هذا الحال؛ فلم يكسر الرجل الصالح بخاطر زوجه وراح يدعو الله؛ فاستجاب الله دعاءه؛ فما برِحا مكانهما إلا وقد ظَهَرَتْ إلى جوارهما لَبِنَةٌ من الذهب؛ فقال الرجل الصالح لزوجِهِ: “ها هو ذا! إنها إحدى لَبِنَاتِ قصرِنا في الآخرة”، فقالت المرأةُ المباركة نادمةً على أن طَلَبَتْ من زَوجِها ما طَلَبَتْ: “رغمَ أنَّنا محتاجون حقًّا؛ لكنه وكَيلَا تضيعَ في هذه الدنيا الفانية جائزةٌ واحدةٌ سنحصلُ عليها بإذن الله في الآخرة عالمِ البقاءِ، وكَيلا تنقصَ لبنةٌ من لَبِنَاتِ قصرِنا في الجنّة؛ أسألُكَ أن تدعوَ الله تعالى ثانيةً -كما دعوتَهُ أوَّلًا- أن يَرُدَّ هذه اللبنة إلى مكانها”؛ فدعا الرجل الصالح ربَّـــهُ ثانيةً نزولًا منه على رغبةِ زوجتِهِ الصادقةِ هذهِ، فاختفَتْ تلك اللَّبِنَةُ فجأةً عن الأنظارِ، وعادت من حيثُ أَتَتْ.

أجل، إن القوَّةَ المنيعةَ لِمَنْ نَذَرُوا أنفسَهم للحقِّ، وتعلَّقَتْ قلوبُهم بغايةٍ ساميةٍ واستهدفوا إعادة نجمِ مستقبلِ أمَّتِهِم إلى بَريقِهِ ولَمَعَانِهِ من جديد؛ لَتَتَمَثَّلُ في أنْ يُباعِدوا بينهم وبين الدنيا، وأن يتحرّكوا بروحِ الاستغناءِ، ويقِفوا أنفسَهم على تحقيقِ سعادة الآخرين التامّة، وهذا لا يمنعُ مَنْ يعيشون على التجارة ويواصلون حياتهم بما يكسبون منها، ويدعمون خدمةَ الإيمان والقرآن مِنْ أن يطلبوا الدنيا كسبًا شريطةَ أن يهجروها قلبًا، غير أنه ينبغي لرجالِ الخدمة الذين يُمَثِّلون هذا العمل وقد نَذَرُوا أنفسَهم له أن يَثْبُتُوا في مواجهة الدنيا، وأن يتصرَّفُوا باستغناءٍ دائمًا؛ لأن استغناءَهم هو أعظمُ أَرْصِدَتِهم، وكلّما استغنوا أكثر كلّما أصغى الناس وَوَثِقوا بهم ووافقوا مطمئنِّين لِكلِّ مسألة يُشارُ إليهم بها، ومن ثمَّ يُؤَدُّون الوظائف والمهام الواجبةَ عليهم دون تردُّدٍ ولا شَكٍّ، ولو مثقال ذرّةٍ.

وبينما يجبُ أن يتحقَّقَ هذا ويحدثَ؛ إلا أنّ المؤسف هو كثرةُ عددِ من مال إلى الدنيا بدعوى “أنه لا بأس في الاستفادة منها قليلًا” في أول الأمر، ثم غاصَ وانخرط فيها حتى الأعماق؛ فانهزم أمامها بالرغم من أنهم حين انطلقوا في هذا السبيل كانوا متّحدين ويحملون روحَ التضحية والفداء؛ فكانوا كما قال الشيخ “محمد لطفي أفندي”:

كم من شخصيّاتٍ عظيمة

وسلاطين ذوي وجوهٍ نورانيّةٍ

وملوكٍ وأباطرةٍ كـ”كسرى أنو شيروان”

ولّوا وانهاروا واحدًا تلوَ الآخر، وغرقوا في بحر الدم والقيح والصديد الذي نُطلِق عليه اسمَ الدنيا، وإن استسلامَ رجالِ الحقِّ لمثل هذهِ الأفكار الشّيطانيّة، وقولُـهُم: “فلنكسب نحن أيضًا، ولتكن لنا منازلُنا وثرواتنا ولنعِشْ مثلهم…”؛ إنما يعني قضاءَهم على أرصِدتهم بأيديهم أنفسهم لا بأيدي غيرهم، ومن ثم يقضي القَدَرُ بأن تُسْلَبَ من أيديهم النِّعَمُ التي يملِكُونها، وأن تَنْزَلِقَ أقدامُهم ويضلُّوا، فإن يحدثْ خلافَ ما هو مرجوٌّ ومحمودٌ فإنّ الله جلَّ جلالُه يذهبُ بِمَنْ تعفَّنوا وصاروا أجسادًا بلا روحٍ، ويأتي بدلًا منهم ﴿بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 54/5).

السبيل إلى إرغام المتكبرين

لا بدَّ من حِماية قيمةِ وشَرَفِ التضحية والفدائيّة وصيانةِ ذلك في كلِّ الأحوالِ، وقد كان مفخرةُ الإنسانيّة المضحِّي الرئيسُ الذي يُمثِّلُ القمَّةَ في هذا الشأن؛ حالُهُ في ذلك كحالِهِ في غير ذلك من الأمور والمواضيع؛ فقد ارتحلَ صلى الله عليه وسلم إلى أُفُقِ روحِهِ ودرعُهُ مرهونة عند يهودي من أجلِ إطعامِ أهلِهِ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: “تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، بِثَلاَثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ”[1].

ولم يكن سيدنا أبو بكر رضي الله عنه مختلِفًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو متخلِّفًا عنه في هذا الأمر؛ فلما حضَرَتْهُ الوفاةُ أبلغَ من حوله بأنه كانَ يُحاوِل طِيلةَ حياتِهِ ألا يستهلك ما يزيدُ عن حاجتِهِ، وأنه جمعَ ما زادَ عن حاجتِهِ ممّا خُصِّص له، فإذا هو ماتَ فليَرِجِعْ به المسلمون على بيت المال، فعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: “أَطَفْنَا بِغُرْفَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِي مَرْضَتِهِ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا، قَالَ: فَقُلْنَا: كَيْفَ أَصْبَحَ أَوْ كَيْفَ أَمْسَى خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم؟ قَالَ: فَاطَّلَعَ عَلَيْنَا إِطِّلَاعَةً، فَقَالَ: أَلَسْتُمْ تَرْضَوْنَ بِمَا أَصْنَعُ؟ قُلْنَا: بَلَى قَدْ رَضِينَا، قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ هِيَ تُمَرِّضُهُ قَالَ: فَقَالَ: أَمَا إِنِّي قَدْ كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أُوَفِّرَ لِلْمُسْلِمِينَ فَيْئَهُمْ مَعَ أَنِّي قَدْ أَصَبْتُ مِنَ اللَّحْمِ وَاللَّبَنِ، فَانْظُرُوا إِذَا رَجَعْتُمْ مِنِّي فَانْظُرُوا مَا كَانَ عِنْدَنَا فَأَبْلِغُوهُ عُمَرَ، قَالَ: وَمَا كَانَ عِنْدَهُ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، مَا كَانَ إِلَّا خَادِمٌ وَلَقْحَةٌ وَمِحْلَبٌ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عُمَرُ يُحْمَلُ إِلَيْهِ قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ، لَقَدْ أَتْعَبَ مَنْ بَعْدَهُ[2].

وقد أدَّى سيِّدُنا عمرُ رضي الله عنه عملَه كخليفةٍ للمسلمين بنفسِ الفهمِ والشعورِ؛ فلم يتَّخِذْ له كرسيًّا لِلعرش قطّ، بل جلسَ في المسجد، وأدار شؤونَ الأمّة منه، ولم يتعذّر بمقولةِ “التكبّر على المتكبّر صدقة” من أجل أن يحيا حياةً فارهةً تموج بالأبهة والخيلاء، بالعكس من ذلك لقد استطاع -مع تواضعه- أن يُخضِعَ له دول العالم آنذاك، ولـمّا ذهبَ لاستلام مفاتيحِ المسجدِ الأقصى خرجَ حكّامُ القدس وقتها لِلقائِهِ رضي الله عنه وقد ارتدوا الملابس المزخرفة المزركشةَ، بينما كان هو متواضعًا لأقصى درجة كما تبين من ملابسه المرقعة وتعاقبه على الدابة مع خادمه، ولقد اشتهَرَ أنّه لما لقيَهُ أُمراءُ الأجنادِ قَبْلَ أن يَصِلَ إلى بيتِ المقدسِ قالوا: يا أمير المؤمنين إنك تقدم على أناس، وأنت على هذه الحالة قميصٌ مرقّعٌ، وعلى بعيرٍ مرحّلٍ!! هذا برذونٌ تركبه، -والبرذون ما بين الفرس والبغل، وله تبخترٌ في المشيِ- وهذا قميصٌ جديد تلبسُه، فلما جيءَ بالقميص وكان من الكتّان قال: ردّوا عليَّ قميصي واغسلوه، فغسلوا القميص المرقَّع، وجيءَ به ولَبِسَهُ، فلما قدَّموا إليه البرذون رفضَه وأمَرَ بردِّ بعيرهِ، وكان رحاله من الليف، فدخل إلى بيت المقدس والدورُ لخادِمِه في الركوب، فكان يقودُ البعيرَ وخادمه راكبٌ، فلما قدمَ على دهاقِنَتِهم، وقساوِسَتِهِم وأهلِ دينِهِم الذين عرفوا نعتَهُ عندهم قالوا: هذا الوصف الذي نجده عندنا في كتبنا، وسلموا إليه مفاتيح بيت المقدس[3]، وكما يتَّضِحُ تمامًا من هذه الحادثة فإنَّ التواضع والتفاني هو السبيل إلى إرغام متكبِّري العصر أيضًا، فمثل هذا الحال والتصرُّفِ يسحقُ أمامَهُ كلَّ أنواع الكِبْرِ والخيلاءِ ويدفنُها في أسفل سافلين. أجل، لقد كان هذا هو أسلوب سيدنا عمر رضي الله عنه وديدَنُه طيلةَ حياتِهِ، فلم يُفَكِّرْ في أيِّ وقتٍ قطُّ أن يورِّثَ أبناءه ولا أحفاده شيئًا، بل تركهم أمانة لفهم الصحابة الكرام ورعايتهم، وعلى هذه الحال انتقل إلى أفق روحه.

وقد كان سيدنا عثمان رضي الله عنه تاجرًا يُعَدُّ من أغنى أغنياءِ مكة والمدينة ، غير أنه وعلى حدِّ قولِ الأستاذِ بديعِ الزمانِ “ترك الدنيا قلبًا لا كَسْبًا”[4]، حيث إنّه لما دَعَت الحاجةُ إلى تجهيزِ جيشِ العُسْرَةِ الذي سيتحرّكُ إلى “تبوك” تبرّع رضي الله عنه بثلاثمائة بعيرٍ بأحلاسها وأقتابها دون أدنى تبرُّمٍ أو ضيقٍ أو ندمٍ على ما فعل، تبرع بذلك لا لشيء سوى رضا الله سبحانه وتعالى[5]، ولو أنَّ مفخرةَ الإنسانيّة صلى الله عليه وسلم قال له: أَنفِقْ كلّ مالك؛ لَمَا تَردد أبدًا ولأنفقه عن بكرةِ أبيهِ في سبيل الله على الفور.

وكانت حياة سيدنا علي رضي الله عنه تسير على نفس المنوال أيضًا، فكان حاكمًا لرقعة جغرافية ربما كانت مساحتها تفوق مساحة تركيا اليوم بعشرين ضعفًا، وبالرغم من أن حدود الدولة التي كانت تحت حكمه شهدت بعض المنازعات السياسية إلا أنها كانت شاسعة واسعة مترامية الأطراف لدرجةٍ تستطيع معها أن تستوعبَ أعظم إمبراطوريّتين قبلَ الإسلام؛ فارس والروم، ومع ذلك كان يلبسُ ثيابَ الشِّتاءِ في فصلِ الصيف وثياب الصيفِ في فصلِ الشتاء، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: كَانَ أَبُو لَيْلَى يَسْمُرُ مَعَ عَلِيٍّ، فَكَانَ يَلْبَسُ ثِيَابَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ، وَثِيَابَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ[6].

هذا هو الإسلام الحقيقي، فأين نحن منه؟

واليوم لا بد من سؤال من يقضون حيواتهم بالسياحة والتنقُّلِ من المصايف إلى المشاتي ويتشدَّقون قائلين: “نحن أيضًا نسير على نهج هؤلاء الصحابة الكرام”، ومن يفكّرون كيف سيكون مستقبل أولادهم وأحفادهم وينشغلون بذلك، ومن يتصرّفون وفقَ المثل الكاذب القائل “إنَّ مال الدولة بحرٌ من لا يشرب منه فهو أحمق”؛ لا بدَّ من سُؤالهم: “من هو قدوتكم، من هو مثلكم الأعلى؟” ألا يلزمهم كمؤمنين أن يستحيوا من الله تعالى ويبتعدوا تمامًا عن مثل هذه الأفكار التي لا تجول إلا بعقول أمثال قارون ورمسيس وآموفيس؟ إنني أسأل الله العظيم أن يوفق من نذروا أنفسهم للخدمة الإيمانية المثالية السامية إلى الحفاظ على مشاعر الحياء والخجل هذه؛ فلا يميلوا إلى الدنيا، وألَّا يُطاحَ بهم، وألَّا تذهب ريحهم، وأرجو من الله لهم أن يصبروا ويحتسبوا قائلين: “إننا نعضُّ على ديننا بالنواجذِ، ونصبرُ، وحسبنا ألا ينقصَ من أَجْرِنا في الآخرة شيء”، وعليهم أن يرضوا بالابتلاءِ والظلْمِ متمثِّلين قولَ “ضياء باشا” رحمه الله:

الجاهل يعيش في ترفٍ ونزهةٍ ورخاءٍ

والعارف يسبح في دوّامة المحن والبلاء

ولكن حَذَارِ أن يغبطوا الآخرين على حياتهم الفارهة المطنطنة، ويجدر بهم، بل وينبغي لهم أن يعتبروا الأشياء الدنيوية قذارات علقت بأطراف أقدامهم، وعليهم أن يسيروا بحماسة إلى الدار الآخرة، فإذا ما سُئِلُوا وهم يتقدَّمون إلى الحضرةِ الإلهيّة: “ماذا تركتم في الدنيا؟” أجابوا: “لا نتذكَّرُ شيئًا”، لأن الاستغناءَ والتفانيَ والتواضعَ هو أساسُ عملِنا، وتصرف رجال الغاية المثالية -الذين نذروا أنفسهم لإعادة تشيِيدِ صَرحِ الأخلاقِ المتهدِّمِ- تصرفًا خلاف ذلك سيؤدّي إلى خسارتهم اعتبارهم ومكانتهم لدى الحقِّ تعالى، كما أنه سَيُزَعْزِعُ مشاعرَ وثقةَ الناسِ بهم، وإن من ضلّوا عن الحقِّ إلى الباطلِ، وعن الطريقِ المستقيمِ إلى الطريقِ المعوجِّ، وما أكثر أمثلتهم في التاريخ! ليتدحرجون ويفنَون كقارون -حفظنا الله-، حتى وإن أظهروا أنفسَهم بمظْهَرِ سيدنا هارون عليه السلام.

أجل، ينبغي لأرباب التضحية والتفاني ألّا يتخلّوا عن مبدئهم هذا حتى ولو تمَّ إغراؤهم بأعلى الرتبِ وأرفع النياشين، ولو كانت الرتبة من قبيلِ فاتح إسطنبول مثلًا، أو فيينا بل فاتح روما، ولا بد أن نُغادِرَ الدنيا كما جئناها صفرًا لا نملِكُ من حطامِها شيئًا، وكما رأينا في الأمثلةِ المذكورةِ أعلاه -ولْيرَ هذه الأمثلة ويعتبر بها من يراها، وليغضّ الطرفَ عنها من يغضه؛ فمن رأى وعرفَ وغرفَ وقدَّرَ فإنّ ذلك سيكون شفيعًا له في الآخرة، وأما من استخفَّ ولم يُقدِّر ولم يهتمّ فإنّ المطارقَ ستنهالُ على رأسِهِ يوم الحساب.

“إنهم لا يخافون لومة لائم!”

سقطت الوردة بين الأشواك فدمى قلب العندليب

ونظرَ إلى الشوكة تارةً وإلى الوردة تارة وبكى العندليب (نائلي قديم)

إن الأمر كما قيل في البيت أعلاه؛ فكثيرةٌ هي الورودُ التي سقطت بين الأشواك، وكثيرةٌ هي البلابل التي أنَّت وبكت حزنًا عليها، واليوم أيضًا حان لِأبطال الغاية المثالية الأنينُ والبكاء؛ فما أكثر الافتراءات المزعومة والانتقادات والاستهزاءات والسخريات والمؤامرات والحيل ضدهم… عليهم في مواجهة كل هذه الابتلاءات أن يتحركوا وهم يتمثلون موقفًا وقورًا ثابتًا وفقَ المنطق الذي عبَّرَ عنه الشاعر التركي “نفعي” قائلًا:

ما تنعّمنا بالدنيا وما ابتغينا شيئًا من أهلها

وما لجأنا إلا إلى الحضرة الإلهيّة

وما أعذب قول الشاعر الحكيم “سعدي” حينما قال:

إن أصاب حجرُ المقلاعِ -خطأً- سلطانيّةً ذهبيّةً

فلا ترتفعُ قيمةُ الحجر، ولا تنقص قيمة السلطانيّة

وعليه فليرموكم بالأحجار كما شاؤوا، ما دمتم كأسًا ذهبيًّا؛ فَبِإذن الله تعالى وعنايته لن يستطيع أحدٌ أن ينالَ منكم ولا أن يؤذيَكم.

ولا سيما أن الله تعالى قال في القرآن الكريم ﴿وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 54/5)؛ فأرشدنا إلى التصرُّف والسلوك الذي يجب اتباعه في مثل هذه الحالات، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنه ينبغي اعتبارُ كلِّ ما يقعُ للإنسان من حوادثَ تتخطَّى الأسبابَ الظاهريّة امتحانًا وابتلاءً يؤدّي إلى التقرُّب من الحبيب صلى الله عليه وسلم، ولا سيّما أن بطلَ هذا الأفق مهمومُ هذا العصرِ الأستاذُ النُّورسي قال: وليكن كلُّ ما قاسَيتُهُ في غضونِ ثمانٍ وعشرين سنة من الأذى والمصائب حلالًا زلالًا، أما الذين ظلموني وجرجروني من مدينة إلى أخرى، والذين أرادوا أن يَصِمُوني بمختلف التُّهَمِ والإهانات، وأفردوا لي أماكن في الزنزانات فقد غفرتُ لهم ذلك وتنازلْتُ عن حقوقي تجاههم[7]، وعلى من يُدركون أنهم سالكو نفس الطريق أن يقولوا مثلما قال الشاعر الحروفي نسيمي:

أنا عاشقٌ لك ملوَّعٌ أيها الحبيب المحبوب

حتى وإن شققتَ قلبي بالخنجر فلن أتزحزحَ عن حبّك أو أؤوب

ولو وضع النجَّارُ منشارَه على رأسي مهدِّدًا

بل وإن شقّوني نصفين كزكريا مجدّدًا

وإن أحرقوا جسمي وذرُّوا رمادي

يا إلهي يا ستّارُ لن أتنازلَ عنك يا مرادي

وعليهم أن يُكثِّفُوا كل همَّتهم ويُسَخِّروها في عملِ ما يجب عمله دون أن يُلقُوا بالًا إلى الكلمات المبذولةِ، أو أن يشغلوا أذهانهم بها، وعليهم كذلك أن يسيروا ثابتين مرفوعي الرأس في السبيلِ الحقِّ الذي يعرفونه.

ولا يساورنَّكم شكٌّ في أن القلوب التي نذرت نفسها لخدمة الإيمان سوف تواصِلُ خدماتها في ظلِّ عناية الله ورعايتِهِ، ولن يُوقِفَ أو يُعَرقِلَ مسيرتها أحدٌ على الإطلاقِ طالما أنها استمرَّت في عملها وسيرها وقد أسلمت أمرها لله ودستورها في عملها:

لنرَ المولى ماذا سيُقدِّر

ما يُقَدِّرُه هو الأجملُ

 

 

[1] صحيح البخاري، الجهاد، 89، سنن الترمذي، البيوع، 7، سنن ابن ماجه، الرهون، 1.

[2] ابن سعد: الطبقات الكبرى، 3/ 173.

[3] ذكره عطية سالم في شرح بلوغ المرام، 86/3.

[4] سعيد النورسي: المثنوي النوري، الحبة، 231.

[5] سنن الترمذي، مناقب عثمان، 2؛ الطبراني: المعجم الكبير، 625/5.

[6] سنن ابن ماجه، المقدمة، 15؛ مسند الإمام أحمد 168/2.

[7] سعيد النورسي: لاحقة أميرداغ 2، ص 337-338.

اكتشاف النفسِ والتعمُّقُ في العبوديّة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ذكرتم سابقًا أنَّ تعمق الإنسان في عبوديته لله تعالى وارتباطَه به سبحانه إنما يتحقَّقان بمعرفةِ المرءِ نفسه وسبرِه أغوارها، فهل توضحون ذلك؟

الجواب: يُقالُ في اللغة العربية: “اَلْعَادَاتُ لَا تُتْرَكُ”، ومنها استُنبطت القاعدة: “تَرْكُ اَلْعَادَاتِ مِنَ الْمُهْلِكَاتِ”، ومن هنا فإن كان من أمرٍ لا بدَّ أن يُحوَّلَ إلى عادةٍ فلا شيءَ أحقُّ من العبادةِ، فعلى المؤمنِ أن يتَّخِذَ من عبادتِهِ وطاعتِهِ الواجبةِ عليهِ لله تعالى وصلتِه به سبحانه عاداتٍ يستحيلُ أن ينفكَّ عنها أبدًا، ولو أنَّ الإنسانَ بعبادتِهِ وطاعتِه وصلتِهِ القويّة بالله جلَّ وعلا استطاعَ أن يَتَحَصَّلَ على هذه الخاصية، وأن يجعلَها عمقًا داخليًّا في وجدانِهِ فربما يصلُ إلى ما وصلَ إليه بعضُ أولياءِ الله الذين قالَ أحدهم يومًا: ” إن غاب قلبي عن مراقبةِ ربي طرفةَ عين فإنّني أموتُ مباشرة!” ولهذا فإنه مهمّ جدًّا بالنسبة للإنسان أن يتحرك وكأنه يرى الله تعالى أو أن يُوقنَ بأن الله تعالى يراه، وعليه أن يَجِدَّ دائمًا بحسِّهِ وشعورِهِ وإرادتِهِ في البحثِ عن رضا الله، وأن يبتعدَ تمامًا عمَّا يُغضِبُهُ ويُسخِطُهُ، وأن يخصَّه تعالى بما في داخلِهِ من مشاعرِ الحبِّ والاحترامِ.

والوصولُ إلى مثل هذا الحال من اليَنْعِ والنضوج هدفٌ بالنسبة لكلِّ مؤمنٍ، والأصحُّ أنَّه يجبُ أن يكونَ ذلك هو هدفه، غير أنَّه ينبغي للإنسان كي يصلَ إلى ذلك الهدف أن يراقِبَ نفسَه دائمًا، مُسائلًا في سرِّهِ بِكُلِّ صدقٍ: “تُرى هل أستطيع أن أتمثّل الحالَ اللازمَ من أجل الوصول إلى مثل هذا الأفق؟ هل أستطيعُ أن أُحلِّقَ دومًا نحو المعالي في سماوات الترقّي غيرَ مُكتَفٍ بالوضع الذي أنا فيه، وناشدًا المزيد والمزيد؟”.

“سبيلُ الحقيقة” والتواضع

إنَّ من الأهميّةِ بمكان بالنسبة لسالكِ سبيل الحقيقة أن يستهدف الذُرى والمعالي دائمًا، وألا يكتفي أبدًا بالمرتبة التي وصل إليها وهو يسيحُ في أفقِ الروح والقلب، وإننا لا نقصدُ بكلامنا هذا أن يُعَبِّرَ الإنسانُ عن نفسِهِ بإظهارِهِ مجموعة من الأشياء الخارقة للعادة، وإنما بمعرفتِه الله جلَّ جلالُه وتعمُّقِه في عبوديّتِهِ له سبحانه؛ بحيث يرى نفسه صفرًا في حضرته جلَّ وعلا، ومن ثم فلو افترضنا أنَّ إنسانًا ما استطاعَ بقوَّتِهِ الخاصّة أن يُغَيِّرَ اتجاهَ حركة العوالم كلِّها وليسَ الكرة الأرضيّة فحسب؛ فعليه أن يوقِنَ ويؤمنَ بأنَّه أمامَ عظمةِ الحقِّ تعالى وشؤونِهِ لا يُساوي أو يعدِل شيئًا ألبتّة، وأنَّ كلَّ شيءٍ منه جلَّ وعلا، ومن هذه الناحية فإنَّه يجب على سالكي سبيل الحقيقة ألا يطلبوا أبدًا أشياء خارقةً للعادةِ كالسَّيرِ على الماءِ دون الغرقِ فيه، والتحليق في الهواء بلا أجنحة، والطواف بالكعبة في لحظةٍ بطيِّ المكان وهم جلوس؛ فَطَلَبُ مثل هذه المنحِ التي وهبها الله تعالى بعضًا من أوليائه مخالفٌ لِروحِ سبيلِ الحقيقةِ؛ إذ الأساسُ في هذا السبيلِ هو التواضعُ ولينُ الجانِبِ واحتقارُ النفسِ وتعنيفُها، وبالمناسبة أقول: إنَّ أبطالَ الحقيقةِ الذين لا يطلبون هذا النوع من الرُّتَبِ والمقامات المعنويّة لا يطلبون أبدًا المقامات والرُّتَبِ الدنيويّة مثلَ منصبِ قائم مقام ووالٍ ونائبٍ ووزيرٍ وما شابهه.

وينبغي ألا يُفهم من هذا الكلام أنّنا نستخفُّ أو نُقلِّلُ من شأنِ هذه المناصب الإدارية، لكنَّ الميلَ إلى مثل هذه الأشياء أمامَ عظمةِ القِيَمِ الساميةِ النبيلةِ المنشودَةِ إنما هو سوءُ أَدَبٍ وإساءةٌ لِتِلْكَ الحقائق المرغوب فيها، فإن طُلِب في هذا السبيل “رضا الله” فلا بدَّ أن نعلمَ أنه ليس ثمةَ شيءٌ يفوقُ الرضى حتى يُعدَلَ عنه إليه، وإن استُهدِفَت “رؤيةُ جمالِهِ” فينبغي أن نوقِنَ أنه ليسَ ثَـمَّةَ ما هو أجمل منه كي يُمال إليه، وإن طُلِبَت الفردوس تَحتَّم أن نعلم أنه ليس ثمة مكان أهم منها فَيُسْتَنْكَفَ عنها إليه، وإن استَهدفَ الإنسان هذه الغايات السامية كلها كان نكوصُهُ عنها وتحوُّله إلى أشياء غيرها إساءة لتلك الغايات ليس إلا. أجل، إنْ طَلَبَ أحدٌ من رجال الحقيقة أن يكون خادمًا من خدام الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم ومولى من مواليه فإنّه لا يقبلُ التحريرَ من هذا القيدِ أبدًا، بل يَصْرَخُ بأعلى صوتِه حال كونه مولى للمصطفى صلى الله عليه وسلم تعبيرًا عن رضاه بالإسلام متمثِّلًا في ذلك ترجمةَ قولِ مولانا جلال الدين الرومي:

صرتُ عبدًا، صرت عبدًا*** يا لَلْهنا فلقد صرت عبدكَ

وفي خدمتي إياك هرِمتُ *** واحدودَبَ ظهري وبتُّ مَنهَكا

إنّ الـــعـــــبـــــيــــــدَ حـــــــيـــــــــــــن تُـــــــعـــــــتَـــــــــقُ تُـــــــسَــــــــرُّ وتَــــــــمْـــــــــــــــــرَحُ

أمّـــــــــا أنـــــــا فـــــبــــــعــــــــبـــــــوديّـــــــتــــــــي لــــــــك أبـــــــتَــــــهِـــــــجُ وأفــــــــرحُ

فإنّه لن يستبدل بهذا أيَّ شيءٍ آخر، بل ويجب عليه ألا يفعل ذلك.

الأبواب مُغلَّقةٌ في وجه “الأنانيّ”

إن عَجَزَ الإنسانُ عن الخروجِ من دائرةِ نسبةِ الأمرِ إلى نفسِهِ فإنه يُصاب بِدَاءِ الأنانيّة، وبِقَدْرِ تعلُّقِهِ بأنانيَّتِهِ يقترب من الشيطان ويبتعد عن الله جلَّ جلاله، وكلُّ “أناني” يُفَكِّرُ في نفسِهِ فحسبُ لا تنفتِحُ له أبدًا أبوابُ الطريق الموصِّلة إلى الله تعالى، وكلّما أرادَ أن يفتَحَها وجَدَها موصدةً ومغلقةً على الدوام؛ فينتظر دون جدوى أمامها، لأنّه يستحيلُ وجودُ أو اجتماعُ شيئين مرَّةً واحدة، والواقع أن ثمة أمارة على الكِبْرِ والغرور في قولِ “أنا”، فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي، فَدَقَقْتُ البَابَ، فَقَالَ: “مَنْ ذَا” فَقُلْتُ: أَنَا، فَقَالَ: “أَنَا أَنَا” كَأَنَّهُ كَرِهَهَا[1]، لأننا ربما يكون ثمة نوع من الكبر في قول “أنا” هذا، فيصبح وكأنه قال “ليست لي حاجة إلى التعريف بنفسي”.

أجل، إن ترديدَ كلمة “أنا” دائمًا يُشْبِهُ الطبلةَ التي تُقرَعُ فتُصْدِرُ صوتًا، فكما هو معلومٌ فإن الطبلةَ ما تُصدِرُ صوتًا إلّا لأنها خاويةٌ من الداخل، والشخصُ الذي يقولُ “أنا” دائمًا يحطُّ من نفسِهِ إلى دركةِ مخلوقٍ حقيرٍ أجوف كالطبلةِ؛ إذ ليس من شأن عَامِرِ القلبِ أن يُصْدِرَ مثل هذا الصوت، وقد شَبَّه مولانا جلال الدين الرومي أمثال أولئك الأشخاص الواهين بِعُلَبٍ تحوي بداخلها بضعَ خرزاتٍ وخُشخيشاتٍ من قبيل اللُّعب تُصدر أصواتًا كلما حُرِّكَت، أما الأشخاص عامرو القلوب فقد شبَّههم بصناديق المجوهرات التي لا تُحدِثُ صوتًا ولا تُفْشِي سِرًّا لامتلائِها بالجواهِر.

إن الصمتَ علامةٌ على الحياءِ والتواضُعِ ولِيْنِ الجانِبِ، ومن يُجَسِّدُون هذه المشاعر في كلِّ أطوارِهم هم أناسٌ تأتي الحركةُ والعملُ على رأسِ أولويّاتهم ويسعَون لإنتاج مشاريع وخطط دائمةٍ من أجل بَلَدِهم وأمَّتهم والإنسانية جمعاء، وأفعالُهم تسبقُ أقوالهم، واختراعاتُهم تسبق أصواتَهم وكلامهم، تمامًا كما تَصِلُ الصواعقُ إلى أهدافها قبل أن يُسمَع صوتُ الرعدِ في السماء، أما البَطَرُ والخُيَلاءُ فما يحتويان إلا على الضجيجِ والإزعاجِ، وبالتالي فإن من يبنون حيواتهم عليهما لا يُصْدِرُون إلا ضوضاء فارغة، في حين أن الأساسَ هو أن يسبق العملُ القول، وقد دعا سيدنا إبراهيم عليه السلام ربّه قائلًا: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 26/84) فطَلَبَ بذلك أن يُوفَّقَ للقيام بخدماتٍ أبديّة تمتدُّ إلى الأجيال القادمة، وهذا قولٌ يُؤْثِرُ الحركة والعمل ويجعلهما على سلّم أولويَّاته، ولذلك فينبغي للإنسان أن يَبْذُرَ الحبوبَ بالحقلِ بقدرِ معرفتِهِ واستطاعتِهِ، ويفوِّضَ الباقي إلى الله تعالى، غير أن الخدمةَ انطلاقًا من فكرةٍ عميقةٍ شاملةٍ كهذه لا تتحقَّق إلا بمعرفةِ الإنسان ربَّه سبحانه وتعالى وإدراكِهِ إيَّاه، وهذا مرهونٌ بما يُقابِلُهُ على الصعيدِ الآخَرِ من معرفةِ المرءِ نفسه وسبرِهِ أغوارَها.

من لا يعرف نفسه لا يعرف ربه

رُويَ في الأثر: “مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ[2]، ومن ثمَّ فإن من يدرس نفسَه ويحلّلُها -بما فيها البنيَةُ الفسيولوجيّة والوجدان بأركانه الأربعة: الإرادة واللطيفة الربانية (القلب) والذهن والحسّ- يعرف ربه بصورة أفضل وأحسن، وإن كان لهذه العبارةِ مفهومُ مخالفةٍ فهو على النحو التالي: “من لا يعرف نفسَهُ لا يعرفُ ربّه”، إذن يلزم الإنسانَ أن يعرف ماهيّة نفسه وكنهها كي يعرف ربَّه، وعلى حدِّ قولِ الأستاذ بديعِ الزمان فإنَّ الإنسان “مصنع متكامل”[3] كلُّ جزء فيه متناسِبٌ مع الآخَرِ تناسبًا حقيقيًّا، وهذا المخلوقُ يتناسبُ في الوقتِ نفسِهِ مع الكون أيضًا تناسُبًا حقيقيًّا وثيقًا، فمثلًا هناك علاقةٌ وصِلَةٌ بينَ فم الإنسان وبين ما سيأكله به من المأكولات، وكذلك ثمة علاقةٌ وصِلَةٌ بين عينيهِ وما سيَرَاه بهما من أشياء، إنها مناسَبَةٌ وصلةٌ يستطيع المرء في ظلِّها رؤية وتمييزَ الموجودات التي تتجلّى في أبعاد مختلفة.

وهذا التناسب الموجود بين أعضاء الإنسان قائم أيضًا بينه وبين غيره من الموجودات في الكون الذي يعيش فيه؛ فبحسبِ قول علماءِ الفيزياء والفلكِ ثَـمّةَ علاقةٌ وصِلَةٌ حتى بين أبعدِ الأنظمةِ والأجرام السماوية وبين الإنسان الذي يبدو مخلوقًا صغيرًا جدًّا على سطح الأرض، إلا أنه يجب البدء أوَّلًا من أقرب نقطة حتى يتسنّى إدراكُ هذه العلاقة وفهمُها، فمثلًا حين يُحَلِّلُ الإنسانُ نفسَه من زاوية العلاقة بين فمِهِ والموادِ التي سيأكلها وعينيهِ والأجسام التي تريانها لا بدَّ وأن يَصِلَ إلى الأدلَّةِ التي تؤكِّدُ وجودَ الخالِقِ الأعظَمِ ووحدانيَّته، ولأجْلِ ذَلِكَ فثمَّةَ كلامٌ مبارَكٌ طيِّبٌ وردَ في كُتُبِ التصوُّفِ يُقالُ إنه حديثٌ؛ جاءَ فيه الحقُّ تعالى يقول: “يا ابنَ آدم! يعرفُنِي من يعرفُ نفسَه، ومن يعرفُني يبحثُ عنّي، ومن يبحثُ عني يَجِدني بلا شكٍّ، ومن يجدُني ينالُ كلَّ رغباتِهِ وآماله بل وما هو أكثر، ينالها ولا يُفَضِّلُ عليَّ أحدًا، يا ابن آدم! تواضع فتعرفني.. جُع فتراني.. أِخْلِص في عبادتك فتصل إلىَّ.. يا ابن آدم! أنا الله؛ يعرفني من يعرف نفسه، ويجدني من يهجر نفسه… اهجر نفسك فتعرفني؛ فكلُّ قلبٍ لم يَعْمُر بمعرفتي أعمى صَدِئٌ!”.

من بنية الجسد إلى أعماق الروح

كتب “أليكس كاريل” في عام (1935م) كتابًا بعنوان “الإنسان ذلك المجهول”، وفيه لفتَ الانتباهَ إلى ما في جسم الإنسان من كمالٍ، وأنه حتمًا لا بدَّ وأن يكون له خالقٌ، وبهذا أنتجَ عملًا مهمًّا، وبغضِّ النَّظَرِ عما تعرَّضَ له مؤلِّفُ هذا الكتاب من حملاتٍ تشويهيّةٍ في تركيا من قِبَلِ البعضِ؛ فإنَّ قرَّاءَنا طالعوا كتابه هذا واستفادوا منه، وبينما كان الناس ولا سيما الأطبّاءُ يُطالِعون تلك التحليلات التي أجراها هذا الكتاب؛ كانَ ينتهي بهم الحالُ مع كلِّ فصلٍ إلى قولِ: “لا إله إلا الله”؛ لأنه يستحيل بيانُ ذلك التناسبِ الخارقِ للعادةِ الكامنِ في جسمِ الإنسان مَا لَمْ تتدارَكْنا قدرةُ الله تعالى وعِنايَتُه.

وبعد أن يتعرَّف الإنسانُ بهذا الشكلِ على علاقةِ تلك الأمور وصِلَتِها بالأشياء وفي مقدِّمَتِها علمُ التشريحِ الإنساني وبنيتُهُ الفسيولوجيّة، أي بعد أن يتعرَّف على عالمه الخارجيّ ينبغي له أن يتَّجِهَ إلى معرفةِ نفسِهِ وآليَّاتِهِ الوجدانيّة وما يكتَنِفُ كنهَهُ من أحاسيسَ، وهو ما يمكننا أن نُطْلِقَ عليه كله اسمَ “العالَـمِ الداخليّ”، وإن وقوعَ حوادثَ من قَبيلِ شعورِ الإنسانِ بشيءٍ ما قبلَ وقوعِهِ مما يُـمْكِنُ وصفُهُ بأنه “الحدس أو التنبُّؤ الداخلي”؛ كأن يلتقيَ الإنسانُ عصرًا شخصًا خطرَ ببالِهِ صباحًا، أو أن يَرى في رؤياه مشاهدَ من “عالم المثال” و”عالم البرزخ”، وأن تظهرَ بعضُ الأشياء التي رآها في منامه بعينِها أو بالشكل الذي أوَّلها به الواقفون على “تأويل الأحاديث”… كلُّ هذا ما هو إلَّا أحداثٌ يعيشها الإنسان في عالمه الداخلي، ولا يمكنُ إيضاحُ هذا في إطارِ دائرةِ الأسبابِ الحسِّيّة.

وانطلاقًا من هذا كلِّه فإن الإنسانَ حين يُواصِل رحلتَه في عالمهِ الداخليّ يعرف نفسه إجمالًا ويصل إلى وجود الخالق الأعظم، ومن ثمّ يعرفُ ربَّهُ حقَّ المعرفة.

الحرية الحقيقية

ثمة عبارةٌ يقال إنها حديث ورد فيها عن رب العزة أنًّ: “من يعرفني يبحث عني”، وقد يرتبط هذا الأمر بالمبحث السابق أيضًا، فكلَّما عرفَ الإنسانُ الخالقَ العظيمَ أكثر كلّما أعملَ فِكْرَهُ على منوالِ: “ترى ماذا يريد الله مني؟ كيفَ أَصِلُ إلى جوارِهِ تعالى، وكيفَ أملأُ قلبي بالشوقِ إليه؟ فواجبي أن أملأَ قلبي بالشوق إليه، وهذا حقُّهُ، ويجبُ أن يتجلَّى هو فحسب في صدري، ويجب أن أخرجَ وأطرحَ كلَّ شيءٍ سواه!”، وعَمَّق بحثَهُ وتنقيبَهُ في ذاتِهِ، وقد عبَّرَ “فضولي” عن هذه الحقيقة شعرًا فقال:

ليس بعارفٍ من يعرف أمور الدنيا وما فيها

وإنما العارفُ مَن استبدَل الأمورَ الدنيويّة بِفهم كنهِها وأسرارِ ماهيَّتِها

أجل، كما أُشير إليه في هذين البيتين فإنَّه يجب على الإنسان أن يقتلِع من قلبه الدنيا وما فيها ويطرحها تمامًا، وأن يَعْمُرَ قلبه بالله سبحانه ويُجيِّشَه به دائمًا، وأن يشغل فكره وعقله به أبدًا، فإذا ما فعل الإنسان هذا فقد وجدَ الحقَّ تعالى، ولن يَتِرَ الله تعالى عَبْدَهُ في مقابلِ ذلك، وإنما سيَمُنُّ عليه -كما ورد في بقيّة النص الذي يُرْوَى في الأثرِ على أنّه حديثٌ قدسيّ- بكلِّ رغباتِهِ بل وبما هو أكثر منها، وما أجملَ تعبير الأستاذ “محمد لطفي أفندي” عن هذه الحقيقةِ حين قال:

أَيُعْقَلُ إنْ أحببْتَ مولاكَ

ألا يحبّك ولا يرعاكَ؟!

أيُعقل أن تطلبَ رضا الحقِّ

فلا يمن عليك برضاه الـمُطْلَقِ؟

“لمْ أدخلْ في الإسلام من أجلِ الغنائِمِ يا رسول الله!”

إن المؤمنَ الذي يَصِلُ إلى هذه المرتبةِ ينجو من ربقةِ العديدِ من الرغباتِ والأهواءِ، ويَصِلُ إلى الحرِّيَّةِ الحقيقيّة، لأنّ “الحرية الحقيقيّة تنبعُ من العبوديّة لله تعالى” فَعِبَادُ الله حقًّا يتخلَّصون وينجون من العبوديّة لغيرِهِ، أما مَنْ لم يعبدوهُ حقَّ عبادَتِهِ فإنَّهم سيعبُدون مئات الأنواعِ من الأشياءِ حتى وإن سجَدَتْ جباهُهُم له تعالى؛ فقد يقعُون في عبادةِ المنصِبِ والمقامِ والخوفِ والأهل والعيال والراحة والمتعة واللهو والبوهمية والإطراء والتقدير والمنازل الساحلية لأجلِ الأهلِ والأسرةِ، والعقارات والقصور… إلخ؛ كلُّ هذا بينما لم يكن المشركون في الجاهلية يتّخِذون لأنفُسِهم أوثانًا بهذا القدر الكثير والكبير!

أجل، إن السبيلَ إلى الخلاصِ من عبوديّة الأشياءِ ينبعُ من العبوديّة الحقّة لله تعالى، وما أجملَ حياة ساداتنا الصحابة وما أبرزها من نماذج يجملُ الاقتداء بها في هذا الشأن، ومن ذلك على سبيل المثال سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه الداهية العسكري والسياسي؛ فعلى الرغمِ من تأخُّرِ إسلامِهِ إلا أنه لما أسلمَ فهِمَ روح الدين فهمًا يستحيل ألَّا يخلبَ الأذهان ويبهرَ الألباب.

فلقد سافر سيدنا عمرو بن العاص إلى المدينة بعد صلح الحديبية قاصِدًا الإسلامَ، فلما وصلها ودخل إلى حضرة النبي صلى الله عليه وسلم كان وكأنّه يرتَعِشُ خجلًا منه، لأنه كان قد أساءَ إلى مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم من قبلُ، غير أنَّ رسول الرحمة صلى الله عليه وسلم لم يحمِلْ في نفسه أيًّا من تلك الإساءات، وإنما نسيَها تمامًا، ولنترك الحديث لِعمرِو بن العاص، إذ يقول محدِّثًا عن نفسِهِ: فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، قَالَ: “مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟” قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ: “تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟” قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: “أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟”[4]، وبعد أن أسلم عمرو بن العاص بمدة قصيرة دعاه مفخرةُ الكونِ صلواتُ الله عليه، قال عمروٌ: بَعَثَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: “خُذْ عَلَيْكَ ثِيَابَكَ وَسِلَاحَكَ، ثُمَّ ائْتِنِي” فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَصَعَّدَ فِيَّ النَّظَرَ ثُمَّ طَأْطَأَهُ، فَقَالَ: “إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَكَ عَلَى جَيْشٍ فَيُسَلِّمَكَ اللهُ وَيُغْنِمَكَ، وَأرغبُ لَكَ مِنَ الْمَالِ رَغْبَةً صَالِحَةً“، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَسْلَمْتُ مِنْ أَجْلِ الْمَالِ، وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ رغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ، وَأَنْ أَكُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ: “يَا عَمْرُو، نِعْمًا بِالْمَالِ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ[5].

وعلى نفسِ الشاكلةِ فإنَّ سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام حين أراد أن يعطي صحابيًّا -لم تُسَمِّه المصادر- نصيبَه من الغنيمة قال له ذلك الصحابي: “يا رسول الله! لا أستطيعُ قبول هذا، إنني أسلمت على أن يصيبني سهمٌ من هنا -وأشار إلى فِيهِ- فأَسْتَشْهِد”، ورَدَّ نصيبَه من الغنيمةِ، وفي النهايةِ أُصيبَ ذلك الصحابيُّ بِسَهْمٍ في فمِهِ كما تنمَّى واستشهدَ بِضرْبَةِ سهمٍ، فارتقى إلى الآفاق العُلى[6].

وهناك أيضًا أبو سفيان الذي حاربَ رسولنا صلى الله عليه وسلم وعارضه حتى فتح مكة؛ أُصِيبَتْ عينُهُ، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم وعينُهُ في يدِهِ، فقال: يا رسول الله، هذه عيني أُصيبَتْ في سبيل الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن شئتَ دعوتُ فَرُدَّتْ عينُك، وإن شئتَ فالجنَّةَ -وفي روايةٍ- فعينٌ في الجنة“، قال: فالجنّةَ، ورمى بها من يده، وقُلِعَتْ عينُهُ الثانية في القتال يوم اليرموك عند منازَلَةِ الروم[7].

إنَّ هذه النماذج تضعُ أمام الأنظار مدى تأثير المعلّم فيمن يعلِّمُهُ والمُرَبِّي فيمن يُربِّيه، وهو ما عَبِّر عنه “نيازي المصري” بقوله:

لا تركننّ إلى أيِّ مرشدٍ فينقلِب الفسيحُ أمامك إلى مضيق

أما مَن استرشدَ بالمعصومِ سَهُلَ عليه اجتيازُ وسلوك الطريق

وإلى جانبِ ذلكَ فإنها تشكل في الوقت نفسهِ ارتقاءً عموديًا دفعةً ومرةً واحدةً.

ومن هنا فعلى مؤمني اليوم أن يقتدوا بالصحابة الكرام، وألا يطلبوا أيَّ شيءٍ دنيويٍّ أبدًا، ولا سيّما إن كان أحدُهم يعمل في أيٍّ من مناصبِ الدولة فعليه ألا يستغلَّ منصبه وصلاحياته كي يحقق نفعًا لنفسه وأولاده وأقربائه؛ وألا يستحوذ على شيء سواء كان سيارة أو طائرة أو يختًا أو سفينةً، فيستبدلَ الذي هو أدنى بالذي هو خير، بل ينبغي للإنسان السعيُ والعملُ في اتجاه نَيلِ رضا الحقِّ تعالى، وألا يستبدلَ الرضا الإلهيَّ وجمالَ الله والشوقَ للقائِهِ، والمعيّة النبويّة السنيّة بأيٍّ شيءٍ على الإطلاق، فيكونُ لسانُ حالِهِ كما وردَ في البيتِ الشهيرِ:

الله ربــــــــــي لا أريــــــــــدُ ســــــــــــــــــواهُ *** مــــــا في الـــــوجــــــودِ حـــــقــــيــــقــــــة إلّاهُ

ويلزمُه حتى وإن عُرضت عليه الجنان في مقابل تخلّيه عن كلِّ هذا أن يُجسِّدَ دورَ البطولةِ في الترفُّعِ عن تلك الجنان فيقول: “عجبًا! أيُّ نوعٍ من الاعوجاجِ رأَوْهُ فيَّ فَجَعَلَهُم يَعْرِضُون عليَّ شيئًا في مقابِلِ التخلِّي عن رضا الله والشوقِ الإلهيِّ ورؤيةِ الله تعالى؟!”، عليه أن يشحذَ قلبَهُ بمثلِ هذه المشاعِرِ، ويملأَهُ بها ويُجيّشُهُ، فلا يستوعب شيئًا غير ذلك؛ لأنَّ أشياءَ كالتحليقِ في السماءِ والسَّيرِ على الماءِ دونَ ابتلالٍ، ومعرفةِ بواطنِ البشر، وإخبارِهم بما يخطرُ على أذهانهم بمجرَّدِ النظَرِ في وجوهِهِم هي أشياء بسيطة لدرجةِ أنها لا قيمةَ لها كالغثاء بالنسبة للسيل.

والحاصلُ أنَّ مَن نَذَرُوا أنْفُسَهم لإعلاءِ حقائِقِ الإيمانِ والقرآنِ وإقامةِ صرحِ الروحِ مطالَبون؛ بل ومضطرُّون إلى التنبُّهِ جيِّدًا لما سبقَ بيانُهُ وإيضاحُهُ من أمور، وعليهم أن يُعْرِضوا عن الدنيا وما فيها، وأن يسعوا إلى الاستقامةِ بِرونَقِها الصحيحِ وأُسُسِها الصافيةِ النقيّة، وعلى النحوِ الذي يطابِقُ تمامًا معنى الاستقامةِ عندَ الذاتِ الإلهيَّة، وعلى النحو الذي يوافِقُ حُكْمَ الآيةِ الكريمة ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (سُورَةُ هُودٍ: 112/11)، لا وفقَ ما اعتبروه صحيحًا من وجهةِ نَظَرِهم.

 

 

[1] صحيح البخاري، الاستئذان، 17؛ صحيح مسلم، الأدب، 38-39.

[2] الأصبهاني: حلية الأولياء، 208/13، الغزالي: إحياء علوم الدين، 72/4؛ المناوي: فيض القدير، 225/1.

[3] انظر: الكلمات، الكلمة الثالثة عشرة، المقام الثاني، ص 173.

[4] صحيح مسلم، الإيمان، 192؛ مسند الإمام أحمد، 204/4.

[5] مسند الإمام أحمد، 298/29 .

[6] انظر: سنن النسائي: الجنائز 61؛ عبد الرزاق، المصنف، 276/5؛ الحاكم: المستدرك، 688/3.

[7] ابن عساكر، تاريخ دمشق، 435/23؛ ابن حجر، الإصابة، 334/3؛ ابن برهان الدين، السيرة الحلبيّة، 164/3.

كلُّ شيءٍ منه جلَّ وعلا

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: تقولون: إنَّه كان من الحتمي اجتماع آلاف الوسائل كي يتحقَّقَ ما أُنجِزَ من خدمات حتى الآن، وإنَّه لا قِبلَ لأحدٍ على الإطلاق أن يفعلَ هذا سوى الله تعالى خالق الأسباب ومالكها جميعها؛ وإنَّ نسبةَ النجاح إلى النفس والذات سلوكٌ غير عقلاني، فهل توضحون معنى ذلك؟

الجواب: بدايةً لا بدَّ من بيان أن مسألةَ تحقُّق النجاحات الملموسة بلطفِ الله مسببِ الأسباب وإحسانِه سبحانه وتعالى ليست محصورةً بنا ولا حكرًا علينا وحدنا دون غيرِنا؛ وإنّما هي سنّة الله المتعاقبة على مدار التاريخِ، ومن ذلك مثلًا أنَّ سيدنا نوحًا عليه السلام بعد أن نجا من الطوفان بإذن الله تعالى وعنايته -كما هو وارد في كتب التفاسير- وَاصلَ تبليغ الناس بالحقِّ والحقيقة في الفترة التالية لنجاتِهِ أيضًا؛ فأعتَقَ أمته من رِقِّ الحيوانية وخَلَّصَها من محبسِ البدنِ الضيق، ووجَّهَها إلى مرتبة حياة القلب والروح، وقد اتَّجَهَت هي كذلك إلى الله تعالى وحاولَتْ الوفاء بشروط العبوديةِ وواجباتِها، ومن ثمَّ فإنَّ مظاهرَ العناية الإلهيّةِ تبدو بمجرَّد النظر إلى حياة سيدنا نوح عليه السلام المليئة بالكفاح والنضال واضحةً وضوحَ الشمس، لأنه إن أُرجِعَ الأمر إلى الأسباب فحسب يستحيلُ تفسيرُ وفهمُ كيفيّةِ نجاتِه من الطوفان وكيفيّة تأثيره في الناس بعد ذلك، ألا يُبيِّنُ الله تعالى بقوله ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ (سُورَةُ هُودٍ: 41/11) أنَّ سفينةَ نوح عليه السلام تتحرَّك وتَقِفُ بعناية الله ورعايتِهِ؟! إذًا إنّها العناية الإلهيّة وليست الأسباب.

وعلى نفسِ الشاكلةِ أيضًا؛ فإنّه لمن العسيرِ بمكانٍ على الأسبابِ أن تُقنِعَنا بنجاة سيدنا موسى عليه السلام من ظلمِ فرعون، وأن تشرحَ لنا تِيهَ بني إسرائيل في صحراء “التيه” أربعين سنة بعد خروجهم من مصر، وأن توضِّحَ لنا كيفيّةَ دخولهم تحتَ لواءِ سيدنا يوشع بن نون عليه السلام إلى أرض فلسطين بعد فترةٍ زمنيّةٍ معيّنةٍ؛ لأنه إذا ما نُظر إلى الأمر من زاوية الأسباب فإنَّ مثل هذه الحادثة تتحقق بنسبة واحد في المليونين.

الرعاية الإلهية والمؤامرات الفاشلة

إذا نَظَرْنا إلى الحياة المباركة لمفخرة الإنسانيّة صلى الله عليه وسلّم فإننا نُشاهِدُ العنايةَ والرعايةَ الإلهيّة فيها بوضوحٍ وجلاءٍ تامَّين؛ لأن المشركين كانوا يَسعَون دائمًا إلى تحطيم آمالِهِ هو والمسلمين؛ إذ كانوا يترصَّدونهم عند كلِّ ناصيةٍ كالوحوشِ الكاسرة فَيُهاجمونهم على حينِ غِرَّة، ويُذيقونهم شتى أنواع الأذى، بما في ذلك القتلُ وإراقة الدماء، إلا أنَّ هذه الشخصية الخالدة عليها الصلاة والسلام لم تيأسْ قطُّ ولم تقنطْ؛ فكان صلى الله عليه وسلم ذا حالةٍ روحيّة فريدة؛ كأني بالشاعر التركي “سليمان نظيف” حاول التعبير عنها قائلًا:

ما دامت روحي مفعمة بهذا الإيمان فإنها

تصبر ثلاثمائة، أربعمائة، بل وخمسمائة عام

وكما ورد في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (سُورَةُ الأَنْفَالِ: 30/8)؛ فقد كان مشركو مكّة يُدبِّرون مكائد شتى للتخلص من سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم، ولما حُوصر بيته عليه الصلاة والسلام ولم تبقَ ثمَّةَ إمكانيّة للنجاة حسبَ قانون السبب والنتيجة، ولـمّا سالت الدماء الزكيّةُ من رأسِه المباركة نتيجة لِشَجِّ خدِّه المبارك وانكسار سِنِّه الشريفة في غزوة أُحُد، كان يعيش نفس القَدَرِ المشترك مع غيره من الأنبياء، وباعتبار الأسباب فإنَّ العثور على مخرج في أيٍّ من هذه الحوادث لم يكن ممكنًا، لكنَّ الله جلَّ جلاله كان ينقذُ رسولَه الحبيب في كلِّ مرة بشكل معجزٍ، فلقد حمى الله نبيَّه وعصمَه من الناسِ واستلَّه من بين جحافلِ الكفرِ والفجورِ المحاصِرَةِ للبيتِ النبويِّ كما تُستَلُّ الشعرةُ من العجين، ثمَّ يسَّرَ له اجتيازَ طريقٍ يزيدُ طولُهُ عن أربعمائة كيلومتر، ومكّنَهُ من قطعِهِ دون أن يُمسِكَ به أحد، حتى إن سراقة بن مالك المدلجيّ الكناني الذي اقتصَّ أثَرَهُ من خلفِهِ لِيُمسِك به خَابَ وزَلَّ فعاد أدراجَه، ووَجَّهَ قُفاةَ أثرِ المصطفى صلّى الله عليه وسلّم وقيَّافَةَ سَيرِهِ إلى جهةٍ أخرى تضليلًا لهم عن خطِّ سَيْرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم[1].

والواقعُ أننا حين ننظر إلى الأمر بنظرةٍ متأنِّيةٍ يتبيَّن لنا أنه تتسنى مشاهدةُ مظاهر العناية الإلهيّة في حياة جميع المجاهدين في سبيل الله تعالى، ومن أمثالِ تلكَ القامات والشخصيّات العظيمة “طارق بن زياد” و”عقبة بن نافع” رحمهما الله، فكما هو معلومٌ فَتَحَ عقبة بن نافع إفريقيا من أوَّلِها إلى آخرِها، وقد سارَ حتى بلغ شواطِئَ المحِيطِ، فقال: “يَا رَبِّ لَوْلَا هَذَا الْبَحْرُ لَمَضَيْتُ فِي الْبِلَادِ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِكَ”[2]، وحين ننظرُ إلى الحياة النموذجيّة لهؤلاء الأفاضِلِ يتبيّن لنا أن هذه النِّعَم التي وُهِبت لهم إنّما تحقَّقَتْ باجتماع العديد من الاحتمالات فقط، ويمكن أن يُضمَّ إلى هذه الأمثلة أيضًا ازدهارُ الدولة العثمانيّة، وفتح إسطنبول، وخدمات مَنْ نذروا أنفسهم للدين، والتي بَدَأَتْ بالأستاذِ بديعِ الزمان ولا تزالُ مستمرَّة في يومنا هذا أيضًا، فمثلًا لم يكن ثمَّةَ احتمالٌ في بداية الأمر بأن يُحدِث الأستاذ انفتاحًا بهذا المستوى الذي تحقَّق حاليًّا؛ فقد وُضِعَ تحت المراقبة الدائمة، فكان وكأنه يخضع لمتابعة حثيثةٍ، ونُفِيَ من هنا وهناك، إلا أنَّ أنوار القرآن والإيمان التي عرضها بإذن الله تعالى وعنايته انتشرت في كلِّ الأنحاء والأرجاء بالرغم من كل هذه السلبيات، فالأستاذ بديع الزمان رجلٌ من رجالات الأمل، إذ كان يصدَحُ به حتى في أحلك الظروف ويقول: “كونوا على أمل؛ إن أعظم صوت مدوّ في انقلابات المستقبل هو صوت الإسلام الهادر”[3]، ويبعث الأملَ فيمن حوله بقوله أيضًا: “وأنا على يقينٍ بأنَّ مستقبل آسيا بأرضِها وسمائِها يستسلِمُ لِيَدِ الإسلامِ البيضاء”[4]، وحين نُفكِّرُ في ظروفِ ذلك العصر نرى أن كل هذه أمورٌ لا تتحقَّقُ في ظلِّ الظروف الطبيعيّة، غير أنَّ هذه الخدمات قد تكون مظاهر لِبشاراتٍ سِيقَتْ في تلك الأيام.

واحد في المليون

إن أبطال التربية والتعليم المتطوِّعين في عصرنا هذا أيضًا تلقّوا رسالة مولانا جلال الدين الرومي: “لا تفقد شمعةٌ أشعلت غيرَها شيئًا من نورها”، وهم ينفتحون على كلِّ أرجاء الدنيا بمصدر الضياء الذي في أيديهم، ويحظون بفضل الله تعالى وعنايته بحُسنِ القبول أينما حلّوا، والواقعُ أن الخدمات الحاليّة يمكنُ أن تتحقَّقَ باجتماعِ مجموعةٍ من الشروطِ والظروفِ، مثلُها في ذلك مثلُ تلك الخدمات التي تحقَّقت في الفترات السابقة، فإذا تحدثنا مثلًا عن أوَّلِ انفتاح تحقَّقَ في التسعينات من القرن المنصرِمِ في آسيا الوسطى نجدُ أنه في تلك الفترة التي تفكَّك فيها اتحادُ الدول بعدَ أن كان يُشكِّلُ إحدى القوى العظمى في العالم آنذاك؛ كان لا بدَّ من وجود مدرِّسين ومُرَبِّين شباب يافعين يستطيعون الذهاب إلى تلك الأماكن تطوّعيًّا، وعلى الرغمِ من كلِّ الظروف الصعبة التي كانت تنتظرهم هناك كانت الرغبة والأمل تَحْدُوَانِهم في الذهاب إلى تلك الدول التي لا يعرفون مكانَها حتى على الخارطة، وكان لهؤلاء الشباب من الرجالِ والنساءِ المتخرِّجِ معظمهم حديثًا أن يرغبوا في البقاء ببلدهم والخدمة فيها؛ فدَاءُ الصِّلَة (الحنين إلى الوطن) صعبٌ جدًّا؛ غير أنهم رغمَ حداثَةِ سنّهم تجاوزوا هذه المشاعر وتغلّبوا عليها، وذهبوا إلى بلادٍ لا يعرفون عاداتها وتقاليدها، ولا حتى لغاتها دون أيِّ تردُّدٍ أو قلقٍ، ويجب ألا ننسى أنَّه كان لآباء وأمهات هؤلاء الذين نذروا أنفسهم وهم حديثو العهد بالتخرج من مدارسهم بعضُ الرغبات والأمنيات التي يطمحون في أن تتحقق، ولكن كيف أقنع متطوّعو التربية والتعليم الذين نذروا حيواتهم للإحياء آباءَهم وأمهاتِهم!؟ -ما أجمل ما أقنعوهم به!!- وكيف رضي هؤلاء الآباء والأمهات بذلك، واستطاعوا مفارقة أبنائهم!؟ إن هذه لمسألة أخرى يطولُ الحديثُ حولَها، وفي نفس الوقت فإنَّ ثمة قسم من هؤلاء الفدائيين الذين ذهبوا إلى دول شتى اضطروا إلى مفارقة مخطوباتهم مدة من الزمان والذهاب إلى تلك البلاد، فلا المفارِقُ ولا المـــــُفَارَقَ رأى أن هذا الشوق والهجران يمنع من الخدمات المنشود أداؤها، وإنما أبانوا عن فدائيّة تبهرُ العيون وتبكيها قائلين: “هذا هو ما يلزم عمله والقيام به الآن من أجل أُمَّتنا والإنسانيّة جمعاء”، وعندما نُفكِّرُ في كلِّ هذه الأمور مجتمعةً يبدو اجتماعها وتحققها جميعًا في نفس الوقت وكأنه أمرٌ مستحيل الوقوع في إطار دائرة الأسباب.

