التيقّظُ والحَذَرُ

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما الأمور التي يجب الحذرُ منها والتيقُّظُ لها في طريق الخدمة الإيمانية؟ وكيف ينبغي أن يكون هذا التيقُّظ؟

 الجواب: التَّيَقُّظُ من اليقظة بمعنى الصحوة والإفاقة والتنبّه، ولفظُ “التيقّظ” فيه معنى التكلّف لأنه من صيغة “تَفَعُّل”؛ ولذا يُقصد به: أكملُ انتباهٍ وأبلغُ دقّةٍ وأعمقُ تعمُّقٍ وأعلى حساسيةٍ وأسمى درجات الحيطة والحذر، كما يمكننا أن نعرّفه بأنه: إيقاظُ جميع الملكات الشعوريّة والفكرية -فضلًا عن البصريّة- حيال استقراء الحوادث، وتشخيصها تشخيصًا سليمًا، وعدمُ الاقتصار على التأويلات والتقييمات التي يوحي بها رأيٌ واحدٌ أو شعورٌ واحدٌ، وفحصُ ومراجعةُ الرؤى والقرارات في كلّ مسألةٍ مرةً تلو أخرى… فالإنسان المتيقّظ هو الذي يرى نفسَه كطيّارٍ يُدرك أنّ أيّ خطإٍ أو خللٍ يصدر منه مهما كان صغيرًا يُمْكِنُ أن يوديَ به وبمن معه إلى السقوطِ والهلاك؛ يرى ذلك فيأخذُ بمجامع الحيطة والحذَرِ دائمًا حتى لا يتردّى أو يسقط.

 التيقّظ في عهدٍ ساد فيه النفاق

إن التيقّظ بالنسبة للأرواح التي نذرَتْ نفسها لخدمة الإيمان والقرآن يحمل أهمّيّةً خاصة في هذا العصر الذي استحكمَ فيه النفاق، ومن ثَمّ فعلى تلك الأرواح بدايةً أن تحسنَ استقراءَ الزمن الذي تعيش فيه، وتعملَ على تحليل الظروف الراهنة تحليلًا سليمًا، وتتعرّفَ جيّدًا على خصومها الذين جُبلوا على العداوة، ولا يغرنّها قربهم منها فإنهم يستترون وراء ستار النفاق على هيئة دوائر متداخلة؛ ومهما فعلتْ الأرواح المتفانية وبذلت وسعَها حتى لا تَظهرَ كجبهةٍ مبارزة ومناهضة فإن هؤلاء الذين طارَ صوابُهم حسدًا وغيرةً قد يتحكّمون بتلك الأرواح، فيبثّون نيران مشاعرهم العدائيّة في شتى دوائر الحياة أعلاها وأدناها، بل إن هؤلاء الذين أَسَرَهُمُ الحقدُ والغِلُّ يتربصون بهم الدوائرَ.

أجل، ينبغي لهذه الأرواح أن تعيَ ما تحمِلُهُ على عاتقها من مهمّةٍ جِدّ حسّاسةٍ، وأن تتمتّع مع كل انطلاقة أو خطوةٍ تخطوها بشجاعةٍ باهرة لا تُقهَر، وعقيدةٍ راسخة لا تتزعزَع، وثباتٍ على الطريق المستقيم، وإلى جانب هذا كله؛ عليها أن تضع حسابًا للتخريبات التي قد تصدُرُ عن الجبهات المعادية نتيجةَ فَوَرَانِ غيظِها وتفجُّرِ حِمَمِ حقدِها وكُرْهِها، وإلا تسبّبت في أخطاء وإخفاقات تضرُّ بالحركة التابعة لها، لذا فإن اتّخاذ الحيطة والحذر والدقّة البالغة في هذا الأمر يُعدّ عمقًا وبعدًا من أبعاد التيقظ.

والواقع أن القلب المؤمن يحسب ويُفكّرُ لِغَدِهِ كما يَحْسِبُ ويُفكّرُ لِيَومِهِ، ولا يتقيّد بحاضره فحسب، ولا ينبغي له ذلك؛ لأنّ الحسابات اليومية أو المرحليّة لم ولن تقتلعَ أيّ مشكلةٍ من جذورها، فمنذ عدة عصور وتُطرح الحلول غير الجذرية لمشاكل العالم الإسلامي، وتوضع السياسات اليومية المؤقتة للمشاكل العملاقة دون جدوى، ولذا فإن من يحسبون أن السياسات اليومية المؤقّتة قادرةٌ على حلّ المشاكل في بلادهم والعالم الإسلامي وجَعْلِه عنصرًا من عناصر التوازن الدولي، ومحطَّ أنظار العالم وموضعَ تقديرِهِ فقد خَدعوا وانخدَعوا.

أجل، إننا إذا ما نظرنا نظرةً موضوعية إلى ذاتنا كمجتمع لألفينا أنْفُسَنا غيرَ قادرين على التحديد التام لعِلَل آلامنا الممتدة منذ عصور، ولم نستطِع تشخيصَ الداءِ تشخيصًا سليمًا، فضلًا عن وصف الدواء وصفًا حكيمًا.

لذا فعلى القلوب المؤمنة في زماننا أن تسير متيقّظة كالعيون الساهرة وليس كالذي يسير أثناء النوم، وأن تنظر بشموليّةٍ إلى الحوادث، وأن تُقلّبَ النظرَ كرّةً بعدَ أخرى في كلّ خطوةٍ تخطوها، وأن تراجع مرّةً أخرى كلَّ عملٍ تقوم به، وأن تعالجَ المشاكل كإنسانٍ تيقّظَت كلُّ ملكاتِهِ الشعوريّة والفكريّة بتمامها، والأحرى أنّ عليهم أخذَ الحَذَرِ عند نماءِ أيّ طقطقةٍ إلى مسامعهم وكأنهم جنود الوطنِ المرابطون على حدوده، وأن يحتاطوا في كلّ لحظةٍ تحسُّبًا لأيّ خطر، وأن يستعدّوا دائمًا لمكافحة السلبيات بما في أيديهم من حلولٍ متاحة.

 التيقّظ حيالَ النجاحات

ومن جانب آخر: فإنّ ممّا منّ الله تعالى به على الذين يسعون لخدمة الإنسانية في يومنا هذا ابتغاء مرضاته أن جعلَهم مبلِّغين للحقّ والحقيقة في شتى ربوع العالم، فإن لم نحتَطْ لهذا الأمر فلعلّنا -معاذ الله- نقع في الغفلة ونَنْسُبُ إلى أنْفُسِنا من النجاحات ما يجب عَزْوُهُ إلى الذات الإلهية، أجل، علينا أن نوفّيَ إرادتنا حقّها إلا أن الإرادة شرط عاديٌّ لتحقّق شيءٍ ليس إلا، والحقيقةُ أنّ الخالق هو، والصانع هو، والفاعل هو، والذي يجعلُ الشتاءَ ربيعًا هو، والذي ساقنا إلى كل هذه الجماليات هو سبحانه وتعالى؛ ولذا فلا يصحّ أن تدور بِخَلَدِنا أفكارٌ من قبيل: “نحن فَعلْنا، نحن صَنعنا”، بل يجب أن نعتبر كلّ جمالٍ نحصل عليه لطفًا وتفضّلًا منه سبحانه وتعالى، وأن ننسب النعمة إلى صاحبها الحقيقي، أخذًا بمبدإ التحدّث بالنعمة، والحقّ أن مثلَ هذا التصرّف الحذِرِ كفيلٌ بتوالي مزيدٍ من النِّعَمِ الإلهيّة تترى؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: 7/14).

فضلًا عن ذلك علينا أن نتجنّب بقدر المستطاع الغلوَّ والإطراءَ الزائدَ في نعْتِ أصدقائنا الذين يُشاركوننا الدرْبَ نفسه؛ لأننا قد نوقعهم في عشق المقامات التي يُحْسِنُ الناسُ فيها ظنهم، وبذلك ندقّ أعناق أصدقائنا بأيدينا دون وعي منّا، حيث إن استخدام عبارات المدح والثناء في حقّ مَن نُحسِنُ الظنّ بهم قد يثير شعور الغيرة لدى آخرين ممن يشاركونكم الطريق ويتقاربون معكم في المنهج، وقد يسوقهم ذلك إلى الحقد والحسد، فكلّما طافت ألسنتكم بعبارات المدح والثناء حولَ شخصٍ تحبُّونه أثَرتُمْ في الآخرين شعور الإنكار والجحود تجاهَهُ، وبذلك يكون جزاؤُه منكم الإساءَة له بدلًا من الإحسان إليه، لذا فالصدقَ الصدقَ، والحذرَ الحذَر مع بعضكم البعض، وإياكم ومَذْقَ الإطراءِ والإطنابَ في التقريظِ لمن تُحبُّون، وعلينا أن نسعى دائمًا لنكون صادقين أوفياء مع بعضنا، وبدلًا من أن ننعت فلانًا بالولاية وفلانًا بالقطبية ندعو الله قائلين: “اللّهم لا تحرمنا من الصدق والوفاء لإخواننا!”.

والحاصل أنكم إن كنتم تحملون حبًّا جمًّا وشوقًا صادقًا لشخصيّةٍ معيّنةٍ فعليكم أن تُعَبّروا عن حبّكم وشوقكم بالعمل على تحقيق الغاية المثاليّة التي أرشدكم إليها في إطار الكتاب والسنة، أما الإطنابُ في إطرائه أمام هذا أو ذاك فمِن شأنه أن يُثِيرَ حقد وكره الآخرين له، وبذلك تكونون قد أسأتم له وأنتم تُريدون الإحسان إليه، وهكذا فإن مراعاة الدقّة والحساسيّة في الحديث عن كبارنا الذين نُكِنّ لهم كل تقدير واحترام يُعدّ بعدًا آخر من أبعادِ التيقّظ على طريق الخدمة الإيمانية.

 

سؤال: ماذا يعني التيقّظُ بالنسبة للطامحين إلى السياحة في أفق القلب والروح؟

الجواب: قد يركن “السالكُ طريقَ الحقِّ” إلى الرجاء حيال ما يَرِدُه من وارداتٍ وهباتٍ أو ما ينهال عليه من تجلِّيات عامة تتحقّق في أحوال ومقامات معينة؛ فيدخل في نوعٍ من الشطح والتحرّر، فثمّة حاجةٌ ماسّة جدًّا إلى التمكين والتيقّظ في مثل هذه النوعية من الأحوال التي تمثّل ابتلاءً وامتحانًا بالنسبة “للسالك”، فالله جلّ جلاله يمتحنكم بتدفُّقِ الإحسان والجماليّات، ويمُنّ عليكم بما يساوي الجوهرَ قيمةً، فإن فرحتم كالأطفال بهذه الهِباتِ والنعم ونسيتم في خضمّ ذلك صاحبَها فإنكم حينئذٍ ترسبون في الامتحان، لذا فالواجبُ على الأعين في مثل هذه الأحوال -التي تُمْطِرُ عليكم فيها الإحساناتُ وابلًا صيّبًا- أن ترى صاحب تلك النعم وتَرقُبَه ولا تحيد عنه، وأن تجيشَ القلوبُ بها من باب “شكر المنعم” فحسب، وعلى حدّ قول فضيلة الأستاذ سعيد النورسي فإنه ينبغي لنا عند شكر أيّ مُحسن إلينا ألا نتجاهل مَنْ أرسله. أجل، إن الإنسان العازم على السياحة في أفق القلب والروح يحتاج دومًا إلى التمكين والتيقّظ الحقيقي كي يستطيع الحفاظ على التوازن اللازم أمام الهِبَاتِ والوارداتِ التي يحظى بها.

 “لستُ أنشدُ شيئًا سوى رضاك!”

إن الجانب المتعلِّق من هذه المسألة بالأرواح التي نذرت نفسها في يومنا الحاضر مختلفٌ قليلًا؛ لأنهم -وبحسب مقتضى مسلَكِهم- لا ينشدُون مثل هذه المقامات المعنويّة، وإنَّ الأستاذ النورسيّ بعد أن بيّن أن الهدفَ الأسمى للإنسان هو الإيمان بالله، ثم معرفة الله التي تنشأ من الإيمان، ثم محبة الله التي تنبع من معرفته جل وعلا؛ أضاف إلى ذلك “اللذة الروحية”[1]، بيد أن ثمّةَ أمرًا دقيقًا يجب الانتباه إليه ههنا ألَا وهو: أن الثلاث الأُول ممّا ذُكر أعلاه “إراديٌّ” بمعنى أن على الإنسان أن يبتغيها بإرادته، وبتعبير آخر: فإنكم تُوَفُّون إرادتكم حقّها كشرطٍ عاديّ في الحصول على الإيمان بالله ومعرفة الله ومحبة الله، وتتوسّلون وتطلبون وتبحثون وتتجوّلون في عوالم الأوامر التكوينيّة، وتُراعون الأوامرَ التشريعيّة، وتذكرون الله وتتفكرون، وتبذلون قصارى جهدكم في ذلك، أما بالنسبة لمسألة اللذة الروحية فإنها ليست “إراديّةً” بالمعنى نفسه، أي لا تُطلَب بالإرادة، وإنما قد يَهَبُ الله تعالى مثل هذا الفضلِ لمن يسلكون طريقَ الإيمان والمعرفة والمحبّة، إلّا أنكم إن طلبتموها بدايةً، وربطتم بها الإيمانَ بالله ومعرفةَ الله ومحبةَ الله فهذا يعني أنكم خفّضتم سقف مطالبكم وابتغيتم من النتائج ما هو ضئيلٌ وصغير، أمّا إن ربطتم عبوديّتكم برضاه وتوجّهه فحسب فهذا يعني أنكم ارتقيتم أفقًا تعجزُ الدنيا عن تقييمه أو وزنه، بل وتُستَقَلُّ وتَتَضَاءَلُ اللذة الروحية إلى جانبه، ومن هنا فإنه لا ينبغي الخلطُ بين “الإرادية واللاإرادية”، وعلينا أن نحثّ الخطى دائمًا خلفَ ما هو إراديّ وأن نُوَفّيَ الإرادةَ حقّها في هذا الموضوع، فإن كان الشيء غير الإراديّ قد مُنَّ به علينا وَهْبًا خارجَ إرادتنا ودون طلبٍ أو رغبةٍ منّا فلا بدّ لنا من مقابلة ذلك بالشكر والحمد، والتعبير عن شعورنا بالمنّة والامتنان، والتحدث بنعمِ ذي الجودِ والإحسان.

إن الإلهام والكشف واستقراء ما في نفس الإنسان والإحساسَ بالحوادث قبل وقوعها والانفتاحَ في الرُّؤَى على عوالم مختلفة… كل هذه الأحوال والمقامات ليست أساسًا أو هدفًا يُبتغى؛ فنحنُ نسلكُ طريقَ الصحابة رضوان الله عليهم، فهم الذين لم يلتفتوا إلى هذه النوعية من الخوارق التي قد تجد النفسُ الأمّارةُ إليها سبيلًا، ولم يُلْقُوا لها بالًا؛ وإنّهم إذ أجرى الله على يدِ بعضهم بعضَ الكرامات مثل الإحساس بالشيء قبل وقوعِهِ، وإجراء الحقّ على لسانهم؛ إلا أنهم لم ينشدوا الكشف والكرامات قطّ؛ فلم يتغيَّوا سوى غاية يتيمة؛ ألَا وهي الحصول على الرضا الإلهيّ؛ ولذا فإنه يجب علينا نحن كذلك أن نتحرّك في هذا الفلك، فإن حظينا نحن أيضًا ببعضٍ من الهبات والواردات دون أن نطلبها وجب علينا أن نقابلها بقولنا: “إلهي! نعمةٌ لم أكنْ أنا الحقيرُ أهلًا لها، فما سرُّ هذا اللطفِ والإحسان؟!”، وأن نخافَ كونَها نوعًا من “الاستدراج”، وأن ترتعِش فرائصُنا خوفًا ووجلًا، وربما ينبغي لنا أن نقول عقب ذلك: “ربي! كنتُ أريد أن أُحبّك أنت فحسب حبًّا ولِهًا، وإنّي لأطلبنَّ لقاءَك مثل المجذوب، فإن كنتَ منحتَني هذه الأمورَ لتبعثَ فيَّ الشوقَ والغيرةَ فلكَ الحمدُ والشكرُ والثناءُ الحسنُ ألفَ مرّةٍ ومرّة! غيرَ أنني لا أطلب شيئًا آخر سوى رضاك”.

 

[1] انظر: سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب العشرون، المقدمة، ص 271.

 

ابتغاءُ الكمال في الأعمال

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: يقول الحقّ سبحانه وتعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 3/5)، ففي هذه الآية ربطَ الحقُّ سبحانه وتعالى رضاه بالأكملية والأتميّة، فما هي مناطات تحقيق مثلِ هذه الأكملية والأتميّة المرجوّة؟

الجواب: إن الإسلام عبارةٌ عن حِزمةٍ من القِيَمِ التامّة الكاملة التي لا يشوبها نقصٌ ولا قصور، ومن شأنها أن تلبّي متطلبات كلِّ المجتمعات مهما تنوّعت وتعاقبت إلى قيام الساعة، ومن ثمّ فعلى أتباع هذا الدين الخاتم الذي بلغ الله به حدَّ الكمال والتمام أن ينشدوا الأكمليّة والأتمّيّة في كلِّ شيء؛ أي أن يتحرّوا الدقة والكمال في أداء وظائفهم ومسؤولياتهم؛ حتى يتسنّى لهم الحصولُ -بالمعنى التام الكامل- على خير النتائج وأفضل الجماليات التي وعدهم بها دينُهم، فهذا هو سبيلُ أفق الرضا الإلهيّ، والآية صريحة في هذا المعنى.

“كلُّ خطإٍ وإخفاقٍ بسببي أنا!”

وإنّ تحقُّقَ أفق الرضا هذا متوقّفٌ على شروطٍ؛ أولها: أن يكون لدى الإنسان نيةٌ صافية وعزيمةٌ عالية موجهتان لاستغلال جميع الإمكانيات والقدرات التي وهبها الله له استغلالًا تامًّا على الوجه الأمثل والأكمل؛ فبعض الناس يمتلك نداوةَ الصوت، وبعضهم يمتلك مهارة القيادة والإدارة، وبعضهم يُجيدُ الكتابة والتأليفَ أو الكلام الجميل… لذا فعلى كلِّ شخصٍ أيًّا كانت قدراته ومهاراته أن يستغلّها إلى أقصى حدٍّ حتى يتسنّى له التعبير عن الحقّ والحقيقة، فإن لاحت في الأفق بعضُ الأخطاء والعيوب فعليه أن يفتّش عن عيب نفسه لا عن عيب غيره، وأن ينسبهما إلى نفسه مجتهدًا في البحث عن سبلٍ لتلافيهما.

ويجب على من وهبَ نفسه لخدمة الإيمان والقرآن -بغضِّ النظرِ عن الوظيفة التي يقوم بها في شتى مجالات الحياة- أن يعتبر نفسَه مسؤولًا عن عدم بلوغ هذه الوظيفة درجةَ الكمالِ والتمام والإتقان، وأن ينسب إلى نفسه كلَّ مشكلة تحدث.

والحق أن العبدَ لو قال في نفسه: “لـم أستطع أن أؤدّي بحقٍّ المسؤوليّةَ الملقاة على عاتقي، لقد قصّرتُ في هذه الوظيفة حتى باتت لا تؤتي ثمارَها باطّراد على الوجه الأمثل، وإنّ ما اقترفتُهُ من أخطاءٍ هو السبب في ذلك”، فهذا القول يُعَدّ توبةً ضِمنيّة، بل إنابةً أو أوبةً حسبَ اتساعِ قلبه وعمقِ مداركه، ولا شكّ أن الله تعالى يستجيب بلُطفه وكرمه دعاءَ مثلِ هذا القلب المهموم، وسَيُنعم عليه -إن شاء- بمزيدٍ من فضله وعنايته حتى يتدارك ما وقع فيه من أخطاء.

ولكن إن نظرَ الإنسانُ بِعينِ الكمالِ إلى كلّ أعماله، واعتقد أن أفعالَه معصومةٌ عن أيِّ قصورٍ أو خللٍ، وأنَّ خططَه ومشروعاتِه بلغت من الدقةِ والكمالِ درجةً يكاد أن يكتشف بها حتى السموات، ثم عزا كلَّ الأخطاء إلى أنَّ مَنْ حولَه لا يصغون لكلامه ولا يفقهونه ولا يطيعونه؛ فإنّ هذا هو عينُ الهذيان الفرعوني القائل: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ (سُورَةُ النَّازِعَاتِ: 24/79)، إلا أن التعبيرَ عنه جاء بأسلوبٍ مختلِف.

نعم، فلا بدّ من التناسب الطرديّ بين ما يقوم به الإنسان من أعمال وبين محاسبة النفس عما يصدر منها من زلّات وهفواتٍ، ولا بدّ أن تتعمّق المحاسبة أكثر فأكثر كلّما ازدادت أعباءُ الوظيفة؛ بمعنى أنه كلّما ازدادت الدوائرُ المتداخلة التي يعمل الإنسانُ في إطارها كلّما كان عليه أن يعزو لنفسه شتّى الأخطاء والإخفاقات التي تقعُ في أيّ دائرة منها؛ فينبغي له أن يُفتّشَ عن الأسباب في طيّات نفسه، وأن يحمّلها مسؤوليّة ذلك كلّه، لأنّها لم تستطع أن توثِّقَ صِلتَها بالله جلّ في عُلاه، ولأنّها لم تستشعر الإسلام بكلّ جوانحه، ولم تستوعبِ الدساتير التي وضعها سيّد الأنام صلّى الله عليه وسلّم، ولم تُقيِّم الظروف التي تعيشُ فيها، ولم تتعرّف جيدًا على الخصوم.

كلُّ جمالٍ منه، وكلُّ خطإ وقصورٍ مِنّا

والحقّ أن القرآن الكريم قد وضع دستورًا واضحًا في هذا الأمر، والآية التالية تُغني عن كثيرٍ من الكلام، يقول تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (سُورَةُ الشُّورَى: 30/42).

وهنا يُبيّنُ الحقّ تعالى أن ما يقعُ من أخطاء وثغراتٍ ناجمٌ عما رنتْ إليه أعينكم، وسمعتْ به آذانُكم، وعالجته عقولُكم، وتشدّقت به أفواهُكم، وأمسكتْ به أيديكم، وخطَتْ إليه أرجلُكم، وعبّرتْ عنه مشاعرُكم… إلى غير ذلك من الأمور التي تتنافى والغايةَ من الخلق، ويعفو الله عن كثير.

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ[1] ، مشيرًا إلى أن الإنسانَ بفطرته مهيّأٌ للخطإِ وعُرضةٌ له، لكن المهم هو أن يعيَ خطأه فيعمل على تداركه، فنجد حتى الخلفاء الراشدين يلومون أنفسهم بعبارات مثل: “ليتني فعلتُ هذا، وددتُ أنِّي لم أفعل هذا…” أجل، لقد كان هؤلاء الخلفاء العظام يحاسبون أنفسهم، ولا يستنكفون عن كشف بعض الأخطاء التي اعترتْ أعمالَهم -عِلمًا أن أخطاءهم وهم المقربون حسناتٌ بالنسبة لغيرهم-.

استقراء الحوادث بشكل صحيح

ينبغي للإنسان أن يعتقد بأنّ المحن والمصائب التي تُلمُّ به إنما هي من عند نفسه، حتى وإن لم تكن مرتبطة من جهة ظهورها بإرادته وحتى إن لم يَتعمّدها أصلًا؛ فمثلًا عليه ألا يعتبر الشوكة التي يُشاكُها في قدمه أمرًا عرضًا أو صدفةً إن جاز التعبير، بل عليه أن يعتقد أنها نتيجة عيوبه وأخطائه الشخصيّة، وللتوضيحِ والتمثيلِ أَسُوقُ الحادثة الآتية فأقول: “إن لكم صديقًا يحقن نفسه بالإنسولين مرتين أو ثلاثًا يوميًّا، فإنه إنْ سقطت من يده حافظةُ إبرة الحقنة فعلّلَ ورَبَطَ ذلك بأنه “لم يبدأ باسمِ الله تعالى” قائلًا: “إلهي! لو أنني بدأتُ باسمك لَـمَا سَقَطَتْ هذه من يدي”، وكذلك أيضًا لو أصابت الإبرة عصبًا أو شعيرةً دمويّةً في بدنه أثناء الحقن فسال منه الدمُ عَزَا الأمرَ إلى انحرافاته وعدم استقامته في الفكر وعجزِه عن الصلة بالله تعالى والارتباط به؛ هذا هو التصرّف والسلوك الواجب علينا اتخاذهُ وانتهاجه تجاه الابتلاءات والمصائب، فالإنسان إنْ لم يؤمن بأنّ ما يصدر من نقص أو خلل أو عيب نابعٌ من نفسه ولم يسائِلْها عن ذلك؛ عجز -مدى حياته- عن التخلُّصِ مطلقًا من سوء الظنّ واتّهام الآخرين، بل إنه يظنّ دائمًا أنّ من حوله من الناس هم مَنْ يُـحَوّلُ تصرّفاته وسلوكيّاته الإيجابية إلى سلبية ويُعرّضُ أعماله للخطر، ونظرًا لعجزه عن رؤية عيوبه وإدراكِها فهو عن تدارُكِها وتلافيها أعجزُ.

هذا وإنّ الإنسان الذي يُدرك أخطاءه ويعِيها يفكّر في الأمر مليًّا كلّما واجهته حادثة سلبيّة، ويبدأ في البحث والتنقيبِ عن سُبُلٍ بديلة تكفلُ سلامتَهَ من الوقوع في الخطإِ نفسِه مجدّدًا. أجل، إن الإنسان الذي يَعتبر أنّ الفشلَ والخطأَ نابعٌ من ذاته يتحرّك لاحقًا في إطار المنطق والعقل كي لا يقع ثانيةً في المشكلة ذاتها، ويسعى لاتخاذ جميع التدابير اللازمة، فمثلًا: إنّ الإداريَّ الذي يتولّى إدارةَ وتوجيه مجموعةٍ من الناس، إذا ما نشبَتْ خلافاتٌ بين أفرادِ مجموعته فإنّه سيأخذُ الدروسَ ويستقي العِبَر من ذلك، ويدرس جميع الاحتمالات حتى يمنعَ تكرُّرَ المنغّصات نفسِها مرةً أخرى، ويُنتجُ حلولًا متعدّدةً تحسُّبًا لأيّ طارئٍ محتمَل؛ أي إنّ الخططَ والمشاريعَ التي يضعها ويُقرُّها ستحتوي من البداية على حلول بديلة متعدّدة ومختلفة لمواجهة المشكلات المحتمَلَة.

الرجوع إلى العقل المشترك

هناك مبدأٌ مهمٌّ يكفُل تحقيقَ الأعمال كاملةً وتامّةً كما خُطِّطَ لها، ويحمي الإنسانَ من الوقوع في الخطإ والزلل، ألا وهو “الرجوع إلى العقل المشترك”، وقد بيّنَ سلطان الكَلِمِ صلى الله عليه وسلم أنه “مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ”[2]، انظروا: إن سيدَنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رغمَ أنه مؤيّدٌ بالوحي ومرتبطٌ بما وراء السماوات، فإنه يُخضِعُ كلّ أمر للمشورة والرأي؛ إذ كان يستشير أصحابه مــمّن علّمهم هو صلى الله عليه وسلم ماهيّة الدين والحقّ والحقيقة والمشورة. أجل، كان يُنحّي رفعته وتفوُّقَه المطلقَ جانبًا، ويشاور أصحابه بشأن المشكلات والنوازل بصفته واحدًا منهم، لقد كان سيّد السادات صلى الله عليه وسلم يُفعِّل هذا رغم أنّه معصومٌ من الخطإ؛ إذًا فإن أفضل الطرق لتقليل احتمالية الوقوع في الخطإِ من أمثالنا من البشر -الأكثر عرضة للخطإ والزلل- هو إحالة المسائل والقضايا والنوازل إلى نظر العقل المشترك.

وإنّ الفرد والمجتمع اليوم ليعيشُ في مواجهة مباشرة مع سلسلة من المشكلات، فإن لم تُعْمِلوا آليّة الاستشارة التي تستطيع أن تحُلّ أعتى المشكلات المستعصية وتُفَعِّلُوها، فإنكم ستقعون تحت وطأة سلسلة من الأخطاء، ثم يُداخلكم إحساسٌ بالذنب، فتبحثون حولكم عمن ارتكب هذا الذنب، وفي النهاية لا يبقى قلب حولكم إلّا وقد حطّمتموه، ولا إنسان إلّا وقد أغضبتموه، ورغم أنّ الذنب والقبحَ من عند أنفسكم فإنكم لا تفتؤون تتّهمون مَنْ حولكم، وتُزعْزِعون ثقتهم بكم؛ فتُبعِدونهم عنكم وتُنَفِّرُونهم منكم، وكما قال الشاعر:

لا تدوم الدولة والملك لأحد

ولا الفضة والذهب ولا العيش الرغَد

أما الفن والمهارة فإصلاحُ قلبٍ خربٍ

هكذا علَّمَنا الأحدُ الفردُ الصمد

لو بقي الذهب والفضة لأحد ونَفَعَاهُ لكان قارون أولى بذلك، ولكنه خُسف به الأرضَ مع خزائنهِ، وليس هذا فحسب، بل إنّ الناسَ سيظلّون يخسفون به الأرضَ معنويًّا كلّما قرؤوا قول الله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (سُورَةُ القَصَصِ: 81/28-82)، ومن هنا فإن الفن والمهارة والحذقَ الحقيقي في إصلاح القلوب لا في تحطيمها، وكما يقول “يونس أمره”:

جئنا لنُشَيّد القلوب ونبنِيها لا لنهدمــــها أو نُفنيــــــــــــها

أجل، إن وظيفتنا هي إصلاح القلوب وعلاجها لا هدمها وتخريبها، لذا فعلى الإنسان ألا يَنسِبَ إلى الآخرين ما ارتكبه هو من أخطاء، وألّا يتّهمهم بما قارَفَهُ من زلّات؛ فهو بذلك يحطّم ويهدم قلوبًا كان ينبغي له أن يُشيّدها ويبنيها.

 

[1] سنن الترمذي، القيامة، 49؛ سنن ابن ماجه، الزهد، 30.

[2] الطبراني، المعجم الأوسط، 365/6؛ المعجم الصغير، 175/2؛ القضاعي، مسند الشهاب، 7/2.

 

النفس المطمئنّة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: إن من جملة الصِّيَغِ التي أوصانا النبيّ صلى الله عليه وسلم أن ندعو بها قوله: “اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ نَفْسًا بِكَ مُطْمَئِنَّةً، تُؤْمِنُ بِلِقَائِكَ، وَتَرْضَى بِقَضَائِكَ، وَتَقْنَعُ بِعَطَائِكَ”[1]، فما الذي يمكن أن نفهمَه من لفظة “النفس المطمئنة” الواردة في هذا الدعاء الشريف؟

الجواب: إنّ الحديث حول النفس المطمئنّة يتطلّب استطرادًا بعض الشيء، يقول النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: “أَعْدَى عَدُوٍّ لَكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ[2].

وهنا يشيرُ النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن النفس هي ألدّ أعداء الإنسان؛ وعليه أن يتعهّدها بالمجاهدة والتزكية على محور الدقة والحذر، وكما هو معلوم لـمّا رجع النبي صلى الله عليه وسلم من جهاده مع المشركين قال: “قَدِمْتُمْ مِنَ الْجِهَادِ الأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الأَكْبَرِ“، قَالُوا: وَمَا الْجِهَادُ الأَكْبَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: “مُجَاهَدَةُ الْعَبْدِ هَوَاهُ[3]؛ لأنّ مجاهدةَ الإنسان لعدوٍّ خفيٍّ بين جنباته يتحيّن الفرصة للهجوم عليه لهو أصعبُ كثيرًا من جهاد العدوّ الذي يراه عيانًا بيانًا أمام عينيه، ومهما بلغت الصعوبات المادّيّة التي تتخلّل جهاد الأعداء من تضاربٍ واقتتالٍ فثمّة احتماليّةٌ للظفر بالغنائم أو ما شابهها من مكتسَبات آجلةٍ بوقوع النصر، غير أنّ ما يجنيه الإنسان من مجاهدته لنفسه وغلبته عليها وقهرها لا يدركه غالبًا في الوقت الحاضر، وإنما يفوز به في الآخرة، والحال أن الإنسان بطبيعته يطمع في الثواب الآنـيّ العاجل كما قال ربّنا سبحانه وتعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ (سُورَةُ القِيامَةِ: 20/75-21).

أجل، إن الإنسان بطبيعته يريد أن يحصل على نتيجة سعيه وجهده على الفور، وأن ينال أجر عمله على وجه السرعة، وعلى ذلك فالجهاد من أجل إعلاء كلمة الله وإن كان كبيرًا بحدّ ذاته إلا أنه يظلّ صغيرًا مقارنة بالجهاد الأكبر، وإنّ المجاهدةَ التي نتحدّثُ عنها تكون لأُولى مراتب النفس وهي “النفس الأمارة بالسوء”: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (سُورَةُ يُوسُفَ: 53/12).

النفس اللَّوَّامة

كما هو معلومٌ فإن النفسَ التي هي ألدّ أعداء الإنسان وإن كان من شأنها أن تأمر بالسوء إلا أنّها مهيّأةٌ أيضًا للتبدّل والترقّي، ولو أنّنا أحسنّا تربيتها وتزكيتها لتحوّلت إلى مطيّةٍ تقرّب الإنسانَ من الله وتجرّه نحو الفلاح، ومثالُ تبدُّلِ ورقيِّ النفس قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (سُورَةُ القِيامَةِ: 2/75).

فالنفس هنا هي تلك التي خطت الخطوة الأولى وحقّقت الانطلاقة الأولى في مثل هذا التبدّل والترقّي، وهي التي تلوم صاحبَها على ما أصابه من خطإٍ أو ارتكبه من معاصٍ، فتحاسبه وتجعله يبحث عن سبلٍ للخلاص ممّا ترّدى به من دركات اللوثيات، أو عن أسبابٍ أخرى للكفاح حتى لا يتكرّر سقوطه في نفس الأخطاء والمعاصي مرّة أخرى، وتسوقه إلى التوبة والاستغفار، وإنّ تخلُّصَ الإنسانِ من أسارة نفسه الأمارة، وانتقالَه إلى مرتبة النفس اللوامة له أهميةٌ بالغة في تزكية النفس وترقّيها؛ لأن هذه الخطوة هي نقطة انطلاقٍ أُولى على سلّم مراتب النفس الأخرى، فلا يتحقق ارتقاء الإنسان تدريجيًّا إلى النفس المُلْهَمة، ومنها إلى النفس المطمئنة، وإلى النفس الراضية، فالنفس المرضية، وصولًا إلى النفس الصافية أو الزكيّة إلا بالانتقال أوّلًا من النفس الأمارة إلى النفس اللوامة، وكما أن الزاوية الصغيرة في مركز الدائرة تشكّل زاوية كبيرة في محيطها فكذلك هذه الانطلاقة وإن كانت صغيرة في المركز إلا أنّ لها أهميةً كبيرة بالنسبة للنفس، كما أنها صعبةٌ بقدر أهميتها؛ لأنه لا بد من تغيّرٍ معين حتى تتحقّق مثل هذه الانطلاقة؛ وبتعبيرٍ آخر لا بدَّ من محوِ القديم ووداع الماضي والإعراض عن الإلف والعادة، وسلوك طُرُقٍ جديدة.

وهكذا فإن النفس التي تلوم صاحبها على ما اقترفه من أخطاء وما ارتكبه من معاصٍ، وتتوجّه دائمًا إلى الله بقولها ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 23/7)، وتكشف عن إرادتها وعزمها على عدم التردي في هذه الذنوب مرةً أخرى؛ إن استمرت على مكافحتها ومجاهدتها فإنها ترتقي إلى مرتبة النفس المُلْهَمة التي تخفق وتحلّق في سماء أفق القلب والروح.

النفس المُلْهَمة

والنفس الملهمة هي التي قطعت كلّ السبل أمام أنواع الشرور متوجّهةً إلى ربها عزّ وجلّ في حركاتها وسكناتها، وتتجلّى فيها المواهب الإلهيّة بقدر ما فيها من الصفاء والنقاء والطهارة، وإن الله ليُلهِمُها الحسنى والطيّبات وما يُفضي إلى رضوانه جلّ جلاله، وهو القائل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سُورَةُ العَنْكَبوتِ: 69/29)، ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (سُورَةُ الشَّمْسِ: 7/91-8).

النفس المطمئنّة

والنفس المطمئنّة هي التي بلغت أوجَ الكمالات في أفق الإيمان والعرفان، وأغلقت الأبواب وأوصدَتْها دون كلِّ الأشياء ما عدا رضا الله تعالى ومرضاته، فلم يكن لها أيّ تشوُّفٍ آخر، يقول جل وعلا: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (سُورَةُ الفَجْرِ: 27/89-30).

مثل هذه النفس تعيش دائمًا في توجّهٍ إلى الله، وتستغلّ كلَّ دقيقةٍ أو ثانيةٍ من عمرها في سبيل الفوز برضا الله، وترضى دائمًا بقضاء الله تعالى وقدره؛ إذ إنّ إحساس الإنسان بالرضا في نفسه عن الإجراءات الإلهية لهو مؤشِّرٌ على رضا الله تعالى عنه أيضًا؛ وعلى ذلك يرى بعضُ المحقّقين أن النفس الراضية والنفس المرضية بمثابة جناحين مفتوحين للنفس المطمئنة، فمثل هذا الشخص الذي يرضى عن الله ويرضى الله عنه لا يُفرّقُ بين الجفاء إن كان من جلاله والوفاء إن كان من جماله، فكلاهما صفاء بالنسبة له، فضلًا عن ذلك فإن هذا الإنسان على اعتبار أنه من أبطال “هل من مزيد؟” يحاول ويسعى إلى أن يزيد معرفته دائمًا وأن يكون قريبًا من ربه بناءً على قربه سبحانه وتعالى منه، وذلك بتخطّي المسافات التي تبعده عنه.

النفس الراضية

نلاحظ أنّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب في دعائه المذكور آنفًا نَفْسًا مطمئنّةً أوّلًا، ثم طلب لها أوصافًا يمكننا أن نسمِّيَها أعماقَ تلك النفس أو أجنحَتَها التي تُحلِّقُ بها في الآفاق الربانية.

وبعدَ أن طلب النبيُّ صلى الله عليه وسلم من ربه “نفسًا مطمئنّةً” أعقبَ ذلك مباشرةً بِطَلَبِ أن تكون هذه النفسُ “مؤمنةً بلقاء الله المحتوم عاجلًا أم آجلًا” بقوله: “تُؤْمِنُ بِلِقَائِكَ”؛ لأن إيمانَها بأن الطريق الذي تسيرُ فيه سيُوصلُها إلى الذات الأبدية لا محالة، وتحرُّقَها رغبةً في لقاء الله وشوقًا إليه، وانشغالَها بذلك سيُلقي في أعماق الإنسان طمأنينةً راسخة لا تتزعزع.

ويرغبُ النبيُّ الأكرم صلى الله عليه وسلم بقوله: “وَتَرْضَى بِقَضَائِكَ” أن تملكَ النفسُ المطمئنّة صفةَ الرضا بقضاء الله تعالى، ومع أنَّ بعض العلماء عَرّفَ القضاءَ بأنه: تحديد الحقّ تعالى الأشياءَ وفقًا لـ”التعيُّنات”؛ فإن معظمَ علماء أصول الدين يرون أنّ القضاء هو: إنفاذُ ما قُدِّر وكُتب في لوح المحو والإثبات إذا ما حان وقته.

والحوادث التي يتعرّض لها الإنسان طوال حياته قد تكون حسنة، وقد تكون سيّئةً بالنظر إلى ظاهرها، إلّا أنّ الإنسان يستطيع بِنِيّتِه أن يُحوِّلَ كلَّ ما قَدَّره الله تعالى له إلى خير كامل؛ فإن استقبلَ -مثلًا- المحنَ والمصائبَ بالصبرِ والرضى، وقرن كلّ نعمةٍ ونجاحٍ بالحمدِ والشكرِ فقد نجح في توجيه هذا كله إلى ما يعود بالنفع عليه، لكن إن كان يتشكَّى ويسبّ القدرَ وعابه كلما أصابه “جفاءٌ من جلاله تعالى”، وأنكر الجميل وجحد كلما أصابه “وفاءٌ من جماله تعالى”، وإن زعمَ أنه أُوتي ما أُوتِيَ على علمٍ عنده؛ صار هذا شرًّا وضرًّا بالنسبة له، أي إن كونَ النعمة أو النقمة خيرًا أو شرًّا بالنسبة للإنسان أمرٌ مرتبط ومرهونٌ بموقفه تجاهها، والحاصل أنَّ رضا الإنسان عن كلِّ ما قدَّره الله جلّ جلاله وقَضَاه بحقّه أمرٌ في غاية الأهمّيّة.

النفس المرضيّة

وأخيرًا يطلب سيدُنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله تعالى بقوله: “وَتَقْنَعُ بِعَطَائِكَ” القناعةَ والقبولَ بكلّ شيءٍ قدّرَه له، ومَنَّ بِهِ عليه، وثمّةَ موضعٌ يجدرُ بالإنسان ألا يقنع عنده، بل عليه أن يحرص عليه ويستزيد منه، ألا وهو الإيمانُ بالله تعالى وطلبُ رضاه سبحانه؛ ويلزمه أن يتصرّف بشغفٍ وهوسٍ وحرصٍ شديدٍ طلبًا لرضا الله تعالى، وألا يقنع أو يتوقّف عن طلب المزيد من ذلك، وبتعبير آخر؛ فإنْ كان ثمّة موضعٌ الطمعُ فيه والحرصُ محضُ عبادةٍ فهو محبةُ الله ورسوله. أجل، ينبغي للإنسان ألّا يكتفي أبدًا بما يتحصّل عليه وهو يسير في درب الرضا الإلهيّ، وعليه دومًا أن يستزيد من طلب رضاه تعالى قائلًا: “هل من مزيد، هل من مزيد؟” إلّا أن الأساس فيما يتعلّق بالأمور الخاصّة بالدنيا والبدن والجسمانية هو القناعة بِقضاء الحقّ تعالى وقَدَرِهِ، وهذه صفةٌ أُخرى من صفات الإنسان الكامل الذي أبحرَ نحوَ عالمِ “النفس المطمئنّة”.

يطلب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحق تعالى هذه الأمور المهمة كلَّها في دعائه هذا صباح مساء، ولا ريب أنه يطلب هذا كلَّه ارتباطًا بأفقه الفسيح وطلباته الخاصة السامية النبيلة، فإنْ قيّمنا طلباته هذه من زاوية ضحالتنا وأهدافنا البسيطة؛ فقد ارتكبنا حماقةً وأسأنا الأدب معه صلى الله عليه وسلم وصِرنَا وكأننا نحاول إنزاله إلى مستوانا الوضيع نحن، إلّا أنّه ينبغي لنا أن نستفيد مما طلبه سيدُنا رسول الله  صلى الله عليه وسلم من أمورٍ في دعائه، ونتّخذه دليلًا وهاديًا لنا، وفي دعائه هذا يُعلي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الهمّة إلى أقصى درجاتها؛ فيُعلِّمُنا بذلك أن نطلبَ الذروةَ دائمًا والمعالي أبدًا، ومن ثمّ فينبغي لنا ألا تَضْعُفَ همَمُنا أو تَفْتُر أبدًا، بل علينا كذلك أن نشحذ همَمَنا وإرادتنا دائمًا، فعلوّ الهمّة من الإيمان، ونسعى ونجتهد طلبًا لرضا الله جلّ جلاله بنفسٍ مطمئنةٍ مؤمنة حتى آخر نفس من أنفاسنا.

النفس الزكيّة أو الصافية

وهذه هي ذروة سنام الأمر وغايته، وهي مرتبة المقرّبين، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (سُورَةُ الشَّمْسِ: 9/91)، وإن السالك حينما يتدرّج على سلّم مراتب النفس مرورًا بالمطمئنة وغيرها ويصل إلى هذه المرتبة العالية فإنه يُحسّ بخفقان أجنحة الملائكة من حوله حتى لكأنه يتجوّل في الآفاق الملائكيّة، ولن نتعدّى الحقيقة إن قلنا:

إن الإنسان حينما يبلغ هذه القمّة يغدو مخلوقًا أعلى من الملائكة.

 

[1]  الطبراني: المعجم الكبير، 99/8.

[2]  الديلمي: مسند الفردوس، 408/3.

[3]  البيهقي: الزهد، 165/1.

 

روح الإرشاد والثبات على الحق

Herkul-ARB | | العربية

 

سؤال: يقول فضيلة الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي: “إن ما في المصدر من قدسيّةٍ هي التي تحضّ جمهورَ الأمة والعوام على الطاعة وتسوقهم الى امتثال الأوامر أكثر من قوّة البرهان”[1]، فما معنى هذا الكلام؟

الجواب: يُقصد بجمهور الأمة والعوام هنا مَن لا درايةَ لهم بالعلوم الإسلامية، المقلّدون في حياتهم الدينية، المتعذّر عليهم النفوذ إلى روح الدين، فمثل هؤلاء الناس يجهلون غالبًا الأدلة العقلية والمنطقية والفلسفية، أو لا قدرةَ لهم على معرفتها؛ فالاستنباطاتُ العلميّةُ يصعبُ عليهم سبرُها، والعلومُ الوضعيّةُ يعانونَ في فهمِ مُعطياتِها، ومن ثمّ فلا جدوى من مخاطبتهم بالأدلة العقليّة والفلسفية، وهذا ما يُحتّم علينا إذا أردنا أن نحدّثهم عن أيّ حكمٍ شرعيٍّ فرضًا كان أم حرامًا، مباحًا كان أم مندوبًا، أن نقول لهم: “إن القرآن الكريم قد حكم بهذا في هذه المسألة، أو إن السنة الصحيحة تُقَرِّر هذا…”، فهذا الأسلوب هو الأكثرُ فعاليةً وإلزامًا بالنسبة لهم؛ لأن القرآن والسنة مصدران قدسيّان متينان في نظرهم -وهما بالفعل كذلك- لا بدّ من الاعتماد عليهما والامتثال لهما.

لذا يجب علينا في الحديث إلى العوام أن نبتعدَ عن التحليلات الفقهية والقواعد الكلّية، وأن نُعطي الأولويّة للآيات القرآنية وأقوال النبيّ صلى الله عليه وسلم وأفعاله؛ وبتعبيرٍ آخر: علينا أن نربطَ المسائل التي نرغب في الحديث عنها بحياة النبي صلى الله عليه وسلم بأن نقول مثلًا: “كان سيد السادات عليه ألفُ ألفِ صلاةٍ وسلامٍ يتعامل هكذا، ويجلس هكذا، ويقوم هكذا، ويأكل هكذا، ويشرب هكذا… إلخ”، فهذا الأسلوب من شأنه أن يكون أكثر إقناعًا وتوجيهًا.

نعم، إن المصدر الأساسَ هو الكتاب والسنة، ومع ذلك فقد نالت بعضُ الشخصيّات العظيمة ثقةَ الناس واحترامَهم؛ نظرًا لأن حياتهم كانت تتمحور حول الكتاب والسنة، ولا تحيد عنهما قيد أنملة، فصارت تُعتبر -بمعنى ما- مصدرًا نسبيًّا بالنسبة لمخاطبيها.

ثباتُ العلماء على الحقّ

 يُروى أن الإمام أبا حنيفة النعمان عليه رحمة الله جلس بين يديه آلاف الطلّاب وكان بعضُهم من أمثال الأئمة أبي يوسف ومحمد وزُفر، كما كان يغشى حلقتَه الدراسيّةَ أيضًا العوام والعديدُ من الناس رغم أنهم كانوا لا يستوعبون تمامًا كلّ ما يُقال لهم، حيث كان من العسير عليهم فهمُ القضايا العلمية التي يُحدِّثُهم الإمام بها، ومناطاتها، ومبادئ أصول الفقه الخاصة بها، ومنهجية الاجتهاد، ولكنّ قُربَ هذا الإمام من ربّه وتبعيّته لنبيه صلى الله عليه وسلم وثباته على طريق الحقّ قد أحدث تأثيرًا أقوى من آلاف الأدلة في قلوب هؤلاء الناس.

وكذلك كان الإمام الشافعي والإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنهم جميعًا؛ لم يتخلّ هؤلاء الأئمة قطُّ عن مواقفهم الثابتة على طريق الحقّ، فحافظوا على مستوى الشموخِ في مواقفهم إلى أن انتقلوا إلى الرفيق الأعلى. أجل، قُيّد الإمام الشافعي بالسلاسل بأمرٍ من الحكام المسلمين وأُتي به إلى بغداد من أجل استجوابه، ولكن لما رأى مَن حوله غزيرَ علمِه وعمقَ معرفَتِهِ أعرضوا عن أذاهم له، وأكبروه وعظّموه، كما زُجّ بالإمام أحمد بن حنبل في السجن وضُرب بالسياط وتعرّض للإيذاء الشديد، ومع ذلك لم يُغيّر موقفَه قطّ، وإذا ما نظرنا لاحقًا إلى الإمام الغزالي رحمه الله لألفيناه رجلًا راسخًا لا يحيد عن الحقّ قيد أنملة، يستهلك كلّ طاقاته ليبعثَ روح التجديد في أعماق الأمة عبرَ شروحٍ تتناول القضايا الدينية بشكل جديد ومنظارٍ فريد… وإنّ جمهور الأمّة والعوام لما شاهدوا هؤلاء العلماء وشهِدوا مواقفهم الثابتة على الحقّ اتخذوهم مرشدين لهم جديرين بالاقتداء والاتّباع.

الثبات على الاستقامة في الدعوة إلى الحقّ

ولقد سارَ بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله رحمةً واسعةً على نفس الطريق وذاتِ المنهج؛ فحاول أن يكون صوتَ عصرِهِ وصداه، وسعى إلى أن يقيمَ صرح الإيمان مجدَّدًا بما جاء به من أدلةٍ عقلية ومنطقية وعلمية يواجه بها الضلالات الناجمة عن العلوم والفلسفة، واجتهد في عرض الإسلامِ عرضًا يتوافق مع العقول وينسجم مع الأرواح والمشاعر، ولو نقَّبتم ومحَّصتم فيما صاغه من أفكار لتوصلتم إلى الكثير من الدرر واللآلئ في أعماقها، كما أنكم إذا ما ألقيتم نظرةً على كتابه “الملاحق” لتَعَرَّفْتُم على ما وضعه من دساتير تعصم أتباعها من الزيغ والانحراف وتُنير الطريق أمام من يبغي خدمة الإيمان والقرآن، وإنه -رحمه الله رحمةً واسعة- وإن لم يُدبّج مؤلفًا من مؤلّفاته التي تحار دونها العقول إلا أنّ موقفه الثابت الذي حافظ عليه في حياته التي تخطّت عتبةَ الثمانين عامًا كان يروي غُلّة الكثيرين. أجل، كان رحمه الله يعبّر عن هذه الحقائق التي لا تسعها المجلدات بثباته وشموخه.

وقياسًا على الواقع فإن عوامّ المؤمنين قد وثقوا منذ أمدٍ بعيدٍ بهؤلاء الفضلاء الذين بلغوا هذا المستوى من التوجه إلى الله، واطمأنّوا إلى كلامهم وأفعالهم فاتبعوهم واقتدوا بهم، غير عابئين بالاستدلالات العقلية والقياسات المنطقية، متّخذين من مواقف هؤلاء موقفًا لهم، ومن وجهتهم وجهةً لأنفسهم.