فضلًا عن ذلك فإنَّ الأسباب اللازمة لهذه الفعاليات الجميلة التي تتحقَّقُ لِصالِحِ الإنسانيّة لا تقتصرُ على هذا الأمر فحسب؛ فَثَمَّةَ حاجةٌ إلى مُمَوِّلين فدائيِّين يؤمنون بصحّة الخدمات التعليميّة وضرورتها، ومن الصعبِ إلى حدٍّ كبيرٍ العثورُ على هؤلاء المموِّلين وإقناعُهم بالأمرِ وطلب تكفُّلهم بالاحتياجات المادّيّة لهذه الخدمات تطوُّعيًّا، وهنا أريدُ أن أزيدَ الأمرَ توضيحًا عبر الحديث عن حادثةٍ واقعيّةٍ حدَثَت معي شخصيًّا؛ فقد كنتُ أزور سويًّا مع رجلين ثَرِيَّين المصانعَ في مدينة “إزمير” بحثًا عن دعمٍ للمعهد الإسلامي العالي الذي سيُنْشَأُ هناك، ونَطْلُبُ المساعدةَ من أصحاب تلك المصانع، فكانا يصطحبانِني معهما كالواعظ كي يُبَيِّنُوا للناسِ مدى أهمّيّة المسألة ويقنعوهم بها بشكلٍ أيسر، وبعد أن تحدَّثْنا عن أهمية المسألة في أحد مصانع الطوب التي زرناها من أجل هذا المقصد والهدف أخرجَ صاحب المصنع من جيبه خمسين ليرة على ما أذكرُ وأعطانا إيّاها، ولكم أن تُقدِّروا كم كان إنشاء المعهد الإسلامي العالي بهذه المبالغ البسيطة أمرًا صعبًا لدرجة المستحيل، وأمام هذا الموقف قرَّرْنا نحن والإخوة المعنيِّين بالأَمْرِ في ختام جلسةٍ استشاريّة عقدناها فيما بيننا دعوةَ من يمكن دعوتهم مِنْ ذوي الإمكانيات والمقدرة المادّيّة إلى اجتماع وأن نستَنْهِضَ همَّتَهم قدرَ ما نستطيع، وعلى ما أتذكَّر لم يأتِ إلى الاجتماع من الأشخاص الذين دعوناهم إليه سوى عدد قليلٍ جدًّا ربما يشغل طاولةً واحدةً فحسب، ولقد قمتُ فيهم خطيبًا فتعهَّدَ الحاضرون ممن لبّوا الدعوة بأن يساهموا ماديًّا بمبالغ مختلفة مثل: مائة ألف ليرة، ومائة وخمسين ألف ليرة، وأربعين ألف ليرة، وثلاثين ألف ليرة، إلَّا أن أحد المدعوين قال وكأنه يفسد الأمر: “كل إنسان يعطي بقدر إيمانه بالمسألة، وإنني سأعطي ألفين وخمسمائة ليرة فحسب”، غير أنه شاء الله أن يأتي يوم شجَّعَ الناسُ بعضهم بعضًا على القيام بمثل هذه النوعية من الأعمال الخيريّة في شتى أنحاء الوطن، لدرجة أنهم كانوا إذا لم يُخبَروا بأيّ اجتماع تُرجى فيه مساعداتهم وهمَّتُهم يلومون قائلين: “لماذا لم أُدْعَ أنا إلى هذا الاجتماع؟!”، حتى إنني عندما انزويت بإحدى الغُرَفِ عقب كلمةٍ أَلْقَيتُها في أحدِ المجالِسِ التي عُقِدَت من أجل هذا المقصد عينه دخلَ عليَّ الغرفةَ ضابطُ صَفٍّ متقاعدٌ يحملُ مفاتيح في يده، وقال بتأثرٍ وحرقة: “لقد ساهم الجميع قبل قليل، أما أنا فليس لديَّ ما أقدمه، ولذلك فإنني أحضرت إليكم مفاتيح بيتي”، وبالطبع لم يكن ممكنًا أن أقبلَ عرضًا كهذا، فشكرتُه وردَدْتُ عرضه هذا بأسلوبٍ مناسِب.

وعندما وصلنا إلى أيام أول انفتاح لنا على الخارج في التسعينات من القرن المنصرم كانت هذه الروح قد تكونت في بني جلدتنا، ولذلك لم تكن القضية قضية المعلم والمربي فحسب، وما كان لهذه الفعاليات التربوية التعليميّة أن تتحقَّقَ على المستوى العالمي إلا باجتماع وتوفر العديد من العوامِلِ مثل رضا الوالدين، وملائمة الظروف والأوضاع في الأماكن والبلاد المقصودة، والدعم المادّي من أهل الأناضول الأسخياء لمن سيذهبون إلى هناك، واجتماعُ كلّ هذه العناصر في آنٍ واحدٍ لا يُساوي في ميزان الحسابات إلا واحدًا في المليون، إذن يستحيل أن يعزوَ إنسانٌ إلى نفسه وذكائه وفطنتِهِ وكياستِه وعقلِه الألمعيّ ومنطقه ومحاكمتِه العقليّة مسألةً كهذه تتحقَّق باحتمالٍ يُمَثِّلُ واحدًا في المليون، فإنْ همَّ أن يفعلَ ذلك فقد ارتكبَ ظلمًا كبيرًا وأساءَ الأدب كثيرًا.

صاحبُ الفضلِ هو الله ولا أحدَ سواه

الواقع أنَّ العقيدة والأخلاق الإسلاميّتين قد ركّزتا بحساسيّة شديدة على الإيمان بأنَّ كلَّ شيءٍ في كلِّ الأعمال الجميلة والنجاحات إنما هو من عند الله، وكمثالٍ على ذلك فلقد أقال الفاروقُ عمر رضي الله عنه قائدَ الجيوشِ خالدَ بن الوليدِ بسبب فكرة كهذه؛ رغمَ أنّه كان يتولّى قيادةَ الجيش في معركةٍ غايةٍ في الحساسيّة كموقعة اليرموك؛ إذ إنَّ قوات الأعداء كانت تفوقُ قوَّةَ المسلمين عدَدًا وعدَّةً بحوالي سبعة أو ثمانية أضعاف، إلا أن هذه المعركة كُلِّلت بإذن الله وتوفيقِه بالنصرِ الـمُــؤَزَّرِ للمسلمين، فأنْهَتْ سيادةَ البيزنطيِّين على سوريّة وأضفت عليها السيادة الإسلاميّة، ولقد أبرزَ القائدُ العسكريُّ أبو سليمان خالد بن الوليد دهاءَه العسكريّ آنذاك، فوضعَ إستراتيجيّاتٍ حربيّة في غاية الإحكامِ والروعة، وأبدى من الفتوّة والفروسيّة والشجاعةِ ما حازَ تقديرَ وإعجابَ الجميعِ، وبينما كانت مثل هذه الحرب الضروس دائرة أقالَ سيدنا عمرُ سيدَنا خالدًا رضي الله عنهما من قيادة الجيش، وحضر خالد رضي الله عنه أمام الخليفة وكلُّهُ تواضعٌ وامتثالٌ لأمرِ أميرِ المؤمنين، وهو الذي نزل على هامة الساسانيين والبيزنطيين كالمطرقة فقضى عليهما، وهو من قال عنه سيدنا أبو بكر رضي الله عنه: “عجزت النساء أن ينسلن مِثْلَ خَالِدٍ!”[5]، وكما قال أحد الغربيين: “إننا نرى القادة من أمثال “هانيبعل” يتسوَّلون على باب خالدٍ”، وهكذا وبالرغم من كونه قامة سامية تحظى بتقدير الجميع فقد صار جنديًّا عاديًّا بعد أن عُزِلَ من منصبِ قيادة الجيش، ولما وصل خالد إلى جوار عمر رضي الله عنهما -فداهما روحي ونفسي- قال له سيدنا عمر: “يا خالد، والله إنك عليَّ لَكريم، وإنك إليَّ لَحبيب”، ثمَّ تمثَّلَ قول الشاعر:

صَنَعْتَ فَلَمْ يَصْنَعْ كَصُنْعِكَ صَانِعٌ … وَمَا يَصْنَعُ الأَقْوَامُ فَاللَّهُ يَصْنَعُ

ثمَّ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى الأَمْصَارِ: “إِنِّي لَمْ أَعْزِلْ خَالِدًا عَنْ سَخْطَةٍ وَلا خِيَانَةٍ، وَلَكِنَّ النَّاسَ فُتِنُوا بِهِ، فَخِفْتُ أَنْ يوكلوا إِلَيْهِ وَيُبْتُلُوا بِهِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الصَّانِعُ، وَأَلا يَكُونُوا بِعَرَضِ فِتْنَةٍ”[6]، وأمام هذا الموقف تَمثّل سيدنا خالدُ بن الوليد رضي الله عنه عظمةً أخرى فوق ما يتَّصِفُ به من عظمةٍ تُحَيِّرُ العقول والألباب؛ فانصاع لأمر أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه الذي كان حتى ذاك اليوم جنديًّا خاضعًا لإمرته هو، وناضل حتى آخر يوم في حياته كجندي وسيفٍ مسلولٍ برّاقٍ من سيوف الجيش الإسلامي.

وخلاصةُ القول: إنّه لا احتماليّة ولا إمكانيّة لتحقيقِ أيِّ نجاحٍ على أرضِ الواقع ما لم تحالِفْه قدرة الله تعالى وعنايته. أجل، إنَّ كلَّ جمال يتحقق لا يكون إلا بإذن الله تعالى وعنايته ورعايته، ولأجل ذلك فإنه لا بدَّ من الإيمان بأن الأنشطة التي تحقَّقَتْ حتى اليوم إنما هي مظهرٌ من مظاهرِ رعايةِ الحقِّ تعالى، وتجلِّيات أخرى متعدّدة الأبعاد من تجليات عنايته ولطفه سبحانه، وفي الوقت نفسه أيضًا يجب أن تثير مثل هذه المظاهر مشاعرنا فتدفعنا إلى شكر الله وحمده، فتتزايد بالشكر كلُّ النِّعَمِ التي تحقَّقَتْ حتى اليوم وتستمرّ، وإلا فإن نَسَبْنَا -معاذ الله- تحقيقَ النجاحاتِ إلى أنفُسِنا يَكِلُنا الله إلى قوَّتِنا وإرادَتِنا الضعيفة، لأنَّنا قد خنَّا هذه الأمانة المباركة التي وصلت إلينا بواسطة أيادٍ مخلصةٍ حقًّا، ذلك أنَّ الحقائق القرآنية يمكن أن تُخيِّمَ على الكون حقًّا عبر ارتباطِنا الدائم بحقيقة التوحيد، وإيمانِنا بأنه يستحيل ولو حتى لورقةِ شجر أن تتحرَّكَ دون أن تلفّها عنايتُه جلَّ وعلا، وعبرَ ديمومةِ التمسُّكِ والارتباطِ بهذا الاعتقاد.

 

[1] انظر: البخاري، المناقب، 25، 104؛ فضائل الأعمال، 2، مناقب الآثار، 45؛ مسلم، الزهد، 75.

[2] ابن الأثير: الكامل في التاريخ، 206/3.

[3] بديع الزمان: السيرة الذاتية، ص 160-161.

[4] بديع الزمان: الكلمات، ص 755؛ الشعاعات، ص 739.

[5] الطبري: تاريخ الرسل والملوك، 359/3.

[6] الطبري: تاريخ الرسل والملوك، 68/4.

روح الإيثار

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما هي مكانةُ خصلةِ الإيثار وما أهمِّيَّتها في حلِّ المشكِلات الإنسانيّة؟ وكيفَ يتسنّى للإنسان أن يتحلّى بها؟

الجواب: إن الإيثارَ الذي يعني تفضيلَ المرءِ غيرَهُ على نفسِهِ هو من أهمِّ القِيَمِ التي فقدْناها؛ وما من شيءٍ يقفُ وراءَ الهرجِ والمرجِ والاختلافِ والفرقةِ وعدم قَبولِ الآخر والتنازع بين الأفراد والمجتمعات اليوم إلا موت روحِ الإيثار، وسببُ موتِ هذه الروح إنما هو إشرافُ القِيَمِ القلبيّة على التحلُّلِ والفساد؛ لأن القلبَ حين يفسدُ تنمحي منه كلُّ القيم الإنسانية والنقوش والثوابت العالية المفطورة في الإنسان باعتباره خُلِقَ في “أحسنِ تقويم”، ومن ثمّ يتسلَّلُ الشيطانُ إلى عالمِ الإنسانِ الفكريِّ ويتلاعب فيه بأريحيّة تامّة، ولهذا فقد ختم رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه: “إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ” بقوله: “أَلَا وإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِي الْقَلْبُ[1].

وهذا يعني أن حياةَ القلبِ المعنويّة والحفاظ عليها مرهونٌ بمدى حِرْصِ الإنسانِ على طهارةِ قلبِهِ ونقائِهِ من كلِّ أنواع الدَّنَسِ، ومراقبتِهِ إيّاه يوميًّا، وفي هذا الشأن فعلى السالِكِ أن يستدرَّ هذا الطهر والنقاء القلبيّ عبر الإلحاحِ بالدعاء، وعليه أن يتحلّى بأعلى درجات الدِّقّة والحذر، حتّى إنّه ينبغي له أن يبتعد تمامًا عن الخيالاتِ والأفكارِ السيئة التي من شأنِها أن تُخَلِّفَ آثارًا سلبيّة في القلب، لأنه وكما ورد في الحديث النبوي الشريف: “إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ[2]؛ فإن الله جل جلاله ينظر إلى قلب الإنسان ويجازيه بناءً على ذلك، ولا ينظر سبحانه وتعالى إلى وزن الإنسان ومنظره ولا البيئة الثقافية التي نشأ فيها، وإنما ينظر إلى صفاءِ قلبِهِ ونقائِهِ، ويعامله وفقًا لهذا، كما أنه يُنظر في الآخرة أيضًا عند الميزان إلى قيمة القلب وثِقَلِهِ؛ فيُقدَّرُ الإنسان بقدرِ توجُّهِ قلبِهِ إلى الله تعالى، وخوفِهِ منه وشعورِهِ بهِ ﴿يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 88/26-89).

العصر الذهبي لروح الإيثار: عصر السعادة

إنّ ذوي القلوب الطاهرة النقيّة مفعمون بمشاعر الرأفة والشفقة تجاه الإنسانية، ويُفكِّرون ويَشْتغلُون في الوقتِ نفسِهِ بإحياءِ الآخرين وحياتهم أكثر من حياتِهم أنفسهم، وهو الأمر الذي ترتبط به روح الإيثار في الأساس، وقد لفت القرآن الكريم الانتباه إلى خصلة الإيثار بقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (سُورَةُ الْحَشْرِ: 9/59)، ولقد كان العصرُ الأكثرُ ازدهارًا وشيوعًا لهذه الروحِ والفكرة هو عصرَ السعادة الذي تَصَدَّرَ تاريخ الإسلام، ومن ذلك على سبيل المثال أنّ رَجُلًا أتى النبِيَّ صلى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا إِلَّا المَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا“، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبيَانِي، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صبيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: “عَجِبَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ مِنْ فعَالِكُمَا” فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ (سُورَةُ الْحَشْرِ: 9/59)[3].

وقد تناول محمد عاكف هذه الروح المباركة السامية وعرض لها في قصيدةٍ نَظَمَها حولَ موقعة “اليرموك”؛ حيث ارْتُثَّ[4] من ساداتنا الصحابة الكرام في هذه الحرب كلٌّ من الحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وعياش بن أبي ربيعة رضي الله عنهم أجمعين فَدَعَا الْحَارِثُ بِمَاءٍ يَشْرَبُهُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ عِكْرِمَةُ، فَقَالَ الْحَارِثُ: ادْفَعُوه إِلَى عِكْرِمَةَ، فَنَظَرَ عَيَّاشُ بْنُ رَبِيعَةَ، فَقَالَ عِكْرِمَةُ: ادْفَعُوهُ إِلَى عَيَّاشٍ، فَمَا وَصَلَ إِلَى عَيَّاشٍ وَلَا إِلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ حَتَّى ذاقوا طعمَ الشهادةِ وما ذاقوا الماءَ[5].

وقد وقعت أمام عينيّ حادثةٌ مشابهةٌ لما أسلَفنا، لا أنساها أبدًا، حيث كنّا في مخيم “بوجة”[6]؛ إذ جاءت قطعةُ لحمٍ في طبقِي حين كنا نأكلُ الطعام، فدفعتها فورًا أمام أستاذ حلَّ بنا ضيفًا وكان جالسًا بجواري، فدفعها بِدَورِهِ إلى مَن بِجِوارِهِ، وهكذا دواليك، وبعد أن طافت قطعةُ اللحم ربما أمام اثني عشر رجلًا عادت إلى طبقِ الضيفِ الأوَّلِ مرَّةً ثانيةً، فعلَّقَ الأستاذ المليحُ على هذا بقراءتِهِ قول الله تعالى: ﴿بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ (سُورَةُ يُوسُفَ: 65/12)، وهكذا فإن انتشارَ هذا الشعورِ والحسّ بين الناس مهمٌّ جدًّا من أجل سلامة المجتمَعِ وطمأنينتِهِ وبناءِ روحِ الأخوّة بين أفرادِهِ.

الإيثار في المنصب والرتبة

كلُّ هذه أمثلة مهمة بالنسبة للإيثار، ومع هذا فينبغي ألا يُنظر إلى الإيثار على أنه مجرَّدُ تفضيلِ الآخرين على النفسِ في أمورٍ كالمأكلِ والمشْرَبِ والملبَسِ فحسب؛ فتفضيل المرء أخاه على نفسِهِ حين يتعلّق الأمر بالمقام والمنصِبِ والرتبةِ مهمٌّ جدًّا بالنسبة لمعنى الإيثار، وما أجمل موقف سيدنا عمر رضي الله عنه وما أجوده من مثالٍ في هذا الشأن؛ فحينما انتقل مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم إلى أفق روحه اجتمع الصحابة الكرام من فورهم فيما بينهم كي يتفقوا على خليفة حتى لا تفسدَ الوحدة الروحية التي بين المسلمين، ولا يتفرقَ شملُ المجتمع المسلم، فعدَّدَ سيدنا أبو بكر فضائل عمر وقال لمن حوله من الصحابةِ في سقيفة بني ساعدة: بَايِعُوا عُمَرَ، أَوْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ، فَقَالَ عُمَرُ: بَلْ نُبَايِعُكَ أَنْتَ، فَأَنْتَ سَيِّدُنَا، وَخَيْرُنَا، وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ فَبَايَعَهُ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ[7]، ومن ثم فإن تراجعَ الإنسان خطوةً إلى الوراء وتقديمه أخاه على نفسه في الإمارة والصدارة نوعٌ مهمٌّ جدًّا من أنواع الإيثار.

وبالمناسبة عليَّ القول إننا لسنا في وضعٍ يسمحُ لنا بقياسِ أوجُهِ عظمةِ سيِّدنا أبي بكر وسيّدنا عمر ورفعةِ كلٍّ منهما؛ لأننا لا نملكُ ميزانًا يَزِنُ أعمالَهما بما يتَّفِقُ وقيمتَهما الخاصّة، وأظنُّ أنه حتى وإن همَّ الميزان الذي في الآخرة أن يَزِنَ أبا بكرٍ وعمر وعثمان وعليًّا رضي الله عنهم أجمعين وثواب أعمالهم فإنه ينوءُ بذلك، فكلُّ واحدٍ منهم قيمةٌ متفرِّدةٌ بِرَأْسِها، حتى إنهم ساروا متساوين في المرتبة، فلم تبقَ أمامهم مرتبةٌ إلا وأدركوها سوى الرسالة، وإنما لم يُحرِزوا الرسالةَ لأنه لا رسالة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أنه كان هناكَ نبيٌّ بعد مفخرةِ الإنسانيّة صلى الله عليه وسلم لكانَ أحدَهم.

أجل، حين رأى سيِّدنا أبو بكر سيدنا عمرَ رضي الله عنهما جديرًا بالخلافةِ رآه عمرُ أيضًا حقيقًا بها، ومن المؤكَّدِ أنَّ أيًّا منهما لم يقلْ ولو حتى في حديثِ نفسِهِ الداخلي: “إنني أستطيع أن أُتقنَ هذا العمل أكثر من صاحبي؛ فقد أُشِيرَ إليَّ”، وهكذا فإن قدرةَ المرءِ على تفضيلِ غيرِهِ من إخوتِهِ على نفسِهِ حين تتعلَّقُ المسألةُ بِنَيلِ مناصبَ معيّنة ربما يُمثِّلُ في حدِّ ذاتِهِ مرتبةً من الإيثار تفوقُ كلَّ أنواعِ الإيثارِ في المنافِعِ المادّيّة.

ومن يتحلَّى بهذهِ الخصلةِ لا يُفضِّلُ أن يعيشَ ويحيا هو فحسب، بل يُؤْثِرُ على نفسِهِ أن يحيا الآخرون، ويتصرَّفُ بجرأةٍ وجسارةٍ حتى إنه ليقول: “أموتُ وأفنى إن لزمَ الأمرُ، المهمّ أن يحيا الناس، وإن كان بقاءُ أمَّتي وثباتُها مرهونٌ بالتضحيةِ بي فإنني أسأل الله تعالى أن يَقسِمَ لي هذا في الحال”، وعلى العكسِ من ذلك فإنَّ الشقيَّ المحرومَ من هذه الروح الطيِّبةِ هو مَنْ يحسب نفسه أساس كلِّ شيء وأنّه كالثَّورِ الذي يحملُ الكرة الأرضيّة، ويتوهّم أنها ستنهار إذا ما انسحب من أسفلها فتقوم القيامة.

الإيثار ولو حتى على عتبةِ الجنة

كم أن المشهد الآتي مؤثِّرٌ وجديرٌ بالانتباه إليه بشأن بيان إلى أيِّ مدى قد يصل الإيثار؛ فقد رُوِيَ أن روحَ سيِّدِ الأنام أُطلِعَت على الْتِقاءِ الأثرياء والعلماء عند باب الجنّة فأخبرَنا بما دار بينهما؛ حيث قال العلماء للأثرياء: “تفضلوا، الأولويّة لكم، هذا حقُّكم أنتم، ادخلوا أنتم أوّلًا، لأنكم لو لم تنفقوا ثرواتكم في سبيل الله، ولم تؤسِّسوا مراكز العلم، ولم تُجهِّزوا الإمكانيات التعليميّة لما كنا نحن علماء، ولما وجدنا الطريق والاتجاه السليم، فقد تسبَّبْتم أنتم في سيرنا في طريق العلم وانفتاح أُفُقِنا، إننا مدينون لكم، ولذلك فالأولويّة لكم أنتم، فلتتفضَّلوا!”، وتراجعوا خطوة إلى الوراء احترامًا لهم، غير أن الأثرياء الأسخياء يردُّون عليهم قائلين: “الحقيقةُ أننا نحن المدينون لكم، لأنكم لو لم تُبصِّروننا بِفَضْلِ عِلْمِكم الواسع، ولم ترشدونا أحسنَ الإرشاد، ولم تعلِّمونا أن نقرأَ الأوامر التكوينيّة والتشريعيّة سويًّا، ولم تدلُّونا إلى جمال الكسبِ الحلال والإنفاقِ في سبيل الله تعالى لما استَطَعْنا أن نُنْفِقَ ثرواتنا في سبيل أعمالٍ خيِّرةٍ كهذه، لقد أرشدتمونا وحملتمونا من الإعطاء مرة إلى الكسبِ آلاف المرات، ولهذا فإنكم روّادُنا هنا في الآخرة كما كنتُم في الدنيا، فلتتفضَّلوا بالدخولِ أنتم أوّلًا!”، وبعد هذا الحوار العذب يتقدَّمُ العلماءُ، ويدخلون الجنةَ مع الأغنياء الأسخياء إثر بعضهم البعض.

يجب ألّا نفهم هذا الحوار الذي دار بين العلماء والأثرياء الأسخياء على أنه مجرَّدُ نقلٍ لحادثةٍ ستقعُ لاحقًا، بالعكس؛ يجب هنا أيضًا الحديث عن مدى اتِّساعِ أفق الإيثار وإطاره، تخيلوا أن هناك جسرًا (أي الصراط) صعبَ المجاز وميزانًا وحساباتٍ ثقيلة خَلَّفَها هؤلاء الناسُ حتى وصلوا باب الجنّة، بينما أمامهم من أوجهِ جمال الجنّةِ ما يُذهِل العقول ويُبهر الألباب؛ مما لا عينٌ رأَتْ ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ قطّ، تخيّلوا كم ينبَهِرُ الإنسان ويُصبح وكأنه سيُغمى عليه حين يرى تلك المحاسن والجماليات، تخيَّلُوا كيف تتجلّى روح الإيثار حتى أمام منظرٍ كهذا! وهكذا يُبَيِّنُ لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بهذا المشهدِ الذي رَسَمَهُ لنا كم أنّ سبيلَ روحِ الإيثارِ يمتدُّ إلى هذا الحدِّ.

وقد قال فذُّ زماننا وأحدُ ورثةِ الأنبياءِ الأستاذ بديع الزمان رحمه الله: “لم أَذُقْ طوالَ عمري البالغِ نيِّفًا وثمانين سنة شيئًا من لذائذ الدنيا، قضيتُ حياتي ما بين ميادين الحرب وزنزانات الأسر وسجون الوطنِ ومحاكمِ البلاد، ولم يبقَ صنفٌ من الآلامِ والمصاعِبِ لم أتجرَّعْهُ… لقد ضحَّيتُ حتى بآخِرَتي في سبيل تحقيقِ سلامةِ إيمانِ المجتمع، فليس في قلبي رغبة في الجنة ولا رهبةٌ من جهنم… وإن رأيت إيمان أمتنا في خير وسلام فإنني أرضى أن أُحرق في لهيبِ جهنّم؛ إذ بينما يحترقُ جسدي يرفلُ قلبي في سعادةٍ وسرورٍ”[8]، ومن يسمع كلماتِهِ هذه يُخيَّلُ إليه أنَّ هذا النَّفَسَ وهذا الصوت آتٍ من قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان؛ ومنبعثٌ من عصرِ صدرِ الإسلامِ، وأظنُّ أن مجتمعَنا في حاجةٍ ماسّةٍ إلى روحٍ من الإيثار الواسعِ الشموليّ أكثر من حاجتِهِ إلى الماءِ والهواءِ.

إن عودة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وطن المحنة هذا بعد أن رأى في رحلة المعراج ما لم يُرَ، وبلوغه ما لم يُبلَغْ، واجتيازَه ما لم يُجتَزْ في غايةِ الأهمّيّة من حيث فهم المرتبة الأعلى في أفق الإيثار؛ فقد التقى النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم في رحلته هذه بكلٍّ من سيدنا المسيح، وسيدنا موسى، وسيدنا إبراهيم، وسيدنا آدم عليهم السلام أجمعين، ولقي من هؤلاء الأنبياء الكرام التشريفَ والتكريمَ والتبجيلَ، ثم دخل الجنَّة فرأى جمالها وحسنها الأخّاذ[9]، بعد ذلك شاهد جمال الحقِّ تعالى، ومن يدري كيف تشعرُ روح الإنسان وتُحِسُّ بمشاهدة الله! وقد ورد في كتاب “بدء الأمالي”:

يراه المؤمنون بغير كيف وإدراك وضرب من مثالِ

فينسون النعيم إذا رأوه فيا خسران أهل الاعتزال[10]

أي إن جميعَ قصورِ الجنّة ونُزُلِها، وجميعَ الحورِ اللواتي تغرقُ الدنيا في نور إحداهن إن انعكس عليها، والفواكه والأطعمة وغيرها تتوارى عن العين وتنحجبُ عند رؤيته تعالى، وهكذا فإن سيدنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الذي حظيَ بكلِّ هذا وبلغَ مرتبةً بين الوجوبِ والإمكان عادَ إلى البشريّة مجدّدًا دون أن تزيغَ عيناه وما عودَتُه تلك إلا من أجلِ أن يُبلِّغ أمَّتَهُ بما رآهُ وأحسَّهُ وشعرَ به من النِّعَمِ.

وعندما ذكرَ أحدُ الأولياءِ -ويُدعى “عبدَ القدوس”- عودةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من مثل هذه الرحلة قال: “والله وبالله وتالله لو أنني كنتُ وصلْتُ إلى هذه المقامات والمراتبِ لما عدتُ إلى الدنيا مجدّدًا”، وقد علَّقَ أحدُهم على كلامِهِ هذا قائلًا: “هذا هو أكبر فرقٍ بين مقام النبوّة والولاية”. أجل، إن الأنبياء وُجدوا لأجل حياة الآخرين تمامًا، أما الأولياء فقد يرغبون في الرفعة المعنويّة والوصول إلى المتعِ المعنويّة الروحيّة.

أضف إلى ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بلغ مثل هذا الأفق وهو لا يزال حيًّا في الدنيا حين يسمع في الآخرة أيضًا صرخات من سيدخلون جهنم من أمَّته -ربما أنه- سيدنو من حافتها، ويمدُّ إليهم يده، ويطلب إخراجهم منها مثلما عاد إليهم في الدنيا كي يرشدهم ويهديهم إلى الطريق المستقيم، كل هذه مظاهر مختلفة الأبعاد لتجلِّيات مختلفة من الإيثار ذي الأفق النبوي.

ترياقٌ يقضي على الاشتباكات والمنازعات

نحن اليوم بحاجة مُلحَّة إلى روح الإيثار المرتبطة بالإيمان والحياة القلبية والتقرُّب إلى الله والشفقةِ ومشاعر الإحياء. أجل، إننا في حاجةٍ إلى أولئك الفتيةِ القادرين على الاستغناء عن الدنيا بجوانبِها الشهوانية وملذّاتها وما فيها، الذين يَحيَون كي يحيا الآخرون فحسب، القادرين على قول: “اللهم إنه لا قيمة لحياتي ولا قَدْرَ لها إلا إذا كانت ستُسهِمُ في حياةِ وإحياءِ الآخرين، وإلا فإنني أشعرُ بالاشمئزازِ من هذه الحياةِ التافهةِ التي لا تُفيدُ الآخرين شيئًا، ولا تبعث فيهم الشعور بالانبعاث، وأعوذُ بكَ من مثلِ تلك الحياة، اللهم فخلِّصْنِي من هذا البلاء”.

لأن الأشخاص الأنانيين الذين يتشدَّقون بأنفسهم دائمًا قائلين: “أنا، أنا” تسبَّبوا في تصارعِ الناسِ فيما بينهم، وأثاروا فيهم مشاعرَ الحسدِ والغيرة والاستثقال والعِراك؛ فجعلوا المجتمع في حالة لا تُطاق، هذا في حين أن هناك آلافًا من الناس يستطيعون القيام بما يقوم به هذا وذاك من الأعمال، فليتهم وثقوا بالله ولو قليلًا، وقرروا المسير في طريق الرسول والصحابة طالَما يتحدَّثون عنهم، وليتهم تراجعوا خطوةً إلى الوراء حين لَزِمَ الأمر؛ فليس في هذا ما يُضيرُ، وليتَهم قالوا: “تفضَّلْ، تَوَلَّ أنت هذا العمل”، وهكذا؛ فإن كان ثَـمَّةَ إكسيرٌ يساهم في رَأْبِ صدعِ المجتمع الذي تمزَّقَ وانفصلَ بعضُه عن بعضٍ فإنه لا محالةَ روحُ الإيثار التي ستترعرع في تلك القلوبِ من جديد.

وإلا فإنه لن يمكن حلها بواسطة الدبلوماسيّة ولا الحيل السياسية، ولا ألعاب التسلية، ولا بواسطة إستراتيجيّات مؤسّسات التفكير والتخطيطِ، ولو أنها حُلَّتْ لكان المجتمع الذي عاش عديدًا من الانقلابات والتحولات منذ أمسِهِ وحتى يومِهِ هذا قد خطا واثِقًا نحو أفقٍ متقدِّمٍ، ولكنّ الملاحَظَ أن الوحشية لا تزالُ مستمرَّةً، ولا يزال الناس يأكل بعضهم بعضًا كما يفعل أكلة لحوم البشر، بالله عليكم هل يختلف إمطار الناس بالقنابل، واستخدام الغازات السامّة، وعدم الاعتراف بحقِّ الآخرين في الحياة، والتحرك وفقًا لظاهرة الخوف من الإسلام، وارتكاب أنواع من المظالم خوفًا من الجماعة… هل يختلفُ كلُّ هذا عن أكلِ لحومِ البشر في شيءٍ!؟ إن هذا كلّه ليس شيئًا آخر سوى وحشيةٍ من نوع مختلف، أما السبيل إلى القضاءِ على كلِّ هذا فهو التوجُّهُ إلى روحِ الإنسانيّة من جديد، والسعي إلى الوفاء بضروريات “أحسن تقويم”.

 

[1] صحيح البخاري، الإيمان، 39؛ صحيح مسلم، المساقاة، 107.

[2]صحيح مسلم، البر، 33-34؛ سنن ابن ماجه، الزهد، 9.

[3] انظر: صحيح البخاري، مناقب الأنصار، 70؛ تفسير سورة الحشر، 6/148؛ صحيح مسلم، الأشربة، 172-173.

[4] ارْتُثَّ فلان: ضُرِبَ في الحرب فأُثْخِنَ وحُمِلَ وبه رَمَقٌ ثم مات.

[5] الحاكم: المستدرك، 270/3؛ البيهقي: شعب الإيمان، 143/5؛ ابن عبد البر: الاستيعاب، 3/1084.

[6] عقد مخيم “بوجة” عام (1968م)، من أجل تنشئة الطلاب وتهذيبهم، ولمزيد من المعلومات انظر: فتح الله كولن: قصة حياة ومسيرة فكر، ص 70-79.

[7] انظر: صحيح البخاري، المناقب، 33؛ سنن النسائي، الإمامة، 2؛ مسند الإمام أحمد، 1/ 282.

[8] بديع الزمان: السيرة، ص 492.

[9] انظر: صحيح البخاري، بدء الخلق 6، الأنبياء 43؛ مناقب الأنصار 42؛ صحيح مسلم، الإيمان 259، 264.

[10] الأوشي: بدءُ الأمالي، ص 41.

الاستغناءُ هو الرصيدُ الأعظمُ لِرجال الدعوة والإرشاد

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما هي المبادئ الأساسية الجوهرية في مهمَّةِ إرشاد القلوب وتعريفها بالحقِّ والحقيقة؟

الجواب: ينبغي للإنسان المؤمن أن ترتقي عبوديتُه لله المعبودِ المطلَقِ إلى درجة “العُبودة المُطْلَقَة”، فلا يُخلِّل في عبوديَّتِهِ لله أيَّ شيءٍ آخَر؛ لأننا مُكبَّلون بقيودِ عبودِيَّتِنا له، وأمْرُنا بِيَدِهِ هو فحسب، وهذا ما تُظهره حقيقةُ العجزِ والضعفِ والفقرِ التي تكتَنِفُنَا، يتفلت من أيدينا كلُّ شيء نريد الإمساك به والوصول إليه، وكلَّما ظنَنَّا أنَّنا قبضْنا عليه بأيدينا تفلَّتَ مجدَّدًا، ويتعذر الوصولُ إلى ما نرغبُ فيه، ومِن ثمَّ فَمِنَ الواضحِ أننا لا نملِكُ أنفسَنا؛ فثمَّةَ هيمنةٌ وسيادةٌ مُطلقةٌ تُسيطر علينا.

والواقع أن الإنسان ربما يتعذَّرُ عليه الشعورُ بهذهِ الحقائقِ في كلِّ حين؛ فقد يضبطُ جهازُ الاستقبالِ أحيانًا على تردُّدٍ معينٍ لإذاعةٍ ما، فإذا ما اختلَّ هذا التردُّدُ تتقاذَفُ إليه بعضُ المؤثِّرات والتردُّدات الأخرى من هنا وهناك فتُفْسِدُهُ، والإنسانُ يُقحِم أفكارَهُ وآراءَهُ الشخصيّةَ في الأَمْرِ، فعليه أن يسعى للعثور على الصوت الصحيحِ بواسطة الجدّيّة في ضبطِ العيارات. أجل، عليه ألّا يبوح بأفكارِه وآرائِهِ إلا بعدَ أن يزِنَها بميزان الضمير العارف، فإن شابَ الأمرَ شيءٌ من أخطائنا الخاصّةِ بنا -رغمَ كلِّ الجهد والسعي المبذول لتجنُّبِها- فإننا نرجو الله جلَّ جلالُهُ أن يعفوَ عن ضعفِنا هذا ويتجاوز عنه، وإلا فإنه لا يمكن أن تتَّسِقَ التصرُّفات الماجنةُ غيرُ الـمُباليةِ مع شعورِ العبودية أبدًا.

مطرقةٌ إثرَ مطرقة

تخيلوا أنكم سجدتم في صلاتكم فأطَلْتُم السجودَ، ورُحْتُم تتضرَّعون إلى الله بضعَ دقائق، غير أن الشيطان همسَ إليكم من فورِهِ في تلك الأثناء بمشاعِرِ الإعجاب بالعملِ واستعظامِه من قبيلِ: “ما أَحسنَ عبوديتكَ لله!”؛ مستخدمًا في همسِهِ هذا آليَّةَ النَّفْسِ، فإن حدَّثَتكم أنفسكم بمثْلِ هذا الحديثِ فلْـتُقاوِموها في الحال قائلين: “ما عبدناك حقَّ عبادَتِكَ يا معبود، وما ذَكَرْناكَ حقَّ ذِكْرِكَ يا مذكورُ، وما شكرناكَ حقَّ شكرِكَ يا مشكور، وما سبَّحْناكَ حقَّ تسبيحِكِ يا من تسبِّح له السماواتُ السبعُ والأرضُ ومَن فيهنّ”، وعلينا أن نطرقَ بمطرقةٍ إثر مطرقة فوق رأسِ كلِّ الملاحظات والأفكار التي لا تُوافِقُ رضاه سبحانه وتعالى طَرْقًا يَفُتُّ في عضدِها فلا تَقومُ لها قائمةٌ بعدُ.

ولكنه ينبغي لكم حتى وإن طرقتم عليها بأثقل المطارق أن تعلموا أن مثل هذا النوع من المشاعر التي تبُثُّها وساوسُ الشيطان وتُسوِّلُها وَتُزيِّنُها النفسُ الأمَّارةُ سرعانَ ما تقفِزُ وتصحو مجدّدًا حيث لا يُتوقّع وكأنها مخلوقٌ بسبع أرواح، لدرجة أن النفس والشيطان لن يكفَّا أبدًا عن بثِّها وإثارتِها في ذهنِ الإنسان حتى وهو يطوفُ حول الكعبة، ويبتهل إلى الله ويدعوهُ في “عرفات”، ويبيتُ في “المزدلفة”، بل حتى وهو يرجمُ الشيطان ويُمْطِرُهُ بالأحجارِ وكأنه يرجم رأسَ نزواتِهِ ورغباتِهِ الشخصية وهو في “مِنًى”، فإنهما يسعيان دائمًا لإغوائه والإيقاع به.

ولهذا السبب أمر الله تعالى في القرآن الكريم قائلًا: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (سُورَةُ هُودٍ: 112/11)، ونسأل الله تعالى الاستقامةَ والهداية بقولنا ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (سورةُ الفَاتِحَةِ: 6/1)، فإن كنَّا نُصلِّي الفروضَ وسُنَنَها كلَّها فنحن إذن نكرِّرُ هذا الطلبَ أربعين مرَّةً في اليوم والليلة، وإن كنا نصلي النوافل الأخرى كصلاة الأوابين والتهجُّد والضحى فربما أننا نطلبُ من الله تعالى كلَّ يومٍ ستين مرة أن يهدينا الصراطَ المستقيم، لأنه تعالى إن لم يأخذْ بأيدينا إلى الطريق المستقيمِ ويهدِنا إليه فلا شكَّ أننا سنتعثَّرُ في دروبِ النفسِ الأمّارة ودهاليزِها وسنتَسبَّبُ في كمٍّ هائلٍ من الحوادثِ المروريّة التي يتعذَرُ معها إعمارُ وإصلاحُ ما نتجَ عنها من كوارث وانهيارات.

إن الله لا يوفِّق من يسأل على خدماته أجرًا

إننا حينما نردِّدُ اسمَهُ تعالى دومًا ونقومُ له ليلًا ونذكره حيثُ يَجِبُ علينا ذِكْرُهُ ونتنفَّسُهُ “هو” تستمرُّ صِلَتُنا وارتباطنا به سبحانه حتى ونحن في أيِّ حالٍ مما تقتضيهِ الطبيعةُ البشريّةُ، وفي ذلك على سبيل المثال قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ، وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ فَيُصَلِّيَ مِنَ اللَّيْلِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ حَتَّى يُصْبِحَ، كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى، وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ[1]، وهذا هدية ومنة يَمُنُّها علينا تعالى من رحمته الواسعة. أجل، إن رحمته واسعة؛ فلم يُحمّلنا ما لا نطيق من الأعمال والواجبات، بل كَلَّفَنَا بما نطيقُهُ فحسب؛ فليس في الدين تكليفٌ بما لا يُطاق كما تشير إليه الآية الكريمة: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 286/2).

إذًا فينبغي لنا ألا نبتغي شيئًا آخر سوى رضا الله تعالى الذي يُمطرنا ويفيض علينا برحمته الواسعة ولُطفه العميمِ زخًّا زخًّا؛ لأنه ليس هناك ما يسمو فوق هذا ولا ما يفضلُه، فأكبر هدايا الحقِّ تعالى لعباده المؤمنين في الجنّة بعدَ رؤيتِهِ المباركة هي رضوانُه عنهم: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (سُورَةُ التَّوْبِةِ: 72/9)، والجائزةُ العظمى هي أنْ يقول لهم تعالى: “أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا[2]، ويتعذَّرُ علينا ههنا ونحن في هذه الدنيا أن نُخَمِّنَ ونتصوَّرَ مدى المتعةِ التي ستُحْدِثُها هذه النفحةُ الإلهيّة في روحِ المؤمن، ربما أن أولياء الله تعالى مثل الشيخ الجيلاني، وأبي الحسن الشاذلي، ومحمد بهاء الدين النقشبندي، ومولانا خالد البغدادي، والإمام الرباني، وحضرة بديع الزمان أحسُّوا بِلَذَّتِها على مستوى الظِّـــلِّـــيّــةِ بقدرِ ما سَمَحَتْ به الظروف في هذه الدنيا، ولا أمتلِكُ طاقةً ولا قدرةً على بيان شيءٍ كهذا ولا تصويره؛ لأن الله قال في حديثٍ قدسيٍّ متحدِّثًا عن نِعَمِ الجنة ونعيمِها: “أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ[3]، ومن هذا الإطار المرسوم المحدد هنا نفهمُ أن هذه المسألة تتجاوزُ تمامًا إدراكَ الإنسان وعلمَه.

ومن هذه الناحية فإنه ليس ثَـمَّةَ شيءٌ لا في الدنيا ولا في العُقبى على حدٍّ سواء أعظمُ وأقيمُ من طَلَبِهِ سبحانه وتعالى واستنهاض همّة الآخرين في طَلَبِهِ، ولأجلِ هذا فإن الأنبياءَ العظامَ نذروا حيواتهم السنيّة وربطوها بالمبادئ الأساسيّة للتعريفِ بالله تعالى فحسب، وتحبيبِ الناسِ فيه، وتقويةِ صلةِ الآخرين وارتباطِهم بالله تعالى، ولم يسألوا أحدًا أجرًا على هذا ولم ينتظروه، لأن هذا يضرُّ بالإخلاص ويُضيع العمل، بالإضافة إلى ذلك لم يَثبُتْ أنه قد نجح ووُفِّق من طلبوا ثمنًا أو أجرًا على ما أدّوه من خدمات، وإن نجحوا فنجاحٌ مؤقَّتٌ سرعان ما كانت تعصف ريحٌ معاكسة فتذروه كما تذرو العواصفُ التبنَ.

حقيقةٌ واحدةٌ نطقَ بها الأنبياءُ أجمعون

ذكر الله تعالى الأنبياء العظام مثل نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام واحدًا تلو الآخر في سورة الشعراء، ثم بَيَّنَ أنَّ الكلمةَ القاسمَ المشتركَ بينهم جميعًا هي: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الشعراء: 109/26، 127، 145، 164، 180)، فقد قاموا بما كُلِّفوا به من أجل الله تعالى فحسب، واتجهوا إلى الله تعالى وقصدوه هو دائمًا، ولم يتشوَّفُوا ولو حتى إلى مثقال ذرَّةٍ من الأجرِ عوضًا عمّا قاموا به من خدمات.

وبالرغم من تغيّر العصر وتبدُّلِ الظروفِ والأحوالِ وتسبُّبِ مراحلِ الزمنِ المختلفةِ في تفسيراتٍ وتحليلاتٍ مختلفة فإن جميعَ الرسلِ المذكورين آنفًا ثبتوا على نفسِ الموقِفِ وتمسَّكوا بالعبارة عينِها في هذه المسألةِ، فقال سيدنا هود مثلما قال سيدنا صالح، ونرى سيدَنا لوطًا يقول نفسَ ما قاله مِن قبله سيدُنا نوح… على نبينا وعليهم الصلاة والسلام. أجل، كلمتُهم سواء، في حين أنّ لكلِّ مجتمعٍ من تلك المجتمعاتِ التي أُرسلوا إليها مَشاكله المختلفة الخاصّة به، وهذا يعني أنه مهما اختلَفَتْ المشاكلُ وتبايَنَتْ فإنَّ الإخلاصَ والاستغناءَ هو سبيلُ حلِّها.

فمثلًا قومُ سيِّدنا نوح عليه السلام اتخذوا عظماءَهُم آلهةً، وأسموا هذه الآلهة بأسماء شتى مثل “وَدّ” و”سُوَاع” و”يَغُوث” و”يَعُوق” و”نَسْر”، فكانوا يُألِّـهون مَن في القبور، ويَطلبُونَ منهم المددَ وما لا يستطيعونه لأنفسهم: ﴿وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً﴾ (سُورَةُ نُوحٍ: 23/71-24)، وهذا خطرٌ يمكن أن يحدثَ في كلِّ عصرٍ.

أما قومُ عاد فكانوا يفتخِرُون بِعَظَمَتِهِم وضخامَتِهِم، فانسحَقوا تحتَ آفةِ الكِبرِ والغرور، ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ (سُورَةُ فُصِّلَتْ: 15/41)، وكانوا يبنون قصورًا مشيَّدة محكمة يرجون الخلود في الدنيا كأنهم لا يموتون، وكأنهم لن يصيبَهم أيُّ ضررٍ لا من الأرضِ ولا من السماءِ، ولو اجتمعت ضدّهم كلُّ أسبابِ الهدمِ وعوامل الصدعِ فلن تستطيع أن تهدمَ بُنيانَهم، ومن ثمَّ كانت مشكلتُهم مختلفةً عن مشكلةِ قومِ سيِّدنا نوح عليه السلام، وقد أكَّدَ سيِّدُنا هود عليه السلام لقومه مدى ما هم فيه من خطإ؛ وعبَّر لهم عن فداحتِهِ مُخاطِرًا بكلِّ ما قَدْ يَحِلُّ بهِ وغيرَ آبهٍ بتهديداتهم، وصرّح باستغنائه تمامًا عن أيِّ أجرٍ في مقابل قيامه برسالِتِه كما حكى ذلك القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ  * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 127/26-136).

وحين ننتقل إلى حقبة سيدنا صالح عليه السلام نرى أن الناس في عصره كانت لهم مشكلة مختلفة أيضًا؛ فقد انغمسوا في مفاتن الدنيا وانهمكوا في بُــلَـهْـنِـيَــةِ العيشِ بين البساتين والحدائق والجنان، وراحوا يعيشون بشكلٍ فارهٍ فاخرٍ في أبنيةٍ محكمةٍ محصّنةٍ، وما كان مِن نبيّهم صالح إلّا أنْ واجَهَ كلَّ الصعوبات فأدّى رسالةَ التبليغِ دون أن يتشوَّفَ إلى أيِّ شيءٍ على الإطلاق، ودعاهم إلى التوحيد، وحذرهم من الإسراف والفساد، قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 141/26-151).

أما في عصرِ سيدنا لوط عليه السلام الذي جاء بعده فقد وقعَ الناس في أمور مستهجنةٍ لا تليق بالإنسانيّة؛ فانحرفَ مجتمعُهم وعربدَ وفسقَ، وكغيره من الأنبياء ودون أن يأبَهَ بأيٍّ من تهديداتِ الطردِ والتجريدِ من كلِّ شيءٍ؛ دعا هو أيضًا عليه السلام قومَهُ إلى التوحيد والفضيلةِ والاستقامة، ولم يبتغِ في مقابل هذا أيَّ أجرٍ منهم على الإطلاق، قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِين * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ * قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ * قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ * رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ * فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 160/26-175).

وأما سيدنا شعيب عليه السلام فقد أُرسل في عصرٍ اختلَّتْ فيه الموازينُ والأكيالُ في الأسواقِ والمتاجِرِ، فلم يكن يُفرَّق بين الميزان والموزون، وكانت الحياةُ التجاريّةُ مليئةً بالتضاربات والتماوجات؛ فكانت الأموال تصبُّ في صالِحِ المنافعِ الشخصيّة لِأُولي القوّة والسلطان، فَحَذَّرَهم سيدنا شعيب عليه السلام قائلًا: ﴿أَلاَ تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ* وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 177/26-184).

ويأمر اللهُ مَفخرةَ الإنسانية محمدًا صلى الله عليه وسلم بنفس ما قاله أسلافُه من النبيين والمرسلين، يقول تعالى: ﴿قُلْ: لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (سُورَةُ الأَنْعَامِ: 90/6، سُورَةُ الشُّورَى: 23/42)، ﴿قُلْ: مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ (سُورَةُ الفُرْقَانِ: 57/25، سُورَةُ ص: 86/38)، وهذا أمرٌ من الله بأن لا يطلب أيَّ شيءٍ أو أجرٍ من قومِهِ الذين أذاقوه كلَّ ألوانِ الأذى والضرّاء في مكّة المكرّمة خلال ثلاثَ عشرة سنة، وَاضْطَرُّوه للهجرةِ خارجَ بلدِه، وجعلُوه يُقاسي آلامَ الشوقِ لها. أجل، لم يطلبْ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أيَّ شيءٍ ولم يتشوَّفْ إلى أيّةِ حاجةٍ من مخاطَبيهِ رغم أنَّه كان وسيلةً لِسَعَادَتِهم في الدنيا والآخرة؛ فكان ينامُ على الحصيرِ، ويُكابدُ الجوعَ أيامًا، غير أنّه لم يُغِّيْر سلوكَه وموقِفَهُ هذا على الإطلاق.

فقدان القيمة وتوعُّر الطرق

الواقعُ أنَّ طريقَ الاستغناء هذا هو الطريق الوحيد لبَثِّ الثِّقَةِ وإقناعِ المخاطَبِ، لأنّ مَن يتشوَّفُ ويطمَعُ في شيءٍ من المنافِعِ والفوائدِ عوضًا عمّا أنجزه من خدمات؛ إنّما هو يُسيءُ إلى ما يحظى به من التفاتٍ وقبولٍ لدى الآخرين، ويفقدُ سُمعته واعتباره في نظر مخاطبيه، فإذا عزمتم على خدمةٍ فعليكم ألا تبرحوا منهجَ رسولِ الله وسبيلَه، فإنّه يُؤمَلُ أن يقول مَن يُراقبُ عملكم: “إن هؤلاء حين بدؤوا العمل كانت لديهم مائة ليرة، فلما غادروا رأينا أنه تبقت لديهم تسعون ليرة، يعني أنهم لم يستطيعوا الحفاظ حتى على مالهم بل أنفقوه في هذا السبيل”، إن مبدأَ الاستغناءِ وعدم التشوُّفِ لأجرٍ ما كما أنه صفةٌ ضروريّةٌ لكلِّ الإداريّين في الدولة بدءًا من عمدة القريةِ وصولًا إلى رئيسِ الدولة؛ فإنه ضروريٌّ ومطلوبٌ أيضًا بالنسبة لمن نذروا أنفسَهم لِإِبْلَاغِ الحقِّ والحقيقةِ والتحديثِ بها؛ لأن أعظمَ ديناميّاتهم هي الاستغناءُ والتضحيةُ.

وأَنْ يتركَ من نذروا أنفسَهم للإنسانيَّةِ آثارًا خالدةً أمرٌ مرهونٌ بِسيرهم في طريقِ الأنبياءِ عليهم السلام، وإلا فإنَّ أولئك الأشخاص الذين يستهلُّون طريقَهم محتذين بسيدنا هارون عليه السلام ثم يتحوَّلُ كلٌّ منهم إلى “قارون” سوف يأتيهم يومٌ تُخسَفُ بهم فيه الأرض؛ هم وخزائنهم، ويُلعنون كلما لُعِنَ، ولو كان يوجَدُ في قلبي موضعٌ صغيرٌ للَّعنِ والدعاءِ على الغير لكنتُ قلتُ لمن يُفكِّرون في منافِعِهِم الشخصيّة، ويربطون الأمورَ بمصالِـحِهم الخاصّة، ويختصّون أنفسَهم وحاشيتَهم بالمناقصات التجارية، ويُقرِّبون منهم من يمنحونهم تلك الأنصبةَ ويُفضّلونهم على غيرهم: “خسف الله بكم وأهليكم وتشوُّفاتكم وقضى عليكم”، ولكن لما لم يكن في قلبي أيُّ موضعٍ أو مكانٍ للدعاء على الآخرين فقد توسَّلْتُ وتضرَّعْتُ رغبةً في هدايَتِهم و-بعبارة الشاعرِ “محمد إقبال”- لم أُعَقِّبْ على الدعاء عليهم ولَعْنِهِم بقولِ “آمين”.

ومن هذه الزاوية فإنه ينبغي لِمن نذروا أنفسَهم لخدمةِ الإيمانِ والقرآن وعاشوا في محيطِها المباركِ ألَّا يستغلُّوا ما فعلوه من خدماتٍ لِصالِحِ أنفسِهم، وعليهم ألا يأخُذُوا مناقصةً لا يستحقّونها، وألّا يلهثوا خلفَ أيِّ منفعةٍ؛ مستغلِّين سمعتَهم واعتبارَهم لدى المجتمع من أجلِ تحقيقِ ذلك؛ عليهم ألّا يُضحّوا بمشاعر “التضحية” و”الاستغناء” -اللَّذَين يُمَثِّلان أكبرَ وأعظمَ ميزةٍ وخاصّيّةٍ بالنسبة لهم- في مقابل أشياءَ دنيويّــةٍ تافهةٍ عاديّــةٍ؛ فهناك مَن تكفّلَ بالسعيِ من أجلِ المال، وهم يفعلون ذلك في إطار دائرةِ الشرع، وقد منَّ ويَمُنُّ الله تعالى عليهم بأرباح ومكاسبَ عظيمةٍ في حياتهم التجارية، وهم يستخدمون مكاسبهم وثرواتهم أيضًا في سبيل الله، أما من نذروا أنفسَهم ويُـمَثِّلُ كلُّ واحدٍ منهم “مرشدًا وهاديًا إلى الطريقِ القويمِ” فإن أعظمَ ثرواتِهم هي الاستغناءُ والحِسْبَةُ لله، فإن تركوا هم هذا ولَـهَثوا وراءَ أشياء غيره فقد استبدلوا القليلَ بالكثيرِ.

إن مفخرةَ الإنسانيّة صلى الله عليه وسلَّمَ -كما روى ذلك ابن عباس رضي الله عنهما- انتَقَلَ إلى الرفيقِ الأعلى وَمَا تَرَكَ دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا، وَلا عَبْدًا وَلا وَلِيدَةً، وَتَرَكَ دِرْعَهُ رَهْنًا عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ[4]، ولم يكن سيدنا أبو بكر رضي الله عنه مختلفًا عنه صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر؛ فقد جمعَ ما زاد عن حاجته مما وُضِع له من مخصَّصات راتب كخليفةٍ للمسلمين وألقى ذلك كلَّه في جَرَّة، ولما حضَرَتْهُ الوفاةُ قال: “انْظُرُوا مَا زَادَ فِي مَالِي مُنْذُ دَخَلْتُ الإِمَارَةَ فَابْعَثُوا بِهِ إِلَى الْخَلِيفَةِ مِنْ بَعْدِي”[5]، وأما الفاروقُ فكانَ زاهدًا في الدنيا وكثيرًا ما كان ينامُ على الرمالِ والحصباءِ في المسجد النبويّ.

نهايةٌ مؤسفةٌ لِمَنْ ينتهِجون الفسادَ والاختلاسَ

أولئك الذين ذكرناهم آنفًا هم العظماء الذين يجب الاقتداء بهم، فالطريق والمنهجُ الصحيحُ هو طريقُهم ومنهجُهم، أما غيره فهو “التيهُ والضلال”، ومن ينحرِف عن منهجِهِم سينزَلِق في شتّى أنواع الفسادِ دون أن يَدري، وهذه الأوجهُ من الفساد سوف تجعله -وإن أسعدَتْه وسرَّته في أوَّلِ الأمر- يتحسَّرُ في النهايةِ قائلًا: يا ليتني كنتُ ترابًا ونسيًا منسيًّا“.

إذًا ينبغي لأفرادِ تلك المجموعة السامية العالية الهمّة ألَّا يهتمُّوا بالدنيا أكثر مما ينبغي وألا يُعطوها أكثرَ مما تستحق، وكما قال صلى الله عليه وسلّم: “لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ[6]، ويُروى عن عَليّ بن أبي طَالب كرّم الله وجهه مرفوعًا إلى النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قال: أوحى الله عز وَجل إِلَى دَاوُدَ: مَثلُ الدُّنْيَا كَمثل جِيفة اجْتمعت عَلَيْهَا كلابٌ يجرونها أَفَتُحِبُّ أَن تكون كَلْبًا مثلهم فتجرّ مَعَهم!؟”[7].

ليتنا نستطيع نسيان هذه الدنيا الخدّاعة باستثناءِ ما يجبُ علينا الاهتمام به من جوانب فيها، فقد أساءَ من لم يَنْسَوها إلى أنفسِهِم وإلى الأمَّةِ والتاريخِ على حدٍّ سواء، ولأخذِ العِبرَةِ من التاريخِ؛ فَقَصْرُ “طُوبْقابي” حَمَلَ أمّةً إلى سيادةٍ عالمية، فكان هذا المكانُ انعكاسًا لعالَـمِنَا الروحيّ على الخارج؛ فهناك تتجسَّدُ الفكرة المثالية التي حملها كلٌّ من “محمد الفاتح” و”بايزيد الثاني” و”ياووز سليم” و”سليمان القانوني”؛ فقد سلَكُوا سبيلَهم، وسافروا إلى ديار قاصيةٍ بعيدةٍ لإعلاءِ كلمةِ الله، وفعلوا ما يجب فعلُه من أجلِ تحقيق التوازن في العالم؛ فأطاحوا بالظالمين، وجعلوا المظلومين يتنفَّسُون الصعداء، وعندما رجعوا إلى ديارهم واصلوا القيام بأعمالهم وواجباتهم في قصر “طُوبْقابي” ذلك القصر المتواضع البسيط، أما القصور الفاخرة المبهرجة مثل “دُولْمَه باغْجَه” و”يِلْدِز” فإنها أطفأَتْ نجمَنَا برغم كل وميضِها وبريقِها، فهذه وإن أَظْهَرَتْ لنا الدنيا وكأنّها جنّةٌ، إلا أنها أنْسَتنَا اللهَ والجنةَ الحقيقيّة.

 

[1] سنن النسائي، قيام الليل، 63؛ سنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، 177.

[2] صحيح البخاري، الرقاق، 51؛ صحيح مسلم، الإيمان، 302.

[3] صحيح البخاري، التوحيد، 35؛ صحيح مسلم، الجنة، 4-5.

[4] مسند الإمام أحمد: 473/4.

[5] ابن سعد: الطبقات الكبرى، 143/3.

[6] سنن الترمذي، الزهد، 13؛ سنن ابن ماجه، الزهد، 3.

[7] الديلمي: الفردوس بمأثورِ الخِطابِ، 142/1.

معاييرُ في درء المفاسد

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: كيف ينبغي للمسلم أن يواجهَ ما قد يتعرض له من معاملاتٍ وتصرُّفات سيئة؟

الجواب: “الحقدُ يُولِّدُ حقدًا والبغض يُثمرُ بغضًا” هذه حقيقة يعلَمُها الجميع؛ فمقابلةُ العنفِ بالعنف، والفظاظةِ بمثلِها والغضبِ بنظيرِه تُفضي إلى تشكُّل دوائر وأوساط فاسدة يصعبُ التغلُّبُ عليها؛ فيتمزَّقُ المجتمعُ ويغرقُ في دوَّامة تلك الحوادث، ولذا فإنه ينبغي للمؤمن أن يكون حليمًا واسعَ الصدر، وأن يتغلَّبَ حتى على أكثر الأشياء سلبيَّةً، بل وأن يتمثَّلَ في مواجهة تلك المنكرات أسلوبًا نضاليًّا يؤدِّي حتى إلى إنقاذ مرتكبيها.

الدرءُ الأحسن!

يقول الله تعالى في القرآن الكريم فيما يتعلَّقُ بهذا الموضوع: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (سُورَةُ القَصَصِ: 54/28).

تُوَجِّه هذه الآيةُ الكريمة المؤمنين إلى الكيفيّة الأفضل في مواجهةِ ما قد يتعرَّضون له من المعاملات السيّئة، ومع أنَّها نزلت في أهل الكتاب كما رُوِيَ؛ إلّا أنّ “العبرةَ بعموم الحكم لا بخصوصِ السبب”، ولذلك فإنَّ هذه الآية الكريمة كما تخاطب الجميع فإنها تخاطب المؤمنين في يومنا هذا أيضًا.

وتبينُ الآية الكريمة أنَّ مَنْ وُعِدُوا الأجرَ والثوابَ ضعفين هم الصابرون على المحن والأذى والجفاء وفقًا للمعنى الصريح لقوله: “بِمَا صَبَرُوا”، وأنَّهم هم الذين يصبرون على المصائب والابتلاءات التي تُقدَّرُ عليهم فيذيبونها في بوتقة صدورهم ويُـحَـوِّلُونها إلى ألعاب نارية، فيُقَدِّمُون مناظرَ تُبهِرُ العقولَ والأذهان تشبه تمامًا تلك الطقوس الحضرية والمباهج التي تُعرَضُ في ليالي الأفراح والأجواء الاحتفالية. أجل، إنهم وكما أُشير إليه بعبارة “وَيَدْرَؤونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ” يُحوِّلون أكثر الحوادث سلبيةً وسوءًا إلى حوادث إيجابية، ويقابلون الشر بالخير ويدفعون السيِّئةَ بالتي هي أحسن.

والمؤمن الذي يطبق هذه الآية الكريمة في حياته ويجعلها دستوره اليومي إذا ما تَوَلَّدَ بداخلِهِ شعورٌ بالبُغْضِ والحقدِ والغلِّ تجاهَ فردٍ أو جماعةٍ من الناس بسببِ ما يتعرَّضُ له من معاملات قبيحة مذمومة يحاول على الفور أن يَتَخَلَّصَ من ذلك الشعور عن طريقِ الحِلْمِ والسِّلْمِ، ومثلما وردَ في قوله تعالى ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (سُورَةُ هُودٍ: 114/11)؛ فإنَّ المؤمن إذا قارفَ عملًا سلبيٍّا يعيبُ طاعَتَهُ وعبادَتَهُ؛ فإنّه يُسارعُ إلى إزالَتِهِ رغبةً منه في التكفيرِ عمّا ارتكبَهُ من جُرمٍ، كما أنَّه يُتوِّجُ إزالَتَهُ إيّاه بأن يعقُبَه بعملٍ صالحٍ طيّبٍ.

والمؤمنُ الحقيقيُّ إذا ما ارتكب منكرًا انغرسَ هذا الـمُنكرُ في صدرِهِ وكأنه خُطّاف حديديٌّ أو حربةٌ أو حَسَكَة، فإذا بفؤادِهِ يتلوَّى ألمـًا، ومن ثَـمَّ فإنّه يسعى ويجتهدُ لِـمَحْوِه بأن يصنعَ معروفًا أو خيرًا مباشرةً، وأيًّا كان هذا المنكَرُ؛ قولًا كان أو سلوكًا أو نظرةً أو حتى إيماءة بذيئةً وقبيحةً فإنّه ينبغي له أن يُتْبِعَهُ بما هو إيجابي؛ كي يمحوَهُ ويمحوَ ما خلَّفَهُ في الذِّهْنِ والعقلِ من تأثيراتٍ سلبيّةٍ سيّئة.

وهذا إنّما هو في الحقيقةِ من مقتضياتِ العبوديّة لله جلّ جلاله، وقد استَنصَحَ سيِّدُنا معاذٌ رضي الله عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأجابَهُ قائلًا: “يَا مُعَاذُ اتَّقِ اللهَ حَيْثُما كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ”[1]، وكما أن كلَّ فعلٍ من أفعال الخير والبر يُمثِّلُ لَوْلَبًا وسُلّمًا يرفع الكلمات الطيبة إلى الله جلَّ جلاله بعبارة الآية الكريمة: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (سُورَةُ فَاطِرٍ: 10/35)؛ فإنه في الوقت نفسه يؤثِّرُ تأثيرًا من شأنه القضاء على المنكرات والشرور، ويمكننا كذلك أن نفهمَ عبارةَ “ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ” على أنها تذكيرٌ قرآنيٌّ علينا أن نستَحضره دائمًا فيما يتعلَّقُ بمسألةِ محوِ الذنوبِ عن طريق فِعْلِ الخيرات.