الانبعاث في أفق القلب والروح

ظهرت حركات الانبعاث والتجديد في أزمنةٍ مختلفة على أَضْرُب متفاوتة، بيد أن نجاح عمليّة التجديد في المجتمع كان محصورًا بمن اتجهوا إلى عالمهم الداخلي، واستغرقوا في محاسبتهم لأنفسهم، وعاشوا وفقًا لأفق أرواحهم، وقضوا عمرهم في فلك الحياة القلبية والروحية، ولم يكن النجاح حليفًا لأولئك الذين أهملوا أفق القلب والروح، واكتفوا بعقلهم ومنطقهم فحسب، وأخذوا يحدّثون الناس بعلمٍ يعوزه العمل.

لقد كان أبطال القلب والروح يربضون خلف حركات الانبعاث والتجديد، ويمكننا أن نمثّل لهذه الأنفاس الباعثة على الحياة بعددٍ لا حصر له من أرباب القلوب على اختلاف مشاربهم ومسالكهم؛ فهؤلاء العظام نذروا أنفسهم في سبيل الحقّ، دون تشوّفٍ أو تفكيرٍ إلى أيّ أجرٍ دنيويٍّ أو في أيّ ثمرةٍ تُجنى من العمل، بل ربّوا في المحيط الذي شكّلوه حولهم رجالَ قلبٍ وروحٍ أعظم ممن تُرَبُّونهم وتُعَلِّمُونهم في ألفِ مدرسة من مدارسكم.

ولا يُفهم من كلامي أنه لا بدّ من غَلق الباب دون العلم والحقائق العلمية، أو أن العلم والحقائق العلمية غير صالحَين بالنسبة لنا، فلا جرم أن العلم وسبلَ تحصيله والحقائق العلمية تُعدّ مقوماتٍ مهمّةً لانبعاثنا من جديد، أما ما نتحدّث عنه هنا فهو ما تُحدثه قدسيّةُ المصدر من تأثيرٍ بالغ الأهمّيّة؛ لأن هذا أمرٌ يتخلّله الصدق والإخلاص والقرب من الله والارتباط به والولاء له، وإنّ هذه العناصر لتحوي أسرار التأثير العميق في نفسِ المخاطب.

 

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، اللوامع، 826؛ المكتوبات، نوى الحقائق، 572.

 

التشاركية في الأعمال الأخروية

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: تطرق الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي في مؤلفاته إلى أن إجمالي الثواب الناتج عن التشارك في الأعمال الأخروية سيُكتَبُ بتمامه في دفتر حسنات كلِّ فردٍ شارك في هذه الأعمال، فما الشروط التي ينبغي مراعاتها لنيل هذه البشرى وذاك الثواب؟

الجواب: تكلّمَ الأستاذ بديع الزمان رحمه الله رحمة واسعة بشكلٍ جليٍّ واضح حول مسألة التشاركية في الأعمال الأخروية، وذكر أن كلّ فرد في الخدمة الإيمانية والقرآنية سيتشاركُ مع الآخرين فيما أحرزوه من ثواب[1]، ولا أذكر أنني صادفتُ قبلَ الأستاذ النورسي أحدًا تناول هذه المسألة بهذا القدر من الوضوح والبيان، لا في كتب التصوّف ولا التفاسير ولا غيرها من المؤلّفات الإسلاميّة الأخرى، حتى وإن تطرّق بعض العلماء الأجلّاء من القدامى والمعاصرين إلى هذه المسألة إلا أنّ بيانات الأستاذ النورسي حولها تفرّدت بكونها غايةً في الجلاء والوضوح.

إن ميقوله بديع الزمان رحمه الله ليتناسبُ تمامًا مع لطافةِ العالم الميتافيزيقي النوراني؛ لأن الأشياء النورانيةَ تنعكس بعينها، فلو افترضنا أن هناك مصباحًا في غرفة بها أربع مرايا موزعة على الجدران، فلا شكَّ أن ضوء هذا المصباح سينعكس بعينه على جميع المرايا في نفس اللحظة، وهكذا فإن الثواب الحاصل عن الاشتراك في الأعمال الأُخرويّة سيُكتب كاملًا بفضلٍ من الله وعنايته في دفتر أعمال كلّ مشاركٍ في هذه الأعمال.

وجهةُ نظرٍ تعتمد على القرآن والسنة

وبدهيٌّ أنّ الأستاذ النورسي استقى هذه الأفكار من المبادئ الأساسية للقرآن والسنة؛ لأننا إذا ما نظرنا إلى القرآن الكريم المعجزِ البيان والسنة النبوية الشريفة سنجدُ أنّ توفيق الله تعالى مرهونٌ بالوفاق والاتفاق، وأن الأعمال التي تخيّم عليها روحُ الوحدة والتضامن تُكافأُ بثوابٍ وبركةٍ من نوعٍ خاص، فمثلًا يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 103/3).

ويقول تعالى في آيةٍ أخرى:

﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (سُورَةُ الأَنْفَالِ: 63/8).

وهكذا تشير هاتان الآيتان إلى أن النجاح والتوفيق اللذين يصبّان في مصلحة المجتمع يعتمدان على الوفاق والاتفاق بين المسلمين.

إن التشاركيّة في العمل وسيلةٌ لإحراز كثيرٍ من النجاحات العظيمة حتى في الأعمال الدنيوية، وإليكم هذين المثالين اللذين ضربهما الأستاذ النورسي رحمه الله:

المثال الأول: قام عشرة من صُنّاعِ إِبَرِ الـخياطة بعملهم، كلٌّ على انفرادٍ، فكانت النتيجة ثلاثَ إبرٍ فقط لكلٍ منهم في اليوم الواحد، ثم اتفقوا على العمل حسب قاعدة “توحيد الـمساعي وتوزيع الأعمال” فأتى أحدُهم بالـحديد والآخر بالنار وقام الثالث بثقبِ الإبرة، ثمّ أدخلها أحدهم إلى النار وبدأ الآخر يحدّها، وهكذا دواليك… فلم يذهب وقتُ أحدهم سدًى، حيث انصرف كلٌّ منهم إلى عملٍ معيّن فأنـجزه بسرعة، لأنه عملٌ جزئيٌّ بسيطٌ أوّلًا، ولاكتسابه الخـبرةَ والمـهارةَ فيه ثانيًا، وحينما وزّعوا حصيلةَ جهودهم رأوا أن نصيبَ كلٍّ منهم في يومٍ واحد ثلاثـمائة إبرة بدلًا من ثلاث إِبَر.

والمثال الثاني: اشترك خـمسةُ أشخاص في إشعال مصباحٍ زيتي، فوقع على أحدهم إحضارُ النفط، وعلى الآخر الفتيلة، وعلى الثالث زجاجة الـمصباح، وعلى الرابع الـمصباح نفسه وعلى الأخير علبة أعواد الثِّقاب… فلمّا أشعلوا الـمصباح أصبح كلٌّ منهم يتمتّع بمصباحٍ كامل، فلو كان لكلٍّ من أولئك الـمشتركين مرآة كبيرة معلّقة بـحائط، لانعكس في مرآته مصباح كامل من دون تـجزُّؤٍ أو نقصٍ[2].

نم، الاشتراكُ في الأعمال الدنيوية يُفضي هكذا إلى سهولة العمل وحصول البركة فيه، ومن يُدرك هذا يستطعْ أن يعيَ بطريق الأولى كيف أن البركة والفيوضات تحفّ الأمور الأخرويّة النورانيّة الشفّافة جرّاء ارتكازِها على مبدإ التشاركية.

ومن هنا نقول: إن إجماليَّ الثواب الناتج عن الخدمات الجليلة التي تحقّقت اليوم بفضلٍ من الله وعنايته في أنحاء العالم وفي كلّ مناحي الحياة ستنعكس وتُسَجَّلُ بتمامها -بسرّ التشاركيّة في الأعمال الأخروية- في دفتر أعمال كلِّ فردٍ هَرْوَلَ وسعى في هذا السبيل؛ بمعنى أن كلَّ فردٍ في هذه الدائرة الواسعة سيستفيد مِن سعي وجهد الملايين مثله، وعلى ذلك فإن تجاهلَ الثواب العام والتكالبَ على المصالح الفردية والرزوحَ تحت الأنانية وأغلالِ الكبر والغرورِ يعني الحرمانَ من هذا الثواب الجزيل؛ لأن الإنسان مهما كانت قابليّاته وقدراته، حتى وإن كان على مستوى دهاء خمسين من العباقرة فلن يمكنه وحده أن يقوم بخدمةٍ دائمةٍ ونافعةٍ للإنسانية في هذا العالم، ولن يحوز أيضًا هذا الأجرَ الأخرويَّ الجزيل.

جوهر العمل: الإخلاص

وإننا إذا ما ألقينا نظرةً إجماليّةً على ما ذكره الأستاذ النورسي في هذا الصدد سنرى أن ثمّة شروطًا خاصّةً لاستحقاق مثل هذا الثواب الجزيل، وهذا يدعونا إلى أن نسأل أنفسنا: ما الوضع الذي ينبغي لنا أن نكون عليه في هذه الخدمات التي نحاول أن نرعاها ونلتفّ حولها؟ وكيف نسير في هذا الطريق معًا؟ وكيف نتآلف ونتّحد معًا حتى نحظى بذلك الثواب؟.

لقد وضع الأستاذ النورسي مبدأ “التشاركيّة المبنية على سرّ الإخلاص” شرطًا أوّليًّا لإحراز مثل هذا الثواب، والإخلاص هو: أن يكون الأمرُ الإلهيّ هو الدافعَ إلى العمل لا غير، وأن لا ينتظر الإنسانُ لعمله ثمرةً سوى رضا الله سبحانه وتعالى، ثم يترك جَنْيَ ثمار هذا العمل إلى الآخرة، ولذا فإن الـمُخْلِصَ الحقيقيّ في الأمور الأخرويّة لا يهمّه سوى إنجاز الخدمات الخيرية، بغضّ النظر عمّن يقوم بها، سواء أقامَ بها هو أو غيرُه، وبتعبير آخر: المهمّ هو أن نئنّ أنينَ الناي مع القلوب المهمومة التي تخفق معًا فتبعث النشوة في قلوب الناس، أو أن نشكّل جوقة نبلّغ بها الحقّ والحقيقة إليهم، ونوصّلهم إلى الحضرة الإلهية بأن نجعلهم يعيشون أشكالًا من “الوجد”، و”القلق”، و”الهيمان”.

فإذا كان هذا هو المقصد والهدف، فعلى الإنسان أن يشعر بسعادةٍ عارمةٍ عند تَحَقُّقِ الغاية المنشودةِ بغضّ النظر عمّن حقّقها، بل عليه أن يسعدَ وكأنّه هو مَن حقّقها، ويضرب الأستاذ النورسي مثالًا في هذا السياق فيقول: “جاءني “الحافظ علي”، وقلت له: “إن خطّ الأخ “فلان” أجودُ من خطّك وأنه أكثرُ منك عملًا ونشاطًا”، وإذا بي أجد أن الحافظ علي يفتخر بإخلاصٍ وصدقٍ بتفوّق الآخر عليه، بل التَذَّ بذلك وانشرحَ؛ وذلك لأن الآخر قد تقدّم عليه في الخدمة في سبيل الله، ولقد راقبتُ قلبه وأمعنتُ فيه بدقّة، وعلِمتُ أنه ليس تصنّعًا قطّ، بل شعرتُ أنه شعورٌ خالصٌ”[3]، فيا له من مثالٍ جميلٍ ومحفّزٍ على التشاركيّة في الأعمال بسرّ الإخلاص!.

وبالشكلِ نفسِه يُشبّه الأستاذ بديع الزمان هذه المسألة بحَملِ كنز عظيم ثقيل والحفاظِ عليه، ويقول بضرورة أن يُسَرَّ حامِلُو هذا الكنز العظيم من اشتراك غيرهم من الأقوياء الساعين إلى مساعدتهم. أجل، ينبغي أن يأخذ كلّ واحدٍ منّا بطرفٍ من هذا الكنز فيساهم في حمله، دون أن يفكّر أبدًا من أيّ طرفٍ أمسكَ فحملَ، وما دام لكل مشتركٍ في حَمْلِ الكنز نصيبٌ منه فإنه ينبغي لكل فرد أن يفيَ بحقّ العمل الواقع على عاتقه فيما يتعلّق بهذا الكنز وألا يُخاصِمَ أو يُشاحِنَ أحدًا.

أما النجاحُ والوصول إلى سرّ الإخلاص هذا فلا يتحقّق إلا بالانسلالِ من صبغة النفس والأنانيّة، والاصطباغِ بروح الجماعة، ثم الافتخارِ بمزايا الأصحاب؛ فالحقيقة أن مَن ارتبط قلبيًّا بالخدمة الإيمانية والقرآنية ينبغي له ألّا ينسى أبدًا أنّه ينشد مسؤوليّةً ووظيفةً مهمّةً جدًّا تفوق وتسمو فوق كلّ مظاهر الشهرة والألقاب والنياشين، بل إنّه لو قيل لِـمَن هو على وعيٍ وإدراكٍ بالطريق الذي يسير فيه: “هنيئًا لك… أنتَ فعلتَ كذا وكذا”، لكان الجوابُ: “لا أتذّكر، ولا أظنّ ذلك، لقد اجتهد الأصدقاء وسعوا كثيرًا، وربّما أنني كنتُ موجودًا بينهم في تلك الأثناء”، وهذا هو سرّ الإخلاص ومقياس التشاركيّة الذي تحدّث عنه الأستاذ.

روح الأخوّة والتضامن

لقد لفتَ الأستاذُ الأنظارَ إلى “التساندِ المبنيّ على سرّ الأخوّة” باعتباره الشرط الثاني للاستفادة من التشاركيّة في الأعمال الأخرويّة؛ إذ إنّ التساند والتعاضد يتحقّق حيث توجدُ الأخوّة، ذلكَ أنّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما كان يتحدّث عن رابطة الأخوة بين المسلمين لفت الانتباه إلى العلاقة التي بين أعضاء الجسد الواحد، فقال: “مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى”[4]؛ فالأعضاء تشعر بالسّهَرِ والحمّى إن أصاب أحَدَها ضررٌ أو ألمٌ وتستجيبُ له بأن تشاركه حالَه تلك، والأمر كذلك تمامًا بالنسبة للمؤمنين؛ إذ ينبغي لهم أن يُكَوِّنوا رابطةَ أخوّةٍ حقيقيّةٍ صادقةٍ فيما بينهم كتلك التي بين أعضاء الجسد الواحد؛ فإذا ما حدث أيُّ حادث في المجتمع الإسلاميّ تأثّرَ كلّ واحدٍ منهم بذلك وتألّم له.

أجل، إن القلوب المؤمنة التي نذرت أنفسها للحقّ يجدر بها أن تتعاضدَ وتتساندَ مثل أحجار القبّة كي لا تتهاوى فتسقط، عليها أن تتكاتَفَ مع بعضها، وألا تسمح بِتَعثُّرِ أيٍّ من رفاق الدرب طوال الرحلة التي يقومون بها، فإنْ توحَّدَ كلُّ رجال الخدمة في إطار هذا الفهم وصاروا جسدًا واحدًا، وعاشوا الحالة الروحيّة نفسَها، ووصلوا إلى الوحدة والتعاون الحقيقي فلسوف تفيض حسنات الملايين على دفتر كلِّ فردٍ منهم على نحوٍ مستقلٍّ دون أن ينقصَ من أجر أحدهم شيءٌ.

التحرّك والسعيُ وفقًا للعقل الجماعي

الشرط الثالث هو “توزيعُ المساعي المبنيُّ على سرّ الاتحاد”؛ أي اقتسام الأعمال والمسؤوليات والوظائف والمهام المطلوب إنجازها بروح الوحدة والاتحاد، وبعبارةٍ أخرى: اكتسابُ ملَكَةِ العمل والتحرُّك الجمعيّ، والحذرُ كلَّ الحذرِ من التحرُّك الفرديّ، ولأجل هذا ينبغي تقسيمُ الوظائف قبل الشروع في أيّ عملٍ، ويجب على كلّ شخصٍ أن يقوم بما يستطيع القيام به، ويفعل ما يُبدع هو في عمله وأدائه.

وبعد الوفاء بهذه الشروط الثلاثة إن اجتمع رجال الخدمة وتشاوروا فيما بينهم بأن أَودعوا أمرهم إلى العقل الجماعي  فلن يسقطوا -بإذن الله وعنايته- في الأخطاء التي سقط فيها العقل الفرديّ؛ لأنّ وصول عشرة عقول مجتمعة إلى نتيجةٍ خاطئةٍ يمثّل احتمالًا نسبتُه واحد في المليون؛ فإن كان عدد العقول التي تشاورت وتناصحت “عشرين” فإن نسبة احتمال وقوعها في الخطإ سوف تقلّ بذلك القدر.

ومن هنا فإن القيام بالشؤون والأعمال ارتباطًا بالوعي الجمعي أمرٌ مهمٌّ جدًّا، ولا ينبغي لإنسان -حتى وإن كان يمتلك من التدابير العبقريّة الخارقة ما ليس لأحدٍ- أن يتصرّف بمفرده فيما يتعلّق بالمصلحة العامة والمجتمع من قضايا، وإنني لا أعلم في تاريخ الإنسانية أَحدًا تحرّكَ بمفرده وقرّرَ بنفسه فاستطاع بعد ذلك أن يحقّق نجاحًا مستمرًّا وتوفيقًا دائمًا. أجل، لم تستمرّ نجاحات “سزار (Sezar)” ولا “نابليون (Napolyon)” ولا “هتلر (Hitler)” ولا “موسيليني (Mussolini)”، بل لم يبق منها أيُّ شيء، لقد لَمَعَت في البداية كالنار في الهشيم، ثم ما لبثت أن خَبَت وانطفأ وميضُها بعد فترة قصيرة، لتبقى آثارها كومةً من الأنقاض المؤسفة المحزنة، أما الروّاد الحقيقيّون الذين يلجؤون إلى الوعي الجمعي فقد وُفِّقُوا ونجحوا بقدر ما ربطوا القضايا والأمور بمبدإ المشورة؛ فأنشؤوا مستقبل المجتمع الذي ينتسبون إليه بفضلِ ما حقّقوه من خدمات.

والحاصل: أن طريق الوصول إلى ما تعد به التشاركيةُ في الأعمال الأخروية دنيا وآخرة هو: النية الصادقة والإخلاص، والعقل المشترك والوعي الجمعيُّ مع روح الأخوة والتضامن.

 

[1] سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، الدستور الرابع، ص 226.

[2] سعيد النورسي: المصدر السابق.

[3] سعيد النورسي: الملاحق، ملحق بارلا، ص 54.

[4] صحيح البخاري، الأدب، 27؛ صحيح مسلم، البر، 66.

 

ضَعْفُ العبودية وبروز الأنانيّة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ذكرتم فيما مضى أن ضَعف العبودية سببٌ أساس في زيادة قوّة الأنانية وحبِّ الذات، فما ماهيّة العلاقة بين ضَعف العبوديّة وقوّة الأنانيّة؟

الجواب: العبودية كلمة مشتقة من الجذر “عَبَدَ”، ومعناها أن يؤدّي الإنسان مسؤولياته تجاه ربه، مستشعِرًا خضوعه التام بين يديه، والعِبادة أيضًا مشتقة من الجذر ذاته، غير أنّ بين الكلمتين بعض اختلافٍ في المعنى، فالعبادة بإيجاز هي: تحويل المعلومات النظرية الخاصة بالإيمان إلى واقع عملي في ظلّ نظامٍ ونسقٍ معينين، أما العبوديّة فهي: أن يمارس الإنسان حياته مستشعرًا حقيقة كونه عبدًا لله؛ بعبارة أخرى: العبوديّة هي أن يتعمّق الإنسان في الخضوع باستمرار ويعيش حياته في ظلّ الإحسان مستشعرًا مراقبة الله تعالى له، أما العبادة فهي أن يفي الإنسانُ بمسؤوليّات عبوديّته كما أمر ربه سبحانه وتعالى.

فما من عبدٍ جعل همَّه عبوديّته واستشعرَ في ثنايا وجدانه شعورًا عميقًا بعباداته فأدّاها ثمّ استطاع من خلال الممارسة والتدريب أن يتعمّق في عبوديته، إلّا انسلّ من أيّ عبوديةٍ أخرى، إن السبيل الوحيد للتخلّص من العبودية لغير الله هو أن يكون الإنسان عبدًا لله حقًّا، فمن لم يكن عبدًا لله فهو عبدٌ للأصنام والأيقونات والطواطم وأصحاب القوّة والنفوذ… إلخ.

والحق أن الله جلّ جلاله هو الذات الأحديّة المستحقّة للعبادة، فهو -كما يقول أهل التصوّف- المعبودُ المطلق والمقصود بالاستحقاق؛ وهذا يعني أن حقّه علينا ووظيفتنا ومسؤوليتنا نحوه أن نعبده وأن يقترن حِراكُنا في كلِّ لحظةٍ من حياتنا بشعور العبوديّة له جلّ وعلا، وبعبارة أخرى: إنه تعالى المقصودُ لأنه هو الله، والمحبوبُ لأنه هو الله، والمعبود لأنه هو الله، ولذا فإن عبودية غير الله من الأصنام والأيقونات والأساطير والطواطم وغيرها من المعبودات الناشئة عن الضلال والانحراف هي كفرٌ صريح وضلال بيّن؛ لأن الله تعالى هو المستحقّ والجدير بالعبادة، فهو المعبود الحقّ وحده دون سواه.

وهكذا فإن العبد إذا جعل همّه عبوديته فلا يفكر في الخضوع والتذلل والانحناء إلّا إلى الله تعالى، ولا يرى نفسه أعلى أو أميزَ من الآخرين مطلقًا، ولا يجعل لنفسه منزلةً أو مكانةً تعلو منزلةَ عبوديّته؛ لأنه على وعي دائمًا بأنه أمام المعبود المطلق سبحانه وتعالى مجردُ عبدٍ تُقيِّدُ العبوديّةُ عنقَه بِقِيادِها وتُحكِم الوَثاقَ على قدمِه بأغلالها، ومثل هذا الإنسان يعزو دائمًا كلَّ ما حقّقه من نجاحاتٍ وما أصابه من جمالٍ إلى الله سبحانه وتعالى؛ وذلك لأنه أذابَ نفسَه وأنانيّته وذاتيّته في بوتقة العبوديّة، ربّما تغرّه نفسه فتدور رأسه وتتكدّر بصائره لما أحرزه من نجاحاتٍ تفوق إمكانيّاته، ولكنّه سرعان ما يقمع كلَّ هذه المشاعر السلبيّة التي برزت في داخله بشعور العبوديّة الكامن في أعماق روحه.

التناسب العكسي

وكما رأينا ثمّة تناسبٌ عكسيّ بين التعمّق في العبودية من جانبٍ وبين ازدياد قوّة الأنانية وحبّ الذات من جانبٍ آخر، بمعنى أنه بقدر ما يتعمّق الإنسان في عبوديّته بقدر ما يحتاط لنفسه وأنانيته ويتمكن من السيطرة والتحكم في مشاعره السلبية التي تموج في داخله، وبالمقابل فإنّ الإنسان يُصبحُ أنانيًّا بل وحتّى نرجسيًّا بقدر ابتعادِهِ عن عبوديّته لربه؛ لأنه مع الوقت ينسى نفسَه كلّما ابتعد عن وظيفة العبودية التي تذكّره بماهيته، فينسب إلى نفسه كلَّ ما أحرزه من نجاحاتٍ، بل إنه قد يتمنى أن تُنسب إليه حتى الأعمال الجميلة التي قام بها الآخرون، ومن ثمّ يجتذبه التصفيق والتهليل إليه جذبَ الدوّامة.

أما من يقف خاضعًا معقود اليدين أمام الحقّ تعالى ويقضي حياته كلّها بهذا الشعور فلا ينسى نفسه أبدًا، ويقرن حركَتَه دائمًا بشعورِ أنه مخلوقٌ عاجزٌ ضعيفٌ فانٍ مغلولُ القدمين طوقُ الرقّ مضروبٌ حول عنقه، وهذا الشعور بالعجز والفقر يُشعل الرغبة إلى أفق “هل من مزيد؟” من العبادة والعبودية، إن هذا الإنسان مهما أدّى من العبادات أو صلّى آلافًا من الركعات دائمًا ما ينطلق لسانه بـ”اللهم ما عبدناك حقّ عبادتك يا معبود، وما شكرناك حقَّ شكرك يا مشكور، وما عرفناك حقّ معرفتك يا معروف، يا من أنت الظاهر فليس فوقك شيء، ولو عرفناك حق المعرفة لَذُبْنا وتلاشينا…”؛ لأن هذا العبد يُدرك أن ما يقوم به من عباداتٍ هي بمثابة لا شيء بالنسبة للنعم التي مَنّ الله عليه بها.

نِعمٌ لا تُعدّ تتطلّب شكرًا لا يُحدّ

إن من أعظم نعم الله على الإنسان أنه قد علا فوق مستوى الجمادات، ووُهبت له الحياة، فغدا كائنًا ذا شعور، ليس بحيوان أو نبات، وفوق كلّ ذلك عرف خالقَه تعالى، وأُتيحت له فرصة فتح أبواب الخلود بمفتاحٍ مفعمٍ بالأسرار كمفتاح الإيمان، فتلمّس السبيل لأن يكون جديرًا بالجنة، فهذه بلا شكّ نعمٌ عظيمةٌ لا مقابل لها في الدنيا؛ لأن مَن أَسبغ عليه كلَّ هذه النعم العظيمة هو الله تبارك وتعالى.

فلو أن الإنسان وعى هذه النعم، وتوجّه إلى ربّه، وتعمّق في العبودية، وصار بطلًا من أبطال “هل من مزيد؟”، وحاول دائمًا أن يزيد من معرفته ومحبّته وعشقه واشتياقه نجّاه الله -بفضله وكرمه- من دوّامة الأنانية وحبّ الذات، وكما يقول الشيخ “محمد لطفي أفندي” رحمه الله:

ألَا يحبّ المولى مَن أحبّه؟

ألَا يرضى عمَّن هرول لنيل مرضاته؟

لو وقفتَ له على الباب.. وفديته بالروح والنفس والأحباب

وعملت بأمره، أما يُجزل لك الأجر والثواب؟

والحق أن الله تعالى يُرشِدنا إلى ذاته ويشعرنا بوجوده عبرَ آلافٍ من الحوادث كل حين، وإننا لو حاولنا مقابل ذلك أن نتتبّع هذه الحوادث بدقّةٍ وتيقّظٍ وفكرٍ منظّمٍ منسّقٍ، وسعينا إلى أن نجمع صورَ هذه الحوادث كلّها على اختلافها حتى نفهم المعنى الذي تعبر عنه كلّيةً، وفتَّشنا عن السبل التي تتيح لنا السير إليه تعالى؛ فلن يتركنا سبحانه وتعالى في منتصف الطريق؛ لأننا ما عهدنا عليه تعالى أنه تخلّى عن أحدٍ سار إليه ألبتة.

إكسير العبودية في عصر الأنانية

لقد توالى التاريخ فازدهرت فترات منه وأظلمت أخرى، فأحيانًا ما كانت الأرضُ تعصي السماء، فتمسك السماءُ عنها ماءها، فتستحيل الأرض صحراء جرادء من أوّلها إلى آخرها، وأحيانًا أخرى كانت السماء تفيض بوابلٍ من الرحمة زخًّا زخًّا؛ فتنبت الأرضُ سنابل بها سبعُ حبات أحيانًا وسبعمائة حبّة أحيانًا أخرى. أجل، أحيانًا ما كان النور يتغلّب على الظلام حتى يتقلّص الظلام تمامًا، ويهيمن جوّ الروحانيين والملائكة على جوّ الشياطين، وبتعبيرٍ آخر: يسيطر عالمُ الملكوت على عالمِ الـمُلْك، وخيرُ مثال على ذلك هو عصر السعادة النبوي؛ إذ انعدمَ فيه المناخ الملائم للشياطين وانتشارهم هنا وهناك، ولقد شهدت العصور اللاحقة حقوبًا زاهرةً تُشبه هذا العصر.

ولا يقلّ في يومنا هذا أيضًا عدد الذين يشعرون ويُحسّون في كلّ ذرّةٍ من أعماقهم بالعبودية لله تعالى، ويعيشون دومًا الإحساسَ بمعيته تعالى بفضل مشاعرهم العميقة التي تتجاوز مجرّد الإحساس، ولو لم يكن الأمر كذلك لما ظلّت هذه الأرض تدورُ في فلكها؛ لأن الله تعالى ينظر إليها بمنظور عباده الذين يؤدّون حق عبوديتهم مخلصين له الدين، أما أمثالنا من المجرمين المذنبين المتخبّطين فإنه يعفو عنهم إكرامًا لذوي الروحانيات العظيمة أولئك؛ فيمدّ في عمر الكون لأجل حرمتِهم لديه، ولا يجعل عاليَه سافلَه لأجل خاطرهم.

إن عصرنا عصر الأنانية، إلّا أنه بدأت فيه فترة جميلة من حيث العبادة والعبودية بعون الله تعالى؛ وفي الخبر: “اِشْتَدِّي أَزْمَةُ تَنْفَرِجِي[1]؛ إن آخر نقطةٍ في الظلام تشير إلى بدء النور والضياء؛ إذ يتراءى سوادٌ حالكٌ في الأفق قبل الشفق إلا أنه آخر سواد الليل، وإن جاز التعبير: فإن هذا يعني انبثاق خصائص الليل للمرة الأخيرة. أجل، إن الظلمات تكتَنِفُ الأفقَ كلّه مرة أخرى بكلّ حنقها وغيظها، لكنّ لُواحَ الفجر الكاذب بَعدَ ذلك يُعتبر أصدقَ شاهدٍ على طلوع الفجر الصادق؛ لأنه لم يخطئ من قبلُ قط؛ فحيثما وُلد الفجر الكاذب وُلِدَ الفجرُ الصادق عقِبه بمدّة وجيزةٍ جدًّا.

والحاصل أنه بقدر ما يتعمّق الإنسان في العبادة والعبودية للحق تعالى -حتى وإن كان ذلك في عصر الأنانية- بقدر ما تتخلّى عنه الأنانية وتهجره، ويضيقُ مجالها شيئًا فشيئًا، تمامًا كما تضيق دائرة الظلام كلّما اتسعت دائرة النور؛ فالتضاد الذي بين الأنانية والعبوديّة هكذا بالضبط تمامًا؛ إذ يتطوّر أحدهما على حساب الآخر، وبقدر ما يتعمّق العبد في العبودية بقدر ما تضمحلّ فيه الأنانيّة، فيعزو ذلك الإنسانُ كلَّ شيء إلى القدرة الإلهية مع مرور الوقت، أما قيمة النجاحات التي يحقّقها فإنه يقدّرها بناءً على تحقّق رضاه تعالى وتوجُّهه سبحانه من عدمه، وفي النهاية تذوب وتتلاشى أنانيته وحبّه لذاته تمامًا ويفنى عن نفسه ويبقى بالله عز وجلّ، يذكره ويصدح به في كل مكانٍ يتجوّل فيه.

 

[1]  القضاعي: مسند الشهاب، 1\436؛ الديلمي: مسند الفردوس،  1\426.

 

دعاءٌ جامعٌ لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: بعد نزول أوائل سورة “المؤمنون” دعا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربّه سبحانه قائلًا: “اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا، وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا، وَآثِرْنَا وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا، وَأَرْضِنَا وَارْضَ عَنَّا”[1]، فما الرسائل التي يبثّها هذا الدعاء في رُوع القلوب المؤمنة في الوقت الحاليّ خاصّةً؟

الجواب: ننوّه بدايةً بأنّ الله سبحانه وتعالى قد خصّ نبيه صلى الله عليه وسلم بنزول الوحي؛ ولذا فليس لأحدٍ أن يَصِلَ إلى شعور أو إدراك كُنْه هذه الحقائق الجليلة بقدر أُفقه هو صلى الله عليه وسلم، لهذا السبب يجب أن نعلم بدايةً أنّ ما قيل في معنى ومحتوى هذا الدعاء قاصرٌ عن بيان العمق والبُعد الحقيقي له.

وكما جاء في السؤال لقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الدعاء بعد نزول أوائل سورة “المؤمنون” التي يقول فيها الحقّ سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ: 1/23-11).

بعد نزول هذه الآيات المباركات التي تُعتبر هديّةً من الله تعالى لنبيّه وأمّته أدرك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمقَ بشرى الفلاحِ التي زفّها الله تعالى للمؤمنين الذين حازوا على هذه الخصال المذكورة في الآية؛ فكان صلوات ربي وسلامه عليه يرفع أكفّ الضراعة إلى ربه جلّ وعلا في أوقاتٍ مختلفة، ويدعو بهذا الدعاء شعورًا بالامتنان والشكر لله سبحانه وتعالى.

الطلب الأول: “اَللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا”

كان أول ما استهلّ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم دعاءه هنا قوله: “اَللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا”، وأوّلُ احتمالٍ يتبادر إلى الأذهان هنا: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم سألَ ربَّه زيادة عدد الأمّة المحمّديّة؛ لأن كثرةَ الأمة المحمديّة كانت على الدوام من أسمى أمانيه صلى الله عليه وسلم، ويدلّ على ذلك قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَا هَذَا؟ أُمَّتِي هَذِهِ؟ قِيلَ: بَلْ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، قِيلَ: انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ، فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلَأُ الأُفُقَ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ، فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلَأَ الأُفُقَ، قِيلَ: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَيَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ هَؤُلاَءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ”[2]، فأَدخلَ هذا المنظرُ الحبورَ والسرورَ على قلبِ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن خلال الأحاديث النبوية التي تشجّع وتحضّ على الزواج يمكننا أن ندرك مدى حرص النبي صلى الله عليه وسلم واجتهاده بل ومجاهدته في سبيل إكثار عدد أمته، فعلى سبيل المثال يقول عليه الصلاة والسلام في حديث شريف: “تَنَاكَحُوا، تَكْثُرُوا، فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ[3].

والواقع أن مسألة الزواج -من حيث إنها مسألة فرديّة وأسريّة- قد تبدو بسيطةً بالنسبة للقضايا الدينيّة الكبيرة، وإن لها قيمةً نسبيّةً مقارنةً بهذه القضايا الكبيرة، ومع هذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أمّته بالزواج والتكاثر، وذكر أن هذه الكثرة ستكون موضع مباهاةٍ وافتخارٍ بالنسبة له صلوات الله وسلامه عليه، والمباهاة هنا تعني الشعورَ بالامتنان تجاه الألطاف الربّانيّة.

 الكثرة العدديّة ليست هي الهدف الأساس

وقد يُراد من قوله صلى الله عليه وسلم: “اَللَّهُمَّ زِدْنَا ولَا تَنْقُصْنَا” الكثرةَ والزيادةَ من حيث الكيفيّة لا من حيثُ الكَمّيّة فقط؛ لأن الكيفيّةَ هي التي تُكسب قيمةً للكمّية، فلا أهمّيّة للكثرة العدديّة وحدها دون الكيفيّة، فكم من فئةٍ كثيرةٍ لم تستطع أن تقوم بما قام به عشرة أو عشرون ألفًا من الصحابة رضوان الله عليهم، لقد أحبط هؤلاء الأبطالُ الأوائلُ الأفذاذُ في الإسلام مؤامراتِ أكبرِ إمبرطوريّتين عملاقتين في ذلك الوقت، الساسانيّة والبيزنطية، وأخضعوهما لسلطانهم، وبذلك غيّروا مصير العالم.

ورغم أن عدد المسلمين اليوم يبلغ حوالي مليار ونصف المليار نسمة فليس بوسعنا أن نقول إن هؤلاء المسلمين قد أدّوا المهمة التي تتناسب مع هذه النسبة العدديّة الكبيرة؛ لأنهم اليوم ليسوا على المستوى الذي يريده القرآن الكريم، فهم في نزاعٍ وخلافٍ دائم، حتى إنهم أنهكوا بعضَهم بسبب عدم خروجهم من دائرة التصارع والتنازع الفاسدة.

أجل، لـما لم يستطع المسلمون أن يحقّقوا الوفاقَ والاتّفاقَ فيما بينهم أخذ الخلاف والنزاع يُهدر طاقاتـِهم، فلم يحظوا بالعناية الإلهيّة، ولم يتقدّموا ليتبوّؤوا مكانتهم في مصافّ التوازن الدولي، ولم تكف الكثرة العدديّة لأداء هذه المهمة العظيمة التي لا بدّ من القيام بها حتى تتبوّأ الأمة مكانها في التوازن الدولي.

والواقع أننا إذا ما نظرنا إلى التاريخ بهذه النظرة لألفينا أمثلةً باهرةً على ذلك، فمثلًا كم من أناسٍ مخلصين هجروا أوطانَهم في فترةٍ ما من أجل غايةٍ سامية، وصرفوا كلّ جهودهم لتحقيق غاياتهم، فحقّقوا أعمالًا عظيمةً، وأحرزوا نجاحاتٍ مباركةً مثمرة، ولكن لــمّا أخذ هؤلاء الناس يتدنّون في الروح والمعنى والفكر والشعور والحياة القلبيّة والروحية لم يتمكّنوا من الحفاظ على الموقع الذي أحرزوه، بلهَ التقدم والازدهار؛ رغم أنهم أكثر عددًا مقارنةً بالماضي.

أجل، لقد استكانوا للدعة والخمول والكسل، واستسلموا للخوف وحبّ المنصب، ونسوا فكرة الهجرة من أجل إعلاء كلمة الله، فلم تُغن عنهم كثرتُهم العدديّة؛ حيث فقدوا قوّتهم وتأثيرَهم ونفوذَهم، ولذا يمكن القول: إن النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان يتضرّع إلى ربّه قائلًا “زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا” كان يقصد علوّ الدرجة والمكانة والقدر، وألّا يعترينا نقصٌ في هذه المسألة، أي إنه كان يقصد زيادة الكيف إلى جانب الكمّ.

أعظم النعم أن تعرف النعمة على أنها نعمة

ثم يقول صلى الله عليه وسلم في دعائه: “وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا”، وهنا نجده صلى الله عليه وسلم يسأل ربّه أن يكون هو وأمته مظهرًا للإكرام الإلهيّ، لا الإمكانيات المادية والقوّة والكشف والكرامة؛ وهذا يعني أن الإكرامَ الإلهيّ هو لطفٌ كبيرٌ من الله تعالى لا بدّ من الحرص عليه، والإكرام من باب “إفْعال”، لذا فقد يكون المعنى: اللهم أكرمنا، وأشعرنا على الدوام بأن هذه الألطاف هي من محض كرمك.

والحقّ أن إدراكَ هذا الإكرام الإلهيّ والشعورَ به هو وسيلةٌ لحفظ الإنسان من الانزلاق والتردّي؛ لأن من هو على وعيٍ بهذا الإكرام يدرك أن كلَّ الجماليّات التي يتمتّع بها إنما هي مِنه سبحانه وتعالى، فلو نسب الإنسانُ هذه الجماليّات إلى قدراته ومواهبه الشخصيّة كما فعل “قارون” وقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (سُورَةُ القَصَصِ: 78/28)، فقد استصدر لنفسه دعوةً للذلّة والمهانة، ومن ثمّ يجب على الإنسان أن يرفع أكفّ الضراعة إلى ربّه، ويدعوه قائلًا: “اللهمّ لَا تُهِنّي ولَا تُذِلَّني بما اقترفَتْه يدايَ من ذنوبٍ وآثامٍ أو بما ابتليتني به”.

اللهم لا تعاقبنا بالحرمان!

ثم يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه: “وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا”؛ على الإنسان أن يسأل ربّه النعم الدنيويّة التي لا تُغويه ولا تضلّه، بل من الأهمّيّة بمكانٍ أن يسأل الحقَّ جلّ وعلا كلّ ما يريد، يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى يَسْأَلَ شِسْعَ نَعْلِهِ (أي أَحدَ سيوره) إِذَا انْقَطَعَ[4]، ومن ثم على الإنسان أن يسأل ربّه سبحانه وتعالى ما شاء؛ عشًّا دافئًا يشبه روضةً من رياض الجنة، أو ولدًا صالحًا أو غير ذلك.

ومن هنا تَتَحدّد قيمة ما يطلبه الإنسان بمستوى أفقه ومنزلته وغايته المثلى، فلا جرم أنّ الأسرة المطمئنّة والأبناء الصالحين والإمكانيّات المادّيّة التي لا تُلجئه إلى مدّ يديه إلى أحدٍ من الخلق هي نعمٌ كبيرة يجب طلبُها من الله سبحانه وتعالى، ولكن الذي يشغله الإحياء عن الحياة، والذي نذر نفسه لفكرة الإحياء، وفاضت عيناه بمشاعر الشفقة تجاه جميع الإنسانية؛ قد يغضّ الطرف عن هذه المتع الدنيويّة جميعها؛ لأن كلّ ما يملأ أفقَه هو: “اللهم إني لا أرغب أن أرى -وأنا على قيد الحياة- أيّ فتوحات أو نجاحات كنتُ سببًا فيها أو يُظنّ أنني سببٌ فيها، لكني أرجوك يا ربي أن تمنّ عليّ بأن أرى من قبري بعد الممات انتشارَ دين الإسلام المبين في كلّ بقاع الأرض، ورفرفةَ الروح المحمّدية في كل الأرجاء، وتردّدَ الأذان في كلّ أنحاء العالم، وخفقانَ القلوب باسمك جلّ جلالك في كلّ الآفاق”.

ومن ثمّ يمكن أن نفهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم “وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا” أن كلًّا يسأل ربّه على قدر هِمّته، فقد يطلب هذا خمسةَ قروش، ويطلب ذاك ملايين، وقد لا يكتفي آخر بهذا، ويطلب من الله تعالى السرمديّة والخلودَ، فعلى حين كان البعض يسأل ربّه بعضَ النعم الدنيويّة كان أصحاب الأفق الواسع من أمثال الإمام الغزالي، والإمام الرباني السرهندي، والأستاذ بديع الزمان سعيد النُّورسي رحمهم الله جميعًا يسألون ويبتغون مرضاة الله سبحانه وتعالى، ويسألون فتح طريق الجنة للإنسانية جمعاء. أجل، إن أمثالهم يقومون ويقعدون قائلين: اللهم أزهق روحي خمسين مرّةً في اليوم، ولكن أتوسّل إليك أن تُنقذَ أمّة محمدٍ من هذا البؤس والشقاء، وأن تَنْتَشِلَها من هذا الترديّ الذي لم يُسبق لها أن انحدرت إليه منذُ خلقتَها.

وعلى ذلك فإن الذين يرفعون أكفَّ الضراعة إلى الله تعالى بالدعاء يستدعون الأفكار التي ألهمتهم بها درجاتهم.

من أعظم الآفات دخولُ المسلمين تحت وصاية غيرهم

يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه أيضًا: “وَآثِرْنَا وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا” وهذا يعني: “اللهم إن كان ثمّة ترجيحٌ واختيارٌ فاخترنا وآثِرنا!”، وبتعبيرٍ أشمل نقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب من الحقّ تعالى ألّا يأذن للآخرين والأغيار بالسيادة على أمّته، ولا أن يسوسوها ويضعوها تحت وصياتهم وأمرهم.

ويمكن أن تتعدد صُوَرُ إيثار الله تعالى غيرنا علينا؛ فمثلًا إن لم نؤدّ العبوديّة حقّها، ولم نرعَ الأمانة حقّ رعايتها، ونَكَصْنا على أعقابنا في الدين فسوف يُذهبُنَا الله تعالى ويأتي بقوم آخرين يستخلفهم بدلًا منّا في التوازنات الدولية، ولهذا السبب فإنه ينبغي لنا، بل يجب علينا أن نطلب من الله تعالى أن يُحَلّيَنا بأوصاف عباده المقبولين عنده، ونقول: “اللهم لا تستبدلنا بغيرنا! اللهم استعمِلْنا واستخدمنا نحن في كلّ ما تريد وتشاء!” لأنّ تَخَلِّي الله عنّا كالأشياء الرثّة واستخلافَ غيرنا يعني تركنا إلى تَفَاهتنا وخِسَّتنا الذاتية.

نوعٌ آخر من الامتحان: المحاباة

وقد لفتَ سيدُنا رسول الله صلى الله عليه وسلم انتباهَنا إلى حقيقة أخرى تتعلق بالموضوع: “إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ[5].

وقد ظهرت هذه الحقيقة التي عبر عنها هذا الحديث بعد انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى أفق روحه، ولقد خصّ القرآنُ الكريمُ الصحابةَ الكرام السابقين الأوّلين لهذه الأمة بالتقدير والإجلال لدرجة تكاد تحيرنا وتدهشنا إلّا أن بعض اللاحقين من الناس لم يستطيعوا فهمَ ذلك، فقاموا بظُلْمِ الرعيل الأوّل في الإسلام من ذوي القَدر العظيم عند الله وعند رسوله وجاروا عليهم؛ فالخوارج مثلًا عجزوا عن إدراك قيمة سيدنا علي كرّم الله وجهه الذي حظي بألقاب سلطان الأولياء والحيدر الكرار وصهر النبي عليه الصلاة والسلام، وبالشكل نفسه لم يتسنَّ لكثيرين من الناس ممّن عاشوا في عصر سيدَينا الحسن والحسين أن يَقْدُروهما قَدرَهُما ويعترفوا بقيمتهما اللائقةِ بهما.

كما أن بعضَ الحكّام الذين جاؤوا من بعدُ عجزوا عن الحفاظ على العدالة التي سادت في عهد الخلفاء الراشدين ولجؤوا إلى سبيل المحاباة؛ فكانوا -على سبيل المثال- إذا ما أرادوا إرسال أحدٍ حاكمًا أو واليًا على مكان ما أو تقسيمَ غنيمةٍ ما اختاروه من بين أقاربهم، في حين أنه ليس هناك أحدٌ قطّ من الخلفاء الراشدين وضع واحدًا من أقاربه في أيّ منصبٍ لمجرّد صِلة القرابة، ولم يميزوهم عمن حولهم ولا عن الآخرين، ولم يحابوا أو يُجامِلوا أحدًا؛ لأن الأمةَ التي يُشرع فيها أو يقع فيها أن تُوسَّد الأمانة لغير أهلها، ويُعهَدُ في مسؤوليّاتها إلى الأقاربِ أمةٌ قد انتهى أمرها.

أجل، لقد أخبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ستكون من بعده أثرةٌ ومحاباة، وأوصى الأمة أن تصبر حتى تلقاه؛ لأن الصبر نهايته السلامة، ومثل هذه التوصية رسالة مهمّة جدًّا للمؤمنين في عصرنا لأن من بيدهم زمام الأمور ومقاليدها اليوم ربما يظلمون ويجورون على أصحاب الكفاءات عبر وضع عراقيل مختلفة في سبيلهم، فليظلموا وليعتدوا؛ المهمُّ أن تُواصلوا أنتم مسيركم وخدمتَكم في سبيل الله تعالى في الاتجاه الذي تحسبون أنه الحقّ. أجل، ينبغي للأرواح التي نذرت نفسها في سبيل الله تعالى أن تتعامل بفلسفة الاستغناء في مواجهة هذه النوعية من المحاباة والمحسوبيّات، وتنتظر تقديرَ الحقّ تعالى في هذا الشأن؛ لأنه تعالى فعل وقدّر كلّ الأشياء الجميلة حتى اليوم، وما فعله الله تعالى مسبقًا يُعدّ أصدق برهانٍ على ما سيفعله من بعد، وهذا يعني أنه سيقدر كلّ الأشياء الجميلة مستقبلًا كما قدّرها في السابق؛ يكفي لذلك أن نكون صادقين مخلصين له سبحانه وتعالى وألا نُقصّر في الارتباط به جلّ شأنه.

سنام العبودية: أفق الرضا

وفي نهاية الحديث يطلب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله أن يجعلَنا راضين وأن يرضى هو عنّا أيضًا بقوله: “وَارْضَ عَنَّا وَأَرْضِنا”، وهذان الأمران متلازِمان لا ينفصلان عن بعضهما؛ لأن الله تعالى إن كان راضيًا عن إنسانٍ ما أرضاه، وبالشكل نفسه فإن رضا العبد عمّا يقدّره ربّه يعني رضا ربّه عنه، ولأهل الله آراء مختلفةٌ فيما يتعلّق ببيان أيّهما سببٌ للآخر، أو مسبَّبٌ عنه؛ إذ يقول بعضهم إن إعطاء الإنسان إرادته حقَّها، وطلبَه سبيل الرضا يؤدّي إلى نيل الرضا الإلهيّ، وقد ربطوا هذا بحديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَعْلَمَ مَا مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ اللهِ فَلْيَنْظُرْ مَا مَنْزِلَةُ اللهِ عِنْدَهُ[6]، أي إن قيمتكم عند الذات الإلهية تكون موزونةً بحسب تقديركم الله تعالى وإجلالكم إيّاه؛ فإن كنتم تحبّونه أكثر من كلّ شيءٍ وتقدرونه وتجلّونه أكثر من الدنيا وما فيها فستجدون هذا التقدير والإجلال عند الله ولدى ساكني الملإ الأعلى، أما البعض الآخر من أهل الله فقد قالوا: إن الله إِنْ لم يرضَ لم يُرْضِ العبادَ عنه، وقد علّلوا ذلك بتقديم ذكرِ رضا الله تعالى أوّلًا في الآية الكريمة: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (سُورَةُ التَّوْبِةِ: 100/9)، بينما قسمٌ آخر من العلماء من بينهم الإمام القشيري قال: “إن الأمر بالنظر إلى بدايته هو كسبيٌّ مرتبطٌ بالإرادة والعمل، وأما باعتبار نهايته فهو عن تجلٍّ وحال”.

وإذا نظرنا إلى المسألة وفقًا للعقيدة الماتريديّة فيجب على الإنسان -كشرطٍ عاديٍّ- كي يحظى برضا الله سبحانه وتعالى أن يبذل جهدَه بشكل إراديٍّ في سبيل هذا الرضا، وهذا أيضًا مرتبطٌ بأن يتدبّر الإنسان في ذاته والوجود من حوله، ويحلّل حقائق الحقيقة الإسلامية ويفهمها على نحو صحيح. أجل، إن الإنسان حين يرضى عن الله فإن الله جل جلاله يتوجّه إليه برضوانه، ورضوانُه هو الأكبر.

وختامًا: إن كلّ أمر من الأمور التي طلبها رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم في دعائه المبارك هذا له تأثيراته المهمّة في حياة المؤمنين، ولذلك فإنه ينبغي لنا نحن أيضًا أن نطلبها دائمًا من الحقّ سبحانه وتعالى.

 

[1] سنن الترمذي، تفسير القرآن، 24.

[2] صحيح البخاري، الطب، 17؛ صحيح مسلم، الإيمان، 374.

[3] مصنف عبد الرزاق، 173/6.

[4] سنن الترمذي، الدعوات، 155.

[5] صحيح البخاري، المغازي، 58؛ صحيح مسلم، الإمارة، 48.

[6] مسند البزار، 307/17؛ أبو نعيم: حلية الأولياء، 176/6؛ البيهقي: شعب الإيمان، 109/9 (واللفظ للبيهقي).

 

الجدارة والاستحقاق

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ذكرتم من قبل أن مَن لم يحقق الجدارة والمسؤولية اللتين تقتضيهما الخدمة الإيمانية فهو خليق بالإقصاء عن دائرة الخدمة كما اقتضت سنة الله… وعلى ذلك فما الأوصاف اللازمة حتى يكون الإنسانُ جديرًا بعمله، ولا يتعرّض لمثل هذه العاقبة الوخيمة؟

الجواب: الجدارة هي أن يكون الإنسان كفؤًا للوظيفة التي يتقلّدها، وأن يؤدّيها بحقّها، أما الاستحقاق فهو العاقبة الوخيمة التي تصيب الإنسان كنتيجة لما اقترفت يداه من شرورٍ وما قام به من أعمالٍ سلبيّة، ولكنني أريد أن ألفت الانتباه إلى أنّ المعول عليه بالنسبة للجميع هو فضل الله ورحمته وإن كان الإنسانُ يتمتّع باللياقة والجدارة بالفعل، ومن ثمّ فإن الأساس في النجاحات التي يُحرزها الذين يمتلكون القدرات والاستعدادات العالية هو فضلُ اللهِ ورحمتُه سبحانه وتعالى وإن أثبتوا جدارتهم في الوظيفة التي أُنيطت بهم، ومع ذلك فإننا إذا ما نظرنا إلى المسألة من منظور ما تقتضيه سنةُ الله سبحانه وتعالى لألفينا الجدارةَ وسيلةً لإحراز مكتسباتٍ مهمّة، والاستحقاقَ سببًا لانقطاع هذه المكتسبات.

شبكات وخلايا النفاق والاستحقاق

منذ فجر التاريخ وأهل الضلال وشبكات النفاق يحيكون المؤامرات ويدبّرون المكائد باطرادٍ على نحوٍ لا يمكن تصوّره؛ حتى تنتكس الخدمات الإيجابية النافعة التي تضطلع بها القلوب المؤمنة، وهذه المؤامرات وتلك المكائد تختلف ألوانُها وأنماطُها باختلاف الزمان والظروف والمكان، بل عندما أدركت شبكةُ النفاق عينها أن الأدوات التي كانوا يستخدمونها في وقتٍ سابقٍ لم تعد تُجدِي نفعًا في الوقت الراهن وأنها لن توصلهم إلى النتيجة المرجوّة عملوا على تطوير أدواتهم وأساليبهم مرّة أخرى، في محاولةٍ للحيلولة دون إقامةِ هذه الفعاليات الخيّرة التي تقوم بها الأرواح المؤمنة.

وهكذا فإن مسألة وصول شبكات النفاق إلى أغراضها الدنيئة أو عدم وصولها يتوقّف على ما إذا كان أربابُ الغايات السامية يؤدّون حقّ المقام الذي هُم فيه أم لا، وهل قاموا بالمسؤوليات التي وقعت على عاتقهم أم لا، وهل أثبتوا جدارتهم في هذا الأمر أم لا؟.

 فلو أنهم أدّوا وظائفهم بحقٍّ وحفظوا الأمانة التي عُهِدت إليهم، وصاروا عيونًا ساهرةً تجاه المخاطر التي قد تداهمهم من أي منفذٍ أو ثغرةٍ فلن يخيّب الله تعالى سعيَهم وسيُحبط مؤامراتِ أهل النفاق ضدّهم، ولكن إن ضعُفَتْ جدارَتُهم وذبُلت وبهتت فهذا يعني -معاذ الله- أنهم على وشك الانزلاق بنفس القدر إلى حافة استحقاق عاقبة التقصير الوخيمة، فإن وقع هذا الاستحقاق استردّ الله تعالى أمانته، وعهد بها للأمناء عليها، ومِن ثَمّ فإن أراد الذين ارتبطت قلوبهم بخدمة الإيمان والقرآن أن يَسْلموا من المكائد التي دُبّرت لهم ويحافظوا على الموقع الذي أقامهم الله به فعليهم أن يؤدّوا حقَّ هذا الموقع، وأن ينشدوا الجدارة واللياقة دائمًا.

السعي إلى التجديد شرطٌ مهمٌّ في اللياقة والجدارة

ويمكننا أن نتعرّف من خلال بعض الآيات القرآنية على الأوصاف التي تُحقِّق الجدارة وأخرى توجب استحقاق عاقبة التقصير الوخيمة.

فعلى سبيل المثال يقول ربُّنا سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (سُورَةُ فَاطِرٍ: 16/35)، ويُفهم من اختيار كلمة “جديد” الواردة في الآية أن على الذين يسعون في سبيل الله أن يشعروا وكأنّ كلَّ شيءٍ أتاهم مائدةٌ سماويّة طازجة نزلتْ للتوّ من السماء أو أنه من بواكير ثمار الجنة الطازجة. أجل، لا بدّ وأن يغيبوا عن وعيهم وهم يتلون كتاب الله تعالى بسبب ما يشعرون به من لذةٍ ومتعةٍ لم يصادفوها من قبل، وكأن الآيات تتنزّل عليهم في التوّ واللحظة، وعليهم كذلك أن يُحسنوا دراسة العصر الذي يعيشون فيه، وأن يقوموا بخدمتهم للإسلام في ضوء التجديد الذي أتى به الإسلام، بل ينبغي أن تنال حياتهم الروحيّة قسطًا من هذا التجديد، وألّا ينهزموا أمام الإلف والتعوّد وإن جرى الزمان ومرت السنون، وألا تؤثر فيهم عوامل الزمن فلا يذبلون أو يبهتون؛ لأن التجديد وصفٌ جوهريّ للجدارة واللياقة، فمن زالت عنه هذه الميزةُ استحقَّ التغيير.

عاقبة المرتدّين عن الخدمة

وثمّة آيةٌ أخرى تتعلّق بموضوعنا، لا بدّ من الوقوف عندها، يقول ربُّنا تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 54/5).

وفي هذه الآية يشير ربُّنا سبحانه إلى خطر “الارتداد”، والارتدادُ يعني انسلاخ الإنسان من الموقع المهمّ الذي هو فيه، والعودة مرّةً أخرى إلى المكان الذي جاء منه، ولذا يُطلق على هذا الشخص مرتدًّا، وأول ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر كلمة “مرتدّ” المرتد عقائديًّا، فمثل هذا الشخص يترك دين الإسلام، ويرجع القهقرى، ويتردّى في الكفر، وإلى جانب هذا فهناك أيضًا الارتدادُ عن خدمة الدين، فهؤلاء وإن كانوا ارتبطوا قلبيًّا بغايةٍ ساميةٍ لفترةٍ ما فإنهم بعد مدّةٍ تعرقلهم أشياء بسيطة كجناح البعوضة، ويفقدون شوقهم وعشقَهم للخدمة، وانفعالَهم القديم وحيويّتهم، وبعد ذلك يخرجون تمامًا من الدائرة التي كانوا ينعمون فيها، والواقع أن هؤلاء غالبًا أناسٌ مساكين اختلت عقولهم وتصحّرت قلوبهم، يرغبون في أن يسيرَ كلُّ شيءٍ وفقًا لأمزجتهم وأهوائهم، فإن لم تَجرِ الأمور حسب هواهم اختلقوا المشاكل وتسبّبوا في الخلاف والفراق، وفي النهاية يَرتدُّون عن الدائرة التي كانوا فيها.

بدايةً يحذّرهم الله سبحانه وتعالى بلطمةٍ شفوقة، ولكن إن استمرّوا في نفخ نار الاختلاف والافتراق استحقّوا حينذاك لطمةَ النقمة وكأنّ ربّنا سبحانه وتعالى يقول: “إن كنتم تفسدون في الأرض، فسوف آتِي بقومٍ غيركم يجعلون من الوحدة والتضامن أساسًا لهم، ويتحرّكون بروح الوفاق والاتّفاق”، وبذلك يُخلّي الله الساحة التي كانوا فيها لغيرهم، من أجل ذلك يجب على المؤمنين الذين عشقوا خدمة دين الإسلام المبين أن يساورهم القلقُ من مسألة الارتداد عن الخدمة، وأن يكون بمقدورهم التنازل عن العديد من حقوقهم الشخصية حتى لا يقعوا في مثل هذا الموقف، وهذا ابتغاء الجدارة وسبيل النجاة من استحقاق العاقبة الوخيمة.

حبّ الله تعالى هو الأساس في الجدارة

ويشير ربُّنا سبحانه وتعالى بقوله “فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ” إلى أن الله تعالى سيستبدل الذين لا يؤدّون حقّ الموقع الذي هم فيه بقومٍ آخرين، ولا يعزب عن علمكم أن حرف “سوف” في بداية الفعل يدل على المستقبل البعيد، وهذا يعني أن الحقّ تعالى لا يعجّل بعذاب المؤمنين بسبب ما يرتكبونه من منكرات، ولكن لما لإيمانهم من قدرٍ عند ربهم سبحانه وتعالى فإنه سبحانه يمهلهم المرة بعد الأخرى، ولكن لو أنهم أصرّوا على هذه الأخطاء والمساوئ فسوف يذهب بهم الله ويأتي بقوم آخرين بدلًا منهم، وتنكيرُ كلمة “قَوْمٍ” يدلّ على أنهم جماعةٌ مجهولة الهوية، وأنهم يتمتّعون بهمّةٍ وقيمةٍ عاليةٍ.

أجل، إنّ لهؤلاء القوم علوًّا في الشأن لا سبيل إلى تخيّله أو تصوّره، ومع ذلك تضع لنا الآية الكريمة بعض القرائن التي تعيننا على معرفتهم، فتقول “يُحِبُّهُمْ”؛ أي إنه تعالى يتوجّه إليهم بما يناسب عظمته جلّ شأنه، ويتغمدهم بسعة رحمته وعُمقِ محبّته، ويُحسن إليهم بما تقتضيه هذه المحبة، وبعد ذلك يتحوّل هذا الحبّ الإلهي الموجّه إليهم إلى حبٍّ منهم له سبحانه في قلوبهم، وفعل “وَيُحِبُّونَهُ” يأتي من باب “إفْعال” الذي يدلّ في أحد معانيه على الكثرة، ولذلك يمكن أن يُقال: “إنهم يذوبون عشقًا في حبّ الله تعالى”.

وعقب ذلك يقول تعالى “أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنينَ”؛ أي إنهم يخفضون أجنحة التواضع للمؤمنين لدرجة تصل إلى الذلّ، ولكن تجنّبًا لسوء الفهم نقول إن هذا التواضع لا يعني الدونيّة أبدًا، لأنهم “أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرين”؛ بمعنى أنهم لا يتملّقون لمن ساخت أقدامهم في أوحال الجحود الناتج عن كبرهم وغرورهم وظلمهم وانحراف وجهة نظرهم، أو لتقليدهم الأعمى لآبائهم، كما أنهم لا يخنعون ولا يخضعون ولا يتملّقون ولا يتزلّفون للمتمرّدين المتعنّتين مع الجماليّات التي حقّقها المؤمنون.

روح الجهاد في سبيل الله

ثم يذكر ربّنا سبحانه وتعالى وصفًا آخر لهم فيقول: “يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ”؛ أي يكافحون في سبيل الله، وكيفيّة الجهاد ومحتواه واسع جدًّا، فالجهاد في أحد تعاريفه هو: إزالة العوائق النفسانيّة والجسمانيّة والحيوانية التي تحول دون الإيمان، وتقطع الصلة بين الله وعبده، والعمل على اتّصال القلوب ببارئها سبحانه وتعالى، ووفقًا لهذا التعريف يجب مدّ يَدِ العون إلى الناس مع الأخذ في الاعتبار مستوى العلم والإدراك والفلسفة الحياتية في العصر الذي نعيش فيه، واستخدام الوسائل المناسبة لذلك، كما لا بدّ من إزالة العوائق بين الله والناس مثل الظلم والكبر والخطأ في وجهة النظر، والتقليد الأعمى للآباء.

وهناك صورة أخرى للجهاد وهي استمرارية القيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبليغ الحق والحقيقة سواء على منابر المساجد، أو في قاعات المؤتمرات والندوات أو منصة البرلمان أو المدارس، أو في أي مكانٍ يُتاحُ من خلاله تبليغُ الحقّ والحقيقة.

ولكن إن حدث ووقف المعتدون الذي يضمرون الحقد والعداوة لكم على أبوابكم وأغاروا على بلدكم وحاولوا أن يمسّوا عرضكم وشرفكم وأن يسحقوكم تحت أقدامهم كما حدث في أزمنة مختلفة فحينذاك تتغيّر صورة الجهاد، ففي هذه الحالة تنسلّ السيوف من أغمادها ويُعنى الجميع، ويُهرعون إلى الجبهة كما وقع كثيرًا في تاريخنا على مر العصور، ويؤدّون حقّ الكفاح المطلوب منهم.

ولا جرم أن هذا الكفاح القومي يتمّ بإذن الدولة وتحت إشرافها، وهذا أيضًا نوعٌ من أنواع الجهاد المادّيّ، ولكنني أنبّه هنا مرّةً أخرى على هذه الحقيقة التي أشرت إليها في مناسباتٍ عدة؛ وهي أنه ليس من الصحيح اختزال الجهاد في سبيل الله على أنه “محاربة الأعداء” فقط، فهذا ضربٌ من ضروب الجهاد وواحد من أوجهه الماديّة، وإن هناك أوجهًا متعدّدةً للجهاد والكفاح من أجل إيصال الحقّ والحقيقة إلى الناس، أو رفع الجور والظلم عنهم، والحال أنه يجب أن يكون ذلك العمل الذي قيّده الله تعالى بقوله “فيِ سَبِيلِ الله” خالصًا بأكمله لله تعالى، كما لا بدّ من إحقاق الحقّ مع مراعاة القواعد والمبادئ التي وضعها الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، فلا يكون الدافع هو المنفعة الشخصيّة أو مصلحة فئةٍ بعينها أو غَضَبُها.

خلاصة القول إن الله تعالى قد أشار بقوله “يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله” إلى الجهاد في سبيل الله بالمعنى العام، وجعله وصفًا مهمًّا للذين ينصرون دين الإسلام، وأساسًا مهمًّا للجدارة واللياقة.

وأخيرًا يقول الحق تعالى: “وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَۤائِمٍ”، وهو بذلك يشير إلى أن هؤلاء الذين يسعون من أجل إعلاء كلمة الله وكي ترفرف الروح المحمدية في كلِّ أرجاء الأرض لا يخشون من لوم الآخرين. أجل، قد يُوَجَّه اللوم إلى أرباب الغاية السامية من قِبَلِ أولئك الذين يعتبرون الحياة هي الدنيا التي يعيشونها، ويودّون الاستمتاع بها، فمثلًا يقولون لأرباب الخدمة على وجه النصيحة: لماذا تُنغّصون على أنفسكم حياتَكم رغم أن بإمكانكم الاستمتاع بدنياكم؟ ولماذا تثيرون أهل الدنيا والضلالة وتضطرّونهم إلى الإساءة إليكم؟.

مع الأسف يظهر في كل عهدٍ مَن ينزعج ويتضجّر مِن نشر الاسم المحمدي الجليل على صاحبه أفضل الصلاة وأتم السلام، ولكن القلوب التي وهبت نفسها لخدمة الإيمان والقرآن لا تأبه وهي تؤدّي وظائفها بهذا اللوم الجائر من هؤلاء، ولا يخشون تهديداتهم، ولا يَرتدُّون عن طريقهم، بل يسيرون دائمًا في طريق الحقّ دون أن يتعثّروا بالعوائق التي تعترضهم.

الاستخدام هو فضل وإحسان من الله تعالى

ثم يقول الله سبحانه وتعالى في ختام الآية: “ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَۤاءُ”؛ في إشارةٍ إلى أهمّيّة تلك الأوصاف جميعها، وأن الله تعالى يهبها من يشاء من عباده المصطفين وليس للناس أجمعين؛ بمعنى أن الله تعالى يقدّر الخدمة للمؤمنين الصادقين الذين وهبوا قلوبَهم له، وليس إلى أولئك الذين يرغبون في الحصول على الدرجات الدنيوية مثل الدكتوراه وما بعدها من أجل إحراز لقبٍ أو زيادة رصيدٍ مهنيٍّ مادّيٍّ ليس إلا، تأمّلوا معي، كيف خرجت -في فترةٍ ما- من بين الجبال الوعرة ذاتٌ عظيمة[1]؛ درس في المدرسة مدّةً وجيزةً تبلغ الستة أشهر أو السنة، ثم أخذ يلقّن الإنسانيّة دروسًا في تبليغ الدين والتديّن والقرآن، وفتح الباب للتجديد في الفكر، ولكن وهو يؤدّي هذه المهمة العظيمة لم يداخله الكبر والغرور قطّ، بل كان يعزو كلّ توفيقه إلى فضل الله وإحسانه، وهكذا فإن مفهوم قوله تعالى “ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَۤاءُ” يعبّر عن وصفٍ آخر من أوصاف الجدارة واللياقة لا يمكن الاستغناء عنه، وهو عدم الاغترار مطلقًا، واعتبار أيّ وظيفةٍ مهمَا عظُمت فضلًا ورحمةً وإحسانًا من الله تعالى.

 

[1] يقصد الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي.

 

التوازن في النهي عن المنكر

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ذكرتم من قبل أن مِن أهمّ خصال الأرواح المتفانية غضّ الطرف عن القبائح التي لا تعود بالضرر على المجتمع، ولكن عند النظر إلى مسألة النهي عن المنكر سنجد أنها تمثِّل أساسًا مهمًّا في الإسلام، وبناءً على ذلك فما حدود غضّ الطرف عن الآثام، وما هي ضوابط العفو عن السيئات؟

الجواب: لا بدّ لنا أن نفرّق هنا بين الذنوب أو الأخطاء الفرديّة وبين الجرائم والمنكرات التي تُعدّ انتهاكًا لحقوق المجتمع؛ لأن الموقف الذي يجب اتّخاذه يختلف باختلاف وضع كلٍّ منهما، فالأساس في الذنوب والأخطاء الفردية غضّ الطرف عنها وسترُها، والتعامل بالعفو والسماح بقدر الإمكان مع هؤلاء المسرفين على أنفسهم، ولكن إن كان هذا المنكر موجهًا لشخصٍ آخر أو يعود بالضرر على حقوق الناس فلا بدّ حينئذٍ من محاولة تغيير هذا المنكر باليد، فإن انعدمت الاستطاعة فباللسان، فإن انعدمت أيضًا فإننا -على الأقل- نتّخذُ موقفًا قلبيًّا رافضًا لهذا المنكر.

سبيل العفو والصفح في الحقوق الفردية

ولا داعي هنا إلى سرد الذنوب التي تخص الفرد؛ لأن تصوير الباطل يُكدّر العقول النقيّة، ولذا يكون ضررُه أكبرَ من نفعه، ولكن يمكننا أن نُدرِج الأقوال والأفعال التي نهى عنها الإسلامُ عامة في هذه القائمة، فلو أن الإنسان لا يشكّل نموذجًا سيئًا للآخرين، ولم يستخِفّ بأوامر الدين، ولم يستهِن بالقيم الدينية، أو ينتهك حقًّا للأمة؛ فحينذاك يمكن أن نعفو ونصفح عنه.

إن القرآن شدّد في مواضع متفرّقة على أهمّيّة العفو عن الناس ومعاملتهم بالحسنى وإن أساؤوا إلينا، فمثلًا يقول ربّنا تبارك وتعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 134/3).

فقد عدّت الآية الكريمة كظمَ الغيظ والعفوَ عن الناس والإحسانَ إليهم من خصائص المتقين التي يمتازون بها، ولذا يقع على عاتق المؤمنين بدايةً أن يتعاملوا مع الذنوب والأخطاء الفردية بشكلٍ يتناسب مع هذه الدساتير القرآنية، وأن يغضوا الطرف عنها ساترين إياها بقدر الإمكان.

وإن الموقف الذي ينبغي للمؤمن اتّخاذه إزاء بعض التصرّفات والسلوكيّات التي يقوم بها الجاهلون هو الإعراض عنهم وتجنّبهم؛ لأن الله تعالى قد وضّح للمؤمنين في عددٍ من آياته كيفيّة المعاملة مع هؤلاء، وقال لهم آمرًا: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 199/7)، وقال: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (سُورَةُ الفُرْقَانِ: 63/25)، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ: 3/23).

تجنّب نشر الذنب عند النهي عن المنكر

ومع هذا فإن أصرّ الإنسانُ على ذنوبه وأخطائه، واستهان بها، وشكّل مثالًا سيّئًا للآخرين بقبائحه أو اعتدى على حقوق المجتمع فيجب عندئذٍ الحيلولة دون وقوع هذا المنكر بشكلٍ مناسب، وقد أبان رسولنا صلى الله عليه وسلم عن منهج الإسلام في تغيير المنكر بقوله: “مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ[1].

وعلى ذلك فإنّ أوّل مهمّةٍ تقع على عاتق الإنسان تجاه أخيه الذي وقع في مستنقع الخطيئة؛ أن يأخذ بيده ويصلَ به إلى برّ الأمان، فإن لم تكن لنا طاقة على فعل هذا فعلينا أن نستعين بمَن هو أقدر على ذلك، ولكن عند القيام بهذا العمل لا بد لنا أن نكون على درجةٍ عاليةٍ من الدقّة والانتباه فنحذرَ من إفشاء الذنوب والخطايا ونشرها، أو أن نتحوّل إلى دلّالين مروِّجين للأخطاء والآثام، فالحذرَ الحذرَ من الوقوع في ذلك؛ حتى لا نبعث الخجل في نفس مخاطبنا؛ فيمشي ذليلًا خانعًا بين أفراد المجتمع؛ لأن المقصد الأساس هو إنقاذ هذا الإنسان من مستنقع الشرّ الذي تردّى فيه، ليس إلّا.

وتأتي النصيحة عند تعذّر تغيير المنكر باليد، ولكن المهم هنا هو أسلوب إسداء النصيحة؛ فمثلًا: لا بدّ من أن نراعي جميع البدائل عند إسدائها، وأن نحذَر الوسيلة والأسلوب الذي يفضي إلى قيام المخاطب بردّ فعلٍ سلبي، من أجل ذلك فعلى مَن يودّ إنقاذ أخيه من مستنقع الشرّ والآثام أن يحتاط لكلامه، فلا ينطق بكلمةٍ إلّا بعد أن يُعمِل فيها تفكيره جيدًا، فإن كان كلامُه سيُثير لدى المخاطب ردَّ فعلٍ سلبيٍّ فعليه أن يستعين بشخصٍ يحظى كلامه بالقبول والاحترام عند المخاطب ليقوم بهذه النصيحة بدلًا منه.

بل قد يتطلّب الأمر في بعض الأمور الحرجة أن ينسحب الشخصُ الناصحُ من الساحة تمامًا، ويُحاوِل إصلاح أخطاء مخاطبه بطريقٍ غير مباشر؛ كأن يكتب له خطابًا مختصرًا يسوده أسلوب الحِلْم واللين، لا لغايةٍ سوى أن يتحوّل المخاطب من حاله السيّء الذي رآه عليه إلى الحسن المنشود، ثم يرمي بالخطاب من تحت الباب أو يرسله بالبريد… وهكذا فإن تحاشيتم إبراز الأخطاء في وجه مخاطبكم حتى لا يقع في حرجٍ أو خجلٍ تكونون بذلك قد صُنتم كرامته وحفظتم له قدره.

فالهدف الرئيس هنا: هو أن نجعل المخاطب يُعرض عن ارتكاب المنكر، ولذا لا بدّ وأن نضع لكلِّ خطوةٍ نخطوها حسابها، وأن نُعرِض عن تأنيب مخطابنا بأيّ قول؛ فالمهارة لا تعني ذكرَ الذنب على أنه ذنب، أو جعلَ المذنب في وضعٍ حرِجٍ، بل المهارة هي إيجاد السبيل الناجع والأمثل الذي مِن شأنه أن يجنّب الإنسانَ الذنبَ.

الإرشاد والإنذار بابتسامة حزينة

ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المنكر والفاحشة إن لم يتيسّر تغييرهما باللسان فبالقلب، حيث قال: “فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ”، وقد فهم علماء الحديث من هذه العبارة -نظرًا إلى معناها العام- ضرورة التصدّي للمنكر قلبيًّا، ومع هذا يمكن إيراد شروح وتحليلات مختلفة عن هذا؛ فمثلًا قد يُفهمُ من هذه الجملة ضرورةُ قطع العلاقة القلبيّة بمرتكبي هذه المنكرات؛ حتى إنكم إن التقيتم إنسانًا كهذا قد تصبحون باشمئزازكم منه وتبسّمكم الحزين في وجهه وإعراضكم عنه وسيلة يفهم ذلك الإنسان خطأه بفضلها فيُقلع عنه.

إنكم بفعلكم وموقفكم هذا لا تعارضون الشخص، ولكن تعارضون فعله؛ فتبتهلون إلى الله قائلين: “اللهم خلّص أخي ممّا تردّى فيه من مصيبة، ونَفّره من ارتكاب هذه الذنوب والآثام” بل إنكم لا تكتفون بهذا؛ فتتضرّعون ألف مرّة ومرّة كي ينجو من تلك المصيبة قائلين: اللَّهُمَ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ“، وتعدّون هذا واجبًا من واجبات قانون الأخوة وحقوقها.

ذلك أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ[2].

وقد حدثوني قديمًا عن انحراف أحدهم، ومنذ ذلك اليوم لم يمض يوم من أيامي دون أن أذكره في دعائي بين يدي الله، وقد وقع كذلك أحد الإخوة من ذوي الطويّة السليمة في مشكلة عَقَدِيّة؛ فكنتُ أيضًا كلّما دعوت الله تعالى ذكرت هذا الإنسان في دعائي، وكنت أعتبر أيّ إهمالٍ منّي في هذا الموضوع إخلالًا بحقّ الأخوة وحقوقها، والله على ما أقول شهيد، ويمكن أن يُستدلّ على الدعاء القلبيّ بهذا الشكل من لفظ الحديث، ولذلك فإن فهم لفظ “فَبِقَلْبِهِ” الوارد في الحديث على أن المقصود منه البغضُ القلبي وقطع العلاقة بالشخص والإعراض عنه فقط فهمٌ ناقصٌ؛ إذ المهمّ هنا هو معارضة المنكر والفعل المشين الذي يبغضه الله تعالى والتصدّي له، وفعلُ كل ما في الوسع من أجل إزالته، وإنقاذُ من سقط في ذلك الخطإ من الإخوة.

حقّ العامّة من حقوق الله

إن المعارضة الجادة والحقيقية للفواحش والمنكرات التي قد تضر بالمجتمع بأي شكل من الأشكال -سواء أكان ذلك على نحوٍ واسعٍ أو ضيّقٍ- والعملَ على إزالتها والقضاء عليها يمثّل في الوقت نفسه ضرورة من ضروريّات احترام حقوق الله تعالى، كما أنها واجب ديني واجتماعي؛ إذ إنّ الإسلام -كما هو معلوم- يعتبر حقوق العامة من حقوق الله؛ أي إنَّ المساوئ والشرور التي تُفسد المجتمع داخليًّا شأنها في ذلك شأن العُثّة -بالنسبة لما قد تلحقه من أضرار وتتسبّب فيه من نتائج سلبيّة- ليست كالذنوب التي تظلّ محدودةً بالفرد نفسه لا تتعدّاه، ولذلك فإنه يستحيل إغفال هذا النوع من الشرور والخطايا أو الصمتُ في مواجهتها؛ لذا يجب على المكلّفين بفرض قوّة القانون أن يسعوا جاهدين لمنع هذه الأخطاء والشرور، وينبغي للمؤمنين الرجوعُ إلى الجهات المختصّة بشكلٍ مناسب، وتشجيعُ المسؤولين في هذا الشأن، ومساعدتُهم أحيانًا باستخدام حقّ الشهادة إذا لزم الأمر؛ ونكرّر مجدّدًا أن المقصد من كلّ هذه الأمور ليس إحراج إنسانٍ أخطأ وهوى، وإنما المقصد هو اتّخاذ موقفٍ ضدّ الفواحش التي تنهشُ البنيةَ المجتمعيّة من الداخل، والسعيُ والاجتهادُ من أجل صيانة المجتمع وحمايته من تلك الفواحش.

ويمكننا أن نتذكر فيما يتعلق بهذا الموضوع ويمثل مبدأً مهمًّا بالنسبة لنا: الآيةَ الكريمة التي نزلت في معرض الذمّ بشأن مجموعة من بني إسرائيل؛ إذ يقول الله تعالى فيها: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 78/5-79).

وإن أردنا توضيح معنى صيغة الفعل أكثر في قوله جلّ جلاله: “لَا يَتَنَاهَوْنَ” فيُمكننا القول: إن الذين يُشيرُ إليهم موضوعُ هذه الآية لم يؤسِّسوا آليّةً ولا فكرةً مشتركةً تحول دون ارتكاب المنكرات؛ إذ لم يكونوا يرجعون إلى الوعي الجمعي في هذا الموضوع أو يراعونه، ولم يكن بينهم ثمّة تنسيق، ولهذا فقد لُعن هؤلاء الذين لا ينهون عن المنكر، بل ومُسخوا[3].

إذًا ثمّة حاجةٌ لتأسيس فكرةٍ مشتركةٍ فيما يتعلّق بمهمّة الإنسان الذي يرى المنكر، وبما يجبُ على المسؤولين أولي القوّة فعله في هذا الشأن، والمسؤوليات التي تقع على عاتق المجتمع عامة في مثل هذه المواضيع.

والحاصل: أنه ينبغي للإنسان أن يحاول جاهدًا في العفو والصفح عمّا يُقال بحقّه من كلماتٍ وأقاويل ليست لائقة ولا مناسبة، وكما أن في المعدة والأمعاء إفرازات وأحماضًا تهضم الأطعمة، فلا بدّ أن تكون في عالم المؤمنين القلبي والروحي أنظمةٌ تُذيب هذا النوع من المساوئ والمنكرات وأوجه الظلم والجور وتقضي عليها، وبهذه الطريقة ينبغي للإنسان أن يعفو ويصفح -بكل سهولة- عن التصرّفات السيئة التي تُرتكب تجاهه، أمّا إنِ استُهدفت مجموعةٌ أو جماعة معيّنة في شخص إنسان ما وأُسيء إليها وإلى سمعتها فهذا يعني أن المسألة قد خرجت عن نطاق الفرد وتجاوزته إلى نطاق الجماعة، وليس من الصحيح ألّا ينتصر الإنسانُ لنفسه في مواجهة مثل هذا الظلم وألّا يدفعه عنها، بل ينبغي له العمل على دفع هذا الظلم بطرقٍ تتمثّل في توضيح الأمر وتصحيح الفكر وتفنيد الأكاذيب، حتى إنه يلزم -إن استمر الظلم والتمرّد في الجور- اللجوءُ إلى غير ذلك من الطرق القانونيّة من أجل إسكات المعتدين والحيلولة دون اضطهاداتهم، وكذلك رفع دعاوى قضائية تُطالب بالتعويض عمّا يلحق من ضررٍ بسبب تلك الافتراءات، ذلك أنّ بديع الزمان بالرغم من تصريحه بأنه صفح عمن طوّفوا به السجونَ، وحكموا عليه بالحبس الانفراديّ، ونقلوه من محبسٍ إلى آخر ودَسُّوا له السُّمَ في الطعام بضع عشرة مرة؛ لم يكن يصمت قطّ حين يتعلّق الأمر بالخدمة الإيمانية والقرآنيّة، فكان يُخرس الظالمين ويُفحمهم بصوته وخطاباته الجهوريّة، وبهذه الطريقة يدافع عن الحقوق والقرآن والعامة؛ كيف لا، وقد كان قدوته في ذاك رسول الله عليه أكمل التحيات، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها:

“مَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمُ بِهَا لِلَّهِ”[4].

 

[1] صحيح مسلم، الإيمان، 78.

[2] صحيح مسلم، الذكر والدعاء، 88.

[3] يقول عز وجل: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 165/7-166).

[4] صحيح البخاري، المناقب، 23؛ صحيح مسلم، الفضائل، 77.

 

روحُ التجديد والعناية الإلهيّة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما هي السّمات البارزة لمن يتوق إلى التجديد في الفكر والشعور الديني؟

الجواب: إننا لن نقدر على فتح صفحةٍ جديـدةٍ دون انتزاع الــمُتَلَقَّيات والتصورات والأفكار المنحرفة الموجودة منذ سنين طويلة والتخلص منها، مثل إضناء الحياة الروحية في المناطق التي يعيش بها المسلمون وإذوائها بدرجة كبيرة، وتعطيل أجوائنا الدينية عن العمل، وتكميم ألسـنة القلوب بتنسية الوجد والعشق تمامًا، واتجاه المثقفين المفكرين والدارسـين إلى المادية الوضعية المتشدّدة وانحباسهم في قُمقُمِها، وإحلالِ التعصّب الأعمى محلَّ الصلابةِ والثباتِ على الحق، وطلبِ الآخرة والجنة على أنها دوامٌ واستمرار للسعادة الدنيوية المعتادة.

وليس المقصود من هذا القول أننا عاجزون عن انتزاع اللوثيّات التي حاصرت أرواحنا منذ بضعة قرون؛ بل بيانُ أنَّ بلوغَ بـرّ الأمان عسيرٌ غايةَ العُسرِ ما لم نتخلّص -كأمّة- من أسباب ودواعي انهيارنا وانحلالنا الحقيقيّة؛ مثل الطمع والكسل وطلب الشـهرة وشهوة السلطة والأنانية والميل إلى الدنيا وغيرها من الأحاسيس والمشاعر التي لا يمكننا التخلّص منها إلا بإذن الله تعالى وعنايته، والتوجّه إلى الحقّ بما يُعدّ جوهر الإسلام وحقيقته من استغناءٍ وجسارةٍ وتواضعٍ واهتمامٍ بِهَمّ الآخر وروحانيّة وربانيةٍ، ونُنقّيَ قلوبَنا بمشاعر الحق والصدق ونصبّها في قالبهما، لكن العُسرَ الشديدَ لا يعني المحال؛ فلا بد أن يتحقّق التجدّدُ والتغيّرُ المنشودُ ما لم تَخلُ السـاحةُ -وهي ليست خالية- من شـجعانَ مُخلصين للجوهر والذات، مالكين لإرادة التجديد، قادريـن على احتضان العصر واستيعابه.

ولو حتى طرفة عين

وكمثالٍ على ذلك: يمكننا النظر إلى حياة الإمام الغزالي الملقب بــ”حجّة الإسلام” من هذا المنظور؛ فلقد بلغَ أفقًا رفيعًا عاليًا في العلم الظاهري أوّلًا، بل إنه وصل إلى جميع المصادر التي يمكن الوصول إليها بالنظر إلى عصره، واضطلع على ما عجّتْ به المكتباتُ في عصره من مؤلّفات؛ ثم خَلَّفَ أعمالًا مباركةً جدًّا للأجيال اللاحقة، والواقع أن القرن الخامس الهجريّ الذي نشأ فيه الغزالي كان -من ناحية ما- عصرًا مباركًا وصلت فيه نهضتنا إلى القمّة، وهكذا فالإمام الغزالي الذي بلغ القمّة في العلوم الظاهرية لم يتقوقع بعدها في القوالِبِ الضيّقة لتلك العلوم؛ بل توجّه إلى الأفق الربّاني والروحانيّ الذي أكسبها قيمةً وعمقًا آخر؛ إذ يرى الغزالي أن ما يدوّنه العلماء من كلماتٍ وعباراتٍ في الكتب لا يتعدّى كونه نظريًّا إنْ لم يكن له بعدٌ معنويٌّ وميتافيزيقي، ويمكن الوصول إلى معرفة الحقيقة بتحويل النظريّ إلى عمليّ، وتطبيقه في الحياة تطبيقًا يُستشعر أثره في أفق القلب؛ ومن ثمّ فإنَّ من يحيون في فلك القلب والروح أقلُّ عُرْضَةً للانكسار والانهيار من غيرهم من أهل العلم.

وهكذا فإنه من المستحيل أن تتخلّى الرحمة الإلهيّة عن الإنسان الذي يرتقي إلى مدارج حياة القلب والروح وينسلخ من الرغبات والأهواء النفسيّة ويرى الفناءَ في نفسه والبقاءَ بالله، ولا أن تَكِلَه إلى نفسه في أفكاره وآرائه وأحاسيسه. أجل، إن الله تعالى لا يَكِلُ مثلَ هؤلاء الناس إلى أنفسهم ولو طرفة عين، بل ولا يسمح بانزلاقهم في الخطإ.

وكما هو معلوم فقد علَّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أمّته هذا الدعاء هدفًا تنشده وترجوه:

يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ[1].

 ورجال الإصلاح الذين جعلوا دعاء سيد المرسلين هذا هدفهم الأسمى وسعوا وبذلوا ما في وسعهم في ذلك الاتجاه ساروا دائمًا تحت أطياف نور المعيّة الإلهيّة بإذن الله وعنايته.

لا يُضيّعُ اللهُ مثقالَ ذرّةٍ من عمل

لذا يمكن القول إن الحقّ تعالى ألقى في صدور هؤلاء العظام -الذين تركوا بصماتهم على مرّ العصور- آراءَهم في الاجتهاد والاستنباط والتجديد، وإن نظرتم إلى كتاب “النتائج” لإسماعيل حقّي البرصوي وجدتم عباراته من قبيل: “جاءني إلهامٌ عند طلوع الفجر، وجال بخاطري هكذا” ويُفهمُ من هذه العبارات أن الحقّ تعالى يُنير طرقَ هؤلاء الأشخاص العِظام، ويفتح لهم الطرق، وبهذا يرون كل شيءٍ صحيحًا ويفسّرونه تفسيرًا صحيحًا، ثم يضطلعون بإنجاز الأعمال اللازمة وفقًا لسِمات المجتمع وظروف الزمان والمهمّة المكلَّفِينَ بها.

ويقول الحقّ تعالى في سورة الزلزلة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ: 7/99-8).

وفَهْمُ معنى هذه الآية الكريمة على نحو: “أن الإنسان سينال في الآخرة فحسب عقابَ وجزاء ما عمله في هذه الدنيا من خيرٍ أو شرّ” فهمٌ ناقصٌ، وأرى أنه يجب النظر إلى الموضوع هكذا: إن الإنسان سيُجازى في الدنيا أيضًا -ولو بقدرٍ بسيطٍ- على ما فَعَلَهُ من أوجه الخير أو ما ارتكبَه من صنوفِ الشرّ، وبما أن أوجه الخير الصغيرة ستلقَى -حتى وإن كانت كلّ واحدةٍ منها تزنُ ذرّة- جزاءَها في الدنيا فإن ما يُبذَلُ من خيرٍ وبرٍّ وإن كان يزن الكرةَ الأرضيّة ثقلًا في سبيل غايةٍ مثاليةٍ سيتحقّق جزاؤه يقينًا، ويتجلى كثيرًا في صورةٍ من صور العناية الإلهيّة.

ومن هذه الناحية فإنه لا يُتصوّرُ أن يتخلّى الله تعالى عن رجلٍ من رجال الإحياء الذين جعلوا هَمّهم أمّتهم، ونذروا أنفسهم لإحياء الناس وضحّوا بِمتَعِهِم الشخصيّة ولم يفكروا بأيّ شكلٍ من الأشكال لا في منصبٍ ولا في غَدٍ! ومَنْ يدري فقد يُوجِّه الله تعالى الإنسانَ صراحةً أحيانًا، وقد يُلقي بداخله رغبةً خفيةً في الشيء دون أن يُدرك الإنسان ذلك أحيانًا أخرى، ومهما تعرّض مثل هذا البطل من أبطال الانبعاث لمتاهات وطرق متعرّجة، ومهما مرَّ طريقه بأودية ساحقةٍ شاقّة؛ فلن يضل أبدًا، بل سيُواصل المسير في الطريق الصحيح دائمًا بإذن الله وعنايته.

وهذا النوع من أبطال الحقيقة الذين فتح الله لهم آفاقًا خاصّة يرون أحيانًا كلَّ شيءٍ منذ البداية واضحًا عيانًا بيانًا؛ لدرجة أنهم ما إن يواجهوا مشكلةً أو حادثةً حتى يقولوا بكلّ راحةٍ ويُسرٍ: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ﴾ (سُورَةُ يُونُسَ: 32/10).

فيُرْشِدون إلى الصواب ويَنطِقون بالحقيقة، وحين يواجهون في بعض الأحيان الأخرى حادثةً غامضةً ومبهمةً يقولون: “اللهم رضاك فحسب، اللهمّ وفقنا إلى اختيار ما يُرضيك كي يهتدي إليك هؤلاء الناس” ويلجؤون إلى الله تعالى بصدقٍ وإخلاصٍ وجدٍّ، ونتيجة لذلك يرون الحقّ وينطقون بالحقيقة، ويُوجّهون الناس إلى الطريق المستقيم.

لن يعودَ أحدٌ خاويَ الوفاض بعد الوقوف على بابه

إن كنتم تُعبرون في دعائكم عن صدقكم وإخلاصكم دائمًا قائلين: “اللهم إني ألوذ ببابك في مواجهة المصائب والابتلاءات التي لا أقوى عليها ولا أستطيع تحمّلها، اللهمّ لا حول ولا قوة إلا بك، اللهم إني ألوذ ببابك دون سواك فنجّني من الأخطاء والذنوب ووطأتها الثقيلة، وأعِنّي على الحياة، لا حول ولا قوة إلا بك، اللهم لا تكِلني إلى نفسي ولا إلى أحدٍ سواك طرفة عين في كلّ قولٍ أو فعلٍ أقوم به في سبيل إرشاد الناس وهدايتهم، اللهم لا تحرمني أبدًا تجلّيات هدايتك وإرشادك، اللهم اهدني إلى الطريق المستقيم دائمًا، واجعلني مخلصًا صادقًا في كلّ تصرّفاتي وأفعالي، اللهم لا تحرمني عنايَتَك ورعايتك حتى تؤثر أقوالي وأفعالي في الناس، اللهم إنّني أعلم أن أهل الضلال سيعترضون طريقي بينما أجادل وأسعى في سبيل الإرشاد والتبليغ، وسوف يهاجمونني ويعتدون عليّ متذرّعين بأمور تافهة، اللهم إنني ألوذ بِك وألجأُ إلى عنايتِك وحمايتِك وكنفِك دون سواك، فوفقني اللهمّ إلى التصدّي لهم دون انحناءٍ ولا تذلّل ولا انكسار ولا تنازل ولا تراجع، وأكرمني بالذلّ والانحناء بين يديك دون غيرك، اللهمّ إني ألوذ ببابك، ولا حول ولا قوة إلّا بك، اللهمّ إنني أعترف بعجزي عن تنقية قلبي، وبتقصيري في مراعاة حقوقك كما ينبغي، لذا فإنّني ألوذ ببابك مجدّدًا وأسألك أن تُنقِّي قلبي كما يُنقَّى الثوبُ الأبيض من الدَّنَسِ فتُعيده كحاله أوّل ما خلقته، ولا حول ولا قوّة إلا بك”.

فإن الحق تعالى لن يردّكم صفر اليدين ولن يُضيّع دعاءكم وتضرّعكم هذا دون نظيرٍ ولا مقابل، ولن يكِلَكم إلى أنفُسِكم طرفةَ عينٍ في اجتهاداتكم واستنباطاتكم واختياراتكم.

أجل، إن كنتم تعيشون حياتكم بهذا النهجِ وتلوذون ببابه صباحَ مساء؛ فتعرضون عليه حاجاتكم الواحدةَ تلوَ الأخرى وتُلِحُّونَ في الطلب فإن الله جل جلاله الذي يسمعُ ذلك ويعلمه ويراه سيُجيبكم لا محالة، ولن يَرُدّكم خائبين، وكما ذُكِرَ كثيرًا في أوراد أهل الحقّ وأوليائه المؤثرة والعميقة التي تحرق القلوب وتُجيّش مشاعرها؛ فليس ثمّة أحدٌ حتى الآن ممّن طرقوا بابَه عادَ خاويَ الوفاض، وهناك الكثير ممّن تخبّطوا في أخطائهم وذنوبهم فلمّا لاذوا ببابه ولجؤوا إلى عفوِه ومغفرِته وجنابه، غشيَتْهُم رحمتُه ولَفَّهم إحسانُه ولطفُه وعنايتُه رغم ما اقترفوه في السابق من ذنوب وآثام.

والحاصلُ: أن الحقّ تعالى من شأنه ألّا يتخلّى عن طالبي التعمير والإصلاح والتجديد وإن لم يحظوا بمراتب الفناء في الله والبقاء بالله ومع الله، وعجزوا عن الوصول إلى الذات الإلهية عبر المرور بمراتب علم اليقين فــعين اليقين فـــحق اليقين، ولا يمتلكون رصيدًا حقيقيًّا في هذا السبيل سوى أنهم مخلصون وصادقون لأقصى درجة، ودائمًا ما يبتهلون إلى الله تعالى ويضرعون إليه ويلوذون ببابه بصدقٍ تامٍّ ويتوجّهون إليه سبحانه متضرعين قائلين: “اللهم الإيمان الكامل، اللهم الإسلام الأتم، اللهم الإخلاصَ التام، اللهم الصدق”؛ فقد شملهم الله بحفظه عبر حمايته ورعايته ونُصْرَتِهِ إيّاهم.

 

[1] النسائي: السنن الكبرى، 6/147؛ البزار: المسند 13/49.

 

أفق التضحية حتى بالأذواق والملذات الأخروية

Herkul-ARB | | العربية

 

سؤال: ما معنى قول الأستاذ النُورْسي رحمه الله: “لقد افتديت دنياي وآخرتي في سبيل إنقاذ إيمان المجتمع[1]“؟

الجواب: لقد سبق هذه القامةَ الشامخةَ سيدُنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، والكثيرُ من أولياء الله مثل منصور الحلاج والإمام الرباني أحمد الفاروقي السرهندي وغيرُهم، وقالوا مثل هذا الكلام، ولقد عاش هؤلاء في قلقٍ واضطرابٍ كالملائكة الحفظة الذين يقفون على أبواب جهنم؛ حتى لا يتردّى أحدٌ في النار، وفَرَدُوا أذرعهم وشبَكوها كالمقصّ، وقالوا كما قال نجيب فاضل: “هنا زقاقٌ مسدود”.

ضحى بدنياه أوّلًا!

ذكر بديع الزمان سعيد النورسي في مقولته أولًا أنه قد هجر الدنيا حتى يَسلم إيمانُ غيره، والحقيقة أنّ كلَّ مَنْ يُلقي نظرةً على حياة هذه القمّة الشامخة سيجد أن عمره من أوله إلى آخره يقرّر هذه المقولة؛ لأن نمط الحياة الذي اختاره لنفسه لا يمكن لإنسان عاديٍّ أن يتحمّله؛ فحياته حافلة بالنفي والسجن والاضطهاد والظلم، فلم يكتفوا بأن وضعوه في سجنٍ انفرادي، بل أودعوه -ولتسامحني هذه الروح الطاهرة- في مكانٍ يشبه مكان قضاء الحاجة بالنسبة لهم، فضلًا عن ذلك فتحوا نوافذ هذا السجن على مصراعيها؛ حتى يتجرّعَ برودة الشتاء القارس، ولم يكتفوا بهذا أيضًا بل سمّموه تسع عشرة مرة، دع عنك هذا الظلم والإيذاء الجسدي في السجن، فقد أفردوا له عناصر أمنٍ يتتبّعونه ويُلاحقونه في الخارج.

بيد أن الأستاذ النورسي لو شاء لكان بمقدوره أن يُصبح صاحب جاه ومنصبٍ، ويعيش كغيره حياةً ملؤها الراحة والرفاهية والنعيم، والتنعم بلذائذ الدنيا؛ لأنه كان ذا عقلية سليمة؛ وضع منذ اللحظة الأولى مشاريع وخططًا عظيمة؛ فأثرت أحاديثه وكتاباته في جموع الناس، كتب في عهد المشروطية كتابه المسمى “السنوحات”؛ والذي تحدّث فيه عن القلاقل والاضطرابات الواقعة في تلك الفترة، ووضع في هذا المؤلَّف أيضًا كثيرًا من القواعد التي يمكن الإفادة منها في حلّ المشكلات، كما أبدع في كتابته لمؤلفه “المحاكمات” حتى أبهرَ علماء عصره، وطوّف بالأناضول، وأقنع العشائر التي تتحيّن الفرصة للتمرّد بالعدول عن فكرتها، وألقى خطابات في الميادين تهدِّئ من روع الفرق المتمرّدة، كان صاحب شجاعة وجرأةٍ جعلته يصيح بأعلى صوته بعد أن حوكم في المحكمة العسكرية: “تحيا جهنمُ للظالمين”؛ معلنًا أنه لن يُعرِض مطلقًا عن أفكاره ومشاعره.

فلو كان يفكّر قليلًا في الدنيا ودارى مَن حوله لعاش حياته في بُلهنيةٍ ورفاهية، ولو حاز على مقعدٍ في البرلمان في السنوات التالية لحرب الاستقلال، فجلس في صمتٍ وسكونٍ غير متطلّع إلى شيءٍ لَلاقى مزيدًا من الشكر والتقدير، ولخُصّص له جزءٌ من المخصّصات السرّيّة، وعُرض عليه كغيره الحدائق والبساتين والشاليهات والفيلات، ولكان بإمكانه أن ينعم بحياةٍ ناعمةٍ مرفّهة، وأن يعيش حياته الدنيوية في رغدٍ وراحة بال، لكنه دفع كلّ هذا بظهر يده في سبيل دعواه، وابتغى حياةً لا تُطاق من أجل سلامة إيمان غيره.

ما معنى التضحية بالآخرة؟

من جانبٍ آخر ذكر الأستاذ النورسي أنه قد ضحى حتى بآخرته في سبيل تحقيق سلامة إيمان المجتمع، فلم يفكّر حتى في نفسه؛ بمعنى أنه لم يلجأ لتقوية صلته بربّه سبحانه وتعالى إلى حياة الانزواء والمجاهدة ورياضة النفس، ورقيّها معنويًّا، وانفتاحها على آفاق الذوق الروحاني؛ ومن ثم تظهر على يديه الكرامات، ويحظى بإجلال وتقدير من حوله، وكما لم يبتغ عرضًا من أعراض الدنيا لم يتشوّف إلى أيّ جزاءٍ أخرويّ؛ لأنّه جعل غايته المثلى الوحيدة هي سلامة إيمان الأمة.

ولكن ألم يكن له في الله أيّ مطمعٍ أخروي؟ كان له بالتأكيد، ولكنه كان يتشوّف إلى ذلك بفضلٍ من الله وكرمه ورحمته.

وهنا أريد أن أنبّه إلى أنّ الأستاذ النورسي رحمه الله وأمثاله من العظماء الذين كانوا يتبنّون المنهج الفكريّ نفسه قد تكاملوا مع أمّتهم حتى أصبحوا جزءًا من بنيتها الأساسيّة العامة، لقد صاروا وكأنهم خليّة من الخلايا العصبية القابعة في هذه البنية؛ ولذا كانوا يشعرون -بعمقٍ- بما يصيب هذه البنية من خيرٍ أو شرّ، ويتأثّرون بشكلٍ بالغ بهذا، وهناك قولٌ يُعزى إلى سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه فحواه “اللهم كبِّر جسدي لأملأ جهنّم بمفردي”، ولقد كان الأستاذ النورسي أيضًا يقول: “إن رأيتُ إيمان أمتنا في خيرٍ وسلامٍ فإنني أرضى أن أُحرق في لهيب جهنم دونها”.

لكن من المتعذّر أن يَفهم هذا الكلامَ بمعناه الحقيقي شخصٌ ليس له من رحابة الصدر كما للأستاذ النورسي. أجل، حتى يستوعب الإنسان هذا الأفق من التضحية عليه أن يشعر بما يصيب غيرَه الآن من عذابٍ محقّق وما سينزل به من عذابٍ مقدّرٍ أو محتمَلٍ فيما بعد وكأن نارًا تضطرم في داخله، وهذا منوطٌ بأن يكون الإنسان ذا صدرٍ رحبٍ يحتضن كلَّ البشرية، وإذا شئتم فأطلقوا على هذا “الضميرَ العالمي”، فمَن يحملون هذا الضمير يفرحون لسعادة غيرهم ويحزنون لأتراحهم، فأينما نزلت النارُ بأي بقعةٍ في العالم أحرقتهم؛ لأن صدورهم تكتوي بلهيب هذه النار.