والواقع أنَّ التصرُّفَ الإيجابيّ يمحو من أذهان الناس جميعَ المنكرات والسلبيّات التي تقع -شخصيةً كانت أو اجتماعيةً- ويُنسيهم إيَّاها، ويُفضي في الوقت نفسه إلى مغفرة الله تعالى؛ لأن رحمتَهُ جلَّ جلالُهُ تستدعي ألا تتسبَّبَ تلك السلبيّات والـمُنْكَراتُ في أذى الإنسان وعذابِهِ في الدارِ الآخرة ما دامَ قد تاب عنها، وألا تُسَبِّبَ له معاناة داخليّة. أجل، فلا يليقُ بالمؤمنِ وهو في ديارِ النعمةِ الوفيرةِ والإحسانِ الواسعِ واللطفِ اللامتناهي هذه أنْ يتذكَّرَ تلك الأمورَ دائمًا فيقول: “ليتني لم أرتكبْ هذه الوقاحةَ تجاهَ ربي وديني ورسولي”، ممّا سيَتَسَبَّبُ له بالمعاناة الداخليّة هناك، وهو ما يتنافى مع طبيعةِ الجنّة؛ لذا سيُنسيه اللهُ إياها بلطفه وكرمه كَبُعْدٍ آخر من أبعاد رحمتِهِ ونِعمتِه سبحانه وتعالى، ولا يُبْقِيه في تلك الأزمة.

هناك أمر آخر وهو أنه لا يصح للإنسان أن ينسى ويمحوَ من ذهنِهِ -وهو ما يزالُ في الدنيا- ما ارتكَبَهُ من ذنوبٍ وآثام؛ لأنه إن كان يستغفر الله تعالى كلّما تذكر ذنبًا حتى وإن كان قد ارتكبه قبل خمسين سنة من يومه فسوف يحميه هذا الموقفُ من الوقوعِ مجدَّدًا في مثل هذا الذنب والخطإ، ويفضي في الوقت ذاته إلى أن يُثاب دائمًا بسبب هذا الاستغفار. أجل، فكلُّ استغفار على هذا النحو يُجفِّفُ منابعَ “العَدَم”، ويمحو جميع الشرور والمنكرات، وعندما لا يبقى إثم يمحوه يُثْمِرُ أشياء حين تُعرض على العبد يوم القيامة يتحيَّرُ عجبًا منها وفرحًا بها، ومن ثم فإنه يلزم الإنسانَ وهو في هذه الدار الدنيا ألَّا ينسى ذنبًا ارتكبه أبدًا، بل عليه أن يتذكَّرَ دائمًا حتى أصغر أخطائه لئلّا يُعاني من همِّها وغمِّها في الدار الآخرة، وعليه أن يُكثر من الاستغفاره تأثرًا بما يشعر به في روحه من قلقٍ وضيقٍ، وأنْ يُلِحَّ في طلبِ المغفرة من الغفّار تعالى.

ومن جانب آخر فإنه ينبغي للمؤمن أن ينسى أعمالَ البـرِّ التي فعلها، حتى وإن كانت إيذانًا بانتهاء عصرٍ وبدايةِ آخرَ وأدّى إلى إنشاء حضارة جديدة كما أحدثه فتحُ إسطنبول في التاريخ مثلًا، بل يجب عليه حينما ذُكِّر بخدمةٍ عظيمة قد فعلها أن يرى نفسَهُ غيرَ مساهِمٍ فيها، وتأخذَه الحيرةُ والدهشةُ نكرانًا للنفس فيقولُ: “يا إلهي! أفعلتُ أنا شيئًا كهذا؟، إنني لا أتذكَّر”، فإن أصرَّ الناس على قولهم: “لقد فعلتَ أنت هذا”؛ وجبَ عليه أن يعبر عن مشاعره من باب التحديث بالنعمة قائلًا: “هذا يعني أن الله جل جلاله استخدم عبدًا حقيرًا مُذنِبًا مثلي للقيام بمثل هذا، وما هذا إلّا تجلٍّ من تجليات رحمته الواسعة الفريدة”.

دفعُ السيِّئةِ بالحسنةِ مروءةٌ حقيقيّةٌ

يقول الحقُّ تعالى في آيةٍ أخرى مرتبطةٍ بهذا الموضوع: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (سُورَةُ فُصِّلَتْ: 34/41).

وبهذا يشير هنا إلى أمرٍ يُشبِهُ ذلك الذي أشارت إليه الآية المذكورة سابقًا.

ووفقًا لهذا فإنْ كان الشخصُ الذي يُعادي الآخرين غيرةً منه وحسدًا يُرغي ويُزبِدُ غيظًا وبغضًا، ويستفزُّ مخاطَبَهُ ويُثيره، ويرغب في إغضابِهِ؛ فعلى مخاطبِه أن يكظمَ غيظَهُ متمثِّلًا معنى قوله تعالى ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 134/3)، “وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ” أي الذين يكتمون غيظهم ويبتلِعونَ غَضَبَهُم حتى ولو كان ذلك بصعوبة؛ فهم الذين لا يُظهرون ما بهم من همٍّ وغمٍّ، ويَــثْبُتُون ولا يتسرَّعون في هذا الشأن، وقد امتَدَحَت السنَّةُ النبويّة موقفَهم هذا، إذ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى خَيْرِ أَخْلَاقِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ”[2]، فأرشَدَنا إلى أن نعفوَ ونصفح عمَّن أساء إلينا، وأن نُقابلَه بالخيرِ كي لا يُكرِّر فعله مرَّةً أخرى… أجل، إنَّ كلَّ هذا نماذج لمقابلة السيئة بالحسنةِ.

وبعبارة أخرى فإنه ينبغي للمؤمن أنْ يُقابل كلَّ التصرفات السلبية الموجهة إليه والمعاملة السيئة تجاهه بالخير والبرِّ حتى وإن كان الآخرون يمطرونه بوابلٍ من الشرور ويعاملونه أسوأ معاملة بأيديهم وألسنتهم وأعينهم وآذانهم بل وحركاتهم وإيماءاتهم، فيَحُولَ بهذه الطريقة دون تكوُّنِ الدوائر والأوساط الفاسدة، وقد صُوِّر ذلك الموقف في نظمٍ تركيٍّ (ترجمته):

مقابلةُ البِـرِّ بالبِـرِّ أمرٌ سهلٌ ويسير

ومقابلة السوء بالبِـــرِّ شأنُ المرءِ القديرِ

نعم، إنَّ مقابلة المؤمن المنكرَ بالمعروف هو “شأن المرء القدير”، لا يليق ولا يَجْدُرُ به أن يقول: “إن قالوا كذا وكذا، وفعلوا كذا وكذا، فسأقول وأفعل كذا وكذا ردًّا عليهم بالمثل”، متّبعًا مبدأَ “المقابلة بالمثل” ذلك السلوكَ الظالم، لأنَّ القاعدة الإسلامية تقول: “الضرَرُ لا يُزالُ بمِثْلِهِ”، وتصرفٌ كهذا إنما هو وقوعٌ في القيلِ والقالِ الذي تفعلُه العجائزُ الشُّمط، وخوضٌ في بحر الذنوب، وفي الوقتِ ذاتِهِ فإنَّ مثلَ هذا الفهمِ لا يُفيدُ ألبتَّة في حلِّ مشكِلات يومِنا الحاضِر، ولذلك فإنه ينبغي للجميع أن يكونوا يقظين متنبهين جدًّا في هذا الشأن، ولا سيما من تعلقوا وارتبطوا بأفكارٍ وغاياتٍ سامية.

الدفعُ بالأحسن وسلامةُ الطريق

إن الخيرَ المبذول يؤثِّرُ لا في البشر فحسب وإنما حتى في ثعابين “الكوبرا” فيجعلها تتراقَصُ طربًا، وقد رأيتم في الأفلام الوثائقية كيف تتراقصُ تلك الثعابين على نغمات “الناي”، وبما أنَّ ثعبان الكوبرا حيوانٌ أصمُّ لا يسمع صوت الناي، غير أنه حين يرى أصابِعَ عازفِ النايِ تتراقصُ على متنِ الناي، وأنها لم تُصَبْ بضررٍ فإنّها تبدأ تتراقصُ وتَطْرَبُ، وحين يختلُّ المظهرُ الذي يجعلُها تتراقصُ فربما تلدَغ، لكنَّ ذلك نزرٌ نادرُ الحدوث، لأنه لو كان كثيرًا لما شَهِدَ هذا العملُ رغبةً شديدةً بهذا القدر فيما أظنُّ.

وخلاصةُ القول: إن الله جلَّ جلالُهُ قد أنعم حتى على الحيوان بمثل هذا الحسِّ والشعورِ في مواجهةِ أوجُهِ الخير الموجهة إليه، ومن ثم فعلى الإنسان أن يستفيدَ مما أُودِعَ فيه من قابليّاتٍ ويَسِيرَ وفقَ منهج ومعنى “أَحْسِنْ إِلَى مَنِ اتَّقَيْتَ شَرَّهُ”، فلا ريبَ أنَّه ينبغي التحلّي بهذا الخُلُقِ بشكلٍ إراديٍّ في سبيلِ حمايةِ تناغمِ وسعادةِ المجتمعِ عامّةً، وإخمادِ نارِ الحقدِ والبغضِ والفتنةِ، وإطارُ هذا التصرّف محدَّدٌ بِبَذْلِ التضحيةِ في الحقوقِ الشخصية، وإلا فإن السكوت على الظلم حيث يتعَلَّقُ الأمرُ بحقِّ العامة والاشتراكَ فيه بالسكوت عنه يضعُ الإنسانَ في موضعِ الشيطان الأخرس، وهذا تصرُّفٌ لا يليق بالمؤمن ألبتة، غير أنه إن أمكنكم حين تستدعي الحاجة -أي في مواجهة مَن أشهَرَ رمْـحَهُ، وتقلَّدَ حربتَهُ مغتاظًا سائرًا عليكم كي يقتلكم- أن تقولوا “هلمّ يا صاح، لأحتضنك!”، واستطعتم بذلك أن تجعلوه يُغمِدُ سيفَهُ ويعيدُ رمـحَـه وحربتَه القاتِلَين إلى مكانيهما فَذَاكَ، وعليَّ أن أُكَرِّرَ أنَّ مثل هذا التصرُّف مهمٌّ أهميَّة قُصوى في حلِّ ما نُعانيه من مشكلات معاصرة.

 

[1] سنن الترمذي، البر والصلة، 55؛ مسند الإمام أحمد، 284/35.

[2] جامع معمر بن راشد، 172/11 (واللفظُ له)؛ وانظر: مسند الإمام أحمد، 654/28؛ البيهقي: شُعب الإيمان، 417/10.

التعمق في الشعور والفكر الديني

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ماذا يعني التعمق في الشعور والفكر الديني؟ وكيف يتحقق الوصول إلى مثل هذا الهدف السامي؟

الجواب: يبدأ الشعور والفكر الديني لدى البشر بواسطة التلقين أولًا، ثم يتمسك به ويُتبَنَّى ويدوم ويحيا عبر التقليد، وربما إنْ أمعنّا النظر في بداية حياة كلٍّ مِنَّا، وانتقلنا إلى مرحلة الطفولة فإنه يتبين أننا لُقِّنَّا على نحوٍ بسيطٍ أركانَ الدين الأساسية كالنطق بالشهادتين والصلاة والصوم والزكاة والحج إلى جانب الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر، وأننا أخذناها عن طريق التقليد وتمسكنا بها مع مرور الزمن.

وقد ذهب جمهورُ الْعلمَاء إِلَى صِحَة إِيمَان الْمُقَلِّد وترتُّبِ الْأَحْكَام على هذا الإيمان فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة[1]، ولكن يجب تثبيت الحقائق المكتسبة بواسطة الإيمان التقليدي وإقامتُها على أرضية صُلبة سليمة ووعيُها جيدًا حتى يستطيع المؤمن مقاومة عواصف الإنكار والضلال العاتية؛ لأن التقليد قد يؤدي وظيفة مؤقتة في بداية الأمر إلا أنّ بقاء المكتسبات التي تم الحصول عليها بفضله ورسوخَها إنما يمكن بالتحقيق؛ فمثلًا آباؤنا وأمهاتنا لقّنونا المعلومات النظرية الأولية المتعلقة بوجود الله ووحدانيته، غير أنه ينبغي لنا لاحقًا وحين يقال “إن الله واحدٌ” أن نستشعر ونستنبط الحقيقة نفسها من كلّ شيء في الكون بل ومن كلِّ أمر تكوينيٍّ، تمامًا مثل سعي أحد الإخصائيين المعمليين إلى استخراج النتيجة بواسطة ما يجريه في المعمل من تحاليل وبحوث، فيلزم في هذا الموضوع التحلي بالإيمان القوي السليم الثابت الراسخ والذي لا يتزعزع حتى وإن تعرض لهزة أرضية بقوة عشر درجات على مقياس ريختر؛ والذي يجعل صاحبه يقول: “وإن زعموا عكس هذا خمسين مرة فتلك هي الحقيقة وليس ما زعموا، وقد أرتاب من أن تكرار العدد اثنين مرتين يساوي أربعة، غير أن الحقائق الإيمانية تشكّل في داخلي قناعة وإيمانًا لا تمكن معه ذرة شك أو شبهة!”

الخلاص من التقليد منوط بالجهد والسعي

إن كان الأمر كذلك فلا بد أولًا من الحفاظ على هذه القيم التي فطرها الله جل جلاله فينا وتلك التي اكتسبناها عبر المناخ الثقافي الذي نشأنا فيه وكذلك التي توارثناها من آبائنا، ولا بد من أن نراجع أنفسنا باستمرار خشية أن نفقد هذه القيم، وعلينا كي نثبّتها على أرضية أكثر صلابة وثباتًا أن نداوم على مراقبتها بشكل ثابت، ويجب الركض والسعي الدائب من أجل إحكام وتوثيق الأركان الإيمانية.

إننا -بالنظر إلى الغالبية العظمى مِنّا- ولدنا من أبوين مسلمين، ونشأنا في وسطٍ يسود فيه الدين الإسلامي، ويتردد من مآذنه الأذان جهوريًّا، ويتلى في جوامعه القرآن الكريم تلاوة رقراقة، وتلقى في جنباته المواعظ والنصائح الدينية، وبهذا فقد منحنا الله جل جلاله القدرة على تحصيل جميع هذه الحقائق على المستوى النظري، وعليه فإنَّه ينبغي ألَّا تفتر هممنا، وألَّا نترك هذه المكتسبات المهمة على حالتها الأولى دون أن ننميها، بل علينا أن نجتهد ونسعى دومًا كي نسمو ونرتقي بها إلى الأعلى، أما التصرفات والسلوكيات العكسية المخالفة لذلك فإنها تعني نكرانًا للجميل وإساءة لتلك الأمانات.

أجل، بما أن الحق تعالى قد منَّ علينا بمعرفة الجانب النظريّ لكل هذا، وحمَّل إرادتنا أمانة تحصيل الجانب العملي منها فإنه يلزمنا أن نركض في إثر تلك الأمانة بكل جهودنا ومساعينا.

مراتب اليقين والطريقُ المؤدية إلى التحقيق

إنَّ مفاهيم “علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين” ربما تضطلع بمهمة العاكس الضوئي في الطريق المؤدية من التقليد إلى التحقيق.

فعلم اليقين يعني إخضاع الأشياء والحوادث وتحليلها تحت أطياف العلم المنيرة، واستنباط الحِكَم والمعاني الكامنة في الأوامر التكوينية عبر التفكر والتأمل، والوصول بهذه الطريقة إلى معرفة يمكنها أن تثبت حقائق الإيمان بالأدلة والبراهين، وإنَّ مطالعةً وبحثًا وتحليلًا بهذا الشكل سوف يقوم بمهمة تأمين المكتسبات عن طريق التقليد، وحمايتها وحراستها كالصوبة ضد ما يلقيه الملحدون من شبه وشكوك ووساوس وغير ذلك، أما عين اليقين فيعني مشاهدة ما نعتقده من معلومات نظرية بأدلة وبراهين قاطعة مشاهدة مباشرة، أي استشهاد لطائف الإنسان كلها على تلك الحقائق.

نعم، الرؤية تختلف عن النظر، فمن حظي بوجهة نظر سليمة وبالتالي بمشاهدة ما وراء ما ينظر إليه فإنه ينظر إلى الطبيعة من حوله نظرة متميزة حتى إنه ليعدو من شجرة إلى أخرى يرغب في تقبيلها، لأنه يشاهد في وجه كل شيء تجليًا من تجليات أسماء الحق تعالى فيخرّ ساجدًا، والذين أبحروا في آفاق عين اليقين يشاهدون آلافًا من تجليات الحق تعالى في كل موجود، وينجذبون أحيانًا، ويعبرون عن مشاعرهم بما يشبه عبارات نيازي المصري (ترجمة):

ظننتُ أنه لم يبق في العالم من حبيب

حتى إذا تخليتُ عن نفسي رأيتُ أن كل شيء حبيب

أي إن الإنسان حين يتخلى عن نفسه يبدأ في رؤية تجليات الحق تعالى في كل شيء فيغيب عن نفسه في استغراقٍ ويذوب في هذا البحر ويفنى فيه.

لا تتجلى أنت ما دُمتُ أنا في الميدان

فشرطُ إظهار وجودك أن أكون غائبا         (غَوثي)

أي حين يتخلى الإنسانُ عن وجوده ويذيبه أمام الوجود الحقيقي يفتح الأبواب إلى آفاق حق اليقين، والواقع أننا لا ندري هل يُيسَّر لإنسانٍ الفوزُ بمرتبة حق اليقين على أكمل وجه بهذا المعنى؟ وبينما يقول فضيلة الشيخ الإمام الرباني في مكتوبٍ من كتابه “المكتوبات” إن هذا ليس ممكنًا في الدنيا، نجده في مكتوب آخر قائلًا بأنه ممكن بقدر معين، وتوفيقًا بين هذين الرأيين يمكننا القول إنَّ ظل حق اليقين قد يتيسر لبعض الناس في الدنيا، إلا أن حقيقته الأصلية ستظهر في الآخرة، لأنه حيث تسبق القدرةُ الإلهيةُ الحكمةَ الإلهيةَ يظهر حق اليقين على حقيقته ويشعر الإنسان بتلك الحقيقة بكل أبعادها بحسب أفقه.

إذا سألت فاسأل الله لا تنقطع بك السبل

إن أهل التحقيق ضربوا أمثلة لبيان مراتب اليقين التي سعينا للتعبير عنها باختصار، فقال بعضهم على سبيل المثال إنَّ علم الإنسان نظريًّا أن النار حارقة ومنضجة للطعام ومنيرة لما حولها حين تكون لهبًا وتصديقَه بذلك هو علم اليقين، أما عند نظره إلى النار المتأججة في المدفأة ومشاهدته بعينيه أنها مصدر للحرارة، ومنيرة لما حولها مضيئة له فهذا هو عين اليقين، ومن أجل تقريب مرتبة حق اليقين للأذهان ضربوا لها مثلًا باحمرار الملقاط في مدفأة ممتلئة بالنار مباشرة وعدم التمييز بينه وبين النار، وفي هذه النقطة الأخيرة لا وجود حقيقيًّا لي ولك، ليس هناك أحد سوى الله جل جلاله، حيث يخجل الإنسان في تلك النقطة أن يقول “أنا”، وإنما يقول “هو” فحسب، ويتنفسه في كل لحظات حياته.

إذًا ينبغي للإنسان أن يهرع دومًا كي يسمو من منزلة إلى أخرى، وأن يحوِّل كل حديث للحديث عن الله، هكذا يلزمه أن يذكره كل يوم بواسطة مكتسبات جديدة، علينا أن نقول كل يوم: “الحمد لله، تعرفنا اليوم على ربنا من جديد، وذكرنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة أخرى، وشعرنا بالشوق والحنين إليه، وقلنا: “فداء لك أرواحنا!”، وتحرقنا شوقًا إلى الانضمام إلى هذا المجلس العذب مرة أخرى.

وبهذا يتسنى للإنسان أن يحوّل ثواني عمره إلى سنوات. أجل، إن لحظات الإنسان العذبة الهنية هذه وحياته سعيًا إلى الوصول إليها، وتذكرها في عقله دائمًا غضة ندية سوف يجعل الثواني في حياته بل وما هو أقل من الثواني في حكم العبادة، ويرشحها للخلود، وما دام الإنسان يرى نفسه جديرًا بالأبدية وبرؤية الذات الأبدية، فالحصول عليها إنما يمكن بأن يعيش الإنسانُ مرتبطًا بما ذكرنا آنفًا.

اللهم امنن علينا بعنايتك في هذا السبيل واجعلها لنا رفيقًا، فسائلوك لا ينقطع بهم الطريق أبدًا.

وإن سألْنا اللهَ فإنه سيعطينا كل حاجاتنا إن عاجلًا أو آجلًا دون ريب، وقد عبّر فضيلة الشيخ محمد لطفي أفندي عن هذا أفضل تعبير وبأسلوب بسيط وسلس فقال (ترجمة):

ألا يُحبُّك المولى إن أحببتَه؟

ألا يُرضيك إن هرولتَ لتنالَ مرضاتَه؟

لو وقفتَ له على الباب، وفديتَه بالروح والنفس والأحباب

وعملتَ بأمره، ألا يجزل لك الثواب؟

 

[1] التفتازاني: شرح المقاصد، 264/2.

العِلم المُبْعِدُ عن الله

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما الدروس المستفادة من الحديث النبوي الشريف: “مَنِ ازْدَادَ عِلْمًا وَلَمْ يَزْدَدْ فِي الدُّنْيَا زُهْدًا لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللهِ عزَّ وَجَلَّ إِلَّا بُعْدًا”[1].

الجواب: إنّ الطرق التي توصِّل الإنسانَ إلى الله تعالى كثيرةٌ بعدد أنفاس الخلائق؛ فلكلّ إنسانٍ ملكاتٌ وقابلياتٌ مختلفةٌ عن الآخر، وعليه فإن بعضَ ذوي الطبائعِ الحسّاسة يرون أنَّ العِشْقَ هو أهمُّ السُّبُلِ الموصِلَةِ إلى الحق تعالى؛ ولذلك فإنَّ بعض الضاربين في الأرض طلبًا للعشق قد تناولوا هذا الطريق وتحدثوا عنه، ومنهم “فضولي البغدادي” إذ أنَّ وتألَّـمَ يطلبُهُ قائلًا (ترجمة):

اللهمَّ أذِقني بلاء العشق دومًا

ولا تُبعدني عنه لا لحظةً ولا يومًا                    

بينما الشيخ “محمد لطفي أفندي” أحد رجال القلب والمعنى يقول (ترجمة):

هَبْ قلبكَ لمعشوقٍ فيَسُرّك ويُبهِجك

وتمسَّك بذَيلِ مَن مُرادَكَ يُبلِّغُك

وثمة بطل آخر من أبطال العشق هو “الشيخ غالب”، تراهُ يُصوِّرُ العالَم الداخليَّ للعاشق قائِلًا (ترجمة):

إنّ قلبَ الزاهدِ الجنةُ تَهمُّه

ولا يهمُّ قلب العارف المكلومِ إلا معشوقُه

وإنّ بعضَ سالكي سبيل الحقِّ والحقيقة حاولوا الوصول إلى الله تعالى عبر طريق الزهد، واعتقدوا أنَّ هذا الطريق أهمُّ وأسلَمُ بالنظر إلى غيره من الطرق الأخرى، والزهد -في أحد معانيه- يعني تركَ الدنيا وما فيها، والاستفادةَ منها بقدرِ الحاجة فحسب، فالإنسان لا ريب مُطَالبٌ بتلبية حاجاته البدنيّة من أكلٍ وشربٍ ونومٍ حتى يواصل حياته، بيدَ أنَّ الإنسانَ الراغبَ في أن يحيا حياته في دائرةِ الزهدِ لا يطمع بالاستغراق في الاستفادة من هذا النوع من النعم الدنيوية، ولا إلى التشبُّعِ منها؛ خوفًا من أن تُوقِعَهُ هذه الملَذَّاتُ في الغفلة، ومن ثمَّ يسترشد في حياته دائمًا بعبارة: “ما هذه الملَذَّات إلا نماذج، وقد أُذِنَ لنا منها بالتذوُّقِ فحسبُ، لا بالشراهةِ والغبِّ”.

أما أرباب الكمال وبعض الأرواح الحسّاسة الساعية إلى التعرُّف على الله تعالى عبرَ طريقِ التدبُّرِ والتذكُّرِ والتفكُّرِ فإنها تُحَلِّلُ الأشياء والحوادث بعمقٍ دائمًا، وتطالِعُ كتابَ الكون وتُقيِّمُ المناسبات بينه وبين القرآن الكريم معجزِ البيان، وتسعى لمشاهدة كلِّ واحدٍ من هذين الكتابين تحت عدسة الآخَر ومرصده.

التائهون في أودية التقليد

خلافًا لكلِّ هؤلاء فإنّ ثـمّةَ أناسًا أَسَرَهم التقليد وكَبَّلهم؛ بحيث عجزوا عن التخلُّصِ من العيش الصوريِّ والشكليِّ، وأمثالُ هؤلاء الناس يصعبُ عليهم إلى حدٍّ بعيدٍ أن يتقدَّموا ويسيروا إلى الأمام؛ فموقفُهم من حيث تقليدهم ما رأوه عند آبائهم يُشْبِهُ موقفَ الكافرين الذين: ﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 104/5)، والإنسانُ الذي يعيش هذه الحالة يجب عليه أن يسأل نفسه: “لو تربَّيتُ في حظيرة إحدى الكنائس هل كنتُ أستطيعُ أن أظفرَ ولو حتى بإسلامي التقليديّ الذي أنا عليه الآن باستخدامي العقلَ والمنطق والمحاكمة العقلية؟!”، والحقُّ أنَّ أهل السنة والجماعة قالوا بقبول الإيمان حتى ولو كان تقليديًّا معتمدين في ذلك على سعةِ رحمةِ الله تعالى؛ أي إنَّه سينجو أولئك الأشخاصُ الذين إنّما يشهدون أنَّه “لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله” ويذهبون إلى المساجد، ويصومون تقليدًا لآبائهم واقتداءً بهم ليسَ إلّا.

كثرة من يزعم أنه المهدي المنتظر

الحقيقة أن هذه الأمور المذكورة بالنسبة للتقليد ترسُمُ جيلَنا وتُصَوِّرُهُ، لأنَّه ليس بيننا على الإطلاق من توصَّلَ إلى الحقائق التي نؤمن بها اليومَ مُعمِلًا عقلَهُ ومُعْيِيًا إيّاه في سبيل ذلك، وليس منّا من ترك راحته وفراشه ليلًا وتجول في الممرات كالمجنون وسعى كما كان يسعى “زيد بن عمرو”[2] -عمُّ عمر ووالد سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنهم- الذي سافرَ من الجزيرة العربيّة إلى الشام بحثًا عن الدين الصحيح، وحرصًا منه على الوصولِ إليه[3]، إننا لم نسعَ سعيًا حثيثًا كي نجده، وإنما اكتفينا بالتقليدِ فحسب، ولا سيما إنْ همَّ البعضُ يصفِّقُ لإسلامنا ويمتدِحُه، وظنَنَّا أنفسنا شيئًا فقد انخدَعْنا أيّما انخداع، حتى إن بعضَ البائسين أسلموا أنفسَهم للشُّهْرَةِ والصيتِ أمام هذا التقدير والتصفيق، ونتيجةً لذلك ظهر في كلِّ مكانٍ عددٌ من الأشخاص ادّعى كلٌّ منهم أنه المهدي، فنحنُ نرى في عصرِنا دعاة المهديّة قد كَثُرُوا، لدرجة أننا إنْ قلنا “ثمة حالةٌ من التضخُّمِ في ادِّعاء المهديِّ المنتظرِ” لم نبالغ. أجل، فبينما بعض المؤمنين يحاسب نفسه إن كان في عِدادِ المؤمنين أو لا؛ هناك من يرى نفسَه بطلًا سَيُخَلِّصُ العالمَ في حملةٍ واحدةٍ، ويطرح القياصرة والأكاسرة أرضًا، أما الحقيقةُ والواقعُ فتُظهران أنَّ كلَّ واحدٍ من هؤلاء عبدٌ من عبيدِ التقليد الذين لم يعرفوا الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم حقَّ المعرفة، ولم يُدرِكوا شيئًا من حقيقة الخلفاء الراشدين ولا الصحابة الكرام، وتقدُّمُ هؤلاء مِنَ الصعوبةِ بمكان؛ لأنهم لم يعرفوا أين هم، وكيف أنهم يتعثَّرون حتى على الطرق المستوية الممهَّدة.

والحالُ أنَّه يجب على القلب المؤمن أن يتفكَّرَ ويتدبَّرَ ويتذكَّرَ دائمًا بينما يُبحر في بحار معرفة الذات الإلهية ومحبَّتِها، وأن يواصلَ طريقَهُ دون تلكُّؤٍ أو تباطُؤٍ أو اكتفاء، وعليه أن يقول أمام كؤوس المعرفة المقدَّمة إليه كما قالَ ذلكَ العاشقُ الولهان:

انظر إلى حال هذا العبد الفقيرِ

لقد أَسَرَته ذؤابةُ شَعرِك الضَّفِيرِ

وكلَّما غمستُ أصبعي في عسلِ عِشْقِك

استَزدْتُ منه فزادني عطشًا فأدْرِكْنِي بماءِ وصْلِك

وعليه أن يستزيدَ شربًا تمامًا كالظمآن الذي يسعى لريِّ نفسِهِ بشربه من ماءِ البحر؛ فكلّما شربَ أكثر كلّما ازدادَ عطشًا أكثر، ويلزمه وهو يبحرُ إلى المعرفةِ ليتعمَّقَ فيها من جانبٍ؛ ألا تغادرَ عقلَه -من جانب آخر- ملاحظاتٌ مهمّة مثل: لو أنني استطعتُ أن أسمعَ وأُحسَّ ما يجب أن يُسمع ويُحَسّ بالفعلِ وأدركت حقيقةَ ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (سُورَةُ الرَّعْدِ: 28/13)، ويا ليتني وعيتُ تلك البشارة الواردةَ في هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ (سُورَةُ الرَّعْدِ: 29/13)، لو أنني استطعتُ ذلك؛ لكنتُ أتَّصِلُ بالحقِّ تعالى اتصالًا أقوى، وأترنَّم بنغماتِ العشق والاشتياقِ دائمًا، وأخفضُ للمؤمنين جناحَ الذلِّ والتواضع، وأنظرُ إلى المخلوقات كلِّها برأفةٍ وشفقةٍ واسعة كالفضاء، وعدمُ حدوثِ هذا يعني أنني ما زلتُ أخلدُ إلى الأرض وَضَاعَةً ودنوَّ مقام.

الجمعُ بين السعيِ الخارقِ والتواضعِ الفائقِ!

العبوديّة الحقَّةُ هي الجمعُ بين سعيٍ خارقٍ وتواضُعٍ فائقٍ؛ فعلى الإنسان أن يرتقيَ إلى العُلا حتى إنَّ الملائكة حين تنظر إليه تتحيَّرُ وتتعجَّبُ قائلةً: “يا لَلعجب! كيفَ لِمخلوقٍ من صَلْصَالٍ من حمإٍ مسنون أن يُشَارِكَنا نفسَ الأفقِ أو يُحَلِّق أمامنا؟!”، وينبغي له عندئذٍ أن لا يرى نفسَه إلا صفرًا، ويقولُ بكلِّ راحةٍ ودون تردُّدٍ حين يطلبون منه الحديث عن نفسِهِ: “لا شيءَ قطّ”.

ليس ثَـمّة إنسانٌ أعظمٌ من مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم من حيث إدراك الكمال بحقّ، وبرغمِ هذا فقد تضرَّعَ صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى داعيًا إيّاه: “اللهُمَّ اجْعَلْنِي فِي عَيْنَيَّ صَغِيرًا وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ كَبِيرًا[4]، وقد دعا أحدُ أولياء الله بهذا الدعاء وعدَّلَ فيه تعديلًا يُوافِقُ حاله فقال: “اللهُمَّ اجْعَلْنِي فِي عَيْنَيَّ صَغِيرًا وَفِي دِينِي كَبِيرًا!”.

ينبغي للإنسان أن يرى نفسه وضيعًا صغيرًا بقدر جناحِ بعوضة، بيد أنه يجبُ عليه من ناحيةِ العمقِ الدينيِّ أن يقول: “إلهي! بلِّغْني كمالًا في الدين وارزقني فقهًا فيه، حتى إنَّ وارداتي الخاصّة بِدِيني تكفي لدخول الإنسانيّة كلّها في الجنة!”، ومن هذا المعنى مقولةُ سيدِنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقِّ سيدنا ماعزِ بن مالكٍ رضي الله عنه بعدَ إقرارِه بذنْبِهِ، إذ قالَ: “لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ[5]، وذلك لأنه ارتكبَ ذنبًا خفيًّا في مكانٍ لم يعرفْه ولم يرهُ فيه أحدٌ من البشر، فندمَ على ذلك، وهرعَ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأخبرَهُ أنهُ يريد أن يَتطهّر من ذنبه؛ فردّه رسول الله صلى الله عليه وسلّم ثلاث مرات، وبالرغم من هذا كان يرجع في كلِّ مرة إليه مجدَّدًا كي يُطهِّرَ نفسَه مما فعل، وبعدَ أن أُقيمَ عليه الحدُّ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم قولته المذكورة آنفًا بيانًا منه لحقيقةٍ مهمّةٍ، ومنعًا لإساءة الظنّ به[6].

أجل، ينبغي للإنسان أن يتعمَّقَ دائمًا في الإيمانِ والمعرفةِ والمحبَّةِ والذوقِ الروحانيّ والثباتِ على العشق والشوق، غير أنه إلى جانب هذا يلزمه أن يرى نفسه “لا شيء”، فهو إن كان قد توصَّلَ إلى عمقٍ قلبيٍّ بالفعل سيرى نفسَهُ أحقرَ الوَرَى، وبمفهوم مخالفٍ فإن الإنسان إن رأى نفسَه أعلى من الآخرين فهو في الحقيقة أحقرُهم وأدناهم منزلةً، ولن تتغيَّر النتيجة مؤمنًا كان هذا الشخصُ أو منافقًا أو كافرًا.

العِلم هو أن تعرف نفسك

إن الإنسان الذي يظنُّ نفسَهُ على درجةٍ عاليةٍ رفيعةٍ، ويدَّعي أنه حالةٌ خاصّة عن باقي البشرِ وأنّه إنّما أُرسِلَ مزوَّدًا بإمكانياتٍ وصفاتٍ خاصَّة من عند الله للقيام بوظيفةٍ مهمّة، وللأخذ بِيَدِ الإنسانيّة من أجل إيصالها إلى أوجِ الكمالات؛ ليس له في الحقيقة قيمةٌ تُذكرُ؛ مثلُه في ذلك مثل جناحِ بعوضةٍ، لأن علامةَ العَظَمَةِ هي التواضعُ والفناء، وعلامة الضَّعَةِ والدناءةِ هي التكبُّرُ والغرورُ.

والمعرفة الحقيقيّة هي أن يستطيع الإنسان تَتْوِيجَ ما لديه من علمٍ بالتَّنَبُّهِ التَّامِّ لمثلِ هذه الملاحظات، وهذا شأنُ من ارتشفوا الكمالَ، وبلغوا النضجَ، واستطاعوا جعلَ علمِهم النظريّ واقعًا وعملًا ملموسًا، وبالرغم من أنَّ الشيخ محمد لطفي أفندي كان يجلس على وسادَتِهِ ستّ ساعات يوميًّا يشتغل بالعلم والذِّكر فقد كان وجهه يصفرُّ ويشحب حين تذكّر الذات الإلهية فيقول (ترجمة):

ليس لي عِلْمٌ ولا عمل نافع…

ولا قدرةٌ على الطاعة والبر، ولا دافع

غريقٌ في العصيان… كثيرُ الآثام والشرور…

فماذا تكون -يا تُرى- حالي يوم الحشر والنشور؟!

ويقول يونس أَمره (ترجمة):

العِلم هو أن تعرف    

أن تـعـرِف نـفــسَـك

فـإن أنـت لا تعـرفها    

فالعفاء علـى ما قرأت

أما الذين يُعَلِّقون المسألةَ على تقدير هذا وامتداحِ ذاك؛ فليس بإمكانهم أن يتجاوزوا الموضعَ الذي يقفون فيه ولو خطوةً واحدة إلى الأمام، فمثلُ هؤلاء لن ينفعَهم مدحُ الآخرين لهم ولا إطراؤُهم أو تقديسهم، وإن قيّمنا الأمر في ضوء الحديث النبوي الشريف الوارد في السؤال؛ فإنه إن لم يرفض المؤمن الدنيا وما فيها ويُعرِض عنها زاهدًا فيها برغم وفرة علمه، وظلَّ يهتمّ بالدنيا وشأنها ويركض وراءها لاهثًا، وما إن وصلَ مرتبة حتى طَمِعَ في المرتبة الأعلى منها، وراح يتقطَّعُ متحرِّقًا جزِعًا حتى لا يضيع ما في يديه من متاع الدنيا؛ فإنّ هذا كلَّه لا يعني سوى البُعدِ عن الله تعالى، أجارنا الله وإياكم.

 

 

[1] الديلمي: مسند الفردوس، 602/3.

[2] وزيد بن عمرٍو هذا مات قبل بعثة النبي لكنّه كان من الموحِّدين العرب، وكان يقول: “اللهم إني لو أعلم أَحَبّ الوجوه إليك عبدتُك به، ولكني لا أعلم”، ثم يسجد على راحلته، وروى البخاري عن ابن عمر أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ يَسْأَلُ عَنِ الدِّينِ، وَيَتْبَعُهُ، فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ اليَهُودِ فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِمْ، فَقَالَ: إِنِّي لَعَلِّي أَنْ أَدِينَ دِينَكُمْ، فَأَخْبِرْنِي، فَقَالَ: لاَ تَكُونُ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ، قَالَ زَيْدٌ: مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ غَضَبِ اللَّهِ، وَلاَ أَحْمِلُ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ شَيْئًا أَبَدًا، وَأَنَّى أَسْتَطِيعُهُ! فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ؟ قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا، قَالَ زَيْدٌ: وَمَا الحَنِيفُ؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا، وَلاَ نَصْرَانِيًّا، وَلاَ يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ، فَخَرَجَ زَيْدٌ فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ النَّصَارَى فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَقَالَ: لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ، قَالَ: مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ، وَلاَ أَحْمِلُ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ، وَلاَ مِنْ غَضَبِهِ شَيْئًا أَبَدًا، وَأَنَّى أَسْتَطِيعُ! فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ؟ قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا، قَالَ: وَمَا الحَنِيفُ؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا، وَلاَ يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ، فَلَمَّا رَأَى زَيْدٌ قَوْلَهُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ خَرَجَ، فَلَمَّا بَرَزَ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْهَدُ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ” (صحيح البخاري، المناقب، 83). وكان يدعو الله إن لم يُقَدَّرْ له أن يُدرِكَ النبيّ المنتظَرَ فليُدرِكه ابنُه سعيد، وفعلًا أدركه ابنُه سعيدٌ وفازَ بذلك فكان من العشرة المبشرين بالجنّة.

[3] صحيح البخاري، المناقب، 83.

[4] مسند البزار، 315/10؛ الديلمي: مسند الفردوس، 473/1.

[5] صحيح مسلم، الحدود، 5.

[6] انظر: صحيح مسلم، الحدود، 5.

مفتاحُ القلوب السحريُّ: معرفة حال المخاطبين

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: إنّ مهاجري الغاية المنشودة المنفتحين على كلِّ أنحاء العالم المندفعين بفكرة المحبة والحوار لَيَلتقون مع بيئاتٍ ثقافية متنوِّعة؛ فما هي الأمور التي ينبغي لهم الانتباه إليها في هذا الصدد؟

الجواب: إنَّ الذين نذروا أنفسَهم من أجل تحقيق سعادة الإنسانية وسلامها يبذلون جهودًا طيبةً في هذا السبيل، وكي يتمكنوا من إبلاغ مخاطبيهم بمشاعرهم وأفكارهم في بساطة ويُسْرٍ ينبغي لهم بالدرجة الأولى أن يدرسوا جيّدًا الأماكن التي يذهبون إليها، ويستقرئوا ويتعرّفوا على شعوب تلك المناطق وبيئتهم الثقافية… وهذه وظيفةٌ مهمّة تعدِلُ في أهمِّيَّتِها قدسيةَ الفكرة التي يُمثِّلونها؛ لأنَّ رجلَ الغاية المنشودة يَسْهُل عليه أن ينقلَ الإلهامات الخاصة بروحه إلى الناس فيما حوله بقدر تمكُّنِهِ من معرفةِ البيئةِ التي يعيشون فيها.

ومما يُؤسَفُ له أنَّ بعضَ الناس في عصرِنا يتسبَّبون في وقوعِ مجموعةٍ من الارتكاساتِ وردودِ الفعلِ السلبية المختلفة بسبب بعضِ الأخطاءِ الأسلوبيّةِ التي يقعُون فيها بالرغم من زعمِهم التمسُّكَ بالقرآن الكريم والسنَّة النبويّة المطهَّرة والاقتداءَ بأعظم وُرَّاثٍ للدعوةِ النبويّة؛ فيؤدُّون بذلك إلى تشكيل جبهات معادية للإسلام ومناهضة له، فكَما قد يُصاب الإنسانُ بالغثيان بسبب بعض الأخطاء الأسلوبية التي تحدث عند تقديم حتى أشهى أنواع الطعام، فكذلك الأمرُ هنا. أجل، لا ريب في سلامة الحقائق الخاصة بالوحي والدينِ من شتى أنواعِ السوء والقُبحِ، وحاشاها أن تحتوي على ما يُثيرُ الغثيان أو يدعو للاشمئزاز، بل العكس؛ إنَّ كلَّ نظام ودستورٍ قرآنيٍّ هو من عند الله يقينًا، وليس في هذا أيُّ جانبٍ تضليليٍّ أو يثيرُ الشكَّ والريبةَ في أذهان الناس، وكذلك الشأنُ بالنسبة لِكَلامِ سيِّدِ الأنبياء صلى الله عليه وسلّم الذي هو شرحٌ وبيانٌ لكلِّ واحدٍ من الأسسِ القرآنية، والتصرُّفاتُ والسلوكياتُ التي أتى بها السلف الصالح تمثيلًا لذلك إنما هي في غايةِ العَظَمَةِ والتكامل، غير أن تقديم هذه الأسس المتكاملة بكلِّ جوانبها قد يتسبَّبُ في ردودِ فعلٍ خطيرةٍ جدًّا ما لم يَعرف القائمُ على الأمر حالَ المخاطبين الذين يوجِّهُ إليهم هذه الأسسَ ولم يتفهّم مشاعرهم وأحاسيسهم بشكلٍ كاملٍ ويضع نفسَه مكانهم.

أجل، إنَّ صحة الحقائق القرآنية أمرٌ مُسَلَّمٌ به، ولا شكَّ في أنه رسالةٌ إلهيّةٌ نزلت من السماء، غير أنَّه يلزم أن يُوضع في الحُسبان جيّدًا إن كانت البيئة والثقافة التي نشأ فيها المعنيُّون بالخطاب وأحوالُـهم وأطوارُهم ملائمةً لقبول تلك الحقائقِ السماويّة وفهمِها أم لا؟ وينبغي ألا يُنسى أبدًا أنَّ “الدواء بحسب الداء“، وكما قال فضيلة الأستاذ بديع الزمان فإنه: “عليك أن تقول الحقَّ في كلّ ما تقولُ ولكن ليس لك أن تُذيع كلَّ ما هو حق، وعليك أن تَصْدُقَ في كلِّ ما تتكلمه ولكن ليس صوابًا أن تقول كلَّ صدقٍ”[1]، فقد يحدث أن يفهمَ أهلُ تلك المنطقةِ الجديدةِ الحقائقَ الساميةَ العظيمةَ -التي تُقدَّم تمثيلًا للدين- فهمًا خاطئًا ارتباطًا بالبيئة والثقافة التي نشؤوا وتربَّوا فيها، وقد يشعرون بأنَّ كلَّ واحدة منها بمثابة مطرقةٍ تنزل على هاماتهم.

والواقع أنَّ هذا الوضع سارٍ بالنسبة لبني جِلْدتنا نحن أيضًا، وليس قاصرًا على سكان البلاد المقصودة الـمَزُورَةِ فحسب، ولستُ على قناعةٍ بأنَّ الذين اجتمعوا حول أمرٍ معقولٍ قد عَرَفَهم حقَّ المعرفة حتى بَنُو وطنهم أنفسهم، فضلًا عن الذين لا يرغبون في التعرُّف عليهم أو لا يَسمح لهم وضعُهم بهذا، لأن هؤلاء لا يُبصرون أساسًا، ويعيشون حالةً من “عمى البصيرة” بسبب بعدهم عنهم، ولكنني -في الوقتِ نفسِه- على قناعة بأنَّ مَنْ يقفون معهم في نفس الصفِّ ويُصَلُّون معهم جنبًا إلى جنبٍ ويسجدون معهم في نفس الموضع؛ لم يعرفوهم معرفة كافية؛ فَتَرَاهم يتصرَّفون أحيانًا وكأنهم لم يروا قَطُّ الكثيرَ من أوجُهِ البرِّ والخير التي تحقَّقَت، ولم يقرؤوا ما كُتِبَ حولها، ولم يسمعوا القصصَ التي تُسْرَدُ بشأنها، ولم يُـحَلِّلوا خلفية هذه الأعمال فيحصلوا منها على نتيجة، وإنني على قناعة بضرورة أن يَطَّلِع بنو جلدتنا اطِّلاعًا كافيًا على هذه الأعمال الخيرة النافعة في فترةٍ صارت فيها تلك الأعمال حديثَ الناس في العالم وبدأت تجمع بين مختلفِ الشعوب والأمم، وبينما يتمُّ إنجازُ هذا يجبُ توخِّي الحَذَرِ من إيذاءِ الناسِ وإيلامِهم وإرهابهم وإبعادهم، ومن الوقوعِ في داء “الأنَانية الجماعيّة” قائلين “خدماتنا، وحركتنا، وأنشِطَتنا”، كما يلزم الحرصُ والتأكيدُ على النقاط المشتركة تمامًا كما هي الأفكار والمشاعر التي تُعاش عند الذهاب إلى المسجد، ولا بدَّ من تبادُلِ الجماليّات المشتركة، حيث إنَّ البشر على مختلفِ مستوياتِهم في الفهم والأفكار يذهبون إلى الجامع مفعمين ببهجةٍ عظيمةٍ، ويصطفُّون خلفَ الإمام، ويعلِنون عبوديتهم لله جل جلاله في تسليمٍ وخضوع.

بعضُ المعايير المطلوبة في التعرف على الإنسان

قد يسألُ سائلٌ عن المعيار والقسطاس في “معرفة المخاطب والتعرف عليه”، وهذا الأمر يلعبُ دورًا كبيرًا ومهمًّا في توحيد القلوب مع الحقّ والحقيقةِ، وللجواب عنه نقول: إنَّ ثمة واقعة تُروى عن سيدنا عمر رضي الله عنه من شأنه أن يوضِّحَ لنا وجهةَ نظرٍ معيّنة ومهمّة في معرفة الإنسان والتعرف عليه:

شَهِدَ رَجُلٌ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُكَ وَلَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا أَعْرِفَكَ فَائْتِنِي بِمَنْ يَعْرِفُكَ.

فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَنَا أَعْرِفُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.

قَالَ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَعْرِفُهُ؟

قَالَ: بِالْعَدَالَةِ وَالْفَضْلِ.

قَالَ عُمَرُ: هُوَ جَارُكَ الْأَدْنَى تَعْرِفُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ وَمَدْخَلَهُ وَمَخْرَجَهُ؟

قَالَ: لَا.

قَالَ: فَمُعَامِلُكَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ اللَّذَيْنِ يُسْتَدَلُّ بِهِمَا عَلَى الْوَرَعِ؟

قَالَ: لَا.

قَالَ: فَصَاحِبُكَ فِي السَّفَرِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ؟

قَالَ: لَا.

قَالَ عُمَرُ: فَلَسْتَ تَعْرِفُهُ، ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: ائْتِنِي بِمَنْ يَعْرِفُكَ”[2].

وكما يتَّضح من هذه الواقعة فإنه ينبغي لأيِّ إنسانٍ كي يُقِرَّ بمعرفتِهِ شخصًا آخر أن يَعلَمَ عنه بضعةَ أمورٍ، نذكر منها أوّلًا: معرفة ما يشتغل به نهارًا ذلك الشخص المقصود، وكيف يقضي ليله، وهلْ يتحرَّق محاسبًا نفسَه يوميًّا على ما فعله من أعمال أم لا؟ والاطلاع بقدر الإمكان إن كان يَـــئِـــنُّ ويتألَّـمُ مستغفرًا الله تعالى ألفَ مرَّةٍ يوميًّا حتى في مواجهة أمورٍ ليست في نفسها “سلبية”، إنما يُخيَّلُ إليه أنَّها سلبية.

ثانيًا: يجب السفر مع ذلك الشخص، وتحمّل مشقَّة هذا السفر سويًّا، ومن ذلك السفرُ معًا إلى أماكن شتى من العالم في سبيل غاية سامية، وتحمُّلُ مشقّاتِ الحجّ في هذا الإطار، لأنه يمكن الاطِّلاع في ظلِّ أسفارٍ كهذه على حالة الناس من حيث مدى تصرّفهم بحلمٍ ورويّة أو عدم تحملهم المشاق وسيطرة الغضب عليهم، وفقدهم اتزانهم ووقعوهم في مجموعة من الضغوط أو محافظتهم على ثباتهم وقوتهم، وإلا فإنه يتعذَّر الإقرار بمعرفة أولئك الأشخاص معرفةً كافيةً دون التصدِّي سويًّا إلى تلك المشاقّ والصِّعابِ الـمُشارِ إليها.

ثالثًا: إن التبادلَ والتعاملَ في التجارةِ والأموالِ فحسب هو ما يُظْهِرُ أفكارَ الناس وآراءَهم الإيجابيّة أو السلبيّة فيما يتعلَّقُ بإحقاقِ الحقِّ ومدى حساسيّتهم ودقّتهم البالغة في مراعاة هذا الأمر، ولذا فإنه يتعذَّرُ التعرُّفُ على مدى حساسيّة الناس ودقّتهم في هذا الصدد ما لم نُتاجِر معهم بهذا المعنى، وهو ما يعني عدم معرفتهم بالقدر الكافي.

وبالإضافة إلى ما سردناه آنفًا من أمورٍ للتعرُّف على أيّ إنسان فإنَّه يُمكنُنا أن نذكرَ أيضًا مسألة التعايُشِ وتقاسُمِ آلامِ الحياة في الأماكن المغلقَةِ كالسجونِ؛ حيث إنَّ بيئةَ السجنِ ومناخَه مِن أكثرِ الأماكن التي يُرى فيها بجلاءٍ ووضوحٍ كيفَ يتناقشُ الناس مع بعضهم حتى في أبسط المسائل، وكيف أنّ أرزَنَ الناس وأعقَلَهُم يقع فريسةً للضغوطِ والتأثيرات وكأنه يُصاب بالشلل في مواجهة التصرُّفات الصادرة تجاهه، ويَعرِفُ هذا جيّدًا من جرَّبَ العيش في تلك البيئة.

وإذا انتفت المعايير الآنفة الذِّكْرِ فإنَّ ادِّعاءَ معرفةِ الناس هو -في أقلِّ ما يمكن أن يوصَفَ به- نوعٌ من التصريحِ المخالِفِ للواقع، لأن معرفةَ الناسِ وإصدارَ الأحكامِ بشأنِهِم يُمْكِنُ أن تتحقَّقَ في إطار المبادئ والقواعد المسرودة أعلاه، لا بمجرَّدِ الكلامِ فحسب، وعليه فإنَّ مراعاة أمثالِ هذه المبادئ تمنَحُ الخبرةَ في كيفيّة التصرُّفِ تجاه هؤلاء الناس، وفيما قد يُثير حفيظتَهم ويُغضبُهم من الكلام، وفيما من شأنهِ أن يكسِبَ مشاعرهم ويرُوقَهم من السلوكيّات، وإلَّا فقد يُبغَّض الناسُ دون وعيٍ أو شعور حتى في الموائد الإلهيّة أثناء تقديمها إليهم، وقد يُدفعون إلى الشعور بالنفور وعدم التعاطفِ تجاه تلك القِيَمِ والعياذُ بالله.

التدرّج في التبليغ مع بذلِ قصارى الجهدِ

تتطلَّبُ مسألةُ جعلِ الأسسِ الدينيّةِ روحًا للحياة جهدًا وتضحيةً فدائيّةً بقدرِ ما بذَلَهُ سيِّدُ الأنبياء رسول الله صلى الله عليه وسلّم من جهدٍ وسعيٍ ليلَ نهار استجابةً ووفاءً لأمر الله في قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ (سُورَةُ الْحِجْرِ: 94/15)، غير أنه عند تحديث الآخرينَ بتلك الحقائق ينبغي التحرُّكُ على نحوٍ يتناسبُ ويتوافقُ مع التدَرُّجِ في نزول القرآن الكريم، ولذلك فإنَّه تلزمُ معرفةُ ما سيُقالُ ولـِمَنْ؟ وأينَ؟ وكم؟ وكيف؟؛ عَبْرَ تطويرِ مبادئَ واضحةٍ محورُها التأمُّلُ والتدبُّرُ والتذكُّر الدائم فيما يتعلَّقُ بالموضوعِ، ولا بدَّ من التَّحَرُّكِ وفقًا لذلك، ومن هذه الناحية أُريدُ أن أُذَكِّرَ مجدَّدًا بأنَّ معرفة البيئةِ ومعرفة مَنْ نخاطِبُ وظيفةٌ مهمّةٌ تعدلُ في الأهمِّــيَّــة قدسيَّةَ الرسالة التي تُمثِّلها، لأن بثَّ إلهاماتنا الروحيّة في صدروهم سيكون أمرًا سهلًا بقدرِ معرفتِنا إيَّاهم، وفي حال حدث العكس فإنَّه يجب علينا ألَّا ننسى أبدًا أنَّ الناس قد يُؤذَون نفسيًّا، وتُثارُ فيهم مشاعر العداء والبغضاء ضدَّ الحقائق السماوية والقِيَمِ السامية.

فما أَمَرَّهَا من خطيئةٍ أن يُصبِحَ الناس أعداءً لله ورسولهِ بسببِ عدمِ الانتباهِ إلى الأسلوبِ وعدم الحذر عند تحديث الناس عنهما بقصدِ التحبيبِ فيهما! وما أحزنه وأفجعه من موقفٍ إحداثُ جروحٍ لا تندمل في أذهانِ الناس حديثي العهد بالدين والإيمان بسبب تحديثهم أوَّلًا عن جهنّم وعذابها، ومن ثم إبعادهم عن الدين والتديُّن بهذه الطريقة وتنفيرهم بحيث يتعذَّرُ استرضاء قلوبهم مرة أخرى!

اللهم لا تؤاخذنا بمن آذيناهم ونفَّرْناهم بسببِ خطإِ أسلوبِنا ونحنُ نتحدَّثُ عنك جلَّ جلالُكَ، وعن الحقِّ والحقائق، اللهم اعفُ عنَّا، واغفر لنا.

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب الثاني والعشرون، الوجه الرابع، الدستور الثاني، ص 323.

[2] البيهقي: معرفة الآثار والسنن، 237/14؛ السنن الصغرى: 4/ 134.

مظهرٌ جديدٌ من مظاهِرِ الظلم، والإسلامُ الشكليّ

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: إنَّ مَنْ لا يسكتون على الظُّلمِ والجَورِ ويحاولون تحذيرَ الناس من المنكرات يتعرضون لهجمات كالافتراء عليهم وتهديدهم وقمعهم؛ فما التصرُّفُ الذي يتَّفِقُ مع القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة وينبغي لهؤلاء الناس أن يلتزموه في مواجهة ما يتعرضون له؟

الجواب: يبيِّنُ الحقُّ تعالى في قوله ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 110/3) أنَّ أمَّةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم هي خيرُ أمَّةٍ أُخْرِجت للناس، وقد ربطَ الله عزَّ وجلَّ وصفَ الخيريَّة هذا بصِفَتِها آمرةً بالمعروفِ ناهيةً عن المنكر إلى جانب صفة الإيمان، وبتعبير آخر رَبَطَهُ بنشرِها الخيرَ وحمايتِها الناسَ من أضرارِ الشرِّ، ومن هذه الناحية فإنَّه ينبغي للمؤمن إذا أرادَ تنشِئةَ جيلٍ نموذجيٍّ قدوةٍ تغبِطُه حتى الملائكةُ عليهِ؛ أن يُساهمَ -بواسطةِ الأمر بالمعروف- في تحليةِ الناسِ بالفضائلِ والمحاسِنِ، وأن يسعى -بواسطة النهي عن المنكر- إلى تخليةِ الناسِ عن الرذائلِ، ومنعِهم ممّا استنكره واستحقره اللهُ جلّ جلاله ورسولُه صلى الله عليه وسلم والعقلُ السليم والطبيعةُ البشرية.

فِعلُ الخيرِ سِرًّا

إن التحذيرَ من الشرور والآثام له سُبُلٌ مؤَطَّرَةٌ وقنواتٌ خاصّةٌ وحدودٌ واضحةٌ، فيجبُ ألا ننسى أن الموقف الواجب اتِّخاذُه عند النهي عن المنكرات لا يكون موجَّهًا للشَّخْصِ نفسِهِ، بل للأوصاف السيِّئَةِ الموجودة فيه، وبتعبير آخر: إنَّ كلَّ صفةٍ سيّئةٍ تُشبِهُ فيروسًا يُصيبُ البَشَرَ، والغايةُ الأصليّة من النهي عن المنكر هي القضاءُ على ذلك الفيروسِ لا على حامِلِهِ حتى يستردّ الفردُ صحَّتَهُ وعافيَتَهُ وأمنَه وطمأنينتَهُ مجدّدًا، ولذا فإنَّ المؤمن يقف في وجهِ الصفاتِ الذميمةِ، بل يعلن الحربَ عليها، لكن ينبغي له أن يكون رحيمًا إلى أبعد الحدود بمن يحملونها، ويستخدمَ تجاههم لغةً وأسلوبًا ليّنًا، لدرجة أنه يجبُ عليكم وأنتم تُحَذِّرون مرتكبي المنكرات مما يفعلونه ألا يَفطنوا إنْ كنتم تعارضونهم أو لا. أجل، ينبغي لكم أن تتحرّكوا وتتصرّفوا هكذا بأسلوبٍ رقيقٍ دقيقٍ حتى يتسنَّى لهم أن يتخلَّصُوا سريعًا ودون وعيٍ من تلك الصفات الذميمة التي يحملونها، ويخلعوها عنهم كما يخلعُون ملابِسَهم تمامًا؛ فالتصرُّفُ هكذا هو أحدُ ضروريّات وثوابتِ السلوكِ والمنهجِ النبويِّ صلى الله وسلّمَ على صاحبِهِ.

وإن قابَلْتُم المواقفَ والسلوكيّات السلبية بِمِثْلِهَا فإنّكم تُضَاعِفُونها أكثر بدلًا من أن تمنعوها، ولا سيما في عصرنا الذي تُضَخُّ فيه السلبيَّات إلى الناس دائمًا؛ مما أدّى إلى ممارَسَتِهِم العديدَ من السلوكيات والتصرفات المنبوذة، وهذه مسألةٌ شديدة الخطورة.إذًا كونوا -كما وصفَ وأرادَ مولانا جلال الدين الرومي- شمسًا تلاطِفُ الجميعَ شفقةً ورحمةً، وترابًا تدوسُه الأقدامُ تواضعًا ولينَ جانبٍ، ومطرًا يروي النباتَ والشجرَ كرمًا ومعونةً، وشجرًا نافعًا للآخرين ظِلًّا وثمارًا، وليلًا يوارِي كلَّ شيءٍ سترًا للعيوب، وميِّتًا بُعدًا عن الحدّة والعصبّية، ومحيطًا متراميَ الأطراف تسامحًا وصفحًا… كما ينبغي لكم أن تُحافظوا على نفس الموقف لا سيّما تجاه من بَعُدوا عنكم وانزلَقُوا في مجموعةٍ من الأخطاءِ والزلّات بسبب همزات الشياطين وإغواءِ النفسِ الأمارةِ بالسوءِ رغمَ أنهم يتَّجِهونَ إلى نفسِ القبلةِ التي تتّجهون إليها ويسجدون معكم حيث تسجدون، فيجب عليكم أن تَثبُتوا على موقفكم وتُحافظوا على منهجِكم معهم حتى وإن بَعُدوا هم عنكم؛ لأنكم إن بَعُدتُم عنهم شبرًا كلَّما بعدوا عنكم شبرًا تضاعَفَت المسافةُ وشَسَعَ البونُ بينكما، غير أنكم إن تَثبُتوا على موقفكم تُقلِّصوا المسافة بينكما، ويصبح هذا البعد خطأً قاصرًا عليهم دونكم، فلو أنهم ندِموا ذات يومٍ وأرادوا الرجوعَ فإنهم لا يُعانون كثيرًا في تلافي أخطائهم التي ارتكبوها، ولا يضطرّون في سبيلِ تحقيقِ ذلكَ إلى استخدامِ جدليّاتٍ وحُججٍ واهيةٍ مختلفة، فليس من الجيِّدِ تضخيم الفتنة وتوسيعها، بل المهمُّ هو التصدّي لها بدِرْعِ الفطنة والقضاء عليها.

الامتحان بمشاعر العزّة والشَّرَف

قد يَعُدُّ البعضُ اتخاذَ موقفٍ تجاهَ هذا النوع من الناس أحدَ ضروريّات حمايةِ شرفهم ومجدهم وعِزّتهم، غير أنَّ مفخرةَ الإنسانيّة صلى الله عليه وسلم -تاجَ الشَّرَفِ والمجدِ وقِمّتَهُ- قد رجعَ خطوةً إلى الوراء في بعضِ المواقف الحسّاسة حين استدعى الأمر ذلك؛ مُفكِّرًا فيما سَيجْنِيه من مكتسبات ومنافع لاحقًا، وبهذه الطريقة علَّمَنَا أن التراجُع قليلًا حين يقتضي الأمرُ ذلك إنّما هو مِن إستراتيجيّاتِ المسلمين.

فمثلًا لقد خرجَ النبيُّ صلى الله عليه وسلّمَ من المدينةِ ومعه أصحابُهُ الكرام قاصدينَ مكّةَ المكرَّمةَ لأداءِ مناسكِ العمرة، واجتازوا لأجلِ ذلك زهاءَ أربعمائة كيلومتر ركوبًا على الخيل والجمال، غير أنّهم لما اقتربوا من مكّة ولم يبقَ بينهم وبينها إلا مرحلَتَين أو ثلاثة؛ اعترضهم مشركو مكَّة ومنعوهم من دخولها؛ إذ حاصرَ خالدُ بن الوليد المعروفُ بدهائه العسكري -ولم تكن عيناه آنذاك قد انفتحتا على الحقيقة بعدُ- حاصرَ المسلمينَ بكتيبتِهِ المختارةِ من صفوةِ خيَّالةِ قريش، منعوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأصحابَه من الدخول فلم يعترضْ مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم على هذا، في حين أنَّ مَنْ كان هناك من ساداتنا الصحابة كانوا قادرين -بإشارة منه صلى الله عليه وسلم- على أن يناضلوا بحقٍّ واستماتةٍ ويتغلَّبوا -بإذن الله تعالى- على مشركي مكةَّ وفيهم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، ويدخلوا مكَّةَ عنوة.

لكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ائْتَمَنَ نفسَهُ على شرفِ وعزَّةِ أتباعِهِ إلى جانبِ عِزَّتِهِ وشرفِهِ نفسِهِ وافق على المادة الواردة في المعاهدة بشأنِ عودةِ المسلمين من حيث أتوا دون أن يَعْتَمِروا ويزوروا مكَّةَ هذا العام، لقد وافقَ رَغْمَ وعدِهِ أصحابَهُ ومعرفتِهِ مشاعرَهم وأحاسيسَهم، وعاد بعد إبرام المعاهدة هو وأصحابُه سويًّا إلى المدينة دون أن يعتمروا، وعلى نفسِ الشاكلةِ أيضًا فقد أمر صلى الله عليه وسلم بِنفسِه أن تُمسَحَ عبارةُ “رسول الله” المدونةُ في أوّل المعاهدة بسبب اعتراض المشركين عليها، كما قَبِلَ صلى الله عليه وسلم مواد الاتفاقيّة التي بدت في ظاهرها ضدّ المسلمين في صلح الحديبية كمادة أنه: “من أتى محمدًا من قريش من غير إذن وليه رده محمدٌ إليهم، ومن جاء قريشًا مِمَّنْ مع محمد لم يُرَد إليه”، حتى إن بعض المسلمين الذين كانوا يُعذَّبون في مكّة أثناء الصلح كسيدنا أبي جندل هربوا ولجؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنّه صلى الله عليه وسلم أعادهم كرْهًا وعلى مضضٍ، بسبب إصرار المشركين وإلحاحهم على تفعيلِ الاتفاقيّة مباشرةً.

إن هذه هي النقطة التي تُنتهك فيها الشرفُ والعزةُ من جانبٍ، وقد تحمَّل كلَّ هذه الأمور مفخرةُ الإنسانية صلى الله عليه وسلم الذي اعتصر وجدانه ألمًا وشعر بكلِّ الآلام والهموم التي اكتَنَفَت مشاعرَ ساداتِنا الصحابة في مواجهة تلك الأحداث، وعند النظر إلى هذه الأحداث يمكن تقييمُها -في جانب منها- على أنها خطوة للوراء، غير أنَّ كلَّ واحدةٍ منها كانت حملةً مهمَّةً جدًّا من أجلِ الانتقالِ إلى الشدِّ المعنويِّ والسيرِ قُدمًا نحوَ الفتحِ المستقبليِّ الـمُنتَظَر؛ حيث إنَّ الرجوع خطوةً إلى الوراء هنا شَكَّلَ ظروفًا مناسبةً وأرضيَّةً خصبةً لفتح مكة فيما بعد، وكوّنَ مناخًا ملائمًا استطاعَ المسلمونَ خلالَه بفضلِ الله فتحَ مكّة بسهولةٍ ويُسرٍ.

الصبر الفعّال ولحظة تنسيم التجلّيات الإلهيّة

قد يُساءُ إلى شَرَفِنا وتُكسَر عِزَّتُنا ونُؤذَى نفسيًّا في يومنا الحاضر أيضًا، ونتعرَّض للحقد والبُغض والحسد حتى يصل الأمرُ لمعارضة أجمل الأعمال التي نضطلع بها وأكثرها معقوليّة فتُوصَفُ بأنها شيطانيّة، وفي فترةٍ زمنية معينة كان يُهاجمكم مَنْ ينزعجون من كلِّ شيء يتعلق بالدين، ويفتشون في كلِّ ما يخصُّكم صغيرًا كان أو كبيرًا، ويُخْضِعونه للمراقبة، وقد مرَّت سنوات على هذا، ولكنه لم يتغيَّرْ شيءٌ كثير؛ إذ جاء المتذَبْذِبون -الذين هم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء- بعد الملحِدين، وواصلوا هذا الظلم، وبعد أن ذهبوا هم أيضًا جاءت هذه المرةَ مجموعةٌ من المسلمين استجمعت في يدها قوَّةً وإمكانيَّاتٍ معيّنة، وبدأت هي الأخرى تستسيغُ المظالم التي ارْتُكِبَتْ سابقًا ضدّكم بسبب تديُّنِكم والتزامِكم، وعارضت بأسلوبٍ مُغرِضٍ -لم تتخِذْه ضدّ أيِّ شخص على الإطلاق- المدارسَ والمدنَ الطلابيَّة ومراكزَ التأهيلِ الجامعيِّ التي أنشأها شعبُنا المخلصُ بكلِّ جهدٍ وإخلاصٍ، وأَعْدَت هذه المجموعةُ بعضَ الناس ضدّ تلك المراكز التعليميّة “أملًا في العثورِ على ثغرةٍ فيها!”، وذلك لأنَّ الحسدَ والحقدَ يجعلُ الإنسان يأتي من الشرور ما لا يأتِيه الكافر أحيانًا.

غير أنّه ينبغي لنا ألا نفزعَ أو نهتزَّ في مواجهة كلِّ هذه الشرور والمساوئِ، وألا نتشدَّقَ قائلين: “مجدي، وعزّتي!”، بالعكس يجب الانتباهُ إلى أنَّه ثَـمَّة مظالم وأضرارٌ تقعُ في محيط إذن الله تعالى لِحِكَمٍ خفيّة، والتي لو لم يأذنْ بوقوعها لما استطاع أحدٌ أن يَضُرَّ أحدًا، فيجب الرضا بما يقسمُه، والتوجُّهُ إليه تعالى ثقةً في رحمتِهِ وعطفِهِ، ومن هذا القبيلِ قولُ الشاعر:

ما أعذب البلاء إن كان من جلالِهْ

وما أحلى الوفاء إن كان من جمالِهْ

فكلاهما صفاءٌ للروحِ

فما أحلى لطفه وما أعذب قهره!

ويجب انتظارُ اللحظات التي ستُنَسِّمُ فيها تجلّيات العناية الإلهية، وإنْ وَقَعَ ظلمٌ واضطهادٌ من أعداءِ الدين أو حتى من المتذبْذِبين، أو من المؤمنين الذين أَكَلَهم الحسدُ، أو حتى ممّن يَبدون مسلمين ظاهريًّا وشكليًّا ممّن يضعون جباهَهم على الأرض؛ فإنه يجب علينا ألا نتخلّى أبدًا عن أفكارِنا ومشاعرِنا ومبادئِنا الأساسيّة في هذا الشأن، وينبغي لنا أن نفتحَ صدرَنا للجميعِ دائمًا، ونعرف كيف نرسل باقات المودّة والمحبّة إلى الجميع، ويجبُ علينا أن نقابلَ كلَّ سهمٍ يرمينا به المعتدونَ بوردةٍ نرسلها إليهم عوضًا عن كلِّ سهم، وأن نُمطِرَهم بالورود بدلَ السهام، وسواء فَهِمُوا هذا أَمْ لم يفهموه؛ فإنّنا سنظلُّ مخلصين صادقين لما نفهمُه من القرآن الكريم والسنة النبوية أسلوبًا ومبدأً إلى أنْ تفارق أرواحُنا أجسادَنا.

 

العشقُ والشجاعةُ والعقلُ الإستراتيجيّ

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما المقوّمات التي لا بدّ من استحضارها والرجوع إليها عند حلّ المشاكل الضخمة التي تبدو عصيّة على الحلّ؟

الجواب: من غير المتصوَّر من إنسانٍ مات قلبُه وخمدتْ مشاعرُه وصارت علاقتُه بربه صوريّةً أن يتغلّب على ما يواجهه من مشكلات ضخمة؛ فحلُّ المشكلات يتطلَّبُ من الإنسان أن يكون لديه عشقٌ وحماسٌ للوصول إلى غايةٍ مثاليّة، وأن يحرص على الوصول لهدفه بشوقٍ واشتياقٍ لا يعرفان السكون، وأن يمتلكَ عزيمةً تُؤهّله لمواصلة الكفاح ضدّ الظلم دون شعورٍ بيأسٍ أو قنوطٍ، ومهما تعرَّضَ للهزيمةِ مرارًا وتكرارًا فلا يتسلّل الوهنُ إلى قلبِهِ، بل يستوي وينهض مجدّدًا، ويستمرّ في طريقِهِ صامدًا ثابتًا وكأنَّ شيئًا لم يحدث، وبذلك يقدر على تجاوز الجبال التي يصعب اجتيازُها، ويحوّل الهزيمة التي مُني بها إلى نجاحاتٍ عظيمةٍ.

نقطة الالتقاء بين العشق والوفاء

وسيدنا آدم عليه السلام خيرُ قدوة لنا في هذا الأمر، فقد أودع الله تعالى في جيناته قابليةً للخطإ تتناسب مع درجة المقرَّبين، فلقد بدرت زلةٌ تُعتَبرُ في أفقِ صفيِّ الله آدم عليه السلامِ خطأً بالنظرِ إلى العلاقة بينه وبين ربه، يقول الله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ (سُورَةُ طَهَ: 121/20)، ويقول أيضًا: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (سُورَةُ طَهَ: 115/20)، غير أن المهمّ هنا هو أن الإنسان بعد أن يقترفَ خطأً عليه أن يمنعَ اليأسَ والقنوطَ من التسلُّلِ إليه، وأن يتوجّه إلى ربه سبحانه وتعالى ويدعوه ألا يبتليه باقتراف مثل هذا الخطإ مرَّةً أخرى.

أجل، لقد فعل آدمُ عليه السلام ذلك، بل وردَ في الأثرِ أنه عليه السلام ظلّ بعد اقترافه هذا الخطأ يتضرَّعُ إلى الله ويتوسَّل إليه دون أن يرفع رأسه إلى السماء مدة أربعين سنة[1]، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه حال المذنب، يجب أن ينقصمَ ظهرُهُ كالعصا، وأن يعترف بخطَئِهِ قائلًا: “كيف أعصيه وأنا أعرفه، وأعلم أنَّ كُلِّي منه، لِـمَ لَـمْ أفوِّضْ كلّ أمري إليه؟”، وبعد ذلك يتَّجِهُ إلى بابِ محبوبه الحقيقيّ، ويطلب منه السماح والمغفرة على ما اقترفه من تيميمِ وجهِه إلى ما سواه من الأغيار.

فلو اضطرمت نارُ العشق في صدر الإنسان، وغَلَّفَ العِشْقُ كلَّ كيانه، فلن يفكِّرَ أبدًا في الانصرافِ عن باب معشوقِهِ رغمَ ما يتعرَّض له من مشقّات وابتلاءات، فالعشقُ هو عنوانٌ للعلاقةِ بين الإنسانِ وربِّهِ جلَّ وعلا، واتصالِ قلبِهِ به سبحانه دائمًا، والتحرُّقِ عشقًا وشوقًا في سبيل وصالِهِ.

علاوة على أن الإنسان الذي اكتوى قلبُه بنار الوصال والعشق المتوَّج بالوفاء؛ سيستوعب رغم كلِّ شيء دقَّةَ الامتثال إلى الأمرِ، ويرجع خطوةً إلى الوراء ويقول: “اللهم لن أطلبَ منك القدوم إليك، لأنك لم تأمر بقبضِ روحي وطرحِها بين يديك، بل سأبقى إلى ذلك الحين أقومُ بمسؤولياتي نحوك بالخدمة في سبيلك”، وهذا هو أفقُ الالتقاء بين العشق والوفاء.

سبيل تحويل الهزيمة إلى نصر

والشجاعة أيضًا عاملٌ مهم للتغلُّبِ على المشكلات التي تبدو عصيّة على الحلّ؛ لأنها تعبر عن بُعدٍ مختلف للعشق، ولقد كان سيدنا مصعبُ بن عمير رضي الله عنه مثالًا لشجاعةٍ تحار لها الألباب؛ حَمَلَ اللِّوَاءَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمَّا جَالَ الْمُسْلِمُونَ ثَبَتَ بِهِ مُصْعَبٌ فَأَقْبَلَ ابْنُ قَمِيئَةَ -وَهُوَ فَارِسٌ- فَضَرَبَ يَدَهُ الْيُمْنَى فَقَطَعَهَا وَمُصْعَبٌ يَقُولُ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 144/3)، وأخذ اللِّوَاءَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى، وَحَنَا عَلَيْهِ فَضَرَبَ يَدَهُ الْيُسْرَى فَقَطَعَهَا، فَحَنَا عَلَى اللِّوَاءِ وَضَمَّهُ بِعَضُدَيْهِ إِلَى صَدْرِهِ وَهُوَ يَقُولُ: “وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ“، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِ الثَّالِثَةَ بِالرُّمْحِ فَأَنْفَذَهُ وَانْدَقَّ الرُّمْحُ وَوَقَعَ مُصْعَبٌ وَسَقَطَ اللِّوَاءُ[2]، فلقد هَزمَ مصعبٌ الهزيمةَ، وحوَّلَ وجهَ الموتِ من عبوسٍ إلى ضاحك، وهكذا فلم تكن هناك أيُّ مشكلةٍ عصيّة على الحلّ أمام مثل هذا الشخص مثالِ الشجاعة النادرة.

أجل، لا جرم أن وجهَ الموتِ عبوسٌ، ولكنك إن تبسَّمْتَ له تبسَّمَ لك، زيادة على أن الله تعالى يتولَّى ردّ تلك الأمانة بنفسِهِ دون أن يعهد بها لأحدٍ من الوسطاء، ومن هذا المنطلق كان الأولياء العظام أمثال الشيخ الجيلاني وأبي الحسن الشاذلي يرجون الله ويتضرّعون إليه دائمًا بأن يتولى قبضَ أرواحهم بيديه.

ولقد كانت الشجاعة والجرأة من صميمِ الخصالِ النبويّة المحمّديّة، واذكر إن شئتَ على سبيل المثال ما تعرَّض له المسلمون من هزيمةٍ مؤقّتةٍ يوم أُحُدٍ، فالقائد صلى الله عليه وسلم كان مُصيبًا حقَّ الإصابة فيما أخذَ به من إستراتيجيّات؛ ولقد كان يرغبُ بدايةً في عدم الخروج من المدينة والبقاءِ للدفاع عنها، ثم نزل على رأيِ أصحابِه المفعمين بالحماس وأقرَّهم على الخروجِ إلى أُحُدٍ، كما أَمَرَ الرماةَ بأخْذِ مواقعهم الدقيقة على الجبل، إلى غير ذلك من الإستراتيجيات التي استخدمها في محلِّها فأضلّ الأعداءَ وأوقع بينهم، لكن لما نزل الرماةُ من فوق الجبل ومُنِيَ المسلمون بالهزيمة قال القرآن الكريم: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 155/3)، ونستنتج من الآية أن بعضا من الصحابة المصطفين الذين كانوا حول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخطؤوا في الاجتهاد.

أجل، لم يكن بعضُ الصحابة رضي الله عنهم قد استوعبوا بعدُ دقَّةَ الامتثال للأمر يومَئذ، فمُنِيَتْ جحافلهم بهزيمةٍ مؤَقَّتةٍ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم حوّل تلك الهزيمة المؤقتة إلى نصرٍ مؤزر، إذ إن المشركين بقيادة أبي سفيان لَمَّا انْصَرَفوا عَنْ أُحُدٍ وَبَلَغُوا الرَّوْحَاءَ، قَالُوا: لَا مُحَمَّدًا قَتَلْتُمُوهُ، وَلَا الْكَوَاعِبَ أَرْدَفْتُمْ، وَبِئْسَ مَا صَنَعْتُمْ، ارْجِعُوا فَلَنَكرَّنَّ عَلَيْهِم فنستأصلنَّ بَقِيَّتهمْ -وأرادوا أن يرجعوا للقضاءِ الكاملِ على المسلمين- فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَدَبَ النَّاسَ فَانْتَدَبُوا حَتَّى بَلَغُوا حَمْرَاءَ الْأَسْدِ وَبِئْرَ أَبِي عِنَبَةَ، فلما رأى أبو سفيان المسلمين بصحيحهم وجريحهم من ورائه عدَلَ عن فكرته وفضّلَ العودة إلى مكّة خشيةَ الاشتباك والهزيمةِ أمام كتائب المسلمين، فقال هو وأصحابه: “لِنَرْجِعْ إلى أهلينا بالنصر الذي حقَّقْناه، ونُثْلِجْ صدورَهم”، ولم يجرُؤْ على مواجهة المسلمين كرة أخرى.

وهكذا حوّل الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابَتُه الفضلاءُ الهزيمةَ إلى نصرٍ من جديد، وذلك بشجاعتِهِم وإقدامهم وملاحقتِهم العدوّ رغمَ ما كانوا يُعانونه من جروحٍ وقروح، وأنزلَ الله تعالى قولَهُ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 172/3).

وما أشبه ما جرى في “حُنَين” بما حدث في “أُحُد”، فقد كانت هَوازن وثَقيف من أمهر القبائِلِ العربيّة رميًا بالسهامِ والنِّبَالِ، ولما دخل المسلمون وادي حنين رشقوهم بالنبال، فتصدَّعَت صفوف المسلمين، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يركض بغلته قِبل الكفار وهو يقول: “أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ“، يقول سيدنا العباس رضي الله عنه: “وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها إرادة أن لا تسرع”، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَيْ عَبَّاسُ نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ“، قَالَ: فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّمَا عَطَفْتُهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةَ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا، فَقَالُوا: “يَا لَبَّيْكَاهُ يَا لَبَّيْكَاهُ!”، فَاقْتَتَلُوا هُمْ وَالْكُفَّارُ، وَالدَّعْوَةُ فِي الْأَنْصَارِ يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَقَالُوا: يَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ، كَالْمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا إِلَى قِتَالِهِمْ فَقَالَ: “هَذَا حِينُ حَمِيَ الْوَطِيسُ”، ثُمَّ أَخَذَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ فِي وُجُوهِ الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: “انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ“، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا الْقِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِيمَا أَرَى، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَصَيَاتِهِ، فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا، وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا”[3].

ومن ثمّ فمن الأهمية بمكان ألا يخنع المؤمنُ لليأس والقنوط عند مواجهة المشاكل والأزمات، وأن يحاول التغلّب عليها بشجاعة وجرأة، وألا يتخلى عن شدّه المعنوي الذي يجعله يقول: “لو تجلّت مشيئة الله لي فيمكنني بفضلِهِ وعنايتِهِ أن أُغيِّرَ مجرى الأرض”.

أجل، ما من مشكلةٍ يمكنها أن تقهر المؤمنَ إذا ما لاذ إلى حول الله وقوَّته وامتلأ قلبُه شجاعةً وجرأةً.

لا بدّ لِلعشق والشجاعة أن يخضعا لحماية العقل المشترك

إن المشاعر السامية كالعشق والاشتياق والشجاعة، وإن كانت مهمّة جدًّا في حل المشكلات الكبرى، إلا أنه يجب أن تُقام وتؤسّس على أرضيّة إستراتيجيّة وفقَ منطقٍ حقيقيّ وجادّ جدًّا، وتُستَعْمَلُ في مكانها المناسِبِ، وتُربط بمخطَّطٍ سليمٍ وقويٍّ، فأنتم تستطيعون بأنفاسكم المخلصة الدافئة المنبعثة من فؤادِكم أن تكونوا أصحاب جذبٍ معنويٍّ يستطيع أن يصهر ولو حتى الجبال الجليدية التي تعترضكم، غير أن هذا فحسب ليس أمرًا كافيًا في حلِّ المشكلات؛ فإلى جانبه يجب علينا أن نعرفَ الطرفَ الآخر معرفةً جيِّدَةً، وأن نضع في حسباننا القدرات والإمكانيات التي يمتلكها ونطوِّرَ خططًا وفقًا لذلك، وإلا فإن كلَّ مجهودِكم الذهني والفكريّ يُصبح سُدًى ويذهب هباءً منثورًا.

ولا سيما إن كان يحيط بكم أناس يجاهرون بالعداء والخصومة في صورة دوائر متداخلة متشابكة؛ فهذا يعني أنكم في مواجهة جبهةٍ معاديةٍ ضخمةٍ جدًّا، وإن كان لكلِّ جبهةٍ عدائيّةٍ حساباتها الشخصية الخطرة جدًّا ومخطَّطاتها الإباديّة ضدّكم، وكان بعض هؤلاء يتفق مع بعضهم، وقسمٌ من تلك المخططات يتواءم مع غيره فإنَّ هذا يستوجب أن تكونوا أكثر حذرًا، وأن تتصرَّفوا وتتحرّكوا بيقظةٍ وانتباهٍ أكبر؛ لأن دوائر العداء المتلاحمة التي تشكل فيما بينها صفًّا واحدًا قد تنزل على هامتكم كالمطرقة بشكل غير متوقع ودون أن تنتبهوا أنتم لذلك.

ومن هذه الناحية فإن العشق والحماس والشد المعنوي والشجاعة والجسارة لا بد وأن تخضع كلها لحماية وضمان المحاكمة العقلية مطلقًا، ويمكنكم أن تعتبروا هذا توازنًا يتطلّبُه البناء، ولنفرض أنكم أسَّستم بناءً على أرضٍ غير صلبة ولا ثابتة فإنَّ كلَّ شيءٍ سوف يتقوَّضُ وينهارُ في مواجهةِ أصغرِ صدعٍ أرضيٍّ قد يحدثُ، وسوف تُعانُون أنتم أيضًا تحت وطأة ما فعلتموه، وهكذا فإنه ينبغي لكم كي لا تضيع كلُّ هذه الجهود سدًى أن تَحْمُوا حماسَكم وتُؤمِّنوا نشاطَكم بالمنطِقِ والمحاكَمَةِ العقليّة، والأهمّ من ذلك بالعقل المشترك، فإن وجود أناسٍ يُناقِشُون القضايا والمشكلات مع بضعةِ أشخاص ويتشاورون حولها فيما بينهم أعلى وأرفعُ درجةً من وجود بضعة عباقرة يغيرون الجغرافية العالمية بمنطقهم ومحاكماتهم العقلية.

وإذا ما ربط الحقُّ تعالى عنايته وتوجهه إلى الناس بالاستشارة، فلا طاقة لكم على تغيير هذا، كما أن رسولنا صلى الله عليه وسلم قد قال في هذا : “مَا خَابَ مَنْ اسْتَخَارَ، وَمَا نَدِمَ مَنْ اسْتَشَارَ[4]، فضلًا عن ذلك فإن مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم ربما لم يترك أمرًا إلا واستشار فيه، لدرجة أنه حين افترَتْ كَذِبًا وإفكًا مجموعةٌ من الأفواه الجوفاءِ المغرضة على أمنا السيدة عائشة التي تُوازي بِطُهرِها ونقائِها ملائكةَ السماء؛ فإنه -وهو الذي لم يجزع ولم ير الذعر في حياته ولو حتى في المنام- استشارَ بعضًا من أصحابه حتى في هذه المسألة. أجل، لقد تباحث صلى الله عليه وسلم مع كلٍّ من: سيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا عليّ ومع آخرين غيرهم في قضيةٍ خاصّة وسرّيّة تتعلق بزوجِهِ المصون، فتفضلوا جمعُيهم بكلام جميل طيِّبٍ يؤيِّدُ ويقوِّي رأيَ وقناعةَ رسولِ الله الطاهرةِ النزيهةِ بحقِّ حرَمِهِ المصونِ أمِّنا السيّدة عائشة رمزِ العفَّةِ والعصمة رضي الله عنها.

والواقع أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيَّد بالوحي لم يكن في حاجة إلى أن يستشير الآخرين في أيّة مسألة قطّ صغيرةً كانت أو كبيرةً، وإن فكرتم في خلاف ذلك فقد أسأتم الأدبَ تجاهه، وكشفتم أنكم لم تفطنوا إلى معنى الوحي ولم تعوه، فالله جل جلاله لم يتخلَّ عنه ولم يودّعه قطّ طيلة حياته صلى الله عليه وسلم، ولم يتركه في أيِّ وقتٍ قطّ عُرضة لأيِّ موقف يمكن وصفه بأنه خيبةٌ وفشلٌ؛ حاشا وكلَّا، بل كان إلى جواره دائمًا كما يُفهم من الآية الكريمة: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ (سُورَةُ التَّوْبِةِ: 40/9)؛ فواصل رسول الله صلى الله عليه وسلم حياته -التي نفديها بأرواحِنا- في حمايةِ الله وضمانِه ومعيَّتِه، وبالرغم من هذا فقد كان صلى الله عليه وسلم يحُلّ حتى أصغر المسائل عبر الاستشارة، وعلّم أمَّتَه كيف يجب عليها أن تتصرَّف، وأرشدها إلى ذلك، ومن هنا نقول إن حلَّ القضايا والمشكلات التي تتعلّق بالعامة على وجه الخصوص عبر الرجوع إلى العقل المشترك والوعي الجمعي أفضلُ وأسمى بكثير وكثير مما يقوم به العباقرة.

إنكم حينما تقومون بمسؤولياتكم وواجباتكم ربما تطوِّرون الخُطَطَ البديلة من الألف إلى الياء حتى في مواجهة مشكلةٍ واحدةٍ، غير أنه ورغم كل هذه التدابير قد تواجهكم مشكلات لم تضعوها في حسبانكم تكمن وراء حساباتكم، فتحدثُ في أعماقكم انكساراتٌ جزئيّة، وهكذا فإنه ينبغي في مثل هذا الموقف أيضًا ألا نيأسَ أبدًا، ولا نسمح للوهنِ والقنوط أن يتسلَّل إلى أفئدتنا؛ إذ إنه توجد في الوقت الراهن صدوعٌ مبدئيّة مصدرُها الظلمُ والحسدُ والبغضاء الموجودةُ مع الأسف في كلِّ المناطق الجغرافية التي يعيش بها المسلمون، وهي مهيَّأةٌ للانكسار والظهورِ في أيّةِ لحظةٍ، ومن هذه الناحية فقد تواجهون في بعض المواقف مجموعةً من السلبيات غير المتوقَّعة مهما كانت حساباتكم سليمةً ومدروسة، ولذلك فإنه ينبغي ألا يسيطرَ اليأسُ أبدًا في مثل هذه المواقف، وألا يُستسلم لآراء وأقوالٍ سلبيّةٍ تشُلُّ الإرادة من قَبيل: “ليس ثمَّةَ ما يمكن فِعْلُهُ بعدَ هذا، لقد غُلبنا”، وذلك لأن: “اليأسَ يمنع كلَّ كمالٍ” كما قال الأستاذ بديع الزمان.

ويقول الشاعر محمد عاكف أيضًا:

اليأس مستنقع عميق الغور، إذا وقعتَ فيه فأنت غريقُ،

فعانِق الأملَ بقوة، وانظر ما ستؤول إليه حالك يا صديقُ.

 

إن من يحيا يحيا بعزيمته وبأمله المنشودِ،

واليائس يغلّل روحه وضميره بقيد حديديٍّ منضودِ.

 

إنه عقدة في الذهن ملعونة لا تُحَلُّ،

واليأسُ عبوسٌ كجَانٍ مخيفٍ عُتُلُّ.

 

كما يخاطب القانطَ في أول قصيدته التي تلفت الانتباه إلى هذه الحقيقة قائلًا:

أيها الحيّ الميت! لكلِّ رأسٍ يدانِ،

هلمّ فانهض… فَلَكَ الرأسُ ولك اليدانِ.

 

لماذا عزيمتُكَ عن الاستمرار في طريقِ الخلاصِ عاجزة!؟

أأنت الجبانُ أم أَمَلُكَ الموتُ نَاجَزَه؟

 

والحاصل أن الذين اختلَّت عقولُهم وتعكَّرَتْ نظراتُهم ربما يريدون عرقلةَ خدماتكم الأكثر براءةً وصفاءً، ويعرقلون عجلةَ العطاء والنماء، ولكنه حتى وإن أُعدّت كثير من المؤامرات فلا بدَّ من تجنُّبِ اليأس والقنوط تجنُّبًا تامًّا، وألا نهتزَّ أبدًا، بل نقف دائمًا ونثبت منتصبين كالأَلِفِ، ولا بدّ من البحث عن السبل المناسِبَةِ لتحويلِ “أُحُد وحُنينَ” إلى نصرٍ من جديد، ومواصلةِ السيرِ قُدمًا نحو كعبة الإيمان وقِبلتِه، مما يؤدي بدورِهِ إلى ثقة الناس في هذه المسيرة، وينبغي لنا ألا نَمَلَّ ولا نَكِلَّ في مواجهة كلِّ ما نتعرَّض له من مؤامرات، وأن نواجه المعوّقات والطرق المسدودة بالتوكُّل على الله، ونبحث عن البدائل المختلفة، فربما لا يُمنَحُ الإنسان كلَّ ما يريده ويرغبُ فيه فورًا حتى وإن كان يسيرُ في طريق الحقِّ ويطلبه بإخلاص، ولا نستطيعُ معرفةَ الحكمة من المِحَنِ الجارية، غير أنه قد يمنّ الحقُّ بعد هذه المحن بأضعافِ ما منَّ به سابقًا، ولنترقّب في صبرٍ فعَّالٍ نَشِطٍ؛ فكم مِن فَجْرٍ يُولَدُ من رَحِمِ الليالي.

 

[1] السيوطي: الدر المنثور في التفسير بالمأثور، 141/1.

[2] الواقدي: المغازي، 239/1.

[3] صحيح البخاري، الجهاد، 52؛ صحيح مسلم، الجهاد، 76.

[4] الطبراني: المعجم الأوسط، 365/6.

سلطان البلغاء صلى الله عليه وسلم

Herkul-ARB | | العربية

 

ملحوظة:

أصدقاءنا الأعزاء

بدأنا هذا الأسبوع رحلةً طويلةً في رحاب الأحاديث النبوية الشريفة بمدارسةَ “صحيح مسلم” ومقارنته بنيف وعشرين كتابا من كتب الأحاديث، مما حدا بنا إلى التركيز على بيان النبي صلى الله عليه وسلم وأن تكون الجرة المشروخة هذا الأسبوع بعنوان “سلطان البلغاء صلى الله عليه وسلم”؛ وهي عبارة عن أجزاء مقتطعة من المقالة التي كتبها فضيلة الأستاذ محمد فتح الله كولن بعنوان: “… وخاتم المُنْبِئين عن الغيب”، والتي نشرتها مجلة “يني أوميت (الأمل الجديد)” في عدديها التاسع والخمسين والستين الصادرين في (يناير- ابريل عام 2003م).

***

سلطان البلغاء صلى الله عليه وسلم

لقد أُرسل حضرة سيد الأنام (عليه ألفُ ألفِ صلاة وسلام) برسالة تتعلق بكل أحد وكل شيء، وكان يوفي وظيفته حقها ويؤديها بعمق فتمتلئ بحبه الأفئدةُ وتنجذب إليه القلوب، فهو يُشع تكاملا شاسعا في خلقته، وصدقا منقطعَ النظير في تصرفاته، وربانية تتجاوز جوانبه المادية دائما في سلوكياته، وهو -فوق هذه الجماليات الظاهرية الباهرة- صاحب أخلاق رفيعةٍ لم يطلها أحد، سماها القرآن الكريم بـ”الخُلق العظيم”، حتى إن مَن يدخل رحابه لمرة واحدة من غير أحكام مسبقة، لا بد أن يدخل تحت تأثيره ويتعلقَ به إلى الأبد، وعنده -مع هذه المحاسن والمعالي- بيانٌ يأخذ بالألباب؛ فإذا تكلم أبكمَ أمهرَ حُذّاق اللسان، فيغوصون في مراقبة السكوت، وينجرفون في تيارِ جذبات أقواله.

كان صلى الله عليه وسلم سلطانَ عالم البيان، ولقد بلغ جوهرُ القول قيمتَه الحقيقية على لسانه، لم يمسك بيده قلما ولا قرطاسا، ولم تطالع عيناه كتابا، ولم يجلس في حلقة درس، ولم يحتج قط إلى أن يقول لأحد: “أستاذ”؛ بل كان أستاذ الكل في الكل، وما من شيء يستطيع أن يمس أستاذيتَه الكليةَ، وفي هذا صيانة من الله لأوامره الإلهية أولاً، وصيانةٌ لِمَلَكات النبي الفطريةِ ثانيا وتاليا، من التأثيرات والتصورات الخارجية، حتى لا تُكَدِّر المكتسباتُ الذهنية والمعلوماتُ الأَجنبية تفسيرَ الأوامر الإلهية، ولا تتلوَّن بلون غيرِ لونها، أو تصبَّ في قالب غير قالبها، فكان أُمِّيًّا بهذا المعنى -ونفوسنا فداء لذاك الأمي-، ولكن له أقوال وأحكام وقرارات في شتى الشؤون من أمور الدنيا والعقبى -باعتباره أستاذ الكل- حيَّرت وأدهشت الكلَّ؛ بدءًا مِن المتبحرِين في العلوم وامتدادا إلى فحول العباقرة، وإلى العقول الضليعة في الفلسفة، وإلى النفوس الصافية والأرواح المستنيرة، والتاريخُ يشهد أن أحداً لم ينل من رصانة بيانه، أو يقدحْ في حكم له، أو يتجاسرْ على أن ينتقص من إجراء له.

كان خزينة للمعرفة وحوضا للعلم نقيا متلألئا، لم يعترض أحد على إِخباره عن الأحداث الغابرة، ولا إخبارِه عن شؤون الديانات والمذاهب والثقافات والتقاليد والأعراف العائدة إلى أمم بائدة في التاريخ، وما كان لأحد أن يعترض، لأنه رسول الله، ومصدرُ علمه السديد الذي يصب في ذلك الحوض وتلك الخزينةِ هو الله تعالى، فكان في البيان سلطانَ البيان وصاحب القول الفصل، وكان في المنطق صرحَ محاكمةٍ، وفي الفكر بحراً محيطاً كفؤا لضخامة مهمته ورحابة رسالته العالمية، إن عباراتِه من السلاسة والانسياب، وبيانَه من الوضوح والفصاحة، وأسلوبَه من الغزارة والتلون والبهاء، بحيث يستطيع أن يعبِّر عن حقائقَ ملء الأرض في جملة أو جملتين، ويضمِّنَ شؤونا تَسَعُ المجلدات في كلمات، وينطق بجواهر -وأيما جواهر- ليودعها عند أساطين التفسير والتأويل، وفي حديثه: “أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ[1] إشارة منه إلى هذه الرحاب الفسيحة.

وكان الناس يُمطرونه بوابلِ أسئلتهم في كل شأن من كل جهة، فيردُّ عليهم من فوره بغير أدنى تلكؤ، كلامُه سهل يفهمه السواد الأعظم، ويعبر عن مقصوده بعيداً عن التشوش أو التشويش في إيجاز صاف وسيّال، وحين يتكلم يراعي مستوى المخاطبين لكي يفيدهم، من عالم وجاهل، وذكي وغبي، وقليلِ خبرة وخبير، وشاب وكهل، ورجل وامرأة، فيَبعث الاطمئنان في قلوبهم.

وإن أقواله وخطبه كثيرة، حيث خاض في شؤون مختلفة، وحلَّل موضوعاتٍ متنوعةً، لكنه لم يجانب الحقيقة والواقع في أي من أقواله وأفكاره، فلم يستطع أحد أن يلحظ على بياناته وأقواله ما يخالف الواقع، حتى إن ألدّ خصومه الذين يترقبون زَلة منه ليوقعوا به، لم يجرؤوا على إسناد الكذب إليه، بل عجزوا عن ذلك.

والحق أن من صان لسانه وكل تصرفاته عن مخالفة الواقع صونًا أدق من الشعرة، من طفولته إلى شبابه، ثم إلى سن تَشَرُّفِه بالنبوة في الأربعين، لا يُتصور أن يقوم بادعاء النبوة زوراً، وإنَّ تصوُّرًا كهذا شيءٌ يتجاوز الإثم إلى تعصب كُفريٍّ أعمى، واستهانةٍ بالعقل والمنطق.

هذا، وإن تبليغاته وموضوعاتِ أحكامه رحيبةٌ وَسِعَت الماضيَ والحاضر والمستقبل، ومحتوياتها متنوعة تتعدى عقول البشر: فهو يتكلم في العقائد، ويضع الأحكام في العبادات، ويتحدث في الشؤون الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والإدارية، وينفّذ ما يقول، ويَجني ثمراتِ ما ينفذ، ويتخذ من التاريخ شاهدا على صواب الأسس التي وضعها فيودع هذه الشهادة أمانة في الضمائر المنصفة البعيدة عن الأحكام المسبقة، وبعد ذلك يوقِّع عليه بختم التصديق آلافُ المفسرين والمفكرين والخبراء المتفننين في فنون كثيرة، ومئاتُ الفلاسفة، على ما قال، وعلى الأسس الاجتماعية والاقتصادية والنُّظُم العسكرية والإدارية، والقواعدِ التربوية التي وضعها، وزد عليهم جميعاً أن ملايين الأولياء والأصفياء يؤيدونه تصديقاً في كل حكم وفي كل بيان لهم، ويهتفون بأنهم بلغوا المراتب والمقامات بهدايته، لذلك فإن من يقول له: “لا”، فهو إما مخبول لا يدري ما يقول، وإما بائس بسوء الحظ مغسول الدماغ، فما شهد الماضي والحاضر أحدا مثله استطاع أن يقول شيئاً أو يضعَ أحكاما ثابتة في مسائلَ كثيرةٍ مختلفة، ولا سيما في موضوعاتٍ تتطلب حنكة واختصاصا ومهارة، فيدومَ طرياً وندياً أبداً مع الدهر، وكما نبَّه بديع الزمان النورسي رحمه الله: “إن الإنسان قد يستطيع أن يقول شيئاً ذا بال في بضعة فنون أو علوم، لكن حضرة ذاته صلى الله عليه وسلم أدلى بدلوه في شؤون دقيقة تتعلق بالوجود والأحداث كلها، وقال أقوالا نافذةً في كل زمان ومكان، وبأسلوب بديع في المهارة والحكمة، وباطمئنان من غير تردد وتلكّؤ، لا يملك حياله مَن رآه وعرفه، ومن سمعه فأنصت إليه من غير حكم مسبق إلا أن يقول: “آمنتُ وصدّقتُ”.

هو الذي رسالته القرآن، وهو الذي أُفقُه العرفانُ، وهو الذي بيانه برهان، وهو وسيلة سعادة الدارين، هو الذي نال تلطيف الحق تعالى بألف وسامٍ معجزة، وهو الذي سيظل اسمه وذكراه الطيبة على الألسنة إلى يوم القيامة مرتبطا بتزكية القرآن.

هو مدار شرف الإنسانية، ونقطةُ مركزِ حقائقِ النبوة، هو قائد عسكر جيش الأنبياء وهادي الإنس والجن، الصادقُ الذي لا يضل معه أحد، بيانُه “أمير اللواء لعسكر الأنبياء” كما عبر عنه الشاعر “فضولي”، وكتابه أعظم هدية من الحق تعالى، ولمِا أنه محلّ التجلي “للروح الأعظم” -وهو كذلك بدون شك-، فتبليغه إكسير الحياة لأرواحنا، وبه استيقظت الإنسانية على القيم الإنسانية الحقة، وبه اصطبغت بالصبغة التي يرتضيها الله تعالى، ففي غيابه الحسرة الخالصة والهجران المحض، وفي الانفلات منه الضلالةُ الصريحة والخذلان المبين…

 

[1]صحيح البخاري، الجهاد، 122؛ صحيح مسلم، المساجد، 6.

 

عليكم بالبصيرة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: لطالما تحدثتم عن مسألة السير على بصيرة في كتاباتكم وجلساتكم الإيمانية، فكيف لنا أن نفهم هذه المسألة؟ وكيف نطبقها في حياتنا؟

الجواب: البصيرة تعني ضبط المسائل بمعايير القلب الدقيقة فضلًا عن العلم والتجربة وإخضاعُها للتحليل والتركيب ثم الوصولُ إلى سعة إدراكٍ تسمح بتناول تلك القضايا بمقدماتها وخلفياتها وبداياتها ونهاياتها؛ فإذا كان البصر يعني دراسة الأشياء والأحداث بنظرةٍ مادّيّة، فالبصيرة هي استيعاب الأشياء والحوادث بعين القلب؛ ومن ثم فالبصيرة هي بمثابة هادٍ نورانيٍّ يرشد الإنسان للوصول إلى الحق والحقيقة وتبليغِهما للآخرين، فمن المتعذر لمن حُرم نور البصيرة أن يقيّم الأشياء والحوادث بشكلٍ صحيح، ويجري عليها تحليلاته وتركيباته بشكل سليم، ويصل إلى قرارات بحقها بشكل قويم، وهُم بعبارة القرآن الكريم: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا(سُورَةُ الأَعْرَافِ: 7/179)، والحال أن كلّ عضوٍ من أعضاء الإنسان يجب أن يُستخدم فيما خُلق له، فالقلب خُلق ليفقه ما ينبغي فقهه، والعينُ خُلقت لتُبصِرَ والأذنُ لتسمعَ والعقلُ لِيُدْرِكَ… ولكن الذين حُرموا البصيرة رغبوا بأنفسهم عن نور الوحي ودعوة الرسول فعاشوا كالأموات رغم أنهم أحياء. أجل، لهم أعين وآذان وأفواه وعقل وأيادٍ وأرجل لكنهم لا يستطيعون أن يستخدموها فيما خُلقت له، إن القرآن الكريم والسنة المطهرة هما مفاتيح سرّيّة يمكن من خلالهما فكّ رموز الكون، ولكن لأن عديمي البصيرة لم يأخذوا بهما استعصى عليهم فتح أبواب الكون السرية، وحلّ المشاكل في الحياة الفردية والاجتماعية.

وضعُ حلول بديلة

يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: “كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ”، وهنا يشير سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسؤولية التي تقع على عاتق الإنسان؛ فلكلِّ شخصٍ وظيفةٌ منوطٌ بها في حياته الفرديّة والأسريّة والاجتماعية، فهناك فرد تقع عليه مسؤولية أسرته أو محلته أو ناحيته أو مدينته، وآخر عليه مسؤولية بحجم دولة كبيرة، فإن كل فرد حسب درجته ومرتبته مسؤولٌ عن ريادةِ الذين هم تحت مسؤوليته وتوجيههم وإرشادهم، أما إيفاء هذه المسؤولية حقها فمرهونٌ بالسير على نور البصيرة الذي ذكرنا طرفا منه آنفا.

ولزيادة الإيضاح نقول: إذا كان أصحاب المناصب والمقامات يريدون أن يُؤدّوا حقّ مناصبهم، ويُحرزوا التوفيق في أعمالهم فعليهم أن يمرروا قراراتهم على مصفاة القلب والوجدان إلى جانب العقل والمنطق والمحاكمة العقلية، فإذا ما أتوا بهذا الأمر على الوجه الأمثل فيجب عليهم أن ينظروا بنظرة الشفقة والمرحمة لمن حولهم، ولا يحرموا الأحياء من شفقتهم، فلا يأكلوا حقَّ أحدٍ، ولا يتخلّوا عن الإنصاف والعدل.

ولو تفحصنا الحياة السنية لسيدنا وقدوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما وجدنا فعلًا أو تصرُّفًا يتنافى مع البصر والبصيرة، وفي القرآن الكريم يأمر الحقُّ سبحانه وتعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم بأن يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي(سُورَةُ يُوسُفَ: 12/108)، فهذه الآية ترشدنا إلى الحقيقة التي ذكرناها آنفًا، وتدعونا إلى الاقتداء بالمرشد الأكمل صلى الله عليه وسلم، أشار ربنا سبحانه وتعالى إلى أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن سار على نهجه كانوا يتحركون على بصيرة في دعوتهم، أو يجب عليهم أن يتحركوا هكذا؛ وهذا يعني أن الدعوة تعتمد على العلم والمشاهدة والشعور، ووضعِ المشاكل المحتمل حدوثها في الحسبان، وتهيئةِ حلول بديلة لكلٍّ منها؛ فلا يُكتفى بإيجاد حل واحد فقط للمشكلة، بل لا بدّ من وجود حلولٍ متعدِّدة متنوّعة، فكلَّما كَثُرَت الحلول تكون معالجةُ المشكلة بشكلٍ أصحّ وأسلم؛ بمعنى أن السير كان وفقًا لما يقتضيه العقل السليم والروح السليمة والحسّ السليم.

أُفقُ البصيرة لدى الصحابة رضوان الله عليهم

لقد أوضَحَت الآية أن الذين يتبعون سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم كانوا يسيرون في دعوتهم مثل نبيهم على بصيرة، ويأتي الخلفاء الراشدون على رأس الذين أحسنوا اتِّباعَ سيِّدِنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذا الصدد يقول صلوات الله وسلامه عليه منوِّها بهذه المكانة الفريدة لهؤلاء الخلفاء العظام: “فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ.

لكننا ننوه هنا أن ثمة تشابهًا حقيقيًّا بين الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم باعتبار الحياة التي كانوا يعيشونها، فلو كان هذا التشابه منعدمًا لما استطاعت البنية الاجتماعية التي عاشوا بينها أن تتقبَّلَ هؤلاء الخلفاء؛ بمعنى أن ثمةَ توافقًا جينيًّا كبيرًا بين الخلفاء الراشدين والعشرة المبشّرين بالجنة، وبينهم وبين الرعيل الأول من الصحابة، وبينهم وبين الصحابة الكرام الآخرين، ولقد كان هذا التوافق يعتمد في الأساس على الصلة بالله تعالى، والتصديق بنبيه صلى الله عليه وسلم، والامتثال لأوامر القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.

ومن هنا يمكن القول إن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه من سادتنا الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يمضون في حياتهم على بصيرةٍ حقًّا، فبغير ذلك ما تمكنوا من التغلّب على كثيرٍ من المشاكل التي تعرضوا لها في صدر الإسلام أو في عهد الخلفاء الراشدين.

إحدى عشرة واقعة رِدّة تغلبت عليها البصيرة

ينبغي إجراء مقارنات مع يومنا الحاضر حتى يتسنى لنا فهمُ حجمِ المشكلات التي وقعت في تلك الفترة وكيف تمَّ التغلُّب عليها؛ ونحن الذين لم نستطع حتى الآن التغلُّب على ظاهرة إرهابيّة واحدة ظهرت بسبب الغفلة والإهمال لسنوات عديدة، لقد وقع في ذلك العصر ما مجموعه إحدى عشرة حادثة ردّة؛ ثلاثة منها في عهد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثمانية في عهد أبي بكر رضي الله عنه، ولقد تمَّ التغلبُ عليها جميعها، ويُذكر أنه عندما رحلَ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أفق روحه كان هناك مائة ألف صحابي؛ منهم الأطفال والمرضى والشيوخ وحديثو العهد بالإسلام، ها هو كتاب “الإصابة في تمييز الصحابة” لابن حجر العسقلاني وهو الكتاب الذي ورد به أكثر أسماء الصحابة؛ لقد ورد فيه ذكرُ أسماء عشرة آلاف صحابي، وقد استطاع أهل ذلك العصر حلَّ إحدى عشرة مشكلة عظيمة بحجم مشكلة الإرهاب في يومنا الحاضر، فحريٌّ بالأعين العمياء العاجزة عن رؤية هذه الحقيقة وبالآذان الصماء العاجزة عن السماع بها وغلاظ القلوب الذين لا يستطيعون تحليل المسألة والتوليف بين أجزائها؛ أن يتحسَّروا ويندموا بسبب بَلادَتهم وحماقتهم!

وعند النظر إلى الأعمال التي قام بها سيدنا أبو بكر رضي الله عنه؛ فمن المؤكد أنَّ تنفيذها يحتاج إلى خمس عشرة أو عشرين سنة في الأقل، في حين أن خِلافَتَهُ استمرَّت سنتين وبضعةَ أشهر، وقد أنجز كلّ هذه الأعمال في هذه الفترة الزمنيّة القصيرة، فأيّة فراسةٍ، وأيّة بصيرة، وأيّة كياسة تلك بالله عليكم؟ أجل، إن سادتنا الصحابة رأوا ببصيرتهم العالية الأحداثَ رؤيةً صحيحةً، وقيّموها تقييمًا صحيحًا، فقرَّروا بفضل الله القرارَ الصحيح بشأنها وربما وضعوا حلولًا بديلةً متعدِّدةً في مواجهة المشكلة الواحدة، ولذلك فقد أدَّوا وظائفهم وواجباتهم المسؤولين عنها كاملةً لا نقص فيها.

أوّاه أيتها البصيرة! أين أنتِ؟

ونظرًا لأن أتباع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتصروا على الصحابة فحسب؛ فإنه يجب على أفراد أمة محمد الذين يأتون من بعدهم أن يدعوا إلى سبيل الله ويُنجزوا كل أعمالهم بالبصيرة؛ لأنه يستحيل التغلُّبُ على المشكلات ما لم تُدرس القضايا بالعقل السليم والقلب السليم والحسّ السليم، والواقع أن معظمَنا اليومَ محرومٌ من نور البصيرة؛ إذ لا نستطيع في معظم الأوقات التغلب على المشكلات التي نواجهها، وكثيرًا ما نعمد إلى الحل، بيد أننا نحوّل القضايا التي نتناولها إلى عقدة من المشاكل، وفي العادة نحوّلها إلى معادلة مُلغزة، فمثلًا حينما ننزلُ كالمطرقة التي لا ترحم على المشكلة في منطقة اندلَعت فيها نار الفتنة والفوضى نظنُّ أننا سنقوّم الناس وإذ بنا قد خُدِعنا، لأننا كلّما طرقنا عليهم بالمطرقة الصمّاء تصلَّبوا وتشدّدوا أكثر، واليومَ أيضًا تداخلت القضايا فيما بينها وتعقّدت وتشابكت حتى وصلت إلى نقطةٍ كاهلنا بها وتعذر التغلب عليها.

أجل، إن الرعيلَ الأوّل ممن اتبعوا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جسدوا هذا الاتباع بمعناه الحقيقي، وبما أن هذا الهدف واضح لنا نحن الأتباع أيضًا فإننا مضطرون للتحرك ببصيرة مطلقة إن كنا نرغب في حلّ المشكلات الفردية والعائلية والاجتماعية، فإن تحلَّيْنَا بالبصيرة الدائمة والحساسية الدائمة والتيقُّظ الدائم فإننا لا محالةَ سوف نفتُّ في عَضُد المشكلات التي تعرض لنا وسنليّنها حتى وإن كانت صلبةً كالجرانيت وسنحلها ونواصل طريقنا بإذن الله وعنايته.

 

وحمادى القول إن القرآن الكريم يدعونا إلى تفعيلِ دورِ البصيرة مع كل حادثةٍ ونازلة، ولذلك فعلينا أن نَدْرُس طبائع الناس ونحلِّلَ شخصياتهم ونحدد أوضاعهم الجيوسياسية نوعًا ما، ونسعى منذ الآن إلى رؤية وإدراك الأحداث التي قد تقع بعد ثلاثين عامًا، ويجب علينا -إن لزمَ الأمر- أن نُحَلِّلَ القضايا في المراكز الاستراتيجية والمؤسّسات الفكرية، ونخضع النتائج التي توصلوا إليها في هذا الموضوع إلى القراءة المقارنة، فإن قدحنا زناد فكرنا وأَعيَينا عقلنا في هذا الموضوع فإنّ الله تعالى لن يردّ جهودنا هذه دون مقابل ولا أجر، وسوف يهدينا إلى الطريق الأصوب والأصحّ بإذنه وكرمه جلّ جلاله.

نار الفتنة والدعاء

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما الدروس المستفادة من قول الله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ: 5/60)؟

الجواب: التصريح باسم سيدنا إبراهيم عليه السلام في الآية الكريمة السابقة يشير إلى أن هذا الدعاءَ قد توجه به الخليلُ عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم إلى ربه؛ ففي الآية السابقة يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ: 4/60).

وليس بالإمكان فهمُ البعد والعمق الحقيقي للقرآن الكريم من خلال تأويلاتٍ سطحية بسيطة؛ ولذا سنعمل على تفصيل هذه المسألة بعض الشيء، وأن نعكس محتواها على مرآة إدراكنا، وكأن القرآن الكريم يقول: يمكنكم أن تجدوا القدوة كلها في حياة إبراهيم عليه السلام ومن معه من المؤمنين؛ في أقوالهم وأحوالهم وأفعالهم وتصرفاتهم؛ فكل منهم بمثابة قدوة مجسمة لكم.

وبعد أنْ أكّد الحقّ سبحانه وتعالى على الأفضلية العظمى لسيدنا إبراهيم عليه السلام وجّه الأنظار إلى الدعاء الذي كان يتضرَّعُ به الخليل عليه السلام بين يدي ربه سبحانه وتعالى، على اعتبار أنه من الأمور التي كان يقوم بها عليه السلام في حياته السنية، ومن الممكن الاقتداء به.

الفتنة كلمة واسعة المعنى

وفهم هذا الدعاء يعتمد على حسن فهمنا لكلمة “فتنة” الواردة فيه؛ ولذا لزامٌ علينا هنا الوقوف برهةً عند هذه الكلمة: “فتنة” أَصلها مأْخوذ مِنْ قَوْلِكَ “فتَنْتُ الْفِضَّةَ وَالذَّهَبَ” إِذا أَذبتهما بِالنَّارِ لِتُمَيِّزَ الرَّدِيءَ مِنَ الجيِّدِ، وتعني بمعناها العام: الِابْتِلَاءَ والامْتِحانَ وَالِاخْتِبَارَ[1]، ولكن الكلمة لها في التصوُّر الإسلامي مجالاتُ استخدامٍ واسعة مترتبةٌ على المعنى الحقيقي، مثل: إثارة الاضطراب والفوضى والفساد والهرج والمرج، والإيقاع بين الناس، كما أنها تُطلق على الرغبات البدنية والجسمانية، والمال والملك، والزوجة والأولاد، والصحة، والفتوة، والمقام والمنصب وغيرها من وسائل الابتلاء التي قد تؤدِّي بالإنسان إلى أن يخسر حياته الأخروية.

ويدخل في الفتن أيضًا؛ تعرّض المؤمنين لإيذاء واضطهاد وظلم الآخرين بسبب القيم التي يؤمنون بها، وإجبارهم بسبلٍ شتى على أشياء منافية للدين، ومقاضاتهم في المحاكم بسبب تديُّنهم، والزجّ بهم في غياهب السجون، ونفيهم خارجَ البلاد، وما ذكرناه هنا مستفادٌ من كلمة “فتنة” الواردة في الآية التي نحن بصددها.

والتعرّف على مفهوم كلمة “الامتحان” التي يُستعاض بها أحيانًا عن كلمة “الفتنة” يفيد كثيرًا في فهم معنى”الفتنة” و”الامتحان” من مَحَنَ الفِضَّة: إِذا صَفَّاها وخَلَّصَها بالنارِ[2]، وبالنظر إلى هذه المسألة نجد أن الذين يتحملون مسؤوليةَ غايةٍ ساميةٍ يتعرَّضون لأنواعٍ شتَّى من الفِتَنِ والمحن، أما الذين يحاربون الدين والأخلاق والفضائل فلا يريدون لهم أن يعيشوا حياةً كريمةً ترتبطُ بقيمهم الذاتية، ويجبرونهم على أن يعيشوا مثلهم مُعرِضين عن الطريق الذي يؤمنون به، ولقد تعرض الخليل إبراهيم عليه السلام ومن معه من المؤمنين إلى اضطهاد وظُلم الكفرة والفجرة ومضايقاتهم الشديدة كما حدث وألقوا بهم في النار وأخرجوهم من ديارهم، وكل هذا بسبب إخلاصهم وصدقهم وصلابة موقفهم على الحقّ، وإزاء هذا الموقف رفع إبراهيمُ عليه السلام يديه بالدعاء سائلًا ربَّه سبحانه وتعالى السلامة والخلاصَ من ظلم الظالمين قائلًا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ: 5/60)؛ يعني: اللّهم لا تجعلنا شيئًا في أيديهم يُرمَى به في النار، أو يُوضَع بين المطرقة والسندان، وهذا الدعاء يُعَبِّرُ عن العجز والضعف في فِطْرَةِ الإنسان؛ لأن الامتحان جدُّ عسير، ولا طاقةَ للإنسانِ تؤهِّله لتحمُّلِ السَّحْقِ والطحنَ بين فكّي المطرقة والسندان، ولا لمكابدةِ النار!ومن ثمّ استعاذَ إبراهيم عليه السلام بفِرَاسَتِهِ العالية من مثل هذه البلايا والمصائب.

تجلي طريق الحق

وفي الواقع فإن البلايا والمصائب والفتن والمحن هي قَدَرُ كلِّ من يعمل في سبيل الحقّ سبحانه وتعالى، لأن أهلَ الضلالة والكفر يستهدفون الشخصَ على حسب جدِّيَّتِهِ وصلابَةِ موقِفِهِ أمام الله عزّ وجل، فلو كنتم بإيمانكم ودعوتكم ومنزلتكم تُشكِّلُون مصدر قلقٍ ومثارَ فزعٍ للطرف المقابل فسيأخذون بتلابيبكم ولا ينفكون عنكم.

وعندما سُئِلَ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟، قال: اَلْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ[3]، ومن هذا الحديث الشريف يتَّضح أن الأنبياء هم أكثر الناس عرضةً لأقسى البلايا والمصائب وأشدِّها وما لا يطاق منها، ثم المؤمنين الآخرين حسب درجاتهم؛ ومن ثمّ فلا طاقة لنا على تحمل نفس الابتلاءات التي تعرَّض لها الأنبياء عليهم السلام.

فهمُ الامتحانات فهمًا صحيحًا

طلب سيدنا إبراهيم عليه السلام النجاة والسلامة من الفتنة، ثم طلب المغفرةَ من الله تعالى بعدها مباشرةً قائلًا: “وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا”؛ فعلى المؤمن إن استُهدف أو ابتُليَ أو افتتن لأنه يسير فحسب في طريق الحق أن يُفكِّرَ في أن هذه الابتلاءات قد تكون ناتجةً عن ذنوبه وخطاياه، ومن ثمَّ فإنه يطلب ولا بدّ أن يطلب العفوَ والمغفرةَ من الله جلَّ جلاله.

أجل، ينبغي للإنسان أن ينظر إلى ما يَحُلُّ به من البلايا والمصائب وفقًا لفلسفة سيدنا عمررضي الله عنه وبنفسِ منظارِه؛ فكما هو معلوم أنه رضي الله عنه نسب إلى نفسه سببَ القحط والجدب الذي حدث عام الرمادة، ووضع رأسَهُ على الأرض، وقال: “اللّهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي!”؛ فهذا هو سلوك المؤمن الكامل، إذ ينبغي للإنسان إذا ما ضربت صاعقةٌ مكانًا ما، أو اجتاحَ سيلٌ أرضًا ما أن يقول: “تُرى هل حَدثَ هذا بسبب ذنوبي!”. أجل، حريٌّ بالمؤمنِ أن يرُدَّ ويعزوَ إلى نفسه كلَّ بلاء ومصيبة يتعرض لها، وأن يعتبر تلك البلايا في الوقت ذاته وسيلة لتكفير الذنوب.

ومن جانب آخر فإنَّ من الشرك أن يظنّ المؤمنون أن النعم التي منَّ الله تعالى عليهم بها إنما هي من عند أنفسهم، وأن ينسبوا بعض الجماليات التي وقعت على أيديهم إلى أنفسهم؛ فهذا الأمر قد يتسبَّبُ في حلول بعض المصائب بهم؛ لأن الحقَّ تعالى لا يرضى أبدًا أن يخالط الشركَ الخدماتُ التي تُنجَز في سبيله، وإنّ إثمَ مخالطةِ الشِّرْكِ الأعمالَ التي تتمُّ باسم التوحيد لا يُدانيه أيُّ إثمِ ذنبٍ مغلَّظٍ آخر ولا أيُّ سلوكٍ قبيحٍ أو مشين.

وحين نُعبِّرُبـ”الشرك”فلا ينبغي أن يتبادر إلى أذهاننا إشراكُ مجموعة من الأوثان والطواطم -الرموز المصنوعة من الحجر والخشب- مع الله، ولا عبادة اللات ومناة والعُزَّة؛ فهذا شِرك بيّن صُراح، فإلى جانب هذا هناك شركٌ خفيٌّ قال عنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ” قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: “الرِّيَاءُ[4].

وقد حَذّر النبي صلى الله عليه وسلم من مثل هذا الشرك في الحديث النبوي الشريف: “أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا هَذَا الشِّرْكَ؛ فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ[5]، يعني أن الرياء خفيٌّ وخبيثٌ إلى درجة أن الإنسان لا يستطيع إدراكه في معظم الوقت، ولذلك فإن عباداته وطاعاته وخدماته في سبيل الحقِّ تتبخَّر وتذهبُ هباءً منثورًا.

إن مَن يسعون ويعملون في سبيل الله جلَّ جلاله؛ إن خالط الشركُ أعمالَهم فربّما يُسلط الحق تعالى عليهم أهلَ الضلال أحيانًا لِيَشُدَّ بذلك آذانهم على سبيل اللطفِ الجبريِّ، وحين نطالع رسائل النور نرى أن فضيلة الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي قد سردَكمًّا هائلًا من الأمثلة المتعلقة بهذا الموضوع سواء في موضوع “صفعات الشفقة” أو في الملاحق، علاوة على ذلك فلا بدّ من معرفة أن البلاء الذي ينزل أو يتعرض له الإنسان يتناسب مباشرةً مع حجم الجرم والذنب المُرتكب، وكما تكون الصفعات النازلة وفقًا لحجم الخطإ والذنب صفعة نقمة وعذاب فقد تكون صفعةَ الشفقةِ واللطف.

القدر من شأنه العدل

وعلى هذا فإن مخالطةَ الرغبات الأنانية النفسانيّة للخدمات المبذولة كالإعجاب بمقالة مكتوبة مثلًا أو انتظار التقدير والمديح على بناء معلومٌ مُشيّده قد تتسبَّبُ في تكرار الصفعة، كما أنها قد تعصف بكثير من الجهد والعرق والبذل والتعب، وعلاوة على ذلك كله فإن الله قد يُعرِّض المؤمنين لِلْفِتَنِ ويؤدِّبهم بالكفَّار، ومهما ظلمَ أهل الضلال فإن القدَرَ لا محالةَ عادلٌ، وإن التعرُّضَ لمثل هذه الأزمات كفارةٌ للذنوب، غير أنه لا بد من العلم يقينًا أن هناك شروطًا معينةً كي تكون هذه الفتن والابتلاءات كفارة للذنوب.

فإن عزا المؤمنون الأزمات التي يتعرضون لها إلى أخطائهم وأدركوا ذلك فتوجهوا إلى الله تعالى بالتوبة والاستغفار قائلين: “اللهم إنّي أستغفِرُكَ وأتوب إليك توبة نصوحًا” وتضرّعوا إليه تضرعًا حقيقيًّا وخالصًا؛ فقد يجعل الفتنةَ التي أَلَـمَّتْ بهم نافعةً لهم، ووسيلةً لمغفرة ذنوبهم.

وقد ذكر الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي أنه عرفَ السبب الحقيقي في قيام أهل الضلال وأهل الدنيا بظلمه وتعذيبه؛ وهو أنه استغلَّ خدمةَ القرآنِ والإيمانِ من أجلِ ترقِّيه وسموِّهِ مادِّيًّا ومعنويًّا[6]،(والواقع أنني لا أعلم شيئًا ولو بسيطًا يدُلُّ على أنَّه استغل خدمة القرآن والإيمان وسيلةً لترقيه ماديًّا ومعنويًّا، ولكنه يُقَيِّمُ المسألة على هذا النحو من زاوية أفقِهِ الخاصّ في المحاسبة) يعني أن الإنسان ينبغي له ألا يتشوَّفَ إلى أيِّ شيءٍ دنيويًّا كان أو أخرويًّا في مقابل ما قام به من خدمات في سبيل الله. أجل، ينبغي له ألا يتشوف إلى شيء دنيوي من قبيل التصفيق والتقدير، ولا إلى شيءٍ أخرويٍّ من قَبيلِ “لأنجزنَّ هذه الأعمال، ولأقطعنَّ مسافةً في السير والسلوك الروحاني، فأدخل الجنة، ولأنالنَّالفردوس”.

وإن حدث العكس فإن المعاناة والأزمات والمشاق التي يعانيها ربما لا تكفر الذنوب، فمثلًا إن قال إنسان تعرض للفتنة “إنني أسعى وأجتهد في سبيل الله، فماذا فعلت حتى تحُلَّ بي هذه المصائب والبلايا؟!”، ولم يرَ في نفسه عيبًا ونقصًا من جانب، وشكا من حاله من جانب آخر فإن الأزمات التي يعاينها سيظلُّ يعانيها دون أن تعود عليه بنفع، علاوة على أنَّ مثل هذا الشخص يقع -حفظنا الله- في ذنب ذمِّ القدر وعدم الرضا بالقضاء.

نسأل الله تعالى أن يقدر لنا الخدمة في سبيله حتى آخر لحظة ونفَس في عمرنا، وأن ينير حياتنا بوعي وشعور التوبة والاستغفار، وأن يقسم لنا الانتقال إلى الآخرة طاهرين أنقياء.

 

[1]ابن منظور:لسان العرب، 317/13.

[2]الزبيدي:تاج العروس، 153/36.

[3]سنن الترمذي، الزهد، 57؛ سنن ابن ماجه، الفتن، 23.

[4]مسند الإمام أحمد، 39/39؛ الطبراني:المعجم الكبير، 253/4.

[5]مسند الإمام أحمد، 384/32؛ ابن أبي شيبة:المصنف، 70/6.

[6]انظر: بديع الزمان سعيد النورسي: لاحقة أميرداغ-2، ص 336.