ولذا فإنه ليس بوسعِ أشخاصٍ عاديّين أمثالنا -وإن لم نقل هذا بالنسبة للجميع- أن يفهموا هذه الآراء والملاحظات الواسعة تمام الفهم؛ فنحن وإن استطعنا أن نُحسَّ بقدرٍ معيّنٍ بآلام أطفالنا وأزواجنا وأصدقائنا -إن وجدت- إلا أننا لا نمتلك صدرًا واسعًا بمقدوره أن يحتضن الإنسانية جمعاء، ولأننا لم ننفتح على أفقٍ معرفيّ كهذا ولا سعةٍ وجدانيّةٍ كتلك فإننا نعاني كثيرًا في فهم مدى الهموم التي أَضْنَتْ وأرهقت أولئك الأشخاصَ العظامَ.

لقد أتوا ذات مرّة بشخص -كنت أعرفه من قبل- إلى أحد دروس الأستاذ “يَشَارْ طُونَاكُورْ (Yaşar Tunagür)”، وقد تحدث المرحوم في وعظه هذه المرة أيضًا -كعادته- بشوقٍ عميقٍ ودموعٍ مدرارة، وفي حين كنت أحسب أن هذا الضيفَ تأثّر بهذا؛ إذ سمعته يقول: “لماذا ينتحبُ هذا الرجل على نحوٍ سيّءٍ هكذا!” فأخذتني الحيرة وحزنتُ حزنًا شديدًا؛ إذ كنتُ أرى أمامي فكرًا فظًّا محرومًا من قدرة ومَلَكَةِ الفهم والحس في جانب، وفي جانبٍ آخر: وجدانًا وضميرًا رحبًا يمثّل نموذجًا للرقّة التي تنساب خارجه، وإنّ فهمَ ما يشعر ويحسّ به وجدانٌ رحبٌ فسيحٌ على هذا النحو مرهونٌ بمشاركته ذات الأفق الذي يُحلّق فيه.

ضرورة تقديم حقوق الله على كلّ شيء

لم تفكّر القمم -من أمثال الشيخ الجيلاني والإمام الغزالي والإمام الرباني وبديع الزمان- في نفسها فقط؛ نظرًا لأنهم اهتمّوا بدائرةٍ واسعةٍ جدًّا واعتنوا بمجال فسيح للغاية، أما من نالوا سعادة التعرُّف على مثل هذه الشخصيات البارزة فينبغي لهم أيضًا أن يركضوا ويسارعوا طلبًا للمشاركة في أفق التضحية عينه. أجل، إن الأرواح التي نذرت نفسها للحقّ ينبغي لها ألا تلهث وراء أفكار دنيوية من قبيل الصعود إلى قمم الجبال صيفًا، والنزول إلى السفوح والبيوت الساحلية شتاءً بغيَة التلذُّذ والتمتّع، عليهم أن يركلوا بأطراف أقدامهم مثل هذه الأفكار التي قد تخطر ببالهم، بل تجب عليهم -إلى جانب هذا- التضحية بالفيوضات المعنويّة التي منها إظهار الكرامات والكشف واستقراء بواطن الناس والتجوّل في الملاحظات والآراء الميتافيزيقية والتحليق سويًّا مع الروحانيّين، وعليهم أن ينذروا أنفسهم لإنقاذ إيمان الأمة فحسب، أما في مواجهة أحاسيس هذا النوع من الفيوضات الإلهية التي تتحقّق دون طلبها فينبغي أن ينتابهم القلق ولسان حالهم: “تُرَى أيمتحنني الله تعالى بهذا؟” ويجب أن يكون موقفهم على نحو: “اللهم إن كان كلّ واحدٍ من هذه الأمور ليس “استدراجًا”، بل لطفًا منك؛ فلك الحمد، إلا أنني لا أطلبها”، إنّ فهمًا قويًّا حذِرًا على هذا النحو يعني في الأساس تقديم حقوق الله على كلّ شيءٍ دائمًا.

وهنا قد يكون من النافع لفتُ الانتباه إلى نقطة ربما يُساءُ فهمُها: إن تضحية الإنسان بآخرته أو التضحية بالفيوضات المعنوية لا تعني إهمال العبادة والطاعة والأوراد والأذكار أو تركها، بل إن الأمر على العكس من ذلك؛ إذ إن المستهدفَ -إلى جانب ضرورة الوفاء بها على أكمل وجه وأتمه- ليس الكشف والكرامة، ولا المتع ولا الملذات الروحانيّة، وإنما وفاء الإنسان بوظيفة العبودية، وإشعاره الآخرين بطعم ولذّة ما ذاقه وأحسّ به، كما أنه يستحيل على الفرد الذي لا يحمي إيمانه ويصونه بالعبادة والطاعة والأوراد والأذكار أن يُنقذ إيمان غيره.

أما الأمر الأخير في هذا الشأن فيمكنني أن أقول: إن تجاهل الإنسان نفسه وعدم تفكيره فيها واهتمامه الدائم بمشاعر وأحاسيس إحياء الأنفس، وذكره الله تعالى دائمًا، وقضاءه ليله مفكّرًا في الإنسانيّة؛ كلّ هذه من أوصاف الأنبياء، وفي حين أن الناس يصنفون في الآخرة وفقًا لفئات معيّنة فإن من يعانون ويكابدون في سبيل الله والدين والإيمان والقرآن والإنسانية يُحشرون مع النبيّن بإذن الله تعالى، ولهذا فلا بدّ من إعلاء الهمم، ونبذ مشاعر العيش الأناني، والسعي دومًا في سبيل مثالية الإحياء والإعاشة.

 

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: سيرة ذاتية، ص 491.

 

النوابغ وانكشاف القابليّات

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: يرد مصطلح النوابغ في مؤلّفاتكم ودروسكم، فما المقصود بهذا المصطلح؟ وما الأمور التي لا بدّ من مراعاتها من أجل انكشاف قابليّات مثل هؤلاء الناس؟

الجواب: يُقصد بالنوابغ هذه العقول التي تسعى إلى فهم الأشياء والأحداث والكون والإنسان والمجتمع والعصر الذي يعيشون فيه، وتبذل وسعَها لنقل هذه المعلومات النظرية التي فهمتها إلى الواقع المعيش؛ وفي هذا السبيل تفكِّرُ وتدقق وتبحث باستمرار، ولما كان يدفع هؤلاء عشقُ الحقيقة وحبُّ العلم والولعُ بالبحث استطاعوا أن يحلوا -بفضل من الله وعنايته- المشاكلَ التي انكبّوا على حلّها، وأن يُحرزوا الكثير من النجاحات، وأن يكونوا وسيلةً لإنارة المجتمع الذي يعيشون فيه.

القابليات وسيلة امتحان

غير أنّ مَن أحرزوا مثل هذا المستوى يتعرّضون لمخاطر جدّية، فمثلًا يُداخلهم وَهمٌ بأنهم متميّزون عن غيرهم، فيعتقدون -اعتمادًا على قدراتهم ومهاراتهم- أنّ باستطاعتهم حلَّ جميع المشاكل التي يقابلونها والتغلّب عليها بذكائهم وقابلياتهم، وبسبب هذه الحالة يستبدون برأيهم، أو يتعاملون بخشونة وغلظة واستغناءٍ مع الأفكار والمقترحات الأخرى لأنهم يرغبون في التأكيد على عِظم أفضليتهم؛ بمعنى آخر: فإن انفتاح هؤلاء أكثر من غيرهم على آفاق عالية في بعض المسائل قد يجعلهم ينظرون إلى غيرهم باستعلاء ويستخفون بآراء غيرهم، بل إنهم ربما يُنمّون في أنفسهم صفة التمرّد، ويلجؤون إلى الاعتراض على الفور، حتى وإن طُرحت عليهم أفكارٌ عقلانية ناشئة عن تفكّرٍ عميق، وينسون أن الحقّ يعلو ولا يُعلى عليه.

والحق أن مثل هذه الانحرافات ناجمةٌ عن قصورٍ في التربية، فالمعلّمون قديمًا كانوا مربّين حقيقيّن في الوقت ذاته؛ بمعنى أنهم كانوا قدوةً حسنة لمَن حولهم في جلوسهم ونهوضهم ووقوفهم واعتقاداتهم وأفكارهم ورؤاهم العامة؛ كانوا يربونهم بلسان حالهم، ولكن من الصعب جدًّا أن نقول: إن التعليم في النظام التعليمي اليوم يسير مع التربية كفرسَي رهان، وهذا الحال لا يمكن أن يجبر القصور في التربية حتى وإن كان التعليم في مستوى متقدِّم عنها، فالتربية تعني الارتقاء بالإنسان العادي إلى الإنسانية الحقّة، فعلى المربين المثاليّين أن يكونوا على مستوى يستطيعون من خلاله إقامة صرح إنسانيٍّ وكأنهم نحّاتون مهرة، فإن لم يَتَتَلْمَذ النوابغ على أيدي مربّين جيّدين ولم يخضعوا لتأثيرهم فمن الصعب جدًّا أن ينسلخوا عن فكرة “أنا أعلم الناس”، أو استيعاب فكرة الاستفادة من الآخرين.

المقهورون تحت الأنانية

وقد حدّثْتكم من قبل في مناسباتٍ شتى عن موقفٍ لبطلٍ من الأبطال الذين يشلكون الرعيل الأول؛ ممّن قاموا -طوال حياتهم- بخدمة الأستاذ النورسي رحمه الله رحمة واسعة، كيف أنّه في مجلسٍ ما خالفَ أحدهم رأي هذا البطل الكريم، فقال له والابتسامة تعلو شفتيه “حقًّا يا أخي، ربّما يكون الحقّ معك”؛ وذلك لأنه أدرك أن مخاطبه ليس في حالةٍ روحيّةٍ تسمح له بالاعتراف بالحقيقة وفهمِ ما يُقال، ولكن لما شاهد المعترض بعد مدّةٍ فساد رأيه في عديدٍ من المواطن جاء إلى هذا الرجل العظيم وقال له هذه المرة: “سيدي، لقد أخطأتُ الرأي، فلقد كان الحقّ معك في ذلك اليوم”، وإذ بهذا السيد الكبير يقول له دون أن يغيّر من طوره: “لا ضيرَ يا أخي لا ضير”.

ولقد قابلت أنا أيضًا مثل هذه الحادثة كثيرًا، غير أنني في كلّ مرّةٍ كنت أتجاوزها، لأن مثل هؤلاء الناس يظنون أن عقولهم قد بلغت كلّ مسألة، فيعترضون على كل شيء، ففي هذه الحالة عليكم أن تتركوا المسألة للوقت، حتى لا تتفاقم المشكلة، وينفضّ الناس من حولكم، والتاريخ حافلٌ بكثيرٍ من هذه الأمثلة المريرة، على سبيل المثال “هتلر”، كان يتمتّع بشيءٍ من المهارات، ممّا دفعه إلى الإعراض عن الدخول في قالب معين أو إلقاء السمع لأيّ نصيحة؛ لأن مرض الاستعلاء قد استولى عليه، وفي النهاية عرّض أمةً عظيمةً للهزيمة في سبيل مجازفة من مجازفاته، وما زال شعبه يلعنه حتى يومنا هذا.

تنشئة النوابغ يتطلّب اهتمامًا خاصًا

إن السبيل الوحيد لحماية الناس من مثل هذه الصفة التمردية الخاطئة هو ضمان امتثالهم للمجتمع عبر تربيتهم وتأهيلهم؛ إذ ينبغي بيانُ أهمية الوفاق والاتفاق لهم باستخدام أساليب ومناهج متنوعة عبر إيجادِ وسيلة ملائمة لذلك، ومن الضروي القول: إن مزيدَ عناية الحق تعالى ورعايته مرتبطٌ بهذا الأمر، ولا بدّ من التأكيد على أنّه من الفضيلةِ أن يتخلّى الإنسان عن فكره الشخصي -مهما كان دقيقًا وصائبًا- حفاظًا منه على التناغم والانسجام العام.

ومع ذلك فإن تركَ مثل أولئك الناس يعيشون مع أخطائهم الخاصّة بهم في مسائلهم الشخصية التي لا تتعلّق بحقوق العامة؛ قد يكون -في بعض الأحيان- سبيلًا مفيدًا من أجل تربيتهم؛ فليتمادوا بقدر ما يستطيعون، وليتخبّطوا ثم ليرجعوا إلى أنفسهم فيقولون: “لقد كنتم على صوابٍ!” وذلك لأن ضمان إدراك الأشخاص أخطاءهم بإرادتهم الشخصية والحرّة أمرٌ مهمٌّ جدًّا في تربية الإنسان وتنشئته.

والإنسان حين يرى إنسانًا قديرًا كفؤًا يُفني عمره في سبيل أنانيته لاهِثًا وراء الأهواء والنزوات يعجز ألا يتحسّر عليه ويقول بشأنه: “ليته!..” ليت الأشخاص العوالي الهمم، المدركة عقولهم مختلف المسائل، القادرين على حلّ المشكلات، الشجعان المقدامين -ليتهم- يستخدمون قواهم وقدراتهم وملكاتهم ومواهبهم هذه من أجل إعلاء شأن الدين الإسلامي المبين، وفي سبيل بيان ثقافتنا الأمميّة بدلًا من السعي إلى إثبات النفس والاعتراض على هذا وذاك؛ ذلك لأن النوابغ التي تستخدم ما وهبها الله تعالى من قدرات ومواهب بشكلٍ متلائمٍ مع الهيئة التي تتواجد فيها في سبيل الوصول إلى غايةٍ ساميةٍ؛ بوسعها أن تتسبّب في إنجاز عديدٍ من الأعمال والأنشطة النافعة.

ومن ثم فإنّ مسؤوليّةً كبيرة تقع على عاتق الأشخاص والأفراد الذين يدفعونهم ويتولّون أمرهم. أجل، ينبغي لمن هم في موقع الإدارة أن يبذلوا جهدًا حقيقيًّا وكبيرًا بغيةَ اكتساب هذه النوعية من الناس، وضمان عملهم على نحوٍ يتلاءم مع المجتمع الذي يعيشون فيه، والاستفادة من مواهبهم بهذه الطريقة؛ فإن كان هؤلاء الأفراد الأفذاذ سيضطلعون بعمل عشرة أشخاص وجبَ على المسؤولين القائمين على أمرهم أن يخصّصوا لهم من الوقت والجهد ما يخصّصونه لعشرة أشخاص -إن لزم الأمر-؛ فقد بذل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جهدًا حقيقيًّا وعظيمًا -كما هو معلوم- كي يَدخُلَ الإسلامَ أصحابُ القدرات والمؤهّلات الفريدة من أمثال خالد بن الوليد وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة؛ فصقل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه النوعية من المواهب والكفاءات التي كانت ذات مكانةٍ مرموقةٍ في المجتمع الجاهلي وعجنها وأولاها اهتمامًا خاصًّا، ثم ترك أمرها للدين، وبالطبع فقد صار كل واحدٍ من سادتنا الصحابة هؤلاء وسيلةً في تحقّق الكثير من الخدمات العظيمة الجليلة بالنسبة للإسلام.

وإذا نظرتم إلى التاريخ العثمانيّ وجدتم أن السلاطين العثمانيّين كانوا إذا ما اكتشفوا صاحب موهبةٍ عبقريّةٍ سارعوا وسعوا من أجل اكتسابه والفوز به؛ وقد اكتشف إداريُّو ذلك العصر بفضل فراستهم وحدسهم المواهبَ وشجعوها حتى وإن كانت من ثقافاتٍ وأديان مختلفة، وبحثوا عن الطرق والسبل المؤدية إلى الفوز بهم، وفي ظلّ هذا دخل الإسلامَ أمثال “زاغنوس (Zağanos)” و”أفرنوس (Evrenos)” و”غازي ميخال (Gazi Mihal)” و”المعمار سنان (Mimar Sinan)” و”صوقوللو (Sokullu)” -جزاهم الله خير الجزاء-، ودخلوا تحت إمرة الدولة العثمانية، وخدموا الإنسانية طيلة عمرهم؛ فكان من بين هؤلاء القائد والصدر الأعظم -رئيس الوزراء في عصرنا- والمعماري، فأدّوا خدمات نافعةً ومفيدة جدًّا لأمتنا.

 ومن الواجب البحث -دون إفراطٍ ولا تفريطٍ- عن طرق اكتساب النوابغ باسترضائها وتشجيعها والاحتفاء بها ومكافأتها بشكل مناسب؛ إذ إن التصرّف على هذا النحو خلقٌ إلهيٌّ في الأساس؛ لأننا نشاهد في شؤون الله الجليلة أنه لا يترك جلّ جلاله أيَّ نجاحٍ دون أن يكافئ ويثيب عليه، وما يلزم القيام به من هذه الناحية هو مكافأة وتقدير النوابغ من أجل اكتشاف المواهب والنوابغ المختلفة من جانب، وإثارة مشاعر وفكرة نفع البشرية في أرواحها من جانبٍ آخر.

 

تنظيم الوقت وحياتنا الأسرية

Herkul-ARB | | العربية

 

سؤال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلَ دعوةٍ ودولة، وفي الوقت ذاته أبًا وزوجًا وأقربَ صاحبٍ لأصحابه، ومع ذلك كان ينظّم وقته ولا يخلّ بأيّ حقٍّ لهؤلاء، وعلى ذلك فما الذي يجب على ذوي الغايات السامية أن يراعوه عند تنظيم أوقاتهم حتى يقيموا توازنًا بين الحقوق التي عليهم؟

الجواب: تنظيم الوقت يعني النظرَ بعين الاعتبار إلى جميع الأمور التي ينبغي القيام بها، وتحديدَ أولوِيّاتها، وتخطيطَ الحياة وفقًا لذلك، ويدخل ضمن هذا التخطيط أيضًا؛ حياتُنا التعبّدية مثل الصلاة والذكر والدعاء، فضلًا عن المسؤوليّات التي يجب علينا القيام بها تجاه مَن نحن متكفّلون برعايتهم كالأسرة والأولاد وغير ذلك.

فمثلًا المؤمن لا يترك قيام الليل بحجّة الخدمة، بل يجب عليه ألا يفعل ذلك. أجل، يجب على القلب المؤمن أن يأخذ نصيبه من قيام الليل، ولو بصلاة ركعتين، فالواقع أن الإنسان الذي يستيقظ ليلًا ويخصص مابين عَشر دقائق إلى خمس عشرة دقيقة من وقته لصلاة التهجد والدعاء لا يخسر شيئًا ألبتّة من حياة الخدمة، بل على العكس يفوز بأشياء كثيرة؛ لأن مَن يُحسن استغلال ليله يسلُك طريقَ الانبعاث، والتهجد ليلًا أمرٌ يُباهي الله به ساكني الملأ الأعلى، والدعاء في هذه الأوقات من الليل لا يُقارن بغيره من الأدعية، وكذلك فإن وضع الجباه على الأرض، والوصال مع سجادة الصلاة، والخضوع والتذلّل لله تبارك وتعالى، وسكب العبرات وسط هذا الصمت الرهيب الذي يمتاز به الليل البهيم لهو أمرٌ عظيم لا يمكن مقارنته بالعبادات التي تُؤدَّى في الأوقات الأخرى، من أجل ذلك علينا ألا نتغافل عن قيام الليل عند تنظيم يومنا.

“أعط ِكلَّ ذي حقٍّ حقّه”

وكما يجب على الإنسان ألا يُعرِض عن العبادات التي تغذّي حياته القلبية والروحيّة فعليه أيضًا أن ينظر بعين الاعتبار إلى الحقوق العامة في حياته الاجتماعية، ويضع لها ترتيبًا على قدر أعبائها، ولا يعزب عن عِلمكم ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة الذين أهملوا ذويهم ليتفرّغوا لعبادة ربّهم: “إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعط كلّ ذي حقٍّ حقّه”[1].

وكما رأينا يشير الحديث إلى أنه من الضروريّ ألا يتسبب الانشغال حتى بالعبادة إلى إهمال الإنسان للحقوق التي عليه مثل حقّ نفسه، وحقّ زوجته، وحقّ أبنائه… إلخ.

وكما تعطي مسألة تخصيص خمسة أوقات للصلاة دروسًا مهمّةً للمؤمنين في تنظيم الوقت، كذلك فإن الآيات الكريمة التي تتحدّث عن حكمة خلق الليل والنهار تمدّهم ببعض المعطيات في هذا الشأن، فمثلًا يقول ربّنا تبارك وتعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (سُورَةُ القَصَصِ: 73/28).

فهذه الآية الكريمة وما شابهها ترشد المؤمنين إلى موضوع تنظيم الوقت، وتقول لهم: إن نظّمتم أوقاتكم، وأدّيتم نهارًا ما عليكم أن تقوموا به نهارًا، وأدّيتم ليلًا ما عليكم أن تقوموا به ليلًا، فُزْتم من الليل ببعدٍ آخر، ومن النهار بأفقٍ مختلف وتخلّصتمْ من التشوّش والاضطراب في حياتكم، وما تعثّرتم بالعقبات الناشئة عن الفوضى والعشوائيّة، ونعمتم بحياةٍ أكثر بركةً ونماءً.

تخطيط الأربع والعشرين ساعة

فإن كنتم تنشدون من وراء تنظيم أوقاتكم أن تكون أوقاتكم أكثر بركةً وتنظيمًا فعليكم أن تضعوا جدولًا لكل ساعات اليوم الأربع والعشرين، فإن فعلتم ذلك استطعتم أن تحدّدوا بشكلٍ واضحٍ أيَّ الأعمال التي ينبغي لكم القيام بها في أيّ ساعات اليوم؛ بدءًا من الالتقاء بالأصدقاء حول الحديث عن ذكر الحبيب إلى قراءة الكتاب، ومن ترتيب الغرفة إلى الانشغال بالذكر والأوراد، ومن التشاور مع الأهل في بعض المسائل إلى وقت الاستراحة، بل قد تدخل ضمنَ هذا التنظيم الفترة التي قد تخصّصونها للجلوس وشرب الشاي وتناول الطعام، فمثلًا إن كانت عشرون دقيقة تكفي لتناول الطعام فلا بدّ من الاكتفاء بها، وألا نضيّع أوقاتنا في الكلام الفارغ بعد الطعام، بل ينبغي أن نقتطع أوقاتًا احتياطيّة من الأربع وعشرين ساعة حتى لا تخلّ الأشغال التي قد تطرأ بعد ذلك ببرنامجنا.

فإن نظّمنا أعمالنا بكلّ فروعها وأصولها على هذا النحو المفصّل ازداد الوقت بركةً، وحصد الإنسان ثمرة أعماله أضعافًا؛ لأن الحياة إن نُظّمت صار الإنسان منظّمًا في وقته، وتعوّد على العمل في إطار برنامجٍ معين، وبهذا الحافز المعنويّ يستطيع القيام بأعماله في يسرٍ وسهولة.

ولا يُفهم من كلامي أن مثل هذا النمط الحياتي يعني آليّةَ الإنسان، بل يعني أن يكون الإنسان منظّمًا وأن تجري حياته في نظامٍ وانضباط، والإنسان المنظّم لا يعيش خواء في عباداته وطاعاته، ولا يُهمل ذكره وأوراده، ولا يُقصِّر في المهام التي تقع على عاتقه، ولا يُخلّ بحقوق أفراد أسرته.

إقناع من يسيرون معنا في نفس الطريق

وهنا مسألةٌ مهمّةٌ لا بدّ من الالتفات إليها عند تنظيم الوقت: يجب على الإنسان أن يفاتح الذين يشاركونه حياته في مسألة تنظيم الوقت التي يعتزم تطبيقها، وأن يستفيد من آرائهم وأفكارهم، وبعد ذلك يحدّثهم عن أهمّيّة الوظائف التي عليه أن يقوم بها، وأن يقنعهم عقلًا وقلبًا بها؛ بمعنى أن على الإنسان أن يحاول إقناعهم قدر المستطاع بما علينا من حقوقٍ لله والدّين والقرآن؛ إلى جانب حقوق الزوجة والأولاد والوالدين، ولا بدّ أن يعطي كلّ ذي حقٍّ حقّه، فإن توصل مع مَنْ يشاركونه نفس البيت إلى اتّفاقٍ في هذه المسألة استطاع القيام بعمله براحةٍ أكبر وسهولة أرحب، دون أن تعترضه أيّ كلمةٍ أو تصرُّفٍ سلبيٍّ ممّن حوله.

 تصوّروا إنسانًا أقنع نفسه بضرورة استغلال معظم وقته في سبيل إعلاء كلمة الله، وآمن بهذا يقينًا، فهذا الإنسان تشرّبَ هذه الوظيفة وجعلها جزءًا من طبيعته؛ حتى إنه يقوم بها باذلًا في سبيلها شتى التضحيات دون تردّد، لكن إن لم يعلم من يشاركونه حياته عظم حقّ الله تعالى وأهميّة رفع راية دينه في كلّ أنحاء العالم وأن هذا الدين أمانة وعليه أن يكون في شد معنوي دائمٍ إزاء هذه الأمانة، وإن جهل الآخرون أيضًا الأهمية الحياتية من ترميم تلك القلعة التي تنخر فيها عوامل الضعف منذ عصورٍ فلن يرغبوا في السير معه في الطريق نفسه، ولذلك على الإنسان أن يبذل جهدًا أكبر حتى يسلك معه الآخرون الطريق نفسه، وهذ يجعل الإنسان يُصاب بالنصب والتعب بعد مدّة.

بيد أنه إن قدر على أن يُقنع مَن يشاركونه حياته بالعقيدة والغاية المثلى التي يتبنّاها، ويتنسّم معهم الفكرة والشعور نفسه، ويبثّ في قلوبهم شعور رعاية الخدمات التي يقوم بها؛ فلا شكّ أن هذا الأمر سيساعده بشكلٍ جدّيٍّ في تيسير أمره وتنظيم أموره، بل إنه لو قصّر يومًا في أداء مهامه التي عليه أن يقوم بها كأن لم يحضر إلى اجتماعٍ كان عليه أن يحضره أو أنه لم يشارك في برنامجٍ للقراءة كان عليه المشاركة فيه؛ فإنّ أوّلَ ردِّ فعلٍ سيلقاه؛ سيصدُرُ من هؤلاء الذين يشاركونه الحياة، وسيكون هذا عنصرًا محفّزًا بالنسبة له.

فإن حدث خلاف ذلك -بأن لم تكن لدى زوجته أو أولاده أو مَن يعيشون معه دراية بتنظيم الوقت الذي يخطّط له- فلا مفرّ من وقوع بعض الاختلافات في الفكر والشعور بعد فترة، وسيتسبّب هذا في انقطاع العناية الإلهية؛ لأن توفيق الله ينشأ عن الوفاق والاتّفاق، فلو كنتم تريدون أن تحظوا بتوفيق الله وعنايته فعليكم أن تحرصوا على الوفاق والاتفاق فيما بينكم أوّلًا، أيًّا كانت الدائرة التي تعملون في إطارها.

التبرّع بالوقت

الموضوع الآخر الواجب الوقوف عليه هنا هو: مدّة الوقت المخصّص لما سننجزه من أعمال في سبيل غاية سامية؛ إذ إن العمل الذي يَضطلع به -لأجل تحقيق مثالية معيّنة- إنسانٌ يخصّص حوالي سبع أو ثماني ساعاتٍ فحسب من يومه بمنطق الموظّف أو العامل سيكون محدودًا بسبب ضيق ذلك المنطق، فإن تولّى الإنسان مسؤولية بضعة أعمال في سبيل غاية سامية، وكان الوقت اللازم لإنجازها يتراوح ما بين ثلاث عشرة إلى خمس عشرة ساعة؛ انبغى له أن يسعى للوفاء بهذا عبر تنظيمِهِ وقتَه تنظيمًا جيّدًا؛ أي إنه يجب عليه أن يُنفق وقتَه في سبيل الله تعالى بقدر ما يستطيع دون أن يُضيّع ولو ثانيةً واحدة هباءً من جانبٍ، ويجتهد من جانبٍ آخر للاستفادة من وقته هذا على نحوٍ أفضل من خلال تنظيمه أعماله وترتيبِه إيّاها أيضًا.

ولاسيّما إن كان الأمر المطروح في يومنا هذا هو إعمارُ قلعة معنوية تضرّرت عبرَ عصور طويلة؛ فإنّ مَن نذورا أنفسَهم لخدمة القرآن والإيمان مطالَبون بتقديم تضحيات أكثر ممّا كان حتى الآن، وأن يتحرّكوا بحذرٍ وحساسيّةٍ أكثر في هذا الشأن، ولتحقيقِ ذلك فهم يستطيعون “التبرّعَ بالوقت” فيما بينهم، فمثلًا يعلن أحدهم أنه سيخصّص وسيتبرع باثنتي عشرة ساعة من يومه في خدمة أمته، بينما آخر يتنكّب مسؤوليّة عملٍ مدّته ثلاث عشرة ساعة، وثالثٌ يعِد بأن يعمل في سبيل الله تعالى أربع عشرة ساعة، والحاصل أن الجميع يسعى ويجتهد للاستفادة من الوقت وتنظيمه في إطار الخدمة بالتبرع من وقته بعددٍ معيّنٍ من الساعات، وهذا هو مفهوم العمل الذي يقع على عاتق المسلم الحقّ، فإن كان مفهوم العمل لا يعني هذا في يومنا؛ فهذا يعني جهلًا بهذا الجانب من الإسلام.

وإن كان البعض لا يتبرّع -رغم ما لديه من إمكانيات- بالوقت بالقدر المأمول منه؛ فهذا يعني وجود حاجةٍ إلى إقناع العقول في هذا الشأن؛ إذ من المهمّ جدًّا تحقيق التطابق والتوافق مع المخاطبين في هذا الموضوع، بيد أنه يلزم بعد تحقق مثل هذا النوع المرجوّ من التوافق ألا تُنتهك حقوق أيّ إنسان على الإطلاق، وعلى كل فرد أن يتصرّف بحساسيّةٍ شديدةٍ في الوفاء بما يقع على كاهله من مسؤوليات؛ فلا يتعدّى الأزواج على حقوق بعضهم، ولا يلحقنَّ الضرر بحقوق الأُسرِ، ولا يقعنَّ أي نوعٍ من الظلم بين الرئيس والمرؤوس، ولا تنتهكنَّ ما في مقر العمل من مسؤوليّات.

وإلا فإننا إن كنّا نفهم من الحديث عن العمل التحرُّكَ وفقًا لمنطق الموظّف فيكون التراخي بعد أن نعمل سبع أو ثماني ساعات، والاهتمام بالمأكل والمشرب، والتجوّل كيفما يحلو لنا، وارتياد المقاهي -مأوى الكسالى وذوي الهمم الضعيفة- واللعب والمشاركة في مجموعة من الأنشطة البدنية والشيطانية فهذا يعني أننا نسيء فهم القضية، ومن يتحرّك بهذه العقلية يستحيل عليه أن يُنجِز ولو حتى عُشْرَ الأعمال الواجب القيام بها خدمةً للإنسانية في يومنا، بل إن الإنسان الذي يتبنّى فهمًا سقيمًا للعمل كهذا الفهم لن يتورّع عن الخروج في عطلةٍ خلال أكثر الأوقات حاجةً إليه، والاستئذان حين يجب القيام بأعمال وشؤون مهمّة جدًّا، وهكذا يُعرقل الأعمال الضرورية الواجبة الأداء.

أما مفهوم ساعات العمل بالنسبة لأهل الخدمة فليس على هذا المنوال؛ فهم يسعون قطعًا للوفاء بالمسؤولية التي تحمّلوها على عاتقهم في سبيل خدمة الحقّ، ولا يتركون عملًا بدؤوه دون أن يُتمُّوه، وإن حدث تقصيرٌ منهم في أثناء وفائهم بتلك المسؤولية في حقّ أزواجهم وأبنائهم وعائلاتهم سعوا لتلافيه وإصلاحه، وعملوا على ترضية وتطييب خاطر من يظنّون أنهم أخلوا بحقّهم؛ فيقابلونهم بباقة زهرٍ مثلًا، ويبيّنون لهم سبب تأخّرهم، ثم يَفُونَ لهم بما قطعوه على أنفسهم من وعدٍ في أقرب فرصة، ويصلحون الأخطاء وأوجه الإهمال اللاإرادية.

وهنا يتوجّب على الأزواج التسامح فيما بينهم في مواجهة ما قد يحدث من تأخيرٍ بسبب عملٍ لا بدّ من إنجازه، ويجب ألا يُنسى أصلًا أن الساعات والدقائق بل وحتى الثواني التي تمرّ في فترة انتظارٍ كهذه هي في حكم العبادة بالنسبة للمنتظرين؛ لأن انتظارًا على هذا النحو يُعدُّ تضحيةً حقيقيةً، وكل واحد من الزوجين في حاجةٍ إلى الآخر؛ فهناك قضايا وأمور معيّنة يجب عليه أن يتقاسمها ويتدارسَها مع رفيق حياته، وهكذا فإن ثواني يقضيها إنسان ينتظر رفيق حياته المناضل المجاهد في سبيل الخدمة، -وهو في حاجة إليه- قد تُقبل دون أن يشعر هو كعبادة سنوات طويلة؛ ذلك لأن نيّةَ المؤمن خيرٌ من عمله[2]، وإن كان أحد الزوجين يسعى في الخير والآخرُ يدعمه معنويًّا ومادّيًّا نال كلاهما -بإذن الله تعالى- ثواب ذلك العمل الصالح.

 

[1] صحيح البخاري، الأدب، 86.

[2] انظر: الطبراني، المعجم الكبير، 185/6-186.

 

السلوك الإيماني في مكافحة الشرور

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما السلوك الإيماني في مكافحة الجور والظلم؟

الجواب: جاء الدين الإسلامي برسالة العدل والتوازن ليضع نغمات وألحانًا عالميّةً إزاء كل إفراطٍ وتفريطٍ، وهو في مكافحته للشرور لا يرضى بالمسكنة والسلبية التي تقبل الظلم وتخضع له، ولا يسمح أيضًا -بحجة مكافحة الظلم- بأيّ عنفٍ أو تجاوزٍ قد يفضي إلى جور وظلم آخرين، إن المؤمن حصنٌ منيعٌ وساعدٌ لا ينثني يتصدّى للظلم عند اللزوم، ويبذل وسعه لإقامة الحقّ دون خوفٍ أو توانٍ، لكن سلوكه على العموم هو المحو والتواضع الجمّ والشفقة واللين والرحمة بالجميع.

فمثلًا على المؤمن -إذا ما قام الأعداء بالاعتداء على شرفه وكرامته ووطنه وبلده وحرّيّته ودولته- أن يكون كالساعد الذي لا يُصرع والرأس التي لا تخنع، ويؤدّي ما عليه على أكمل وجه، ولكن إن انتهت الحرب، وجنح العدو للسلم، فليجعلْ من نفسه رجلًا للحلم والسلم، ويجنح هو أيضًا للسلم، ويسعى إلى معايشة جماليّات الإسلام وإحيائها في جوّ السلم والسلام؛ لأن أمر القرآن الكريم صريح في هذا الشأن: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ (سُورَةُ الأَنْفَالِ: 61/8).

وفي آيةٍ أخرى يشير ربُّنا تبارك وتعالى إلى هذه الخصائص التي يتحلّى بها المؤمن، فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 54/5).

وهذا يعني أن المؤمنين يخفضون أجنحة التواضع لإخوانهم المؤمنين، ويعاملونهم بلينٍ وتواضعٍ إلى حدّ الذلة، ولكنهم مع ذلك أعزاءُ على الكافرين والجاحدين، لا يخضعون لهم ولا يتذلّلون، وما أجمل ما قاله الشاعر الإسلامي “محمد عاكف”:

فلا تظنّنّني وإن كنت لينًا     أنّـي خـروفٌ آنس

ربـمـا تُقطـع عنقي     لكنها لا تنقادُ أو تُساسُ

إنه إنسانٌ ونموذجٌ كامل في العزة والكرامة، ولكن ينبغي أن أنبّه مرّةً أخرى أنّه لا بدّ من تعيين الموضع الذي يُتّخذ فيه هذان الموقفان.

“ألَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ”

إن البطولة خصلةٌ جميلةٌ للغاية، ومَن الذي لم يُعجَب بشجاعة سيدنا خالد بن الوليد وبطولته؟! فلم يمض على إسلامه سوى بضعة أيام حتى دَهِشَ الجميع لبطولته.

فعن سالمٍ عن أبيه قال: “بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: صَبَأْنَا صَبَأْنَا، فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي، وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْنَاهُ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ، مَرَّتَيْنِ”[1].

وفي واقعةٍ مشابهةٍ يقول سيدنا أسامة بن زيد رضي الله عنهما: “بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً إِلَى الْحُرَقَاتِ فَنَذِرُوا بِنَا فَهَرَبُوا فَأَدْرَكْنَا رَجُلًا، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَضَرَبْنَاهُ حَتَّى قَتَلْنَاهُ فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَنْ لَكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا قَالَهَا مَخَافَةَ السِّلَاحِ قَالَ: أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَالَهَا أَمْ لَا؟ مَنْ لَكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أُسْلِمْ إِلَّا يَوْمَئِذٍ”[2].

ونفهم مما قاله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هاتين الواقعتين أن على المسلم أن يتوخّى دستور العدل المطلق حتى في ساحة الحرب.

العقل والدبلوماسيّة بدلًا من القوّة الغاشمة

من جانبٍ آخر: على المؤمن أن يضع في اعتباره أن الأمر لا يُحلّ دائمًا بالسيف والمدفع والبندقية حتى في محاربة الأعداء، وإذا ما لجأنا إلى القوّة الغاشمة في حلّ المشكلة؛ فإنّنا بذلك نؤجّج مشاعر الحقد والكره لدى الآخرين، وننزِل الأعداء منزلةَ المظلومين، وبذلك نُكسِبُ عدوّنا أنصارًا له، وفي النهاية تتفاقمُ المشكلة القائمة، وتستعصي على الحلّ، بيدَ أنه من الممكن إحراز نتائج هائلة باللجوء في حلّ المشكلة إلى الدبلوماسية لا القوة الغاشمة.

فمثلًا إنني شخصيًّا أحبّ السلطان “ياووز سليم” -جعل الله الجنة مثواه- حبًّا جمًّا، وأعتبره في مقدّمة السلاطين العثمانيّين، مع استثناء واحد أو اثنين منهم، ولكنني لا أتمالك نفسي إلا أن أستفسر بمنطقي القاصر عن بعض إستراتيجياته العسكرية: كان السطان “ياووز سليم” رحمه الله قويًّا في نفسه، كما كان وراءه جيشٌ من السواعد التي لا تُصرع، إذا ما أمره قائلًا: “أقبلوا على الموت”؛ لم يتردّد أحدٌ منهم في تنفيذ أمره على الفور، كان في مواجهته دولةُ فتنةٍ أقامها الفرس على أطماعهم وأضغانهم، دولةٌ كانت تمثّل خطرًا حقيقيًّا على العالم الإسلامي، فأغار عليهم من أجل الحفاظ على وحدة الإسلام ونظام العالم، فكانت له الغلبة عليهم، ولكن يا تُرى أما كان بإمكانه أن يلجأ إلى الطرق العقلية والمنطقيّة والدبلوماسيّة بدلًا من استخدام القوة الغاشمة؛ حتى يحول دون انتشار بعض الفتن التي ما زالت آثارها إلى اليوم؟، هذه هي ملاحظتي حول هذا الموضوع، فإن أخطأت فإنني ألتمسُ العفوَ من هذه الروح العظيمة، وإن اقترفت ذنبًا فأدعو الله أن يغفر لي، ولكنني أعتبر أنه من الضروري التأكيد على أهمّيّة العقل والمنطق والمحاكمة العقليّة والدِّبلوماسيّة.

تأمّلوا، منذ سنوات ولا نستطيع أن نتخلّص من حوادث الإرهاب في بلدنا تركيا، منذ ثلاثين عامًا والمشاكل ما زالت قائمة رغم اللجوء إلى الشدة والعنف، يا ترى أما كان من الممكن اتّخاذ سبيلٍ آخر للحيلولة دون هذا الأمر؟ أما كان من الممكن حلّ المشكلة لو أننا نَفَذْنا بمعلّمينا ورجالِ شرطتنا وأئمةِ مساجدنا وأطبائنا وإداريّينا إلى قلوب هؤلاء الناس؟

أما كان من الممكن حلّ المشكلة لو أنّنا انفتحنا على عوالمهم الداخلية، ودللناهم على طريق المدرسة والجامعة بدلًا من دروب الجبال الوعرة، وأتحنا الفرص والإمكانيات حتى لا يطمحون إلى الأموال التي يغدقها عليهم الآخرون في كلّ المناسبات؟ وهذا هو ما يعني استخدام اللغة الدبلوماسية، فالقوة الغاشمة كثيرًا ما تحول دون الاستخدام الأمثل للعقل والمنطق.

وإن اللجوء إلى منطق “يمكنني أن أضغط على هؤلاء بالقوّة على كل حال” قد يمنع من تتبّع الأساليب الإستراتيجية والسياسة البديلة.

“الذِلّةُ” انتظارًا للمنفعة ليست تواضعًا

إن كان العقل واللباقة والدبلوماسية والمحاكمة العقلية والقول اللين والأسلوب الرقيق يشكل جانبًا من المسألة في مواجهة الشرور، فإن الجانب الآخر هو الصمود في مواجهة القوّة الغاشمة الفظّة والوقوف والتصدّي لها بصلابةٍ دائمة، ومن هنا: فإن التذلّل للظالمين والمجحفين طمعًا في المنفعة والمصلحة ينبغي ألا يُخلط بينه وبين التواضع والتفاني؛ فهذا الموقف مختلفٌ تمامًا، ومما يؤسَف له أن القول اللين والحال اللين والأسلوب اللين التي يبدو كل واحد منها دينامية مهمّة جدًّا في سبيل الدعوة إلى الحقّ والحقيقة تستخدم في بعض الأحيان والمواقف كأَرْدِيَةٍ وأستار من أجل التزلّف والتقرّب إلى ممثلي القوة الغاشمة.

أجل، إن مقصد بعض الشخصيّات الضعيفة من التحلّي بالقول والأسلوب الليّن هو الانقضاض على منصبٍ معيّنٍ؛ إذ تراهم يتحرّكون وكلّ همِّهِم وشغلِهم الشاغل رفعُ مكانتهم ورصيدهم لدى الآخرين ونيلُ الاهتمام والعناية منهم أو حبُّ الجاه، ولا ينبغي لنا -أبدًا- إساءة الظنّ بأيّ إنسان بدعوى “أنك تُرائي أو تنافق في هذا الموضوع” بل إن بعض أصحاب الفراسة لا ينبغي لهم -وإن أدركوا النيّة الحقيقيّة المتوارية خلف تصرّفات تلك الشخصيّات الضعيفة وأطوارها- التصريح بهذا وكأنه حكمٌ موضوعيّ، وإن فعلوا فقد أذنبوا، وإن الله ليحاسبنّهم على هذا الذنب، بيد أنه ينبغي لكلّ شخصٍ أن يقيس تصرُّفاته ويزنها كلّها في وجدانه وضميره، ويحاسب نفسه بنفسه.

إن جميع المساعي والجهود المبذولة من أجل التصالح والتلاحم والتقاسم بين مختلَف قطاعات المجتمع لا شكّ أبدًا في أنها ستُكسب الإنسان الثوابَ والجزاء الحسن، إلا أنه إن حَدثَ وأُهينت الكرامة في بعض الأحيان وازدُريت رغبةً في تحقيق المصالح الشخصية، والوصول إلى المنصب والمقام، ونيل مراتب مختلفة، وجمعِ تقديرِ الآخرين وإعجابهم، والعيش في راحةٍ ورفاهية في الدنيا، وتذلل ّالإنسان في سبيل ذلك، وشَعر بالامتنان أمام الآخرين كان اسم هذا الفعل ” مذلة”.

المماشاة لصالح المجتمع

إلا أنه لا ينبغي الخلطُ بين التذلّل وبين الأسلوب والطريق الذي نسمّيه المماشاة والمداراة في حلّ المشكلات؛ فالمماشاة والمداراة: هي التصرفات المتّبعة من أجل إدارة الناس ومعاملتهم ومن ثمّ تكوينِ أرضيّةٍ ومناخٍ معيّن لتحقيق السلم وعدم افتعال نزاعٍ واشتباكٍ مع العدوّ، ويقول حافظ الشيرازي[3]

وراحة الأماني، تفسيرُها يدري

مَن للصديق يتمنّى، وللعدوّ يُدارى

فراحة العالمين في هاتين الكلمتين على السواء، وهما: “أن تستعمل المروءة مع الأصدقاء والمداراة مع الأعداء”[4]، ووفقًا لوجهة النظر هذه فإن التعزز في مواجهة العدوّ لا يعني اقتناص الفرصة كلّما سمحت من أجل نزالهم والدخول معهم في صراعٍ واقتتالٍ، ولا سيما حين ينتفي توازنُ القوى بين الفئتين المتخاصمتين فإن الدخول في مغامرة من هذا القبيل ليس إلا إلقاء الضعيف نفسَه بنفسِه في التهلكة؛ ولهذا السبب فربّما يكون من النافع والصالح التصرّف بلينٍ ورفقٍ من أجل مداراة الأعداء بهدف حماية حقوق مجتمعٍ بأسره حين ينتفي التوازن في القوى؛ لأنه لا فائدة ولا طائل مطلقًا من وراء تحريك وإثارة كلّ حسدٍ وحقدٍ وعداوة قد تؤدّي إلى وقوع أنواع متعدّدةٍ من الضرر، وإذا نظرنا إلى المسألة من حيث نظر إليها فضيلة الأستاذ بديع الزمان؛ نجد أن الإنسان المحاط بتسعةٍ وتسعين عدوًّا من المؤكد أنه -إن كان عاقلًا- لن يرغب في أن يتم عددهم مائة، بل إنه يفعل العكس فيحسب حساباته في كيفيّة تخفيض هذا العدد ولو واحدًا، وهكذا فإنه يمكنُ تناولُ جميع هذه الأمور في إطار موضوع المداراة وحسن التدبير.

 

[1] صحيح البخاري، المغازي، 58.

[2] سنن أبي داود، الجهاد، 104.

[3] حافظ الشيرازي (1320-1389م): هو شمس الدين محمد، أشهر شعراء فارس على الإطلاق، لا يعرف إلا القليل عن نشأته، له “ديوان” شعر مليء بالقصائد.

[4] ديوان حافظ الشيرازي، ترجمة: إبراهيم أمين الشواربي، تهران- 1999م، مهرانديس للنشر، ص 11-12 (62-63) غزل: 10.

الابتلاء مع النجاح: نشوة النصر

Herkul-ARB | | العربية

 

سؤال: ما الموقف الإيماني الذي يجب مراعاته عند تحقيق نتيجة إيجابية أو إحراز نجاح ما؟

الجواب: إن المؤمن الحقيقي هو الذي يعي أنّ كلّ حسنةٍ أصابها أو جمالٍ اكتسبه أو نجاحٍ حققه إنما هو من عند الله عز وجل، وأن كلَّ سيئةٍ أصابته أو فشلٍ مُني به إنما هو من عند نفسه؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يبين هذه الحقيقة بشكلٍ صريحٍ وواضحٍ فيقول: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (سُورَةُ النِّسَاءِ: 79/4).

ولذا يجب على المؤمن ألّا ينسب لنفسه أبدًا أيّ حسنةٍ أو جمالٍ كان هو وسيلةً لهما ولا أيّ عمل أو خدمة قام بهما، ففي الواقع إننا عندما نسبّح ربّنا تبارك وتعالى في جميع صلواتنا نعلن أنه سبحانه وتعالى لا ندّ ولا شريك ولا نظيرَ ولا مثيلَ له في إجراءاته وشؤونه وربوبيته، فإذا ما شعرنا في أعماق قلوبنا بهذه الحقيقة -التي تتفوّه بها ألسنتنا- وجعلناها تستولي على أفكارنا تمامًا؛ نكون بذلك قد نجونا -بإذن الله تعالى- من الوقوع في جرمٍ كبيرٍ كأن ننسب إلى أنفسنا الجماليّات والنجاحات التي كنّا وسيلةً إليها.

طوبى لمَن عرّف حدّه فوقف عنده

يجب على المؤمن أن يعرف حدّه ولا يتجاوزه، أيًّا كانت النجاحات التي حققها، ويشير الأستاذ النورسي رحمه الله رحمة واسعة إلى هذه الحقيقة التي يؤكّد عليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “طُوبَى لِمَنْ عَرَفَ حَدَّهُ وَلَمْ يَتَجَاوَزْ طَوْرَهُ”[1].

غير أن هذا يتأتّى من إدراك الإنسان بأنه خُلقَ من لحم ودم، وأن ماهيته قد عُجنت بالعجز والفقر، فضلًا عن ذلك ينبغي للإنسان أن يتعمّق أكثر في تفكيره، وأن يراعي أنه تلطّخ بالأرجاس التي يمكن أن نصفها بالبلوى العامة، وأنه غرق في الذنوب حتى أذنيه، ومن ثمّ عليه أن يقول:

 أنا إنسان لا حيلةَ لي؛ بمعنى أن الله تعالى قد تكرّم عليّ بكلّ هذه الأفضال والإحسانات بمحض قدرته ورحمته الواسعة، فلو فكّر الإنسان على هذه الشاكلة، وتوجّه إلى ربّه بتوحيدٍ خالص، فلن تساورَه الأوهام التي تجاوزُه حدّه، وسيُديم الله تعالى عليه نِعَمه لأن ذلك الإنسان قد أدرك أن الله تعالى هو مصدر كلّ نعمةٍ يُتنعّم بها.

وينبغي ألا يغيب عن عقل الإنسان ما اقترفه من ذنوبٍ وآثام حتى يعي أن نفسه لا يُؤمَن لها ولا يُعوَّل عليها؛ وبذلك لا يأخذه الغرور والكبر طالما أنه على وعي بالجرم الذي ارتكبه، دَعْ عنك الكبر والغرور، إنه -علاوةً على ذلك- ينظر إلى نفسه نظرة الإنسان المجرم على الدوام، وينظر إلى الأعمال الخيرة في الظاهر على أن الله تعالى قد يجري أمثالها على يد الرجل الفاجر؛ وعندها يقول في نفسه: “أنا إنسان لا حول لي ولا قوة، ولكن الله تعالى يجري النفع على يد مَن لا يُرجى منه ذلك”، وعليه ألّا يكفّ عن مساءلة نفسه ومحاسبتها دائمًا بوسائل شتّى.

ولا يدفع هذا الإنسانَ إلى أن يعتقد أنه لا بدّ من اقتراف ذنبٍ حتى يتخلّص من مثل هذه الأوهام، لأن الأخطاء التي نقترفها دون وعيٍ أو سابق إصرارٍ -مثل الاستماع إلى الذنوب والإقدام على ارتكاب خطإٍ ما- تُعدّ بمثابة رأس مالٍ كافٍ لندرك أن النفس لا يوثق بها، المهم هو الاستفادة من هذه الأخطاء، فإذا ما تاب الإنسان إلى ربّه ألف مرّةٍ، واستحضر الخطأ الذي ارتكبه دائمًا بين عينيه فلن ينسِب إلى نفسه أبدًا النتائج التي تفضّل الله تعالى عليه بها جرّاء العمل والجهد، وسيشعر يقينًا أن هذه النتائج هي لطفٌ من ألطاف الله.

أما الأمر الذي تجب مراعاته عند هذه المحاسبة الراقية: فهو أن الشيطان قد يعمل على تعظيم الجرم لصاحبه حتى يبعده عن ربّه عز وجل، ويحاول أن يخدعه قائلًا: “لن تستطيع أن تتّجه إلى ربّك وأنت محمّلٌ بهذا الجرم”، ومن ثمّ فعلى الإنسان في مثل هذه الأحوال أن يتوسّل بكلّ السبل التي تساعده على التطهّر من ذنوبه، ولا يقنط في الوقت ذاته من رحمة الله تعالى، بل يقول: “جرمي كبير، ولكن قلبي لك عاشق”، لا بدّ ألّا تمنعه ذنوبه من التوجّه إلى ربّه والتطلّع إلى لطفه وعنايته وفضله ومشاهدة شؤونه سبحانه وتعالى، وحتى إن اعتقد أن هذه الذنوب قد أبعدته كثيرًا عن ربّه فعليه أن يَسْبح بأفكاره ومشاعره حول القرب منه سبحانه وتعالى، وإن غرق الإنسان حتى أذنيه في الآثام وليس إلى ساقيه أو ركبتيه فعليه أن يتوجّه أيضًا إلى الله تعالى السلطان الأوحد لدائرة الربوبية والألوهية، وإلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم داعٍ في هذه الدائرة، وأن يفنى في حبّهما، ولا يبرح ذلك الباب أبدًا، وقد يبدو هذا تناقضًا من ناحيةٍ ما، لكن يجب على المؤمن أن يقيم توازنًا بين هذه التناقضات في حياته.

الشيخ لا يطير ولكن المريد هو مَنْ يدفعه إلى الهاوية

ولنرجع إلى موضوعنا الأصلي ونقول: إنّ مِن أكثر المهالك التي يقع فيها الإنسان إزاء ما يحقّقه من نجاحاتٍ هو أن يفكّر أنه جديرٌ بهذا المدح والثناء الموجّه له نتيجة ما أحرزه من نجاح، بيد أن الله تعالى قد يتفضل على الإنسان بأعظم من هذه الجدارة واللياقة التي هي ابتلاءٌ في حدّ ذاتها؛ ولذلك لا بدّ للإنسان ألا يقصِّر في أداء شكره لله سبحانه وتعالى على ما أنعم عليه من فضائل من ناحيةٍ، وألا يعزوها إلى نفسه من ناحيةٍ أخرى، إن الإنسان الذي يعي الجرم الذي وقع فيه لا يعزو لنفسه شيئًا من فضل الله؛ لأنه إذا ما نظر -مثلًا- إلى الورود اليانعة ونظر إلى نفسه حاسب نفسه وعبّر عن حيرته ودهشته من نموّ هذه الورود في هذه الأرض القاحلة، والحقّ أن الله تعالى قد يتوجّه بمزيدٍ من فضله وإحسانه على أناسٍ تعثّرت أقدامهم فسقطوا في الذنوب والمعاصي؛ بسبب ما بذلوه من سعيٍ وجهدٍ عند القيام بأعمالهم، فإذا ما رأى البعض هذه الفضائل التي منحها الله لهذا الشخص قد يلتفون حوله ويعبّرون عن تقديرهم وتوقيرهم له، بل قد يهمّ أحدهم ويزعم أنه وليٌّ من أولياء الله، وقد يتقالّ آخر هذا اللقب ويقول: أي ولي؟، إنه يبدو كالغوث بآثاره البديعة، بل يتجاوز آخر هذا الأمر ويدّعي أن ذلك الشخص قد جمع بين القطبيّة والغوثيّة، وإزاء كلّ هذا المدح والإطراء ربما يستهوي ذلك الشخص المقامات التي أنزلها له الناس لحسن ظنِّهم فيه ويقول في نفسه: يا ترى هل أنا وليّ أم غوثٌ على الحقيقة؟”.

وقد يجد ذلك الشخص لهذا الحال مبرّراتٍ معقولة؛ فقد يقول مثلًا: “إن أعظم إكرام من الله للإنسان هو ألا يُشعره بإكرامه”؛ وهذا يعني أنني لم أكن على وعيٍ بالمنازل التي بلغتُها حتى الآن، فلا جرم أن هؤلاء الكثيرين الذين يلتفون حولي لا يكذبون”، وكما يقولون: “كم طيّرت طقطقةُ النعال حول الرجال من رأس!، وكم أذهبَت من دين!”، إن ذلك الشخص لا يطير في الحقيقة ولكن الآخرون هم من يلجئونه إلى الطيران، والحقّ أن هذا ليس طيرانا، ولكنه -حفظنا الله- تدحرجٌ نحو الهاوية؛ لأنه قد يأتي زمان ولا يقنع هذا الشخص بالقطبية والغوثية لِما يلقاه من فرط المدح والثناء، فييمّم وجهه نحو المسيحية والمهدية، ولا سيما إن أوحى إليه من حوله بأنه المهدي أو المسيح، فينخدع هذا المسكين بالمقامات التي أنزلها له الغَيْرُ بحسن ظنّهم فيه، ويأخذ في إقناع نفسه بهذا الأمر، وأحيانًا ما يلجأ إلى توضيح فكرته بتواضعٍ مزيّفٍ، ويستخرج من الآيات والأحاديث المتعلّقة بهذا الموضوع ما يؤيّد هذه الفكرة أحيانًا أخرى، ولربما يرى نفسه طائرًا في السماء بينما لا يستطيع أن يسير على أرض مستوية بسبب ما اقترفه من ذنوبٍ ومعاصٍ، ويسلك طريقًا محفوفًا بمخاطر جمّة؛ فيسوق نفسه إلى الهاوية، بيد أن على الإنسان -كما ذكر بديع الزمان سعيد النورسي- أن يتحلّى بالصدق والإخلاص في دعواه بدلًا من أن يُنزل مَن يحبّهم مقامات أعلى من حدّهم. أجل، يجب على الإنسان أن يحبّ إخوانه إلى درجة لا يستعيض عن هذا الحب بالدنيا وما فيها، ولكن عليه أن يتجنّب المدح والثناء المبالغ فيه والذي يقطع به عنق صاحبه.

مثلُ الجلد في يد الدباغ

حين ننظر إلى تاريخنا نجد أن هناك كثيرًا من الأشخاص -بدءًا من السلاطين والشعراء وصولًا إلى أولياء الله تعالى- قد أذلّوا أنفسَهم وحقّروها على الدوام، ورغم أن كلَّ واحدٍ منهم يمثّل قامةً ساميةً شامخةً إلا أنهم لم يروا لأنفسهم أيّةَ قيمةٍ ولا قدرٍ قطّ، والواقع أن الأفراد الأنانيّين المغرورين في أنفسهم لا يمكنهم أن يمثّلوا شيئًا ولا قيمة؛ إذ إنه يستحيل عليهم أن ينسلّوا من الخيالات والأوهام بأيّة حال؛ لأنهم دائمًا ما يشعرون بضرورة التعبير عن أنفسهم؛ فلا يرون الحقائق كافيةً لتحقيق هذا، ومن ثم يدخلون من أجل تحقيق هذا في نوعٍ من الأوهام والخيالات، ويلجؤون إلى طرق أخرى كالسمعة والرياء.

ومن ذلك على سبيل المثال أنْ يَهُمَّ أحدُهم يومًا فيتحدّث عن الإمام البخاري، بيد أنه يفاجأ بأن كلامه لا يحظى بأيّ نوعٍ من الاهتمام؛ إذ إنَّ كل قوله معهود لدى علماء الحديث أجمعينٍ، ومن ثم فإنه حين يرى عجزه عن جذب الأنظار إليه بما قاله يشعر بحاجةٍ إلى قول أشياء أكثر أصالةً وعراقةً؛ فيرى رأيًا مختلفًا فيما يتعلّق بوجود الآخرة، ويسعى مجدّدًا كي يلفت الأنظار إليه مستخدمًا عبارات كعبارات منسوبي المذهب الأحادي الفلسفي، والحقيقة أنه لا فرق بين قوله وقول “الشيخ بدر الدين” في كتابه المسمى “الواردات”، بل إننا قد نواجه تناقضات مشابهة حين ننظر إلى الأفكار التي زعمها وطرحها أرسطو عن العالم الآخر والروح، فحين يدرك أن ما طرحه من أطروحات ظانًّا أنها أصيلة قد نادى وتشدق بها كثيرون غيره من قبل يبدأ يفكر ماذا سيقول هذه المرة؟؛ فيتحدّث عن تناسخ الأرواح كي ينتج أوهامًا وخيالات أخرى، بيد أن مظاهر الأصالة والعراقة التي يتمثّلها ذلك الشخص كي يسلّي نفسه ويرضيها تنتهي بالخسران والضلال؛ لأنه لا يبحث عن الحقائق ولا يعنيه إبلاغها ونشرها.

وقد خلقنا الله تعالى عبادًا له، وليس ثمّة رتبةٌ ولا درجةٌ أسمى من رتبة العبودية بالنسبة للإنسان، فلماذا لا نقنع بخلق الله تعالى إيانَا عبيدًا له، ولا نكتفي بذلك؟! إن الواجب الواقع على عاتقنا هو التوجّه الصادق إليه ومقابلة ربوبيّته وألوهيّته بالعبوديّة الحقّة الجادّة، وبمفهوم فضيلة الأستاذ بديع الزمان “فإن العبودية شكرٌ لنعمٍ وُهبت لنا مسبقًا؛ وليست مقدّمةً لنعم نحظى بها لاحقًا”[2]. ولذلك فإنه ليس من الصواب الإذعان والإقرار بالعبودية لله تعالى بغيةَ نيل نعمٍ معيّنة فحسب، وكما أن الله تعالى قادر على أن يهب وينعم دون مقابل؛ فإنه قادر على أن ينعم ويحسن من رحمته الواسعة جزاءً على العبودية له، إلا أن هذا لا يُنتظر، فنحن كعباد نالوا أجرهم ومكافأتهم مسبقًا يقع على عاتقنا، بل ومن واجبنا أن نحمد الله تعالى ونشكره دائمًا.

إن الإنسان الذي لا يعبد الله يعبدُ نفسَه، وعابدُ نفسِه يعيشُ من أجلها فحسبُ، ويرَاهَا مركزَ العالم، ومثل هذا الإنسان يُسمى أنانيًّا، كما يطلق لفظ “نرجسي” على الإنسان المشغول بنفسه دائمًا المشغوف والمولع بأفُقِه وأفكارِه وآرائه الخاصّة، بل وقامته وقدّه وأدائه وتصرّفاته، فأمثال هؤلاء يعجبون ويتفاخرون بما فعلوه وما حقّقوه هم فحسب من نجاحات، وأما أنْ يُعجَبوا بما فعله الآخرون فهذا أمرٌ محال، بل إنه لم يثبت ولم يلاحظ أن مثل هؤلاء الأشخاص قنعوا بما حظوا به من مدحٍ وثناءٍ؛ فَهُم دائمًا ما يطمعون في الأكثر والمزيد، وبالطبع لا يحقّق مثلُ هؤلاء الأشخاص الأنانيّين النرجسيّين أيّةَ فائدةٍ ولا أي عملٍ نافعٍ للإنسانية.

أما الأشخاص المتواضعون فالله تعالى يهيّئهم لكثير من الأعمال الصالحة الخيرة، وكما قال الشاعر:

والبذرُ في الترب إن لم يُغمرا    أنى يكون لفيض ربّك مظهرًا

والــمــرءُ إن لـــــربــــه قــــــد أخـبـتــا    فبرحمة الرحـمـن يسمو لافــتــًا

أي إنَّ البذرة لا يمكنها أن تنبت وتنعم بالحياة ما لم تُبذَرْ في باطن الأرض، والمتواضعون يرفعهم الله حتى يصبحوا قاماتٍ سامقات بمزيد ألطافه جل جلاله، وهكذا كان الشيخ الجيلاني، وهكذا كان محمد بهاء الدين النقشبندي، وكذلك أبو الحسن الشاذلي، وكذلك فضيلة الأستاذ بديع الزمان، فنحن لا نزال نقرأ أورادهم وأذكارهم ونستفيد من أثارهم رغم مرور قرون وعصور على رحيلهم؛ إذ صار كلُّ واحد منهم رمزًا مخلّد الذكر؛ حيثُ كانوا أبطال التفاني والتواضع والحياء ونكران الذات، لقد تجاهلوا أنفسهم وحوّلوا هممهم كلّها لإثبات الله تعالى، وتدارسوا وجوده سبحانه، وطهّروا أنفسهم وأخلصوها، وبتعبيرٍ آخر قصروا نظرهم على أنهم “ظلُّ ظلِّ وجود الله”؛ فخَلَّدَ الله تعالى ذكرهم؛ فلا يزالون يحيون في داخلنا، إنهم يعيشون في داخلنا حتى إنه يُخيّلُ إليَّ وأنا أدخل غرفتي أحيانًا أنني سألتقي أبا الحسن الشاذلي أو عبدَ القار الجيلاني مثلًا؛ إنهم حاضرون في ذاكرتي ومخيّلتي. أجل، لقد هرعوا لإثبات الله، فثَبَّتهم الله تعالى وأبقى ذكرهم؛ حتى إن كلّ واحدٍ منهم يضطلع بوظيفة مرشدٍ ودليلٍ يهدينا إلى الطريق رغم مرور عصور على انتقاله إلى الرفيق الأعلى، فبعد سبعة أو ثمانية قرون لا نزال نبحث عن حلول لمشكلاتنا المعاصرة بالرجوع إلى أورادهم وأذكارهم، فهل هناك تَثبيتٌ أجمل من ذلك؟!

والحاصل أن التكبّر والتباهي من أكثر أمراض عصرنا انتشارًا مع الأسف، فإن ألمَّ هذا المرضُ بالإنسان في نهاية النصر والفلاح فهو خطير لدرجة يدفعه معها إلى الهلاك، إذًا ينبغي لنا أمام النجاحات والنتائج الطيبة أن نَرُدَّ كل هذا إلى الله تعالى، ونحمده ونثني عليه، وننحني تواضعًا وامتنانًا له سبحانه.

 

 

[1] البخاري: التاريخ الكبير، 338/3؛ الطبراني: المعجم الكبير، 71/5.

[2] انظر: بديع الزمان، الكلمات، الكلمة الرابعة والعشرون، الغصن الخامس، ص 405.

 

النهج الموضوعي العقلاني في الحديث عن الخدمات

Herkul-ARB | | العربية

 

سؤال: تُركّزون على ضرورة أن يكون الحديث عن الخدمات التي تنجز وتتحقّق حديثًا موضوعيًّا وعقلانيًّا بعيدًا عن الانفعالية والعاطفية؛ فهل توضّحون هذا الأمر؟

الجواب: ينبغي التصريحُ أوّلًا بضرورة انفتاح الإنسان على ما يُوجَّه إليه مِنْ انتقادات وأنْ يتقبّلَها ويبتعِدَ تمامًا عن التفاخر والغرور عند الحديث عن الخدمات المنجزة؛ إذ إنَّ الإنسان مخلوق محتملٌ وقوعُ الخطأ وصدورُ العيب منه بالنظر إلى طبيعته، وقد توجد مجموعةٌ من الأخطاء والمغالطات حتى فيما يظنّه الإنسانُ نفسُه أصوبَ وأصحَّ أعمالِه وأفعالِه؛ فيجب -على سبيل المثال- ألا نتغاضى عن التفكير في أيّ وقتٍ أبدًا في أنَّ نقصًا كبيرًا جدًّا ربّما يوجد حتى في صلاةٍ يؤدّيها صاحبُها مراعيًا الشروط والأحكام الواردة في كتب الفقه وملتزمًا بها، والأمر نفسه بالنسبة للصوم والزكاة والحج؛ فلكلٍّ منها أسسه الكثيرةُ الخاصّة به، ويَصعُبُ جدًّا على المؤمن أن يؤدّي كل هذه العبادات تامّةً غير منقوصة ولا معيبة، وتتّضح صعوبة المسألة أكثرَ لا سيما إن وُضِعتْ في عين الاعتبار الجوانب الفطرية لدى الإنسان كأن تكون الأعمال المنجزة جزءًا من طبيعته وفطرته وأن يؤديها بإخلاص وصدق، ويبتعد فيها عن الرياء والسمعة.

الإنسان مخلوقٌ مؤهّلٌ للخطإ والوقوع في العثرات

وإن كان هذا القدر من النقص والعيب محتملًا وقوعُه حتى في العبادة والطاعة التي نقوم بها دائمًا؛ فإن حدوث خطإ في الأعمال الخاصّة بخدمات متباينةِ الأبعاد والأعماق مبذولةٍ في سبيل الإنسانية أمرٌ لا مفرّ ولا مهرب منه، والحقيقة أن السُّنة الصحيحة والقرآن الكريم أخبرانا بأمور ومبادئ أساسية تخصّ ما سيُنجَز من خدمات في سبيل الحق، وهي أمورٌ ثابتةٌ لا يؤثّر فيها تغيير الزمان والمكان، إلا أنه توجد -إلى جانب دساتير هذه المبادئ الثابتة- جوانب معينة تأخذ بعين الاعتبار اختلاف المكان والزمان، ومن الصعوبةِ بمكانٍ أن يوفَّقَ الإنسان دائمًا في الاختيار السليم في هذه النقطة، ومع هذا فإنَّه ينبغي للمقترحات المطروحة أن ترتبط بالمبادئ الأساسية من جانب، وأن تُطبَّق على الحياة في صورةٍ تلائم الزمان والمكان والظروف من جانبٍ آخر، ونظرًا لأنه يُحتمَل دائمًا الوقوع في خطإٍ -لا سيّما في عملٍ صعبٍ ومعقّدٍ متشعّب بهذا القدر- فإن تقبُّل هذا منذ البداية يُعتبر اعترافًا بالحقّ.

فإن حدث العكس؛ كان من المتوقّع أنْ يعتبر الإنسان كلّ أفعاله وأعماله صحيحةً وصوابًا، وينزعج من الانتقادات، ويتوقّع التقدير والإجلال دائمًا؛ بل ويمتنّ لامتداحه على أمرٍ لم يفعله أصلًا، وكلّ واحدة من هذه الأمور صفة من صفات المنافق، وفي سورة آل عمران يقول الحقّ تعالى في وصف المنافقين: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 188/3).

ومن ثمَّ فإنه ينبغي للإنسان ألا ينسى أبدًا أنّه مخلوقٌ يُتوقّعُ منه حدوثُ الخطإ والتقصير، ولا بدّ أن يُدرك عيوبه ونقائصه منذ البداية، وألا يشعر بالانزعاج والضيق من لفتِ الآخرينَ انتباهَهُ إليها؛ بل يجب أن يحدثَ العكس؛ فيمتنّ ويُسَرُّ من تذكير الآخرين إيّاه بها وإظهارهم سبل خلاصه ونجاته منها.

وبعد أن تحدّثنا بإيجازٍ عن تقبّل النقد وضرورة عدم الانزعاج منه؛ يمكننا أن نُعدّد ما يأتي من معايير بشأن الحديث عن الخدمات في نهجٍ موضوعيٍّ وعقلانيٍّ.

السعي إلى الخدمة التزامًا بالمبادئ الأساسية

لا بدّ من تحديث المخاطبين عن الخدمات، وتوضيح أن إنجازها يُراد له أن يكون مرتبطًا بالمبادئ والقيم الإنسانية الكونية التي حدّدها الدين؛ إذ يستحيل أن تبقى وتثبُت قضايا وأمور تسير وفقًا لأفكار عابرة منافية لنصوص القرآن والسنة. أجل، إن من لا يرتبطون بالقواعد الكُلّية دائمًا ما يترنّحون ويسيرون في طرقٍ متعرّجة معوجّة، وكما أن أفعالهم الحالية تختلف عن أفعال سابقيهم فإن ما قد يضطلعون به من تصرّفاتٍ وأفعال لاحقًا سيتناقض حتمًا مع ما كان في تلك الأيام، ومن هنا فإنه يلزم لأفكار الإنسان وأحاسيسه وجميع خلايا مخّه العصبية أن ترتبط بمبادئ الدين الأساسية والقيم الأخلاقية الكونية العالمية حتى تستقيم تصرّفاته وسلوكيّاته.

والواقع أن مبادئنا الأساسية -نحن منتسبي دين الإسلام العالمي- مبادئ من شأنها أن تستوعب وتحتضن الجميع، ومن المهمّ أن نحدّد الخطّ والنهج الصحيح الواجب علينا الحفاظ في إطاره على هويّتنا وشخصيّتنا الأصلية، وبعد التمكّن من فعل هذا ينبغي لنا أن نبيّن ونثبّت لمخاطبينا أننا منفتحون على النقد والمساءلة بأن نقول: “كما أننا نؤمن بأن العطاء واجبٌ ووظيفةٌ فإننا نرى أن أخذ ما ستعطونه وتبذلونه من أشياء أمرٌ مهمٌّ جدًّا يصب في صالح التكامل، فإن كان هناك عيب أو نقص ترونه فينا فنرجوكم أن تصارحونا به؛ فنجلس نناقشه ونعالجه”.

فإن كنتم تقومون بالانفتاح على الآخرين التزامًا منكم بالمبادئ الأساسيّة فلن تفقدوا ارتباطكم بالمركز بإذن الله تعالى وإن تغيّر الزمان والمكان والأشخاص، وعلى حدّ قول مولانا جلال الدين الرومي: “فإنه وإن كانت إحدى قدميكم بين ظهراني كثيرٍ من الأمم والأخرى في المركز؛ فإنكم تحافظون على استقامتكم إن كنتم تختبرون كلَّ انفتاحاتكم وفقًا لقدمكم الثابتة”.

استحالة نسبة أي فرد أو مجموعة ما يُنجَز من خدمات لنفسه

الأمر الثاني الواجب التركيز عليه: هو عدم نسيان حقوق الآخرين في الخدمات المنجزة وعدم النظر إليها وكأنها قضيّة خاصّة بقطاع بعينه فحسب؛ فقد تكوّنت منذ القدم وحتى اليوم مجموعات وحركات مختلفة خدمت في مجتمعنا وفي مختلف المجتمعات الإسلامية على حدّ سواء، وقد قامت بجهودٍ مهمّةٍ جدًّا من شأنها أن تنير لكم الطريق وتشجعكم، وتهيّئ لكم أرضيّةً مناسبةً تتحركّون فيها بسهولةٍ ويُسرٍ، لقد أوصلوا القضية إلى نقطة معينة وكأنهم يقولون لكم: “واصلوا أنتم كذلك هذا الأمر” ويمكنكم أن تفكروا هكذا: جاء هذا الأمر في موسم الإثمار حين دخلتم المعترك بإمكانياتكم الخاصّة، وفي حين هيّأ البعض الأرضية؛ بذر البعض البذور، واضطلع البعض الآخر بخدماتٍ ضروريّةٍ لينمو النبات ويصبح شجرة، وسوف تزهر لكم هذه البذور لاحقًا بتقدير الله، وقد تحقّقت لكم إمكانية الخدمة في موسم الإثمار، إذًا فإن اعتبار الأمر مترتّبًا على سعيكم وجُهدكم أنتم فحسب، وهضمَ حقّ الآخرين فيه نكرانُ جميلٍ واضحٌ وصريحٌ.

أجل، إن مشاعر الفداء والإيثار كامنةٌ في جوهر رجل الأناضول وروحه، وما زال الكثيرون حتى الآن يستغلون هذا الجوهر النفيس، حتى جاء وقت وظهر مِن بين شرائح المجمتع المختلفة مَنْ يُعبّر عن هذه الجواهر النفيسة وينفتح على كلّ أرجاء العالم، فكان التجار والحرفيون والمرشدون والمعلّمون الذين يعتقدون بعموم نفع الخدمات التي يقدمونها إذا ما نجحوا في مكانٍ ما نادوا على نظرائهم وشجعوهم على الاستثمار والنجاح في هذا المكان، وبذلك تضاعفت الخدمات وتنامت، وكلّ هذا بأكمله تحقّق بفضلٍ من الله وعنايته، ولكن إن ربطنا الأمر بالأسباب وقيّمناه وفقًا لها اكتشفنا أن هذه الخدمات المبذولة ما كان لها أن تتمّ أبدًا بحساب الاحتمالات ولو بنسبةِ واحدٍ في المليون.

وكما لا يصح أن ننسب الإنجازات التي تحققت في سبيل خدمة الإنسانية إلى سعي وجهد جماعةٍ بعينها، كذلك ليس من المقبول أن ننسبها إلى أشخاصٍ بعينهم، فإن ريادة بعض الأصدقاء لهذه الخدمات هو تجلٍّ من تجلّيات القدر؛ من أجل ذلك ينبغي تجنُّب ذكر أسماء الأشخاص عند الحديث عمّا أُنجر من أعمال، وبدلًا من هذا علينا أن نعزو كلَّ هذه الخدمات إلى حركة الخدمة نفسها، ومدى حبِّنا للإنسانية، علاوةً على ما تكنّه الأمة من مشاعر وانفعالات صادقة، وما تتّسم به من إرادةٍ سليمةٍ وعزمٍ لا ينفد، وعلينا كذلك أن نبيّن أن هذه الخدمات كلّها ما هي إلا محصّلة سعي الأمة بأسرها، وبناءً على هذا السعي تكرّم الحقّ تبارك وتعالى بأن أنعم على أفراد الأمة ببيان وتبليغ قيمنا الثقافية إلى العالم أجمع، ولا جرم أننا عند نقلِ جماليّاتنا إلى شتّى أرجاء العالم نستلهم منهم أيضًا بعضَ الجماليات ونضفي مزيدًا من الثراء على ثرائنا.

إننا نعتقد أن هذه الخدمات المبذولة بمثابة محاولةٍ للردِّ الجميل على ألطاف الله تعالى التي تتنزّل علينا زخًّا زخًّا، فلو أننا أحسنّا توضيح هذه المسألة للمخاطبين فلن نتورّط في الظلم الذي يرتكبه أهل الغفلة عندما ينسبون هذه النجاحات -التي تمّ إحرازها بسعي وجهد الأمّة كاملةً- إلى عددٍ من الشخصيات الرائدة، حتى إن الغنيمة في الحرب تُوزَّع بالتساوي بين الأفراد الذين يشاركون فيها ولا يختصُّ بها القادة فقط، وإلا فنحن نوقع هذه الشخصيّات في الهلاك وننسب إليهم ما ليس من اختصاصهم بل من اختصاص الربوبية؛ لأنهم سيبدؤون حينذاك في نسبة هذه الخدمات إلى أنفسهم، ويتشوّفون إلى التصفيق والتهليل والتقدير من الناس؛ وبذلك يقضون في هذه الدنيا على ثمارهم الأخروية.

فِرّ من إثارة مشاعر الغبطة فرارَك من العقرب والحيّة

أما الجانب الأخطر في الأمر فهو: أن إبراز أسماء شخصيّات بعينها يثير مشاعر الغيرة لدى الآخرين، حيث تكمن في طبيعة كلّ إنسان مشاعر الغيرة والحسد، ولا سيّما إن قدّمتم بضعة أشخاص على الأكاديمين وعلماء اللاهوت ورجالات العلم البارزين فإنكم بذلك تكونون قد ضغطتم دون وعيٍ منكم على مشاعر الغيرة والحسد التي تكمن في داخلهم، وبذلك تجعلون من أصدقائكم أعداءً لكم بأيديكم، بل إن بعضًا من أهل الإيمان قد تُداخله مشاعرُ الحسد أيضًا إن لم يستطع أن يحقّق مثل هذا القدر من النجاحات رغم ما بذله من سعيٍ وجهد، ومن ثمّ تكونون أنتم -وإن كان دون سابق قصدٍ منكم- السببَ في الجرم، فضلًا عن ذلك يصبحُ من الصعب كثيرًا أن تُحدّثوا ذلك الإنسان بشيء بعدما كنتم السبب في إثارة مشاعر الحسد والغيرة لديه، من أجل ذلك علينا أن نضع في اعتبارنا الخدمة لا الأشخاص؛ حتى نتمكّن من الحيلولة دون إثارة مثل هذه المشاعر السلبية، وهذا يعني أن علينا أن نحدّث الناس عن الخدمات المبذولة وخلفياتها حتى نهدّئ من روعهم، ومن جانب آخر: علينا أن نتّخذ أسلوبًا خطابيًّا لا يثير مشاعر الغبطة عند أيّ أحدٍ؛ حتى لا نخلق لنا حسّادًا ومنافسين جددًا.

الخدمات المبذولة والشعور بالمسؤولية

قد يعتقد البعض أن هذه الخدمة كأنها عبارةٌ عن مؤسّسةٍ اجتمع فيها وأسّسها جماعةٌ من أهل الدينا بغيةَ الوصول إلى أهدافٍ معيّنة، بل قد يتوهّمون أن هذه الحركة ترمي إلى أغراض سياسية، بيد أن خدماتنا تنبع من المبادئ الرئيسة لتراثنا الثقافي، وبها نؤدّي الوظيفة التي حمّلنا الله إياها، بتعبيرٍ آخر: إن هذه الخدمات هي محاولةٌ للقيام بمسؤوليّتنا نحو الإنسانية، بل إننا إذا ما عمّقنا النظر في المسألة أكثر؛ فسنجد هذه الخدمات ليست بالعمل الذي يُضفي على الإنسان قيمةً إضافيةً، بل إنها أداءٌ لوظيفة العبودية الأساسية ووسيلة الحمد والشكر لله رب العالمين على ما أنعم علينا مسبقًا من نِعم، ولـمّا قام الناسُ بهذه الخدمات في إطار المسؤوليات التي حملهم الدين إياها، واتّبعوا في الوقت ذاته منهجًا يقوم على العقل والمنطق؛ تضاعفتْ هذه الخدمات وستظلّ تتضاعف وتتنامى إن شاء الله تعالى.

يمكن أن نعزو الخدمة إلى فكرة التنافس في تبليغ الحقّ والحقيقة؛ لأنها تدخل في باب التسابق في الخيرات الذي نصّت عليه الآية الكريمة: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 148/2). ولذا فإن مَن يرى ويسمع عن السابقين الأولين في الخدمة يحاول أن يقوم بالخدمات التي كُلِّفَ بها حتى لا يتخلّف عن أولئك.

صدق النية وعقلانية الأعمال

قد ينزعج البعض من هذه الخدمات ويساورهم القلق حيالها، وعلى ذلك فعلينا أن نعمل على إيضاح كل ما يفضي إلى الشبهة عند الناس، وأن نكشف عن صدق نوايانا وعقلانية أعمالنا؛ لأنّ الخدمات المبذولة ما هي إلا تعبير عن إقبال الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة بسبب ما بذلته من سعي وهمّة، حيث أفاض الله تعالى على أرباب الخدمة بالمزيد من فضله وإحسانه لأنهم بذلوا الكثيرَ من التضحيات في سبيل الوفاق والاتّفاق بين أبناء الأمة، وإلّا فكثير من المشروعات لا يمكن لها أن تتم إلا من خلال أناسٍ يرتبطون فيما بينهم.

والبعض قد يتوهّم لعدم استيعابه ما بُذل من خدماتٍ بأن الحركة ذاتُ أجندة سريّة، من أجل ذلك ينبغي لنا أن نبيّن لهؤلاء ما يلي: إننا نعتبر التشوّف لأمر سوى رضا الله تعالى حرامًا بالنسبة لنا، وإننا نفضل احتضان البشرية كلّها بالقيم الإنسانية على كل جماليّات الدنيا؛ فإذا ما قال الله تعالى لنا في الآخرة: “لقد مددتم يد العون لهؤلاء، وساعدتموهم في معرفة الحقيقة، وأنا اليوم أجازيكم على ما قدمتموه في الدنيا”؛ فهذا القول بالنسبة لنا لا تعدله الدنيا وما فيها، علاوة على ذلك فإن التعلّق بأغراض أخرى يشبه سلوك ذلك التاجر الذي كان يعمل في تجارة الذهب في سوق الصاغة، ثم يمّمَ وجهه إلى سوق النحاسين بغية التجارة في النحاس.

وهكذا لا بدّ أن تفيض مشاعرنا بهذه الأفكار، وألا نمتعض ونستاء من التصرّفات أو الكلمات النابية، وأن نعمل على إزالة الأوهام والشكوك التي تساور البعضَ نحونا بالصبر والسكون.

 

 

التفكّر هو الخيط النوراني الذي يوصّل الإنسان إلى الحقيقة

Herkul-ARB | | العربية

 

 

سؤال: التفكّر من أهم المبادئ التي يرتكز عليها مسلكنا، فما الأسس التي ترتبط بها عملية التفكّر حتى تجري على المستوى المطلوب؟

الجواب: التفكّر هو: أن يُرغم الإنسان نفسه على التدبّر في عالمه الداخليّ، ويدقق النظر في الأشياء والأحداث، والتأمل في كل هذا مرّةً بعد أخرى؛ وبذلك يوسِّع الإنسان من دائرة فكره، ولفظة “تفكّر” تأتي على وزن “تفعّل”، الذي يحمل خاصّية التكلّف؛ بمعنى أن الإنسان يبذل وسعه ويُرغم نفسه على القيام بأمرٍ ما، ويوفّي إرادته حقَّها، ولذا يمكن القول ببساطة: إن التفكر وفقًا للصيغة الذي اشتُق منها ليس عمليةً فكريّةً بسيطةً، بل هو عملية فكرية تكتسب طابع النظام والتعمّق والديمومة.

القرآن يوجّه الأنظار إلى العقل الفاعل النشط

إن التفكّر أساسٌ مهمّ في مسلكنا، وهو من المبادئ الرئيسة في الإسلام أيضًا؛ لأن القرآن الكريم خلال تناوله -في الكثير من آياته- السمواتِ والأمطارَ والنباتات والسحاب والرياح والنجوم والجوّ وعملية الخلق وقضية الرزق وغير ذلك من الآيات المكتنزة في الآفاق والأنفس (العوالم الخارجية والداخلية) ربطَ المسألةَ بالتفكّر، فمثلًا يقول الحقّ تبارك وتعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 164/2).

وفي القرآن الكريم كثيرٌ من الآيات التي تشبه الآية السابقة، بعضُها يربط المسالة بالعقل، وبعضها بالفكر، والبعض الآخر بالعلم، غير أنها جميعًا -وإن وجد فارقٌ بسيط بينها- تشير من حيث الأساس إلى نقطةٍ واحدةٍ؛ وهي أن يُفكّر الإنسان في الآيات الكامنة في الآفاق والأنفس، وأن يستغرق في التفكير باستخدام عقله.

وإن انتهاء الكثير من الآيات الكريمة بقول الله تعالى “لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ” ليشير إلى أن القرآن الكريم إنما عبّر عن التفكُّر بصيغة المضارع؛ ليوجه أنظارنا إلى العقل الفاعل النشط.

أجل، إن القرآن الكريم لم يتحدّث ولو مرّةً واحدةً عن العقل السلبيّ الخامل، كذلك لم يتناول أيّ عمليّةٍ عقليّة تتعلّق بالزمن الماضي فقط، بل إنه بحديثه عن التفكّر الذي يكتسب طابع الديمومة في الزمن المضارع يرشدنا إلى التفكّر في الحاضر والمستقبل علاوة على الماضي، ومن ثمّ يجب على الإنسان بعد أن يعقد صلةً منطقيّة وعقلية بالماضي أن يُخضع زمانه ومستقبله لمصفاة فِكرِه، وألا يخطو أي خطوةٍ إلا في إطارٍ من المعقوليّة، علاوةً على ذلك فمن الأهمية بمكان أن تشير هذه الآيات الكريمة إلى العقل الفاعل النشط؛ على اعتبار أنها بذلك تؤكّد على ديمومة التفكّر.

وأوَدّ هنا أن ألفت انتباهكم إلى شيءٍ بشكل استطرادي دون الدخول في التفاصيل وهو: أن لفظ “يعقلون” الوارد في ختام الآية السالفة الذكر يتضمن معاني كثيرة مهمّة، مثل: استغلال العقل في قراءة الأشياء والأحداث، والوصول عن طريق التفكر إلى نتائج يفرزها العقل، واستحلاب جماليّات الكون باستغلال العقل.

بالتفكّر يكتشف الإنسان نفسه

إن الله سبحانه وتعالى يلفت الأنظار في العديد من المواضع بالقرآن الكريم إلى التفكّر واستخدام العقل، مما يحتّم على المؤمنين أن يتعمّقوا في التفكّر في آيات الله الكامنة في الآفاق والأنفس.

ولو أنكم جعلتم الإنسان موضوعًا للتفكّر في الأنفس وتناولتموه من الناحية الفسيولوجية والتشريحية فسيتبيّن لكم وفقًا للتحليل الذي أجراه “ألكسي كاريل (Alexis Carrel)” في كتابه “الإنسان ذلك المجهول” أن الإنسان مخلوقٌ كريمٌ يستحقّ كلّ احترامٍ وتبجيلٍ.

أجل، إن الإنسان ببنيته الداخلية والخارجية مخلوق رائعٌ، ولو افترضنا -مُحالًا- جواز السجود لغير الله لكان ذلك الغير هو الإنسان، ولكن الله تعالى لم يُجزْ قطّ السجودَ لأحدٍ غيره، أما سجود الملائكة لآدم عليه السلام فهو أمرٌ تقتضيه طبيعة الابتلاء والامتحان حتى يدركوا مدى الدقّة والحساسية في امتثال الأمر الإلهيّ.

ومع ذلك فإن السجود لسيدنا آدم يبين لنا أن هذه الأفضلية والرفعة لم تتسنّ لمخلوق آخر غير آدم عليه السلام؛ لأن آدم عليه السلام هو بمثابة نقطة التقاءٍ بين المادة والمعنى والعوالم الفيزيقية والروحانية؛ بمعنى آخر: إن آدم عليه السلام هو مرآةٌ جامعةٌ لكل الأسماء الحسنى، فلو أننا دقّقنا النظر في هذا المخلوق البديع بأبعاده المادّيّة والمعنويّة فليس بمقدورنا سوى الاستغراق في التفكير العميق فيه.

أجل، إن شئتم فتناولوه من الناحية المادية، يعني اليد والرجل والعين والأذن والأنف واللسان والشفتين، أو من حيث ماهيّته الحقيقية، فسيتبدّى لكم -إن أحسنتم قراءته- أنه كتابٌ رائع يسوق الإنسان الى التعمّق في التفكير.

وعند النظر إلى الإنسان وما يحويه من نفس وقلب ومشاعر ووعي بما لديه من شعور، وتوجيه لإرادته؛ فسيبدو أن ذلك الإنسان صاحبُ آليّة رائعةٍ لا يشوبها أيّ خللٍ، وهو الذي يفهمها حقّ الفهم على اعتبار أنه يقف على أقرب نقطةٍ منها؛ فهو من يُديرها ويشغلها ويتربّع على أعلى وأسمى مكان فيها، فلو أن الإنسان غاص في أعماق نفسه، وأمعن النظر في جوانبه المادية والمعنوية فسينفتح على الآفاق أيضًا كهؤلاء الذين أحرزوا نجاحاتٍ كبيرةً على الأرض ثم انفتحوا على الفضاء؛ وبتعبيرٍ آخر: إن دقّق الإنسان النظرَ في الدلائل الكامنة في الأنفس وأدرك أن الله تعالى لم يخلق شيئًا عبثًا ثمّ جال بنظره في العوالم الخارجيّة؛ فسيعود لا محالة بصنوفٍ مختلفةٍ من الرحيق كالنحلة عندما تحطّ على الزهور.

ينبغي أن تكون مجالسنا مجالسَ تأمّلٍ وتفكّرٍ

أجل، إن ما يجب على الإنسان هو أن يستفيد بشكلٍ جيّدٍ من كِلا جناحي التفكّر والتدبّر: التفكر في الآفاق، والتفكر في الأنفس؛ فيجعل مجالسه كلها ساحاتٍ للوقوف على آيات الله تعالى التشريعية والتكوينيّة، والسياحةِ في تلال القلب الزمرّديّة بشكل أعمق، فإن لم يحدث هذا استحال على المجالس أن تتخلّص من التحرّر والطيش، وحيث يسود التحرّر والطيش يظلّ الناس أسرى لنقد هذا وذاك، والانشغال بعيوب غيرهم واغتياب فلان وعلان كالعجائز، والانشغال بمثل هذه الشائعات يدنّس الزمان والمكان وكذلك الجوّ العام؛ إذ يستحيل في مثل هذا المناخ الدنس أن يتبرعم ويورِق التفكّر والتأمّل، والواقع أن الإنسان الذي يُسلمُ نفسه ويتركها في مهبّ تيارات النفس وهواها إنسانٌ قيّدَ قدرة آليّة التفكّر التي تمكّنه من قراءة الوجود قراءة صحيحةً وتفسيره تفسيرًا سليمًا، بل إنه أصابها بالشلل.

وبهذه المناسبة أريد أن أنقل حكاية حكاها السيد “مدد أفندي”، وقد كان رائدًا ملازمًا للسلطان “عبد الحميد الثاني”أسكنه الله فسيح جناته، التقينا سويًّا في زمنٍ ما، وكنت حينها في الثانية أو الثالثة عشرة من عمري تقريبًا، بينما كان هو في الخامسة والسبعين، فكان نورانيّ الوجه ملتحيًا مهتمًا جدًّا بالعبادة والطاعة، علاوةً على أنه كان نموذجًا مثاليًّا للرجل العثمانيّ النبيل، فلما خُلع السلطان عبد الحميد عام (1908م) ألقاه الاتحاديون بمستشفى المجانين مثلما فعلوا بغيره، ولما جاور المجانين زمنًا طويلًا صار هو أيضًا مجنونًا بعض الشيء؛ فمن يضطرّ إلى العيش مع المجانين في مكانٍ واحدٍ يصبح مشكلةً بالنسبة إليهم ويسمّونه مجنونًا إن لم يشاركهم المناخ نفسه ويتكيّف معهم، وهكذا كان السيد مدد -الذي بقي فترة بين المجانين- ينقل أحوالهم وسلوكياتهم بين الحين والآخر؛ فكان أحدهم ينظر في المرآة فيتحدّث عن اكتساح السيول “أرضروم”، وآخر يحكي أن ثمّة كنزٌ في فتحة المدفأة مدفونٌ، وثالث يسُبُّ الكتابات الصادرة في الصحف…

وانطلاقًا من حكايةٍ نقلها السيد “مدد” حول المجانين أريد أن أصل إلى أننا إنْ ظللنا نتحدث عن مواضيع لا فائدة ولا طائل من ورائها لا دنيويًّا ولا أخرويًّا، ولم نحوّل مجالسنا إلى مجالس نورانيّة انقضى زماننا ووقتنا في الثرثرة والهراء؛ فنصبح تمامًا مثل أولئك الموجودين في مستشفى المجانين؛ يتحدّث أحدهم دون داعٍ، ويثرثر آخر في موضوع فارغٍ، وثالث ينهض فيتخاصم مع غيره، ونتيجةً لهذا تصبح مجالسنا أرضًا جدباء لا بركة فيها ولا نفع، ونُبحر في بحر المعاصي، فنضيّع وقتنا في سفاسف الأمور، فإن كان تحويل مجالسنا إلى مجالس ذكر وفكر أمرًا مطروحًا متاحًا فلماذا نحوّله بأيدينا نحن إلى مقبرةٍ خاليةٍ من الروح، محرومةٍ من المعنى؟! وفي حين يمكننا التجوّل في أودية الطاعة فلماذا نُبحر في بحرٍ من العصيان تصعبُ العودةُ منه؟! لماذا لا نستفيد من الفرص في مجالسنا؛ فنجد مداخل ومنافذ شتّى نبحر منها إلى أعماق القرآن الكريم المتنوعة؟!

إن السبيل إلى جعل مجالسنا مجالسَ مباركةً يتمثّل في تركيز الكلام وسحبه دائمًا إلى أرضية التفكّر والتدبّر التي نتفكّر فيها في الله ورسوله دائمًا، وتحويل المحاورات والمدارسات إلى الحديث عن الحبيب، فإن كان هناك من يريد أن يثرثِر ويتحدّث عبثًا ينبغي ثَنْيُهُ عن مراده بأدبٍ وذوقٍ؛ فيُنصح بأن يُقال له: “يا أخي! إن كنت متحدّثًا عن الله ورسوله عليه السلام فلتتحدّث نستمع إليك، وإلا فأحضِر كتابًا، وهلمّ نقرأه” ولنتدارس موضوعًا تَجِلُ منه القلوب وتذرف منه العيون، يُذَكِّرُنا بإنسانيّتنا من جديد. وربما يُطلب من أحد الحاضرين -على سبيل المثال- أن يقرأ القرآن الكريم، فإن كان هناك مَنْ له صلاحية وقدرة على تفسير الآيات المقروءة رُجِيَ منه تفسيرها، وبهذا نبث الانشراح والبهجة في نفوسنا، فإن لم يكن هناك من هو مؤهّلٌ للتفسير نسعى إلى فهم الآيات المقروءة عبر التعرّف على معانيها بمساعدة كتب التفاسير؛ لأننا كلّما فهمنا وتأمّلنا وتدبّرنا تخلصنا من الدناءة وضحالة الفكر، وانفتحنا على بحار ومحيطات المعرفة الواسعة.

والحاصل أننا في ظلّ ديناميّة التفكّر والتأمّل نفهم عجزَنا وفقرَنا ومدى حاجتنا إلى الشكر فهمًا أعمق، ونستمرّ بإذن الله تعالى في أداء خدمتنا -بنشاطٍ واشتياق- بحيث نحتضن المخلوقات بمزيدٍ من الشفقة والرحمة.

 

 

موقف المؤمن والمنافق من المصائب

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: شبه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث شريف له المؤمنَ بالزرع والمنافقَ بشجرة الأَرْز، فما معنى هذا الحديث؟

الجواب: تعددت وجوه رواية هذا الحديث المشار إليه في السؤال؛ فاختلفت ألفاظه، ومن ذلك ما ورد في صحيح مسلم، يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ لَا تَزَالُ الرِّيحُ تُمِيلُهُ، وَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُهُ الْبَلَاءُ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَةِ الْأَرْزِ، لَا تَهْتَزُّ حَتَّى تَسْتَحْصِدَ”[1].

وتشبيهُ النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنَ بالزرع إنما يدلّ على أن الزرع هو خيرُ مثالٍ للتعبير عن حال المؤمن إزاء ما يواجهه من بلايا ومصائب، فلا يغيب عن علمكم أن الرياح إذا ما هبّت هزّت الزرع وأمالته إلى اليمين مرّةً وإلى اليسار مرّةً، وإلى الأمام تارةً، وإلى الخلف تارةً أخرى؛ وبالتالي يهيم الزرع بوجهه على الأرض، ولكن لا تكاد تهدأ الرياح والعواصف حتى يعاود الاستواء مرّة أخرى، وهكذا المؤمن يتعرّض دائمًا للبلايا والمصائب، ولكنّه -بفضل الله وعنايته- لا يسقط أبدًا وإن اهتزّ. أجل، إن المؤمن يتعرّض دائمًا لكثيرٍ من الابتلاءات والمصائب في هذه الدنيا حتى يرتقي معنويًّا، وتصفو طويّته، ويرجع إلى فطرته الأصلية، ويحافظ على شدّه المعنوي في كفاحه للشرور والآثام، إلى غير ذلك من الحِكم التي نعلمها أو لا سبيل لنا إلى معرفتها، وثمة مقولةٌ دخيلة على اللغة العربية مفادها “المؤمن بَلَوِيٌّ”؛ وهذا يعني أنّ المؤمن دائمًا ما يتعرّض للبلاء وتحلّ به المصائب كلّ حين، وكما: يقولون العبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني، فقد جاء في الحديث الذي رواه سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه سأل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: “الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ[2].

وإذا نظرنا إلى المسألة من منطلق هذا الحديث سنجد أن آل البيت رضوان الله عليهم هم أكثر الناس تعرُّضًا للبلايا والمصائب، فلقد لاقوا شتّى أنواع العذاب والاضطهاد على أيدي مراكز القوّة والنفوذ؛ فقُطّعت أطرافهم، بل وشُنِق بعضهم، وذُبح البعض الآخر، ثم ارتحلوا إلى الحقّ تعالى بعد أن ذاقوا طعم الشهادة، ولكن مع هذا فإن ما أصاب هؤلاء أقلّ بكثير ممّا نزل بالسابقين الأولين، وما حلّ بالسابقين الأولين أقل بكثير ممّا لاقاه مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم؛ لأن كل إنسان ينزل به البلاء حسب مستواه وقدره وقيمته.

الثلوج والزوابع والعواصف تجد مكانها في الذرى

لما كانت الأرواح السامقة تتبوّأ مكانها دائمًا في الذرى العالية؛ فإن الثلوج إذا ما هطلت تجدها تهطل أوّلًا على هذه الأرواح، وإذا ما نزلت حبّات الثلوج اصطدمت بدايةً بهؤلاء، وعلى نفس الشاكلة تتحوّل رؤوس هؤلاء أوّلًا إلى كتلةٍ من الجليد؛ بمعنى أن هؤلاء هم أوّل مَن يتلقّى الضربات الأولى لكلّ شيءٍ، فمثلًا الإمام الغزالي لم يفهمه المجتمع الذي يعيش فيه خلال فترةٍ معينة من حياته، فتعرّض للتهجير؛ فأخذ نفسَه وانزوى بعيدًا عن أعين الناس، واضطرّ إلى أن يبيت وحيدًا بين المقابر، وإذا ما تأمّلنا في تضرّعات وابتهالات سيدي عبد القادر الجيلاني أدركنا جيّدًا قدر ما أصاب هذا الرجل الصالح من مصائب وابتلاءات، وكذلك لا يختلف سيدي أبو الحسن الشاذلي عن سابقَيه.

وإذا ما نظرنا إلى العصر الحالي وتأمّلنا المعاناة التي كان يكابدها مهندس الفكر في هذا العصر الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي سيُخيّل إلينا وكأن البسمة لا تعرف الطريق إليه، لقد جاء هذا الرجل العظيم إسطنبول وهو في ريعان شبابه، محمّلًا بأفكار رائعة لا تطرق أذهاننا اليوم حتى ولو في المنام ونظرًا لأن “مستشاري السلطان” لم يعقلوا ما جاء به فقد ألقوا به في مستشفى المجانين بحجّة أنه يهذي في كلامه، ولمّا وقف مستشارو السلطان في مواجهة هذه الأراء والأفكار تعذّر حتى على العقلاء من ذوي البصائر في زمانه أن يفهموا كلامه.

والحقّ أن الإنسان لا يصل إلى الكمال في الإيمان ما لم يُتّهم بالجنون بسبب إيمانه[3]، ولأن هذه القامة الشامخة قد بلغت الكمال في الإيمان فقد وصموها بالجنون.

بعد ذلك شارك الأستاذ النورسي في الحرب ضدّ الروس، فقضى أيامًا صعبةً في ظلّ الظروف القاسية هناك، ووقع أسيرًا، فتعرض في الأسْرِ للأذى والاضطهاد، ثم عاد إلى وطنه علّه يجد السعادة والهناء، لكنه تعرّض هذه المرة لتنكيلٍ آخر؛ حيث انزوى وحيدًا إلى غارٍ في مدينة “وَانْ”، فما لبِثَ أن قُبِضَ عليه فجأةً وهو يعيشُ عزلته هناك ولم يتخلّص -طوال خمس وثلاثين سنة عاشها بعد هذه الحادثة- ممّا يكنّه البعض له من مشاعر العداء في الدين، وما يضمره البعض الآخر من غلّ وحقدٍ وحسدٍ؛ فتوالت عليه الأحكام واحدًا تلوَ الآخر حتى إنه تعرّض للنفي والسجن والعزل والسمّ والمحاكمات وحُكم عليه بالإعدام، وغير ذلك.

كل هذا العناء يلاقيه هؤلاء ونحن نسمّي ما يصيبنا عناء!