 

السعي وراء الكمال مع خفض أجنحة التواضع

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ذكرتم فيما سبق أن على المؤمن أن يوفي إرادته حقها، وأن يسعى دائمًا إلى الكمال، ونوَّهتُم بضرورةِ المحافظةِ على التواضعِ ومحاسبةِ النفس مهما حالَفَ الإنسان الحظّ والنجاح، فكيف يمكننا أن نوفِّق بين هذين الأمرين؟

الجواب: المؤمن الحقيقيّ صاحبُ عزمٍ وإرادةٍ؛ يؤمن بالله يقينًا، ولا يفقد أمله حتى إزاء أعتى الحوادث، ولذا نجده إذا ما انقطعت به السبل لا يخضع لليأس مطلقًا، بل يظل ثابتًا، ثم يتخذ لنفسه طريقًا آخر وسط المعوقات التي تحول دون تقدمه، ويواصل السير صوب هدفه؛ لأنه يعلم أن الحق سبحانه وتعالى لم يتخلّ أبدًا عن السائرين في طريقه تعالى، فعلى سبيل المثال لما ضاقت بالنبي صلى الله عليه وسلم السبل واستحال عيشه في مكة فتح الله تعالى له طريقًا إلى الملإ الأعلى، وكلما نزل بهذا الطريق منزلًا حياه أحدُ الأنبياء العظام السابقين، بل إنه وصل إلى نقطةٍ قال عندها أمين الوحي جبريل عليه السلام: “يا مُحَمَّد أنت ضيفُ الكريمِ ومدعوُّ القديم، ولو تقدمتُ الآن بقدرِ أنملةٍ لاحترقتُ”، وتلا قوله سبحانه: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ (سُورَةُ الصَّافَّاتِ : 164/37).

ابتغاء الكمال من مقتضيات التخلّق بأخلاق الله سبحانه وتعالى

أجل، لم يضيّع الله سبحانه وتعالى أحدًا ممن يسيرون في سبيله ألبتة، بل كان في أحلك الظروف يأخذ بأيديهم ويصل بهم إلى شاطئ السلامة، فلو أنكم مثلًا وقعتم في بئرٍ ما فسيتدلى إليكم حبلٌ من أعلى على حين غرة، تتمسكون به وتصعدون، وأحيانًا قد يمسّكم غدر وحسد وغيرة بعضِ الناس، ولكن بعد مدة من السير والسلوك الروحاني تشعرون وكأن الله تعالى قد ربعكم على عرش قلوب الناس، ومن ثم فعلى المؤمنين الذين يشعرون بمعية الله وعنايته وإعانته دائمًا أن يتطلّعوا إلى القيام بالأعمال العظيمة مهما كانت الظروف قاسيةً، ويعطوا إرادتهم حقّها من أجل القيام بهذه الأعمال العظيمة بشكل يتوافق مع قيمتها، حتى تظهر في أكمل صورة وأحسنها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المؤمنين في أحاديثه الشريفة بالتخلق بأخلاق الله، وقد عبرت بعضُ الآيات القرآنية عن هذه الأخلاق بقولها: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ(سُورَةُ السَّجْدَةِ: 7/32)، ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ(سُورَةُ النَّمْلِ: 88/27)؛ بمعنى أنه خلق كل شيء في أبهى صورة وأكملها وأتمها وأحسنها مما جعل الرائين لها يقولون: “ليس هناك ما هو أعظم من هذا”، ويقول الإمام الغزالي غفر الله له فيما يتعلق بهذا الموضوع: “ليس في الإمكان أَبْدَعُ مما كان”.

أجل، ليس أمام مَنْ ينظر نظرةً شمولية إلى الكون ويجيل النظر بين السبب والنتيجة إلا أن يعترف قائلًا: لقد أحسن الله خلْقَ هذا الكون، لدرجة أنه لو وُهب لي من العمر ألفُ عام وأُمرت بإنشاء جزء ضئيل من هذا الكون ما استطعتُ إلى ذلك سبيلًا، وهكذا ترشدنا الأخلاق الإلهية إلى أنه ينبغي للمؤمن وهو يسعى في سبيل الله أن يبذل قصارى جهده حتى يخرج عمله في أبهى صورة وأكملها.

 استشعِروا مع كلِّ عملٍ تعملونه أنه سيُعرَضُ على الله ورسوله

ويحدثنا القرآن الكريم عن ضرورة أن ينشد المؤمن الكمال في الأعمال التي يقوم بها للفوز برضا الله تعالى فيقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(سُورَةُ التَّوْبِةِ: 105/9).

ونلاحظ هنا أن القرآن الكريم يؤكد على أهمية العمل باستخدامه للفظة “اعملوا” بدلًا من “افعلوا”، غير أن ماهية العمل الذي تصفه بعض الآيات الأخرى بالعمل الصالح هي العمل الإيجابي الذي لا يعتريه نقصٌ ولا قصور، ويجري في إطار خطة محددة.

أما قوله تعالى “فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ” ففيه تشديدٌ على القيام بالعمل مع الأخذ في الاعتبار أن هذه الأعمال ستُعرض على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين؛ بمعنى أن على المؤمن أن يقوم بعملٍ يرضى الله تعالى عنه، ويفتخر به مفخرة الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم، ويغبطه عليه المؤمنون قائلين: “ليتنا وُفِّقْنَا نحن أيضًا للقيام بمثل هذا العمل!”.

وبالمناسبة فإنني أريد أن ألفت انتباهكم إلى أمرٍ وإن كان خارجًا عن موضوعنا الأصليّ وهو: أن المؤمن الذي يرجو الكمال في أعماله لا يستهدف استثارة إعجاب الآخرين، وسوقهم إلى غبطته، وإنما يعمل ويوفي إرادته حقها ليحظى برضا مولاه جلّ وعلا، وإن كانت غبطة الآخرين والتشبّه بهم وعدم التخلف عنهم في إحراز الجماليات الأخروية أمورًا لا حرج فيها إلّا أن النظرَ للأمرِ بحسدٍ وغيرةٍ صفةٌ لا تليق بالمؤمن أبدًا.

الملائكة خيرُ قدوة لنا

يقول القرآن الكريم عن الملائكة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(سُورَةُ التَّحْرِيمِ: 6/66)، يُحقِّقون الإتيان بالأوامر الإلهية تحقيقًا تامًّا، ولا يحيدون عنها قيدَ أنملة، وبذلك فهم خيرُ قدوةٍ لنا، ولذلك يجب على المؤمن أن يسير في عمله على نهج جبريل الأمين عليه السلام، حتى تكون أعماله متوازنةً وفي مسارِها الصحيح وتحظى بتقدير الله عز وجل، فإن اقتضت الضرورة فعليه أن يبذل كلَّ جهده، ويأتي بكل ما في وسعه حتى يعطي إرادته التي منحها الله له حقها، ويؤدي الوظائف المنوطة به على أكمل وجهٍ؛ لأن “مَن طَلبَ وجَدَّ وجَدَ”.

الابتلاء بالنجاح

فمن بذل هذا القدر من الجهد والسعي وفقه الله تعالى بفضله وعنايته إلى نجاحات عظيمة، وربما يلتفّ مئات الآلاف من الناس حول ما قام به ذلك الشخص من عمل عظيم، ويغرقونه في الشكر والمدح والثناء، وحينذاك يبدأ أصعب امتحان بالنسبة له؛ فهل سينسب النجاحات التي حققها إلى نفسه أم إلى صاحبها الحقيقي؟ وهل ستُثير هذه النجاحات فيه شعور الشكر، أم ستدور رأسه ويغشى بصره بها؟ ولا جرم أن الذين سيجتازون هذا الامتحان القاسي بنجاح هم أرباب القلوب الذين لزموا المحو والتواضع، وتعهدوا أنفسهم بالتربية والتهذيب والتقويم، وعرفوا حدودهم في هذا الموقف الحرج الذي قد يخسر فيه الإنسان رغم أنه أدعى للكسب، وكما أعطوا إرادتهم حقها أثناء العمل فهم هنا أيضًا يعطون ضمائرهم حقَّها، ويُحَدِّدون النقطة التي عليهم أن يتوقفوا عندها، ومن ثم فهم لا ينسبون شيئًا لأنفسهم، بل يقولون: “الصانع هو الله، والخالق هو الله، والفاعل هو الله…”، وتراهم يفرّون من نقاط الضعف كالغرور والإعجاب بالنفس فرارهم من الحية والعقرب، ولا يكتفون بهذا بل يفتِّشون عن أوجه القصور في عملهم من باب محاسبة النفس، فيحزنون لها، ويغتمُّون لعدم قدرتهم على الإتيان بعملهم على أكمل وأتمّ وجه.

وبمزيد من الإيضاح نقول: قد يُحْرِزُ الذين يتولّون بعض الوظائف في الحياة العامة نجاحات متعدّدة في المجالات المنوطة بهم، ويطبعون أعمالهم بخاتم الجمال لدرجةٍ تَبْهَرُ ساكني الملإ الأعلى؛ فبعضهم وصل إلى حدِّ الإتقان في عمله بأحاديثه، وبعضهم بكتاباته، وبعضهم بحسن إدارته وقيادته، وبعضهم بمهارته الفنّيّة، ولكن المؤمن الحقيقي يقول أو عليه أن يقول عند إحرازه أيَّ نجاحٍ أو تقدُّمٍ: “لو كان في مكاني من هو أكثر رشدًا وأوسع صدرًا لأتى بأعمال أكثر روعةً وإتقانًا”.

بل لو افترضنا مُحالًا أنه استطاع شقَّ القمر بأصبعه وتغيير مجرى الشمس، وجعل الناسَ يلتفون جميعًا حول حقيقة جليلة واحدة، وحقَّقَ نجاحًا يعادل نجاح جبريل عليه السلام في أعماله فينبغي لصوت وجدانه أن يصدحَ قائلًا: “لو كان غيري في مكاني فلربما أدى هذا الأمر بشكل أفضل وأقوم، حقيقة الأمر أن يدي القاصرة هي التي جعلت هذا العمل لا يصل إلى المكانة اللائقة به، فصار عملًا مبتورًا ضعيفًا”.

القيامة والنفس اللَّوامة

لماذا لومُ المؤمن نفسَه مهمٌّ إلى هذا الحدّ؟! لخطورة أن يخسر في نهاية عمله رغم أنه وقتٌ أدعى للكسب، يقول الله تعالى في كتابه العظيم: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ $ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (سُورَةُ القِيامَةِ: 1/75-2).

فأقسم سبحانه وتعالى هنا بيوم القيامة ثم أقسم بالنفس اللَّوامة أيضًا، وكما هو معلوم فإن القَسَمَ لا يكون إلا على ما هو مهم وقيّم وعظيم؛ ويوم القيامة حدثٌ مهمٌّ لأن كل المجرات والأجرام والأنظمة الشمسية التي يعظّمها الناسُ في أعينهم سوف تختل وتنهدم أمام علم الله المحيط وإرادته المدهشة وإجراءاته العظيمة، فسيُذْرَى كلُّ شيءٍ في ذلك اليوم كالعصف المأكول ويتطاير، وهكذا كان القسم بيوم القيامة إعلانًا عن عظم هذا الإجراء السبحاني من الله تبارك وتعالى.

ثم يأتي القسم بالنفس اللّوامة، وهي النفس التي لا تثبُت على حال واحدة؛ إذ لا يُعجبها صنيعها، فتحاسب نفسها بنفسِها وتلومها على فعلها دائمًا، وهذه هي الدرجةُ الأولى في الارتقاء والسمو عن طريق النفس، ولا يستطيع إنسانٌ عجز أن يصعد هذه الدرجة الأولى الوصولَ إلى درجة النفس الملهمة، فالنفس المطمئنة، فالنفس الراضية والمرضية اللتين تشكلان جناحيها المختلفين، وأما النفس الصافية والنفس الزاكية فلا يصل إليهما ألبتة، إنّ النفسَ اللّوامةَ بمثابة سُلَّم أو حلزون أو مِصعَد يوصل الإنسان إلى مراتب النفس هذه، ولهذا السبب فإنه لمُهِمٌّ جدًّا أن يواجه الإنسان نفسه دائمًا، ويعزو إليها كل ما يقع من سلبيات، ويلومها دومًا.

آمَنُ الطرقِ للتطهّر من الذنوب

وإن رأي فضيلة الأستاذ بديع الزمان فيما يتعلق بطبيعة مجاهدة النفس التي تغري الإنسان بنفسه عند إحرازه أي ظفر أو نجاح لجديرٌ بالانتباه إلى حد كبير، فعلى سبيل المثال نجده في أحد المواضع يواجه نفسَه ويخاطبها قائلًا: “يا نفسي المرائية! لا تغتري قائلة: إنني خدمت الدين؛ فإنَّ الحديث الشريف صريح بـ”أَنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ، فعليكِ أن تَعُدّي نفسكِ ذلك الرجلَ الفاجر، لأنك غير مزكاة”، أما المبدأ الذي وضعه من أجل تزكية النفس فهو عدم تنزيهها وتبرئتها، وعليه فإنَّ الذي لا يرى نفسه دنيئةً تحتاج إلى التطهر لن يكون مزكّى لأنه لن يكون قد زكّى نفسه، ولأنه ليس مزكى فلا بدّ أن يعلم أن نفسه هي مصدر كل الأشياء السلبية غير الإيجابية.

ماذا يحدث إن علم الإنسان أن النقص والعيب من نفسه؟!

 إن مثل هذا الشخص يتوجه إلى الحق تعالى، فيطلب منه الهداية، وفي نفس الوقت يقبل الله جل جلاله تضرعات ذلك الإنسان على أنها ندم داخليّ وتوبة ضمنيّة، فيفتح له الطرق المؤدّية إلى العفو، أما من لا يأبه بهذه التضرُّعات فإنه يرتكب أخطاءً شتى دون وعي أو إدراك، ويظلّ أيضًا مغرورًا يحسب نفسه شيئًا ما، تمامًا كما يفعل معظم الناس في يومنا الحاضر، فرغم أنهم ليسوا شيئًا يُذكرُ فإنهم يحسبون أنفسهم شيئًا ذا قيمة.

ها هو سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي أذلَّ أكبر قوتين عظميتين في عصره، يتضرع إلى الله بالدعاء، ويبتهل طوال يومه منقادًا إليه تعالى في عبودية دائمة، ورغم أن الذنب لم يستطع أن يتسلل إلى حيّه الطاهر نراه يخلو بنفسه عامَ الرمادة، ينتحب باكيًا، ويتوجه إلى الله راجيًا ألّا يُهلك أمة محمد قائلًا: “اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي!”، فلما قيل له ذات يوم “يا أمير المؤمنين! لو أنك خرجتَ للاستسقاء!” استسقى بسيدنا العباس بن عبد المطلب، ربما قال في نفسه: “مَن أكون أنا حتى أرفع يدي إلى الله تعالى وأطلب منه نزول المطر!”، وعلى ذلك أمسك بيد سيدنا العباس رضي الله عنه وصعد به هضبة، ثم رفع يده عاليًا وابتهلَ إلى الله تعالى قائلًا: “اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا”؛ نافيًا نفسَه، مستسقيًا بسيدنا العباس، طالبًا ما يطلب به، قال أنسُ بن مالك رضي الله عنه -وهو راوي الحديث- فإذا استسقى عمر بهذا الدعاءِ يُسْقَون.

هكذا ينبغي أن يكون تصرف الإنسان الكامل وموقفه؛ فيجب عليه إلى جانب قيامه بأعماله على أكمل وجه ونِشدَانِه الكمال والتمام في العمل دائمًا، واستخدامه إرادته تمامًا أن يعزو إلى نفسه كل أنواع العيب والنقصان، ويحاسبها باستمرار، ويعمل بذلك القول المنسوب إلى سيدنا عمر رضي الله عنه: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا.

 

والحاصل أن على الإنسان أن يقوم بعمله على أكمل وجه بحيث لا يخجل عند عرضه على الذات الإلهية، وأن يجلس في الوقت ذاته مع نفسه، ويحدد عيوبه وقصوره موقنًا في نفسه بأنه: “لو كان هناك شخص آخر لاضطلع بهذه الأعمال بصورة أفضل، أما أنا فإنني لا أجيدها وأسيءُ صنعًا”، وفي المقابل فإن الله تعالى سيطهّره بعنايته من الذنوب والعيوب جميعها ويغسلها بماء الحياة.

الأفق الذي يبرق

Herkul-ARB | | العربية

عندما يصارع الضوءُ الظلامَ يصلُ إلى عمقه الحقيقي… والجمالُ يظهرُ بشكلٍ أفضل عندما يحيط به القبح… كما يظهر تفوق الأخيار بين الأشرار، على الأقل بالنسبة لبعضهم، وعندما يكون المجتمع في حاجةٍ للأمن والطمأنينة يُدرِكُ بشكلٍ أفضل حاجته الماسّة إلى هذا الأمن ولأجله يموت ويحيا، ولا يعرف طعمَ الراحة إلا من ذاقَ مشقَّةَ التعبِ والإرهاق، كما لا يعرف قيمةَ الجنة إلا من ذاقَ أهوالَ المرور على الصراط، أحلكُ وقتٍ للظلام هو في الوقت نفسه بشائرُ أنوارِ الفجر، والليلُ يحملُ جنينَ نور النهار، ويحملُ بردُ الشتاء وثلجُهُ جنينَ الربيع، وعندما تنتهي الأسباب ولا يعود لها أيُّ تأثيرٍ تتوجَّه القلوب إلى صاحب القدرة اللانهائية، وحسب قاعدة “المشقة تجلب التيسير” فإن المشقات تفتح أبواب اليسر على الدوام.

وفي هذه الأيام التي نتقلَّبُ فيها في دائرةٍ مفرغةٍ من الصِّعابِ والفوضى وعدم وضوحِ الرؤية نعرف مدى أهمية الطمأنينة والراحة، ونعرف قدرَ النورِ بعمقٍ أكثر، ونرى بشكل أوضح وأعمق جمالَ الإيمان وجمالَ العبودية لله، ونشعرُ في وجداننا بالثِّقة والاطمئنان الحقيقيّ الذي ينبع من الإيمان، نُحِسُّ بشوقٍ أكبر نحو الخير وبازدراءٍ أكثر نحو الشر، ولكي نرتقي في مدارجِ الطُّهرِ نستحمّ في شلّالات هذه الأيام المضيئة، ونحنّ إلى شهر رمضان، ونشتاق إليه مرَّةً أخرى.

من يدري كم مرَّةً رأينا وعِشنا شهر رمضان، ولكننا في هذه الأيام التي أحاطت سلبيّاتٌ مختلفة بالأمة؛ بدأْنا نعيشُ أيامَ غربةٍ ولوعةٍ وقسوةٍ تكادُ تقصم ظهرَ إرادتنا وعزمنا، ومن كثرة ما تعرَّضْنا للهجوم وللإهانة وللظلم في غمار هذا الجو القاسي الذي تحوَّلْنا فيه إلى غرباء في أوطاننا؛ أصبحنا نتوقَّعُ في كلِّ يوم اعتداءً جديدًا، وبدأنا وكأننا تعوَّدْنا على أن نكون مظلومين، وقد يعود هذا إلى الانسياق العبودي لدينا، هنا نفتح صدورَنا لربِّنا وندعوه بإخلاص وبحرقةٍ متضرِّعين إليه: “يا ربنا!.. يا مسبب الأسباب!.. بعد تجهّم الأعداء وتجاهل الأصدقاء مع ضعفنا وعجزنا فقد انتهت ونفدت الأسبابُ… لقد أحاطت بنا الحيرة ونحن نسلك الطريق إليك مثلما حدث لسائر السائرين في هذا الطريق… لا تدعْنا وحدَنا، ولا تجعلْنا من منكودي الحظِّ المتعثرين الوحيدين في الطريق يا رب!” نقول هذا ونتأوَّهُ، وبقدر الآلام التي نتعرض لها، ونتجرَّع غُصَصَها؛ ندقُّ بابَ رحمتِهِ بِيَدِ العجز والحاجة… ندقُّ بابَهُ فقط لا بابَ غيرِهِ، وننتظر منه توجُّهَهُ والتفاته إلينا؛ لأننا نوحِّدُه ونثقُّ به ونتوكَّلُ عليه، ولا أذكر في أيِّ رمضان آخر أننا توجَّهْنا وعِشْنَا بِمِثْلِ هذا العمقِ الذي أحسَسْناه في قلوبِنا، وقد لا نعيش مثلَهُ أبدًا.

أجل!.. كم مرَّةٍ أدركنا هذا الشهر المبارك، وكم انْتَعَشْنَا بِنَسَائِمِهِ المحمَّلةِ بالكرم واللطف، وكم من مرة حاولنا -كأمّة- أن نقيّم هذا الشهر المبارك بأيامه المجيدة ونستفيد منها كما يجب، نتذكر تلك الأيام التي انتشرت فيها الحرب والضرب، وغطَّى الضبابُ والدخان على كلِّ شيءٍ([1]) ونتذكَّر أيام شهر رمضان الحزينة التي كانت تبرقُ وتلتمع مرَّةً وتنطفئُ أخرى مثل صواريخ الاحتفالات… في تلك الأيام الحزينة من شهر رمضان التي كان الفقر المادي والمعنوي فيها متداخلًا ومتراكمًا، ربطنا عزمَنا بآمالنا مترنِّمين بقول الشاعرِ:

عندما يتجلَّى الحقُّ يكون كلُّ شيءٍ يسيرًا سهلًا

يخلقُ أسبابَهُ في لحظةٍ ويهبُه إحسانًا منه وفضلا…

كنَّا في ترقُّبٍ إيجابيٍّ ننتظر انفراجَ بـابٍ غير اعتيـاديٍّ بين الإفطار والسحور… كان شهر رمضان آنذاك شـهرًا فعّالًا وحيويًّا… ولكنه كان يتيمًا في الوقت نفسه.

شـهور رمضان تلك كانت متشابهة مع شـهور رمضان الأخرى من جانب، وغير متشـابهة معها من جانبٍ آخر، كانت فيها فصـول وفصولٌ من خيبةِ الأَمَـِل والتوجُّس… طلعت علينا تلك الشهور وأشرقت، ثم غابَتْ وغربَتْ بعد أن أهدَتْ لنا -مثل نجومِ السَّحَر- أغنيةَ وداعٍ حزينة.

لا شـكَّ أن كلَّ شهرٍ من شهور رمضان رفرفَ بِلَونِهِ الخاصّ فوق رؤوسنا وبصوتٍ رقيقٍ كَرَفْرَفَةِ أجنحةِ الملائكة، وأهدى لنـا نورًا من أنواره التي قد نستطيع حَدْسَها أو لا نستطيع، ثم ودَّعَنا ورحل، والقلوب اليقظة التي تستطيع سماعَ هذا الصوت في أعماق وجدانها تكون كمن تهرعُ على الدوام نحو ساعة حظِّها وسرورِها، وكأنها تتوجّه نحو شـهر رمضان المُحمَّلِ ببشرى الولادة الأبديّة، وتنصت إليه.

أحيانًا يكون الإنسان -حسب تلك الأحوال- مرتبطًا بالمعاني التي تلهِمُها تلك الأيام والليالي، فيحسُّ بهدوءٍ وراحةٍ وكأنه يعيش حياةً متناغمةً وموزونةً، وكأنه قد انفصل من جوِّ هذا العالم المملوء فسادًا وتلوُّثًا، هذا الفساد الذي يبعث القيءَ في النفوس، كأنه يمشي بكلِّ فرحٍ نحو أُفُقٍ مشرقٍ مملوءٍ بالأمل، لا يرى مِنْ حوله سوى لوحاتِ الجمالِ والفرح، ويرى الحياة التي يعيشها مملوءةً بالنظام، كأنه طيرٌ سابحٌ في الفضاء بكلِّ هدوءٍ وراحة لا يُعَكِّرُ صفوَهُ أحد، وأحيانًا يعيش انهزامًا داخليًّا وكأنه في نهاية خريف الأمل والبهجة، قد تصدَّعَتْ إرادتُهُ، وانكسرت عزيمتُهُ، وضاقَ أُفُقُ أَمَلِهِ، وخَوَتْ روحُه، وبدأ بالتفكُّكِ والانحلال داخليًّا… وبينما كان بِروحِهِ ومعنويَّاتِهِ طيرًا سابحًا في الأعالي إذا به يخلدُ إلى الأرض.

والآن هناك الكثيرُ من الضغوط وأنواعٌ من الإكراه والظلم والتحكّم والاستبداد، مما يسَّر لنا إمكانية اكتشاف ذاتنا. أجل، فكما أنَّ مَنْ يَحملُ في كلِّ عضوٍ من أعضائه جرحًا أو ألمًا يُعاني شعورًا قويًّا وحادًّا من الألم، أي يشعر بالألم في كيانِهِ كلِّهِ؛ كذلك حالنا نحن الذين نعيش منذ سنوات عهدًا من الظلم والتحكُّم والطغيان والغَدْرِ، فقد أدّى هذا إلى انتشار وعيٍ صامتٍ ولكنه عميقٌ… وعي تدريجي ولكنه مستمرٌّ وقويٌّ ومتَّصِفٌ بالعزم بأنّ الحقَّ لا يُهدَى ولا يُتفضَّلُ به، ولا يُتصدق به من قِبَلِ أحدهم، لذا نمدّ أيدينا إلى شهر رمضان في جوٍّ من الإشراق الروحي لكي يفتح لنا بابًا نحو أيام جديدةٍ تضيءُ المستقبل، ولكي نتوجَّه ونرجع إلى ذاتنا وهويَّتنا بشكل يُشْبِعُ العين والقلب، وبِصَمْتِ الأنهارِ الجارية بهدوءٍ ومهابةٍ، وبِرِقَّةِ النسائم المنعِشَةِ التي تهبّ بكلِّ رِفْقٍ، والذين يشاركوننا هذه العاطفةَ والفِكرَ يكتفون أحيانًا بالتمهُّل والانتظار مع أنهم يملكون قابليَّات كبيرةً وإمكانات واسعةً في مجالاتٍ عِدَّة مثل الطائر الذي يظل محلقًا في مكانه متوازنًا دون أن يرفّ بجناحيه، وأحيانًا لا يستعملون -لحكمة ما- العديد من البدائل المتاحة لهم، ويفضلون انتظارًا نَشِطًا فَعَّالًا وليس انتظارَ غفلةٍ، ونراهم أحيانًا وهم يتوجَّهون بحيطةٍ وجدّيةٍ تفوقُ ما كنا ننتظر منهم نحو المبادئ التي عشقوها وارتبطوا بها بقلوبهم.

يتوجهون إلى الله تعالى بالصوم وبصلاة التراويح وبالعبادة مثل توجُّه الملائكة الكرام… يتوجّهون دون توقُّفٍ بكلِّ إخلاصٍ وبذلّة شديدة وبِرقَّةٍ بالغةٍ… تفيضُ أعينهم بالدموع… وتجيشُ صدورهم بالرجفة والخشية.

هؤلاء الأبطال الذين ينشرون النور والضياء مثل الشموع المشتعِلة، ويجاهدون ويحاربون الظلام، والذين ضربوا بالأنانيّة عرضَ الحائط ونذروا أنفسَهم من أجل العيش لهداية الآخرين… هؤلاء بيدهم وسائل ووسائط نفخ في روح هذه الأمة وفكرها، وبالبراهين المستخلصة من لبِّ وعصارةِ ماضينا، لا يفترون عن محاولة إعادة تلك الأيام المجيدة دون يأس أو كلل، ونحن نثمن ونُشبِّهُ جهودَهم هذه بجهود أولي العزم… هذه الجهود المباركة تجعل من وقتهم وزمانهم هذا زمنًا سامِيًا، وليس كشريط زمنيٍّ قصير ومحدود، فمن ناحية ماهيته ولبّه وجوهره وبالألطاف الإلهية المنهمرة عليهم يصبح هذا الزمن متصلًا بأقدم القديم وبالعهد الذهبي المجيد من ماضينا من جهة، ومن جهة أخرى ممتدًّا نحو الأبدية، حتى إننا لو نظرنا إليه بنظرة الروح المرتفعة فوق الزمان والمكان، ورصدناه بمرصد الروح، لرأينا بكل بهجة ودهشة كيف أن العديد من المستحيلات تتحقَّقُ بفضل الإيمان، وتتم به.

من يدري كم من الأمور المخفيّة والسِّرِّيَّة تكشفُ عنها كلَّ يوم مثلُ هذه الرؤى، وتفتح الأبوابَ المطِلَّةَ على الحقائق أمام الذين يملكون مثل هذه الأسباب، وتهديها لنا، وتنفثُ الانشراحَ والبهجةَ في قلوبِنا المهمومة، وتُنْقِذنا من الارتباط بأنفسنا وبأحوالنا، وتنقلنا إلى الجوِّ المتفائل للإيمان وللأمل.

شهرُ رمضان أنسبُ موسمٍ للدعاء والمناجاة والتوجُّهِ إلى الله وأفضلُ منبعٍ لتداعي الأفكار والمشاعر، ففي جوِّهِ الجميل الملوَّنِ بألوان قوس ألوان الطيف تتماوجُ القلوبُ كتماوُجِ رائحةِ البخور من المباخر، وتحتفل الأرواح في سحر كلِّ يوم، وتُغَـرِّد في بساتينها وخلجانها مئات البلابل، وفي الجوِّ المضيءِ لشهر رمضان كم من نداءاتٍ آتيةٍ من وراءِ الأفق نحسُّها ونسمعها علاوةً على ما نسمعه من الأصواتِ والكلمات والأفكار والملاحظات من ماضينا المجيد في كلِّ أحوالنا وأطوارنا وعواطِفِنا وعباداتنا؛ ولا سيما إن كان شهر رمضان مثل شهر رمضان عامنا هذا الذي جاء بعد عهد طويل من الإمساك، والذي مزق السكون المخيم علينا منذ قرون!.. أما نحن الذين نؤمن بأن شهر رمضان منبع لمثل هذا النور؛ فإننا نصل إلى مثل هذا التناغم لا بنسبة ضآلتنا وقِلَّةِ قيمتنا، بل بنسبة عظمة شهر رمضان وبركته، وبنسبة وسعة رحمة ربنا، ويأخذُ كلُّ شيءٍ مكانه الطبيعيّ، حتى نَصِلَ إلى عمقٍ أفقيٍّ وتبلغ قلوبُنا سعادةَ الشعور بالقرب من الحقّ تعالى، وترتعش جوانحنا أمام تجلّيات رحمته، ونشعر بنسائم الأنس به وهي تحيط بنا من كلِّ جانب، فنقول كما قال الشاعر:

يا رب!.. عدمُ معرفتك حسرة

والقرب منك جمرة نار مستعِرة

جمرة في صدورنا تُشادِدْ

تفوق جمرات نار المواقد…

أما عشقك… آه من عشقك…

إنه الجنة الحقيقية…

   هلَّا أحييتني وبعثتَني يا رب بعشقك!..

نُكَرِّرُ مثل هذه الأبيـات ونعيد النظر في توحُّدنا وتكاملنا مع أفقنا ومبدئنا، ونتلاءمُ مع هذا الجوِّ إلى درجة أننا نفرح فرح الأطفال الأبرياء من جهة، ومن جهة أخرى تستطيع روحُنا الحسَّاسة سماعَ ألفِ آهةٍ في مركز عالمٍ ذي قطبين([2])، والعيش في ثنائيةٍ تعادلُ فيها آلامُ روحِنا أفراحَها، وقلقُها بهجَتَها… وآمالُها -المستندة دومًا إلى الحيطة والحذر- صامدةٌ وقويّةٌ، ومخاوفُها في يدِ الرجاء، ولكننا نتوجَّهُ دائمًا وأبدًا بمشاعر عميقة تستهدف التوحيد من أفقٍ إلى أفقٍ بروح مرتجف يكاد ينفجر ويتفتَّتُ من حمل مشاعره.

أحيانًا تقوم العين في الساعات والدقائـق التي نعيشها في هذه الأيام المباركة بإفشاء أسرار عالمنا الداخلي بذرفها الدموع، فتعبر عن أفكارٍ ما كنا نستطيعُ التعبيرَ عنها بكلِّ هذا الوضوح، فنفرح بهذا، ولكننا في الوقت نفسه نرجع إلى أنفسنا عندما نـرى أن العين -بدموعها- قد تقدَّمَتْ على الأذن والقلب، فيظهرُ أمامنا هاجس ألا تكون هذه الدموع خالصةً له.

أحيانًا تكون نسائم شـهر رمضان من الــرِّقَّـــــِة والأُنْسِ فوق كلِّ توقُّعٍ، فتمتلئُ قلوبُنا بأحاسيس لا نستطيع وصفَها أو تقييمها، ونحسب وكأننا قد استسلمنا إلى تيَّارٍ سِرِّيٍّ غامض أو أننا فوق جسرٍ ينقلنا إلى الجنة، ولكن عندما ينقطع هذا التيَّار، وتنتهي سياحتنا هذه التي أوصلَتْنا حتى حافَّةِ شاطئِ الميناء دون أن ندري، نحسُّ بأننا نكاد نخرج ونُحرَم من طريق الجنة هذا، فنشعر برجفة تنتشر في أوصالنا، ولكن سرعان ما تتلقفنا تداعيات أعمق، وموجات أخرى أكبر وأقوى على غير توقُّعٍ منَّا، فنجد أنفسنا وقد تجاوزنا حدودنا، ودخلنا بِلُطْفِهِ في شلّالاته، ونستمر في هـذه السياحة الأنفسيّة وكأن شيئًا لم يحدث.

في كلِّ ليلةٍ من ليالي رمضان نهبُّ من فراشنا وكأننا مُقْبِلُون على سفرٍ بعيدٍ، ونضع حظرًا على النوازع الجسدية، وبمشاعر خفيّة ومقفلة على الدنيا ومفتوحة على “الحبيب” نتوجَّه إليه وحدَهُ، ونكاد نعدو من لهفَتِنا وفرحنا وشوقنا، وبالنسائم السِّحْريَّة التي تهبّ علينا من حولنا وتحتضنُ كياننا وتلفُّهُ، نبتعد عن المشاغل اليوميّة وندخل في جوِّ الآخـرة، في مثل هذه الأحوال تنفثُ ساعات الإشراق هذه سحرَها في أرواحنا، وتُشعل في قلوبنا شرارة الخلود والأبدية، تحمل مثل هذه اللحظات من الأنس واللطف والحلاوة والصدق ما يكفل أنَّ كلَّ ثانية منها بل كل جزءٍ من الثانية كلَّما توزعت وانتشرت وتعمقت في حنايا ضلوعنا؛ كلَّما أحسَسْنا وكأننا دخلنا إلى عالم الوصال أكثر، إلى درجةٍ نتخيل فيها أن قُبَّةَ وجودنا تكاد تنشقُّ وننتقل إلى دار البقاء، وهذه وتيرة طبيعية كما قال الشاعر:

 يا قلب!.. صاحبُ النفس هو الذي طلبها…

 لم الحزن؟ هي ليست لي ولا لك فافهمها…

كم تكتنزُ من الحلاوةِ هذه الدقائقُ وهـذه اللحظات في العمر ضمن هذه المشاعر اللَّدُنِّيَّة، حتى إننا قد نشعر بالامتعاض من مرورها السريع، ونتمنَّى دوامَها ونقول: “ليت مثل هذه اللحظات الحلوة من شلَّالِ الزمن لا تسيل بمثل هذه السرعة، ويا ليتنا كنَّا نملك الإحساس بها بكلِّ ثانية أو ملّلي ثانية مثلما يحسُّ الإنسان بحلاوة شرابٍ باردٍ في كلِّ نقطةٍ من النقاط التي يمرُّ بها”.

تشرق الشمس في كل يـوم على مشاعرنا هذه، وعندما يرتفع الأذان فوق المآذن في الظهر تتداعى هذه المشاعر مرَّةً أخرى، وكلُّ غروبٍ يَهَبُ لأرواحنا أقداح الفرح والحزن، وتلفُّنا كلُّ ليلةٍ بِسَحَرِ الخلوةِ، وتفتح مغاليقَ ألسنتنا لنبثَّ لواعِجَنا، فيُسرِعُ كلٌّ منا إلى سجادة الصلاة ليُنَفِّسَ عن حسرتِهِ وعن لواعِجِهِ وعن فَرَحِهِ… يَئِنُّ أحيانًا، ويصرخُ من الفرحة أحيانًا أخرى.

وهكذا يمرُّ شـهرٌ كاملٌ في أفق فِكْرِنا بنفسِ الروح وبنفسِ المعاني التي تبحث عن طرق الارتباط به تعالى… يمرُّ الشـهر ويمضي على الرغم من توسُّلاتنا وضراعاتنا بألّا يتركنا، ولكن ما إن يضعَ عصا الترحالِ على عاتقه حتى تهلّ علينا شموسُ العيد التي تنير آفاقنا وتملؤها نورًا وضياءً.

 

 

([1]) يشير الكاتب هنا إلى أيام الفوضى والاغتيالات المتبادلة بين اليسار المتطرف واليمين في تركيا التي قاست منها تركيا كثيرًا خلال سبعينات القرن المنصرِم، ولم يعد هناك أمان للنفس، وأدت في النهاية إلى الانقلاب العسكري في (1980م). (المترجم)

([2]) كان هذا قبل انهيار الاتحاد السوفيتي. (المترجم)

 

الوَلَه بالأولاد

Herkul-ARB | | العربية

 

سؤال: ما الدروس المستفادة من قول الله تعالى في سورة الأعراف: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (سُورَة الأَعرَافِ: 190/7)؟

الجواب: يقول الله تعالى في الآية السابقة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 189/7)، وتحتمل كلمةُ “صَالِح” الواردة في الآية معنَيَين؛ الأوَّل: أن يكون بشرًا سويًّا معافًى من العيوب، والثاني: أن يكون متعمِّقًا في إيمانه، مراعيًا بالغَ الدِّقَّةِ في عبادته وطاعته، متوغِّلًا في شعور الإحسان والمشاهدة.

إنّ الرغبةَ في أن يكون المولودُ صالحًا تقيًّا من مقتضيات الإيمان بالله والآخرة، فما مِن قلبٍ مؤمنٍ يتمنَّى الولدَ إلا ويرفع يديه بالدعاء قائلًا: “اللهمّ هبْ لي ولدًا صالحًا، معافًى في بدنه وسائر أعضائه، كاملَ الإيمان والإسلام والإخلاص، اللهم سلِّم بدنه وأصلح عمله، وقوِّمْ حياته الروحية والقلبية”.

ولكن رُبَما يأتي المولودُ مُعاقًا كسيحًا على سبيل الابتلاء، ومثل هذه الحالة تستلزم الصبرَ والثباتَ وتَجَشُّمَ الصعوبات؛ لأننا لا ندري الحكمة من وراء هذا الأمر، ولعلّ ربنا سبحانه وتعالى قد أراد بذلك أن يُطهِّرَ الأبوين من الذنوب والمعاصي، ويرفع درجتهما المعنوية إذا ما صبرا على تحمُّل مشقات العناية بهذا الطفل المسكين.

الخطاب للأمَّةِ كلِّها في شخصِ النبيِّ (صلى الله عليه وسلم)

قد يُفهَم للوهلة الأولى انطلاقًا مما ذُكِرَ في الآية الكريمة السابقة أن المقصود بالخطاب هنا أبونا آدمُ وأمُّنا حوَّاءُ عليهما السلام، وإن كان اللذَين سألا الله تعالى ولدًا صالحًا إياهما فإننا إذا ما أَخَذْنا بِعَين الاعتبار صفةَ العِصْمَةِ الملازِمة للأنبياء فسيتبين لنا أن المقصود بقوله “جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ” هم بعضُ بني آدم وليس آدم وحواء، ولا جرم أن الأنبياء بمقتضى ما بلغوه من أفق عالٍ في محاسبة النفس لم يُعفوا أنفسَهم من هذا الإنذار واعتبروه خطابًا موجّهًا لهم، غير أن هذه مسألة أخرى، فالإنذار الحقيقيُّ هنا هو لِأُمَمِ الأنبياء لا للأنبياءِ أنفسهم، وكما تعلمون فإنّ مخاطبةَ الأنبياء ببعض خصائص قومهم أسلوبٌ متبّعٌ في مواطنَ عِدَّة من القرآن الكريم.

على سبيل المثال يقول ربُّنا سبحانه وتعالى في سورة الزُّمَرِ مخاطبًا نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (سُورَةُ الزُّمَرِ: 65/39)، مع أنه من المُسَلَّمِ به أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ليتلطَّخ بالشِّرْكِ مطلقًا، وهذا يُؤكِّدُ أن الخطاب هنا إنما هو للبشرية جمعاء في شخصِ النبي صلى الله عليه وسلم، وكأنّ ربّنا سبحانه وتعالى يقول: “لئن أشركتم ليحبطنّ عملكم”؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلَّم مصونٌ معصومٌ بحفظ الله تعالى وعنايته.

أجل، لم يتلطَّخْ مفخرةُ الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك العهد الذي غاصت فيه الإنسانيّة حتى أذنيها في أوحال ذنوبِ الجاهلية وأرجاسِها ولو بِذَرّةٍ من الشرك حتى في غُرَّةِ حياته السَّنِيَّةِ، بل دعكم من الشرك، لم يُخِلّ صلوات ربي وسلامه عليه حتى بالآداب العامة، ولم يجرَح أحدًا بكلمة ولم يُؤْذِ مشاعرَ الآخرين ولو بقدر شعرة.

ومن ثَمَّ فأيًّا كانت المسألةُ التي نتناولها فلا بدّ أولًا من الإقرار بعِصْمَةِ الأنبياء وطهارتِهم وتزكِيَتِهِم، وأن نعلمَ أن ما وردَ من خِطابٍ للأنبياء بهذا المنهجِ وعلى هذه الشاكلة إنما هو خطابٌ موجَّهٌ إلى جميع الأمة بطريق الأولى، فإذا ما أخذنا في اعتبارنا هذا الأمر يكون من الأنسب أن نستوعبَ أسلوبَ الخطابِ هنا على النحو التالي: “انتبهوا واحذروا! فإذا كان هذا الإنذار قد جاء في حقّ نبيٍّ معصومٍ بحفظ الله تعالى وصيانته فالأولى لمن لم تُضمَن لهم العصمةُ والصيانَةُ أن يأخذوا حِذْرَهُم ويضعوا هذا الإنذار نصبَ أعينهم”.

وهكذا علينا أن ننظرَ بهذا المِنْظَارِ إلى نصيبِ سيِّدنا آدم من الخطاب الوارد في الآية، كيلا ننسج هالةً قذرةً وغيرَ لائقةٍ من وحيِ الخيال حول مَن اصطفاه الله وفضّله على العالمين، يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 33/3)، فلنُنزِّه أفكارَنا وخيالاتِنا حول سادتنا العظام من الأنبياء الكرام صلوات الله عليهم وسلامه، ولذا أُذَكِّرُ مرَّةً أُخرى بأن سؤال الولدِ الصالحِ وإن صَدَرَ من آدم عليه السلام إلا أن الشِّرْكَ الحاصلَ بسببِ الولدِ لا علاقةَ له ألبتّةَ به، بل الخطاب لنا نحن.

الوَلَه بالولد قد يفتح الباب للشِّرْك

إن تجاوُزَ حدودِ الاعتدالِ في حبّ الولد قد يوقع في دائرةِ الشِّرْكِ، فبعض الناس يتعاظم هذا الشعور لديهم لدرجة أنهم يقولون: “إن ولدي هو كلُّ شيءٍ في حياتي”، فمثلًا تراه إذا ما جلس في أحد المجالس وذُكر المقطع الهجائي الأول من اسم ولده ينتهزُ الفرصةَ مباشرةً للحديث عن ولده وتعدادِ مآثِرِهِ.

أجل، قد تكون نقطةُ الضعف هذه قد استحكمت لدى بعض الناس حتى إنهم يسعَون لإيجاد مدخلٍ لِسَحْبِ الكلامِ كي يتحدثوا عن أولادهم، وهذا ما يعنيه قولنا: “الوَلَهُ بِالوَلَدِ”.

يجب أن يكون حُبُّ الأولاد وسيلةً لسعادتِهِم الأبديّة

إنّ الأولادَ الذين هم بمثابةِ مرايا صغيرة تعكس “أحسن تقويم” إنما هم وديعة الله عندنا، فلا بدَّ أن نحبَّهم ونحتضنَهم لأنّهم أثرٌ من آثار خالقِهم ومُبدِعِهم، والأهمُّ من ذلك أن نستغلَّ حبَّنَا وشفقَتَنا عليهم في تزويدهم بالتربية الإسلامية، وبعبارة أخرى: لا بدّ أن يُسهِم هذا الحبُّ في أنْ ينشَؤُوا على الاستقامة ويعيشوا عليها ويُصبِحُوا مُثُلًا عُليا لها، وعلى الآباء والأمَّهات أن يهمِسُوا بهذه الأمور دائمًا في آذان أبنائهم وهم يقبّلونهم ويمسحون رؤوسَهم ويُـرَبِّـتُـون على أكتافهم؛ حتى لا يُجاهِرَ الأولادُ اللهَ بمعاصيهم أو يقعوا في فخِّ الإلحاد أو تستولي عليهم مشاعر التمرُّدِ والتهوُّرِ التي تُفضي إلى خُسرانِ الحياة الأبديّة؛ لأن على الأبوين مسؤوليَّةَ إعداد بيئةٍ صالحة لتنشئة أبنائهم وعملَ كلِّ ما يلزم حتى يرحل أبناؤهم عن الدنيا أطهارًا كما جاؤوها، ولا شك أن الوفاء بكلِّ هذا بعدٌ آخر لِـحُبِّ الأولاد ولا غضاضةَ فيه.

ولكن إن لم يعبأ الإنسانُ بكلِّ هذا، وتعلَّقَ بولده تعلُّقًا يصل إلى العبودية لمجرَّدِ أنه ولدُه، وربطَ كلَّ شيءٍ به، ورَغِبَ في التحدُّثِ عنه دائمًا فهذا يعني أنه قد طَرَقَ بابًا من أبواب الشِّرْكِ دون أن يدري، وإن كان يدّعي أنه يؤمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وننبِّه هنا إلى أن مَن يتلفَّظ بالشهادتين ليس بمشركٍ، ولكن لتعلُّقِه الشديد بولده صار يحملُ صفةً من صفات الشرك، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير إلى هذا المعنى: “إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ” قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: “الرِّيَاءُ[1].

وإذا أردنا أن نُعَبِّرَ عن هذا الأمر بأمثلةٍ ملموسةٍ نقول: من الرياء أن يُعَبِّرَ الإنسانُ عن نفسه بقسَماتِ وجهِهِ، وأن يبالغَ في حساسيَّتِهِ عند أداء العبادات أمام الآخرين رغم أنه لا يفعل ذلك إن اختلى بنفسه، وأن يحاول إعلامَ الآخرين بمواهبِهِ الخاصَّةِ كَحُسْنِ التأليفِ والرسمِ والخطابةِ، والأنكى من ذلك أن يغلّفَ رغبته في حبِّ الظهورِ بِغِلافِ التعبيرِ عن عجزِهِ وفَقْرِهِ في مُستَهَلِّ حديثه قائلًا: “أنا الفقيرُ أنا العاجزُ”، وهذا يُعْتَبَرُ أخطرَ أنواعِ الرياءِ، وإنَّ محاولةَ الشخص إظهارَ نفسِهِ من خلالِ ولدِهِ لا يختلفُ عما ذكرناه آنفًا؛ فمِثلُه يُدنِّسُ حبَّهُ لولَدِهِ بصفةٍ من صفاتِ الشِّرْكِ، في حين أن على المؤمن أن يُراعيَ الدقَّةَ البالغةَ في المحافظة على صفات إيمانه قدرَ محافظتِهِ على عِرْضِهِ وشَرَفِهِ، ولا بدَّ أن يُطَهِّرَ أفكارَه ومشاعرَه من أيِّ شائبةٍ للشرك الخفي سواء أكان رياءً أو عُجبًا أو سمعة أو فخرًا أو كبرًا؛ لأن كل واحدةٍ منها صفةٌ من صفات الشرك، ووجودُ صفةٍ كهذه لدى الإنسان بمثابةِ وجودِ فيروسٍ فيه، وبعض هذه الفيروسات يصيبُ الجِسمَ بنزلةِ بردٍ، وبعضُها يصيبُه بالسرطان، وبعضها يصيبه بالإيدز والعياذ بالله، ولذا على الإنسان ألا يستصغرَ أيَّ صِفَةٍ من صِفاتِ الشِّرْكِ والكفرِ، وألا يُفْسِحَ المجالَ لنموِّ مثلِ هذه الصفاتِ في قلبِهِ وروحِهِ.

ولا جرم أن مَن يُبْدِي محبَّةً مُفرِطَةً وولعًا شديدًا بولده وأسرتِهِ ليس بمشركٍ وإن كان يحمل صفةً من صفات الشرك، فإن مات على الإيمان دخل الجنة، ولا يعامله الله تعالى -وهو أعلمُ- معاملةَ المشرك، غير أننا لا بدّ وأن نُفتِّشَ عن حلٍّ لهذا الأمر ونتحرَّى الدقة البالغة فيه لأن صفةَ الشِّرْكِ هذه تُشْبِهُ الفيروسَ، والفيروسُ لا يُتْرَكُ يعيثُ فسادًا في الجسمِ، بل لا بدّ من استئصاله، ففيروس الانفلونزا مثلًا إن لم نبحثْ له عن علاجٍ ناجعٍ فرُبما يصرعُ الإنسانَ أو يقتلُه، وعلى ذلك يجب على الإنسان ألا يسمح بأن يستقرّ في بنيتِهِ أيُّ فيروسٍ يتنافى مع فِطْرَتِهِ الأصلية ومع صورةِ “أحسن تقويم” التي خلقه الله عليها، فإن حاولَتْ هذه الفيروسات أن تطرقَ بابَه أغلقه في وجهها قائلًا: “لا تُتْعِبِي نفسَكِ هباءً، فكلُّ الأبوابِ موصدةٌ”.

لماذا يجب على الإنسان أن يتحلّى بهذا القَدْرِ من الحَذَرِ والدِّقَّةِ حيالَ الشِّرْكِ؟

لأن الشرك يكون أحيانًا خفيًّا أو ضئيلًا جدًّا لا يكادُ الإنسانُ يدركُه أو يعبأُ به، ولكن يجب ألا ننسى أن صغائرَ الذنوبِ التي لا نعبأُ بها ونقلّل من شأنها تصبحُ أحيانًا أعظمَ من الكبائر بكثرةِ تكرارها، بل قد تكون أخطر منها، كما يقال: “لا صغيرةَ مع الإصرار ولا كبيرةَ مع الاستغفار”، وإلى جانب هذا فإن العبد إن اطّلع على كبائره واستحضرَ وأدرَكَ فظاعتها وأخذها بمحمل الجدّ فسرعانَ ما يعودُ إلى ربِّهِ في أسًى وانكسارٍ متوسِّلًا إليه بالتوبةِ والإنابةِ والأوبةِ، وبعد ذلك يستَنْفِرُ هذا الشعورُ بالذنبِ لديه مشاعرَ مكافحةِ المعاصي، وفي النهاية يعيشُ في حذرٍ وتحفُّظٍ دائمٍ منها.

وهكذا فإن لم يحافظ الأبوان على حدِّ الاعتدالِ في ولَعِهِما بأولادهما وإن بدا صغيرًا في البداية فسيُصْبِحُ مشكلةً فيما بعد تتفاقمُ مع مرورِ الزمن.

وحتى نفهم الموضوع بشكلٍ أفضل يمكننا أن نضربَ مثالًا بالخطإ الذي وقع فيه أسلافُ قومِ نوحٍ عليه السلام، فكما تعلمون كان “وَدّ وسُواع ويَغُوث ويَعُوق ونَسْر” –في رواية- قومًا صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباعٌ يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: “لو صَوَّرْنَاهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم”، فصَوَّرُوهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبّ إليهم إبليس، فقال: “إنما كانوا يعبُدونهم، وبهم يُسْقَونَ المطرَ”، فَعَبَدُوهم[2]، لقد كانت هذه الفكرة بريئةً في البداية، ولكنها أصبحت مع الوقت سببًا في تأليهِ هؤلاء الرجال الصالحين، كانَ مُبتَدَؤها وجهةَ نظرٍ بسيطةً لكنّها آلت في النهاية إلى مصيبةٍ عظيمةٍ

أجل، على الإنسان ألا يُطنِبَ أو يُفْرِطَ في حُبِّهِ لأحدٍ سواء أكانوا أولاده أو غيرهم، وألا يتجاوز الحدّ المعقول؛ فطوبى لمن عرف حدَّه فوقفَ عنده.

التوازن في حُبِّ الولد

يرى البعضُ في أيامنا هذه أن الولدَ هو المرتَكَزُ الذي تقوم عليه الأُسَرُ، غير أن الأحرى أن نتساءل: هل نقطة الارتكاز في الأسرة اليوم هي الولد، أم الهوى والرغبة، أم النفس، أم الأنانية؟! كلُّ هذا تساؤلٌ دون حكمٍ قطعيّ ولكن ما نقطعُ به هو أن المرء إن اختار لنفسه نمطَ حياةٍ لا يتماشى مع الأوامر والنواهي الإلهية التي وضعها الدين فقد كثرت نقاط الارتكاز السلبية عنده، وانفتح الباب أمامه لمختلف أنواع الشرك المنافية للتوحيد.

فضلًا عن ذلك فليس من الصحيح وفقًا للأخلاق الإيمانية أن تُبنى سعادةُ الأسرة وتعاستُها على مسألة الإنجاب بل وأن تنشأ الخلافات والنزاعات من أجل ذلك؛ لأنّ مثلَ هذا السلوك -نسأل الله السلامة- يُعبِّر عن عدم الرضا بقضاء الله، والاعتراضِ على القَدَرِ، والتمرُّدِ على الله سبحانه وتعالى.

أجل، إن المشاكلَ الناشئةَ عن عدم الإنجاب -رغمَ أنه من تخصُّصات القَدَرِ- هي أمورٌ لا يرتضيها الله سبحانه وتعالى، ولنذكر دائمًا ولا ننسى أن الولدَ بوجودِهِ أو عدمِه ابتلاءٌ في حدِّ ذاتِهِ، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (سُورَةُ الأَنْفَالِ: 28/8).

أما الضَّرَرُ في اعتبارِ الولدِ كلَّ شيءٍ، والحبِّ المُفْرِطِ له، وجعله المرتكز الذي تقوم عليه العائلة فإنّه يكمن في التغاضي عن تصرُّفاته السلبية، وعدم البحث عن حلٍّ سويٍّ لهذه المشاكل والسلبيّات، فمثل هذا التصرُّفِ قد يُفضي مع الوقت إلى نشأةِ أبناءٍ غير أسوياء، بيد أن الهدف الأساس في هذا الأمر هو إنجاب طفلٍ صالحٍ مستقيمٍ طاهرٍ على خُلُقٍ حسن، فعلى الأبوين أن يبذلا جهدهما ويقوما بكلِّ ما يلزم للوصول إلى هذا الهدف، ولكن الحقيقةَ الـمُرّة تُشير إلى أن الغالبية العظمى من الأطفال اليوم قد ضاعوا وضلُّوا الطريقَ بسبب انتشارِ الجهلِ في الأسرةِ، والوحشيّةِ في الشارع، وتبلُّد الأحاسيس في دُورِ العِبادَةِ، وافتقارِ التعليمِ إلى الجَودَةِ.

تربيةُ الأبوين هي البدايةُ لِنَشْأَةِ الولدِ الصالحِ

فإذا ما ابتغينا الولدَ الصالحَ فعلينا بدايةً أن نُحْسِنَ تربيةَ والديه؛ إذ يجبُ أن يتعلّمَ الوالدانِ في البداية كيف يكونان قدوةً لأولادِهما، وكيف يعاملانهم، بل ومن الممكن أن يلتحقَ المُقبِلون على الزواجِ بدوراتٍ تأهيليّةٍ قبلَ الزواجِ، فإن حصلوا على شهادةٍ منها تزوَّجوا وإلا فلا، وخلال هذه الدورة يتعلم هؤلاء الشباب المقصد الأساس من الزواج، وكيف يمكن تأسيس علاقة صحّيّةٍ بين الزوجين، وكيف يعاملان بعضهما البعض، كلُّ هذه الموضوعات وأمثالُها لا بدّ من تأسيسها على أرضيّةٍ صلبةٍ؛ لأن المقبل على الزواج -ذكرًا كان أو أنثى- إن تزوَّدَ بالعَتادِ السليم في هذا الشأن فستصبح هذه المؤسَّسةُ المُقَدَّسَةُ التي يُشَكِّلُها مع شريكِ حياته روضةً من رياض الجنة، ولا شك أن الأولاد الذين يتربَّون في كَنَفِ مثل هذه العائلة سيغدون صالحين أسوياء، ولكن إن لم تكن لدى الأبوين كفاءة لتحمُّلِ مسؤوليّة الأبوّة والأمومة فسيظلُّ الأطفال مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وللأسف نشأت معظم الأجيال الحاليّة على هذا النحو، وإن نشأ البعض في بيئةٍ طاهرةٍ وبلغوا ذاتيّتهم فالغالبية العظمى لم تتمكّن من فِعل ذلك.

ولطالما تلقّى الذين تورَّطوا في حبٍّ غير مشروعٍ على خلاف مقصدهم لطماتٍ ممّن أحبُّوهم أيًّا كانوا هم، من أجل ذلك إن لم يعتبر الوالدان ولدهما وديعةً من الله عندهما، بل ونظرا إليه على أنه بضعةٌ منهما فحسب، وأحبَّاه حبًّا أنانيًّا وولِعا به ولعًا مُفرطًا؛ فسيغدو هذا الولدُ ابتلاءً لهما في المستقبل؛ لأنه كما يتسبَّبُ الإفراطُ في شيءٍ تفريطٌ في آخر، فكذلك التفريطُ بالتالي يؤدِّي إلى إفراطٍ آخر، وكما أن هذا الأمر يتخلَّلُ العلاقةَ بين الأبوين والولد فهو يسرِي أيضًا على العلاقةِ بين كلِّ مُحِبٍّ ومحبوبٍ.

حاصل القول: لو أن الإنسان وضع غيره -أيًّا كان هو- في مقامٍ أعلى من قدره، وأفرطَ في حُبِّهِ له فسيتلقَّى لطمة منه على عكس ما كان يهدُف أو ينتَظِر، ثم يأتي اليوم الذي يسمع فيه كلٌّ منهما ما لا يحبُّ من الطرف الآخر.

 

[1] مسند الإمام أحمد، 43/39؛ الطبراني: المعجم الكبير، 253/4.

[2] تفسير الطبري، 639/23.

 

الرضا في الدنيا والرضوان في الآخرة

Herkul-ARB | | العربية

 

سؤال: هل ثمَّةَ فرقٌ بين الرضا والرضوان؟ وما أهمُّ الوسائل للوصول إلى رضوان الله تعالى؟

الجواب: إن الرضا يكون من الله ومن العبد، وهو والرضوان بمعنى واحد، إلا أن الرضوان يعبَّر به عن الرضا الكثير، وأعظمُ الرِّضَا رضا الله تعالى، لذا خُصّ الرّضوانُ في القرآن بما كان من الله تعالى”[1].

رضا العبدِ هو أن يرضى العبدُ عن الله سبحانه وتعالى، وعن دين الإسلام المبين الذي وضعه ربُّه، وعن رسول الله الذي بلّغنا هذا الدينَ الحنيفَ، وأن يُذعِنَ قلبيًّا لكل ما قدّره الله، وأن يستقبلَ ما حلّ به من بلايا ومصائب بسكينةٍ واطمئنان، يشير سيدُنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مثل هذا الأفق من الرضا بقوله: “ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا”[2].

ومن خلال هذا البيان المبارك يكشف النبي صلى الله عليه وسلم من جهةٍ عن طبيعة العلاقة بين العبد وربِّهِ، ويحدِّدُ لنا من جهةٍ أخرى الهدفَ الذي يجب علينا أن نصبو إليه؛ وفي قول مولانا تبارك وتعالى في مواضع عدَّةٍ من القرآن الكريم: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 119/5) إشارة إلى أن بلوغ أفق الرضا هو أسمى غاية ينبغي للمؤمنين الوصول إليها.

فمَن حرص على الرضا، وجعله دائمًا جُلَّ همِّهِ، وغايةَ آمالِهِ، وسعى سعيًا حثيثًا في سبيله؛ ففي هذا دلالة على رضا الله تعالى عنه؛ لأن الله جلَّ جلالُه إن لم يرضَ عن عبدٍ من عباده حرَمَهُ الشعورَ بالرضا، وعلى ذلك يمكن أن يُقال إنّ مَن لم يَرضَ عن الله تعالى وقضائه وقدره ولم يقابِل كلَّ مصيبةٍ تنزل به بتسليمٍ وطيبِ نفسٍ فهذا يُعدّ علامةً واضحةً على عدم رضا الله تعالى عنه.

الرضوان: بشرى السعادة الأبدية

أما الرضوان في الآخرة فهو الجزاء الذي يتحصّل عليه العبد مقابل سعيِهِ وجُهدِهِ في الدنيا لِنَيلِ مرضاة ربِّهِ، ولا يعزُبُ عن عِلْمِكُم أنّ كلّ عبادةٍ يؤدِّيها الإنسانُ في الدنيا تتمثَّل له نعمةً من نِعَمِ الجنة في الآخرة؛ أو كما يقول الأستاذ بديع الزمان رحمه الله تعالى رحمة واسعة: “إن كلمةَ “الحمد لله” التي يقولُها المؤمنُ في الدنيا تصيرُ ثمرةً مجسَّمةً في الآخرة”[3].

أجل، إن الصائم الذي يصبر على الجوع والعطش في الدنيا سيحظى بالدخول من باب “الرَّيَّان” في الآخرة[4]؛ بمعنى أنه سيصل إلى منبعٍ إذا شرب منه فلن يظمأ بعده أبدًا؛ باختصار إن إيمان الإنسان وسلوكيّاته في الدنيا تتدثر بمعانٍ مختلفة في الآخرة، إذ تتمثل أمامه أحيانًا نعمةً محسوسةً تُرى بالعين وتُمسَك باليد، وأحيانًا أخرى انشراحًا في الصدر، أو موجاتٍ تحمل نسائمَ الرضا.

ومن ثمّ فالرضوانُ هو الفضلُ والإحسان الذي لا حدودَ ولا شواطِئَ له، يأتي على صورة جسمٍ محسوسٍ ملموسٍ يمنّ الله به على عباده المؤمنين في الآخرة، وبعبارة أخرى فالرضوان هو نعمةٌ تفوقُ كلَّ التصوُّرات، يتفضَّل الله بها على عباده المؤمنين في دار السعادة الأبدية؛ إذ يسقي اللهُ أرواحهم منها؛ فيشعرون بنفحةٍ من الذوق الروحاني واللذة المعنوية التي تُنسيهم حتى نعيم الجنة.

أيّهما أعظم فضلًا: الرضوان أم رؤية جمال الله تعالى؟

وفي هذا الصدد قد ترِد على الأذهان مسألة: أيّهما أعظم فضلًا الرضوانُ أم رؤيةُ الله تعالى؟ فمن خِلالِ ما ذكره علماءُ أصول الدين ذوو دراية كبيرة بالكتاب والسنّة الصحيحة يمكننا أن نستنبط أن رؤية جمال الله هي من أعظم نعم الجنة، وقد عبر الشيخ سراج الدين الأُوشي رحمه الله عن هذه الحقيقة في “بَدْء الأَمالي” وبيّنَ اعتقاد أهل السنة في هذا الأمر فقال:

يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ بِغَيْرِ كَيْفٍ             وَإِدْرَاكٍ وَضَرْبٍ مِنْ مِثَالِ

فَيَنْسَوْنَ النَّعِيمَ إِذَا رَأَوْهُ              فَيَا خُسْرَانَ أَهْلِ الِاعْتِزَالِ[5]

ويقول الأستاذ النورسي رحمه الله: “إن قضاء ألفِ سنةٍ من حياة الدنيا وفي سعادةٍ مرفَّهة، لا يساوي ساعةً واحدةً من حياةِ الجنة! وإن قضاءَ حياةِ ألفِ سنةٍ وسنةٍ بسرور ٍكاملٍ في نعيم الجنة لا يساوي ساعةً من فرحةِ رؤيةِ جمالِ الجميل سبحانه”[6].

نعم، إن رؤية جمال الله فضلٌ إلهيٌّ عظيم يَــبُــزُّ نعيمَ الجنة، ومع هذا فإنّ النبيَّ r يقول:

“إِنَّ اللهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ!

فَيَقُولُونَ: لَبَّيكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيرُ فِي يَدَيكَ!

فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُم؟

فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِن خَلْقِكَ.

فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟

فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟

فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا”[7].

فخطابُ الله تعالى للمؤمنين في الجنة يدلُّ على أنّ الرضوانَ هو أعظمُ إحسانٍ يبعثُ الحبورَ والانشراحَ في نفس الإنسان لدرجةٍ تُنسيه رؤية جمال الله، ويُشْعِرُه بنسمات من الأذواق الروحانية التي يتعذَّر تخيُّلُها وتصوُّرها.

وقد ذكر ربُّنا سبحانه وتعالى صراحةً في سورة التوبة أن الرضوان هو أعظمُ نعيم الجنان فقال: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ (سُورَةُ التَّوْبِةِ: 72/9).

من طلبَ الرضا نالَ الرضوانَ

حاصل القول: إن رضا العبد عن ربه ورضوانَ الله عن عبده وإنْ كان كلٌّ منهما يعبّر عن حقيقة مختلفة نظرًا لتعلُّقِهما بالدنيا والآخرة إلا أن بينهما علاقةً وطيدةً تُشْبِهُ علاقةَ السببِ بالمسبّبِ والعِلَّةِ بالمعلولِ، فإذا ما أعطيتم إرادتَكم الجزئيّةَ حقَّها في الدنيا، وعبَّرتم عن رغبتِكم في رضوان ربِّكم، وبذلتم جهدَكم في هذا السبيل شرَّفكم الله برضوانه نتيجةَ ما قمتم به من سعيٍ وجهد محمودٍ.

غير أن هناك أمرًا علينا أن نفهمَه على الوجهِ الصحيح ولا نغفل عنه وهو: أن العلاقةَ السببيّة والعِلِّيّة بين هذين الأمرين لا تتوافق أو تنطبِقُ مع قانون السبب والنتيجة في العالم المادّيّ؛ لأنكم إن قطّرتم قطرةً واحِدةً من الرضا في الدنيا تبخّرت هذه القطرة وتَصَّعَّدُ في السماء وعَظُمَت حتى تصير بحرًا خِضَمًّا في الآخرة، بيدَ أن القطرة من حيث قانون السبب والنتيجة لا تفضي إلى بحرٍ ألبتة، ولكن الحقّ تبارك وتعالى بِلُطْفِهِ الذي لا حدَّ له وبرحمته الواسعة المُغدَقَة قد حوَّل رضاكم عنه الذي يُمثِّل قطرةً في الدنيا إلى محيطٍ متلاطِمِ الأمواجِ في الآخرة.

جَناحان يوصّلان إلى الرضوان: إعلاء كلمة الله والإخلاص

إن من أقصرِ الطُّرُقِ وأعظمِ السبلِ التي توصّل الإنسانَ إلى إحراز رضا الله ورضوانِه هو إعلاء كلمة الله تعالى. أجل، إن تبليغَ وإعلاءَ كلمةِ الله في كلِّ الأصقاع المظلمة من الأرض والعَدْوَ كالفرس العربي الأصيل دونَ تعبٍ ولا نصبٍ في سبيل أن تُرَفْرِفَ الروحُ المحمّديّةُ في كلِّ أرجاء العالم لَمِنْ أعظمِ الوسائل التي توصّل الإنسان على جناحِ السرعةِ إلى رضا الله، وعلى ذلك يمكن القول إننا وإن كنا نعتبر إعلاءَ كلمة الله وسيلةً للوصول إلى الرضوان فهي وسيلةٌ بمستوى الغاية.

فعلى الإنسان أن يهتمّ في جميع حركاته وسكناته بإحياء الآخرين، وأن يبذل وسعه لتتعلَّم الإنسانيةُ قواعدَ سلوكيّةٍ جديدةٍ، وأن يقتنِصَ الفُرَصَ في سبيلِ توجيه الإنسانية إلى الله تعالى، وأن يعشقَ هذه الوظيفةَ ويتعلَّقَ بها؛ حتى إذا لم يقدر على أدائِها نَدَبَ حظَّهُ واعتبر حياتَه التي يعيشها هباءً وعبثًا.

ولا جرم أن على الإنسان أن يكون مخلِصًا عند أدائه لوظيفة إعلاء كلمة الله حتى لا يخسر في موقعٍ هو أدعى للكسب، فالمُخلِص هو مَن يُجسِّدُ الإخلاصَ في شخصِه، لكن يجب عليه أن يركِّز تركيزًا تامًّا على مسألة الإخلاص هذه لدرجة أن يَتقالَّها ويسعى سعيًا حثيثًا ليكون من المخلَصِين، والمُخلَص هو الذي يَصِلُ بفضل ربه إلى درجة الخلوص والصفاء ويصفو ويصبح برّاقًا لامعًا حتى لكأنه هو الإخلاصُ عينُه، وهذه ميزةٌ خاصّةٌ بمن قال الله تعالى عنهم: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ﴾ (سُورَةُ ص: 47/38) وعلى رأسهم الرسول الأكرم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن ينبغي للمؤمنين أن يُسدِّدوا نظرَهم إلى هذا الأفق العظيم حتى يصلوا إلى هذا الهدف السامي على مستوى “الظِّلّية” -إذ إن مستوى “الأصليّة” منه خاصٌّ بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام- وأن يتمثّلوا المرادَ الإلهيَّ دائمًا، ويُؤَدُّوا كلَّ عبادتهم كما أمرهم ربُّهم، وألا يربطوا عبوديَّتهم بأيِّ غايةٍ دنيويّةٍ، بل وينسلخوا من كلِّ غرضٍ أخرويٍّ سوى رضوان الله، وبعد ذلك يفوِّضوا نتيجةَ الأمر إلى الله تعالى.

وبذلك تبدأ طبيعة الإنسان الذي وصل إلى هذا الشعور في إعطاءِ ردِّ فعلٍ تلقائيٍّ حيالَ أيِّ شيءٍ خالٍ من الإخلاص، فمثلًا نجد هذا الإنسان لا يتشوّف ألبتة إلى أيِّ غرضٍ دنيويٍّ كتقدير الآخرين واستحسانهم حتى وإنْ أحرز نجاحًا يبهر العيون، أو قال كلامًا يُحرّك المشاعرَ في القلوب، أو كتب مقالًا يمتدحه عليه فُحُولُ الأدَبِ والشِّعرِ؛ فإن ورد بخياله العفويّ -ناهيك عن تصوُّرِه واستحضارِه- شيءٌ آخر سوى الله تعالى، انزوى على الفور، واستغفرَ ربَّه من الشِّرْكِ الخفيِّ، بل وعاتبَ نفسَهُ، ورمى بها في أحواض التوبة والإنابة والأوبة حتى يُخْرِجَها طاهرةً مطهرةً.

وهذا المستوى من الإخلاص هو من أهم الوسائل للفوز برضوان الله تعالى في الآخرة، فبِقَدْرِ تعمُّقِ الإنسان في إخلاصه في الدنيا بِقَدْرِ وصولِهِ سريعًا إلى رضوان ربِّه في الآخرة، وربما يعصمُه الله من هولِ القبر وفزعِهِ، فلا يذوق عذابَه ولا يتجرَّع معاناتِهِ؛ فاعتبارًا من اللحظة التي يوضع فيها هذا الإنسان في قبره يرتقي عموديًّا منتشيًا في هذا الأفق بما متّعه الله من لطائفَ ربّانيّة.

ومن ثم على كلِّ مؤمن أن ينشد وظيفةَ إعلاء كلمة الله وأن يراعي الدقة البالغة عند أدائه لهذه الوظيفة من أجل الفوز بالإخلاص والمحافظة عليه.

 

[1] انظر: الراغب الإصفهاني: المفردات في غريب القرآن، مادة “ر ض ي”.

[2] صحيح مسلم، الإيمان، 56.

[3] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة الحادية والثلاثون، الأساس الثالث، ص 678.

[4] انظر: صحيح البخاري، الصوم، 4؛ صحيح مسلم، الزكاة، 85.

[5] الأوشي: بدء الأمالي، البيتان 20-21.

[6] بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب العشرون، المقام الأول، ص 278.

[7] صحيح البخاري، الرقاق، 51، التوحيد، 38؛ صحيح مسلم، الجنّة وصفة نعيمها وأهلها، 9.

 

الموقف الإيماني من شبكات النفاق الحاقدة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما الموقف الذي يجب أن تتّخذه القلوبُ المؤمنة إزاء الأحداث المنكَرَة والسلبيّة التي تقعُ حولها؟

الجواب: بادِئَ ذي بدءٍ علينا أن نعرف أن هذه ليست المرّة الأولى أو الأخيرة التي تقع فيها أحداثٌ سلبيّةٌ منكَرة، فكثيرًا ما يُجلّي القرآنُ الكريم أمامنا هذه الحقيقةَ في شكل لوحاتٍ حيّةٍ؛ فنراه تارةً يقصُّ علينا بمختلف الأساليب والأشكال قصصَ الأنبياء السابقين، وتارةً أخرى يُحدِّثنا عن وقائع مختلفة تكفي الواحدةُ منها لإثارة العجب والدهشة في النفوس، فكانت هذه الوقائع تبعث السلوى في قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وتلفت الأنظار إلى التكرُّرِ التاريخيّ الدائم، وإننا إذا ما تفحّصنا كلّ هذه الوقائع التاريخية لتبدّتْ أمامنا لوحةٌ لطيفةٌ مفادها أنه ما من قوم انحلّوا وانفرطَ عِقْدُهُم إلا بعث الله فيهم أنبياء لهدايتهم وإصلاحهم، وقد اضطلع المجدّدون بعد خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم بمهمّة بَعثِ الروح التجديديّة وإصلاحِ الخراب الذي عمّ المجتمع.

لم تخطر ببالِ الظالمِ النهايةُ، ولكن…

لم تتفشّ المنكرات في مجتمعٍ في أيِّ حقبةٍ تاريخيّةٍ كما تفشّتْ في مجتمع الجاهلية، وفي هذا يقول شاعر الإسلام “محمد عاكف”:

“لقد تجاوز البشرُ الضباعَ وحشيّةً وافتراسًا

فالضعيف الحليم يأكلُهُ إخوانُهُ غيلةً واختلاسًا

وكانت الفوضى تعمّ أرجاءَ الأرض جمعاء

والفُرقة التي تقوّض أركان الشرق الآن هي في ذلك العهد داءٌ ووباء.”

وبعد أن رسم الشاعر هذه الصورة المفجعةَ عن ذلك العهد يقول:

“ثم زال ظُلْمُ العتاةِ الجبابرة وحلّ محلّه الطُّهْرُ

وانتشى العجز الذي كان يظنّ أن كلّ حقه الانسحاق والقَهْرُ

أما الظلم فقد تبدّد وانقشعَ

 وهو الذي لم يكن يدور بخَلَدِه أن يزول أو يَقَع.”

وهنا يشير الشاعر إلى “سنة الله” التي تجري في الحياة الاجتماعية. أجل، قد لا تخطر الحياةُ والانبعاث ببال العجز اليوم أو غدًا، وقد لا يخطر الزوال والانتهاء ببال الظلم، ولكنّ هذا ما وقع بفضلٍ من الله وعنايته مرّات ومرات على مرّ التاريخ، وما حدَثَ دليلٌ على ما سيحدث، وإن من أعظم الفوائد التي يمكن استخلاصها جرّاءَ استقراءِ التاريخِ وبَقْرِ بطونِ كُتُبِهِ وإقامةِ جسورِ التواصلِ معه هو استيعاب هذه الحقيقة؛ فإن تتابُعَ وتيرةِ الهدم والإصلاح بصفةٍ دائمةٍ حتى اليوم، واستمراريّة تكوُّرِ الليلِ والنهار دون انقطاع يُعدّ أعظمَ دليلٍ وأسطعَ برهانٍ على أن الإصلاحَ يعقب التخريبَ حقًّا، والنهارَ يولَدُ من رحِمِ الليل صِدقًا.

تعرضْتُ للتضييق والإيذاء طوال حياتي، ولكنني ما يَئِسْتُ قطّ!

ولزيادة الإيضاح نقول: كثيرًا ما ينحرف البشر عن الطريق، فتتفرّق كلمتهم، ويتناثرون يمينًا ويسارًا مثل حبّات السّبحة التي انحلّ وانفرطَ عِقْدُها، وتتبَعُ التغيُّراتِ السلبيةَ تغيُّراتٌ أخرى، ويُصاب المجتمع بمسخٍ وتشوُّه شكليٍّ كبير، ولكن يجب ألا ننسى أن الله تعالى قادرٌ على أن يوقِدَ جديدَ نورٍ ومعرفةٍ في القلوب يكونان سببًا في صحوة الناس وجمعِ شتاتهم.

إنني شخصيًّا لا أدّعي أنني قوي الإيمان، ومع هذا فإنني رغم ما تعرَّضْتُ له من تضييق واضطهاد منذ أن كنتُ في العشرين من عمري لم أيأس قط؛ كل هذا لم يؤثر فيَّ ولم يَفُتَّ في عضدي، ولم يخطر ببالي -ولو لحظة واحدة- أن أتراجعَ عن الطريق الذي أسيرُ فيه أو أحيدَ عنه، ولم أعبأْ ألبتّة بالإهانة أو التهديد، وكنتُ كلّما أجدُ حفنةً من الناس أجلس معهم في المسجد، ونتدارس فيما بيننا، وقد استمرت هذه الاضطهادات، ومع ذلك لم أقع في اليأس أبدًا؛ إذ كانت تراودني هذه الفكرة طوال حياتي:

“ولسوف تشرق الأيام التي وعدك بها الله ربّ العالمين

ومن يدري، فربما غدًا، وربما قبلُ، فكن من الواثقين.”

لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلاَ تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (سُورَةُ يُوسُفَ: 87/12).

وأحسب أنني بهذه الكلمات أُعَبِّرُ عن عواطف الأرواح المتفانية؛ لأن كلًّا منهم إذا ما واجهته أي مشكلة يقول كما قال الشاعر “نسيمي”:

“أنا عاشقٌ لك ملوَّعٌ أيها الحبيب المحبوب

حتى وإن شققت قلبي بالخنجر فلن أتزحزح عن حبّك أو أؤوب

ولو وضع النجارُ منشاره على رأسي مهدِّدًا

بل وإن شقّوني نصفين كزكريا مجدّدًا

وإن أحرقوا جسمي وذرُّوا رمادي

يا إلهي يا ستّارُ لن أتنازلَ عنك يا مرادي.”

لأن المهمّ بالنسبة لهم هو رضا الله، ووسيلة الرضا سيرُ موكب الخدمة، ولا أهمّيّة ولا قيمةَ لتعرُّضِنا لِبَعْضِ الحوادث التي تُحرق الكبدَ نظيرَ أن يُواصِلَ الموكبُ سيرَه، فليست الخدمات المبذولة منوطةً بأحدٍ منا.

الجُرأة والثبات يُفسدان ألاعيب ذوي النوايا السيئة

 مهما تعرَّضْنا لأحداثٍ تُحَطِّمُ الآمالَ وتثبّطُ الهِمَمَ وتُكدِّرُ صفوَ الصدورِ فيجب علينا ألا نفزعَ أو نقعَ في مستنقع اليأس الذي يحول دون كلّ كمال، بل لا بدّ دائمًا من الصمود دون تحدٍّ أو عناد؛ فإن جرأةَ القلوب المؤمنة وثباتها يقمع أصوات ذات النوايا السيّـــئة؛ لأن ترحيبنا بالموت الذي يهدِّدُوننا به وقولَنا إزاءه: “على الرحبِ والسعة، كنتُ أتمنى دائمًا أن أرتشِفَ كأسَ الشهادة، وألتقي بربّي”، يثير الدهشة والعَجَبَ فيهم ويُسقِطُ في أيديهم. أجل، إن ثبات المؤمنين وصمودَهم لهو تعبيرٌ مهمٌّ عن ثقتهم بربّهم واعتمادهم عليه تعالى، ودافعٌ عظيم يُفْسِدُ مخطّطات الطرف المقابل، ويسوقه إلى الذعر والفزع.

الصبر والنصر

الصبر هو المفتاحُ السِّــرّيُّ السحريُّ الفريد للوصول إلى النجاة، وكما أنه من أهمّ السُّبلِ في بلوغ سعادةِ الجَنان، والوصول إلى مشاهدةِ جمال الرحمن، والفوز بالخلود والرضوان؛ فإنَّ له فائدة دنيويّة دون ذلك أيضًا وهي الخلاص من الأَزَماتِ وإحراز النجاحات، ويندرج في قائمة الصبر أمورٌ مثل المواظبةِ على العبادة والطاعة، ومقاومةِ المعاصي، وتحمُّلِ المصائب، ومعارضةِ الظلم والعدوان، وعدمِ استعجالِ الأمور المرهونة بالزمان، والثباتِ في مواجهة مفاتن الدنيا، وإيثار معاناة الخدمة على ما يدعو إليه الاشتياق لجمال الله تعالى.

وهذه الأمور يمكننا أن نسمّيها أنواع الصبر، فإنْ لم نُهمِل أيًّا منها تسنّى لنا أن نفتح آلاف الأبواب بهذا المفتاح السرِّيِّ، غير أنّ الإنسان إنْ ضربَ بالصبرِ عرضَ الحائط واستعجلَ الأمورَ فتعثُّرُهُ مُقَدَّرٌ ومحتومٌ؛ لأن:

العَجُولَ يعثُرُ بعباءَتِه

والمتأنّي يُدرِكُ غايتَهُ بِرَوِيَّتِهِ

أجل، إن من يستعجل السيرَ والخطى يعلَق طرفُ عباءَتِهِ بقدميه فيتعثّرُ، بينما من يتحرّك بِحَيطةٍ وحذرٍ يَصِلُ إلى مراده ومقصودِه، ولهذا ينبغي للمؤمن أن يسير وفقًا لخطّةٍ مسبقةِ الدراسة، كما يجب ألا يَحْدُثَ خلطٌ بين السير المبنيِّ على صبرٍ وسابقِ حِسابٍ وتخطيطٍ وبين الكسل والعزوفِ عن العمل، بل إنّ الإنسان يلزمه أن يكون نشِطًا دائمًا، ويسير نحو هدفه، وعليه وهو يسير إليه أن يكون في تدبُّرٍ وتذكُّرٍ وتأمُّلٍ وحَذَرٍ، وأن يُفَكِّرَ في أوَّلِ الأمرِ وآخرِه، وأن يضعَ أصحاب الحَسَد والغيرة في حسبانه، وألا يغضّ الطرفَ مطلقًا عما يُساور ذوي النوايا السيئة من مشاعرِ حقدٍ وكره.

لا يحجبُ نورَ الشمس إثارة الغبار

وهنا أيضًا ينبغي لكم ألا تبالوا بالمؤامرات والأكاذيب والتلفيقات التي يقف وراءها بعضُ الظالمين المعتدين، وكما يقولون في المَثَلِ: “لا يضرُّ السحابَ نباحُ الكلابِ”، بمعنى أنكم طالما تسيرون في الاتجاه الصحيح وعلى الطريق القويم فلا قيمةَ ولا أهـمّــيّــة لما ستفتريه بشأنكم مجموعةٌ من الألسنِ القَذِرَةِ التي انطبعت على الفتنة والفساد، وهنا أجد فائدةً في التذكير بهذه القطعةِ الشعريّة:

فما تبالي السما يومًا إذا نبحت … كلُّ الكلابِ وحقِّ الواحدِ الباري

لو كلّ كلبٍ عوى ألقمتَه حجرًا … لأصبح الصخرُ مثقالًا بدينارِ

ومن هنا فلنَدَعِ النابحَ ينبح، ولا ينبغي لنا أن نأبَه أساسًا بأمر الذين يرموننا بالأدناس، وبالمناسبة فإن لم تكن هذه النوعية من العبارات والأقوال من سجيتنا وأسلوبنا الخاص بنا فينبغي ألا ننسى أن القرآن الكريم نفسه ضرب مثلًا بالحمار والكلب ليبيّن بعض الحقائق[1]، وحين نضع نصبَ أعيننا الأسلوب النزيه العفيف للقرآن الكريم يتبيّن أنه يجب التعبير عن تلك المسألة والقضيّة بذلك الشكل احترامًا للحقيقة.

أجل، إن كنتم قد برمجتم أنفسكم كي تتلاحموا وتتمازجوا مع روح أمَّتِكم وعقلِها وقلبِها، وتتخلّصوا من وصاية الدول الأخرى عليكم، وتتبوَّؤوا تلك المكانة الرائعة في التوازنات الدولية فعليكم ألا تهتمُّوا بالمواقفِ والكلماتِ القبيحةِ الشاردةِ الواردةِ من هنا وهناك، وما دمتم واثقين من صحّةِ وسلامة الطريق الذي تسيرون فيه، ومن أنكم لا تركضون وراء هدف آخر غير نيلِ رضا الحقِّ تعالى؛ فينبغي لكم ألا تُلقوا بالًا لما يُمارَسُ ضدَّكم من أمور عدائيّة، وألا تقفوا عندها كثيرًا، بل وألا تهتمّوا بها أصلًا.

فليخشَ السائرون في الضلال سوءَ عاقبتهم

إن كان هناك من يجب عليهم أن يقلقوا ويفزعوا ويتحيّروا في أمرهم، متسائلين ماذا عساهم أن يفعلوا؛ فإنهم هم السائرون في الطريق الخطإ، حيث إنهم يعجزون عن الخَلاص من التخبُّط والتلوّي في مسيرهم رغمَ أن التخريب أسهلُ من التعمير؛ ومن يَكُ كذلك لا يتقدّمُ قيدَ أنملة، وبالرغم من أن أمثال هؤلاء يستخدمون كلَّ أنواع الطرق السلبيّة والهدّامة كالترهيبِ والتسلُّطِ وهدمِ القِيَمِ والتعدِّي على القِيَمِ الخاصّةِ فإنَّه يستحيل القول إنهم ساروا قُدمًا حتى اليوم ولو بقدرٍ يسير.

أجل، إنّ هذه الآلامَ المستعصيةَ، والخراباتِ الداثرةَ ينبغي ألا تُولِّد اليأسَ في روح الإنسان، وألا تُصيبه بالذُعر، غير أنّ هذا لا يعني أنْ نغضّ الطرف عن الدمار والتخريب الحادث، بل على العكس علينا مشاهدةُ هذا التخريب والدمار المروِّع، لأن رؤيته تُذكّر الإنسان بمسؤوليّاته وواجباته، وبهذه الطريقة فإنّ ذا الفِكرةِ المثاليّة والإحساسِ المرهَفِ السليم سيفكر ويتدبّر فيما يطلبه الله تعالى من عباده الصادقين تجاه هذا المشهد، ويُركّز على ما يجب القيام به من أمور قائلًا: “تُرى لو أن نبيًّا واجهَ مثل هذا المشهد ماذا عساه أن يصنع، وكيف كان سيتصدّى له؟”.

بيد أن المشهدَ محجوبٌ، والأحداثَ الجاريةَ لا تُدرَكُ بكلّ تفاصيلها، وليس معروفًا بالضبط ما الذي يجب فعله، ونتيجةً لهذا فإن البعضَ -حفظنا الله- ربما يخلد إلى الراحة رغمَ كل المصائب والمِحَنِ الجارية؛ ويرى أنه يكفيه الانشغالُ بأمر نفسه وشؤونه الخاصّة فحسب دون أن يهتمّ بالتقلُّباتِ التي يعيشها المجتمع، ولا التخريبات التي تعصفُ به، ولا البيوت والمؤسسات التي دُمِّرت فأصبحت حصيدًا كأن لم تَغْنَ بالأمس، وهذا أيضًا يُمثِّل نوعًا من الأنانية والتبلُّد الحِسِّيّ واللامبالاة؛ ولهذا فإنّه يجب ألا نعتبر التوكُّلَ على الله والتحلِّيَ بالأمل وتجاهلَ التصرُّفات والأقوالِ القبيحةِ البغيضةِ مناقضًا للتأوّه قلقًا ومصداقًا لـمقولة “أينما تسقط النار فستحرقني أنا أوّلًا”؛ ومن ثمّ تجبُ رؤيةُ المشهد بخطوطه العريضة وتحليلُه من جانبٍ، بينما من الجانب الآخر نسعى سعيًا حثيثًا يحدونا إيمانٌ راسخ وعزيمةٌ قويّةٌ وأملٌ كبيرٌ في ترميم الدمار الموجود ترميمًا يتوافق مع القواعد والأسس المتينة التي توارثناها عن ماضينا.

 

[1] انظر مثلًا: سورة الأعراف: 176/7؛ سورة الجمعة: 5/62.

 

دعاءٌ ذو أربعة أُسُسٍ

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يدعو فيقول: “اللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى”[1]، فهلا توضّحون لنا هذه الأسس الأربعة الواردة في هذا الدعاء؟

الجواب: لا بدّ أن أنوّه بدايةً بأنّ كلّ هذه الأسس الواردة في الدعاء هي من الخصال العظيمة التي كان يتحلّى بها الأنبياء العظام عليهم السلام، بل يمكن أن يُقال إنها وصفٌ ملازمٌ لهم، لا ينفكّ عنهم، وبما أن الأنبياء يضطلعون في تصرُّفاتهم وسلوكيّاتهم بمهمّة الإرشاد لكل المؤمنين؛ فعلى أبطال الإرشاد والتبليغ الذين نذروا أنفسهم للإنسانيّة وتبليغ الحقّ والحقيقة أن يتحركوا بما يتناسب مع هذه الخصال الجليلة، وأن يترجموا هذا الدعاء: “اللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى” إلى أفعال وتصرُّفات، وينقلوا كلماته من مناطِ القالِ إلى الحالِ.

1- الهدى

والهدى هو أول الخصال التي سألها سيّدُ الأنبياء صلى الله عليه وسلم في هذا الدعاء، ويعني رؤيةَ الصواب والشعورَ به، وبلوغَه والثباتَ عليه؛ ومن هنا كان في غاية التناسب ورودُ “الهدى” كأوّل مطلبٍ في هذا الدعاء؛ إذ من المتعذّر أن يرى الإنسانُ الصوابَ، ويبرمج حياته عليه دون هدًى من الله، فإذا ما انتفى الهدى فلا مجال حينذاك للحديث عن التقوى والعفاف والغنى؛ لأنّ حصول الخصال الثلاث التي أعقبت “الهدى” ورودًا في الدعاء إنما هي مترتّبةٌ عليه من ناحية ما.

فالهدى هو أساس ورأس كلّ أمر، ومصدره هو القرآن الكريم والسنة المطهرة الصحيحة التي تتناولُ أقوال وأفعال وأوصافَ وتقريرات الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى في الآية الثانية من سورة البقرة: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 2/2)، وتلفت هذه الآيةُ الانتباهَ إلى أنّ القرآن الكريم في حدِّ ذاته مصدرُ هدايةٍ بالنسبة للمتقين، وبعدما عدّد ربُّنا سبحانه وتعالى خصالَ المتقين في الآيتين الثالثة والرابعة من نفس السورة أكّدَ سبحانه وتعالى على الهداية مرة أخرى في الآية الخامسة فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 5/2)، كما ذكر سبحانه أن التقوى هي الشرط الأساسُ للاستفادة -بحقٍّ- من القرآن المعجز البيان، ونوّهَ بالعلاقة بين الهدى والتُّقى.

والهدى -كما أسلَفتُ- هو من الخصال ِالتي فطرَ الله تعالى أنبياءه عليها جِبِلّةً؛ لأن الله سبحانه وتعالى أرسلَ هؤلاءِ العظماء بمهمّةٍ نبيلة، وحاشاه أن يسمحَ لهم بتصرّفات يتذّرع بها الرُّعَّنُ قليلو الحياء للنيل منهم في المستقبل؛ ومن ثمَّ فإن ما قيل في حقّ سيدنا داود وسيدنا سليمان عليهما السلام ما هو إلا فِرْية أطلقها بنو إسرائيل، وكذلك ما قيل في حق سيدنا نوح وسيدنا هود عليهما السلام ما هو إلا محض كذب افترته أقوامهم، كما أن الكلمات النابية التي استهدفت النبي صلى الله عليه وسلم وأخرجَتْه عن دائرة الهداية ما هي إلا تعبيرٌ عن الوقاحة وسوء الأدب، وإنّها لَإِفْكٌ عظيمٌ يهتزُّ له عرشُ الرحمن.

وبالمناسبة أريد هنا أن أكشف الستارَ عن الخطإ الذي وقع فيه بعض علماء السوء عند تعليقهم على قول الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ (سُورَةُ الضُّحَى: 7/93)؛ حيث قالوا في معنى الآية: “وجدك الله تعالى على ضلالة فهداك”، وفسّروا الضلالة هنا بأنها نقيضُ الهداية، وانطلاقًا من هذا ادّعوا افتراءً أن سيد العالمين سيدنا ومولانا محمدًا صلى الله عليه وسلم كان يعيش -حاشا لله- في ضلالة حتى اللحظة التي أُضيء فيها أفقُه بنور النبوّة، والحقيقةُ أنّ مَن ينسب مثل هذه الضلالة إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من يعيش في الضلالة أصلًا، ندعو الله تعالى أن يهديه سواء السبيل.

لأن الله تعالى يقول في سورة النجم: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (سُورَةُ النَّجْمِ: 2/53)، فعبّرَ الحقُّ جلّ جلاله هنا عن انتفاءِ الضلال بصيغة الماضي فقال: “مَا ضَلَّ” للدلالة على أن حياته السَّنِيَّة كلها كانت تقوم على الهداية دائمًا.

ورغم أن الآيتين السابقتين تبدوان وكأنهما متناقضتان ظاهرًا فمن الممكن التوفيق والجمعُ بينهما بالنظر إلى المعاني المختلفة لكلمة “الضلالة”؛ فالضلالة تنطبِقُ على معنى “الانحراف والحياد عن الطريق المستقيم”، وتنطبِقُ أيضًا على معنى “عدم القدرة على اختيار الطريق الأسلم والأقوم بين عدة طرق، والوقوع في حيرةٍ وتردّد”؛ وعلى ذلك فحريٌّ بنا أن نأخُذَ بالمعنى الثاني عند نسبة كلمة “الضلالة” إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلقد عاش صلى الله عليه وسلم قبل نبوَّته حالةً من التردّد بين الطرق المختلفة، فبذل جهده لبلوغ الطريق المستقيم، وبذلك شكّل أرضيّةً مهمّةً لمستقبلِهِ حتى اللحظة التي بلغه فيها النور السماويّ.

وقد يكون المقصودُ من قوله سبحانه وتعالى “وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى” تلك الدهشة والحيرة والهيمان الذي عاشه النبي صلى الله عليه وسلم عند أوّلِ نزولٍ للوحي عليه؛ لأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فوجِئَ بهذا الحدث السماوي انتابته صدمةٌ كبيرة، وربما لم يستطع أن يدرك ما الذي يجبُ عليه فعله، إلا أنّ ذا الفطنة الخارقة صلوات ربي وسلامه عليه اتّجهَ إلى زوجته الرزينة الوقورة والدرّة الطَّهورة أمِّنا السيدة خديجة رضي الله عنها، وأفضى لها بما في صدره؛ فهدّأت من روعه، وذكّرته بدايةً بسجاياه الطيبة، وعدّدت أخلاقه العالية، وطَمْأَنَتْهُ قائلةً: “كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ”[2]، ثمّ َانْطَلَقَتْ بِهِ حَتَّى أتتْ ابنَ عمِّها القسَّ وَرَقَةَ بنَ نَوفَل.

وانطلاقًا من هذا يمكننا أن نفهم الآية الكريمة الواردةَ في سورة الضحى على النحو التالي: “لقد كنتَ في فترةٍ ما لا تدري ما الجنّة وما النار، وتتلوّى وتتألّم وتجزع من أحوال الناس العامة، ولا تدري ماذا عساك أن تصنع لهم، ومع أنك كنتَ تشعر بشيءٍ ما بسبب المعاني التي استلهَمْتَها مِمّا بقي من دين إبراهيم إلا أنّك لم تكن في وضعٍ يسمح لك باتخاذ القرار القاطع في مسألة وضعِ كلِّ شيءٍ في نصابه، فأرسل الله تعالى لك وحيَهُ، وأزال عنك الحيرة والتردد، وأرشدك إلى الطريق المستقيم”.

وثمة أمرٌ آخر لا بدّ من الوقوف عنده فيما يتعلق بصفة “الهدى” التي كان فُطِرَ عليها الأنبياء؛ وهو قولُ الله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (سُورَةُ الشُّورَى: 42/52)، وهذا يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على الهدى، ومرشدًا للآخرين إليه، وبما أن الأنبياء جميعهم كذلك فهم يسوقون الناس بمشيئة الله تعالى ويرشدونهم ويفتحون الطريق أمامهم، ويوصّلونهم إلى الهداية، وإذا تناولنا هذا الأمر في إطار مفهوم الجهاد والإرشاد فإن هؤلاء الأنبياء قد أزاحوا العوائق بين الناس وبين ربهم، وساهموا في وصال القلوب بالله، ولا جرم أن اتّقاد جذوة النور الإلهيّ في قلوب المخاطبين هو أمرٌ اختصّ به ربنا سبحانه وتعالى.

2- التقوى

والتقوى هي الخصلةُ الثانية التي سألَها الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم في دعائه، وتعني اتقاء غضب الله سبحانه وعذابه بامتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه، والواقع أن للتقوى مراتب كما للهدى، فدِهليزُها أداءُ الفرائضِ والواجباتِ واجتنابُ الكبائرِ والمحرماتِ، وبعد ذلك نخطو من باب التقوى إلى الداخل باجتناب الشبهات وعدم الاقتراب من دائرة المحرمات، ثم نصل في النهاية إلى التقوى الحقيقية بِتَرْكِ ما لا بأس به؛ حذرًا مما به بأسٌ، والتقوى بمعناها التام هي أداءُ أوامر الشريعة على الوجهِ الأكمل، ولكن علينا ألّا ننسى أبدًا أنها تعني -إلى جانب ذلك- مراعاةَ القوانين التي وضعها الله تعالى في الكون والتي نسميها قوانين الشريعة الفطرية.

وعلى ذلك فإنّ استفادة المؤمن استفادةً تامّةً من الكتاب والسنة الموصلَين للهداية مرهونةٌ بـ”تقوى” ترتقي إلى هذا المستوى، وعند النظر إلى الأمر من هذه الزاوية يتبين لنا أن الهداية والتقوى صنوان، وكما أن الوصول إلى التقوى مرهونٌ بالهدى فإن الفهم الصحيح للمنهج الذي وضعه ربنا سبحانه وتعالى ونبيه صلى الله عليه وسلم واستيعاب روحه وسموّه وعظمته لا يتأتّى إلا بالتعمّق في التقوى.

3- العفة

العفّةُ المذكورة في الدعاء ثالثًا تعني أن يتوخى الإنسان الحذر والدقة من أجل حماية وصيانة شرفه، وغضِّ بصرِه وضبطِ سمعه، وتحكُّمِهِ في كلامه بحيث لا يتحدّث إلا إذا لزمَ، ولا يتسوّل أحدًا، والخلاصة أن يتحرّك في دائرة الأدب والحياء في كلِّ أحواله وأطواره؛ فإن عفَّ الأفراد عفَّ المجتمع، وإلا فإنّ مجتمعًا مكوّنًا من خليطٍ من المذنبين والمخطئين تستحيلُ عليه العفّة، وإذا فُقِدَتِ العِفّةُ من المجتمع شاعت فيه شتّى أنواع المفاسد والمساوئ كجرائم السرقة والخطف والرشوة والكذب والنهب وما إلى ذلك، ويشرَعُ أولو المناصب الصغيرة في السرقة على قدرِ مستواهم، بينما يَشرَعُ الكبار في السرقة والنهب بقدرٍ أكبر؛ فيسرقون ويختلسون الأموال والثروات.                                                                  

وقد وصف القرآن الكريم أبطالَ العفَّة بقول الله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 273/2)، أي وصَفَهم بأنهم حتى وإن جاعوا وظمِئُوا وتشرّدوا فإنّ هذا لا يقودهم إلى التسوّل والتكفّف، والحقّ أنهم جديرون بتقبيل الجباه والتبجيل والاحترام، ومع هذا فإن الإسلام أجاز لمن في مثل هذه الأحوال من الضيق والحاجة أن يطلبوا من غيرهم بقدر ما يقيمون به صلبهم فحسب.

4- الغنى

الأمر الرابع الوارد في دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الغنى، وله معنيان اثنان؛ أوّلهما: غنى القلب والاستغناء عمّا سوى الله، أما ثانيهما: فهو الثراء والغنى المادّي بالكسب الحلال، ولا حرجَ في طلب الثاني منهما أيضًا؛ لأنَّ كلَّ نعمة من نعم الدنيا إنْ أُحسِنَ استخدامها قد تكون عنصرًا مهمًّا في تقويةِ ودعم الإيمان والعبادة والطاعة، غير أنه ينبغي أن نتوخّى أعلى درجات الحذر عند طلب الغِنى المادّي فليكن حلالًا صِرفًا، ولنتجنّب البخلَ عند أداء حقّ المال، ولا نسمح للقلب أن يتعلّقَ أو يتكالبَ بالمال والأملاك أو عليهما، ولنذكر دائمًا أن المالَ والثروة لطفٌ ونعمة من الله، ويتحتّم علينا ألّا ننخدع بما في أيدينا من إمكانيات، فلا نقعَ بذاتِ الحفرة التي وقع فيها قارونُ عندما قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (سُورَةُ القَصَصِ: 78/28).

فإن رُوعِيَتْ هذه الأمور فلا حرج في طلب الثروة والمال من الحقّ تعالى، بالإضافة إلى ذلك فقد استجار سيد الأنبياء r واستعاذ بالله تعالى في بعضِ أدعيته من الفقر والجوع إلى جانب بعض الأمور الأخرى، ومن ذلك دُعاؤه r: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ، وَالْقِلَّةِ، وَالذِّلَّةِ[3]؛ إذ إنّ منْ يتعرض لمثل هذه المواقف قد يشكو حالَهُ ويتذمّر منها، أو يقع في مستنقع التسوّل والشحاذة.

لذا فإنّ الإسلام لم يتبنّ موقفًا تحريميًّا ولا رافضًا تجاه طلب الثراء والغنى المادي، ولكنّه نهى عن كنزِ الثروات، وادّخارِ المال والنقود من أجل الثراء والمستقبل الشخصيّ؛ إذ بيّنَ القرآنُ الكريم سوءَ عاقِبَةِ من يكنزون المال ويمسكونه في أيديهم دون أن ينفقوا منه في سبيل الله فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (سُورَةُ التَّوْبِةِ: 34/9). أجل، إن من يتّخذون الخزائن ويكنزون فيها الثروات ويُرابون في الأموال، بل ويتحيّنون الفرصَ فيتلاعبون بالاقتصاد حسبما يحلو لهم، ولا يخافون الله ولا يفكّرون في الآخرة قد بُشّروا بعذابٍ أليم، والحقُّ أن الإنسان بوسعه أن ينال البشارةَ الحقيقيّة إنْ أنفق ما في يده من ثروة ومال في مسارها الصحيح، إلا أنّ مَن لم يُحسن استخدامها ولم يضعها في مكانها الصحيح فإنه يتسبَّبُ في تَحَوُّلِ البشارةِ إلى عذابٍ أليمٍ بالنسبةِ إليه.

وفي الآية الكريمة التي تلت الآية المذكورة آنفًا يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (سُورَةُ التَّوْبِةِ: 35/9) مُبيّنًا بالتفصيل شكلَ وصورةَ العذاب الذي ينتظرهم في جهنّم.

أما المال والثروة التي تُدَّخَرُ لتُنفَقَ في سبيل الله تعالى فلها شأنٌ آخر. أجل، إن الثروة والمال الذي يُكتسب بنيّات طيبة كأن يُستخدم في سبيلِ إعلاء كلمة الله تعالى، وإنشاءِ المدارس والجامعات في شتّى بِقاع الأرض، وإعلامِ الإنسانية بقِيَمِنا السامية فيُمْكِنُ تقييمه بطريقة مختلفة، بل إنه ينبغي تحفيز الناس إلى هذا النوعِ من الغِنى كي تتحقّقَ تلك الغايات السامية.

يمكن التوفيق والجمعُ بين الاستفادة من نِعَمِ الحقِّ تعالى وبين العِفّةِ والاستغناء عمّا في أيدي الناس، وهذا التأليفُ من صميمِ الأوامر القرآنيّة؛ فمثلًا يُشار في قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (سُورَةُ القَصَصِ: 77/28) إلى الاهتمام بالدنيا والعناية بها بقدر ما يلزم فحسب إلى جانب الاهتمام بالآخرة والعناية بها وطلبها.

غير أن الأهمّ -إلى جانب كل هذه الأمور- هو غِنى الروح والنفس؛ فقد عاش الأنبياء العظام يحملون ويُجسّدون شعورَ الاستغناء هذا دائمًا، فلم يتشوّفوا إلى أجرٍ قطُّ في مقابل أدائهم وظيفة التبليغ التي اضطلعوا بها، ولم يسألوا الناس شيئًا قطُّ، وقد عانوا وتجشّموا كثيرًا من المشاقّ والمضايقات من أجل إيصال رسائلهم إلى أقوامهم، لكنهم لم يطلبوا من أيِّ شخص مقابلًا ولا مكافأةً على ما فعلوه؛ لأنهم فوّضُوا أمرهم كلَّه إلى الله تعالى، وعلّقوا عليه الرجاء، ومن ذلك قولُ نبيّ الله نوح عليه السلام لقومه: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 109/26)، وقولُ هود عليه السلام لقومه: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 127/26)، وقولُ نبيّ الله صالح عليه السلام لقومه: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 145/26)، فلقد استخدم الأنبياءُ مع أقوامهم أكثرَ المقوّمات تأثيرًا وفاعليّة ألا وهو “الاستغناء”، لأن اتخاذ موقفٍ مثل هذا مقنعٌ تمامًا بالنسبة للمخاطبين، وهكذا فإن عدمَ تشوُّف الإنسان إلى أجرٍ دنيويٍّ في مقابل الواجب الذي يضطلع به، وعدمَ طلبِهِ أيَّ مقامٍ ولا منصب دنيويٍّ وانتظارَهُ الأجرَ والثوابَ والمكافأة من الله تعالى فحسب يُمثِّلُ عمقًا آخر من أعماق الغنى (الغنى القلبي).

ومع هذا فإنه ينبغي للجميع أن يرضى بما قدّره الحق تعالى له، وألا يطمع في الأمور المادية والمسائل الدنيوية، لأنه ربما يكون الفقرُ الذي قُدّرَ من قِبلِ الله بحق بعض الأشخاص أفضلَ وأصلحَ لحالهم، ومَنْ يدري فربما لو امتلكوا ثروةً أو مالًا طائلًا لأكبّهم سوءُ استخدامهم له في جهنّمَ على رؤوسهم؛ فيهوون فيها تمامًا كما هوى قارون، لِما في أنفسهم من ضعف أمام المال والثروة، لذا فحريٌّ بنا أن نُسَلِّمَ ونرضى بالتقدير الإلهيّ بحقّنا.

 

 

[1] صحيح مسلم، الذكر، 72؛ سنن الترمذي، الدعوات، 71، سنن ابن ماجه، الدعاء، 2.

[2] صحيح البخاري، بدء الوحي، 3.

[3] سنن أبي داود، الوتر، 32؛ سنن النسائي، الاستعاذة، 19، 20؛ سنن ابن ماجة، الدعاء، 3.

المعنى الحقيقي للمسكنة

Herkul-ARB | | العربية

 سؤال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: “اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ”[1]، فكيف نفهم هذا الدعاء النبويّ؟ وما الدروس المستفادة منه؟

الجواب: المسكين كلمةٌ مشتقّةٌ من الجذرِ “سَكَنَ”، وتعني لغةً: الإنسان الذي استسلم للراحة والخمول، وتوقّفت حركتُه، فلم يعدْ يكسب أو ينتج،  وشرعًا: ذاك الذي لا مالَ له، يفترش الأرض ويلتحف السماء؛ ومن ثمّ فالمسكينُ من الناحية المادّيّة أسوأُ حالًا من الفقير؛ لأن الفقير هو الذي لا يملك من المال ما يبلغ نصابَ الزكاة (المقدر بحوالي ثمانين غرامًا من الذهب)، بمعنى أن لديه من المال قدرًا قليلًا، أما المسكين فهو لا يملك حتى هذا القدر القليل، وعلى ذلك فالمسكين هو الذي يقبل الزكاة والصدقة، ولا دخلَ له سوى المعونات من الآخرين.

المسكنة المذمومة الواجبُ اجتنابها

لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يرضى أبدًا بالركود والخمول، وإهمال العمل، أو أن يكون عالةً على أحد، وكيف لا وهو الذي شنّ حربًا ضروسًا على التسوّل، وذمّه في أحاديث كثيرة، وحذّر أمته منه!؟ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ، فَقَالَ: “أَمَا فِي بَيتِكَ شَيءٌ؟” قَالَ: بَلَى، حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ، وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ، قَالَ: “ائْتِنِي بِهِمَا“، قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: “مَنْ يَشْتَرِي هَذَينِ؟” قَالَ رَجُلٌ: أَنَا، آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: “مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ” مرّتين أو ثلاثًا، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَينِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ، وَأَخَذَ الدِّرْهَمَينِ وَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ، وَقَالَ: “اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ“، فَأَتَاهُ بِهِ، فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: “اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ، وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَومًا“، فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ، فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ، فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوبًا، وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: “هَذَا خَيرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَومَ الْقِيَامَةِ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَو لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَو لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ[2].

وفي هذا الصدد يقول النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم أيضًا: “اَلْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى[3].

وهنا استخدم عليه الصلاة والسلام أسلوب الكناية، مشيرًا إلى أن اليد التي تعطي خير من اليد التي تأخذ، وكأنه يقول محفّزًا المؤمنين على أن تكون أيديهم هي العليا:

“لا تقلّلوا من كرامتكم وعزّتكم الإنسانية بالتزلُّف والتودُّد إلى الآخرين، وما دمتم تمتلكون يدًا تعمل ورِجلًا تمشي فاعملوا على تأمين معيشتكم بأنفسكم، ولا تكونوا عالةً على أحد”، ومع هذا فقد أجاز الإسلام التسوّل عند الضرورة، ويزولُ الجوازُ بزوالِ الضرورة؛ مثل الجوع والعطش، فيجوز التكفّفُ بالقدرِ الذي يدفع عن الإنسانِ الضررَ والهلاك، وما سوى ذلك فلا، كما أن القرآن الكريم أباح أكلَ لحم الخنزير لِمَنْ وقع في خطر محقّق، ولكن بالقدر الذي يحفظ به حياته ليس إلّا، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 173/2)، فانتفى الإثمُ عن المضطرّ على قدرِ ضرورته فقط.

وقد استوعب السلف رحمهم الله هذا السرّ الوارد في الحديث الشريف، فأوصوا بصيانة كرامة الفقير، بأن يجعل المعطي يده أسفلَ يدِ الفقير عند إعطائه الصدقة أو الزكاة، ولقد لعبت “أحجار الصدقة” التي ظهرت في عهد الدولة العثمانية دورًا مهمًّا في الحفاظ على عزّةِ وكرامة الفقراء؛ حيث كان الأغنياء يضعون صدقاتهم في هذه الأحجار، ثم يأتي الفقير ويأخذ قدرَ احتياجِه منها فقط؛ مما يُدلّل على نقاءِ السريرة وصفاءِ القلب، وشعورِ التعاون والتضامن بين أفراد المجتمع العثمانيّ آنذاك، بل يمكن أن يقال إن ذلك المجتمعَ كان يشبه الملائكة في السماء، فها نحن الآن رغم وجود كمٍّ هائلٍ من رجال الشرطة والأمن فإننا لم نلمس -مع الأسف- مثل هذا الجوّ من الأمان الذي كان متوفّرًا في تلك الأيام؛ حيث لم يعد هناك رادعٌ قلبيّ، ولم تعد الآخرةُ محورَ اهتمام الناس، كما أن الشعور بالمحاسبة قد قُتل في نفوس الناس، والحقُّ أنّ الذي مات هو قلبُ الإنسان وضميرُه.

المسكنة الممدوحة، ورغبة الرسول في أن يكون عبدًا رسولًا

في ضوء ما سبق يتبيّن لنا أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسأل الله تعالى المسكنةَ التي تعني سؤال الناس ومدَّ اليد إليهم، وإنما المقصود بالمسكنة هنا هو العيش المتواضع، أو الشعور بالعجز والفقر إلى الله، ولقد عرّف الأستاذ النورسي رحمه الله رحمة واسعة ذلك الفقر الذي جعله أساسًا لدعوته بأنه إدراك الإنسان أنه لا يملك شيئًا في الحقيقة، والشعور بالحاجة إلى الله تعالى، وصاحب هذا الشعور العظيم يلوذ إلى حماية الله تعالى وحفظه وكلاءته قائلًا: “يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَينٍ[4].

لقد كان سيد الأنبياء صلوات ربي وسلامه عليه يرجو أن يحيا بهذه المشاعر، ويرحل بها إلى أفق روحه، وأن يُحشر مع هؤلاء المساكين الذين يلجؤون إلى الله دائمًا، ويحلّقون في الآخرة بجناحي العجز والفقر، وبعبارةٍ أخرى: إن النبي صلى الله عليه وسلم سيكون مرشدًا ورائدًا لأصحاب هذا الشعور في الآخرة أيضًا؛ لأنه عاش طوال حياته كواحدٍ من الناس، ولم يتخلَّ قطُّ عن مَحْوِهِ وتواضعه، فعن أمِّنا عائشة رضي الله عنها أنها قالت: “كَانَ يَأْتِي عَلَينَا الشَّهْرُ مَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا، إِنَّمَا هُوَ التَّمْرُ وَالمَاءُ، إِلَّا أَنْ نُؤْتَى بِاللُّحَيمِ”[5]، ومن يدري ربما النبي صلى الله عليه وسلم كانت تساوره -في وقتٍ ما- بعضُ الأفكار حول مسؤوليّته تجاه أهله.

لقد جَلَسَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، ونَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا مَلَكٌ يَنْزِلُ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَذَا الْمَلَكُ مَا نَزَلَ مُنْذُ خُلِقَ قَبْلَ السَّاعَةِ، فَلَمَّا نَزَلَ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَرْسَلَنِي إِلَيكَ رَبُّكَ أَمَلكًا جَعَلَكَ لَهُمْ أَمْ عَبْدًا رَسُولًا؟ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: تَوَاضَعْ لِرَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: “لَا بَلْ عَبْدًا رَسُولًا[6].

لقد عاش النبي صلى الله عليه وسلم فقيرًا، وعندما رحل إلى أفق روحه لم يخلّف مالًا يُحاسب عليه في الآخرة؛ فقد أعطى نعم الله حقها، وأنفق كل ماله في سبيل الحقّ جل وعلا، فسار إلى الديوان المقدس أبيضَ الوجه ناصعَ الجبين طاهرًا نقيًّا.

صرحُ العفة وأبطالُها

ومع هذا لم يركن النبي صلى الله عليه وسلم للدعة والخمول، ولم يَشْكُ لغيرِ خالقِه ما تعرّض له من أزمات، ولم يكن عالةً على غيره، وما استعطى أحدًا، ولم يكن يقبل الصدقة والزكاة أبدًا؛ حتى إنه قد حرّم الصدقة على نفسِه وآلِ بيته[7]، وإذا ما جاءته هديّة وزعها على الآخرين[8]، حتى إنه قبل أن يرتحل  الى أفق روحه اشترى طعامًا بأجلٍ من يهوديّ؛ حتى يفي بحاجيّات أهله، ورهن درعه المبارك عوضًا عنه، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: “تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، بِثَلاَثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ”[9]، ومن المحتمل أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكن لديهم علم بذلك، فلو علموا لفعلوا ما استوجبه هذا الأمر.

كان النبي صلى الله عليه وسلم أجودَ من الريح المرسلة، يُعطي عطاءَ من لا يخشى الفقر، أنفق كلّ مالهِ في سبيل الله، وعاش -بمحضِ إرادته- حياةً أقلّ من درجة أيّ فقير من أمّته، ومع ذلك لم يمدّ يده إلى أحدٍ مستجديًا، بل لم يقم بأي إشارةٍ تدلّ على ذلك؛ إذ كانت المسكنة التي ينشدها هي تفضيل الحياة البسيطة العادية مع إظهار مزيدٍ من الكرم والمروءة، ولأنّه صلوات ربي وسلامه عليه صرحُ العِفّةِ الشامخ لم يكن يتشوّف لأيِّ شيءٍ من الآخرين.

وكما أنَّه صلى الله عليه وسلم كان رمزًا فريدًا في العفّة؛ فقد عاش ساداتُنا الصحابةُ الكرام الذين اقتفوا أثَرَه خطوةً بخطوة حيواتهم أبطالًا للعفّة، ولقد بجَّلَ القرآن الكريم وامتدح أبطالَ الإسلام الأُوَلِ الذين لم يتكفّفوا الناس ولم يسألوهم شيئًا، ولم ينظروا إلى ما في أيدي غيرهم ولم يُسلِموا أنفسهم للتسول رغم ما عانَوه من خصاصةٍ وحاجةٍ وشظفٍ في العيش فقال: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 273/2).

أجل، إننا حينما ننظر إلى حياة الصحابة الكرام نجدهم قد استنكفوا بحساسية مرهفة وحقيقية عن شتى صور الاستعطاء والتكفّف، وسدُّوا احتياجاتهم ودبروا أمورَ معيشتهم من كدِّ أيمانهم وعَرَقِ أَجْبُنِهِمْ، فمثلًا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أحدُ العشرة المبشرين بالجنَّة اضطرّ إلى تركِ كُلِّ ثروته في مكة مهاجرًا إلى المدينة، إلا أنّه ما إنْ وَصَلَ إلى المدينة حتى سأل عن السوق وبدأ العمل، ولم يقبل معونةً من أحد، وهو القائل: لَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بَينِي وَبَينَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ: إِنِّي أَكْثَرُ الأَنْصَارِ مَالًا، فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي، وَانْظُرْ أَيَّ زَوجَتَيَّ هَوِيتَ نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا، فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ، هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: سُوقُ قَينُقَاعٍ، فَغَدَا إِلَيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَتَى بِأَقِطٍ وَسَمْنٍ، ثُمَّ تَابَعَ الغُدُوَّ…  [10]، لكنه ما لبثَ أن أصبح -بعون الله وعنايته- من أثرى أثرياء المدينة فعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: بَينَمَا عَائِشَةُ فِي بَيتِهَا إِذْ سَمِعَتْ صَوتًا فِي الْمَدِينَةِ، فَقَالَتْ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: عِيرٌ لِعَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوفٍ قَدِمَتْ مِنَ الشَّامِ تَحْمِلُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ -وكَانَتْ سَبْعَ مِائَةِ بَعِيرٍ- فَارْتَجَّتِ الْمَدِينَةُ مِنَ الصَّوْتِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: “قَدْ رَأَيتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوفٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ حَبْوًا”، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوفٍ، فَقَالَ: إِنْ اسْتَطَعْتُ لَأَدْخُلَنَّهَا قَائِمًا، فَجَعَلَهَا بِأَقْتَابِهَا، وَأَحْمَالِهَا فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ[11]. أجل، إنَّ ساداتنا الصحابة الكرام الذين خبروا شَينَ سلوك  التسوّل بحثوا عن سبل الكسب والعيش الحلال دائمًا مما تكسبه أيديهم رغم ما كابدوه من حاجةٍ وفقرٍ حقيقيّين، ومن ثمَّ فإنَّني أرى أنَّه لا يليق بمن يُنفقون أوقاتهم ويخدمون في سبيل الله تعالى أنْ يتشوّفوا للحصول على منحة أو عطية من الآخرين، فالأفضلُ دائمًا الأكلُ من عرق الجبين ولو حتى بالعمل في قطع الأحجار، أو تنظيف المباني والعمائر، غير أنّ ثمة بعض المواضع والخدمات التي يشتغل بها الإنسان لا تسمح له أن يمارس عملًا آخر غيرها، وفي مثل هذه الظروف فحسب قد يُرخَّصُ لهذا الإنسان باستعمال قدرٍ مما يمنح له بحيث يستطيع توفير احتياجاته الضرورية فحسب.

وإنني شخصيًّا أشعُرُ دائمًا بضرورة التفتيش في حياتي عن هذا الشأن وتَحَرِّيه، فمثًلا عملتُ بالإمامة مدّة ثلاثِ سنوات قبل الْتِحاقي بالجيش لأداء الخدمة العسكرية، والحقيقة أنني كنت أستطيع أن أُشبع نفسي بوجبةٍ واحدةٍ فحسب يوميًّا من راتبي الذي كنت أنفق معظمه على الكتب والخدمات، فلَمَّا عُرِضت عليّ وظيفة العمل بالوعظ شعرت بحاجةٍ إلى أن أستفتي أحدًا: هل يجوز القيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمقابل ماديٍّ؟ فسألت أحدَ أقربِ طلاب الأستاذ بديع الزمان عن هذه المسألة فنَقَلَ إليَّ أن السؤالَ نفسَه طُرحَ على الأستاذ بديع الزمان وأنّه أجاب عنه بقوله: “إنْ لم يسمحوا لك بالوعظ والإرشاد حين لا يوظفونك في هذا المجال فاقبل هذه الوظيفة، وإن لم تكن لديك حاجة إلى هذه الأموال فادفعها إلى من يحتاجها، غير أنَّكَ إنْ كنت محتاجًا فخُذْ من راتبها بقدر حاجتك فحسب”، وعليه فقد انتسبتُ أنا كذلك لمهمة الوعظ؛ فأخذتُ من الراتب الذي خُصِّص لي من الوعظ بقدرِ ما يسُدُّ احتياجاتي الضرورية، وتركتُ الباقي منه لذوي الحاجة طلبًا لرضا الله تعالى، فلما أصبح هناك أجرٌ يأتي من تأليف الكتب لم تمسّ يدي هذا الراتب، وطلبت أن يُمنح للمحتاجين.

ورجال الخدمة في يومنا هذا أيضًا ينبغي لهم ألا يسألوا الآخرين شيئًا، بل إنّه ليجب على الآخرين أن يُهرولوا وراءهم من أجل توفير احتياجاتهم الضرورية، قائلين: “ثمة حاجة وضرورة لهذا كي تخدموا وتنتجوا في مجالاتٍ أخرى فتنفعوا المجتمع أكثر”، وفي مثل هذه الأحوال فقد تقبلون كارهين لا راغبين ما يخصّصونه من مبلغٍ بسيط، أما خلاف ذلك من أن يربط الإنسانُ حياتَه بما يأتي من الآخرين فإن هذا يدخل -في رأيي- في إطار المسكنة والذلة التي عابَهَا وذمَّها القرآن الكريم والسنة المطهرة.

الإنسان ليس مخلوقًا حقيرًا يُشترى ويُباع بالمال

يجب أنْ تكون القلوب المؤمنة في عصرنا أكثر حساسية في هذا الموضوع، وتهتمّ وتنتبه لأن تعيش طيلة حياتها شريفةً عزيزةً، وعليها ألا تتشوَّفَ إلى أيِّ شيءٍ في أيدي الآخرين مهما كان بسيطًا، وألا تضطرّ لدفع بدل ومقابل لأيِّ إنسانٍ. أجل، ينبغي لهم باعتبارهم أبطال العفة ألّا يتذلّلوا لأحدٍ ولا يَهِنوا، وإلَّا فإنَّ شباك المنفعة والمصلحة المتعددة تُخضعُ إليها هؤلاء الساعين في سبيل الدين وتستَعبِدُهم، ثم يأتي يوم تجبرهم فيه على التنازل عن شيءٍ من دينهم والعياذُ بالله.

ومن المؤسف جدًّا أننا نرى كثيرًا من الأمثلة المؤلمة لهذا في عصرنا. أجل، نرى ونحن نتقطع ألماً ومرارةً أن البعضَ يتمّ شراؤهم ثم استغلالهم بمختلف الطرق وشتى الوسائل، في حين أن الإنسان ليس مخلوقًا يُشترى ويُباع بالمال، ولا ينبغي أن يكون كذلك، فقيمته وثمنه هو نيل الجنة، وذروته الفوز برضا الله والنظر إلى جماله، وما عدا ذلك فلا قيمةَ له. أجل، حتى وإن قُدّر أن يكون فتح إسطنبول بدًلا ومقابلًا للإنسان فيستحيل أن يكون هذا أيضًا ثمنًا يبيع الإنسان به نفسه، أي إنّه حتى وإن كانت إسطنبول ستُفتحُ إذا بيع الإنسان فعليه ألّا يرضى بهذا أيضًا، لأن عزة الإنسان وشرفه أسمى وأعلى بكثيرٍ من هذا كلِّه.

وإن لم نعترف أنّ البعضَ ممن في هذه الدائرة القدسية قد وصل إلى صفاء الروح بهذا القدر لكان هذا جحدًا ونكرانًا للحقيقة، غير أنه يجب علينا أن نسعى من أجلِ إيصال الجميع إلى هذه الحالة الروحية، ونُبَيّنَ للناس قيمة الكسب من عمل اليد، وحماية السمعة، وقيمة العيش في عزّةٍ وكرامة؛ لأن اختيار سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون عبدًا رسولًا يُظهرُ أنّه يُمكنُ دائمًا تمثيلُ منهج الخدمة -التي تعتبر امتدادًا لمنهج ومهمة الرسالة- وأداؤه بنفس الحالة الروحية.

لقد رأيت في الفترة التالية عقب رحيل فضيلة الأستاذ بديع الزمان إلى دار البقاء معظمَ الطلاب الذين كانوا يُجالسونه، وقد كان في عموم تركيا آنذاك بضعةُ بيوتٍ للخدمةِ تسودها البساطة، ولا طعامَ فيها سوى الحساءِ اليتيمِ الخالي من الدسم، وكان يُكتفى بقطعة خبز وجُبنٍ إلى جوار كوب من الشاي إدامًا، غير أنهم كانوا يعيشون شوقًا ونشوةً حقيقيةً في خدمة الحقّ؛ فشبُّوا وانتشوا كالجَوَادِ عشقًا للخدمة، ومن ثمَّ يمكن القول إنَّهم هم من اضطلعوا بالخدمة الأساسية، وهيّؤوا لكم الأرضية الحالية؛ فحرثوا الأرض، وبذروا الحبوب، ثم تعهدوها بالرعاية والعناية، فكان العملُ في موسم الحصاد من نصيبكم أنتم.

وقد يَثقُلُ على البعض العَيشُ في عفةٍ واستغناء بهذا القدر، إلا أن مهاجري الغاية المثالية الذين عشقوا فكرة علوية سامية يجب عليهم أن يسعوا ويجتهدوا دائمًا لبلوغ هذا الأفق.

وينبغي ألا ننسى أبدًا أنّ استمرارَ هذه الغاية السامية مرهونٌ ببقاء هذه الأخلاق والخصال الحميدة فحسب، لأنكم إن عشتم حياة مبهرجةً طنّانة اهتزت -لا قدر الله- ثقتهم بكم اهتزازًا يجعلهم يتخلّون عنكم، وحينها تتوقف -لا قدر الله- الأنشطة المنتشرة في بقعة جغرافيّةٍ مترامية الأطراف من العالم. أجل، إنّ مثل هذه الخدمات تُقدَّم للإنسانية جمعاء؛ ولو لم يكن هناك تضحياتٌ جمّة وغفيرةٌ من متطوّعين لا معدودين لما كان من الوارد  استمرارُ هذه الأنشطة والفعاليات، وقد يسألُ البعضُ في يومنا الحاضر أسئلة تشكيكيّةً واتّهامية؛ إما غَيرَةً منه أو حَسدًا رغم علمه جيدًا حقيقة الأمر: “من أين يأتي ماء هذا الطاحون؟”، والمؤكد أنّ دواليبَ هذا الطاحون لا تدور بالماء أو بالرياح، بل بالمروءة والبسالة والتضحية التي أبداها إنسان الأناضول من قبلُ في حرب الاستقلال على نحو حيَّر العقولَ والأذهان؛ وعليه فينبغي النأيُ عن ارتكاب أيِّ خطإ -حتى ولو كان صغيرًا تافهًا- يشتت أذهان هؤلاء الداعمين الكرماء ويدفعهم إلى إساءة الظن، فهذا -إنْ حَدثَ- وبالٌ لا قِبلَ لنا بتحمله، والله مُحاسبٌ عليه.

لا شك أنَّ أيَّ رجلٍ من رجال الأعمال والتجار يخوض غمار الحياة التجارية سيعمل ويربح، فليبارك الله تعالى لهم في تجارتهم، وعليهم أن يواصلوا العمل والربح، إلا أنّ الأرواح التي نذرت نفسها للحقّ المهاجرةَ إلى غايةٍ سامية المضطرّةَ إلى أنْ تعيش حياةً بسيطة بالنظر إلى وضعها، عليها أن تفضِّل حياة زاهدة متواضعة حتى آخر أنفاسها، وتستغني عن الدنيا وتهب أحاسيسها ومشاعرها وأذهانها وقلوبها بل وأنفسها بشكل كاملٍ لخدمة الإيمان والقرآن الكريم.