حُمادى القول: إن أشدّ الناس بلاءً هم الأنبياء ثم الذين يلونهم، فالأقرب والأقرب كلٌّ حسب درجته ومرتبته، ومن أهمّ الحِكم في هذا الأمر أن هؤلاء الروّاد الذين تحمّلوا عبءَ الدعوة إن لم يتعرّضوا لمثل هذه البلايا والمصائب الكبيرة أخذ أتباعُهم ومَن ساروا خلفهم يشتكون ويتذمّرون مِن أدنى بليّةٍ تحلّ بهم، فقرصة البعوضة أو النحلة تؤرّقهم، وإذا ما رأوا عقربًا أو حيةً همّوا بالصراخ والصياح دون أن يقرباهم، ولكن إن رأى هؤلاء الأتباع الروادَ السابقين وهم يتحمّلون هذا القدر من المعاناة دعاهم ذلك إلى السلوى وقالوا في أنفسهم: كلّ هذا العناء يلاقيه هؤلاء ونحن نسمّي ما يصيبنا عناء!. ولذا فإن أحوال مَن هم في موقع القدوة تنبئ بأمورٍ كثيرةٍ لمن يأتون من بعدهم، فمن ينظر إليهم ويشاهد الأحداث التي نغّصت عليهم حياتهم تختلف رؤيته ومشاعره وقراءته لتلك الأحداث التي مرّوا بها، وفي النهاية تحلو له الآلام التي يعايشها.

أما المنافق “وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَةِ الْأَرْزِ”

فقد شبّه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هنا المنافق بشجرة الأرز، ولا يعنينا هنا أن تكون الشجرة المشار إليها في الحديث هي شجرة السرو أو الصنوبر أو الأرز أو الدلب، أمّا ما يعنينا فهو الوصف الذي اكتسبه المنافق “لا تهتز حتى تُستحصد”؛ يعني أن هذه الشجرة التي تبدو ثابتة في الظاهر إذا ما تعرّضت لريحٍ شديدةٍ انخلعت من جذرِها وسقطت، ولم تستطع الاستواء مرة أخرى. أجل، إن ذلك المنافق الذي يمشي متبخترًا ويظنّ نفسه أنه غير معرّض للسقوط إذا ما اعترضته ريحٌ شديدةٌ سقط على الفور وعجز عن الاعتدال مرّة أخرى، أما الزرع فسرعان ما يستوي مرّةً أخرى وينهض مهما كانت شدة الريح الذي أصابته.

وهنا ملمحٌ لطيفٌ يرِدُ بالخاطرِ ويتعلّق بهذا الحديث الشريف: قد يهتزّ المؤمن ويتمايلُ منفردًا فيدورُ رأسه ويعشى بصره إزاء ما يُلاقيه من مغرَيات، فيتعرّض لهزّةٍ مؤقّتةٍ إن سلم نفسه للذنوب والآثام.

ومن ثمّ يجب علينا أن نأخذ بيديه ونسدي له النصح ونرشده إلى الطريق القويم، ونخلّصه ممّا تردّى فيه، وهذا أمرٌ يسيرٌ عمله بالنسبة للفرد الواحد، ولكن إن عمَّتِ البلوى وانغمس المجتمع كلّه في الذنوب، تفحّم من داخله وسقط سقوطًا مدوّيًا يشبه سقوط شجرة الدلب الضخمة، ولذا علينا أن نمدّ أيدينا إليه، ونساعده على القيام مرة أخرى، ونبثّ الحيوية فيه مجددًا، وهذا بالطبع أمرٌ شاق كثيرًا مقارنةً بما نفعله مع الفرد.

ولكن يجب أن تكون هذه الغاية السامية هي هدف تلك الأرواح التي نذرت نفسها لإقامة دين الإسلام المبين، بمعنى أنّ على هؤلاء أن يحتضنوا جميعَ شرائح المجتمع وأن يكونوا هم القلب النابض في كلّ مكان، وأن يدلّوا المجتمع الذي يعيشون فيه على طرق الانبعاث من جديد؛ لأن الوظيفة الأساسية والمسؤولية الحقيقية التي تقع على عاتق هؤلاء هي رفع شجرة الدلب الساقطة مرّةً أخرى، وبعث الحيوية والطمأنينة فيها من جديد.

 

[1] صحيح مسلم، صفة المنافقين، 58.

[2] سنن الترمذي، الزهد، 57؛ سنن ابن ماجة، الفتن، 23.

[3] يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “أَكْثِرُوا ذِكْرَ اللهِ حَتَّى يَقُولُوا: مَجْنُونٌ” (مسند أحمد بن حنبل، 195/18؛ مسند أبي يعلى، 521/2).

العلاقة بين أنواع الصبر

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ذكر الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي ثلاثة أنواع للصبر؛ الصبر على الطاعة، والصبر على المعاصي، والصبر على المصيبة، فهل هناك علاقة تجمع بين هذه الأنواع الثلاثة؟

الجواب: جاء في مؤلفات الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي -وهو من الشخصيات العظيمة التي وجّهت الناس إلى آفاق القلب والروح- أن هناك ثلاثة أنواع للصبر تجمعهنّ علاقة وطيدة، دعونا الآن نحاول الوقوف عليها:

الاستقامة على الطاعة تقي الإنسانَ من الوقوع في المعاصي

إن أداء الإنسان للعبادات بإتقانٍ ومواظبتَه عليها على نحو تام يستلزم بالفعل صبرًا حقيقيًّا؛ لأنه من الصعوبة بمكانٍ أن يقوم الإنسان بعملٍ من البداية إلى النهاية دون أن يُصاب بالفتور، وبفضل هذا الصبر يحظى الإنسان بحبّ مولاه جلّ وعلا، وفي هذا الصدد يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ”[1].

وعلى ذلك فالمداومة على أداء الفرائض التي أمرنا اللهُ بها فضلًا عن النوافل لها أهميّة كبيرةٌ من حيث إنها تعبّر عن العبودية الكاملة، ولذا فإن الإنسان يحظى بمنزلةٍ متميّزةٍ عند ربّه سبحانه وتعالى بفضل صبره على الطاعة التي حضّ عليها الأستاذ النورسي بقوله “إنها تَرقى بالإنسان إلى مقام المحبوبية”.

فلو أن الإنسان أدّى العبادات التي افترضها الله عليه من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وعباداتٍ أخرى في كلِّ مرحلة من مراحل حياته بدءًا من لحظة التكليف -مع الأخذ في الاعتبار مرحلة التدريب على أداء الطاعة- حتى وقت الوفاة فهذا يعني أنه قد أدّى العبوديّة الحقّة التي تؤهّله لنيل رضا ربّه سبحانه وتعالى، وعلى ذلك فإذا حرص الإنسان على أداء العبادات على نفس المستوى صارت صلاته وزكاته… إلخ بمثابة التُّرس الذي يتوقّى به من المعاصي، كما أنها تقيه من الوقوع في شباك المعاصي.

فعلى سبيل المثال نشاهد البعض يُكثِر من تناول المشروبات الخبيثة حتى يذهب وعيه ويتذرّع بأن هذا لا يحدث إلا في المناسبات الخاصّة فقط، فهؤلاء قد أظلموا حياتهم الدنيوية والأخروية، ووقعوا في أسارة أهوائهم ونوازعهم الخبيثة، أما الإنسان الذي لا يقصّر في أداء العبادات قطّ ويتوجه إلى المسجد ويؤدّي طاعتَه لربّه سبحانه وتعالى فمن غير الممكن أن نتصوّر مثل هذا الإنسان يقوم بعد خروجه من المسجد بارتكاب مثل هذا الذنب الشنيع الذي حرمه الدين، حتى وإن وقع بين ترغيبِ وضغطِ مَن حوله؛ لأن الصلاة التي كان يصليها والأوراد والأذكار التي كان يقرؤها كانت بفضل الله وعنايته وقايةً وسدًّا منيعًا بالنسبة له، كفلتْ له المداومة على السير باستقامة في طريقه دون أن تعترضه أيّ مشكلةٍ في مسيرة حياته، بمعنى آخر: كما أن الماء الجاري على الدوام يحتّ في الحجر ويبليه، فكذلك الثبات على الطاعة يستأصل نزوعَ النفس إلى المعصية.

العبادة تساعد على الاستقامة في الفكر

إنّ تحرّي الإنسان الدقةَ في أداء العبادات يُعينه على اتخاذ الموقف المناسب تجاه البلايا والمصائب؛ لأن العبادات تذكّر الإنسان دائمًا برضا الله سبحانه وتعالى وقضائه وقدره، ومن ثم يفكّر هذا المؤمن باستقامةٍ فيما ينزل به من بلايا ومصائب، ولا يقع في المعصية بفضل الله تعالى، ولا ينتقد القدر، بل إنه بسبب صلته القوية به سبحانه يعبّر عن رضاه بالقدر قائلًا: “كل هذا نزل بي من قِبل الحق تعالى الذي أقف أمامه معقود اليدين في عبوديةٍ وطاعةٍ كاملة”، بل إنه حتى في الأوقات التي يتأرجح فيها الآخرون ويوشكون على السقوط نراه يُحلّقُ دائمًا في أفق الرضا قائلًا:

إلهي قد قبلنا كلّ ما أتانا

خلعةً كان أو أكفانًا

إنْ وردةً طريّةً أو شوكةً قويّةً تلقانا

لك الحمد في السراء والضراء عرفانًا وإيمانًا

أجل، إن العبادة والعبودية والتوجّه بالعبودة إلى المعبود بحقٍّ والمقصودِ بالاستحقاق سبحانه وتعالى وإظهارَ العبودية الكاملة له، يحفظ الإنسانَ كالصُّوبة التي تحفظ النباتات، ويدفعه إلى التفكير بشكل سويّ في المصائب والنوازل التي تحلّ به، وعلى ذلك فإن أخذنا في الاعتبار كلّ هذا؛ استطعنا أن نقول في طمأنينةٍ تامّةٍ: إن ثمّة علاقة وطيدةٌ بين أنواع الصبر.

من جانب آخر يمكن القول: إن هناك ترتيبًا بين هذه الأنواع الثلاثة من حيث اليسر والعسر؛ لأن من الصعوبة بمكان أن يؤدي الإنسان ما كُلّف به من طاعةٍ دون أن ينتابه قصورٌ أو يمنعه عارض، ولكن إذا ما استطاع الإنسان تجاوزَ هذه الصعوبات كان من الأيسر له التغلبُ على أنواع الصبر الأخرى؛ لأن من يعبر بحرًا مليئًا بالقيح والصديد يكون من الأيسر له بفضلٍ من الله وعنايته أن يعبر نهرًا من الماء، ولذلك فإن أنواع الصبر التي تعرضنا للحديث عنها هنا تيسّر الأخذ بأنواع الصبر التي سنقف عندها فيما بعد.

سؤال: هل هناك أنواع أخرى للصبر يمكن أن نُلحقها بهذه الأنواع الثلاثة؟

الجواب: بوسعنا أن نذكر أنواعًا أخرى إضافةً إلى هذه الأنواع الثلاثة التي ذكرها بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله رحمة واسعة، فمثلًا: الصبر على تباطؤ الزمن الذي قد يُوصِل الإنسانَ إلى حدّ الجنون في الأمور المرتبطة بوقتٍ معين أمرٌ مهمٌّ للغاية، كحال الإنسان عندما يتمنّى أن يؤمن الجميع، وأن ترفرفَ أجنحةُ الحبّ على الإنسانية كلّها، ويسود الأمن والسلام في كلّ مكان، ويتآلف الناس مع بعضهم، وتذوب وتتلاشى جميع أشكال التمييز العنصري، ولكن علينا أن نعلم أنه لا بد لتحقق هذه الجماليات من تنشئة جيلٍ جديدٍ، ومعالجةِ الأمرِ من الأساس، ولا جرم أن تحقيق هذا يتطلّب ربعَ قرنٍ من الزمان على الأقل أو ربما نصف قرن، وهذا أمرٌ لا تطيقه الأرواح العجولة، وكما قال الشاعر:

العجول يتعثّر في سيره

والحذِر يصل إلى مرامه

وثمّة أناسٌ كانوا يطلبون السلطة فجاءتهم بقوّتها ونفوذها، يعتقدون في كثير من الأحيان أن بإمكانهم تغيير لون المجتمع وشكله ولهجته مرّةً واحدة، بيد أنكم إن لم تُعالجوا المسألة من الأساس ولم تحترموا حرّيّة الإرادة لدى الناس، ولم تتجمّلوا بالصبر الجميل من أجل تهيئة بيئةٍ جميلةٍ فبدهيّ أن الأمور ستنقلب عليكم دون وعيٍ منكم ولن تصبّ الأحداث ولا الأزمنة في مصلحتكم، فالبناء الذي أقمتموه بلا أساس -حتى في الأمور التي تعتقدون أن بمقدوركم النجاح فيها- سرعان ما ينهدم فوق رؤوسكم؛ لأن العجلة وعدم معالجة الأمر من الأساس يتنافى مع التطوّر الإنساني والاجتماعي، ولذا فإنّ مَن يتوق ويسعى إلى أن يجعل مجتمعه بل والإنسانية بأسرها تنعم بجوٍّ من الحبّ والسلام فعليه أن يكون على أهْبة الاستعداد للقيام بهذا الأمر، ربما تبذلون قصارى جهدكم ولا تقدرون على مشاهدة الجماليات التي كنتم ترغبون في رؤيتها، ويكتب الله المشاهدة للأجيال القادمة؛ ولذا ينبغي أن يكون مبدؤنا طوال حياتنا هو: “القيام بواجبنا وعدم التدخّل بعد ذلك في شأن الربوبية”.

وهناك نوعٌ آخر من الصبر، وهو الصبر على جماليات الدنيا الفانية وإن كانت تدخل في إطار المباح. أجل، إنّ الوقوف في ثباتٍ وعزيمةٍ وصبرٍ أمام الأشعّة البرّاقة التي ترسلها الدنيا إلى عيوننا يُعَدُّ نوعًا شاقًّا من أنواع الصبر، يحدّثنا بديع الزمان سعيد النورسي عن رجل بنى مسجدًا وأسماه “كأنني أكلتُ”، فهذا الرجل صبر وتحمّل وتجنّب كلّ ما تشتهيه نفسه من طعامٍ وشرابٍ، وادخّر النقود التي كان من المفترض أن ينفقها على هذا المأكل والمشرب قائلًا: كأنني أكلتُ، وفي النهاية بنى بما ادّخره من مالٍ مسجدًا جميلًا أطلق عليه اسم “كأنني أكلت”.

وهناك صبرٌ آخر فوق ذلك وهو صبر المقرّبين؛ وهو التحرّق شوقًا لرؤية جمال الله تعالى ولقاء روح سيد الأنام صلى الله عليه وسلم وتحمّل البقاء في الدنيا إلى أن يتمّ الرحيل إلى آفاق الروح، ومن بين الممثّلين العظام لهذا النوع من الصبر مولانا جلال الدين الرومي الذي كان يقول:

أريد صدرًا يتقطّع ألمًا من الهمّ

حتى أبثّه همّ هذا الفراق المُلِمّ

بمعنى أن يكون الإنسان مهمومًا حتى يفهم معنى الهمّ، فلا يمكنك أن تبثّ همَّك لمَن لا يدرك معنى الهمّ.

كان مولانا جلال الدين الرومي يقول -وهو يتحرّق شوقًا ولوعةً- إنه ابن جنّةٍ مفقودة، مسكينٌ جاء من قِبَلِ الله وأُلقي به في الدنيا، ودائمًا ما كان يترنّم بالليلة التي يتوفّاه الله فيها وكأنها ليلة عرسه، ورغم أن فؤاده يحترق ويتلوّى ألمًا قائلًا: “متى الوصال”؛ إلا أنه لم يفصِح عن مشاعره قائلًا: اللهم خذ روحي الآن حتى أتمكّن من الوصال بك، فقد كان يعطي إرادته حقّها ويصبر على شوقه للوصال.

لأن مَن أرسلَنا إلى الدنيا هو الله، والأمر يتقدّم على الأدب بل ويعلو العشق أيضًا، فحتى وإن أوصل العشقُ الإنسانَ إلى حدِّ الجنون فإنّ طلب الإنسان القدوم دون أن يُدعى إليه يُعدّ سوءَ أدبٍ مع الله سبحانه وتعالى، فمن جنّدنا هنا هو الله، ومَن سيملأ لنا شهادة التسريح من هذه الجنديّة هو أيضًا، فعلينا إذًا أن نصبرَ ونتحمّل حتى يملأ لنا تذكرتنا، وهذا أيضًا صبرٌ على العشق والاشتياق غير أن مثل هذا الصبر يجاوز حدّنا وقدراتنا؛ لأنه من شأن الصالحين الذين آمنوا بحقٍّ، وتعمّقوا في المعرفة، فوصلوا إلى المحبة، ومنها حلّقوا صوب العشق والاشتياق.

 

[1] صحيح البخاري، الرقاق، 18؛ صحيح مسلم، صلاة المسافرين، 216-218.

تحويل الإمكانيات الفانية إلى جماليّات خالدة

Herkul-ARB | | العربية

 

سؤال: ما الذي ينبغي أن تكون عليه نظرة المؤمن إلى الدنيا حتى يتسنى له تحويل الإمكانيات الفانية في الحياة الدنيا إلى جماليات خالدة في الآخرة؟

الجواب: لقد خُلق الإنسان ورشّح للخلود، وذهنه منشغلٌ على الدوام في تصوّر السعادة الأبدية الخالدة، وعلى ذلك يجب على الإنسان أن يقدّر الدنيا بقدر فنائها والآخرة بقدر خلودها، ولو كان لنا أن نتحكّم في الطبيعة البشرية وسمحت الأحكام الدينية بهذا فأنا أعتقد أننا إذا ما فكّرنا في الدار الآخرة وخلودها سنقول: “يجب علينا أن نقطع صلتنا بالدنيا تمامًا ولا نيمّم وجوهَنا إلّا إلى الآخرة”، غير أن فطرةَ الإنسان وشهواته وضعفه البشري لا يُجيز مثل هذا الكلام، كما أن الكتاب والسنة اللذين شرعا الأحكام بما ينسجم مع الفطرة الإنسانية لا يُقرّرا مثل هذا النمط من الحياة، ومن ثمّ يجب على الإنسان ألّا يغضّ بصره عن القوانين التي أودعها صاحبُ الشريعة سبحانه وتعالى في الفطرة الإنسانية، وأن يكون على وعي لما هو مرشحٌ له ولنوعية المفاجآت التي تنتظره؛ بمعنى أن يسير في الطريق الذي رسمه له القرآن الكريم ويبتغي الدار الآخرة فيما آتاه الله تعالى، ويجعل لها الأولوية في حياته، ولكن لا ينسى نصيبه من الدنيا أيضًا.

وفي هذا الصدد على الإنسان أن يعتبر رغباته وشهواته الدنيوية كَكِسرة خبزٍ أو قطعة عظمٍ -عذرًا لهذا اللفظ غير اللائق- ملقاة إلى نفسه، وبذلك يستطيع أن يواصل طريقه دون أن تغريه جماليّات الدنيا الفاتنة، بيد أن إدراك الإنسان بشكلٍ كاملٍ للدنيا والعقبى وما فيهما من ألوان ونقوش خاصّة بهما يتوقّف على المعرفة الحقّة، فمَنْ لم يستطع أن يُزيّن إيمانه بالمعرفة لا يستطيع أن يشعر بجماليات صعوبات الطريق الذي يوصّله إلى الخلود وإن كان مسلمًا، ومن ثمّ لا يناله إلا التعب والنصب في الطريق الذي يسير فيه.

إن المعرفة في حدّ ذاتها تولّد ضروبًا من المحبة كأمواج البحر المتلاطمة، وأما المحبة فتوجّه نظرَ الإنسان إلى المحبوب الحقيقي سبحانه وتعالى، ومن خلالها يتخلّص الإنسان من دغدغة المشاعر، فيطرح عَظْمَةً لرغبات نفسه وضغوطاتها ويواصل طريقَه، والدنيا مهما كانت فاتنة فعلى الإنسان ألا يثق بها، أما الشيء الوحيد الذي لا بد أن يوليه الإنسان الأهمية القصوى في هذه الدنيا فهو نشر الاسم الجليل المحمدي صلى الله عليه وسلم في كل أنحاء العالم، ورفع كرامة الإسلام الضائعة المنتهكة مثل الرايات التي ترفرف على الأبراج العالية.

فلا قيمة للبقاء في الدنيا إن لم ترتبط قلوبنا بهذه الغاية السامية، فإذا جعل الإنسانُ غايتَه مسألة إعلاء كلمة الله وأن تكون الروح المحمّديّة روحًا للإنسانية، فلا غضاضة من بقائه في الدنيا إن كان يسعى لتعريف القلوب بروح سيد الأنام صلى الله عليه وسلم حتى وإن عمّر ألفا إلا خمسين عامًا مثل سيدنا نوح عليه السلام، أما الحياة التي تمضي دون أن تكتنفها مثل هذه الغاية السامية فما هي إلا خداع يتوازى مع الإفلاس.

وا حسرتاه! لقد خُدعنا، خُدعنا بالتصفيق والأبهة والعظمة!

الحقيقة مع الأسف أن هناك كثيرًا من المخدوعين في هذه الدنيا، وفي الواقع لا يمكن التوصّل إلى قرار صائب في شيء ما إلا بعد تحديد قدر الأهمية التي نوليها له، فإذا ما وصل الإنسان إلى النهاية قد لا يستطيع أن يجد ما يأمله، وحينذاك يقول كالشاعر الصوفي الشيخ “غالب”:

وصلنا إلى ديار الحبيب فلم نلقه

ودخلنا الجنة ولكن هيهات أن نلقاهُ

بمعنى أن الإنسان الذي لا يستطيع أن يحافظ على التوازن بين الدنيا والعقبى يظلّ في تعبٍ دائم وهو يظن أنه يعمل من أجل الدين، فإذا ما ارتحل إلى الآخرة لم يستطع أن يلقى أو يرى الحبيب سبحانه الذي تلتفّ حوله كلّ القلوب.

قد ينخدع الإنسان بالأعمال الخيّرة التي يقوم بها، بسبب أنها أعمالٌ يشوبها الرياء والسمعة والعجب والفخر وحبّ التقدير والتهليل، وبذلك يُحيل الإنسان أعماله الإيجابية التي بذلها طوال عمره إلى أعمال سلبية، يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث له:

“رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ”[1].

ومن الممكن ضربُ أمثلةٍ متعدّدةٍ ومتنوّعة، فيمكنكم أن تقولوا مثلًا: ثمّة كثيرون يسعون في طريق الحقّ حتى إنهم لو انتقلوا إلى الدار الآخرة ما استطاعوا أن يروا الحبيب؛ لأن هؤلاء قد دنّسوا الأعمال التي يقومون بها على متن هذا الطريق؛ فلم يراعوا آداب السير، وانحرفوا عن الجادّة، وأخذوا يتعثرون، ولا شك أن نهاية هؤلاء الذين تعثّروا في هذه الدار وضلّوا الطريق هي السقوط والتردّي كليًا -حفظنا الله- يقول تعالى:

﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ (سُورَةُ القَمَرِ: 47/54-48).

وهنا يشير ربنا سبحانه وتعالى بهذا البيان الإلهي إلى أن الذين يعيشون حياتهم زاحفين لاهثين وراء شهواتهم وملذاتهم سيُسحبون في النار على وجوههم.

أجل، لقد وقع هؤلاء أسرًى لأهوائهم، وصاروا عبيدًا لأنفسهم، ومن ثمّ كان مآلهم الانكبابَ على وجوههم، ولا تنفعهم شفاعة الشافعين، يقول تعالى حكايةً عن مثل هؤلاء:

﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ: 48/74).

وحتى لا نتعرّض لمثل هذه العاقبة الوخيمة في الآخرة علينا أن نراقب الله تعالى في كلّ أمور حياتنا، فلا بد أن يتقرّب العبد بشيءٍ من ربّه حتى يُقبل ربُّه عليه، فلو امتلأت حياة الإنسان بمشاعر التوقير والتعظيم والتبجيل لله سبحانه وتعالى في هذه الدنيا أمدّه الله في الآخرة بيد العناية الإلهية، وخلّصه من الذل والهوان وهو في أشدّ الأزمات.

ومِن ثمّ يجب أن نملأ حياتنا بالأعمال الصالحة بقدر الاستطاعة، وأن نَجْبُرَ أوجهَ النقص والقصور عندنا بصِدْقِ النية وصفائِها؛ لأنّ في النية فيوضات وبركات خفيّةٌ تُفيد في جبر أوجه النقص والقصور، وإنّ قطرةً واحدةً منها لتملأُ البحار والأنهار، من أجل ذلك على الإنسان أن يوسّع من دائرة نواياه، فمثلًا عليه أن يقول: “اللهم زوّدني بالفرص والإمكانيّات حتى يتسنّى لي أن أغيّر مدار الكرة الأرضية؛ فيُرفرفَ الاسمُ الجليل المحمّدي في شتّى أصقاع الأرض”؛ لأن قطرةً من النية في هذه المسألة قد يُجازي الله تعالى عليها ثوابًا يعادل البحار؛ بمعنى أن الإنسان إن أنهك نفسَه في التفكير حتى كاد رأسُه أن ينفجر من أجل إنجاز الأعمال التي لا بدّ من إنجازها، ثمّ وصل إلى درجةٍ تتجاوز طاقتَه وقدراته استشفعَ بنيّته قائلًا: “اللهم إني عازمٌ على إنجاز هذا الأمر، ولكن طاقتي إلى هذا الحدّ، ولا أستطيع أن أصل بالأمر إلى أبعدَ من هذا”، حينذاك يقول له مَن لا حدّ لقدرته ولا نهاية لمشيئته وإرادته: “عبدي، سأصل بالأمر إلى ما لا تستطيع أن تصل إليه”.

مَن أحب الدنيا لم ينلْ الآخرة!

ولنا أن نربط هذه المسألة بما قاله الشيخ محمد لطفي أفندي رحمه الله تعالى:

ألا يحبّ المولى مَن أحبه؟

ألا يرضى عمَّن هرول لنيل مرضاته؟

لو وقفتَ له على الباب.. وفديته بالروح والنفس والأحباب…

وعملت بأمره، أما يُجزل لك الثواب؟

لو خررتَ خريرَ الماء، وانهمرت عيناك مثل أيوب بالدموع والبكاء…

واكتوى قلبك بالعشق والابتلاء، أما يُقبل عليك رب الأرض والسماء؟

فهذا الهم دواء للهم، والصمد سبحانه يحب مَن يهتمّ

ألم يُدرككَ فضل الواحد الأحد..فهو بلسمٌ لكلّ مغمومٍ مهتمّ؟

هذه هي خلاصة القول.

 إنْ شعَرَ العبدُ بالمعية في الدنيا روحيًّا وحسّيًّا وفكريًّا حظيَ بالمعية الحقيقية في الآخرة، ومَن يعيشون هنا معًا يصلون إلى المعية هنالك، ولذا تمسّكوا دائمًا بهذه المعيّة وتعلّقوا بها، وادْعُوا الله دائمًا في توسّلٍ وتضرّعٍ: “اللهم معيتك، اللهم معية حبيبك صلى الله عليه وسلم”.

أشغلوا أنفسكم بذلك ليلَ نهار، والْهجُوا دائمًا بذكره؛ حتى تحْظَوا بهذه المعيّة عندما ترحلون إلى الآخرة، فلو دخلتم في معيّته هنا انهالت عليكم المفاجآت هناك، حتى تنسوا هذه الدنيا الكاذبة الخادعة التي خلّفتموها وراءكم، ولكن يا للأسف! اضطربت العقول في أيامنا وتشتتت المشاعرُ والأفكار، وأصبح الناس يفكرون في الدنيا أكثر من الحياة الأبديّة والذات الأبديّة.

ولو اطّلعتم على كلام الصالحين لأدركتم قدر معاناتهم وشكواهم من الدنيا. فمثلًا يقول “يونس أمره”:

عجزتُ أمام نفسي الظالمة

فهي لا تشبع من ملذّات الدنيا الغاشمة

والغفلة غشيتْ بصري

و العمرُ يمضي والنفسُ لا تدرِي

فهل تعتبر يا إلهي “مسلمًا”

مَن يتجلبَبُ بالغفلة ويتّبع هوى نفسه مسلّمًا؟

يكسب ثم يكسب ثم يضيّعه سُدى

وتأبى نفسُه أن ينفق قرشًا منه في سبيل الهُدى

إلهي، أزح عن عينيّ الغفلة والضباب

ولا تسوّد وجهي يوم تسودّ الوجوه وترجف الألباب

يقول يونس؛ أصغوا إلى حديثي ولو كان عجيبًا

من أحب الدنيا لم ينل من الآخرة نصيبًا

أجل، لا بد أن نكون على أهبة الاستعداد حتى نرى الحبيب ونلقاه، لن يضيع هناك ألبتة أيُّ كتاب عشقٍ سطّرتموه هنا، وعندما ترحلون إلى هناك يقولون لكم: ها هي الخطابات التي وصلتنا منكم، كما قال الشاعر نسيمي:

جاءني من الحق تعالى النداء

أن أقبل أيها العاشق فأنت مَحْرمٌ تستحقّ الثناء

وهذا مقام المحارم الأقرباء

وقد وجدناك أهلًا للبرّ والوفاء

فهل هناك قيمةٌ لأيّ مدحٍ وثناءٍ دنيوي إلى جانب هذا المدح والثناء الذي يُخاطب به الإنسانُ في الآخرة: لقد فُتحت القسطنطينية على يد السلطان الفاتح الذي “أفديه بروحي وإن كان لي ألف روح”، ولكن ما قيمة هذا الفتح بجانب السلطنة التي يهبها الله في الآخرة؟ إن هذا كله لا يعادل حتى الذرات بجانب الشمس.

الخلاصة: أنّ مَن يكسب الدنيا برأس ماله هنا لن يبقى له رأسُ مالٍ يكسب به الآخرة، وسيذهب إلى هناك خالي الوفاض، ولكن مَن استغلّ إمكانياته في سبيل الفوز بالآخرة انهالتْ عليه كثيرٌ من المفاجآت عندما يرتحلُ إليها.

بعدما أشار الحقّ جلّ وعلا إلى طبيعة الإنسان في سورة القيامة تحدّث عن العاقبة التي سينالها كلا الفريقين في الآخرة، يقول تعالى:

﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ (سُورَةُ القِيامَةِ: 20/75-25).

ندعو الله رب العالمين أن يجعلنا من أصحاب الوجوه النضرة في ذلك اليوم الرهيب!.

 

[1] سنن ابن ماجه، الصيام، 21؛ مسند أحمد بن حنبل، 445/14.

 

رُوح التفاني طوال العمر

Herkul-ARB | | العربية

 

 

سؤال: ما الضوابط الأساسية التي يجب مراعاتها للحفاظ الدائم على حيوية روح التفاني في القلوب؟

الجواب: بداية لا بدّ للقلوب التي نذرت نفسها لخدمة الحق أن تتجنّب شتّى الأفعال والتصرّفات التي من شأنها الإضرار بمعايير الثقة، وأنا لا أظن أو أتوقّع من هؤلاء الأشخاص -الذين جاشت قلوبهم بالمشاعر الصادقة فوقفوا أنفسهم على دعوةٍ ساميةٍ وغايةٍ نبيلة دون التشوّف لأجرٍ دنيوي- أن يتعمدوا القيام بتصرّفات تؤدي إلى تشويه صورة خلطائهم أو الإضرار بدائرتهم، لكن قد يخطو البعض خطواتٍ غير محسوبة ويشرعون في أعمالٍ دون حسابٍ أو تخطيط، فيؤدّي ذلك إلى وقوع بعض الأخطاء التي تتسبّب في تشويه صورتهم، ومثل هذا الحال يقتضي أن يبذُلَ هؤلاء الأشخاص الذين اجتمعوا حول فكرةٍ وشعورٍ واحدٍ كلَّ وسعهم لتلافي هذه الأخطاء على الفور مستعينين في ذلك بالمشورة والحركة الجماعية، فإن قاموا بهذا؛ تخلّص المخطئ من الخجل، وما أفسح المجال لوجود بعض الأفكار السلبية حول الدائرة التي ينتمون إليها.

اللهم لا تُخزِ أصدقائي بسببي

كان مولانا “خالد البغدادي” يتحرّى الدقة البالغة في مسألة الاستغناء عن الخلق، وهو أمرٌ يشكّل نموذجًا جيّدًا لنا في هذا الصدد، فنراه مثلًا ينبّه طلّابه ومريديه منذ البداية إلى بعض الأمور السلبية التي انتشرت في عهده ويُحذّرهم منها حتى لا تتغلّب عليهم أو تتسلّل إليهم، وكان يقول لهم: “احذروا من مخالطة الأثرياء والحكّام ورجال الدولة؛ لأن هؤلاء يجعلون من عطاياهم لكم وتوجّههم إليكم بل وابتساماتهم في وجوهكم وسيلةً لرشوتكم، فإن خضعتم لهؤلاء اضطررتم طوال عمركم إلى التكفير عمّا جَنَتْه أيديكم، ولذا عليكم أن تقنعوا بما في أيديكم ولا تستجدوا شيئًا من أحدٍ، فإن كنتم متزوّجين من واحدةٍ فلا تتطلّعوا إلى الثانية، ولا تنسوا أن هؤلاء الحكام وأرباب الدولة يودّون أن يسيطروا عليكم بما سيضربونه من أغلال على أيديكم”، ومن ثم فإنني أرى أنه ينبغي لمن جعل الأولويّة في حياته للخدمة أن ينأى بنفسه عن أيّ عملٍ قد يؤدّي إلى سوء الظنّ فيه، وألّا يحوم ألبتّة حول مواضع التهم والشبهات، فمثلًا عليه أن يأخذ حِذره ولا يمر من أمام الماخورة حتى لا يجعل أحدًا يقول عنه: ماذا كان يفعل هؤلاء هنالك؟ ولذا لا بدّ من توخّي الدقة والحذر حتى لا يُنسب العيب الذي يقوم به الفرد إلى الجماعة.

لكن علينا ألا ننسى أبدًا أننا مهما راعينا الدقة؛ فلا بدّ من التعرّض لسهام النقد والاتّهام، فهناك بعضُ الناس رغمَ أنكم تبعثون روح الوحدة والتضامن فيمن حولكم وتترنّمون بالحب دائمًا ولا تقفون موقف العداء من أيّ واحدٍ ؛ فإنهم يحملون لكم كلّ حقدٍ وغلٍّ، فلا يصافحونكم ولا يحتضنونكم بل ويردّون باشمئزازٍ على تبسماتكم، وعند ذلك لا يكون أمامكم إلا أن تعرضوا حالكم على ربّكم وتتوسّلون مبتهلين ومتضرعين إليه، ولا تنسوا أن هذه الأمور كانت موجودةً منذ آدم عليه السلام وستظلّ إلى أن يرثَ الله الأرض ومن عليها.

المهم هنا هو أن يتجنب أرباب الحق في حياتهم على المستوى الفردي والأسري والاجتماعيّ كلَّ فعل أو تصرّفٍ قد يجلب العار والخزي للحركة التي ينتسبون إليها، علينا بعد استنفاد أسباب الإرادة التي منحها الله لنا أن نلجأ إليه سبحانه مستعينين بحفظه وعنايته قائلين: “اللهمّ لا تُخْزِ أصدقاءنا بنا ولا تخزنا بأصدقائنا”، فالإنسان مؤهّلٌ دائمًا للوقوع تحت أسارة نفسه؛ لأن العديد من الذنوب ونقاط الضعف تنتج عن الأهواء والرغبات التي قد تسوق الإنسان إلى الوقوع في المهلكات، فضلًا عن ذلك فإن الشيطان يُزيّن للإنسان دائمًا هذه المهلِكات ويُزخرِف له الذنوب والآثام، فمن لم يحذر ويتنبه لكلٍّ من هذه المهلِكات انساقَ وراءها دون وعي، وصار وصمة عار -والعياذ بالله- لمن حوله.

من أجل ذلك على الإنسان -الذي ينتسب إلى حركةٍ تتعلق بها الآمال- أن يتجنّب كلّ ما يمسّ شرفه وكرامته، وأن يحرص على الصمود ضدّ غوايات النفس والشيطان، وألا يتنازل عن صدقه وأمانته أبدًا، وأن يتحرّز من الاعتداء على حقوق الآخرين الذين يشاركونه الدرب نفسه؛ فإذا ما رفع يديه إلى السماء دعا الله في طمأنينةٍ وسكونٍ قائلًا: “اللهم اخسف بي الأرض ولو كانت لي ألف روح ولا تجعلني سببًا في جلب العار والخزي إلى أصدقائي”، وهذا تعبير عن مدى الصدق والوفاء للدعوة، فيجبُ على كلّ روح أوقفت نفسَها للخِدمة أن تبذلَ قصارى جهدِها وكأنها ممثل للأمن والصدق والعصمة لعدم تشويه صورة أصدقائها وعدم إفساح المجال للوقوع في أيّ خطإٍ مهما كان صغيرًا؛ أجل، عليهم التحلّي بروح الاستغناء على الدوام وعدم الاستجداء من أحد، والقناعة بما وهب الله، والابتعاد عن أيّ عملٍ يمسّ الشرف والكرامة.

وعلينا ألا ننسى أن الإنسان الذي يسعى إلى أن يكون صوتَ الحق والحقيقة قد يكون بتصرّفاته وأفعاله الصادقة أكثر إقناعًا من كلامه؛ لأن المغالاة التي لا تعبّر عن الحقيقة أو تتجاوز المقصد قد تستهوي المخاطبَ لبعض الوقت، ولكنْ فضلًا عن أنها تترك أثرًا إيجابيًّا في النفوس فهي عقبات تحول دون عملية الإقناع، فالتصرفات التي تأخذ صفة الاستمراريّة لا يتسرّب إليها الكذب، لأنها تجري دائمًا في مجراها الصحيح، والإنسان الذي يملك الإقناع هو ذلك الإنسان الذي يوحي بالصدق والوفاء دائمًا، ولا يتخلّى عن عفّته وشرفه مطلقًا، ويبعث الأمان والثقة فيمن حوله، ولذا يمكننا أن نقول باطمئنانٍ إن التمثيل مُقدّمٌ على التبليغ.

 لا بدّ أن يسبقَ الحالُ القالَ

فمن صفات النبوّة التي كان يتحلّى بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: التبليغ؛ بمعنى تبليغ أمته الرسالة التي تلقّاها عن ربه عز وجل، لكن إن لم يمثّل ويُطبّق هذا القرآنَ المعجز البيان الذي أنزله الله تعالى شخصٌ مثل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان هناك بيانٌ يعلن عن نفسه بما يُحدثه من دويٍّ في آذاننا حتى عصرنا الحاضر، وما وجد له صدًى في النفوس بهذا المستوى، فالقرآن الكريم الذي نُعلّقه في بيوتنا وغُرَفِ نومِنا ونحفظُه في محافظَ حريريّة لم ولن يتّضح تأثيرُه إلا على أيدي الذين يمثّلونه حقّ التمثيل، ومن ثم فإن عمق التمثيل بالحال لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقدّم على عمق التبليغ بالقال، ولقد دُعي صلى الله عليه وسلم للعروج إلى السموات العلى ليس لأنه بلغ القرآن فقط بل لأنه مثّله في الوقت نفسه حقّ التمثيل.

التواضع وعدم إثارة عرق الغبطة

يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثٍ له:

“سيد القوم خادمهم”[1].

وكان من أعظم ممثّلي هذه الروح بطلُ الإسلام صلاح الدين الأيوبي، كان أولَ حاكم يستخدم لقب “خادم الحرمين”، ولما سمع السلطان “ياووز سليم” -أسكنه الله فسيح جناته- الذي كان يمثل الروح نفسها الإمامَ يقول في خطبته “حاكم الحرمين”، انزعج كثيرًا، واستوى قائمًا على ركبتيه من فورِه قائلًا: كلّا، بل خادم الحرمين، ثم أخذ الذين جاؤوا من بعده يلقّبون أنفسَهم بهذا اللقب، من أجل ذلك يجب على الأرواح التي نذرت نفسها للخدمة أيًّا كان موقعها في الحياة الاجتماعيّة أن تعتبر خدمة الآخرين هي أعلى منزلةٍ لها، وأن يقولوا في أنفسِهم إذا اقتضت الحاجة: “ينبغي للإنسان أن يعتبر نفسه خادمًا وساقيًا بين هؤلاء الذين يعشقون الخدمة ويلتفّون حول منطِقٍ وفكرةٍ وغايةٍ واحدة”، وأن يهرعوا لخدمة الآخرين.

من جانبٍ آخر قد تُثيرُ نجاحات البعض في مجالاتٍ معيّنةٍ غبطةَ الآخرين، بل قد يتحوّل هذا الشعور بالغبطة إلى حسدٍ وغيرةٍ لدى ذوي النفوس الضعيفة، وهنا يجب مراعاة المبادئ الإلهية التي وضعها الإسلام لتربية النفوس، ولقد وضع بديع الزمان سعيد النورسي -رحمه الله رحمة واسعةً- في ضوء هذه المبادئ دستورًا ذكر فيه ضرورة عدم إثارة طلاب القرآن الحقيقيين لمشاعر الغبطة لدى إخوانهم[2]، مع أن الغبطة شعور لا حرج فيه في الإسلام، ولكن إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الغبطة تقع على حدٍّ متاخمٍ للحسد فسيتبيّن لنا أن الإنسان الذي ينتابه الشعور بالغِبطة قد يعبر إلى الطرف المقابل -أي الحسد- دون وعيٍ منه، ولذا جعل بديع الزمان عدم إثارة عرق الغبطة من مسؤوليات طلبة القرآن، أما السبيل للخروج من هذا المأزق فهو تقدير كلّ من يسعى للخدمة وإيثار الآخرين على نفسه في حينه، فهناك البعض من الناس قد تتغلّب عليهم بعض نقاط ضعفهم مثل حبّ الاستحسان لما يفعلون، والتهليل لهم، والإعجاب بهم، وحبّ المنصب والمقام، وعلى ذلك لا بدّ أن يُخصّص لكلّ إنسانٍ المجال الذي يناسبه، وتُوسّع الدائرة التي سيتحرّك فيها، وبتنوّع المجالات يمكن للأفراد القيام بخدمات أوسع وأرحب، وبذلك يقنعون بالعمل الذي يقومون به، وبجانب هذا لا بدّ من العمل على تزويد هولاء بالإيمان والأخلاق الحسنة، وتقوية علاقتهم بربّهم، ومعرفة أن كل ما بحوزتهم إنما هو من الله وحده.

خطر الثبات على القمة

ومن الأمور التي لا بدّ من مراعاتها أيضًا الثبات على الاستقامة، فقد يوجّهنا الحق سبحانه وتعالى إلى طريق مستقيم، ولكن لا يكفي سلوك الطريق المستقيم فحسب، بل لا بدّ من مواصلة السير في هذا الطريق حتى النهاية في حيطةٍ وحذر، هناك قول جميل يرويه بعضهم على أنه حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الناسُ كلُّهم موتى إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون، والعاملون كلهم غرقى إلا المُخلِصون، والمخلصون على خَطَر عظيم”[3].

وإذا كان لنا أن نطلق اسمًا على هذا الخطر العظيم نقول: خطر الثبات على القمة، من أجل ذلك يجب أن ترتعد فرائصنا أيًّا كانت القمّة التي بلّغنا الله إيّاها خوفًا من أن ننقلب رأسًا على عقِب، لقد هدى الله تعالى أتباع الديانات السماوية السابقة إلى الطريق المستقيم، ولكن وقعت بعض الانحرافات في خطّ الدائرة وتعذّر تلافيها لأن هؤلاء لم يراعوا المبادئ الواضحة في مركز الدائرة، فوُصم بعضُهم بالضالين، وحُكم على الآخرين بأنهم من المغضوب عليهم، ومن ثَمَّ: فإذا كان من الصعب سلوك الطريق المستقيم؛ فالأصعب من ذلك هو مواصلة السير في هذا الطريق.

أجل، من الصعب الوصول إلى القمة لكن الأصعب هو المحافظة على التواجد فيها، وفي هذا السياق يشير الأستاذ النورسي رحمه الله رحمة واسعة إلى “أنّ مَن يهوي من برج الإخلاص ربما يتردّى في وادٍ سحيق إذ لا موضع في المنتصف”[4].

الاستخدام حسب القابليات

 ثمّةَ أمرٌ مهمّ لا بدّ من أن تلتفت إليه الأرواح المتفانية حتى يمكنها أن تقدّم خدماتها على مستوى أرحب وأوسع ألا وهو تدبّر الأشياء والأحداث وتجنّب محاربة الفطرة، لقد خلق الحق سبحانه وتعالى الناسَ بطبائع مختلفة ووهبهم أيضًا قابليّات ومهارات متباينة، وربما لا يترك البعض تأثيرًا مباشرًا فيمن حولهم لأنّ علاقتهم ضعيفةً في الحياة الاجتماعية، فمثلًا هناك أناس يمكنهم أن يعبّروا بأقلامهم عن الحقّ والحقيقة ويؤثّرون في العديد من الناس ويثيرون شعور الانبعاث في القلوب بكتاباتهم، ولكن إن عُرِضَ عليهم التحدّث في مكانٍ ما قد يخسرون كل المكانة التي حظوا بها بكتاباتهم في أول محاضرة لهم؛ لأن الله تعالى لم يمنحهم مهارة التحدّث بقدر ما منحهم مهارة الكتابة، ولكن هؤلاء أنفسهم يحالفهم الكثير من النجاح والتوفيق عندما يشرحون القيم التي يؤمنون بها من خلال كتبهم ومقالاتهم وما شابه ذلك، من أجل ذلك يجب على الإداريّين والمسؤولين أن يكونوا على وعيٍ تامٍّ بهذه المسألة ويكلّفوا الناس بالعمل الذي يتناسب مع قدراتهم وأهليّاتهم.

ولا يعزب عن علمكم أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أرسل سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى اليمن للإرشاد والتبليغ نزولًا على رغبته، ومرّ على ذلك -كما روى أبو موسى الأشعري- يومان وثلاثة وأسبوعان وثلاثة وما من رائحٍ أو غادٍ، في الواقع لم يكن سيدنا خالد رضي الله عنه بالشخص الذي لا يستطيع الخطابة، ولكن الحقّ تبارك وتعالى جعله مرجوحًا في عالم الإرشاد، راجحًا في عالم القيادة؛ بمعنى أن الله تعالى جعله مفضَّلا في جانب آخر، فلو أن خالدًا رضي الله عنه كان خطيبًا مفوّها على مستوى بعض الصحابة الذين قلّ أن نجد لهم مثيلًا في التاريخ فمن كان إذًا سيدكّ أركان بيزنطة، ويدمّر الساسانيين، ومن ثم رجع سيدنا خالد رضي الله عنه من اليمن إلى المدينة، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن بدلًا منه سيدنا عليًّا كرم الله وجهه، ذلكم الصحابي الجليل الذي أثار الانفعالَ في الأرواح بكلامه، وأوصل صوته إلى ما وراء العصور، ووهبه الله ميّزةً وخصوصيّةً معيّنةً فكان خطيبًا وواعظًا وناصحًا، وما أن وصل رضي الله عنه إلى اليمن واستقر به أيامًا قليلةً حتى توافد الناس على الدخول في الإسلام؛ لأن هذا الجبل الأشمّ كان يعلم متى وأين وماذا؟ يجب أن يتحدث حتى يستطيع النفاذ إلى القلوب.

وهكذا فإن الوظيفة الملقاة على عاتق الإداريّين هي التعرّف على مختلف قابليات من حولهم كلٌّ على حِدة، واستغلال كلّ في مكانه الصحيح حتى يمكن الاستفادة منهم بشكلٍ مثمِرٍ، فكما أن تكليفَ النملة بما يحمله الفيل يسحقها ويقهرُها فكذلك إذا كلفنا الفيل بما تحمله النملة -وهو الذي يقدر على خلع غابةٍ والذهاب بها- نكون قد قلّلنا من قدر الفيل وأضعنا كرامته.

ومع أن مراعاة ماهية طبائع الأشخاص وقابلياتهم يُعدّ أمرًا مهمًّا عند توزيع الأعمال؛ إلّا أنّه لا بدّ ألا يغيب عن أذهاننا أن التأثير الحقيقي إنما هو من الله سبحانه وتعالى، فمثلًا لقد تعرّفتُ على أناس لا يملكون مهارة الحديث ويتعسّرون في تكوين ثلاث جُمَلٍ متتابِعةٍ للتعبير عن مقاصدهم ومع ذلك تراهم إذا تحدثوا تبدتْ مشاعر اللين والرقة لدى المخاطبين، وليس بوسعنا أن نُرجِع هذا التأثير إلى هيئة هذا المتحدث أو إلى شمائله أو قدراته أو سعة فكره، أو مهارته في الحديث، يعني أن القلوب بيد الرحمن سبحانه وتعالى، وهو الذي يهدي من يشاء إلى الصراط المستقيم، ومن ثمّ ينبغي لأرباب القلوب ألا يستخفّوا بأي عملٍ يقومون به في سبيل الله، وعليهم القيام بالمسؤوليات التي تُناط بهم من خلال استغلال كلّ الوسائل التي من شأنها النفاذ إلى القلوب مثل دعوة الآخرين على الشاي، واستضافتهم لتناول الطعام، وزيارتهم أحيانًا…

التوازن بين الواقع والمثالية لدى القلوب المتفانية

من جانب آخر لا بدّ من عدم الخلط بين الواقع والمثاليات؛ أجل، لا بدّ من إعلاء الهمم، والسعي وراء الأهداف السامية، كما يجب على السائرين في سبيل الغاية السامية أن ينشدوا غايات مثلى حتى يمكنهم تغيير وجه العالم في لحظةٍ واحدة؛ لأنه إن كانت الهممُ عاليةً والإمكانيات قاصرةً عن إنجاز هذه الأعمال جبَرَ اللهُ تعالى هذا القصور بفضله وبسبب النوايا الطيبة، وجازى الشخصَ بما يتناسب مع الهدف الذي كان ينسجه في خياله؛ بمعنى أن الإنسان ينال ثواب نواياه الجميلة التي لم تتحقّق.

على الإنسان أن ينشد المعالي، وأن يوسّع من دائرة غاياته العليا، ولكن مع كل هذا ينبغي مراعاة عناصر الزمان والمكان والإمكان والإنسان لتحقيق ما يصبو إليه من أفكار، لا بدّ من مراعاة الظروف القائمة ومدى إمكانية تحقق الأفكار الجميلة من عدمها حتى لا تتعرض أعماله للخطإ والخسارة.

أحيانًا يسلك البعض طريقًا لتغيير لون العالم ويعيش نوعًا من الأوطوبيا كـ”المدينة الفاضلة” للفارابي و”مدينة الشمس” لكامبانيلا، ويتخيل في هذا العالم المتخيّل أن الناس إذا ما تقابلوا مع بعضهم تعانقوا، وإذا ما ذهبت الأسود والذئاب إلى الأغنام طلبوا السماح منها، كما أن السوق أصبح يزدان بالروعة والبهاء لدرجة أن الناس الذين يتسوقون فيه غدوا كالملائكة، فالجميع في هذا العالم لا يحيد ولا يزيغ عن الاستقامة قدر أنملة، حتى إن الأطفال قد صاروا كالملائكة عندما وصلوا إلى مرتبة النضج أو البلوغ وناهزوا خمسة عشر عامًا، دون حاجة إلى تربية أو تعليم.

أجل، من الممكن التفكير في كلّ هذا وتصوّره، ولكن تحقيق هذا أمرٌ مختلفٌ تمامًا. إنكم مضطرّون هنا إلى مراعاة طبيعة الإنسان وعلاقات الناس ببعضهم، فما صادفنا حياة بهذا المستوى حتى في محيط الأنبياء، ولم تكن الأسواق على هذه الدرجة من الاستقامة، ولم تتأسّس مثل هذه الأخوة بين الذئاب والشياه، ولم تُعرِض الأسود عن أكل اللحوم وتتّجه إلى أكل العشب أبدًا.