 

 

[1] سنن الترمذي، الزهد، 37؛ سنن ابن ماجه، الزهد، 7.

[2] سنن أبي داود، الزكاة، 26؛ سنن ابن ماجه، التجارات، 25.

[3] صحيح البخاري، الزكاة، 18؛ صحيح مسلم، الزكاة، 94، 97.

[4] النسائي: السنن الكبرى، 212/9؛ الحاكم: المستدرك، 730/1؛ البيهقي: شعب الإيمان، 212/2.

[5] صحيح البخاري، الهبة، 1، الرقاق، 17؛ صحيح مسلم، الزهد، 26-28.

[6] مسند أبو يعلى الموصلي، 491/10؛ مسند الإمام أحمد، 77/12، صحيح ابن حبّان، 280/14.

[7] صحيح البخاري، الزكاة، 60، الجهاد، 188، صحيح مسلم، الزكاة، 161.

[8] صحيح البخاري، الزكاة، 50، الرقاق، 20، صحيح مسلم، الزكاة، 124، الفضائل، 50.

[9] صحيح البخاري، الجهاد، 89، سنن الترمذي، البيوع، 7، سنن ابن ماجه، الرهون،1.(واللفظُ للبخاري)

[10]  صحيح البخاري، مناقب الأنصار، 3.

[11]  مسند الإمام أحمد، 337/41.

 

تكامل الطبيعة الإنسانية والإسلام

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: كيف يمكن للإنسان أن يجعلَ الإسلامَ جزءًا لا يتجزّأُ عن طبيعته؟ وما هي وسائل تحقيق ذلك؟

الجواب: إنَّ الإحساس والشعورَ بالمعلومات الإسلامية النظرية على نحوٍ يتناسب مع ماهيتها الحقيقية الكامنة في وجدان الإنسان، وصيرورةَ هذه المعلومات عمقًا من أعماق الطبيعة الإنسانية مع مرور الزمن ليرتبطُ في المقام الأول بالإقرار بأنّ تطبيق هذه المعلوماتِ شرطٌ أساسيٌّ لا غِنى عنه، ولقد لفَتَ بعضُ الفلاسفة الانتباهَ إلى هذه المسألة باستخدامهم مفاهيم كــ”العقل العملي” وما شابه ذلك، بينما ركّز الصوفيّة على هذا الأمر بطرق وأنظمة مختلفة عنهم مثل “السَّير والسلوك الروحاني”.

وعلى حين أنَّ فيلسوفًا كــ”برجسون (Bergson)” -مثلًا- يقول بإمكانية العثور على الحقيقة عبر الأحاسيس والبصيرة الوجدانية فحسب؛ يؤكد “كانط (Kant)” على أنّ معرفة الله تعالى لا يمكن أن تتم إلّا بواسطة “العقل العملي”، ونظرًا لأنّ هذين الفيلسوفين تربّيا في أحضان الثقافة الغربية، فإنّ وصولهما إلى الحقيقة من عدمه، وإمكانيّة وصولنا إلى الحقيقة على منوالهم سيبقى مثارَ جدَلٍ ونقاش؛ إلّا أننا لسنا بصددِ تحرير ذلك؛ فهذه مسألة أخرى.

إنكم إن أبقيتم الأدلّة التي تسوقونها حول معرفة الله تعالى مجرّدَ معلوماتٍ نظرية، ولم تدعموها بالعمل؛ فإنّ هذا قد لا يكفي لحماية الإيمان والإسلام وأسسهما الخاصّة. أجل، إنّ الريحَ المعاكسة قد تعصف بكلِّ أنواع المعلومات والأدلة النظرية وتنسفها نسفًا، ومن ثمَّ فإنه يلزَمُ تطبيق المعلومات النظرية وتفعيلُها على أساس قاعدة العمل.

سبيل النجاة: الإيمان والعمل الصالح

الحقيقة أنّ القرآن الكريم يربط خلاصَ الإنسان من الخُسران، ونجاتَه من التردّي في أسفل سافلين بالإيمانِ والعملِ الصالح، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (سُورَةُ التِّينِ: 4/95-6).

واستخدام صيغة الفعل عند الحديث عن الإيمان والعمل في الآية، والتعبير بالجملة الفعلية لا الاسمية يُشير إلى أهمّيّة الاستمرارية فيهما كي تتحقّق النجاة، ومِن هنا فإنَّه ينبغي للإنسان أنْ يُقويَ إيمانه على الدوام مقتديًا بالصحابة الكرام؛ إذ كان أحدُهم يقول لصاحبه: “اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً”[1]، وأن يسعى دائمًا لتجديده وتنميته، وربّما تكونون قد حللتم مسبقًا كلَّ المشكلات الخاصة بالكفر والإلحاد، وتغلَّبتم وحكمتم عليها بالإعدام، إلّا أنّه حريٌّ بكم ألّا تتوقّفوا أبدًا، ولا تكتفوا بما وصلتم إليه؛ حتى لا تفقدوا هذه المكتسبات الإيمانية، وعليكم أنْ تبحثوا يوميًّا عن مزيدٍ من السُبلِ لتجديدِ إيمانكم ونموّه.

وقد رَكّزَ القرآنُ إِثرَ حديثه عن الإيمانِ على العملِ الصالحِ السليم الدائم الذي لا يشوبه رياء ولا سمعة ولا يتخلّله نقصٌ ولا قصور؛ إذ إنّ نطاق العمل الصالح واسعٌ جدًّا، فجميع الأعمال التي يجب القيام بها بدءًا من الإيمان بالله وعبادتِه وطاعتِه، ومرورًا برعاية حقوق الوالدين، ووصولًا إلى حماية حقوق المسلمين… كلّ ذلك يَدخُل في إطار مفهوم “الصالحات”، واستخدامُ صيغة الفعل دون غيرها من الصِّيَغِ عند الحديث عن العمل الصالح يعني ضرورةَ ألّا يكتفي الإنسان بفعل البِرِّ والخيرِ مرّة واحدةً فحسب، بل عليه أن يُسلِم قِيادَه إلى شلال العمل الصالح ويواصلَ حياته على هذا المنوال دائمًا.

ويمكنكم رؤية نفس المضمون في سورة العصر أيضًا؛ إذ يُذكَرُ فيها أنّ الإنسان في خُسرٍ، ثم تُعلَّقُ النجاةُ والخلاصُ من هذا الخسران على الإيمانِ والعملِ الصالح معًا؛ حيث توجد في ماهية الإنسان مجموعةٌ من القوى والمشاعر والأحاسيس مثل: “القوة الشهوية” و”القوة الغضبية” و”القوة العقلية” قد تؤدي إلى ارتكابه أمورًا سلبية، كما أنها قد تَسُوقُه إلى الخُسران وتُغرقه في مستنقعه في أيّ وقتٍ وآن، وقد قدَّمَ الحقّ تعالى في تلكما السورتين الوصفةَ العلاجيةَ الناجعةَ التي يُمكِنُها أن تكون ترياقًا يحمي الإنسانَ في مواجهة هذه المخاطر القاتلة، وفي صَدَدِ الحديثِ عن هذه الحقيقة قال الإمام الشافعي: “لَوْ تَدَبَّرَ النَّاسُ هَذِهِ السُّورَةَ لَكَفَتْهُمْ ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (سُورَةُ العَصْر كاملة)”[2].

العجز والفقر، الشوق والشكر

لقد أوصى الصوفيّة كذلك بــ”السير والسلوك الروحاني” من أجل تَشَكُّلِ شخصيّة الفرد المسلم واكتسابِ الإنسان فطرةً جديدةً، غير أنّ لهذا سُبلًا ومناهج مختلفة خاصّة به؛ فقد وضع أولئك العظماءُ في حسبانهم العواملَ الضاغطة على المسلمين في الفترة التي عاشوا هم فيها، وأسّسوا أنظمةً قادرةً على التصدّي لتلك الظروف، والصمودِ في مواجهتها؛ وبينما ربطَ بعضُهم نظامَه بــ”مراتب النفس السبع”، أسَّسَ البعضُ الآخرُ نظامَه بناءً على “اللطائف العشرة”.

أما الأستاذُ بديع الزمان فقد ربط النظامَ الذي وضعه بأربعة أسس هي: العجز المطلق والفقر المطلق والشوق المطلق والشكر المطلق، وتحدث عن أساسين آخرين قَد يُتمّمان هذه الأسسَ الأربعةَ، ألَا وهما: الشفقة والتفكر[3]، وهذا النظامُ بمثابةِ دربٍ يجبُ  على مَن يبغي الإنسانيّةَ الحقيقيّةَ والكمالَ أن يسلكه، غير أنّ إقرارَ إنسانٍ بهذه الأسس وقبولَه بها واستيعابَه إيّاها يتطلبُ جهدًا وسعيًا حقيقيًّا.

الأساسُ الأوّلُ: هو العجزُ المطلق، ويُقْصَدُ به أنْ يَعيَ الإنسانُ ويُدركَ أنّه يستحيل عليه القيامُ بكلِّ عملٍ يرغب فيه؛ فالحوادث تقع وفقًا لتقدير الحقّ تعالى، ولا نستطيع التدخّل فيها، وحتى وإن لم نُنكر وظيفةَ الإرادة في هذا الموضوع فمن المؤكّد أنّ الله تعالى هو خالق النتائج كما أنّه الخالق لكلِّ شيءٍ، وإذا كان الأمر كذلك فعلى الإنسان أن يعتبر نفسه قطرةً في بحرٍ أمام كُلٍّ من الإرادة والقدرة الإلهيّتين الأبديّتين، ويرضى بوضعِهِ ومقامِهِ ويُسلِّمَ زمامَ أمره للخالقِ سبحانه وتعالى.

أما الفقر المطلق فهو: أن يُدرك الإنسان ويعِيَ تمامًا حقيقةَ أنّ الله تعالى هو الصاحب والمالك الحقيقي لكلِّ الموجودات والأشياء، وما نملِكه ممّا استُخْلِفنا عليه إنما هو منه ولَه، فهو الذي استخلَفَنا في الأرض، ومنَّ علينا بِنِعَمٍ لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، وجعلنا مسلمين، وعرّفنا بسلطان الأنبياء صلى الله عليه وسلم، وفتح لنا آفاقًا ساميةً عالية على الرغم من عدمِ أهليّتنا لها، وربَطَنا بغاياتٍ ساميةٍ وحثّنا على استهدافِها وتحقيقها، فإن جحدنا النعمةَ وأعرضنا عن الحديث عمّا أنزله الله تعالى علينا من نعمٍ وانتقَلْنا إلى الحديث عمَّا هو مِن عند أنفسنا فلن يبقى في أيدينا بل ولن نجِدَ في جُعبتِنا شيئًا أبدًا! فماذا نكون نحن ما دام جسدُنا وعقلنا وحِسّنا وفكرنا وكلّ أعضائِنا وأملاكِنا مِنْ عنده تعالى؟ إننا إذًا -وكما قال فضيلة الأستاذ بديع الزمان- ظِلُّ ظِلِّ ظِلِّ نورِ وجودِهِ سبحانه وتعالى، بل إنّنا أمامه جلَّ وعلا لا نُعتبر ولو حتى مجردَ قطرة في بحرٍ[4].

التفكّر والشفقة

بالرغم من أنّ هذه الأسس المذكورة مهمّة جدًّا إلّا أنّها لا يمكن أنْ تتوحّد مع طبيعة الإنسان تمامًا بمجرّد قراءتها والتفكيرِ السطحيّ بها، إذ إنّ تحوُّلَها إلى بُعدٍ من أبعادِ الطبيعة الإنسانية مرتبطٌ بحالةٍ من التأمُّل والتدبُّر والتذكُّر الحقيقيّ الجاد، فعلينا أن نُمعِنَ في التفكير والتأمّل في الإنسان والقرآن والكون، ونفعلَ كلَّ ما بوسعنا حتى نجعل حديثنا وكلامنا وسيلةً وسبيلًا لشرح هذه الحقائق، وأن نُديم التفكير فيما نملكه، وكم لدينا من رأسمال، وما مدى وجود قُوّتِنا؛ فالحقيقة أنَّ بلوغ الإنسان آفاق مرتبتي الشوقِ والشكرِ مرتبطٌ ومرهونٌ بتوفُّرِ نظامٍ فكريّ فعّالٍ يَنْشَطُ على هذا النحو.

أما الشفقة التي هي مِنْ أسس منهجنا فتعني الرحمةَ بالإنسانية والسعيَ الجادَّ والتفانيَ والتضحيةَ لإنقاذ الآخرين، بل إنّه يجب على الإنسان ألّا يَقْصُر مشاعرَ الشفقة التي يمتلكها على الإنسانية فحسب وإنَّما عليه أن ينشرها وينثرها على الوجود بأسره، ويستثمرَ كلَّ فرصة تَعِنُّ له في عَرضِ هذا الشعور عرضًا عميقًا ودقيقًا، بل إنّه ينبغي له أن يتحلّى بأسمى معاني الشفقة وأَرْحَبها حتى إنه ليبكي إذا رأى نحلةً تُعالِجُ الموت.

ولا ريب أنّ اكتساب مثل هذا النوع من حِسّ الشفقة مرتبطٌ بامتلاك إيمانٍ قويٍ بالآخرة إلى جانب التفكُّر والتدبُّر، وأحسَبُ أنّ ذلك الهيجان والخلجان لدى الأنبياء العظام إنما كان ينبع خوفًا من سوء العاقبة، وشوقًا إلى حسن الخاتمة، لأنهم يؤمنون أن أولئك المتحررين الذين أطلقوا لأنفسهم الأعنّةَ دونَ حدودٍ أو ضوابط سيتردَّونَ في جهنم حتمًا، وأنَّ هناك جنّةً في الآخرة تتمايل وتتراءى بكل عظمتها ورونقِها، ولهذا السبب فقد بذلوا كلَّ طاقاتهم ووسعهم وسخّروها لدفعِ الناس عن تلكَ النارِ إلى تيك الجنّة، وحالةُ مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم الذي خُوطب في القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 3/26)، وقولِه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (سُورَةُ الْكَهْفِ: 6/18) إنّما تنبعُ من هذه التأملات الواسعة الكامنة بين جوانحه.

أجل، ينبغي للإنسان أن يسعى ويجتهد كي يرتقيَ إلى الدرجات العُلى وكأنّه في دوامة حلزونية، سواء باستخدامه المنهج الذي وضعه فضيلة الأستاذ بديع الزمان أو بغير ذلك من الطرق والمناهج؛ فبينما هو يؤدي حقّ المقام الذي يشغله؛ عليه -وبنفس الوقت- أنْ يطمحَ بنظره دائمًا إلى مقاماتٍ أسمى وأرفعَ، ويكونَ لسانُ حاله دائمًا لسانَ حالِ المسافرِ في سبيلِ معرفةِ اللهِ تعالى التي لا يُشبعُ منها أبدًا، ويستزيد منها قائلًا: “فهل من مزيد؟” فإن استطاع الاستفادة الجيدة من العطايا والواردات التي حظي بها فيما وصل إليه من مَقام؛ فَلَسَوف تستيقِظُ الأشواقُ في أعماقه نحو أشياءَ جديدةٍ، ومِنْ ثَمّ فإنّ مثلَ هذا المسافرِ سيطرق أبوابًا شتى دائمًا ودون توقُّف.

الاستقامة والسعي الدؤوب

إنّ مسافرًا في طريق الحقّ كهذا الذي يتحرّك باتجاه الشوق والتوق المستيقظ في وجدانه سوف يسعى دائمًا لإعلاء هِمَّته، وكلما أعلاها أكثر كلّما أُتيحت له فرصة التحرّك أكثر، وبهذا سيدخل في إطار دائرة صالحةٍ؛ فتتكون في فؤاده دومًا اشتياقات جديدة يطلب بفضلها ويطمح إلى مراتب ومقامات جديدة؛ أي إنّ الإنسان حين يبذل طاقته ووسعه كشرطٍ عاديّ فإن المشيئة الإلهية التي هي الشرط الأساس تُسْعِفُه؛ فتوصله إلى المراتب التي ينشدُها.

ولا شك أنَّ استيعابَ كلِّ هذه الأمور وصيرورتها بُعدًا من أبعادِ الطبيعة الإنسانية لن يتحقق هكذا فجأةً؛ فهذا الأمر مرتبطٌ بجهد وسعي حقيقي وجادٍّ، ولكن قد تتحقّق خوارقُ عاداتٍ في بعض الحالات الخاصة، فَيَصِلُ الناس على جناحِ السرعة إلى ذروة الكمالات الإنسانية؛ وعلى سبيل المثال فهناكَ مَن لم يتسنَّ له من صحبةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم ومجالسته إلا مدّةً وجيزةً، ومع ذلك فقد ارتقى ووصل آفاق الصحابة، لأن مجلسه صلى الله عليه وسلم مناخٌ يصبِغُ المخاطبين ويؤثِّرُ في أعماقهم، فهو يُذكِّرُ بالله تعالى دائمًا بحاله وسلوكه وجلسته وقَومَتِه وصمته وحديثه وما في وجهه من قشعريرة، وما في تقاسيمه من سعادة، إنه صلى الله عليه وسلم يُشعر بكلِّ أحوالِه مَنْ بجواره أنه في حضرة الله تعالى.

والأمر كذلك بالنسبة لبعض أولياء الله تعالى الذين جاؤوا بعد سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم؛ فقد يرتقون -بنفَسٍ واحدٍ منهم أحيانًا- بمَنْ يدخل في جوّهم ومناخهم إلى أفق الإنسان الكامل، ويمكنكم أن تضربوا مثلًا على ذلك الارتقاء العمودي بما كان لدى ذوي القابليات العالية مثل: “طاهر موتلو (Tahiri Mutlu)” و”حسن فيضي (Hasan Feyzi)” وحافظ علي (Hafız Ali) وخلوصي أفندي (Hulusi Efendi)” الذين تحلَّقوا حول فضيلة الأستاذ بديع الزمان.

غير أنّ هذه الأمور من النادِرِ وقوعها، وليست دائمةً ولا مستمرّة، لأن ذلك كرمٌ إلهيٌّ يظهر لدى الأنبياء العظام في صورة معجزة، بينما يظهر لدى الأولياء العظام في صورة كرامة، أما الجانب الموضوعي من هذه المسألة، أي شكلها الذي يمكن للجميع اللجوء إليه في كل آنٍ وحينٍ فيتسنى باستغلال الإرادة استغلالًا صحيحًا في جميع الأوامر والنواهي.

إنْ كنا نُريد أن نجعل قِيمَنا الخاصة بُعدًا من أبعاد طبيعتنا فعلينا أن نجتهد للاشتغال الدائم بروافدنا ومصادرنا، وأن نتحدث عن الحبيب تبارك وتعالى في حلِّنا وترحالنا، وننسجَ كلَّ أحاديثنا وجلساتنا حوله.

كذلك ينبغي ألَّا ننسى أنّ الله في عون العبد ما دام العبد يبذل جهدًا حقيقيًّا ويسعى سعيًا حثيثًا في موضوع العبوديّة له تعالى.

“إن تحبِبِ اْلمولى، أتظنُّ أنه لن يحبك؟

وإن طلبت رضا الحق، أتحسبه خاويًا يرُدّك؟

وإن ضحيتَ بالروح عند باب الحقّ

وكنتَ طوعَ أمره، أفيبخسُك الله ثوابك وأجرَك؟”

إنكم إنْ تتّجهوا إلى الله، يتّجه إليكم، وإنْ تحوِّلوا أنظاركم وأبصاركم إليه تعالى ينظر إليكم، وإنْ تفتحوا إليه قلوبكم وأفئدتكم لا يتركها خاويةً فراغًا.

وختامًا أقولُ إنْ استطاعَ الإنسانُ جعل تطبيق الإسلام طبيعة فيه فلن يتعسَّرَ ولن يتعب كثيرًا في أداء مجموعة من العبادات والتكاليف المنوطَة به، فمثلًا إنّ الاستيقاظَ من النومِ ليلًا والقيامَ إلى التهجُّد ليثقُل ويشقُّ على النفس، غير أنّ الإنسان إنْ جعل هذا الأمرَ جزءًا لا يتجزّأُ من طبيعته، وكأنه عقدَ اتّفاقًا سرّيًّا بينه وبين الله تعالى؛ فلن ينزعج ولن يتأذّى بسبب النهوض من فراشه، ربما يعاني في أول الأمر من خمولٍ بسبب النوم، إلّا أنّه حين يُسلِمُ نفسَه للصلاة ويتوجه بالدعاء ويشرعُ في التضرُّع إلى الله تعالى؛ فإنّه سيقول من شِغافِ قلبه: “ما أحسنَ أنْ استيقظتُ، واستثمرتُ هذه الساعات الليليّة الموحشة، وتوَّجْتُها بمناجاتي ربي!”.

 

 

[1] صحيح البخاري، الإيمان، 1؛ مسند الإمام أحمد، 309/21.

[2] ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، 3/1.

[3] انظر: بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب الرابع، ص 24؛ الكلمات، الكلمة السادسة والعشرين، ذيل، ص 555.

[4] انظر: بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب الخامس عشر، السؤال السادس، ص 76-77.

 

وَحِّدْ القبلةَ ولا تشتِّتْ الهمّةَ

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ذكر الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله في موضعٍ من رسائله أن الإمام الربانيّ أحمد السَّرْهَنْدِيّ قُدِّس سرّه قد أوصاه في واحدةٍ من التوافقات الخالصة بتوحيد القبلة[1]، وبناءً عليه اعتصَم بديع الزمان بالقرآن الكريم وجعلَه المرشدَ الأوحد له، فما الذي تكشف عنه هذه الحادثة في وقتنا الحالي؟

الجواب: في البداية أريد أن ألفت انتباهكم إلى أمرين قد يُفهمان خطأً:

الأول: يجب أن نعلم أن الأستاذ النورسي رحمه الله رحمة واسعة لم يكن يستصوب اتخاذ مثل هذه التوافقات (التفاؤلات) والرؤى أحكامًا عامّةً؛ لأن الأحكام المستقاة منهما أحكامٌ خاصة وليست موضوعيةً، فضلًا عن ذلك لا بدّ من تأويل هذه التوافقات والرؤى تأويلًا صحيحًا، وتأويل الرؤى يُعنى به التوصّل إلى نتيجةٍ ما من خلال تأويل بعضِ الرموز المعينة، ومن ثمّ يختلف ما يرد في الرؤيا عن الحقيقة التي تعبر عنها، وهذه الأسس التي سقناها حيال التوافقات والرؤى أمورٌ مسلّمٌ بها، ولا بدّ أن الأستاذ النورسي عندما اهتدى إلى هذا التوافق؛ استقرّت نتيجتُه في ذهنه، وصدّق عليه قلبُه، ورآه متوافقًا مع تجاربه، ولذا أعطاه هذا القدر من الأهمّية ونقله لنا.

أما الآخر فهو: إن عبارةَ “وحِّد القبلة نحو القرآن” التي صاحبت هذا التوافق لا يُقصد منها أن الأستاذ النورسي قد انفصل عن القرآن الكريم وهجره، وأخذ يلهث وراء أمور أخرى حاشاه، فحياته ظاهرة للعيان، ومن المعلوم لدى الجميع أنه قد ظل طوال حياته يسعى وراء الحقائق القرآنية دون سواها، وعلى ذلك فإن عبارة “وحِّد القبلة” ما هي إلا هدفٌ دُلّ عليه الأستاذ في أفقِ توافقٍ خاص، والواقع أنه كان خلال المراحل الأولى من حياته يبتغي تناسبَ إقامةِ الحق والحقيقة والتعبير عنهما مع روح ومقتضيات عصره، وفي هذا السبيل طوّف بالتكايا والزوايا، وتعرّف بالكثير من الناس، لكنه لم يقابل أحدًا -وفقًا لرؤيته- يعي مشاكل العصر التي ينبغي الوقوف عليها ويهتمّ بها ويطرح حلولًا تتناسب مع روح العصر، وإزاء هذا الوضع رأى ضرورةَ تناول المشاكل التي اعترضت حياةَ المسلمين بأسلوب ومنهجٍ مختلفٍ، وفي النهاية توصّل إلى أن القرآن الكريم هو المرشدُ الأوحدُ الذي يجب الرجوع إليه والاستعانة به.

وإذا ما نظرنا إلى العهد الذي عاشه الأستاذ النورسي لوجدنا أن كلَّ شيء في ذلك العصر قد أصابه الخراب والدمار، وانقلبت جميعُ القيم رأسًا على عقب، ولقد صور لنا الشاعر محمد عاكف هذه الأيام بقوله:

 خراب ديارٍ وانهيارُ بيوتٍ واستيحاشُ صحراء

وانمحاق البركة من الأيام، وافتقار الليالي إلى الغاية العلياء

فلما شاهد الأستاذ النورسي كلّ هذا أدرك عِظم الداء، فبحث يمنةً ويسرةً عن علاجٍ ناجعٍ له، ورغم أنه حاول أن يوضّح مدى شدّة وفداحة ما وقع من دمارٍ وخراب، وضرورةَ معالجة المسألة من الأساس مجدّدًا، والاهتمامَ بمسألة الإيمان؛ فإنه مع الأسف لم يجد إلا القليل مـمّن يتفهّمون همّه، وبناءً على ذلك يمّم وجهه شطرَ القرآن الكريم، ولكنه لـمّا فعل ذلك لم يقصر نفسه على مناهج التفسير التقليدية، ولكن انتهج لنفسه منهجًا خاصًّا استقاه من منهلِ القرآن الكريم نفسه، وبهذا المنهج قدّم لنا وصفاتٍ علاجية من الدساتير الماسيّة للقرآن الكريم تداوي جميع أمراض عصرنا.

تحديد مشاكل العصر أوّلًا

والحقُّ أنّ الكثير من العلماء ظلّوا -على مدار قرون متعدّدة- يبحثون عن حلولٍ تلبّي متطلّبات وظروفِ عصرهم، فحرّروا مؤلّفاتهم على هذا الأساس؛ ولقد ظهرت -على سبيل المثال- العديد من المشاكل المختلفة في عهد الإمام الغزالي مثل: تسلّل الفلسفة اليونانية إلى العالم الإسلامي، وانتشار أفكار المعتزلة والجبرية، وظهور فرقتي الباطنية والقرامطة، وقد طعّمت الفلسفة اليونانيّة بجانبها الباطنيِّ العالمَ الإسلاميَّ آنذاك، مما نتجَ عنه تأثُّر كثيرٍ من المسلمين؛ فمثلًا نجد الفارابي وابن سينا -في باكورة أعماله الفكريّة- قد تأثّرا بالفكر الفلسفي الذي وفد علينا من خلال ترجمة مؤلفات أفلاطون وأرسطو التي تعتمد في الأساس على أفكار سقراط، فما كان من الإمام الغزالي إلا أن بذل كلّ طاقته في سبيل توجيه الناس في عصره إلى نهج النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الفضلاء رضي الله عنهم أجمعين، وتمّ له ذلك بفضل من الله؛ إذ أسَّسَ منهجًا وطريقًا خاصًّا بعيدًا عن الفلسفة اليونانية، وأضفى على الفلسفة الإشراقية لونًا خاصًّا.

وكذلك اشتغل الإمام الرباني بحلّ المشاكل التي انتشرت في عصره، وكما تعلمون أنه معاصرٌ لسلطان الهند “جلال الدين أكبر شاه” الذي كان مهيمنًا على مقدرات بلاد الهند، لقد ادّعى هذا الشاه كالتاريخانيّين (الحداثيّين الذين يُنكرون صلاحية نصوص القرآن لكل زمانٍ وأوان) في عصرنا أن الكتاب والسنة لا يتوافقان من حيث ماهيتهما الحقيقية مع روح العصر الذي يعيشون فيه، وابتدع خلطةَ ديانة؛ بمعنى أنه سعى إلى تشكيل ديانة جديدة تشتمل على توليفة من اليهودية والمسيحية والبوذية والهندية وشيءٍ من الإسلام، وبناءً على ذلك شكّل الإمام الرباني أسوارًا حول الإسلام يجابه بها هذا الفكرَ الضالَّ المنحرفَ، واستطاع بِرُوحِ التجديد الكامنة في أعماقه أن يُشيّدَ صرحَ الروحِ في العالم الإسلامي مرة أخرى.

والواقع أن هذه الهمّة ومثيلاتها مستقاة من همّة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند انزوائه في “سلطنة حراء” قبل زهاء ستة أشهر من نزول الوحي عليه، فمن غير المعقول ألا تفكّر مثلُ هذه العقلية الرائعة وهذا الإنسان المحظي بجاهزية خاصة في المشاكل التي كانت منتشرة في العصر الجاهلي قبل أن ينزوي إلى “سلطنة حراء”، فكم أضْنَتْ هذه الروح الفريدة نفسها وأنهكت عقلها قبل أن تُشَرِّف غار حراء في سبيل توجيه الناس إلى الله والدّين الحنيف! وفي النهاية نزل الوحي منهمرًا على الرسول صلى الله عليه وسلم، ووَجَّهَ الله تعالى وَجْهَ نبيّه صلى الله عليه وسلم إليه تعالى، وأرسل له شرعةً جديدةً فيها العلاج الناجع لكل أمراض ومشاكل العصر.

الدساتيرُ القرآنيّةُ الماسيّةُ وَصْفَةً طبيةً لعصرٍ مريضٍ

حين طالع الأستاذُ بديعُ الزمان “المكتوبات” للإمام الربّاني ووقع له هذا التوافق أخذ بوصيته الداعية إلى ضرورة التوجُّهِ التامّ مجدّدًا إلى القرآن الكريم، والبحثِ عن علاجِ مشكلاتِ العصرِ في ثنايا حقائق القرآن الماسيّة دون سواها، وهذا يعني أنّ النتيجة التي ظهرت لبديع الزمان في هذا التوافق تتّفق مع المشاعر والأفكار المستقرّة لديه مسبَقًا، بل إنها في نفس الاتجاه، وبناءً عليه قَطَعَ علاقته بكل شيء وركّزَ في نقطة واحدة، وكثّف هِمّته على هذا الموضوع حتى إنَّه لم تُثْنِه عنه لا المضايقات ولا النفي ولا السجون ولا المعتقلات قطُّ، ولم تُجبره على التراجع ولو حتى خطوةً واحدةً؛ وذلك لأنَّه كان يؤمن يقينًا بأنَّ نجاة الإنسان المعاصر وخلاصه سيتحقّق بالدساتير القرآنية الماسيّة، وأنّ هذه النجاة ستكون مصدرَ أملٍ لنجاة آخرين كُثُر.

وإذا ما نظرتم إلى الأمر من زاوية يومنا المعاصر؛ تَعَذّرَ عليكم أن تروا الشناعاتِ والدناءاتِ التي ارتُكبت في تلك الفترة رؤيةً كاملةً، ولا تستطيعون الوقوف على الصورة بكلِّ تفاصيلها، فحتى كبار العلماء الذين عاشوا في ذلك العصر ممن يُوصفُ كُلُّ واحد منهم بــ”العلامة” تذبذبوا بين هذا وذاك؛ بحيث إنكم حين تنظرون إلى مؤلّفاتهم تجدون بعضَهم قد ماشى نظريّةَ التطوّر، حتى إنَّ بعضَهم قال: إنَّ التطوُّرَ نظريّةٌ، وإنَّه إذا ما أثبتَتْها العلوم التجريبيّة ذات يومٍ؛ فمن الممكن التوفيقُ بينها وبين الآيات القرآنية.

أجل، في هذه الفترة ارتجّ جذرُ المجتمعِ بمقوّماته الأساسية، وتوالت فيه الانكسارات والمصادمات تترى، وظهرت عقلية سامية تعرف كيف تنظر إلى الحوادث نظرةً كليّةً شموليّةً، وتبصر الأسبابَ والنتائجَ مجتمعة، ولقد أخذت هذه العقلية بعين النظر والاعتبار توصيةَ الإمام الربّاني تلك؛ نتيجة مطلَقِ ثقتها به، وبتعبيرٍ آخر: وافقَ توافقُها هذا توافقاتِه الداخليةَ الخاصة؛ فاستفادت من هذا الاقتران وواصلت المسير في هذا الطريق.

آفاق جديدة بوجهة نظر جديدة

يمكن في يومنا الحاضر أيضًا -انطلاقًا من المنافذ التي تركها بديع الزمان مفتوحةً- تقديمَ صورة جديدة للمسائل والقضايا التي تناولها، وإكسابَ الناس انفعالًا جديدًا؛ فعليكم أن تعرضوا بأسلوبٍ ومنهجٍ مختلفٍ تلك الحقائقَ التي تناولها هو بحيثُ تأسِرُ أَلبابَ مَنْ يطّلعون عليها فيقولوا: “كنا نقرأ هذه القضية لسنوات عديدة إلا أننا لم نفهمها على هذا النحو قط”، ويشعروا بانفعالٍ وحسٍّ جديد في أرواحهم، والواقعُ أن معظم كلامه عميقُ المعنى والمحتوى إلى درجة أنْ يُشَكِّلَ كلٌّ منه أطروحةً علميةً مستقلّة بذاتها؛ بيد أنَّ القدرة على رؤية هذا العمق تتطلّب سعيًا إلى اطّلاعٍ وقراءةٍ تتجاوز الشكليّات لتنفذ إلى اللطائف الكامنة في الداخل، وكما تعلمون فإنّ العالم المغربي المرحوم “فريد الأنصاري” قد ألَّف كتابًا جميلًا بعنوان “مفاتيح النور” يُعنى بالمفاهيم الرئيسة في رسائل النور، فلماذا لم تُجرَ في بلدنا دراسةٌ حول آثار هذا الإنسان المبارك تكون بقدر أفق ومستوى تلك التي أجراها الشيخ فريد الأنصاري؟ لماذا عجزنا أن نُقيِّم آثار هذه القامة السامقة الممتازة الفريدة تقييمًا من زوايا مختلفة؟ الواقع أنّ المرء يتأوّه كلَّما فكّر في هذه الأمور ويعجز عن أن يمنع نفسه من التحسُّر والأسف.

ومع ذلك فالأمرُ أهمّ بكثير من مجرّد التفجّع والتأسُّف؛ ففي رأيي أنّ الواجب الذي يقع على عاتق العقول المستنيرة في عصرنا هو مطالعة هذه المؤلفات القيمة للأستاذ بديع الزمان بوجهة نظر جديدة، لا سيّما ذوي الأفق العلميِّ الواسع، الخبراء في مجال الدراسات الدينية، فإنَّهم يستطيعون من خلال القراءة المقارنةِ تناولَ تلك المؤلفات ومطالعتها مع مؤلفات العلماء العظام من أمثال الإمام الماتريدي والإمام الغزالي وعز الدين بن عبد السلام وابن سينا وفخر الدين الرازي؛ مما يولّد في الضمائر هيجانًا وحماسًا جديدًا تجاهها، بل لا يكتفون بهذا فحسب وإنما يحللون تلك المؤلفات الممتازة وفقَ منهج قراءة ومطالعة جديد، وانطلاقًا من المنافذ التي تركها فضيلة الأستاذ النورسيّ مفتوحةً؛ يستطيعون إعدادَ جيلٍ من العلماء قادرٍ على استحداثِ منهجٍ علميٍّ للمستقبل، وتأسيسِ عِلمِ المناهج الفقهيّة، إلى جانبِ إجراء دراسات سليمة حول بعض العلوم كالفقه والحديث والتفسير.

 

[1] يقول الأستاذ بديع المزان: “وجدتُ كتاب “المكتوبات” للإمام الفاروقي السرهندي، مجدد الألف الثاني فتفاءلت بالخير تفاؤلاً خالصاً، وفتحته، فوجدت فيه عجباً.. حيث ورد فيه رسالتان كتبهما الشيخُ إلى “مِيرْزا بديع الزمان” فأحسست كأنه يخاطبني باسمي، إذ كان اسم أبي ميرزا وكلتا الرسالتين كانتا موجهتين إلى ميرزا بديع الزمان فقلت: يا سبحان الله. إن هذا ليخاطبني أنا بالذات، لأنني كنت ألقب قديما “بديع الزمان “، ومع أنني ما كنت أعلم أحدًا قد اشتهر بهذا اللقب غير الهمداني الذي عاش في القرن الرابع الهجري، فلا بد أن يكون هناك أحد غيره قد عاصر الإمام الرباني السرهندي وخوطب بهذا اللقب، ولا بد أن حالته شبيهة بحالتي حتى وجدت دوائي بتلك الرسالتين .. والإمام الرباني يوصي مؤكداً في هاتين الرسالتين وفي رسائل أخرى أن: وحِّد القبلة أي: اتبع إمامًا ومرشدًا واحدًا ولا تنشغل بغيره! لم توافق هذه الوصية – آنذاك – استعدادي وأحوالي الروحية.. وأخذت أفكر ملياً: أي المشايخ أتبع!. أأسير وراء هذا، أم أسير وراء ذاك؟ احترت كثيرًا وكانت حيرتي شديدة جدًا.

وحينما كنت أتقلب في هذه الحيرة الشديدة.. إذا بخاطرٍ رحمانيٍّ من الله سبحانه وتعالى يخطر على قلبي ويهتف بي: “إن بداية هذه الطرق جميعها.. ومنبع هذه الجداول كلها.. وشمس هذه الكواكب السيارة.. إنما هو القرآن الكريم فتوحيد القبلة الحقيقي إذن لا يكون إلا في القرآن الكريم.. فالقرآن هو أسمى مرشد.. وأقدس أستاذ على الإطلاق.. ومنذ ذلك اليوم أقبلت على القرآن واعتصمت به واستمددت منه…” (بديع الزمان سعيد النورسي، المكتوبات، المكتوب الثامن والعشرون، الرسالة الثالثة)

 

يَمَامُ العالم الميتافيزيقي والانبعاث المرتقب

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما الأمور التي يرتبط بها انفتاح الإنسان على المعنويّات والعوالم الميتافيزيقية؟

الجواب: يَعتبر بعضُ الناس المادةَ كلّ شيء، فيعيشون حياتهم بمنأى عن المعنويات والميتافيزيقا… قد يكون لفطرتهم أثرٌ واضح في هذا التوجّه، غير أنهم لم يُعطوا إرادتهم حقّها، ولم يبذلوا أيّ عزمٍ أو جهدٍ حقيقيّ في هذا المضمار، لقد انحدرت عقولُ هؤلاء إلى عيونهم، وأصبحوا لا يُفكّرون إلّا فيما يرون، وانغمسوا في المادّيّات حتى آذانهم وإن كانوا يدّعون الإيمان بربهم؛ فحبسوا أنفسهم بأنفسهم في الإطار الضيق لأفكارهم وقناعاتهم؛ فمثلًا لا يؤمنون بما يُسمّى الكرامات التي نستطيع عدّ الآلاف منها، والتي نُقلت إلينا عبر العصور بالتواتر عن أناسٍ ثقاتٍ يستحيل تواطؤهم على الكذب، بل إن بعض هؤلاء الماديين يرفضون الاعتراف بالمعجزات حتى رغم اضطرارهم إلى قبولها بسبب تواتُرِ وسلامة رواياتها؛ ويحاولون أن يُفسِّروها بالأسباب المادّيّة ويُخضعونها لتأويلاتٍ من قِبَلِ أنفسهم.

لقد قيّد هؤلاء عالمهم الفكري بالمادّيات، وبمرور الزمن أضعفوا قابلياتهم وقدراتهم على فهم الجانب الميتافيزيقي للأشياء والحوادث، ومن ثمّ لم يستوعبوا الحِكَم التي تحتويها تلك الحوادث التي تبدو شرًّا مستطيرًا في الظاهر، ونظرًا لأنهم لم يستطيعوا الوقوف على علم “تأويل الأحاديث” فلم يستطيعوا إدراك المعاني المختلفة الكامنة في جريان هذه الحوادث.

خلفيّاتُ الحوادثِ والحِكْمَةُ منها

إذا نظرنا إلى كيفيّة وقوع الحوادث نجدها كالآيات البينات تعبّر عنْ معانٍ تختلف من شخصٍ لآخر، ولكن على الإنسان إذا ما أراد إدراك ذلك أن ينظر إلى ما يحدث حوله ويستشعره أوّلًا بِلطيفتِهِ الربانية، وأن يمتلك القدرة على التحليل والتأليف؛ بمعنى آخر: عليه أن يدرس الأوامر التكوينية كالأوامر الشرعية على أنها كتابٌ مقروء، وأن ينظر إلى الحوادث نظرةً شموليةً، وأن يبذل وسعه لإدراك الصلة بينهما، وأن يسعى لاستيعاب العلاقة بين السبب والنتيجة، ضاربًا بمفهوم “الصدفة” عرض الحائط، وما أجمل ما قاله الشاعر التركي “رجائيزاده محمود أكرم”:

الكون بأسره كتابٌ عظيمٌ لله

إن أمعنتَ النظر في أي حرفٍ منه رأيتَ أن معناه: “الله”

لنفترض أن بعض الحوادث قد وقعت صدفةً، أو أن احتماليّة وقوعها واحد بالمائة، فإذا أضفتَ إليها بعض العوائق والوقائع التي ترتبط بها فستقلّ نسبة احتماليّة الوقوع إلى واحد في الألف، أو واحد في المليون، أو في المليار، ولو أجال الإنسانُ النظرَ في حياته، وتناول كلّ ما جال بخاطره وعلق ببصره ولامسته حواسه ومشاعره بنظرةٍ شموليّة؛ فبإمكانه استنباط الكثير من المعاني العميقة من هذه الحوادث والروابط التي تربط بينها، وسيشاهد بعين اليقين مرّة أخرى مع كل حادثة أنه لا صدفةَ في الكون ولو بقدر ذرة، ولكن إذا تناولها بشكلٍ مستقلٍّ كما يفعل بعض الفلاسفة فلن يستطيع حينذاك إدراك مضمون ومفهوم الإيمان بالله تعالى المكنون في كلِّ حرفٍ من هذا الكون.

وانطلاقًا من هذا فإذا ما رغب الإنسان في الانفتاح على عالم المعنويات فليدقّق النظر في الكون وما يجري فيه من أحداث، وليؤمن يقينًا بأنه لا يوجدُ شيءٌ في الكون دون معنى، فمثلًا إذا ما سقط كوبٌ من يده وانكسر فعليه أن يعلم وفقًا لعلم “تأويل الأحاديث” أن لهذا معنى بالتأكيد، وأن يتأمل فيه حتى يفهم المعنى والرسالة اللذين يعبّر عنهما، لكن لا تحملوا كلامي على غير محمله؛ لا أدعو بقولي هذا إلى أن نُخضع نظرتنا للحوادث إلى التفاؤل أو التشاؤم وما ينشأ عن ذلك من أملٍ أو يأسٍ، بل إلى إدراكِ أن لكلّ حادثةٍ معنًى معيّنًا تعبّر عنه بلسان حالها.

الدعاء: المفتاح السري للانفتاح على العوالم الميتافيزيقية

لا بدّ للإنسان حتى يُدركَ البعدَ الميتافيزيقي للوجود أن يسعى إلى تعميق معلوماته النظريّة بأداء العبادات والطاعات، ولا جرم أن الدعاء يأتي على رأس العبادات؛ لأنه مُخُّ العبادة، وهو اسمٌ وعنوانٌ على العبودية الخالصة لله تعالى، كما أنه عبادةٌ تتجاوز دائرة الأسباب، فهو السُّلّمُ الأهمّ في إيصال الإنسان إلى أفق ما وراء الأسباب.

ولكن ما هو أهمّ مطلب لا بد أن يسأله العبدُ عند دعائه لربه؟

إننا نواظب صباح مساء على الدعاء بـ”اللَّهُمَّ أَجِرْنَا مِنَ النَّارِ وَأَدْخِلْنَا الْجَنَّةَ مَعَ الْأَبْرَارِ”، ولا شكّ أن النجاةَ من النار والفوزَ بالجنة من أهمّ الغايات التي ينشدها المؤمن في الحقيقة، ولكن الأحرى أن يسأل اللهَ تعالى ما هو أعظم من ذلك، ألَا وهو: معرفة الله معرفةً يقينيّة، وعدم الغفلة عنه تعالى أبدًا.

أجل، هذه هي الغاية الأسمى التي يجب أن يَعِيَها الإنسان ويركّز عليها في دعائه، ينبغي له إذا ما رفع يديه بالدعاء لربّه سبحانه وتعالى أن يطلب معرفة الله ومرضاته أولًا، وأن يُلحّ في الطلب حتى يشعر وكأن اللطائف التي تأتيه من ربّه قد أصابت يديه بالخَدَرِ والتنميل، أو كأنّها تنهال عليه، فإذا ما عاش العبد هذا الشدَّ المعنوي من رأسه حتى أخمص قدميه، فعليه أن يدعو الله وكأن قلبَه قد انخلع ورأسَه قد تصدّع: “اللهم زِدْني إيمانًا ومعرفةً بك ومحبّةً لك، وأطرِبني بالشوق إليك، واملأ قلبي بعشقك، واجعلني مجنونَ سبيلك!”.

جرِّبوا أن تسألوا الله ذلك ألفَ مرّةٍ بقلبٍ صادقٍ سليمٍ لا سيّما في جوف الليل، ولا يعزب عن علمكم أن الله هو الذي يمزّق ستائر الطبيعة ويفتح آفاقًا جديدةً لكم خلفها، ستطّلعون بإذنه وعنايته على العوالم الميتافيزيقية، يجب ألا ننسى أن من طلبَ وجدّ وجدَ؛ أي إن من يتابع أمرًا ويحمله على محمل الجدّ يتفضل الله عليه بما يتمنّى، فهل يلتفت أحدٌ إلى متسوّلٍ يعقد يديه وراء ظهره، ويعامل الناس باستغناء أعطَوه أم منعوه؟! وكذلك فإن قبول الدعاء منوطٌ بتوجُّه الإنسان إلى الله توجُّهًا كاملًا، وملازمته السجود على أعتابه، وإصرارِه في طَرْقِ بابِهِ، ويقينه باستجابة دعائه.

لكنني مضطرٌ أن أقول -وكُلّي حزنٌ- إنَّ الدعاءَ رغمَ أهميته الكُبرى للمسلمين فقد صار أقلَّ العبادات اهتمامًا عندهم في يومنا الحاضر للأسف؛ إذ صار ضحيّةَ الشكليات والمظاهر منذ زمنٍ بعيدٍ، حتى إنّ الأدعية التي تُرفعُ وتُردَّد في الجوامع راحت ضحيّة الشكل في شِباك العادة والغفلة.

وينبغي ألّا يُفهم من عباراتي أنّ العبادات التي يؤدّيها المسلمون الذين تمتلئ بهم الجوامع والأدعيةَ التي يرفعونها لا تُقبل، فحاشا وكلَّا! فالله جلَّ جلاله يجزي المؤمن ولو على أقل الأعمال وأصغرها حجمًا، ويكافئُه عليها ولو كانت مثقال ذرة، لكنه ينبغي ألا يُنسى أنّ قيمةَ الإنسان ومكانته تكون بقدر اهتمامه بما له قيمةٌ، فإن كنتم تُقَدِّرون متاعًا دنيويًّا: قصرًا كان أو نُزُلًا فخمًا أو ما شابهَ ذلك فقد اختزلتم قيمتَكم في قيمته، وإن قدّرتم الجنة واهتمَمْتم بها صرتم تَعدِلونها من حيث القيمة، ولكنّكم إن ربطتم عبوديّتكم ورغباتكم بعشق الله والشوق إليه فإنكم ترتقون آفاقًا لا حدودَ ولا نهاية لها، لأنه تعالى خالدٌ باقٍ لا نهايةَ له، إنْ تعظّموه وتمجّدوه بالتهليلِ والتسبيحِ والثناء، وتقولوا: “اللهم لك الحمد والثناء عددَ ذرّات الكون”، وتستشعروا ذلك في وجدانكم وأفئدتكم وتُحسُّوا به؛ وتخفُق قلوبُكم كلّما ذكرتموه؛ فإنَّ هذه الحالة تُشير إلى مكانتكم وقدركم عنده تعالى؛ لأنه ورد في الحديث النبوي الشريف “مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ فَلْيَنْظُرْ كَيفَ مَنْزِلَةُ اللَّهِ عِنْدَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنْزِلُ الْعَبْدَ مِنْهُ حَيْثُ أَنْزَلَهُ مِنْ نَفْسِهِ[1]، فعليكم أن تَقْدُروا الله تعالى حقّ قدره، وتفكّروا فيه دومًا، وتراقبوه في كل شؤونكم، وتُرَدِّدُوا اسمَه دائمًا، وتُحافِظوا على صِلَتِكم به.

الانغلاق دون العوالم الميتافيزيقية

قد يمنُّ الله بمحضِ فضله على أحَدِ عِباده بأنواعٍ وأنواعٍ من النِّعَمِ بما يزيدُ على اجتهادِ هذا العبد وسعيِه، لكنَّ المقياس الموضوعي والأساس هو أن يوفّيَ الإنسانُ إرادته حقَّها؛ لأن الحقّ تعالى يقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ (سُورَةُ النَّجْمِ: 39/53)، أي لا شيءَ يُمنَحُه الإنسانُ إلا ثواب سعيِه ووفائِه بحقّ إرادته وسيرِه في سبيل الله.

ومن هذه الناحية فإنَّ مَنْ يقول: “لا أستطيع الانفتاح على العوالم الميتافيزيقية، وأعجز عن النظر إلى الأشياء والحوادث نظرةً شموليّةً، ولا أقدر على أن أربطَ بينها، ولا أنْ أَصِلَ إلى تركيبة تجمعها” ينبغي له أن يُراجع نفسه بالدرجة الأولى؛ فينظرَ هل فعل ما يلزم فعلُه أم لم يفعل؟ تُرى هل نهض مثلُ هذا الإنسان لصلاة التهجد أربعين يومًا متتاليةً دون توانٍ منه أو تراخٍ إلى جانب اهتمامه وحرصه على أداء الفروض؛ فَخَرَّ ساجدًا باكيًا وسأل الله تعالى ما يجب أن يُسأل ويُطلبَ؟ إنّ منْ لا يفعل هذا يتبين أنه لا يهتم بالمعنويات والروحانيات كما ينبغي، فلا يُتوقع منه أن يكون أُفُقُه المعنويُّ كما يجب، وإن صحَّ القول إن بعضَ الناس منغلقون دون المعنويات والروحانيات، إلّا أنّ مَن ألزَمهم بهذه الحالة ليس هو الله تعالى، بالعكس إنهم انغلقوا دون المعنويات والروحانيات ولم يحظوا بها لعدم قيامهم بالضروريّات اللازمة من أجل الانفتاح على العوالم الميتافيزيقية، وعدم وفائهم بحقّ الإرادة في هذا.

وثمة قضيّة أخرى أريد الحديث عنها ههنا وإن لم تكن مطروحةً في السؤال أساسًا، وهي: أنّ استمرارَ مرحلة الانبعاث هذه -التي انطلقت تبُثُّ الأمل والخير في الإنسانية جمعاء في أيامنا الراهنة- وثباتَها ورسوخَها على الساحة سوف يتأتّى ويتحقَّقُ بِيَدِ الإنسان المؤهّل والمنفتح على المعنويات والعالم الميتافيزيقي إلى جانب العلوم الطبيعية والشرعية. أجل، إذا نشَّأنا وأعْدَدْنَا “جيلَ الإرادة” المزوّد بالإمكانيات التي تفي بلوازم هاتين العالمين: الطبيعيّ والميتافيزيقيّ؛ فسوف تصحو الإنساينة على ربيعٍ جديدٍ بأيدي أبطال المعنويّات وأولياءِ الله هؤلاء الذين يقدّمونه على كلِّ شيءٍ، وسيبتسمُ وجه الدنيا مرة أخرى، وتشهدُ البسيطةُ جمعاء بعثًا جديدًا يمتدُّ من أقصاها إلى أقصاها.

 

[1] المنتخب من مسند عبد بن حميد، ص 333؛ أبو يعلى: المسند، 390/3؛ الحاكم النيسابوري: المستدرك، 671؛ البيهقي: شعب الإيمان، 65/2.

مهمّة الإرشاد وأسوار العفّة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ماذا يعني مفهوم العفة التي يجب أن يتحلّى بها ممثّلو نهج النبوة؟

الجواب: أنفق جميع الأنبياء حياتَهم في سبيل تقديم الرسالات السماويّة إلى البشرية، ولم يتشوّفوا إلى أي أجرٍ من أحدٍ، وعاشوا حياتهم في تواضعٍ ومحو؛ تجنبوا الإسراف، ولزموا القناعة، وعاشوا في بساطةٍ وزهد، ومع أنّ بعضهم قد آتاه الله السلطنةَ والملكَ -مثل نبيّ الله سُليمان وأبيه داود عليهما السلام- إلا أنّهم لم يَدَعوا حياة التواضع، بلْ وجّهوا كلّ قوّتهم وإمكانيّاتهم في سبيل رفعِ رايةِ الدين الحقِّ، لم يسحرهم الـمُلكُ الذي آتاه الله لهم، ولم يَغْشَ أبصارَهم. أجل، لم ينلْ أحدٌ من عفّتهم وعصمتهم، مـمّا دفع الناس إلى الثقة بهم، وظلّوا طوال حياتهم أوفياء لخصال النبوة، ومِن ثمّ فلا بدّ للذين يسيرون في طريق النبوّة أن يُؤدُّوا هذا الطريق حقّه، وهذا لا يتأتّى إلا بالتحلّي بهذه الأوصاف الملازمة للأنبياء؛ أما مَن لم يتمكّن من التحلّي بها -دعْ عنك عدم أدائه لوظيفة الإرشاد والتبليغ- فمن المحتمل أن يسلك طريق الشيطان وإن كان مسلمًا.

لا يقتصر تشوّه السمعة على المخطِئ فحسب

وعلى ذلك فإن الذين يسعون في وظيفة الإرشاد والتبليغ قد يجلبون الخزيَ والعارَ إلى الهيئة التي ينتمون إليها باقترافهم الذنوب وارتكابهم الأخطاء الصغيرة التي تمسّ الصدقَ والعفّةَ لا سيما إن كانت هذه الهيئة تتبوّأ مكانًا عاليًا؛ لأن مثلَ هذه الهيئة مثلُ الجسدِ الواحد إذا أصابت النجاسةُ عضوًا منه اشمأزّت وتأثَّرَت منها سائرُ الأعضاء، ولذلك فلا يصحّ لِمَنْ تطايرت النجاسة إلى طرف ثوبه أن يقول: “لا ضير لأنها لم تمتدّ إلى وجهي ويدي وعيني”، وعلى نفس الشاكلة فليس من الصحيح أن ينتمي الشخص لهيئةٍ ما، ثم لا يتحكّم في عينه وأذنه ويده ولسانه، ولا يكتفي بالأذواق والملذات ضمن الدائرة المشروعة، ويظلّ يحوم حول الدائرة غير المشروعة ثم يقول: “ما أنا إلا مجرَّدُ كَعْبٍ، أو قدمٍ أو كوعٍ في هذا الجسد… ولقد ظننت أن النجاسة التي لطختني لن تلحق بالآخرين الذين يعملون في نفس دربي”!

ومن هنا فإن الوظيفة الملقاة على عاتق الذين يسعون في سبيل خدمة الحقّ هي أن يحذروا من تطايُرِ أو تناثُرِ النجاسة عليهم ويراعوا الدقة البالغة في هذا، وأن يحافظوا على نقائهم وطهرهم على الدوام، وألا يخرجوا عن دائرة العِفَّة في أي شأن من شؤونهم من مأكلٍ ومشرَبٍ وقيامٍ وقعود، ومع استخدام أعضائهم كلها من يدٍ ورِجْلٍ ولسانٍ وعينٍ، كما يجبُ على المرشد الحقيقيّ مبلِّغِ الحقِّ والحقيقة أن يظلّ وفيًّا لغايته المثلى، ثابتًا صامدًا، لديه الجرأة والشجاعة لأن يرفع يديه قائلًا: “اللهمّ إن كنتُ مددتُ نظري أو ألقيت سمعي إلى شيءٍ لا ترضاه فخذْ منِّي روحي”، وعليه كذلك ألا يسمح لنفسه بتلطيخ وجه الإسلام أو تدنيسه أبدًا؛ لأن الأنبياء وهم الممثّلون الحقيقيّون لطريق الإرشاد والتبليغ لم يسمحوا لذرّة واحدة من الطين أن تُلامس أذيالَـهم وإن كانت من قبيل عموم البلوى، ولم يسمحوا لأحدٍ بأن ينال من شرفهم ألبتة.

“اللّهم لا تُخْزِ أصدقائي بي، ولا تُخزني بأصدقائي!”

إن أيّ إنسانٍ لا يُراعي هذا القدرَ من الحساسية اللازمة فقد اعتدى على حقّ الآخرين، وألحَقَ بهم الضررَ، ومن ثمّ فإن لم يسامح هذا الشخصَ كلُّ من ينتمي إلى تلك الهيئة فدخولُه الجنةَ أمرٌ مشكوكٌ فيه، وهذا يدعونا إلى أن ندعو الله ونتضرّع إليه دائمًا قائلين: “اللّهم لا تُخْزِ أصدقائي بي، ولا تُخزني بأصدقائي”.

ومع الأسف فإن بعضًا ممن يوصفون بأنهم مسلمون اليوم قد اجترحوا من السيّئاتِ ما يشدهُنا ويجعلُنا نتلوّى أَلَـمـًا ونحنُ نقول: لَيْتَهم لم يتبعوا هوى أنفسهم ولم يرتكبوا هذه السيئات! ليتهم ماتوا وأُحْيوا مرّات ومرّات وما تخلّوا عن عفّتهم وصدقهم، ولم يسلكوا طريقَ هذه اللوثيات!

عفّة الحديث

من جانبٍ آخر فلا بدّ لمن يتبوّأُ مقامًا معيّنًا -وإن كان هذا أمرًا لا يسري علينا نحن البسطاء- أن يفكّر مليًّا قبل أن ينبِس ببِنتِ شفةٍ من أجل الذين يتبعونه؛ لأن منزلتهم تقتضي منهم أن يفكروا مليًّا في كلّ كلمة قبل أن تخرجَ من أفواههم، ثم يقدّمونها لمخاطبيهم متناسقة على شكل مصاريع من الشِّعْرِ؛ لأنَّ الكلامَ الذي يُقالُ دونَ مراعاة لما يستوعبه المخاطبون أو حسابٍ لنوعية ردّ الفعل الذي قد تنجم عنه من شأنه أن يَشُقّ جروحًا غائرةً وكأنّه الحربةُ في صدور المخاطبين، ومداواة هذه الجروح صعبةٌ وعسيرةٌ في كثير من الأحيان، بل إن الكلام الذي يُقال دون تفكُّرٍ ورويّةٍ قد يؤدِّي إلى الخلاف والافتراق؛ فربَّ كلمة تُشعِلُ فتيلَ الحرب بين المتخاصمين، وربّ جملة تتسبّبُ في هلاك أمّة، وربّ حربٍ أدلَعَتْ نيرانَها بنتُ شفة.

قِيَمُنا التي هي العناصر الأساسية لِجَنَّتِنا المفقودة

العفة والعصمة والصدق والوفاء هي قيمُنا التي فقدناها -مع الأسف-، وتلك القيمُ هي العناصرُ الأساسية التي تقوم عليها جَنَّتُنا المفقودةُ، فلو أنكم تريدون إقامة جنّةٍ من جديد فعليكم أن تهيِّئوا هذه المستلزمات الأساسية لهذه الجنة، ولقد وضع لنا الأنبياءُ العظام صلوات الله وسلامه عليهم رسمًا هندسيًّا لهذا البناء الحضاريّ، ثم جاء مِنْ بعدِهم المجتهدون والمجدّدون والأولياءُ والأصفياءُ، وأنشؤوا صورًا مختلفة لهذا الرسم المعماري استجابةً لدواعي التجديد التي يقتضيها العصر، وكأنهم يقدِّمون للمخاطبين رسالةً مفادها: “وفِّقوا بين سلوككم وأعمالكم وبين الرسوم والمناهج التي وضعناها لكم؛ لأن المفهوم الحقيقيّ للعبودية لا يتأتى إلا باتِّباع هذا المنهج”.

وما أجمل ما قاله الشاعر “محمد عاكف” في هذا الصدد:

“أينَ الإسلام؟ بل أين الإنسانية؟ لقد افتقدناهما بالتمام

فإذا كانت الغاية خداع العالم فلا مخدوع والسلام

وكم من مسلم حقيقي عرفتُ! إلا أنهم في القبر يرقدون تحتَ الركام

لستُ أدري أين أجِدُ الإسلام! كأنّه في السماوات العُلى فوقَ الغمام!”

لا أريد أنْ أُقنّط أحدًا بقولي هذا، فينبغي للإنسان أن يُوصد أبواب اليأس ولا ييأس أبدًا، لكن يجب عليه إلى جانب هذا ألا يتوانى لحظةً واحدةً في مراقبة نفسه ومحاسبتها؛ لأن منْ يُحاسبُ نفسه في الدنيا يَسلَمُ في الآخرة، فها هو الإنسان العظيم الذي قال عنه الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم “لَوْ كَانَ نَبِيٌّ بَعْدِي لَكَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ[1]، يقضي حياته كلَّها محاسبًا نفسَه ويسائلها وهو الذي قال: “حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا[2].

ولذا ينبغي للإنسان أن يُنظِّمَ حياته وفقًا لمنطقٍ رياضيّ جادّ؛ لأنه بينما يمكن تكثِيرُ الحسنات بحيث تصبحُ الآحادُ عشرات، والعشراتُ مئات، والمئاتُ آلافًا إلى ما لا نهاية؛ فقد يتسبب خطأٌ بسيطٌ في أن يضيع كلُّ شيءٍ هباءً منثورًا، وبتعبير آخر؛ فالإنسان إذا عاش حياته بالمحاسبة والمراقبة حقًّا استطاع أنْ يُكثِّر القليلَ، وإلا فإنّ أخطاءً طفيفةً قد تذهبُ بحياته تمامًا، ولهذا فإن فضيلة الأستاذ بديع الزمان بينما ينثر الضياء على أرواحنا بحِكَمِه يحذِّرنا قائلًا: “فاحذر! وخفِّف الوطء، وخَفْ من الغَرق، ولا تُهلِك نفسك بأكلةٍ أو كلمةٍ أو لمعةٍ أو إشارةٍ أو بَقْلَةٍ أو قُبلةٍ، فتَذهب عنك لطائفُك العظيمة التي شأنُها أن تستوعب العالمين”[3].

وقد قال مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ النَّظْرَةَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ مَسْمُومٌ، مَنْ تَرَكَهَا مَخَافَتِي أَبْدَلْتُهُ إِيمَانًا يَجِدُ حَلَاوَتَهُ فِي قَلْبِهِ[4]، لأن العين تنظر إلى الشيء أحيانًا، فتخطو القدم صوبه مباشرةً، ثم تمتدّ إليه اليد، وفي النهاية تُرتكَبُ أكثر الأفعال البوهيمية خِزيًا وعارًا، فإن كان مُرْتَكِبُ ذلك الفعل منتميًا إلى زمرةٍ معيّنة فقد يُعزى إلى أفرادِ تلك الزمرة قاطبةً كلُّ ما ارتكبه من جُرمٍ ومنكرٍ، وإن وضعْنا في حسباننا أنَّ هناك من يَتحَيّنُ فرصة وقوع غيره في مثل هذه العثرات في يومنا الحاضر كي يتسنّى له اتّهام طائفةٍ عظيمة بهذا الفعل… إن وضعنا ذلك في حسباننا تأكّدت لنا ضرورةُ الحذر الشديد والحيطة في هذا الصدد.

صيانة الأمانة

إذًا بالله عليكم! هلمَّ بنا نبني أسوارًا خلفَ أسوار، وحصونًا إثر حصونٍ حتى لا تُرتكب مثل هذه النوعية من السفاهات والوقاحات التي تُخجِلُ هيئةً بأكملها، وينبغي لنا ألّا نكتفِي بهذا فحسب، بل نوصد أبوابًا خلف أبوابٍ، ونقول لأعوان الشيطان إذا جاؤوا: “لا تُتْعِبُوا أنْفُسَكم هباءً، فالأبوابُ موصدةٌ دونكم”، وبهذه الطريقة نَفِي -آمنين مطمئنّين بإذن الله- بوظيفة الإرشاد والتبليغ حيث نكون.