وفي رأيي أن الواقع ما دام يشير إلى هذا فلا بدّ أن نضع في اعتبارنا مسألة تحقُّق المثاليّات التي نطمح في الوصول إليها فإن كنا ننتظر ممّن يعملون معنا أن يغيّروا وجه العالم وأن يقوموا بخدمات تضفي وجهًا جديدًا عليه فلا مفرّ من أننا سنُمنى بخيبة الأمل وستتحطم أماني الآخرين الذين علّقوا آمالهم علينا، وذلك لأننا بنينا الأحكام على الخيال وتعلّقنا بأمورٍ يصعُب تحقيقُها، ولذا لا بدّ من مراعاة قابلية كلّ فرد على حِدَةٍ حتى لا ننتهي إلى مثل هذه العاقبة، ونقسّم الأعمال تبعًا لذلك، ونأخذ في الحسبان عناصر الزمان والمكان والإمكان والإنسان عندما نودّ تحقيق ما نريد من أفكار جميلة.

 

[1] البيهقي: شعب الإيمان، 10/582؛ الديلمي: المسند، 2/324.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، دستوركم الثاني، ص 221.

[3] العجلوني: كشف الخفاء، 2/312.

[4]  بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، دستوركم الرابع، ص 224.

 

 

ابتلاءات طريق الحقّ والموقف الإيمانيّ منها

Herkul-ARB | | العربية

 

سؤال: ما المسؤوليّة التي تقع على عاتق القلوب المؤمنة إزاءَ الهجمات الوحشيّة الجائرة الناشئة عن مشاعر الغيرة والحسد؟

الجواب: لا بدّ أن ننوّه بدايةً على أنّ الجور والظلم الناشئَين عن الغيرة والحسد ما زالا قائمين من قديم الزمان حتى يومنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، لقد نشأ “قابيلُ” ابن سيدنا آدم عليه السلام في بيتٍ يتنزّل عليه الوحيُ زخًّا زخًّا، ورغم ذلك تكدّرت نظراته وطار صوابه حسدًا وغيرةً من أخيه، فتلطّخت يده بدمِ أخيه وقتله فأصبح من النادمين.

ولقد كانت تلك الحادثةُ -بحقٍّ- من أُولى ألاعيب الشيطان الرجيم، استغلَّ نقطةَ الضعف في الإنسان، وجعله يقوم بما وسوس له به.

وإن أوّلَ من يخطر على البال من الأنبياء الذين قتلَهم أقوامُهم هو سيدنا زكريّا عليه السلام، وكما تعلمون فقد اُستُبيحَتْ دماءُ كثيرٍ من الأنبياء على يد أقوامهم، أما سيدنا داود عليه السلام فرغم أنه انتَشَلَ قومَه ممّا كانوا فيه من ذلٍّ ومهانةٍ إلّا أنّهم ألجؤوه إلى موقفٍ حرِجٍ؛ لدرجة أنهم افتروا عليه بشيءٍ نخجل حتى من إسناده إلى إنسانٍ عاديٍّ، ممّا دعاه إلى الحلف بالله على التابوت حتى يُبرِّئ نفسَه ممّا نُسب إليه، وكذلك دارت الأكاذيب والافتراءات حول سيدنا سليمان عليه السلام، وأشاع عنه قومه أنه -حاشا لله- دجّالٌ ومشعوذٌ وساحرٌ، ولم يسلم مفخرةُ الإنسانيّة صلوات ربّي وسلامه عليه من هذا؛ إذ لم يتقبّل قومُه أن يخصّه الله تعالى بالاصطفاء بالنبوّة، وامتلأت قلوبهم حسدًا وغيرةً، وادّعوا أنه -حاشا لله- ساحرٌ وكاهن.

خلاصةُ القول إن الأنبياء وأتباعَهم وكثيرًا ممّن بذل جهده مِن بعدهم في سبيل الحقّ والحقيقة؛ قد تعرضوا لشتّى أنواع الافتراءات والهجمات الوحشيّة والمهانة، ولا شكّ في استمراريّة وقوعِ مثل هذه المضايقات فيما بعد، وكذلك استمراريّةُ تعرُّضِ الذين يسيرون في سبيل الحقّ تعالى لكلّ صنوف الأذى والاضطهاد والافتراء.

مدة الابتلاء يحددها مالك الزمان

أما عن الوظيفة الملقاة على عاتق أرباب الحقّ إزاء هذه الأمور فهو تقبُّل المصائب التي تحلّ بهم بطمأنينةٍ وسكينةٍ، وعدم اللجوء إلى الشكوى، وعدمُ الامتعاض ممّن يرى المصائب خليقةً بهم، فكما رُوي عن الحسين بن منصور الحلاج الذي حُكم عليه بالإعدام بسبب قوله في حالة الاستغراق “أنا الحقّ”، أنه رفع يديه المقطوعتين إلى السماء والدمُ يخرّ منهما وقال: “اللهم لا تنزع روحي حتى تعفو عمّن رآني جديرًا بهذه العقوبة”، ولا يختلف هذا القول عن ذلك القول الذي قيل بعد مرور ثمانية قرون “أما الذين ظلموني وجرْجَروني من مدينةٍ إلى أخرى، والذين أرادوا وَصْمِي بمختلفِ التُّهم والإهانات، وأفردوا لي أماكن في الزنزانات فقد غفرتُ لهم ذلك وتنازلتُ عن حقوقي تجاههم”[1].

أجل، على السائرين في هذا الطريق أن يعلموا أنهم سيتعرضون لا محالة لشتّى أنواع الأذى والمضايقات، ومن ثمّ عليهم ألا يستاؤوا من هذه الأمور أو يتبرّموا منها مطلقًا، وكذلك لا ينبغي لهم أن يترنّموا بآلامهم كما يفعل بعضُ الشعراء، ولا يتذمّروا من القضاء والقدر، ولا يخلِّفوا شكواهم وتذمّرَهم للأجيال القادمة مِن بعدهم، ولا ينبغي للإنسان أن ينتقد القدر قائلًا: “إلى متى؟”، بل يجمُل به أن يعرف كيف يجعل مشاعره لا تتجاوز صدره فإن أبت إلا أن تُترجم إلى صراخٍ وأنين؛ فليلجأ إلى مكانٍ بعيدٍ عن مرأى البشر ومسمعِهم فيبثّ حزنه إلى الله مالك الزمان؛ لأن مدة الابتلاء إنّما يحدّدها مالكُ الزمان، فإن تدخّلتم في شؤونه وقعتم في مأزقٍ كبيرٍ، فالأصل هو مقابلة كلّ أمرٍ من أوامر الله برضًا واحترام.

قد يتأتّى الجفاءُ من الجلال أحيانًا، وقد يتأتّى الوفاء من الجمال أحيانًا أخرى، لكن المهمّ هو أن نعرف أنّ كليهما واحدٌ، بمعنى أنه يجب علينا ألا نفرح بصفاء الجمال، ولا نتحسّر على جفاء الجلال، فإن أعرب الإنسان عمّا أصابه قائلًا: “ماذا فعلت حتى يصيبني كلّ هذا؟ لماذا تحلّ بي كلّ هذه المحن والمصائب؟ لماذا هذه الشائعات والافتراءات؟ لماذا كلّ هذا الحسد والغيرة؟” فهذا يعني أنه جاهل بسنّة الله تعالى في خلقه، فلقد ابتُلي الأنبياء الكرام والأولياء العظام وامتلأت قلوب قومهم حسدًا وغيرةً منهم، فما الضير إذًا إن تعرضتم لمثلِ ما تعرضوا له؟

 

لا تبالوا بما يُقال، وغذّوا السير في هذا الطريق المستقيم

وما أعذب قول الشاعر الحكيم:

إن أصاب حجرُ المقلاعِ -خطأً- سلطانيّةً ذهبيّةً

فلا ترتفع قيمة الحجر، ولا تنقص قيمة السلطانيّة

فإن كنتم سلطانيةً ذهبيةً بحقٍّ فلا يضرّكم افتراءاتهم ولا استنكارهم لكم، فعلى أرباب الحقّ إزاء ما يقوم به بعض السفهاء من أمورٍ هو عدم الاكتراث بكلّ هذا ومواصلة الطريق الذي يعتقدون استقامتَه، عليهم ألا يعبؤوا بالكلمات النابية الموجَّهة إليهم، ولا يشتّتوا أذهانهم بها، بل عليهم أن يشحذوا كاملَ همّتهم، ويُكثّفوا جهودَهم للقيام بالأمر المنوط بهم، عليهم أن يتقنوا أعمالَهم، ثم يفوّضوا الأمر في النهاية إلى الله سبحانه وتعالى، لأنّ مِن أهمّ الخصائص التي يتّسم بها الجيل الجديد في المستقبل كما ذكر ربّنا تبارك وتعالى: ﴿وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 54/5).

وكل هذا يذكّرني بقول الشيخ محمد لطفي أفندي رحمه الله:

يقول عاشق الحقّ عن المؤْذي:

لا تمتعض ممّن يؤذي

فمن امتعض من الأذى

قلّتْ درجتُه عن المؤذي

فإن كان لديكم أملٌ في الكمال في الآخرة فتجنّبوا ادّعاءَ الكمالِ في الدنيا؛ لأن هذا من أمارات عدم الكمال، كما أنّ تكبُّرَ الإنسان وتشوّفه لتصفيق الناس وتقديرهم ما هو إلا استثمارٌ مآلُه الخسارة بل إلى الإفلاس في الآخرة؛ لأن مَن استنفذ في الدنيا كلّ الجماليّات التي منحها الله تعالى له استحقّ وعيدَ الآيةِ الكريمة: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ (سُورَةُ الأَحْقَافِ: 20/46).

ولذا يجب على المؤمنين أن يطمحوا إلى الكمالات التي سيهبها الله تعالى لهم في الآخرة، ويتحلّوا بالصبر في الدنيا حتى لا ينقصهم أيُّ شيءٍ في الآخرة، فإن فعلوا ذلك ما استطاع أحدٌ -بمشيئة الله تعالى- أن يحول بينهم وبين ما يقومون به من أفعال الخير، يكفي الأرواحَ التي نذرت نفسَها لإضاءة نجمِ مستقبلِ أمّتها أن تستمرّ على المنهج التي أقسمت أن تتفانى في سبيله، وإلا فإن جُرُّوا وراء أطماعهم الدنيويّة كامتلاك البيوت والثروات واستثمار الأموال للتنعُّم بها في المستقبل؛ سلب الله تعالى منهم كلّ إمكانيّات الخدمة واستبدلَ بهم خَلْقًا جديدًا قادرًا على التحمّل غير خاضعٍ للدنيا وأهوائها، من أجل ذلك يجب على من نذروا أنفسهم في سبيل الحقّ ألا يتزحْزَحُوا عن منهجهم حتى آخر قطرةٍ في حياتهم.

 

الاستغناءُ هو أكبر رصيد

وجاء فيما روته كتب الحديث المعتبَرة مثل البخاري ومسلم من طرقٍ شتّى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى طعامًا إلى أجلٍ من يهوديّ، ورهنه درعَه[2]، غير أنه صلى الله عليه وسلم ارتحل إلى الرفيق الأعلى قبل أن يسدّ دينه، فلما تولّى سيدنا أبو بكر الخلافة سدّد الدين وخلص هذا الدرع المبارك -هذه الذكرى النبوية- من الرهن، ثم استودعه لسيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.

وهذا يعني أن “خُلاصة العفاف والطهر” صلوات ربي وسلامه عليه؛ لم يرَ من المناسب الاستدانة من أصحابه رضوان الله عليهم واعتبر الاستدانة منهم مخالفةً لمبدإِ عدم التشوّف للأجر الدنيويّ في مقابل مهمّة الدعوة، وبذلك أكّدت هذه الواقعة مرّةً أخرى على أنه صلى الله عليه وسلم لم يسعَ وراء أيّ مصلحة مقابل تبليغه رسالة ربّه وتمثيلِها، أو مقابلَ إعلام الناس بوسائل السعادة في الدارين، وإرشاد أصحابه على وجه الخصوص إلى طريق الجنة، كما دلّت على أنه صلى الله عليه وسلم هو القدوة الحسنة لوارثي دعوى النبوّة.

وسيدنا أبو بكر رضي الله عنه كان قبل خلافته تاجرًا، وكان يغدو كل يوم إلى السوق فيبيع ويبتاع، وكانت له قطعة غنم تروح عليه، وربما خرج هو بنفسه فيها، وربما رُعيتْ له، وكان يَحلب للحيّ أغنامَهم، فلما بُويع بالخلافة قالت جارية منهم: “الآن لا يحلب لنا منائح دارنا”، فسمعها فقال: “بلى لعمري لأحلبنّها لكم، وإني لأرجو أن لا يغيِّر بي ما دخلتُ فيه”. فكان يحلب لهم، ولكنه بعد مدّةٍ وأمام إلحاح خيار الصحابة رضي الله عنهم وبعدما رأى أن أمور المسلمين لا تصلُح مع التجارة وما يصلُح إلا التفرغُ لهم والنظرُ في شأنهم ترَكَ التجارةَ وارتضى بما اقتطعوه له من راتبٍ جزئيٍّ يُصلِحه وعيالَه يومًا بيوم، ويحجّ ويعتمر، ورغم أن مسألة تقاضي الراتب في مقابل خدمته كان يرهقه دائمًا؛ إلا أنّه تحمّل ذلك حتى لا تتعطّل مصالح المسلمين، ومع ذلك كان يتحرّى الدّقّة البالغة وترتعش يداه عند إنفاق هذا الراتب المقدّر له، فلما حانت وفاتُه قال: “رُدُّوا ما عندنا من مال المسلمين فإني لا أصيب من هذا المال شيئًا، وإنّ أرضي التي بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصبتُ من أموالهم”. فدَفع ذلك إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه ودفع إليه بعيرًا وعبدًا وقطيفةً ما تساوي خمسة دراهم، فلم يتمالك عمرُ دموعَه أمام هذا المشهد، وقال: “رحم الله أبا بكر، لقد أَتْعَبَ مَن بعده تعبًا شديدًا”[3]، قال ذلك، ولكن لم تكن حياته بأقلّ من سلفه.

 

مفهومُ العزّة والشرف والخطأ في فهمهما

أخطأ بعض المغرورين في فهمهم لمقولةِ “التكبّر على المتكبّر صدقة”، بيد أن سيدنا عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليه استطاع أن يُرغم الآخرين على طاعته والانقياد له مع كامل تواضعه وبساطته، فُتحت في عهده سوريا وفلسطين، وبعد الفتح طالب الفاتحون أعيانَ القدس بمفاتيح المسجد الأقصى، فرفضوا قائلين: لقد قرأنا في كُتبنا أوصافًا لمن يتسلّم مفاتيح مدينة القدس، ولا نرى هذه الأوصاف في أيّ واحدٍ من قادتكم، فأرسلوا إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وطلبوا منه الحضور ليتسلّم المفاتيح بنفسه، ما داموا لا يُريدون القتال، ويُريدونَ تسليم المفاتيح والسلم، ولا نـُريدُ أن ندخلَ معهم في قتالٍ حتى تأذنَ لنا، فركب عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومعه غلامه، وكانا يتناوبان على ركوب الدابّة فكلّ واحدٍ منهما يركب مرحلةً ويمشي مرحلة ثمّ يتركان الدابّة ترتاح مرحلةً، وهكذا دواليك، وعندما قاربا على مشارف بلاد الشام وقريبًا من القدس؛ قابلتهم مخاضةٌ من الطين بسيل وادي “عمواس”، فقال له أمين هذه الأمة أبو عُبيدة عامر بن الجراح: أتخوض الطينَ بقدميك يا أمير المؤمنين وتلبس هذه المُرقعة وهؤلاء القوم قياصرة وملوك ويُحبون المظاهر، وأنت أمير المؤمنين؟ فهلّا غيرت ثيابك وغسلت قدميك؟ وهذا مقام عزة وتشريف للمسلمين بتسلم مفاتيح القدس، فقال عمر: “نحن قومٌ أعزّنا الله بالإسلام فلا نطلب بغير الله بديلا”[4] وركب عمر رضي الله عنه وسار الغلام، ثم تناوب معه حتى قال أمراء وقادة الجند، نتمنى أن تكون نوبة عمر على الدابة حينَ يدخل على حاكم القدس، ونخشى أن تكون نوبة الغلام، فحصل ما كانوا يحذرون، ودخل الغلام راكبًا وأمير المؤمنين يمشي على قدميه، ولما وصلوا نظر “صفرونيوس” -حاكم القدس- إلى عمر وأمعنَ النظر في ثوبِهِ، وهو يقودُ الدابة لغلامه، فسلّمهُ مفاتيح القدس، وقال له: أنتَ الذي قرأنا أوصافه في كتبنا يدخلُ ماشيًا وغلامهُ راكبًا وفي ثوبه سبع عشرة رقعة -وفي رواية أربع عشرة رقعة- لكثرة احتكاك ثوبه ببرذعة الدابة ولطول السفر، كان عمر يرقعُها ليضيفَ أوسمة شرفٍ جديدةً إلى ثوبه.

 

مَن قدوة أصحاب المثل الدنيء القائل: “مال الدولة بحرٌ من لا يأكل منه فهو أحمق”؟

وكان سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه رجلًا غنيًّا في قومه، لكنه وإن كان لم يدَعِ الدنيا كسبًا فقد تركها قلبًا، ولمّا دُعي الصحابة رضوان الله عليهم لتجهيز جيش العسرة الذي سيتحرّك إلى تبوك تبرّع رضي الله عنه بثلاثمائة بعيرٍ بأحلاسها وأقتابها[5]، كان سخيًّا كريمًا حتى إنه أنفق ما أنفق دون تبرُّمٍ أو ضيقٍ، وفي اعتقادي أن مفخرةَ الإنسانيّة صلى الله عليه وسلم لو قال له: أنفق كلّ مالك؛ لأنفقه في سبيل الله على الفور.

أما صهر النبي سيدنا علي حيدر الكرار كرم الله وجهه فكانت الدولة الإسلامية في عهده تبلغ مساحتها عشرين ضعف مساحةِ تركيا حاليًّا؛ حيث وصلت جيوش الإسلام إلى بلاد ما وراء النهر وإلى سدّ الصين، وبلغت من جهةٍ أخرى مضيق جبل طارق، كان رضي الله عنه على رأس هذه القوة العظمى وحاكمَ تلك الدولة المترامية الأطراف، ومع ذلك كان يلبس ثياب الصيف في فصل الشتاء، فلما سُئل عن ذلك قال: “لم أستطع أن أوفّر إلا هذا القدر بالإمكانيّات المتاحة لي”، إن هذا السلوك -الذي يطلِق عليه سيد قطب العدالة الاجتماعيّة- لهو العدالة الحقيقيّة، وتجسيدٌ لروح الإنسان العالية، وهو التكامل مع المجتمع، وإيثارُ الآخرين أو الحياةُ من أجل الآخرين.

وكذلك كان سيدنا الحسن والحسين وأمهما السيدة فاطمة وأمنا السيدة عائشة رضي الله عن الجميع، كانوا يحملون نفس الأفكار والمشاعر، فقد عاش هؤلاء ومَن سار على نهجهم محمّلين بهذه الروح من التفاني وعدم التشوّف لأيّ أجرٍ دنيويٍّ، ولذا لا بدّ أن نسأل مَن ليسوا على شاكلتهم: مَن قدوتكم؟ قولوا لي بربكم من قدوتكم في مصاييفكم ومشاتيكم؟ قولوا لي بربكم مَن قدوتكم عندما تعملون لأبنائكم وأحفادكم وتقولون: إن مال الدولة بحرٌ…، ألا يعلمُ الذين لا يُفرّقون بين حلالٍ وحرامٍ أنّ العاقبةَ الوخيمةَ -التي مُنِيَ بها أمثال قارون ورمسيس وأمنوفيس- تنتظرهم أيضًا؟ فليتّقوا الله.

أجل، على مَن نذروا أنفسَهم للخدمة كأسلافهم أن يحافظوا على جلالِ وشرفِ الشعور بالتفاني، فإن أرادوا النفاذ إلى القلوب فعليهم أن يتعاملوا مع مخاطبيهم بتواضعٍ وتفانٍ وخجلٍ، وأن ينسلخوا كلّيًّا عن الكِبْر، كما يجب عليهم ألا ينشغلوا كثيرًا بأبنائهم وأحفادهم، أو يفكّروا في راحتهم ورفاهيتهم الدنيويّة، عليهم أن يسيروا في سبيل تحقيق غايتهم المثلى ليس إلّا، ويحاولوا أن يقيموا مرّةً أخرى صرح روحنا المتهدّم، وإلا فمن لم يعمل بروح الاستغناء فلا بدّ أن يتغلّب عليه الحسد كـطالوت وإن بدا كسيدنا داود عليه السلام، وسيهلك كـقارون وإن كان في بداية أمره كسيدنا هارون عليه السلام، لأنه ما من أحدٍ حتى الآن طلب الدنيا واستسلم لها إلا هلك،كما كان الشيخ محمد لطفي أفندي يقول: “كم من أشخاص جسامٍ وسلاطين ذوي وجوهٍ نورانيّةٍ وملوكٍ وأباطرةٍ كـ”خسرو أنو شيروان” غرقوا في بحر الدم والقيح والصديد الذي نُطلق عليه اسم الدنيا.

وعلى ذلك فلا بدّ أن يضحّي السائرون في سبيل الغاية السامية بكلِّ شيءٍ في سبيل روح التفاني التي هي مصدر القوّة والعزّة لهم، عليهم أن يرحلوا من الدنيا صفرَ اليدين كما دخلوها على النحو نفسه، ولا يضيّعوا ألبتّة هذه الغاية المثلى، وإنني أدعو الله ربّ العالمين ألا تخدعَ الدنيا هؤلاء العاشقين لهذه الدعوة السامية وألّا تتغلّب عليهم أو تقهرهم.

يقول “ضيا باشا” رحمه الله: “الجاهل يعيش في ترفٍ ونزهةٍ ورخاءٍ، والعارف يسبح في دوّامة المحن والبلاء”، فدعونا نسبح في دوامة البلاء، ويكفي ألا تخدعنا الأبّهة التي يعيش فيها الآخرون، علينا أن نرحل ناصعي الوجوه إلى الدار الآخرة فإذا ما رقدْنا في قبورنا وسألَنا منكرٌ ونكيرٌ: ماذا خلّفتم من متاع الدنيا؟ قلنا -بعد شيءٍ من التفكير- : والله لا يخطر ببالنا أيّ شيءٍ، وهذا هو أساس مسلَكِنا.

لا ريب أن هذا الأمر يختلف بالنسبة لمَن بدؤوا حياتهم بالاشتغال بالتجارة، وداوموا على ذلك، فهؤلاء يعملون ويكسبون ويدعمون المشروعات الخيريّة، ولكن لا تنسوا أن استغناءكم هو أكبرُ رصيدٍ لتوجُّه هؤلاء لكم وتلبيتهم لرغباتكم، فلو تعلّقْتُم بحبّ الدنيا -نسأل الله السلامة- هلكتم، وحتى لا يحدث ذلك علينا ألا نقع في حبّ الدنيا، حتى وإن أقبلت عليكم الدنيا بكل أبّهتها وسلطنتِها فعليكم أن تركلوها بأطراف أقدامكم وكأنها نجاسةٌ تُميطونها عن طريقكم، هذا هو سبيلُنا؛ ومن ثمّ لا بدّ أن تترسّخ الأفكار التالية في عقولنا عندما نرحل إلى الدار الآخرة:

ما تنعّمنا بالدنيا وما ابتغينا شيئًا من أهلها

وما لجأنا إلا إلى الحضرة الإلهيّة

فإذا أدركتم هذا المنحى في الفهم وحافظتم على استمراريّة تطبيقكم وانتهاجكم له؛فستعيشون أحرارًا طوال عمركم، ولن يكون لأحدٍ منّةٌ عليكم، ومن ثمَّ لا تنخدعون بمكر الآخرين ومؤامراتهم التي تُحيطُ بكم وتُحاكُ ضدّكم، فإن وقعتم في حبائلهم مرّةً أصبحتم أُلعوبةً في أيديهم على الدوام، وعند ذلك تفقدون ثقةَ وأمل مَن وثق بكم واعتمد عليكم، وحينها تلجؤون إلى المكر والكذب لتُخلّصوا أنفسَكم، وهذا يُعدّ أكبر إساءةٍ للإسلام والمسلمين.

 

 

 

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: الملاحق، ملحق أميرداغ-2، دار النيل-2010 القاهرة، ص 338.

[2] صحيح البخاري، البيوع، 14، 33، 88، الاستقراض، 1؛ صحيح مسلم، المساقاة، 124.

[3] الطبري: تاريخ الرسل والملوك، 432/3-433.

[4] ابن كثير: البداية والنهاية، 60/7، دار الفكر.

[5] سنن الترمذي، المناقب، 18.

 

الشورى المثالية -2

Herkul-ARB | | العربية

 

الشورى ليست وسيلةً لإرغام الآخرين على تقبّل أفكارنا

وإنّ أهم مقياسٍ في تقويم المسائل بضوابط الإنصاف والضمير خلال الشورى ذلك المقياس الذي يذكره القرآن الكريم عند الحديث عن ميزان الأعمال، يقول تعالى:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ: 7/99-8).

بمعنى إن رجحتْ كِفّة الشر ولو بمقدار ذرّةٍ على كِفّة الخير فيما طُرِح من آراء حول أيّ مسألةٍ فعلينا أن ننحّي هذه الآراء جانبًا، والعكس صحيح فإن رجحت كفّة الخير ولو مثقال ذرّةٍ أيضًا على كفّة الشرّ فعلينا الأخذ بالرأي المطروح والتمسّك به، كما هو الشأن في ميزان الأعمال فما دام الحقّ سبحانه وتعالى جعل رجحان الخير على الشر ميزانًا لعباده وحكم بذلك فعلينا نحن أيضًا أن نجعل هذا الأمر دستورًا لنا عند تشاورنا، وعلى ذلك فإن رجحتْ كفّة الخير لرأيٍ من الآراء المطروحة ولو مثقالَ ذرّة فلا عبرة حينذاك للأقدميّة واللقب والمنصب والشهرة والنفوذ؛ فإنّ اتّخاذ مثل هذه الصفات معيارًا رغم سطوع الحقيقة ووضوحِها واستغلالَ عناصر القمع والإجبار؛ يعني تدميرَ روح الشورى.

أجل، لا بدّ أن تخلو الشورى من عنصر القمع وفرض الأفكار، فأفضل الناس هو ذلك الشخص الذي يجلس في مجلس الشورى مع ذوي الأراء الأخرى وكلُّه آذانٌ صاغيةٌ فإذا انتهى أحدهم من عرض فكرته يقول له: “أنت محقٌّ في هذا الأمر، وأنا أؤيّد كلّ ما ذكرتَه، ولكن بجانب هذا فقد لاحتْ فكرة بخاطري، فما تقولون بشأنها؟”، وهذا هو الإنسان الشريف الذي يحافظ على شرف المشورة، أما مَن لم يعبأ بمسألة الإنصات إلى الطرف الآخر ويعتقد صحَّةَ رأيه دائمًا فهو إنسان مسكينٌ غلبته نفسه فاتخذها إلهًا، ومثل هذا المسكين الذي أسْلسَ قيادَه إلى نفسه وخضع لها، إن تحدّث فإنما يتحدّث لحساب نفسه في الحقيقة وإن ظنّ أنه يتكلّم باسم الدين والخدمة، ولا شك أنّ ما يطرحه من أفكارٍ سيُقابل على الدوام بردّ فعلٍ سلبيّ.

من أجل ذلك يجب على الإنسان أثناء التشاور أن يتجنّب الفظاظة والغلظة في أقواله وأفعاله وتصرُّفاته، وأن يهذّب أفكاره حتى يضمن حسن القبول لها، فإن لم يتخلّ الإنسان عن حدّته وغلظته ولم يعرض أفكاره بأسلوبٍ لطيفٍ ليّنٍ استاء الآخرون وامتعضوا.

الأولوية للحقّ لا للأقدميّة والمنصب

ثمّةَ أناسٌ ضعافُ النفوسِ يحاولون خلال الاستشارة استغلالَ أقدميّتهم ونفوذهم، وإرغامَ الآخرين على تقبّل أفكارهم، ومثل هؤلاء الناس يستغلّون صراحةً -وإن كان بلا قصدٍ- خدماتهم التي يبذلونها من أجل الدين؛ في سبيل تكريس أقدميّتهم وتعزيز مناصبهم، والحال أنه لا يحقّ لأحدٍ أن يحجب اليمنَ والبركةَ التي تفيض بها الشورى بمثل تلك التصرفات الأنانيّة النفعيّة.

وفي هذا الصددِ نورِدُ الواقعة التالية: اجتمع الإمام الحسن البصري مع بعض الصحابة رضوان الله عليهم في مجلسٍ واحد، كان الذين يغشون هذا المجلس يوجّهون الأسئلة للصحابة رضي الله عنهم ويراجعونهم، والحقّ أن هذا هو الذي يجب أن يكون؛ لأن هؤلاء الصحابة الكرام رضي الله عنهم قد شهدوا مجلسَ رسول الله صلى الله عليه وسلم واصطبغوا بجوِّ هذا المجلس المبارك. وأعتقد أن شهود مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو لمرّةٍ واحدةٍ هو وسيلةٌ لتنزُّل الفيوضات والبركات بما يُعادل قراءة القرآن الكريم كاملًا عشر مرّات؛ لأن الحقّ تعالى كان يتجلّى في كلّ أفعاله صلى الله عليه وسلم وتصرّفاته، وكلّما نظر أو استمع أو تكلّم أو حرّك لسانه وشفتيه تبدّت حقائق إيمانه بالله تعالى، ويعبّر الشاعر الصوفي عن هذا الحال بقوله: كُلَّمَا سَجَدَ تَجَلَّى اللهُ.

بمعنى أن من ينظر إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ينمحي أمام ربّه تعالى في سجوده يشعر بوجود الله تعالى بل وكأنه أمامه جلّ جلاله ، ولا يعني ذلك أبدًا -معاذ الله- أن الذات الإلهيّة قد حلّت في الذات النبويّة، بل إنّ هذا تأكيدٌ على أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يعبّر عن ربّه في كلّ أفعاله وتصرّفاته، ولا جرم أن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم الذين يغشون مجلسه صلى الله عليه وسلم كانوا يعيشون جوًّا متميزًا، فإذا تصوّرنا أن هؤلاء الصحابة كانوا يرتبطون به صلى الله عليه وسلم قلبيًّا وظلوا طوال عمرهم حريصين على شهود مجلسه صلوات ربي وسلامه عليه عدّة مرّاتٍ في اليوم؛ لأدركنا قيمة الإنصات لكلام هؤلاء الصحابة والتشاور معهم، فضلًا عن ذلك كانت الحياةُ بكلِّ مجالاتها الاقتصاديّة والإداريّة والاجتماعية تتمحور حول الدين، وترتبط بنصوصه، ولذا كان الناس يلجؤون إلى قواعد الدين الراسخة الثابتة في مسألة حلّ المشكلات الحياتية، وهذا هو السبب في أن الناس في زمان الإمام الحسن البصريّ كانوا يتردّدون على سادتنا الصحابة الذين نهلوا من منبع الدين وما زالوا على قيد الحياة للاستفادة منهم وتبادُلِ الرأي معهم.

وفي مجلسٍ كان يجمع بين أحد الصحابة رضي الله عنهم والإمام الحسن البصري طُرح سؤالٌ على هذا الصحابي، فأجابَ، فلما انتهى من الجواب جاء دور الحسن البصريّ في الكلام، وكان يجلس في الخلف، فلما شرع هذا الشاب -الذي يتراوح عمره ما بين الخامسة والعشرين والثلاثين عامًا- في الكلام أخذتْ الصحابيَّ الدهشةُ والحيرة، فقال ذلك الصحابي المنصِف الذي يدور مع الحقّ أينما دار بما تعلّمه من أخلاقٍ على يدِ سيدِنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كيف تسألوننا وهذا الرجل بينكم؟”.

نعم، كما شاهدنا في هذا المثال لم يستخدم الصحابي الكريم تبعيتَه لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمكانةَ والمنزلةَ التي تبوّأها بصحبته لرسول الله عليه أكمل التحايا عنصرًا للضغط والإجبار، ولكنه وجّه الأنظار إلى ذلك الشاب لمِا رأى لديه من حصافة رأيٍ وتأثيرٍ قويٍّ في الكلام، فضلًا عن أنه كان يعتقد أن كلام هذا الشابّ هو أكثر نفعًا، وفي رأيي أن هذا هو الأسلوب الذي لا بدّ من مراعاته في استيعاب روح الشورى.

ومع الأسف تلاشتْ مسألة إحقاق الحقّ بهذا المستوى في أيّامنا، فمَن يتمتّع بقدرٍ من المكانة والمنزلة يريد أن يُسمَع له دائمًا وأن تنخرس ألسنةُ الآخرين عند حديثه، فضلًا عن ذلك نجد أن بعض الأفراد الذين يشكّلون مجلس الشورى بدلًا من الاستماع إلى كلام الآخرين يمهّدون الردود للاعتراض على كلامه، وأحيانًا يعاندون بلا داعٍ، ويشعرون بضرورة أن يقولوا شيئًا للردّ على ما يقوله الطرف الآخر، وليس هذا فحسب بل ينسجون أحيانًا أفكارًا شيطانيّة لإفحام الطرف المقابل، ومن ثمّ لا يمكن في مثل هذا الجوّ الاستفادة ممّا يطرحونه من أفكارٍ في مجلس الشورى وإن كانت عين الحقيقة.

بيد أن “شأن الحقّ عالٍ وسامٍ لا يُضحّى به بأيّ شيءٍ كان”[1]، ومن ثمّ لا بدّ من توجيه جميع الأقوال والأفعال إلى طريق الحقّ، وهذا ما أكّد عليه بديع الزمان سعيد النورسي، فقد أوصى هذا الجبلُ الأشمُّ طلّابَه ألا يأخذوا الكلام الصادر عنه على عواهنه لمجرّد أنه تفوّه به، فهو نفسه قد يُخطئ وينسى، فيا ليت الجميعَ يتحلّى بهذه السعة من الأفق! ولا يغيبنّ عن أذهاننا ألبتةَ أن “كُلّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ[2]؛ ولسنا نحن مؤيدين بالوحي كما كان الأنبياء مؤيدين به.  

يكفي أن تُعبّر الحقيقة عن نفسها

من جانبٍ آخر ينبغي لنا ألا ننزعج أو نتضايق إن ظهرتْ الحقيقة على يد الغير أو بفضلِ كلامهم، فإن كان هناك فكرة مقبولة معقولة وغيرُك يستطيع أن يطرحها فليس من السلوك الإيمانيّ أن تقول في نفسك: “لِم لا أتكلم أنا وأحظى بتقديرِ وإعجاب الجميع بما أقدّمه من أفكارٍ جميلةٍ؟” ولكن إن دعتْ الضرورة إلى الحديث عن موضوعٍ ما ولم يتكلّم أحدٌ وكان عدم الكلام سيتسبّب في ضياع الحقّ أو أن يعيش البعض شيئًا من الحرمان فيجبُ علينا حينذاك أن نقوم نحن بمهمّة الحديث في هذا الموضوع إحقاقًا للحقّ وإعلاءً لشأنِه، وعلينا في مثل هذا الموقف أن نراعي جيّدًا الجوّ العام ومدى تقبّله لمِا يُقال؛ حتى لا يتسبّبَ هذا الأمرُ في ردِّ فعلٍ سلبيّ، والأولى هو الصمت عند استشعار عدم الاحترام للكلام، بل إنّ هذا ما يقتضيه احترامُ الإنسان للفكرة التي سيقدّمها؛ لأن المخاطبين إن أبدوا ردَّ فعلٍ على ما يُقال منذ البداية فمِن الصعب للغاية تقبّلهم للكلام فيما بعد وإن كان حقًّا، بل إن هؤلاء المخاطبين قد يُحاولون بشتّى الطرق فيما بعد أن يختلقوا مسوّغات مختلفة فيما بينهم لعدم تطبيق هذه الفكرة، إذًا علينا أن نؤثر الصمت على الكلام إلى أن نستشعر باحترام الجوّ العام للحقيقة، فحينذاك لا بد من الحديث حتى يستفيد الجميعُ من الفكرة المطروحة.

وعلى مَن يشاركون في عملية التشاور أن تكون غايتهم إحقاق الحقّ، لا سيّما إن كانوا من ذوي الكلمة المسموعة فعليهم أن يتصرّفوا بدقّةٍ بالغةٍ في هذا الأمر؛ لأن من المعروف أنّ هؤلاء إن تحدّثوا في أيّ أمرٍ لاقوا احترامًا بالغًا من مخاطبيهم، ولكن قد يتخلّل كلامَهم بعضُ الأخطاء أيضًا، من أجل ذلك يجب عليهم إحقاقًا للحقّ ألا يخجلوا من الرجوع عن أخطائهم إن أدركوا خطأ كلامهم، ويتقبّلوا هذا الأمر برحابة صدرٍ.

فضلًا عن ذلك فإن تكلّم مَن لا حقَّ له في الكلام مع وجود مَن هو أولى به فقد يتسبّب هذا في إغفال المفيد من الكلام، وإثارة بعض الشائعات التي لا محلّ لها.

 فر من الغيبة فرارك من الأسد

ومن الأمور التي يجب مراعاتها في الشورى هو الحذر من الوقوع في الغيبة أثناء الاستشارة، وإلّا خسرنا في موضعٍ هو أدعى للكسب، ودنسنا ألسنتنا وآثرناها على قلوبنا، وأطفأنا نور حياتنا الروحيّة والمعنويّة في الوقت الذي كنا نظنّ فيه أننا نخدم في سبيل الحقّ، من أجل ذلك لا بدّ من مراعاة الدقّة البالغة لعدم الوقوع في الغيبة، فإن وقعنا فيها دون قصدٍ فلا بدّ من طلب السماح ممن اغتبناه، بل لا بد من تحديد إطار الموضوعات التي سنتحاور حولها حتى لا يُساق الناس إلى جهةٍ خاطئة، ولا ينفرج البابُ لسوء الظن، وتجنبًا لمثل هذه الأمور يجب على مَن يتكلّمون وإن كان كلامُهم هو محضَ الحقيقة أن يصمتوا عندما يتطلّب الأمر ذلك، عليهم أن يصمتوا أوّلًا، وإن تكلّموا فلا بدّ أن يسبق كلامَهم تفكيرٌ أعمق ويقولوا في أنفسهم: “كيف يمكننا أن نذكر هذه الحقيقة دون أن نجرح مشاعرَ أحد؟”.

أجل، ينبغي أن يكون سكوتُ المؤمن تفكُّرًا، وكلامُه حِكمةً؛ بمعنى أنّ الإنسان إن وجد الحكمة في كلامه تكلّمَ وإلا سكَتَ، كما يقول الشاعر: “إن كنتَ محدِّثًا فحدّثنا عن الحبيب وإلا فاسكت”، فإن بدتْ أماراتٌ للحديث عن أمورٍ لا توصّل الناسَ إلى الله ولا تفسحُ المجال للوصول إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلينا أن نسكتَ ونعضّ على هذا اللسان الشقي الذي أعطيناه من الأهمّية ما يزيد عن القلب فإن لم يستطع الإنسانُ أن يعضّ على لسانه مع أنّ الحال يقتضي ذلك فلن يسلم الآخرون من عضّه لهم.

 ويجب علينا ألا ننسى أبدًا أن الجروح التي تسببها الحِراب من الممكن مداواتها أما الصدور التي جرحتها الكلماتُ فمِن الصعب مداواتها وتعميرها.

[1] سعيد النورسي: السيرة الذاتية، ص 117.

[2] سنن الترمذي، صفة القيامة، 49؛ مسند أحمد بن حنبل، 344/20.

 

الشورى المثالية -1

Herkul-ARB | | العربية

 

سؤال: ما هي أصول وآداب الشورى في الإسلام؟

الجواب: لقد بيّن القرآن الكريم بشكلٍ صريحٍ وواضحٍ لا يحتاج إلى تفسيرٍ أو تأويل أن الشورى وصف ملازم لجميع المسلمين، وأمرَ القلوب المؤمنة بتطبيق هذا المبدأ الذي لا غنًى عنه في كلّ نواحي الحياة. فمثلًا يقول تعالى في سورة الشورى:

﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (سُورَةُ الشُّورَى: 38/42).

واقترانُ الشورى بالصلاة والإنفاق في هذه الآية يدلّ على أهمّيّة الشورى في المجتمع المؤمن وأنها عملٌ يعادل العبادة، كما أن إطلاق اسم “الشورى” على هذه السورة لكونها تتضمّن نصًّا يتعلّق بها له مغزًى عميق.

وفي آية أخرى يأتي الأمر بالشورى صراحة، قال تعالى:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 159/3).

الشورى.. حتى في لحظات الغضب والانكسار

ولا يعزب عن علمكم أن هذه الآية الكريمة قد شرّفت بنزولها في أحلك اللحظات؛ إذ إن نزولها كان بعد تزعزُع مؤقّتٍ تعرّض له المسلمون خلال غزوة أُحُد وكان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استشار أصحابه فيما يتعلق بالخروج إلى الغزوة، ثم قرر الخروج نزولًا على رأي أصحابه، لكن بعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين قد وقعوا -عن غير قصدٍ- في مخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم خلال المعركة؛ لعدم استيعابهم بعدُ الدقّةَ في امتثال الأمر النبويّ استيعابًا كاملًا، فتعرّضوا حينذاك لهزّةٍ مؤقّتةٍ -أقول هزّة حتى أتجنّب التعبير بكلمة الهزيمة-، وجُرح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسال الدم المبارك من وجهه الشريف، واستُشهد الكثير من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وفي هذا الموقف المتأزِّم تنزل هذه الآية الكريمة التي يستهلّها ربُّنا تبارك وتعالى بملاطفة حبيبه صلى الله عليه وسلم فيقول:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 159/3).

ويمكننا أن نوضّح المعنى المراد من هذه الآية الكريمة فنقول: أيّها الحبيب المتأدّب بأدب ربّه، لستَ -قطّ- فظًّا غليظًا حادَّ الطباع، إذ لو كُنتَ كذلك لَمَا التفّ هؤلاء الناس حولك وما خرجوا معك إلى ساحة المعركة، ولَانفَضُّوا مِن حولك، أيها الحبيب المتأدِّبُ بأدب ربِّه، إن كان قد وقع منهم خطأٌ في الاجتهاد ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ أي لا تتوانَ في أمر الشورى فشاوِر مَن حولك من الناس مرة أخرى.

أجل، لقد أحدَثَتْ هذه الهزّة النسبيّة اختلالًا واضطرابًا في كلّ شيءٍ، وانفطر القلب النبويّ فهو لا يخرج عن كونه بشرًا، وفي هذه الأثناء التي جُرحت فيها مشاعر الكثيرين من الصحابة رضي الله عنهم تنزل هذه الآيةُ اللطيفة التي تأمر بالتشاور بالأمر من جديدٍ، والحال أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن في حاجةٍ إلى التشاور، فقد كان صلوات ربّي وسلامه عليه -كما ذكر سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه- دائمَ الاتّصال بالسماء صباحَ مساء، وقد أطلعه ربُّه على ما سيقول وما سيُقدم عليه من خطوات وما سينجزه من أعمال، ولم تُعرقل دعوةَ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عقبةٌ ما، فإذا ما واجهتهُ عقبةٌ؛ مهّد الله له السبل وأفسح له الطرق وقال له: “سِرْ، فالطريق طريقُك والزمان زمانُك”، لكن الرسول الهادي الأكمل -ليس في زمانه فقط بل في كلّ الأزمنة- كان يشاور أصحابه ليوجِّه أمته المكلّفة باتباعه قائلًا بلسان الحال: “كونوا كما تكونون؛ رؤساء، أو ولاة، أو إداريين، ولكن لا تختزلوا الأمر في وجهة نظركم، واستشيروا غيركم ولا تُخضعوا الأحكام التي تصدرونها لأهوائكم الشخصية”.

الشورى تضمن شراكة الجميع في الأمر

الشورى مسألةٌ مهمّةٌ جدًّا في الفعاليات والقرارات المتعلّقة بالجميع، حتى يصبح الأمرُ أمرَ الجميع، فإن أسهم الإنسان برأيه في أمرٍ ما، وإن كان رأيًا عاديًا اعتبر نفسَه جزءًا من هذا الأمر، وحمل على عاتقه إنجازه وإن كان ثقيلًا، لكن إن لم يؤخَذ رأيُه واقتراحاته ولم يساهم بعقله وفكره في الأمر؛ فإنه سينأى بنفسه عن التدخُّل فيه وسينفض يديه عنه، فالواجب إذًا العملُ على أن يستوعب الناسُ أن القيام بالأمور المهمة يشبه حَملَ كنزٍ كبير، والحرصُ على مشاركة الآخرين في الأمر حتى تتكاتف الأيادي وتتضافر الجهود ويخفّ هذا العبء الثقيل، ومن ثمّ فيمكننا القول إذا أُهملَ مبدأُ الشورى في الأسرة ساد التوتر والاضطراب في أرجاء هذه الأسرة، وإن أُهمل داخلَ هيئةٍ أو مجتمعٍ لحقهما الضرر الكبير، أما إن أهملت على مستوى الدولة أفضى ذلك إلى وقوع الكثير من التوتّر والاضطرابات والمشاكل على نفس المستوى.

أجل، يقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: “ما نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ[1]. ويُفهم من إطلاق اللفظ هنا أنه لا بدّ من تطبيق هذا المبدأ في كلّ نواحي الحياة على أن تكون البداية من أصغر دائرة.

آداب المناقشة والمدارسة عند الشورى

 وبعد أن تطرّقنا بإيجازٍ إلى ضرورة وأهمّية الشورى عمومًا؛ نعرّج الآن على شروط الشورى المثاليّة:

بدايةً أقول: إن اتّخذ الفرد قرارًا بينه وبين نفسه واعتبره من المسلّمات، ثم حاول نسج كلّ المسائل وفقًا لهذه المسلّمات فهذا يعني الجهلَ بروح الشورى، وحتى لا يتدخل الشخص بهواه في الأمر، ولا يحسبن هواه هو عين العقل والمنطق؛ ولذا ينبغي له أن يقيّم الآراء التي ترِدُ على خاطره -بشأن الأمور المناط التشاور حولها- بعقلٍ وحسٍّ وقلبٍ سليم، فضلًا عن حواسّه الباطنيّة، ويسجّل ملاحظاته حيال ذلك، ويحدّد إطار الموضوعات التي سيتمّ التشاور حولها، وبعد ذلك يطرح الموضوع على طاولة المشاورات، وليس من الصواب توقُّع حسن القبول دائمًا لأفكارنا المطروحة عند التشاور حتى وإن كنّا نعتقد أصالة وجودةَ هذه الأفكار والمقترحات، ومن ثمّ فإذا لم تلقَ مقترحاتُنا في مجلس الشورى حسنَ القبول؛ فعلينا أن نقول لأنفسنا: “معنى ذلك أنني لم أستوعب المسألة تمامًا أو أنني أخطأت في فهمها”، ولا نعاند أو نصرّ على آرائنا.

أما عن الأصول التي يجب اتّباعها في الشورى؛ فهي المناقشة والمدارسة، وهما لا يعنيان قطعًا الجدال والخلاف، وقد حُرّرت في آداب المناقشة والمناظرة عدةُ مؤلفات، ووُضِعت لها مبادئ وضوابط حتى تتمحور حول الكتاب والسنة، والمناظرة تعني في الحقيقة: مقابلةَ النظائر في مسألة ما، فمثلًا عند التشاور في مسألةٍ خاصّةٍ بالاقتصاد نجد أن كلّ الآراء تشبه بعضها بعضًا لأن الموضوع يدور حول الاقتصاد، والهدف الحقيقي هنا هو تبلوُر الحقيقة وظهورها؛ لأن “بوارق الحقيقة تتجلّى من تصادم الأفكار”[2] أما الخلاف والجدال فلا يولّدان ومضات الحقيقة، بل التفرقةَ والانقسام؛ لأن الأصل في المناظرة هو الإنصاف واحترام رأي الآخر، أما الجدال فالشأن فيه الإصرار على الرأي ومحاولة إيقاع الخصم في موقفٍ حرجٍ.

وفي الواقع لا يُمنى المغلوب بأيِّ خسارةٍ عند التشاور في أمرٍ ما؛ لأنه حينذاك يدرك خطأ رأيه، ويتعلّم شيئًا جديدًا لم يعرفه من قبل، أما الغالب فما فعله هو أن كرّر رأيه في المسألة فحسب، وربما يصيبه الكبر والغرور ويقول: “انظروا لقد كنتُ محقًّا في رأيي”. (يتبع…)

[1] الطبراني: المعجم الصغير، 175/2.

[2] “ضياء باشا (Ziya Paşa)” (1825- 1880م): شاعر تركي، كان من دعاة التجديد، له ديوانان “ظفرنامه” و”خرابات” في ثلاث مجلدات.

 

 

الماضي والحاضر والمستقبل

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: تولون أهمية كبيرة لتقييم الماضي والحاضر والمستقبل من منظور مخروطي، فكيف نطبق هذه الحقيقة على حياتنا أفرادًا ومجتمعات؟

الجواب: الماضي والحاضر والمستقبل ثلاثة ظروف زمنية متباينة عند من يعيش اللحظة الراهنة فحسب، أما من يستطيع أن يتجاوز ظرف الزمان فهي عنده ثلاثة أوجه لشيء واحد؛ وأمَّا من يستثمر كل شيء لصالح متعه الجسدية فيؤثر أن يحيا حياةً ماجنة في الوقت الراهن، ولسان حاله يقول:

لا تَشغل البَال بماضي الزمان
ولا بَآتي العيش قبلَ الأوان
واغنم مِن الحاضرِ لذّاتهِ
فليسَ في طبعِ اللَّيالي الأمان1

وأمّا السائحون في أفق القلب والروح فيحيطون بالظروف الثلاثة مجتمعة، ولا يفدون واحدًا منها بآخر ألبتة؛ فإهمال أحدها سيُحدث شرخًا خطيرًا جدًّا؛ فمثلًا من ينفصلون عن ماضيهم ولا يستثمرون الحاضر أنّى لهم أن يَعمروا مستقبلًا جديدًا؟ ولما قال “ضياء كوكالب”2 لـ”يحيى كمال”:3

عينُكَ على ما فات ولستَ ما هو آتي             فأنت خرابيٌّ لا خراباتي4

ردّ يحيى كمال الذي يُحافظ على علاقته بالماضي من ناحية ما

إنني آتٍ جذوره ضاربة في الماضي                         فلستُ بخرابي ولا خراباتي

 

المضيّ إلى المستقبل بدافع من الماضي

الماضي مليءٌ بنماذج كثيرة جميلة مثيرة تجعل أصحاب الخيال والتنبؤات المستقبلية يُفعمون بالأمل، وفي قصص الأنبياء المذكورة في القرآنِ الكريم وصحيحِ السنة أمثلة تلفت النظر إلى هذه الحقيقة؛ وأعظم هذه الأمثلة ما ورد في حياة سلطان الأنبياء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ تعلمون أنَّه صلى الله عليه وسلم جاء في فترةٍ غشيت الإنسانيةَ فيها ظلماتٌ كثيفة، ووحشيةٌ مضاعفة، واستبدادٌ مفرط، وجهل مدقع، أي إن العصر الجاهلي كان يجهل جواب هذه الأسئلة: “مَن نحن، ومِن أين جئنا، وإلى أين نسير؟”، ويجهل أنه جاهل بها، وسادت في كل مكان صولة وعنوة؛ فالقوي يأكل الضعيف، ويفرض آراءه على الناس، فيتلوّث المجتمع في مشاعره وأفكاره وأحاسيسه؛ ولما راح محمد عاكف رحمه الله يرسم تلك اللوحة المظلمة قال

كان في الناس ما في الضباع من الشراسة أو تَزيد

فالأخ يأكل أخًا له أدردَ أي يُبيد

وجابت الفوضى مشارق أرضنا والغرب البعيد

فاستفحلت الفُرقة فينا وأتت على بنياننا في الشرق الوحيد

ولما جاء مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم أطاح في حملة واحدة بالقياصرة والأكاسرة، وأنقذ البشرية من هذا المناخ المظلم المدلهمّ؛ أجل، لقد أحدث رسولُنا الأكرم صلى الله عليه وسلم بعون الله ومشيئته تحوُّلًا رائعًا في زمن قصير جدًّا حوالي ربع قرن في عصر خِلْوٍ من وسائل الاتصال المتاحة في عصرنا من صحيفة ومذياع وتلفاز وشابكة “إنترنت”؛ وهذا حدثٌ مدهش حتى قال سيد قطب: إن الأعمال التي اضطلع بها الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام عليهم الرضوان لا وصف لها إلا أنها معجزة قرآنية، فمن رأى الماضي مصدرًا لدينامية كتلك واستفاد منه استنتج أنه إن كان قد تحقق بعثٌ كهذا في الماضي، فلِمَ لا يتحقق بعثٌ من جنسه مرة أخرى اليوم؟

وفي حوادثِ العصورِ التي تلت عصرَ السعادة مصدرُ أملٍ وطاقةٍ لنا أيضًا؛ فمثلًا كلما قوي المسلمون وتبوَّؤوا مكانهم بين مراكز القوى الدَّولية، تداعت عليهم عدة جبهات معادية؛ فغزاهم المغول في عصرٍ ما، والصليبيون في عصر آخر، وما إن اندحر واحد حتى تسلط علينا آخر، لكن في كل عدوان كان المعتدون يصطدمون بأسوار الإسلام المنيعة التي لا تتهدم، ويرتدون على أدبارهم بإذن الله وعنايته، ويتفرق جمعهم؛ ومن تلك الأسوار آلب أرسلان، وقليج أرسلان، وصلاح الدين عليهم رحمة الله ومغفرته؛ وكم ارتدينا أكفاننا -نحن أمة الإسلام وتأهبنا للموت- فإذا بوهاد الموت تغدو بإذن الله روضًا أَرِيْضًا، وبساتين وجنّات نتبختر فيها؛ فإذا كنا نرسف اليوم تحت وطأة جبهات كثيرة معادية، أليس من الممكن أن نتجاوزها كلَّها ونُبعَث بعثًا جديدًا؟ ولِم لا ترتسم على مُحيّا الإنسانية ابتسامة جديدة؟ ولِمَ لا تتبوأ أمتنا مكانها مرة أخرى بين مراكز القوى الدولية لإقامة الحق والعدل؟

لا بد من قراءة التاريخ بكل صفحاته البيضاء منها والسوداء، وتجنُّبِ إيقاظ أحقاد الماضي وضغائنه!