حريّ بنا ألا نتبع هوى أنفسنا فنحطّم الدنيا التي منَّ الله بها علينا بما فيها من أَوجُهِ الجمال والخير، والحقيقة أن الحق تعالى وهب القلوب المؤمنة التي قد لا تعرف بعضها البعض كثيرًا من الإمكانات والتجلّيات التي لم تتيسّر ولو حتى للقوى العظمى، بل ولا للدول الكبيرة، ولو أننا تفرّغنا تمامًا لحَمْدِ الله على ما وهَبَنا من نِعَمٍ، وملأنا وقتنا كلّه بتردادِ كلمة “الحمد لله” دون أيّ انشغالٍ آخر عنها؛ فلن نوفي النعمة حقها، والشاعر “سعدي الشيرازي”[5] يقول: “لا بدّ من الشكر مرتين عند كُلِّ نَفَسٍ”، أما الفضل الذي نحن بصدده فإنه شرف ومنَّةٌ تفوق كلَّ نَفَسٍ.

والحاصل أن الِحمْلَ ثقيلٌ، والأمانة مقدّسةٌ جدًّا، لا تستطيعون الوفاء بها حتى وإنْ حملتموها محفوفة بفريق من الحراسة المشدّدة، لأنها أمانة الله، أمانة رسول الله، أمانة المجددين والسلف الصالح، إذًا بالله عليكم هلمَّ بنا نقتَفِ آثارهم، فلا نخذلَ بني جلدتنا في هذا الشأن! ولنَعِشْ بعفّتنا، ولندفنْ أهواءَنا، بل لا نكتفِ بدفنها، لنضعْ صخورًا عليها، ولنحافظْ بهذا على إيماننا، فلا نخسر آخرتنا، حريٌّ بنا ألا نكون مثل من يملؤون جيوبهم وأكياسهم وحقائبهم حين تلوح لهم الفرصة، وألا ننخدع نحن أيضًا كما انخدع الظّانُّون أنَّ الدينا هي كلُّ شيء، وألَّا نسير على خُطى السائرين في إثر قارون، وألا نَتَفرعَنَ كالمُتَفَرعِنِين، بل على العكس ينبغي لنا أن نتأسّى بسيّد الأنام نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وخلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين، ونعضّ على سنّتهم بالنواجذ.

 

[1] سنن الترمذي، المناقب، 17.

[2] سنن الترمذي، القيامة، 25.

[3] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة السابعة عشرة، المذكرة الرابعة عشرة، ص 187.

[4] الطبراني: المعجم الكبير، 173/10.

[5]سعدي الشيرازي: هو الشيخ مصلح الدين، من شعراء الصوفية الكبار، ولد في مدينة “شيراز”، وكان من مريدي الشيخ عبد القادر الكيلاني، قضى ثلاثين سنة من عمره في الأسفار، ونظم الشعر، من أشهر كتبه كتاب “كُلستان”.

دعاءٌ لا يغلبه الإلف والغفلة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: كيف نمزِّق حجاب الإلف والغفلة في الدعاء؟

الجواب: إنّ من الأهمّيّة بمكان بالنسبة لمَنْ يتوجه إلى الله بالدعاء أن يكون لديه شعورٌ كاملٌ بأنه عندما يرفعُ أكفَّ الضراعة فإنّما هو واقفٌ أمام الحضرة الإلهية، فتنساب الكلماتُ من فِيهِ وهو على وعي كاملٍ بها، وأن يتجنّب اللغو واللهو؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَسْتَجِيبُ (وفي رواية: لَا يَقْبَلُ) دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ[1].

وهنا ينبهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن الغفلة واللاوعي يشكّلان عقبةً حقيقيّة أمامَ قَبول الدعاء، وهذا يدعونا إلى أن نتعرف جيدًا على أهمية الدعاء في الدين أوّلًا حتى لا يذهب الإلف والتعوّد بطراوة الدعاء وحلاوته، وألا يفقد كلامنا بريقَه وقيمتَه.

الدعاء مخّ العبادة

يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَةِ[2].

فكما أن المخّ له أهميةٌ حياتيةٌ بالنسبة لبنية الإنسان، وقد يتعرضُ الإنسان لشللٍ ويصبح طريحَ الفراش أو يموت إن أصاب مخَّه خللٌ أو عطبٌ؛ فكذلك الدعاء يحافظ على الصلة بين العباد وربهم، وبه فحسب؛ تتميّزُ العبادة الحقيقيّة عن غيرها.

وفي الوقتِ ذاته فإنّ الدعاء يعني التوجّه إلى الله تعالى بطلباتٍ تفوقُ الأسباب، وهذا له أهميةٌ كبيرة في الوصول إلى الشعور بالتوحيد الحقيقي، لأنّ الإنسان عندما يرفع يديه بالدعاء ويتوجه إلى الله تزولُ وتتلاشى كلُّ الأسباب والحُجُبِ بينه وبين ربه سبحانه وتعالى، فالأسباب هي حجابُ عزته تعالى وعظمته، ولكن الإنسان الذي يدعو يتجاوز كلّ هذه الحجب، ويتلمس مقبضَ باب العزيز الجبار مباشرةً، ويسأله -وحده دون سواه- ما يشاء، وبذلك يحلّق في أفق التوحيد الخالص.

ومن ثمّ فعلى المؤمن إذا ما تخلّى عن الأسباب وشعر بامتثاله في حضرة مسبّب الأسباب جلّ شأنه أن يجعل قلبه يُقِرُّ متفاعلًا مع ما ينطلق به لسانه، وأن يعبّر القلب عن كلّ كلمةٍ تخرج مِن فِيه؛ وبتعبير آخر: لا بدّ ألا يكون ثمّة تناقضٌ بين القلب واللسان، وأن يُفَكِّرَ القلب في المعنى الذي يعبِّرُ عنه اللسان، فمثلًا إذا قال العبد: “اللهم بلِّغني رضوانك، وخصّني برضاك!” فينبغي له أن يضبِطَ إيقاعَ قلبه على سُلّمِ هذه الكلمات، لينبضَ القلب بها، وإيّاكم وازدواجيّةَ القلبِ واللسانِ وأنتم تقِفُون في حضرةِ الحنّان المنّان، وليسَ هذا في الدعاء فقط بل على المؤمن أن يتحرّك مقرونًا بالوعي في كلِّ العبادات، فمثلًا على المصلي أن يصطحب النية التي هي “قَصدُ القلب” عند شروعه في الصلاة، وأن يجعل من هذه العبادة عملًا قلبيًّا بقدر المستطاع؛ لأن الأعمال التي يقوم بها العبد تُرْهَن معانيها وقيمتُها عند الله على ما يُقدّمه صاحبُها من ولاءٍ وإذعانٍ ويقينٍ قلبيّ معها.

الإيمان والدعاء

ومثل هذا التعمّق في الشعور منوطٌ -في الدعاء وغيره- برسوخ الإيمان بالله بداية، فبِقَدْرِ إيمان العبد بربه يكون قدرُ وماهيّةُ الدعاء الذي يدعو به، أما من يعيش مشكلةً في إيمانه وضَعْفًا وضحالةً في يقينه فلا يمكن أن يصل ألبتة إلى تكاملٍ بين القلب واللسان، ومن هنا يمكن القول: إن لم يُخلص الإنسانُ في دعائِهِ ولم يَشعُرْ بفورانِ وهيجانِ الدعاء في قلبه فهذا يعني أنه يعيش بالفعل مشكلةً في إيمانه أولًا ثم في يقينه ومعرفته ثانيًا، والأنكى من ذلك أن الإنسان إن لم يُلْقِ بالًا لأمواج الكفر العاتية، ولم ينزعج ويتبرّم من ضلال الناس وطغيانهم، ولم يعبأ بإيمان هؤلاء الناس بنفس القدر الذي يوليه لأن يكون عنده عشّ وأَبْناء، ولم يرفع يديه بالدعاء قائلًا: “اللهم افتح واشرح صدور كلّ الناس على وجه البسيطة للإسلام، وإن لزم الأمر فأزهق روحي على أن تُدخل الإيمانَ إلى قلوبهم”؛ فهذا يعني أن ذلك الإنسان يعاني من مشكلةٍ إيمانيةٍ حقيقية، ومثل هذا الإنسان يحتاج أوّلًا، وبشكل ضروري، إلى إعادة تأهيلٍ كبيرةٍ في مسألة الأركان الإيمانية.

والواقع أننا جميعًا في حاجةٍ إلى إعادة تأهيل كهذه، فكما يقول بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله رحمة واسعة: “إن أعظم خطرٍ على المسلمين في هذا الزمان هو فساد القلوب وتزعزع الإيمان بضلالٍ قادمٍ من الفلسفة والعلوم”[3]، “وإن كلّ ما تكسبه أيدينا من إثم، وكلّ ما يَلِجُ إلى أذهاننا من شبهةٍ يشقّ جروحًا غائرة في قلوبنا، ويفجر قروحًا داميةً في أرواحنا”[4].

أجل، كما أنّ التحقيقَ في الإيمان قد انهارَ كلّيّةً في عصرِنا؛ عصرِ النفاق والجهل والأنانية؛ فكذلك قد تفكَّكَتْ روابطُ التقليد والتأسّي، إن الناس قديمًا كانوا ينظرون إلى شيوخهم ومرشديهم ويقلدونَهم في أفعالهم وتصرفاتهم، وبذلك يدخلون حظيرة الإيمان وإنْ كان تقليدًا على الأقل، فيحفظون أنفسهم وفقًا لمقولة: “مَن قلّد عالمـًا لقيَ الله سالمـًا”، لكن معظم الناس في يومنا هذا -مع الأسف- قد حُرِمُوا مثل هذه الإمكانية.

والحقّ أن الإنسان إن أصغى إلى نفسه، وتدبّرَ الأحداث التي تجري حوله، وتأمّلها جيِّدًا، فسيشعر بالله ويحسّ به في كلّ شيء، كما يقول الشاعر التركي “جناب شهاب الدين”: “إلهي أنت موجود، موجودٌ دائمًا وأبدًا، موجودٌ في عقلي وخيالي وشعوري”، فلو أن الإنسان شاهدَ جمالَ الله تعالى في كلّ المرايا فقد يُهَرْوِلُ أحيانًا إلى الشجرة مثلًا لأنها تَجَلٍّ من تجلّيّات أسماء الله، ويقَبّلها، ويحتضن العشب، ويكحّل عينيه بالتراب، وقد يتوجه إلى الشمس التي هي ظلٌّ كثيف لاسمه تعالى “النور”، ويعيش من ناحيةٍ ما كالمجنون، وإنسانٌ على هذه الشاكلة يتحلّى بالإحسان أمام الله، ويتعامل وكأنه يرى الله تعالى، ويتحرّك موقنًا بأنَّ الله تعالى يراقبه على الدوام؛ وبهذه المنهجيّة دون سواها يستطيعُ أن يصل إلى أفق اليقين، فإن رفع يديه بالدعاء تغلّب على الإلف والغفلة وتجاوز الأسباب ممزّقًا حُجُبَها، وتوسّل وتضرع إلى الله مع شعوره اليقينيِّ بأن الله تعالى يراه.

الهيجان الوجداني وصوت الرَّجَفَات

أجل، من المهمّ جدًّا أن تتخلّل الطمأنينة والخضوع والخشوع في الدعاء شعورَ الإحسان، لدرجة أنه ينبغي للإنسان إذ يتضرّعُ إلى الله تعالى بالدعاء؛ أن يتوجّه بِكُلِّهِ، ويغيبَ عن وعيه، ولقد شاهدتُ كُلًّا من الشخصيتين الفاضلتين: “طاهر مُوتلُو” و”أحمد فيضي أفندي” من طلّاب فضيلة الأستاذ بديع الزمان؛ فكانا -وهما يدعوان الله تعالى- يُعبّران عن خلجاتهما الوجدانية، ويتلوَّيان ويغيبان عن نفسيهما تمامًا، والواقعُ أنهما كانا يتمثَّلان السلوكَ الذي تعلَّماه من أستاذِهما.

وهنا أريد أنْ ألفتَ انتباهكم إلى أمرٍ ربما يُعتبر مِشْجَبَ أعذارٍ بالنسبة لكم، ألا وهو أننا -للأسف- لم نرَ لا في التكايا ولا في المدارس الشرعية ولا في الجوامع أيضًا أناسًا يؤدّون الصلاة حقّ الأداء، ويدعون بإخلاص، ويتوجهون إلى الحقِّ من صميم القلب، لم يكن لنا في هذا الشأن من يتقدموننا، ويفتحون آفاقنا، ويرشدوننا بحيث يُظهرون لنا وجه الحقيقة المضيء عبر تفريج الباب عن التضرّعِ والخشوعِ الحقّ، فَظلَّ كلُّ واحد منّا أميًّا حيث هو.

ولكنه رغمَ كلِّ ما سبقَ فلا تَسْتَثْقِلُوا تحقيقَ الإيمان الحقيقي، ولا تَحسَبُوه مستحيلَ المنال، يا حبّذا لو أنكم تغتَمُّون فتتوجَّهون إليه في قلقٍ واضطراب؛ حينها تَشْهدون ما في تقديرِ الله من جمال، وتشاهدون أيّةَ أبوابٍ من المفاجآت السارة يفتحها لكم.

إن كان الأمر كذلك فَهَلُمَّ بنا نقوم الليل فنؤدّي صلاة الحاجة لينقشع ما بداخلنا من غشاوات، وتُحَقِّقَ العبوديّةُ في أنفسنا انشراحًا ونستطيع التعمّق في الإيمان؛ ثم نبتهلَ إلى الله قائلين: “اللهم! أسألك أن تبلِّغني هذه الليلة مرتبة الإحسان، لا أسألك شيئًا سواها؛ لا كرامةً، ولا إكرامًا، ولا هذا ولا ذاك، كُلّي طلَبٌ ورجاءٌ أن أوثِّقَ صِلَتِي بك، وأن أحيا مُشبعًا بمعرفتك، فلا غايةَ لي مِن دُعائي إلَّاكَ، فَأَعْمِ عيني عما سواكَ”، ولننتَبِهْ حين نطلب هذا إلى أن تحمِلَ كلُّ كلمةٍ نتفوّه بها سمةَ هذا الشعور وصفتَه، ولنُلِحَّ في طلب هذا من الله تعالى كلَّ ليلةٍ، فلنُحاول أن ننهضَ ليلةً أو ليلتين أو أكثر، ولنتضرع إلى الله تعالى بلهفة وحُرقة، وإنني هنا لا أريد أن أسأل: “هل بينكم من قام الليلَ أسبوعًا كاملًا في عمره يطلب من الله المعرفة والمحبة والعشق والاشتياق، ويصلي صلاة الحاجة ثم يرجو مثل هذا الرجاء؟” لا أريد أن أسأل هذا بأسلوبٍ يوحي بأنني أتّهمُكُم، لأنني على قناعة بأنَّ عددَ من سيجيبون عن سؤالٍ كهذا بالإيجاب لن يكون كثيرًا جدًّا، وهذا أيضًا يُظهِرُ مدى اهتمامنا بهذه المسألة، فينبغي ألا ننسى أنّ “مَنْ طلبَ وجدَّ وَجَدَ”.

أحيانًا أنظر عن كَثَبٍ إلى أحوال الطائفين بالكعبة والواقفين على صعيد عرفات والمنتشرين في مرابع المزدلفة ومِنى من أجل الحج، وأبحث عن هذا الشعور فيهم، وأتفحّصهم؛ أيوجد بينهم من يضرع إلى الله تعالى بلهفةٍ وحُرْقَةٍ، ومن يجيش ويرغي ويزبدُ أم لا؟! فلو رَفَعَ ألفُ إنسان ممن هناك أكفّ الضراعة بصدقٍ وإخلاص وعَلَت الأدعيةُ والرجاءاتُ الساميةُ إلى الحقّ من الأفواه بقدر ذلك الإخلاص؛ فإنه حاشا لله أن يردّ دعاء اكتسبَ الكُليّة والجماعية كهذا، بل إن اعتقادي في هذا الموضوع هو أنَّه: لو رفع الثلاثة ملايين مسلم الموجودون في هذا الموقف أكُفَّهم ودعوا: “اللهم غيِّر هذه الأرضَ!” لتُبدَّلُ الأرض التي تحت أقدامهم في الحال غيْرَ الأرض ولصارت عالمًا مختلفًا، ولكن هيهات هيهات! فالعالم الإسلامي لم يعش مثل ما يعيشه اليوم من تشرذمٍ وتمزّقٍ وتشتُّتٍ منذ فجرِه وحتى اليوم، وهذا يعني أنَّ الناس لا يستطيعون الإحساس بما حلّ بهم من ذلّةٍ وبما فُجِعوا به من مصائب رغم ضخامتها، ولو أنهم أحسّوا بذلك لاجتهدوا ولو بالدعاء على الأقل من أجل الخلاص من هذا الوضع الذي هم فيه، وكما أن الناس لا يشعرون بهذه المحنة فإنهم لا يشعرون بقلقٍ من ضربات موجات الكفر المحيطة بهم، ولذا فإنهم لا يشعرون بالحاجة إلى دعاء كلّيٍّ جماعيٍّ.

وختامًا أقول: إنَّه ما لم يتحقّق الوصول سريعًا إلى أفق قلقٍ واضطرابٍ على هذا النحو المنشود وجب على الإنسان أن يُجبِرَ نفسه، ويجتهد ويسعى اجتهادًا وسعيًا حقيقيًّا في هذا السبيل، أما دعاؤه رافعًا يديه على نحو: “إن شئتَ أعطِنا وإلا فلا”، فهذا دلالة على الوقاحة وسوء الأدب مع الله، في حين أنَّ الإنسان ينبغي له إذْ يدعو أن يكون كالشحاذ؛ فيقول بلسان حاله ومقاله: “أرجوك يا الله، لقد وقفت ببابك، أتوسل إليك، إنني أرجو هذا! اللهم مُنّ عليّ والطُف بي، اللهم أَمِتني، ولكن تقبّل دعائي!”. أجل، على المؤمن أن يطمحَ إلى القِمَمِ الساميات، وأن يتطلّعَ إليها دائمًا وأبدًا، وأن يُعَبِّرَ بإخلاصٍ عن رغباته هذه، عسى أن يُدرِكه لطف الله فَيَمُنَّ عليه بالإجابة؛ ذلك أنَّ الإنسان يحظى برعاية الله بقدر توجّهه إليه تعالى، وبمراقبةِ اللهِ بقدر مراقبَتِهِ إيّاهُ تعالى.

 

[1] سنن الترمذي، الدعوات، 67؛ الحاكم: المستدرك، 1\670.

[2] سنن الترمذي، الدعوات، 2.

[3] بديع الزمان سعيد النورسي، اللّمعات، اللمعة السادسة عشرة، السؤال الثاني المثير، ص 142.

[4] بديع الزمان سعيد النورسي، اللّمعات، اللمعة الثانية، النكتة الأولى، ص 11.

 

النشاط والحيوية في حياة الخدمة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: كيف يمكننا أن نبلغ أفقَ الفعاليةِ والحيويةِ الدائمة التي يستهدفها الإسلامُ في الحياة الفردية والاجتماعية؟

الجواب: لا مكان للركودِ والجمودِ في فلسفة الإسلام ورؤيته الحياتية، فكلُّ شيء فيها نَشِطٌ وحَيَويّ بدءًا من الإنسان حتى الأرض، ومرورًا بالأشياءِ إلى الأزمان، فكما أمر الإسلامُ الفردَ أن يتحلّى بالنشاط والحيوية الدائمة في أداء الأعمال الصالحة مثلًا، كذلك أمره بأن يستثمر ويستغلّ المال والأرض والزمان أجودَ استثمارٍ وأفضل استغلال حتى يجني من ورائها أرجى الثمار.

أما عن أهمّ المسائل التي تتطلّب حيويةَ المسلم وفعاليته فهي المسائل الإيمانية، لذا نقول دائمًا في دعائنا: “ربَّنا زِدنَا عِلمًا وإيمانًا ويقينًا”، فعلى المؤمن أن يسعى إلى تجديدِ إيمانِه وزيادةِ يقينِه دائمًا بمراجعة الكتب والتعرّف على الحياة المباركة للسلف الصالح والجلسات الإيمانية والتفكّر والأوراد والأذكار، وفي هذا السياق فإن التركيزَ على قراءة الأدعية الواردة في كتب الأدعية المعروفة مثل “القلوب الضارعة”[1] وسبرَ أغوارها إلى حدٍّ ما من شأنه أن يفتح آفاقًا متعدّدة أمام الإنسان.

إن الحيوية والنشاط والفعالية تمتلِكُ أهمّيّة بالغةً في حلِّ ومواجهةِ المشاكل المستعصية التي يتعرّض لها العالَـمُ الإسلامي منذ عصور، ومحافظةِ القلوب المؤمنة على وجودها دون التذلل أو الدخول تحت وصاية الآخرين، لقد فقدَ المسلِمون -مع بالغ الأسف- هذا الحماس والنشاطَ والحيوية منذ قرونٍ، ولم يستطيعوا الحفاظ على مكانتهم كعنصرٍ من عناصر التوازن الدولي، ومن ثمّ فقدوا زعامتهم، ودخلوا تحت وصاية غيرهم في المجال السياسي والثقافي والاقتصادي… إلخ.

مجتمعٌ أسيرٌ مغلول الأيدي والأعناق

ولقد نبهنا الأستاذ النورسي رحمه الله رحمة واسعة إلى هذه الحقيقة بقوله: “يا أيتها القبور المتحركة برجلين اثنتين، أيّتها الجنائز الشاخصة! ويا أيّها التعساء التاركون لروح الحياتين كلتيهما -وهو الإسلام- انصرفوا من أمام باب الجيل المقبل، لا تقِفُوا أمامَه حجر عثرة، فالقبور تنتظركم… تنحّوا عن الطريق، ليأتي الجيل الجديد الذي سيرفع أعلام الحقائق الإسلامية عاليًا، ويهزّها خفّاقة تتماوجُ على وجوه الكون”[2]؛ ولأن هذا الدين العالمي الخاتم ينوءُ بتمثيله الإنسانُ الخاملُ أو الفكرةُ البالية أو ضعفُ الهمة؛ فلقد طلب الأستاذُ النُّورسي من الأرواح الخاملة الفاقدة للحماسة والتي تشكّل نموذجًا سيّئًا للأجيال المقبلة أن تتنحّى، وتُفسح الطريقَ للجيل المقبل الذي سيأتي بعدها متمتّعًا بروحِ الحيويةِ والنشاط؛ حتى يتبوّأ المكانة التي ينبغي له أن يتبوّأها، ويؤدّي ما يجب عليه أن يؤديه.

أجل، من الأهمية بمكان ألا يكون الإنسان نموذجًا سيّئًا، وإنني لا أريد هنا أن أقترفَ ذنبًا بذكر مساوئ أجدادنا رحمهم الله، ولكنّني انطلاقًا من مسؤوليّة إحقاق الحقّ وإجلاء الحقيقة أستميحكم عذرًا في أن أنوه بهذا الأمر:

إنّ ممّن تسببوا فيما نعيشُه اليوم من ركودٍ وضعفٍ في الهمّة آباءَنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، ووراء أخطائهم مَنْ سبقوهم -بقدر ما-، وللإنصافِ فلقد أدّوا ما يقع على عاتقهم في إيمانهم بربهم وأدائهم لعباداتهم، ولكنهم عجزوا عن تجاوز القوالب الفكرية البسيطة عند تقييمهم للأحداث، فلم يستطيعوا بلوغَ آفاقٍ يُدركون بها عصرَهم عند دراسته وتحليله، ومن ثمّ تسبّبوا فيما نعيشه اليوم من قحطٍ وجفافٍ في حياتنا الفكرية والعملية على حدٍّ سواء.

وبناءً على ذلك إننا نُعَدّ جيلًا ضائعًا فاشلًا، لأننا لم نُنَشّأ بما يتناسبُ وأُفُقَ إدراكِ عصرِنا، وعلى ذلك لم نستطع أن نحظى بوصف أمناء المستقبل الذين يرثون الأرض، وأصبحنا نحن مَن نقوم بالتجديف وغيرُنا هو مَن يتولى قيادة الدفّة.

وإذا نظرنا إلى المسألة من الناحية الاجتماعية نقول: إما أن تديروا الدفّة في التوازن الدولي أو أن تظلوا تُجدّفون طوال عمركم؛ لا توسّط بين الأمرين. أجل، إما أن تكونوا حاكمين أو تظلوا محكومين؛ وبعبارةٍ أخرى: إما أن تكونوا عنصرًا من عناصر التوازن الدولي أو تعيشوا ضمن الإطار الذي رسمه لكم غيركم؛ أو قُلْ: إما أن تكونوا أصحاب الكلمة والنفوذ أو تغدوا أسرى لغيركم؛ بمعنى أن تصيروا كالعبيد الذين يحملون أغلالًا في أعناقهم وأقدامُهم مقيدةٌ بالسلاسل، وهذا -للأسف- هو حال المسلمين منذ عدّة قرون.

إن التردّي في مثل هذا الحال الناشئِ عن عدم تمثيل الإسلام التمثيلَ الحقّ قد أفضى إلى أننا لـم نستطع أن نحافظ على كرامة الإسلام وشرفه، بل وألحقنا به الذلّ والهوان، والحقُّ أننا بقدرِ ما يتسَبَّبُ حالُنا الكئيبُ هذا في إهانة الإسلام سنَلْقَى هوانًا عند الله، فهذا بذاك، لذا فالعملَ العملَ، والسعيَ السعيَ على طريق استعادةِ مكانتنا اللائقة بنا مرّةً أخرى، من أجل هذا يجب على الإنسان أن ينشد المعالي والذرى دائمًا وأن يُعلي من هِمَّتِه، ويرفع من سقف طموحاته.

أبطال الإرادة وكرامة الإسلام

ليس الإنسانُ نباتًا ولا جمادًا، بل هو كائنٌ حيٌّ منحه الله إرادةً إن أعطاها حقَّها بصفتِها شرطًا عاديًّا، وأحسنَ استغلال القوّة التي وهبه الله إياها استغلالًا سليمًا استطاع بإذنٍ من الله أن ينفث نسمات الانبعاث في جنباتِ الأرض كلها، فمتى شُحذت الإرادات، وأُشعلت مشاعل الآخرين أنارت الأرضُ كلها وكأنها ساحةٌ للمهرجانات، وإن شئتم فانظروا إلى عصر السعادة من هذه الزاوية؛ ألم يستطع النبي صلى الله عليه وسلم أن يحقّق في غضون ثلاثةٍ وعشرين عامًا ما لا يمكن أن يحقّقه غيرُه خلال عدّة قرون؟ أَوَلم يستطع الخليفة الأول سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن يُقلّم أظفار إمبراطوريتين عملاقتين في تلك الآونة بجيشٍ لا يتعدّى قوامه عشرين ألفَ جندي؟ رغم أنه كان في الوقت ذاته يُصارِعُ فلولَ المرتدّين بما فيهم مسيلمة الكذاب الذي كان على رأسِ جيشٍ يبلغُ أضعاف المنظّمة الإرهابية التي لم نستطع دحرَها في تركيا منذ سنين.

لقد أعطى سيدنا أبو بكر رضي الله عنه إرادته حقّها، وتغلّب بفضلٍ من الله وعنايته على كل تلك المشاكل والصِّعاب؛ وهذا مثالٌ حيٌّ للفعالية والحيوية التي يجب أن يكون عليها المسلم.

أُسُس المحافظة على النشاط والحيوية

يمكن إيجازُ أُسُسِ المحافظة على النشاط والحيوية على النحوِ التالي:

إن أحدَ العناصر المهمة في سبيل الحفاظ على نشاط الناس وحيويتهم هو الإرشاد إلى سبيل يتسنّى للجميع السيرُ فيه، وتحديدُ مجال معين واضحِ المعالم، فالإنسان وإنْ انسلّ من الأنانية وتحرّك باسم الجماعة لكنه يرغب من الناحية النفسية في معرفةِ إطار العمل الذي سيقوم به والنقطةِ التي سيصل إليها، أما تقديرُ الإنسان بسبب ما بذله من سعيٍ وجُهدٍ فإنه يُحفّزُ عشقَه وشوقه إلى فعل الخيرات، وإن كان هناك من يخلطون أنانيتهم في العمل كلّما حقّقوا درجاتٍ مختلفة من النجاح إلا أنه ينبغي في مثل هذا الموقف توجيههم إلى الإخلاص بأسلوبٍ ملائمٍ ليِّنٍ.

ومن جانب آخر ففي نفس الوقت الذي تُساعِدون فيه غيرَكم على الانبعاث والحياة تُساعِدون أنفُسَكم أيضًا على البقاء في نشاط وحيوية؛ فالإنسان الذي يُحيي العالمَ لا يُتصوَّرُ أن يبقى هو ميتًا؛ لأنه يستحيل عندما تساعدون الآخرين على النهوض من كبوتهم وتستبدِئُونهم العمل وتجعلونهم يركضون كالمتسابق في سباقات الماراثون أن تتخلّفوا أنتم عنهم وتتأخروا دونهم.

إن معرفةَ القيمة الحقيقيّة للزمن الذي يمثّل خطًّا اعتباريًّا لأَمرٌ في غاية الأهميّة كي نحافظَ على النشاط والحيوية، وقد تعذَّرَ علينا نحن أن نُدرك -مدّةً طويلةً- أنَّ الزمنَ بِـحَدِّ ذاته قيمةٌ مهمةٌ، فهو الكنز الفريد الذي يمكن الفوزُ بالجنة بفضله إن استُغلَّ استغلالًا جيّدًا. أجل، إنَّ الإنسان إذا أحسنَ توظيفَ الزمان فإنّه ينفتح على “اللازمانية”، ويفوز بالأبدية خلالَ فترة زمنية قصيرة وجيزة، فإنَّ معرفة القيمة الحقيقية الأصلية للزمان وإحياء كل لحظة فيه بالحركة والعمل الصالح لتُمثّلُ أساسًا “جوهريًّا” من أجل حياة “خدمةٍ” حيوية نشطةٍ.

 

[1] القلوب الضارعة: هو كتاب يجمع بين دفتيه مختاراتٍ من أدعية سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وإخوانه من النبيين والصحابة الكرام وكبار الأولياء والصالحين، أشرف على جمعها الأستاذ فتح الله كولن، ومعظم هذه الأدعية مقتبسةٌ من كتاب “مجموعة الأحزاب” للشيخ ضياء الدين الكومشخانوي من علماء العهد الأخير للدولة العثمانية.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: صيقل الإسلام، المناظرات، ص 379-380.

 

التدين الحقيقي واكتساب الهوية السليمة

Herkul-ARB | | العربية

 سؤال: ما الذي يجب على المؤمن أن يراعيه إذا ما تعرّض لمعاملةٍ فظّة أو كلمةٍ نابية، كيلا يصيب هويته أيّ تصدّعٍ أو انكسارٍ؟

الجواب: الهوية في اصطلاحنا تعني استمراريّة أداء الأعمال والعبادات الإسلاميّة وفقًا لشعور الإحسان؛ أي أنْ نعبد الله كأننا نراه، فإن لم نكن نراه فإنه يرانا، وأن يكون هذا الشعور بمرور الزمن جزءًا لا يتجزّأُ من طبيعتنا، وهذا ما يمكن أن نسميه بـ”الهوية الإسلامية”، فهويةُ المؤمن تعني إذًا أن يوثّق صلتَه بربه سبحانه وتعالى، وأن يبدي كمال التقدير والتوقير لمفخرة الإنسانية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بما يليق بمنزلته عليه الصلاة والسلام، وأن يؤدّي ما يقع على عاتقه من وظائف فردية أو أسرية أو اجتماعية على الوجه الأمثل، وأن يسعى جاهدًا لتكون حياتُه كلّها على هذا المنوال، إذًا فالهويّة عندنا هي انتماء إلى الإحسان.

التدريب بالنوافل

واكتساب مثل هذه الهوية مرهونٌ بما يُبْذَلُ من جهدٍ جهيدٍ وسعيٍ حثيث، غير أن المحافظةَ عليها طوال حياته أمرٌ جدّ عسير، وهذا يقتضي من المؤمن ألا ينزل عن صهوة جواده أبدًا، بل ينشدُ دائمًا مثل هذه الصعاب، فها هو النبي صلى الله عليه وسلم يذكرُ أن سورة “هود” قد شيبته، فيقول: “شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا[1] و”هودٌ” هذه هي التي تحتوي على قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (سُورَةُ هُودٍ: 112/11).

ومن ثم فعلى المؤمن الحقيقيِّ أن يتَّخذَ من الدنوّ إلى ذلك الأفق الذي عاشَه سيّد السادات صلوات ربي وسلامه عليه -قدر استطاعته- غايةً عُليا وهدفًا منشودًا، فلو درّب نفسَه على أداء العبادات جاعِلًا هذه المسألةَ جزءًا لا يتجزَّأ من طبيعتِه؛ فسيخفِّف قدرًا ما من العبء الذي تنوء به إرادتُه، ويتمكّن من أداء باقي التكاليف بشكلٍ أكثر يسرًا وراحة.

وإنّ النوافل لتؤدي هذه المهمّة، فمثلًا قد يثقل على النفسِ صيامُ شهرٍ متتابع في أيام الصيف الطويلة الحارّة، ولكنَّ صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم -كما هو معلوم لدى الجميع- قد أوصانا بصيام ثلاثة أيام من كل شهر ويومي الإثنين والخميس من كل أسبوع[2]، فمَنْ يتعوّد على صوم النافلة في الأيام المعتدلة يسهل عليه مقاومة الجوع والعطش في أيام الصيف الطويلة الحارة، ويمكنه أن يؤدّي بعون الله فريضةَ الصوم بشكل أيسر.

ويسري هذا الأمر على الزكاة أيضًا، فقد فرض الإسلامُ الزكاةَ -بربع العُشر أو نصف العشر أو العشر أو الخُمس- في مال المسلم حسب نوعه، فلو لم يمرِّن الإنسانُ نفسَه على إيتاء الصدقات تطوّعًا -وإن بقدرٍ يسير- شقَّ عليه أداء الزكاة التي افترضها الإسلام، ولكن لو عوّد نفسَه على التصدّق -ولو بالقليل- رويدًا رويدًا إلى أن يجعل هذا الأمر جزءًا من طبيعته، فلن يستصعِبَ دفع الزكاة التي أمره بها ربُّه.

وعلى نفس المنوال إنْ تحيّن الفرد أداء صلاة النافلة في أيسر الأوقات وأنسبها بالنسبة له، وجعل أداءَها جزءًا من طبيعته فسيتيسر عليه فيما بعد أداء صلاة الصبح والفروض الأخرى في الأوقات التي تشقّ على النفس عادةً، كما سيتمكن من اجتياز المعوّقات التي اصطنعَتْها نفسُه وهواه، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ شَهْوَةً، وَإِنَّ شَهْوَتِي فِي قِيَامِ هَذَا اللَّيْلِ”[3].

فالنبي صلى الله عليه وسلم يسلّط الضوءَ هنا على فكرة العبادة التي غدت جزءًا لا يتجزّأ من الطبيعة الإنسانية ولا تقبلُ الانفصام عنها، وكأنه صلى الله عليه وسلم يريد أن يقول: “إنني أتلذّذ بعبادة ربّي كما يتلذّذ أحدُكم بقضاءِ شهواته”.

وهكذا فعلى كلّ مسلمٍ أن يحثَّ الخطى جاهدًا ليبلغَ هذا الأفق، ومع العِلمِ أنه ليس بمقدورِ الجميعِ بلوغ هذه الذروة الشامخة، إلا أنّ سلوك هذا الطريق وتغيّي هذه الغاية هو بحدِّ ذاته لَمِنْ أعظم الفضائل والمزايا؛ إذ إن كلّ جهد مبذول في هذا السبيل ليُكتَبُ لصاحبه عبادةً، ويرتقي به درجةً.

ولكم أن تأخذوا بهذه الفكرة نفسِها في الأمور السلبية التي لا بدّ من تجنّبها وتحاشيها، فمثلًا إذا ما تعرض الإنسانُ للأمور المنكرة التي تخدعه بها نفسُه ويفتِنه بها هواه قد يصعب عليه حينئذٍ أن يؤدّي إرادته حقها، ولكن إن اتخذ الإنسانُ لنفسه منهجًا في الحياة، فأوصَدَ الأبوابَ أمام شتّى أنواع المحرمات صغيرِها وكبيرِها، وجعل ذلك بُعدًا من أبعاد طبيعته وفطرته فإنّ الله المتفضّلَ المعين سيُمكّنه من التغلّب على أيّ كارثةٍ تدهوه، حتى وإن تعرض للمنكرات التي تسحر العقول وتكدّر الأبصار، وسيَسْتَلُّهُ مـمّا يحيقُ به دون أن يتلوّث أو يتلطّخ بالأرجاس.

الاستقامة في الأفعال والتصرّفات

وكل ما ذكرناه يسري أيضًا على مسألة علاقة المؤمن بالآخرين. أجل، على المؤمن أن يتوخى أمور الدين في معاملته وعلاقاته مع الخالق أو المخلوق، وأن يجعل هذا الأمر جزءًا من طبيعته، ونقول بمزيد من التفصيل: لو لم يستطع الإنسان أن يجعل من الأخلاق الحميدة -كاحتضان الناس بحبٍّ بغضِّ النظر عن انتماءاتهم، وإغداقِ البشاشة عليهم، وإكرامهم والإحسان إليهم، وإغاثة الملهوف منهم- جزءًا من طبيعته فلربما يتصرّفُ عفويًّا بفظاظةٍ وغِلْظة إذا ما تعرّض يومًا لمعاملةٍ قبيحةٍ لم يكن يتوقّعها، وسيجدُ صعوبةً بالغةً في التقيُّدِ بأسلوبٍ إيمانيٍّ أثناء الردّ على ما لقيه من إهانة، وقد يقع في الخطإ والزلل؛ لأنه لم يعوّد نفسه على مواجهة الإهانات بمثل هذا الأسلوب، ومثل هذه الانحرافات في السلوك والتصرفات قد تخلّ بثقة الناس في ذلك الشخص واعتمادهم عليه، ومن ثم فإن كنا نرغب في جعلِ أنفسنا محلَّ ثقةٍ لمن حولنا فعلينا أن نجعل من العبادات وتجنُّبِ المحرمات وحسن المعاملة بعدًا من أبعاد طبيعتنا.

ورغم كل شيءٍ فقد تصيب هويّةَ الإنسان أحيانًا بعضُ التصدُّعات والانكسارات وفقًا لوقع الحادثة وشدّتها، وقد ينجمُ هذا الانكسار في الهوية أحيانًا عن غيرة الإنسان الدينية، وأحيانًا أخرى عن الافتراءات والإهانات التي يوجّهها البعض لذلك الإنسان والتي تفتقر إلى الإنصاف، وأحيانًا أخرى من إثارة نزعة هذا الإنسان وحساسيته، وإزاء هذا الموقف قد يتعكّر تلقائيًّا مزاج المؤمن، وقد تقع الكثير من المشاحنات والمنازعات، فتنكسر القلوب وتوغر الصدور، لكن علينا ألا ننسى أن القيام بردّ فعلٍ لا يتّسق مع طبيعتنا سَيُخِلُّ بثقة الناس فينا، ومن ثمّ يجب على المؤمن الحقيقي ألا يتخلى عن هويته إزاء أي تجاوز أو إهانة منحطّة، وإن كان لا بدّ أن يردّ فليردّ بأسلوبٍ يليق بالمؤمن الذي يمثّل أنموذجًا للأدب والأخلاق.

أبطال الصبر أرباب الهوية

الحقيقة أنَّ المؤمنين سُمح لهم في القرآن الكريم بمقتضى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (سُورَةُ النَّحْلِ: 126/16) الردُّ بالمثل على ما يتعرضون له من اعتداءات، ورُخّص لهم في ذلك، ومع هذا فإنَّ الحق تعالى يُخاطِبُ أرباب الهويّة الرفيعة في ختام الآية قائلًا: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (سُورَةُ النَّحْلِ: 126/16).

ذلك لأن الإنسان الذي يُصاب في حياته -ولو مرة واحدة- بالتصدُّعِ في هويّته يكون قد هزَّ ثقةَ مخاطبيه فيه، كما يكون قد فتح البابَ لأخطاء لاحقة، ومَن تتشقّقُ هويّته على هذا الشكل يكون عُرضةً للخطإ التلقائيّ والزلل العفوي، لذا فمن الواجبِ حمايتها دائمًا وأبدًا، وألا نسمحَ بانتهاكها أو تصدّعها مهما تنوّعت الظروف والأحوال.

فعلى الأرواح الناذرة نفسَها لخدمة الإيمان والقرآن والمتعلقة بها قلبيًّا أنْ تحافظ على آفاق الحبِّ والتسامح في كل مكان، وألا تُغيّر منهجها ولا اتجاهَهَا حتى في مواجهة أدنى وأحقر الاعتداءات التي قد تتعرّض لها؛ ويُشيرُ إلى هذا “يونس أمره” بقوله: “قَابِل الضاربَ بالصَّفحِ، والسَّابَّ بالعفوِ؛ فينبغي ألّا يكونَ الزاهدُ جَزِعًا!”، وأنتم أيضًا يمكنكم أن تستخدموا العبارة نفسها ولكن تغيروا شطرها الأخير ليكون هكذا: “فينبغي ألَّا يكونَ طَالِبُ القرآن جَزِعًا!”. أجل، ينبغي لهم ألّا يكسروا قلبًا وإن كُسرت قلوبهم، وألّا يُؤْلِموا وإن أولِمُوا؛ لأن الذي يتألَّمُ ويتأذَّى باعتبار النتيجة هو القلبُ، والقلب -حتى وإن لم يكن كذلك في الحقيقة- هو عرش الرحمن باعتبار ما فيه من معانٍ كامنة، وبتعبير آخر: فإن القلب يُعتبر بذرة أو نواة تُنبتُ شجرةً، والحقيقة أنه قد لا تُكتشفُ هذه القيمة الرفيعة -التي تعتبر نواةً بالنسبة للبعض- ما لم تبذر في أرضٍ خصبة، وما لم يتوفّر لها المناخ الملائم، وما لم تتعانق مع أشعة الشمس، لذا أربأُ بكم عن التصرّف غير اللائق تجاه هذا المخلوق العظيم الذي خلقه الله كمثالٍ مصغّرٍ لعرش الرحمن.

ويتبادر إلى الذهن حول هذه النقطة مباشرةً تساؤلٌ: “حسنًا، هل يصمت المؤمن أمام الشرور والمساوئ، وكيف يتصدّى لها؟”، أولًا: من الواجب على المؤمن أن يعلم أنه إنما يتصدّى للتصرُّفات والسلوكيّات السيئة لعينها هي لا لِعينِ مرتكبيها، فلا بدّ أن يواجه الجهلَ والإلحادَ والنفاق والتمرّدَ مثلًا كي يزيلَ ما يقتلُ قيمةَ الإنسان المعنويّة من صفاتٍ وما يقهرُها من سماتٍ، وبتعبير آخر يجب على المؤمن أن يشعر في مواجهة ذوي الصفات السلبية بنفسِ القلق والاضطراب والحرصِ الذي يشعر به تجاه أولاده السائرين نحو جرف هارٍ، أو الذين ينزلقون نحو الهاوية، ويتَقطّعَ حزنًا وخوفًا عليهم، وعليه أن يسعى جاهدًا دون كلَلٍ أو مللٍ لإرشادهم إلى الطريق الصحيح بتوصياته وتحذيراته، ويصوِّرُ لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الوضع تصويرًا تمثيليًّا رائعًا فيقول: “مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا، وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي[4].

أجل، إنّ المؤمن الحقيقي رمزٌ للرحمة والشفقة، والسؤالُ يطرحُ نفسَه بنفسِه عليكم؛ هل -باعتباركم مـمّن يمثّل الرحمة والشفقة على وجه البسيطة- إذا رأيتم إنسانًا يتّجه ويندفع هاويًا نحو جهنم تقولون: “فلتذهب نفسك إلى الجحيم! ما دمت تريد الذهاب إليها، فعجّلْ إذًا؟”، أم أنكم تحاولون إثنَاءَهُ عن هذا الطريق السيئ الذي يسلكه فتفعلون مثلما فعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسْعَون إلى إنقاذه من المناخ والبيئة التي هو فيها؟ إن الخَيَارَ الأوّل هو خيارُ مَن اسودّ ضميره وأظلمَ وجدانه، أما الثاني فإنه صفة المؤمن الحق؛ لذا فالتصدّي للأوصاف السيئة كما أنه غايةٌ في الأهمّيّة والنفعِ بالنسبة للإنسانيّة فهو كذلك في غاية الأهمّية لمن ينشدُ رضوان الله تعالى.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعًا من أولئك الملتزمين بالدين حقًّا، الذين تَشَرّبوا الإسلام في قلوبهم صدقًا، وجعلوه ديدنهم، واستمدوا منه هويّتهم، حتى في مواجهة أكثر الحوادث سلبية وسوءًا.

 

[1] سنن الترمذي، تفسير القرآن، 56؛ مصنف عبد الرزاق، 368/3.

[2] انظر: صحيح البخاري، الصوم، 56، أحاديث الأنبياء، 37؛ صحيح مسلم، الصيام، 181.

[3] الطبراني: المعجم الكبير، 84/12.

[4] صحيح البخاري، الأنبياء، 40؛ صحيح مسلم، الفضائل، 17، 19.

المخاطر الثلاثة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ذكرتم فيما سبق أنّ مَنْ يسعون في خدمة الإنسانية على موعدٍ مع ثلاثة مخاطر: إثارة مشاعر الغبطة لدى إخوانهم الذين يُشاركونهم الدربَ نفسَه، وإيقاظُ الكره والحقد لدى المؤمنين الآخرين بسبب الأنانيّة الجماعية، وتحريك مشاعر العداء لدى الخصوم بالتباهي بالأعمال التي تعِد بمستقبل مشرق، فما الأمور التي لا بدّ من مراعاتِها حتى نأمن هذه المخاطر الثلاثة؟

الجواب: رغم أن الغبطة مباحةٌ شرعًا ولا بأس بها إلا أنّ هذا ليس على إطلاقه، بل هو منوطٌ بأسُسٍ ومعاييرَ معيّنة؛ فمثلًا: قد يرى شخصٌ في أخيه مزيةً جميلةً فيغبطه عليها، ويتمنى أن يحظى بالمزيّة نفسها، فلا حرجَ في ذلك بدايةً، لكنّه ومع مرور الوقت ربما ينتقد ذلك الشخصُ القدرَ بشكلٍ ضمنيٍّ فيقول في نفسه: “لماذا لا أكون أنا أيضًا محظيًّا بهذه المزيّة”، وما تفتأ مشاعر الغيرة والحسد حتى تتيقّظ لديه تجاه مَن يغبطه، فإن وقع ذلك فهذا يعني خروجَ الغابط من دائرة المباح، وحوَمانَه حول دائرة الشبهات والمحذورات، وكما أن هذه النوعية من الغبطة محذورة فكذلك القيام بتصرفاتٍ تحرّك مشاعر الغبطة لدى الآخرين محذورٌ أيضًا، فقد أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتقاء الشبهات في حديثه الشريف الذي يقول فيه: الحَلاَلُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ[1].

وهكذا فإن شعور الغبطة الذي من شأنه أن يتحوّل إلى حسدٍ؛ مَثَلُه كَمَثَلِ الوقوف على خطٍّ بين الحلال والحرام، فإذا ما انحرف الإنسانُ قليلًا هَوَى في دائرة الحسد والغيرة؛ ولذا كان هذا النوعُ من الغبطة وما يثيرها من تصرّفات وسلوكيات من الأمور التي يجب على الإنسان أن يتوقّاها، ولقد نبّهنا الأستاذ النورسي رحمه الله رحمة واسعة إلى هذا الأمر وحذَّرَنا في رسالته “الإخلاص” فقال: “لا تنتقدوا إخوانكم العاملين في هذه الخدمة القرآنيّة، ولا تُثيروا نوازع الغبطةِ بالتفاخر والاستعلاء، لأنه كما لا غبطةَ في جسمِ الإنسان بين اليدين، ولا انتقادَ بين العينين، ولا يعترِضُ اللسان على الأذن، ولا يرى القلبُ عيبَ الروحِ، بل يكمّل كلٌّ منهم نقصَ الآخر ويستر تقصيره ويسعى لحاجته… فكذلك نحنُ جميعًا أجزاء وأعضاء في شخصيّةٍ معنويّةٍ”[2].

التنافس: التسابق في الخير

والتنافس -الذي يشبه الغبطة من ناحيةٍ ما- هو عملٌ إيجابي لا حرج فيه؛ ويعني: التسابق نحو النفيس في سبيل الحقّ والحقيقة، وبذل الجهد والنية من أجل عدم التخلّف عن ركب الإخوة الذين يجاهدون ويكابدون في سبيل إعلاء كلمة الله، ولقد دعا القرآن الكريم المؤمنين إلى مثل هذا التنافس في الأعمال الأخروية بقوله: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (سُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ: 26/83).

ففي المسابقات الدنيوية ينجح شخصٌ ويخسر آخرون، وقد يولّد هذا الوضع شيئًا من الاستياء والامتعاض لديهم، أما القلب المؤمن الموقن بالآخرة فإنه ينظر إلى التنافسِ الذي يُبتغى به مرضاة الله تعالى بالمنظارِ القائلِ: “إن إخواني الذين يبذلون جهدهم من أجل إعلاء اسم الله تعالى في كل أنحاء العالم سيُهرعون بمشيئة الله تعالى إلى حوض سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويشربون من يده الشريفة شربةً هنيئةً لا يظمؤون بعدها أبدًا، وهذا أمرٌ يدعوني إلى أن أشارك في هذا السباق حتى لا أتخلف عنهم”، يمكن اعتبار هذه المنافسة الشريفة نتيجةً إيجابيةً للغبطة.

وينبغي في مثل هذا التنافس في الحقّ أن يتحلّى الناذِرون أنفُسَهم للخدمة في سبيل الله بروح التضحية فيما أحرزوه من مكاسب وإن كانوا لا يتشوّفون إلى أيّ أغراضٍ دنيوية كالتقدير والتصفيق والمنصب، وأن يُؤْثِرُوا الآخرين على أنفسهم، وأن تتَّسِعَ صدورُهم لإمكانيّة كسبِ الآخرين هذا السباق، ولا يعزُبُ عن علمِكم المعيارُ الذي وضعه فضيلة الأستاذ النُّورسي لطلب المنصب وهو ضرورة ترجيح التَّبَعِيَّةِ على الـمَتبوعيَّةِ لِـمَا تحمله الـمَتبوعيَّةُ من مسؤوليّاتٍ وتُنذر به من أخطار[3]؛ لأن الريادة والإمامة توقِظان وتثيران مشاعر نفسانية مختلفة، فينبغي للإنسان أن يكون على وعي كبير وحذرٍ بالغ في هذا الأمر، لذا وإن كنتم أكثر الناسِ أهلًا لمنصبٍ ما فعليكم تقديمُ الآخرين على أنفسكم وترجيحُ التبعية على المتبوعيّة.

روح الفتوة والمروءة الممتدة إلى الآخرة

دَعْ عنك التشوّف إلى التصفيق والتقدير الدنيويّ، فلا بد للمؤمن من رحابةِ صدرٍ يكشفُ بها فتوَّتَه ومروءَته ويؤثِر أخاه على نفسه حتى في مسائل الانتفاع بالنعم الأخروية في الدار الآخرة، يُروى أن العلماء والأغنياء الصالحين إذا ما وصلوا إلى باب الجنة رغب كلٌّ منهم أن يتقدّم أخوه عنه، ولعلّه يوجَدُ في مثل هذه التضحية والمروءة من اللذَّةِ والمتعة ما يُحاكي الجنّةَ ونعيمها. أجل، ربما هناك ذوقٌ روحانيٌّ لدنّي يرجُحُ الإمامة عندما ينسلُّ الإنسانُ إلى الخلف كالجماعة التي تصطفُّ وراء الإمام، ويُؤْثِرُ غيره على نفسه.

علينا ألا نضيّق من دائرة خُلق الإيثار. أجل، إننا إن قَصَرْنا الإيثار على الأكل والشرب واللبس، فهذا يعني أننا ضيّقنا واسِعًا، وحجّمنا دائرةَ التضحيةِ الرحبةَ وأزهقنا روحها، بيد أنّ على الأرواح التي نذرت نفسَها في سبيل الحق أن يكون لها موقفٌ ثابت وشجاع؛ يؤهّلها أن تقول: “إنني لا أرغب حتى في الجنة، وإن رأيتُ إيمانَ أمّتِنا في خيرٍ وسلامٍ فإنّني أرضى أن أُحرق في لهيب جهنم؛ إذ بينما يحترق جسدي يرفُلُ قلبي في سعادة وسرور”[4]، وأن تربط خَلاصَها بخَلاصِ الآخَرين، وأن تعمل على استغلال هذه الحياة القصيرة في سبيل الحياة من أجل الآخرين، فإذا ما تقابلَتْ أمام باب الجنة مع ألفٍ ممن كانت وسيلة لهدايتهم قالت بشجاعة: اللهم إني لا أدري هل أدَّيتُ بحقٍّ شكرَ النعم التي أسبغتَها عليّ، وهل كنتُ مخلصًا في الأعمال التي قمتُ بها، اللهم أدخِل إخواني الجنة من قبلي”؛ بمعنى أن على الإنسان أن يمحو نفسه تمامًا في هذه الدنيا وفي الآخرة، وأن يلفت الأنظار إلى غيره على الدوام.

الأنانية الجماعية

أما الأنانية الجماعية فتتغذّى على الأنانيّة الفرديّة والنفس، فقد لا تكفي الأنانية الفردية لبعض الناس الذين يتصارعُون من أجل التعبير عن أنفسهم، فينتمون إلى جماعة معينة، يركنون إليها ويعتمدون عليها، رغبةً في إظهار أنفسهم بقوةٍ، واستغلال قوة هذه الجماعة أو الحركة في الدعاية لأنفسهم، فيؤكِّدون مرَّةً أُخرى على أنانيّتهم، ويحاولون أن يُظهِروا أنفسَهم بسلوكيات وأفعال مختلفة؛ وبذلك يغدون أسرى لأنفسهم وشيطانهم بهذه النرجسيّة والأنانية الجماعيّة الأقوى من أنانيتهم الفردية.

ومهما حاول بعضهم إخفاءَ نواياهُ الحقيقية في غلافٍ من التواضع والمحو إلّا أنّ فطرةَ الإنسانِ تستشعِرُ -بقدرٍ ما- ماهيةَ هؤلاء الأنانيّين؛ لذا فإنّ الأنانيةَ تُفقد الإنسانَ اعتباره وقدره، وتمنحُ الآخرين فرصةَ الاستخفاف به واعتزاله.

وهكذا فإن الذين يتحركون -في كلّ الدوائر من أدناها إلى أقصاها- وفقًا لأنانيتهم الجماعية يثيرون الغبطة أو الحسد في نفوس أتباع الجماعات والحركات الأخرى، ومع الأسف فإنّ أمثِلةً كثيرة يمكننا أن نراها في أيامنا الحالية.

لا سيما إنْ همّ أتباع حركةٍ معينة وصلت إلى بعض النجاحات وجعلوا أنفسهم على رأس الحركة التي ينتمون إليها، ونسبوا إلى أنفسهم كلَّ الجماليات، ورغبوا في أن يُشار إليهم بالبنان على الدوام، وغضّوا الطرف عن خدمات الآخرين، فإن هذا سيؤدي إلى تشكيل جبهةٍ معادية لتلك الجماعة أو الحركة التي ينتسبون إليها؛ لأن هناك مسلمين صادقين عقلاء متحمّسين في كل شريحةٍ من شرائح المجتمع وفي شتى الجماعات والحركات، غير أنه لم يكتب لهم أن يقوموا بعُشر معشار الخدمات التي قام بها الآخرون رغم نزاعهم وسعيهم الحثيث في سبيل الحق والحقيقة منذ أمدٍ بعيد؛ ولذا يشعر هؤلاء الناس بشيء من الاستياء إذا ما أخذ أتباعُ حركةٍ معينة في الحديث عن أنفسهم وعن النجاحات الكثيرة التي حققوها؛ ومن ثمّ فعلى أتباع هذه الحركة التي أحرزتْ هذه النجاحات أن يكونوا على وعي وحذرٍ بالغ حتى يَئِدُوا المشاعر السلبية التي قد تنشأ لدى الآخرين الذين يسعون في مختلف سبل الخدمة؛ فإذا ما تحدّثوا عن خدماتهم نسبوها إلى الدوائر الواسعة بقدر الإمكان.

فمثلًا: قد يأتيكم بعض المنصفين العارفين بالجميل من أتباع الحركات الأخرى ويثنون على ما قمتم به من خدمات، فعليكم حينذاك أن تقولوا لهم: “في الواقع إن كلَّ هذه الجماليات كانت من أمانيكم وغاياتكم المثلى، كنتم تُدنْدنون بها، وتسطّرون ملاحمها طوالَ سنوات، وبذلتم جهدًا كبيرًا في هذا السبيل، فكنتم أنتم أوَّلَ مَن شرع في تقديم هذه الخدمات، ولكن الله تعالى سخّر لهذه المرحلة بعضَ إخوانكم فحقّقوا هذه الغاية المثالية التي بدأَتْ بجهدكم وعزمكم”. 

والحقيقة أنَّ كل إنسان مُنصِفٍ ذي ضميرٍ يُقرُّ بأنَّ لكل جماعة وحركة جهودًا حقيقية مهمةً في انبعاث المجتمع من جديد؛ فترى بعضَهم وقد زانُوا أرضَ الوطن -من أقصاها إلى أقصاها- بِدُورِ ومراكز تعليم القرآن الكريم؛ إذ إنّهم في ذلك الوقت الذي شحّ فيه تعليمُ القرآن جابوا البلاد قريةً قريةً، وقصبةً قصبة، وسعوا في شتّى الأسقاعِ إلى تعليم الناس كتابَ ربّهم جلّ جلاله، والبعضُ رعى الشبابَ واعتنى به عبر افتتاحه مدارس في كل مكان قدرَ استطاعته، أما البعضُ الآخر فقد افتتح المعاهد الإسلامية، وكليات الإلهيات، والمراكز التعليمية، والمدن الطلابية فأسهموا بذلك في الوفاء بمسؤوليّاتهم تجاه الشعب والأمة، إذًا فإن كان ثمةَ انبعاثٌ اليوم بقدر معين، فإنَّه تحقّق بفضل تكاتُفِ الجهودِ المبذولةِ من كلّ الجماعات والحركات، ما ذكرنا منها وما لم نذكر.

وأظن أنكم حين تتناولون المسألة بهذا الأسلوب آنفِ الذِّكْرِ فإنه لن يُخيَّلَ لأيِّ مُنصفٍ أنَّه حُكم عليه بالعدم، أو أنّه هُضِمَ حقّه، أو أنّه لم يُؤبَهُ به؛ وبهذا فإنه لن يرتكب ذنوبًا من قبيل إساءة الظنّ والحسد والغيرة.

الوهم والمخاوف التي تُحَفِّزُ مشاعرَ العداء

 ينبغي للأرواحِ الناذِرَة نفسَها للخدمة في سبيل الله ببصيرةٍ وحكمة أن تتحلّى بروحِ الشجاعة والمروءة التي تنسِفُ الهمومَ والمخاوفَ نسفًا، وليس ذلك تجاه بيئتها الصديقةِ فحسب، بل وتجاه مَنْ أتوا بتصرّفاتٍ وحركاتٍ عدائية ضدها لعجزهم عن مشاركتهم المشاعرَ والأفكارَ ذاتها، يقول “حافظ الشيرازي” حول هذا الموضوع: “نَيلُ الراحة والسلامة في كلا العالمين توضّحه كلمتان: معاشرة الأصدقاء بالمروءة والإنصاف، ومعاملة الأعداء بالصفح والصفاء”، فإن كُنَّا مؤمنِينَ وندينُ بأنّ الشفقةَ مبدأٌ من مبادئنا الأساسيّة فإنَّه يَتحتَّم علينا أن نتصرّفَ تجاهَ الجميعِ برحمةٍ ولينٍ، إضافةً إلى أنه يجب عليكم -من أجل استئصالِ أوهام مَن يتخوَّف ويقلقُ من المستقبل- أنْ تُبيّنوا بشتّى الوسائل أنكم لا تنشدون أي غرضٍ دنيويّ في المستقبل وأنكم لا تَتَغيّونَ شيئًا آخر سوى الرضا الإلهي، حتى إنَّه ينبغي أن يُردَّد ذكرُ تلك الحقائق ويُكرَّرَ بلغةٍ واضحةٍ وصوتٍ جَهْوَريٍّ تسمعه الدنيا بكلِّ عوالمها.

دَعْكُم من التشوّف إلى حكمِ بلدةٍ ما أو دولة ما، فإننا لا نطمح حتى إلى زعامةِ قريةٍ، وكلُّ هَمِّنا وغايتُنا الوحيدةُ هي: أنْ يُسمعَ اسمُ الله واسمُ النبي صلى الله عليه وسلم في كلّ أرجاء المعمورة، وأن تنهلَ الإنسانيّة التي خُلقت مكرَّمةً من مناهل الفضائل التي جاء بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتُبلَّغَ القلوبُ اسمَ الله الجليل؛ فيرفرف فيها كالراية، وإننا نطرد من أذهاننا كل الأفكار التي تخالف هذا، ونطرحها إلى أبعد ما يكون، بل وإن أقبلت علينا الدنيا بكل مفاتنها فإننا نَــركُـلُ السلطنة الدنيوية بأطراف أقدامنا، لأنّنا نسعى إلى اقتفاء أثر سيد السادات محمدٍ صلى الله عليه وسلم خطوةً خطوةً، ونتأسّى به قولًا وعملًا، إذ رفض الدنيا التي تمثلت له، يقول: “هَذِهِ الدُّنْيَا مُثِّلَتْ لِي فَقُلْتُ لَهَا إِلَيْكِ عَنِّي![5]، وذلك لأننا نطلب رضا الله تعالى الأعظم والأكبر من محاسن هذه الدنيا الجذابة الكذّابة، والفانيةِ بكلّ ما فيها مِنْ مفاتنَ، والواقعُ أن عدم صُدورِ أو وجودِ أدنى إشارة أو علامة منا تستدعي قلقَ أو تخوُّفَ بعضِ الطوائف والشرائح في ثقافاتٍ وفي مناطق جغرافية مختلفة جدًّا ليؤيدُ ويؤكّدُ -بكل وضوحٍ- فكرتَنا وقناعتنا هذه.

ومع أن هذه هي الحقيقةُ إلّا أنّهُ يجبُ التأكيدُ على هذه الأفكار في كلّ مناسبةٍ وموقفٍ، وإلا فإنْ التزَمْنا الصمتَ ولم نَقُل أيَّ شيء في هذا الشأن؛ فلربما يتبَنّى بعضُ المخلصين الذين يُحسنون النيّة قناعاتٍ وآراءً خاطئة من عند أنفسهم إذا ما نظروا إلى تطوّر الخدمات التعليمية وأنشطة الحوار؛ فيُخيّمُ عليهم القلقُ والمخاوف… فإذا كان للمقرّبين منكم -الذين يقفون عن يمينكم وشمالكم أثناء الصلاة- أن ينغلقوا على مجموعةٍ من الأفكارِ الخاطئة حيالكم؛ فلكم أن تتصوّروا مدى القلق الذي يمكن أن يَشعر به أولئك الذين يُعادونكم ويجهلون عالمكم الداخلي ولا يعلمون أن غايتكم اليتيمة هي ابتغاء رضا الله تعالى، ومن هذه الناحية فإن الأرواح الناذرَةَ نفسَها للخدمة في سبيل الله -بدءًا من طفل السابعةِ إلى شيخ السبعين أو حتى من هو أكبر- عليها أن تتذكّرَ دائمًا وأبدًا أنها لا تضع في حسبانها أيَّ شيء مستقبلي بشأن السلطنة الدنيوية ولا تطمح إليها ولا إلى ما يمكن أن تحقّقه من إمكانات، وينبغي لهم أنْ يَنْأَوا بأنفسهم عن كل قولٍ وفعلٍ وتصرُّفٍ وسلوكٍ قد يُثِيرُ لدى أهلِ الدنيا -الذين يرون الدنيا كلَّ شيءٍ ويتعلّقون ويربطون حيواتهم بها فحسب- الخوفَ من فقدان الإمكانيات الدنيوية.

 

[1] صحيح البخاري، الإيمان، 39؛ صحيح مسلم، المساقاة، 107.

[2] انظر: سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، دستوركم الثاني، ص 221-222.

[3] انظر: سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة العشرون، السبب الرابع، ص 211.

[4] سعيد النورسي: السيرة الذاتية، ص 492.

[5]  البيهقي: شعب الإيمان، 113/13 ؛ الحاكم: المستدرك، 344/4.