والنظر إلى التاريخ بهذه العين يكشف كيف أنّ الحق تعالى خلق فراشة من يرقة نشأت في قلب “سُويوت”5، فسادت حفنة -هي بضع مئات من الخيام- العالمَ ولما تمضِ بعدُ مائة وخمسون سنة على نشأتها؛ حتى إنَّ الغرب يطلق فيما بينه على الدولة العلية اسم “الإمبراطورية العثمانية”، وهذا مؤشر على نوع من التسليم بالأمر؛ لأن الدولة العلية صدّت هجومًا عالميًا متعاقبًا بدأ بالحروب الصليبية، ودحرته إلى القارة الأوربية.

فينبغي دراسة هذه الأحداث التاريخية وملابساتها ثم تمحيصها واستخلاص العبرة منها؛ فيُقال إن التمحيص والتدقيق التاريخي من أبرز خصائص سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما التي ميزته عن سائر الصحابة، فلطالما طلب من حاشيته أن يستعرضوا له دروسًا من التاريخ؛ ليستنبط منها العبر؛ ولا عجب في وصفنا لسيدنا معاوية رضي الله عنه بهذا. ومع احتفاظنا بحقّ سيدنا علي كرم الله وجهه، وتسليمنا بأن الحقّ معه، فإن سيدنا معاوية رضي الله عنه قد قام بأعمال نافعة كثيرة جدًّا لا يستهان بها للمجتمع الإسلامي؛ منها أن شوكة الإمبراطورية الرومانية ما انكسرت إلا في عهده بفضل الله وعنايته.

ولا ريب أن التاريخ يكرّر نفسه دائمًا وإن لم تقع الأحداث عينها؛ فلو أحسنّا قراءتنا للماضي واستلهمنا العبرة من تكرار الأحداث واستثمرنا حاضرنا بإتقان لَمَضَينا إلى الأهداف التي لا بدّ أن نسير إليها دون تعثّر.

أجل، إن الماضي كنزٌ يجب أن نستفيد منه؛ إلا أن علينا أن نضع نُصب أعيننا أننا فئات شتى في المجتمع، وربما ارتكب بعضنا أخطاء وآثامًا من قبل؛ فجرح البعض منا الآخر وآذاه وأدمى قلبه؛ ومن الخطأ في رأيي تصوير هذه الأحداث بآلامها ومرارتها مجدّدًا كما في الروايات والأفلام، وإحياء الأحداث البائدة في يومنا هذا، وجعلها مثارًا للنزاع والخصام؛ لا جرم أن هذه الأحداث التاريخية قد وقعت جميعها، وهذا لا نزاع فيه؛ لكن من الخطأ استغلالها في مواجهة بعضنا واتخاذها مسوِّغًا للنزاع والعراك؛ ولا نقصد بذلك أن: “علينا أن نُعنَى بالصفحات المشرقة في التاريخ فحسب”، كلَّا، بل لا بد أن تخضع الأحداث التاريخية بحلوها ومرّها للدراسة والتمحيص، حتى نتجنّب تكرار الوقوع في الأخطاء نفسها.

وهذا إنْ دلَّ فإنما يدلّ على أنه ينبغي تحليل ما في تاريخنا من فترات مشوبة بالهموم والأكدار أيضًا، وأن نتقن فنّ تجاوز الأزمات، ولكن لا يفوتنا -ونحن نقوم بذلك- أن نتجنّب إثارةَ ما اندثر من دفين الحقد والبغضاء، وأن نسعى بشفقة ولين لنستثمر هذه العبر والعظات ونتخذ منها عارضًا ضوئيًّا يكشف حاضرنا ومستقبلنا.

 

لا مستقبلَ لمَن لا تصورَ له للمستقبل

أمّا المستقبل فإن القلوبَ المؤمنة بالآخرة يمتد مستقبلها ما بين الغد والحياة الأبدية في الدار الآخرة، وأمَّا مَن همُّهم أن يعيشوا في دعة وراحة فلا يفكرون في ماضٍ ولا مستقبل؛ إذ لا يعتقدون أنّ التنقيب في الماضي سيبلغ بهم الحقيقة، ولا يرغبون بالتفكير في المستقبل لئلا يتكدرَ صفاؤُهم وتفسدَ متعتهم.

والمستقبل ذو قدْر كما الماضي لدى الأرواح التي نذرت نفسها للحقّ تبارك وتعالى، فهؤلاء لهم نحوَ المستقبل آمالٌ وتشوفاتٌ ومُثلٌ عليا وتصوراتٌ وغاياتٌ مثلى، ولا صلةَ لهذه التشوفات بحبّ المنصب وأخذ كلّ منهم نصيبه من نِعم الدنيا خلافًا لما يزعمه بعض الناس، بل إن غايتهم المثلى هي إرساء الحق والعدل في الأرض كلّها، ونشر الأمن والسلام، وتجديد البثّ لمشاعرِ الأخوّة في العالم كافّة، وتطوير ثقافة التعايش مع الآخر في عالمٍ أشبه بقرية صغيرة، وهذا يمهّد لتهيئة جوّ حميمي من الطمأنينة في كل مكان؛ أما مَن يرسف في إِسَارِ الأنانية فقد وقف كلّ شيء على أنانيته ومنافعه الشخصية وملذّاته الزائلة، جاء في رسائل النور: “إذا لم تكن هناك غايةٌ ومُثُلٌ عُليا أو نسيها أصحابُها أو تناسَوها تحولت الأذهان إلى أنا الأفراد وطافت حولها”.

والإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم هو الماضي والحاضر والمستقبل؛ لذا لا بد أن تكون لمستقبله آمالٌ وغاياتٌ مثلى، وإلا -نسأل الله السلامة- قهرته أنانيته وتعثر؛ فأصبح أنانيًّا أو خِدْنًا للأنا أو نرجسيًّا يُصاب بالدُّوار ويعشَى نظره ويفقد وعيه أمام أي استحسان أو تقدير.

ومَن حدّد لمستقبله غايات مثلى فهو رجل إحياء، وبطل انبعاث، وشخصية شامخة؛ يحاول دائمًا أن يبثّ إلهامات روحه في نفوس الآخرين، ويُعِدّ من اليوم خططًا لمشاريع سيقوم بها في المستقبل، ويسعى سعيًا حثيثًا لتحقيق ذلك بقدر ما تسمح الظروف.

 

الحاضر حِقبة زمنيَّة ذهبيّة

والزمن الحاضر مهمٌّ جدًّا بالنسبة للقلب المؤمن، فهو يعتبر اللحظة التي يعيشها منه حقبة زمنيّة ذهبية؛ فيحاول استغلال الإمكانيات التي مَنّ الله عليه بها في هذه الحقبة الذهبية دون تضييعٍ للوقت؛ والحق أنَّنا في منزلةٍ هدَانَا الله تعالى إليها فاهتدينا، فما علينا إلا استغلال المنزلة التي نحن فيها بفعالية أكثر، حتى لو ألقوا بنا على رأسِ جبلٍ صخريّ أملس لا يُنبت شيئًا ولو عشبًا فلنمسك بمطرقة ومسمار ولنسعَ لاستخراجِ الترابِ من الصخر، ثم ننادِ على من في أسفل الجبل أن أَمِدُّونا بشيء من البذور، نحاول بذلك أن نستنبت تلك المنطقة الصخرية؛ أي لو وُضِع المؤمن على رأس صخرةٍ فعليه أن يستخرج منها الماء كما ضرب سيدنا موسى عليه السلام بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، ثمّ ليأتِ بتراب وينثر البذور على الصخر

أجل، لا ينبغي أن يكون الإنسان فاتر الهمة في استغلال ما بيده من طاقات، فكم من عملٍ رائع يستطيع كلّ فرد أن ينجزه على أي حالٍ كان

لا بُدَّ أن نستثمر كلّ ما مَنّ الله به علينا بأن نستغلَّ اللحظة الراهنة ليرفرف الإسلام في أفقنا؛ وعلى كلٍّ أن يبذل كلَّ ما في وسعه في هذا الصدد، بل على الإنسان أن يحاسب نفسه دائمًا ويقول: “هل يا ترى قمتُ بما يجب القيام به من أعمال في الوقت الراهن على حسب ما أنعم الله عليّ به من طاقات أم أن مرض الكسل أضناني في هذا الوقت؟

وحمادى القول أن على صُنَّاع فكر المستقبل أن يفكِّروا ويُتقنوا حساب ما يمكن أن ينجزوه من أعمالٍ بحسب ما بأيديهم من طاقات، وأن يستغلّوها بشكل مثمر في تحقيق غاياتهم المثلى؛ وأن يستفيدوا من الحالة الراهنة ويباشروا الأعمال التي يُظنّ استحالة القيام بها ولو في أحلك الظروف؛ لتنعم البشرية بأجواء ربيعية جديدة بفضل الله وعنايته.

 

[1] من رباعيات عمر الخيام.

[2] “ضيا كوك آلب (Ziya Gökalp)” (1875م- 1924م): أحد الكتاب القوميّين في عصره.

[3] “يحيى كمال بَيَاتْلِي (Beyatlı)” (1884م – 1958م): شاعر وكاتب وسياسي تركي مشهور، كان له باع كبير في التاريخ والثقافة العثمانية.

[4] كلمة “خرابيّ” نسبة إلى الخراب، أما “الخراباتيّ” فنسبتها إلى “الخرابات” كلمة فارسية بمعنى الحانة، والخراباتي يأتي بمعنى “الفقير” أيضًا.

[5] إشارة إلى نشأة الدولة العثمانية ومؤسسها عثمان الأول المولود في بلدة “سُويُوْت” (Söğüt) التابعة لمدينة “بِيلَه جِكْ (Bilecik)” سنة 656 هـ/ 1258م.

العواصف العابرة والنسائم الدائمة

Herkul-ARB | | العربية

يبدو الزمن في الأشهر الثلاثة كأنه يمضي نحو أيام وساعات مباركة مرتقبة… غير أنّ الأيامَ المشؤومة، الحبلى بـ”أيام نحسات”)[1](، المواتية للشرِّ لا تزال تلقي بظلالها علينا، وأحيانًا ما تهبّ علينا العواصفُ شديدةً؛ إذ إنّ النفوس المهووسة بالهدم ماضية قُدُمًا في أعمالها الهدّامة، تقدح الشَّرَر في مواقد الفتنة في كل الأنحاء لتقمع أصوات المؤمنين؛ لكننا أعني الغالبية العظمى -أسأل الله أن نكون كذلك- نتحيّن الجمال، ونجري وراءه نبتغيه لنزين به أحلامنا، ونصبح وكأن أبواب قصور السَّعادة المنشودة قد انفرجت عن أعمق بهجة تستثير فرحتنا وسرورنا، ونسمع صريرها، أو نصبح كأننا نسمعه. ورغم ما في الخارج من عواصف ثلجية ورعدية وما نشعر به من حالة روحية تجعلنا وكأننا نطير من حيث نحن إلى الجنان لما نشاهده من عالم أزرق لامع، فإننا نعتقد ولو أحيانا بأننا في نغمات بهجة ومتعة لا تُوصف.

قد يُراد للضوضاء والولولة أن تُثار من حولنا لنتأثر بها فنهتز، لكن في أعماقنا أنوار أفاضها علينا الإيمانُ والثقةُ بالحقّ فلا نهتز، ولا نضطرب لغبارٍ ودُخَانٍ يحيط بنا من كل جانب، ولا نستكين لظلم أو ظالم أو ظلام دَاهِم؛ بل نثق بالله، ونتحلى بالحكمة، ونسعى لنتنسّم الدين وروحه ورضا الحق وقيمنا الثقافية في كل مكان.

وكلُّ يومٍ جديد من الأيام الراهنة وكلّ ما يجدُّ فيه من أوجه العناية -أرواحنا قربان لما وراءها من قدرة الدّيان!- يبدو وكأنه بجماله، ونفاسته وجاذبيته يُنقينا ويطهرنا من ضبابٍ ودخانٍ متراكم من عدة قرون يلفّنا نحن والدنيا بأسرها؛ ينقينا ويسمو بنا جميعا وبكل مؤمن إلى عالمٍ فيه قصور الجنان. إنّنا لا نأبهُ بالأحقاد المسعورة والبغضاء وغليان الغيظ عن أيماننا وشمائلنا، حتى إننا نرى ما يُرعِب الناس جميعًا ويورِث القنوط في القلوب الضعيفة من زوابع وأعاصير وعواصف ثلجية ورعدية عاتية نراها أحداثًا من جملة “الأحوال العادية” العابرة التي تمر من تحت أقدامنا دون أن تمس ولو شعرة منَّا، ونواصل المسير باتجاه أيام مشرقة نتمثّلها في أرواحنا دائمًا ونسعى حثيثًا نحو قمم تتراءى فيها مثاليّتنا السامقة؛ ونوجّه وجوهنا إلى العوالم الروحية والقلبية لأجدادنا.

إن لإيماننا وآمالنا الفضل في اعتقادنا بأننا حتمًا سنُبعَث بهويتنا الأصيلة ذات يوم، ونقف على أقدامنا؛ لذا تركنا نوافذنا مفتوحة دائما نحو وجودٍ جديد، وربطنا قَدَرنا حتى في أقسى العهود وعند مواجهة أنكى الحوادث غدرًا بالتوكل والتسليم، وتفويض الأمر إلى الله، وآمنّا بأن أيام الله الموعودة ستشرق شمسها، وأن يد العناية ستَعْمُر الدارين من أجلنا، وأن أعمالنا في الدنيا ستصل إلى الرياض والبساتبن هناك. ومن النعم العديدة التي أفاضها الله على المؤمنين كألطاف إلهية استنتجنا أن الله تعالى سيوالي نعمه العديدة على خلقه؛ ففرحنا بظلال التوجهات الإلهية؛ فرِحنا حتى لكأننا لم يمرّ بنا بُؤس قطّ؛ زد على ذلك أننا لا نبالغ إن قلنا إننا جميعًا قرأنَا شعرًا أخرويًّا في الطريق الذي سلكناه فخالط حبُّه شغاف قلوبنا جميعًا، وفي مُحيّا الأعمال التي استُعملنا فيها.

 نعم فشعورٌ وإدراكٌ كهذا إنما يصدر عن سَعَة العوالم الحسية للبشر؛ بل كلُّ قلبٍ مؤمنٍ يصبح وكأنه يشعر بأن تلك الغاية المثلى العلوية وآثارها العميقة صارت شعرًا رائقًا.

إن الأيام والساعات والدقائق العذبة الفياضة بمشاعر مرهونة بالزمان تَعِدُ الإنسانَ بلحظات سعيدة لا توصف، بل إن كل جزء يمر من ضروب الأزمنة هذه تراه القلوبُ الوفية مُفعمًا مزيَّنًا تشعر الروح فيه بمتعة أعالي الجنة؛ حتى إن القلب الوضّاء الذي يطالع الوجود والحوادث بمثل هذه المتعة يستطيع أن يجعل ما يحوم حوله من ضوضاء صاخبة، وفِعال شديدة الصلف والجلافة لينةً كالحرير، ويمنحها صفاؤه النفسي تمييزًا نورانيًّا؛ فتفيض بالبسمات على كلّ مكانٍ عَبَرَ منه، فتصبح وكأنها لم ترَ فيه شيئًا سلبيًّا ألبتة، وتُلوّح لمن يزمجرون حقدًا وغيظًا وكرهًا بإشارات تهديهم إلى أفق الإنسانية.

حقًّا إننا قد لا نبلغ هذا المستوى في بعض الحالات، أو قد نرى محيطَنا مضبَّبا غائمًا لعدم نضجنا، وقد ينجم عن بعض الأحوال والحوادث كدرٌ واضطراب، لكن لا يُكتب لشيء من ذلك بقاء واستمرار، فلو كمل الإيمان والتسليم والتوكل في القلوب لأدبرت هذه الأشياء كلها كما أقبلت، ولَأكسبتنا روحَ مقاومة جديدة؛ والحقُّ أنَّ أربابَ هذا المستوى يشعرون بحيويةِ الحياةِ ونضارتِها من جديدٍ في كلِّ يوم؛ والحياة مهيّأة للمفاجآت ولما هو معتاد على السواء، فتتولّد البسمات من الدموع، والملذّات من الآلام، والمتع من الهموم والأحزان؛ وعندما يحدث هذا غالبًا ما يُطلق الصيفُ كما الربيع صيحاتِ الانبعاث في أفق المؤمن، ويضفي الخريف والشتاء على الغروب صبغة الشروق ببشرى جديدة من البعث بعد الموت، وتتعاقب المواسم بعضها إثر بعض بألوان من بشائر السعادة، ففي هذا الجو تبدو الأوقات كلها وكأنها تجيش فرحًا وسرورًا.

وفي هذا المناخ ينبلج الفجرُ بنشوة البعث والنشور، ويعلن النهار عن نفسه بلذّةٍ خاصة في كل جانب، ويكشف المساءُ الستارَ عن الماوراء، ويَغشى الليلُ كل شيء بسحرٍ يُطلِق لسان القلب والروح، ويفيض على الساعات والدقائق والثواني نورانيةً وجوًّا سماويًّا يليّن أقسى القلوب ويرققها، كلٌّ حسب استعداده، فكم من أفكار رائعة ينسجون، وكم من أشياء لا يُجهَر بها يُسرّون، وكم من رؤى عميقة هم فيها مستغرقون، وكم من آفاق ماورائية إليها يتجهون، وبينما هم فيها في معارج الماضي السماوية يحلّقون تراهم في أعذب أحلام المستقبل يتجوّلون، ويا لكثرة ما يجنون مِن حدائق وبساتين الآخرة من أفكار لم تطاولها يد.

أجل، إننا بإيماننا وآمالنا العميقة ونظراتنا وتوجهاتنا الواسعة نعمِّق صلتنا بربنا دائمًا، وكثيرًا ما نشعر بأشياء تفوق تصوراتنا، ويوحي الجوُّ الذي نحن فيه بالأجواء الأخروية وكأننا محاطون بالشفقة من كل جانب، ونحسب المقام الذي نحن فيه ممرًا إلى الآخرة، وكأن العناية تحفّ بنا من كلِّ جانب، فيغدو هذا العالم الخاص الذي يتكون وفقًا لعالمنا الداخليّ عالمًا ساحرًا أخَّاذًا، يُشعرنا بنورانية العوالم الأخروية.

فلا يظلم أفقنا كليًّا مطلقًا، حتى ولو أظلم كل ما فيه بظلمات متعاقبة فكثيرًا ما تستنير بصائرنا بأنوار الماورائيات، فلن نعاني الغربة ما وفّينا المقام الذي نحن فيه حقّه، وتوجهنا إلى أفقنا الأزلي، فنحن بفضل الله وعنايته نأوي إلى “ركن شديد”)[2]( دائمًا، ونتحدّى أعتى الأمواج.

وقد ينجم عن الحوادث الجائرة -التي يبدو أنها تعترضنا- أن يقطع الزمنُ طريقَنا بل ربمّا اهتزت أواصر بعضنا الروحية، لكن الأعاصير التي تهبّ وتلفح وجوهنا تقوّي جهازنا المناعي، وتُدبر كما أقبلت، وتترك لنا هدايا قيمة تُشعرنا بذاتيتنا، وهكذا يزول الغم، وتغدو الأكدار ملذات، ونستبدل حمدَ الله بالصخبِ والضجيج، وكأن الحوادث حولنا بشيرٌ بأمرٍ يسعدنا.

كنا نرى كل شيء ونقيمه هكذا بفضلِ إيماننا وآمالنا وتوجهنا إلى ربنا سبحانه تعالى، وبعد ذلك ثبتْنا حيث نحن؛ على أمل أن نفسّر كلّ شيء على هذا المنوال.

إذا كان الأمر كذلك فهُبي حيث شئتِ أيتها الريح المعاكسة التي تهبّ دائما محملة بالحقد والكره! وقريبًا ستقول لك القدرة القاهرة: حسبكِ أيتها الوقحة، كفّاك ضجيجًا من الآن فصاعدًا.



[1]  الأيام النحسات: الأيام المشؤومة الحبلى بالعواصف والأعاصير، وهذا اقتباس من الآية :”فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ” من سورة فصلت.

[2]  ركن شديد: حصن شديد، ومكان أمين. اقتباس من الآية:” ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [سُورَةُ هُودٍ : 80/11]

روح السلام

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: فحوى فيلم “السلام”[1] أنَّ المسلمين استقرّ بهم المقام في بلاد دخلوها بالسلام، أمّا البلاد التي دخلوها تحت ظلال السيوف فلم يبق لهم فيها أثر يُذكَر مهما طال مقامهم بها، فعلامَ يدلُّ الدخول بالسلام، وما مدلول روح السلام؟

الجواب: الأصل في الإسلام هو السلام، أما الحرب فهي أمرٌ عارض طارئ، ولا يُشرَع القتال في الإسلام إلا للدفاع عن القيم التي لا بدّ من مراعاتها وهي الضروريات الخمس: الدين والنفس والعقل والنسل والمال، فإن زحف عليكم مَن يقصد السوء والشرّ، ودَاهَمَكم وهدَّدَ وجودَكم، فلا يمكنكم أن تستقبلوهم بالزهور، بل إنه لَيتعيَّن القيامُ بحملةِ تعبئةٍ شعبيةٍ شاملةٍ وإعداد كلّ ما تقتضيه المعركة.

ومن الأسباب المشروعة للحرب نصرةُ المظلومين ورفعُ الظلم أينما كان وعلى أيّ شخص وقع، والحيلولةُ دون من يريد أن يقف حجرَ عثرة في مسار حرية الفكر.

الهدف هو الردع فحسب

أسّس القرآن الكريم مبدأ الردع لإرساء الأمن والسلام، فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (سُورَةُ الأَنْفَالِ: 60/8) يأمرنا القرآن الكريم أن نتخذ شتى أنواع الإعداد لمواجهة أي خطر محتمل، ولنكون قوة رادعة تزرع الخوف في قلوب الأعداء وتحول دون وقوع الحرب ابتداءً.

وعلى مدى تاريخ الإسلام لما سوّغت الظروف الحربَ لجأت القلوب المؤمنة _مضطرةً_ إلى استخدام السيف أحيانًا؛ وغالبًا ما كان الهدف من استخدام هذا الحق كبْحَ جماح القوى المعتدية، ومعاقبةَ المستبدّين الذين يخلّون بالأمن والتوازن العام في العالم، والحيلولةَ دون انتشار الفوضى في الأرض، وإقامةَ الحق والعدل فيها.

ولعلّ سائلًا يسأل: هل رُوعيت هذه الأهداف والمقاصد بتمامها على مدى تاريخ الإسلام؟

المشهد العام يقول: إن المسلمين قد راعوا الاستقامة في هذا الأمر، غير أن هناك فترات وعهودًا معينة وقع فيها البعض في خطأ في اجتهادهم، بتعبير آخر لما رُجِّحت العدالة النسبية على العدالة المحضة في بعض الفترات لم يُراعَ هذا الأساس بحذق ودقة عالية وإن كان ذلك في سبيل إحقاق الحق، فمثلًا بعض المعضلات لم يراع هذا الأساس فيها مراعاة كاملة إذ كان يمكن حلُّها بالسيف الألماسيّ للقرآن والسنة الصحيحة أي دساتيرهما المحكمة، ولا حاجة حينئذ إلى السيف الماديّ، وأرى أن هذا الضرب من الخطأ في الاجتهاد كان من أسبابِ قِصَرِ عُمرِنا في بعض البلدان خلال فترات مختلفة عبر التاريخ.

السلام قيمة إنسانية عالمية

بين الماضي واليوم اختلاف كبير في الظروف، فقد تكوّن في العالم كله اليوم قدرٌ ما من الثقافة الديموقراطية، وازدادت أهمية العلم والبيان أكثر مما مضى، وأصبحت للدساتير الألماسية للقرآن والسنة أهميةٌ متميزة وتأثيرٌ خاصّ في الدفاع عن الحق والحقيقة وتشريبِها للقلوب في جوٍّ كهذا لا تتأتى فيه الغلبة على المدنيين المثقفين إلا بالإقناع؛ فمن الأهمية بمكان استثمار العلم والبيان والفن في التعبير عن القيم الإنسانية العالمية مثل التضحية والتفاني ونذر العمر في سبيل الآخرين؛ تلك القيم التي ولّدتها وعَمَرَتها القلوب المؤمنة في أعماق أرواحها.

إنَّ فيلم “السلام” انطلق مِن هذا المبدأ أعني انفتاح الأرواح الفدائيّة على العالم، ولما عَرَضوا لي أجزاءً منه قبل عرضه لأبدي وجهة نظري حاولت أن أقيّمه إجمالًا في حدود معرفتي رغم أني لا علم لي بالأفلام والسيناريو والإنتاج؛ والفيلم عمومًا فيه جوانب إيجابية حرية بالتقدير؛ لأنه يعرض مسألة الفكر والمبدأ والتضحية والإخلاص بما يتوافق ويليق كثيرًا بإنساننا، ومسألةَ انفتاحهم على أقاليم كثيرة على مستوى العالم من إفريقيا والشرق الأقصى حتى البلقان.

 أجل، كان من المهم جدًّا أن يُعنَى المعلِّمون بمَن يعيش في مثل هذه البلدان وينشأ على ثقافات ومبادئ مختلفة، وأن يغتمّوا لأمرهم وينذروا حياتهم في سبيلهم، ويليّنوا قلوبهم بالحب والقيم الإنسانية، ويسموا بهم إلى مستوى نضج معين؛ وهذا الذي حاول الفيلم أن يشير إليه.

وتعلمون أن فطرة الإنسان تكمن فيها ردة فعل تجاه الأجنبي، وتكون ردود الفعل أشدَّ وأصعب لدى من سَامَه الآخرون الصهر والسَّحقَ والنفي من قبل، يتعسر عليهم قبول الآخرين، ورغم كل هذه العوارض السلبيّة فإن ما قام به المتطوعون التربويون المهاجرون إلى الدول المختلفة، ونفوذَهم إلى قلوب الشعوب في هذه البلاد، وتأسيسَهم جسورًا من الحب والحوار والسلام بين الثقفات والمجتمعات المختلفة لهَو أمرٌ جديرٌ بالاحترام والتقدير.

معلِّمون تُقبَّل أقدامُهم

إن إنساننا لما اتَّخذ مبادئ القرآن والسنة الماسية مُرشدًا له غدا رحبَ الصدرِ رحابةً تتيح لكلّ من يدخله أن يتربّع فيه، حتى لكأنه رسالة تدوّي في أرجاء الدنيا كلِّها تنشد الحبّ والعالم الجديد.

ومِن مشاهد الفيلم: معلِّمٌ رأى طالبين على جسر تاريخيّ يتشاجران، وفجأةً سقطا في النهر، فألقى بنفسه على إثرهما لينقذهما، ففداهما بروحه وغرقَ، فلما رأى الخصمان موقف المعلم الفدائي تعانقا وراحا يبكيان؛ لم أملك عينيّ أمام هذا المشهد، وربما كان هذا حال أكثر المشاهدين، ولا تختلف المشاهد التي مُثِّلت في إفريقيا وأفغانسان عن هذا، وأهمّ ما في هذه المشاهد أنها واقعية، بل إنّ الممثلين للفيلم ذكروا أنّهم سُحِروا بهذه اللوحة الواقعية من تضحيات المعلمين في الأماكن التي ذهبوا يصورون فيها.

 هؤلاء المعلمون الفدائيّون وجدوا أنفسهم أحيانًا وسط حرب وما برحوا مدارسَهم وطلابهم حتى أثناء حصار المدن التي أقاموا بها؛ وكان لمشاعر الوفاء الفياضة هذه أثرها في الحفاظ على الطلاب؛ ولما لم يعبأ هؤلاء المعلمون بالموت ومضوا في أداء رسالتهم انفتحت لهم أبواب القلوب.

ونظّم هؤلاء الفتية المهاجرون في سبيل الغاية المثلى رِحلات إلى أرجاء العالم كافة؛ منهم من ترك عروسه بفستان العرس وسافر، ومنهم من ارتحل وقد خطب حديثًا، ومنهم من قبّل أيدي والديه الباكيين مستودعًا اللهَ إياهما وانطلق في طريقه. وبعد هذه التضحيات أليس جديرًا بهم أن تُقبَّل أقدامهم لا جباههم فحسب؟

لا نستطيع القول إن كل واحد منهم يفقه فلسفة النهج الذي يسير فيه بكل أبعاده، إلا أنه لما قيل لهم: “سيروا على بركة الله” امتثلوا متمسكين بشعور التسليم في قلوبهم متوكلين راضين دون أدنى تذمر، يسوقهم الله فينساقون انسياقًا مباركًا، ولم أجد ولم يبلغني _وإن وقع_ أنَّ أحدًا من هؤلاء المهاجرين تبرم وتقهقر؛ آلاف الشباب النوابغ تخرجوا في أرقى الجامعات، وما إن صدرت شهاداتهم حتى انطلقوا بشوق وعشق، ولم يفكِّروا إلا في غاياتهم المثالية رغم تطلعات آبائهم وأمهاتهم ومَنْ حولهم، ومضوا في طريقهم عن طيب خاطر وحاديهم:

“أَبِالنَّفْس يُفتَنُ مَن هو بالحِبِّ مُغرَمُ

أبالحِبّ يُفتَن من هو بالنفس مُتيَّمُ

سلكنا طريق العشق وإننا لمجانينُ هُيَّمُ

أيا قلبِ مَهْ فما ينبغي بل ما لنا في القانون والمجدِ أَمْرٌ لازمُ.”

صَبَغُوا القلوب بالسلام

انطلق إخوتُنا هؤلاء ينشرون السلام حيث حلّوا، وغدت الكتب والمجلات وبرامج التلفزة المختلفة مرآة لما فعلوا، فَصَبَغُوا القلوب بالسلام كما نقشوه بالأقلام[2]، وعلّموا طلابهم معنى السلام، فإذا مروا باللغو مروا كرامًا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا.

هكذا، فإن سِرتم على هذا النحو فستُخلّدون حيثما حللتم، وتحظى رسالة السلام التي تحملونها بمكانها في النفوس، وتظل تدوّي في الأفئدة والصدور؛ فالحق تعالى لا يُضِيع هذه الخُطى سدًى؛ فكما ورد في الحديث إن تقربتم إليه شبرًا تقرب إليكم ذراعًا، وإن تقربتم إليه ذراعًا تقرب إليكم باعًا، وإن أتيتموه تمشون أتاكم هرولةً، فكان سمعكم الذي تسمعون به، وبصركم الذي تبصرون به، ويدكم التي تبطشون بها… فكيف لا تُؤثّرون في النفوس إن منّ عليكم الحق تعالى بهذا اللطف الواسع؟

وحمادى القول أن السلام هو رأس مالنا الوحيد اليومَ، يومَ أن أُغمدت السيوف المادية، ومقتضى السلام أن تكون بلا يد إزاء من ضربك، وبلا لسان تجاه من سبّك، وبلا قلب يغضب أمام من آذاك، فعلينا ونحن ماضون في طريقنا ألا نعبأ باللوم، وأن نثبُتَ على موقفنا ونقاوم ما حَيينا، وأن نقول: “هذه دارُ تحمُّل، لا دار تضجُّر”، وأن نبتغي الحركةَ الإيجابيَّةَ دائمًا، وأن نعكُف على واجبنا فحسب.


[1] فيلم السلام (2013 – باللغة التركية) يتحدث عن معلمين فدائيين ذهبوا إلى أنحاء العالم لينشروا فيها روح السلام التي يحملونها وتضحياتهم ومعاناتهم، وكل حكاية فيه واقعية.

[2]  مشهد من الفيلم: يكتب المعلم كلمة “السلام” على السبورة ويشرح معناها للطلاب.

وبال الجرائم التي تُرتكب باسم الدين -2

Herkul-ARB | | العربية

لما تصدعت الدولة العثمانية وانهارت توالت على العالم الإسلامي سلسلةٌ من حلقات التصدع والانهيار، تلتها سلسلة محاولات تريد بنا لَمَّ الشمل والأوبةَ إلى الذات والظفرَ بروحنا كرّة أخرى؛ وحسبكم من هذه المحاولات ما كان في تركيا دون ذكر غيرها من دول العالم الإسلامي، لو تأملتموها لألفيتم كثيرًا من الأشياء تغيّرت في العقود الأربعة أو الخمسة المنصرمة، ولم يَعُدْ شيءٌ كما كان؛ فأثارت هذه التطورات والتغيّرات التي حدثت في العالم الإسلامي حفيظة بعض مراكز القوى في العالم، فحاولت هذه المراكز أن تستفز بعضَ من يأخذهم الحماس والعاطفة ممن لا دراية لهم بالمقوّمات الأساسية للإسلام ولا بموازينها وضوابطها، وأن تستغلّهم في أطماعها الخبيثة.

الجماهير المخدوعة والشعور بالحاجة إلى البارانويا

والمؤسف حقًّا أن التفكيرَ برشد واتزان ومعرفةَ مصادرنا الأساسيّة لم يعُد سمتًا عامًّا لأبناء العالم الإسلامي اليوم، فإذا بمن يريدون أن يشكّلوا رأيًا عامًّا عالميًّا وفق مصالحهم من خلال إثارة مشاعر البارانويا، لمسوا نقاطَ ضعف لنا منشؤُها الجهل والفقر، وأعدّوا سيناريوهاتهم، ثم تخيروا لها أناسًا يناسبونها فاستغلّوهم بالخداع تارةً وبالتحكّم فيهم آليًّا بالأدوية تارةً أخرى.

أجل، خدعوا الجماهير باستغلالهم أجيالًا مُهمَلة تُرِكَت للجهل؛ أمّا السبيل إلى الوقاية من الخداع فهو تقوية جهازنا المناعي، فلو أنّ جهاز المناعة قويٌّ لأمكن مقاومة أيّ ميكروب أو جرثومة قد تنفذ إلى البنية، ولكن إن ضعف جهازُكم المناعي انهال الآخرون عليكم بحُقَنٍ جرثوميّةٍ لإنهاك بِنْيتكم، ولا تستطيعون حينذئذ منعهم ولا مقاومتهم.

 وهذا يوجِب اليوم على المسلمين أتباعِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أن يتصرفوا بمزيدٍ من التعقل والحكمة في عالم تقلَّصَ وتصاغر حتى لكأنه قرية صغيرة، وأن يفكّروا قبل الإقدام على أيّ خطوة، ويتنبّهوا قبل التفوّه بأي كلمةٍ إلى ما ستعود هذه الكلمة، ويفكّروا في الأثر الذي ستُحدثه في المخاطبين.. عليهم أن يفكروا ألفَ مرةٍ ومرّةً ويحسبوا بدقّةٍ قدرَ الرِّبح والخسارة قبل أن ينبِسوا ببنت شفة؛ لا سيما أصحاب الشأن، أي مَن يمثّلون هيئة أو فئة من الناس، ينبغي أن يُعنَوا بهذا الأمر بدقة وعناية أوفر؛ لأن الخطأ الذي يقترفه أحدُهم سيُجازَى عليه كلُّ أفراد تلك الهيئة التي يمثلها؛ فمثلًا لو جاء شخصٌ عاديّ وقال: “آذت الجهةُ الفلانيةُ مساجدَنا، فهيّا نُغير عليهم”، فلن يلتفت إليه أحدٌ، ولكن إن قال هذا شخصٌ يُسمع له أطاعوه ووقع تخريب يصعب إصلاحُه.

أجل، لا بدّ أن تقترن الشجاعةُ والإقدام بالعلم والحكمة والبصيرة والفراسة، وإلا سيق المرء إلى الجنون، وما أشقّ تصحيح ما سيُرتكب من أخطاء حينئذ؛ لذا فمن الخطأ أن نحمّل غيرنا كلَّ مصيبة تحل بنا.

إن أعداء الإسلام لا يريدون أن يرى الناسُ جمال الإسلام وأن يزيّنوا به حياتهم، فراحوا يحيكون هذه المكائد والمؤامرات منذ أن بزغ فجر الإسلام؛ فأوصد البابَ دونها الخلفاءُ الراشدون وكل حاكم حصيف استنَّ بسنتهم؛ لكن منذ قرنين أو ثلاثة نجح المندسّون في استغلال ذوي صِبغة ملائمة لِما يريدون، فلطّخوا -وا حسرتاه- وجهَ الإسلام الناصعَ؛ ويمكن أن يُقال إنه لم يشهد أيُّ عهد من عهود الإسلام شيئًا يشبه هذه الأعمال الوحشية التي تُرتكب اليوم باسم الدين، نعم، مرّ في التاريخ من ارتكب نحوها مثل فرقة “الموحِّدين” و”القرامطة”، لكن لم نعثر لهم على مثلِ هذه العمليات الانتحارية التي تؤدي إلى مجازر جماعيّة دون تمييزٍ بين امرأةٍ أو شيخٍ أو طفلٍ.

كفاحُ المؤمن وطرزه اللائق به

وبالمناسبة أريد أن أنقل لكم هنا هذه الواقعة: نزل بي ضيفٌ، وأخذ يحدّثني عن الإسلاموفوبيا وأن الغرب يرى المسلمين وحوشًا، وذكر ما تشنّه الصحفُ ووسائلُ الإعلام الغربية من هجمات على الإسلام، فقلت: منَّا مَنْ تسوقه العاطفة عندما يُعتَدى على الإسلام، فيُقدم على ما لا يُقرّه الإسلام كالرد بالمثل، فمن الخطأ أن نزكّي أنفسنا تمامًا؛ فأدهش هذا الردُّ ضيفَنا إذ لم يكن يتوقعه، لكن لا سبيل إلى إنكاره؛ نعم، علينا عندما نرد على الاعتداء أن نكافحه بفعل ما يليق ويجدر بنا نحن المؤمنين، وإلا فالأخطاء التي تُرتكب تُحرِج المسلمين جميعًا؛ لأنها تتيح لبعض مراكز القوى الخبيثة استغلالهَا في التشهير بالمسلمين؛ أمّا نحنُ فواجبنا مواجهة هذه الهجمات بالاتباع الحسن لمبادئ الدين، وأن نُدرك حقًّا أن أسلوبنا وسلوكنا هو عرضُنا المصون وشرفُنا.

ارتكاب الأعمال الوحشية ليس من الإسلام في شيء

هل سمعتم أن القسوة والقوة الغاشمة والحدة والعنف حبّبت إنسانًا واحدًا بالدين وقَرّبَته منه؟ تعلمون أن الدين يعرَّف بأنه: “وَضْعٌ إلَهِيٌّ سَائِقٌ لِذَوِي الْعُقُولِ بِاخْتِيَارِهِمُ الْمَحْمُودِ إلَى الْخَيْرِ بِالذَّاتِ”، فما في هذا التعريف من حرية يفوق كل أنواع الديمقراطية؛ لأن إرادة الإنسان ركن فيه، فهو يُسلِم المرء لإرادته الحرة، فالإنسان في الإسلام كريم يقدّر الحسن فطريًّا ويحبه، فلو أن المسلمين مثَّلوا الإسلام حقّ التمثيل وازدانت الحياة بمحاسنه التي يعِد مستقبلَ البشر بها لَمضى الناسُ في اختيار ذلك الاتجاه قطعًا.

أجل، لو جلّيتم تلك المحاسن، وحبّبتم الدين إلى الناس، وأنبتّم الشوق إليه في القلوب لاختاروه بمحض إرادتهم، وليس لأحدٍ أن يعترض على هذا، فكلّ امرئ حرٌّ في اختيار الدين الذي يريد، وركنُ هذا الأمر حُسنُ التمثيل، وهو لدى مفخرة الإنسانية _صلى الله عليه وسلم_ لا يقلّ عظمةً عن تبليغه الأخّاذ، فتمثيله الدينَ يسير على خُطى تبليغه، فكل ما بلّغه قام به دِقِّه وجِلِّه، وبهذا تربَّع في القلوب.

نحن أمّتَه صلى الله عليه وسلم هكذا كنَّا من قبل، حتى أفسد جِيناتِنا المفسدون منذ بضعة قرون، وإذا فينا _وا أسفاه_ من ارتكب جرائر جمّة باسم الدين، فمن ارتكب أعمالًا وحشية فهو ليس من الإسلام في شيء؛ وكم قلتُ وأعدتُ القول بأن المسلم لا يكون إرهابيًّا والإرهابيُّ لا يكون مسلمًا، ولو ظهر من بين المسلمين إرهابيّ فمعناه أنه تخلى عن صفاته الإسلامية، فيستحيل قطعًا أن يُقال إنه مسلم صحيح الإسلام، وأنّى يُقال ذلك والحرب نفسها لها ضوابط محددة في الإسلام، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يودّع الجيش يقَول: “لَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا، وَلَا طِفْلًا، وَلَا صَغِيرًا، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا أَصْحَابَ الصَّوَامِعِ”[1]؛ فيستحيل الجمع بين مبادئ الكتاب والسنَّة وبين الجنايات والجرائم التي تُرتكب اليوم باسم الدين.

ونخلص من هذا إلى أن علينا مع القيام بالدين حقّ القيام توقيرَ الناس جميعًا، وتقديرَ كلّ فهمٍ ورأي؛ فإنّ فرض الإنسان رأيَه على الآخرين بالقوة ينافي جوهر الإسلام، والاعتداء على الناس بالمدافع والبنادق والعنف والحدة والقوة الغاشمة واحتلال مركز تجاري ورهن الأبرياء وإعلان الحرب بمقتضى الهوى ليس فيه وجه يمت إلى الإسلام بصلة ألبتة، إننا نحن أبناء دين السلام نَعدّ الردّ بالمثل تصرفًا ظالمًا، ونرجّح التصرف بمروءة مطلقًا، فالأصل في القلب المؤمن أنه لا ولن يتردّى في الهاوية لينحطّ إلى هذا الضرب من التصرفات.

اللهم أحيِ قلوبَنا بحكمتك، واعصمنا واحفظنا من كلّ ما يخالف مرادك، واهدنا جميعًا للسير في هدي الرسول، ولاقتفاء منهج من سار على نهجه، ويسّره لنا يا ربّنا!


[1] البيهقي: معرفة السنن والآثار، 365/14.

وَبَالُ الجرائم التي تُرتكب باسم الدين -1

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: هل يمكن القول بأن ما تقوم به بعض المنظمات باسم الدين من جرائم وعمليات تفجيرية ونحوها وراءه قوى خفية أو أصابع خارجية لا غير؟ ولِمَ تظهر مثل هذه الحوادث في العالم الإسلامي اليوم؟

الجواب: يعمد بعض أدعياء الإسلام اليوم إلى استخدام السيارات المفخخة في قتل الأبرياء وتخريب دور العبادة، وهذا نقيض ما في الإسلام والكتاب والسنة؛ لكن وا أسفاه هذا المنظر واقعٌ يُدْمِي القلوب المؤمنة، ووصمةُ خزيٍ وعارٍ على جبيننا؛ نعم، إن وراء هذه الأعمال الإرهابية قوى خارجية وخِططها المنظَّمة الخبيثة، لكن الانحراف في فهم الإسلام وتفسيره أيضًا من أسبابها؛ وأما جرائمه فهي أعظمُ فتكًا وأكثرُ ضررًا على العالم الإسلامي من هجمات الحملات الصليبية ومما أحدثه المغول من فوضى واضطراب قديمًا، وهو وصمةُ عارٍ على جبين أمِّتنا.

الخطأ في فهم الشجاعة والإقدام

إنني أرى أن الخطأ في فهم الإقدام والشجاعة يأتي اليوم على رأس الأمور التي أُسِيء فهمُها وتفسيرُها حتى تسبّبت في وقوع مثل هذه الحوادث؛ لا جرمَ أنَّه ينبغي للقلب المؤمن أن يتحلَّى بالشجاعة والإقدام، لكن مع البصيرة والحكمة وحالٍ يُشعر المخاطبين بالأمن والأمان، وينبغي له كذلك أن يتمسك بمبادئ الدين أيًّا كانت الظروف، ولْيعلم أبدًا أن الغاية لا تبرر الوسيلة، أي لا بد للأهداف المشروعة من وسائل مشروعة؛ بتعبير آخر إن الشجاعة والإقدام حقًّا أن يُظهِر المسلم صمودَه في الدفاع عن قِيَمِه، وثباتَهُ على الحق دائمًا، وصبرَه على ما قد ينزل به من مصائب حتى وإن بُترت أطرافه في هذا السبيل.

ومن يتأمل عصر السعادة في ضوء هذا يجد أن مفخرةَ الإنسانية _صلى الله عليه وسلّم_ وصحابتَه تجرعوا في ثلاث عشرة سنة قضوها بمكة مصائب جمّة لا طاقة لإنسان بتحمله؛ حتى إن بعض الصحابة الكرام _رضوان الله عليهم_ كثيرًا ما كانوا ينظرون _وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا_ إلى قدرة الله المطلقة وإلى ما يذوقه سلطانُ الأدب والأخلاق الذي أرسله ربه لإنقاذ البشرية، وما يذوقه المؤمنون به من صنوف العذاب، ويقولون: “ما أَحْلَمَك يا ربَّنا!”، عجبًا وذهولًا أمام مشهدٍ لا يفقهون حكمته حقّ الفقه.

وتعلمون أنَّ في الجاحدين الجهلة من ألقى سَلَا جَزورٍ على رأس مفخرة الإنسانية سيدنا ومولانا محمد وهو ساجدٌ عند الكعبة؛ وكم رموه بالحجارة وهم أحقّ بها وأهلها، ومع ذلك لم يَدْعُ عليهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألبتة، ولم يقل: “اللهم أمطر عليهم حجارة من عندك”؛ بل إنه لمّا رُمي بالحجارة وكُسرت رَبَاعِيَتُه وشُجَّ وجهُه فسال الدمُ عليه رفع يديه إلى السماء ودعا الله قائلًا: “اَللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي (أو: اِهْدِ قَوْمِي) فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ“. (سنن سعيد بن منصور، 2\353؛ البيهقي: شعب الإيمان، 3\45). ومغزى هذا الدعاء: لو أنهم عرفوني وفقهوا دعوتي وأدركوا أنني أموت وأحيا كرات ومرات من أجلهم لَما فعلوا ما فعلوا؛ وقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (سُورَةُ الْكَهْفِ: 6/18) يبين موقف الرسول صلى الله عليه وسلم مما سلكه المشركون من نهج خاطئ.

أجل، إنّ مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم الذي فتح القلوب وألانَ الأفئدة ووجّه الناس إلى الإنسانية الحقّة وجمع الإنسان بإنسانيته الكامنة في فطرته لم يقابِل مَن عادَوه بغضب وحقد كما فعلوا هم، بل لم يَعزِم على فعل أيٍّ من هذه الشنائع والفظائع؛ حتى إنه لم يدْع على أبي جهل الذي ناصبَه العداء خمس عشرة سنة؛ ولما شرح الله صدر جويرية وعكرمة ابني أبي جهل للإسلام كان منهما ما تحار له العقول والألباب؛ فواجه عكرمةُ رضي الله عنه الروم في اليرموك، وجُرح جرحًا بالغًا، فنُقل إلى الخيمة، وفجأة استوى وقال: “هل شرّفتَنا بالحضور يا رسول الله؟”؛ ولم يكن قد مضى على معرفته برسول الله صلى الله عليه وسلم سوى سنتين؛ حقًّا إنه لَيتعذر تفسير عروجه العمودي في هنيهة من الزمن، وكيف استطاعَ أن يبلغ هذا الأفقَ من المعرفة، وهذا المستوى من العمق الداخلي؟ فلولا معاملة النبي صلى الله عليه وسلم حتى لأعدائه بحلمٍ وحكمةٍ كهذه فهل كان لشيء من ذلك أن يحدث؟

والحقّ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لو أشار بأصبع صغير من يده إلى الصحابة في تلك الفترة العصيبة لَهبّ المسلمون الأوائل الأبطال الشجعان وحاربوا المشركين حتى آخر قطرة من دمهم بلا خنوع ولا استسلام، لكنهم آثروا الصبر رغم أنهم يُسامون صنوف العذاب ويَرْسُفون بالسلاسل والأغلال، ولم يصدر عنهم ما يزعزع الثقةَ بهم من تصرُّفٍ فرديٍّ أو فوريّ أو عاطفيّ، ولم يلجؤوا قطعًا إلى مثل هذه الأعمال الوحشية الفظيعة؛ لأن منهج نبي الرحمة هو فتح القلوب وإقناع العقول من أجل السعادة الأبدية للناس جميعًا، وهذا يقتضي معاملتهم بالحكمة والرحمة والرِّفق.

نعم، نكرر مرة أخرى أنه لا صلة لهذه الأعمال الوحشية بالقرآن والسنة ومنهج مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم واستراتيجيته ونمط تفكيره ومسلك هديه.

من يزرع البُغض لا يحصد الحُب

ما أكثر شواهد هذا في عصر السعادة! فعندما فُتحت القدس كان سيدنا عمر -رضي الله عنه_ في المدينة المنورة، فأتاها هو وغلامه ليتسلم مفاتيحها، وأخذ معه إبرة وخيطًا ليخيط ما يتمزق من ثيابه، ومطية من بيت المال يتناوبان ركوبها، ولم يُجِز لنفسِه استخدامَ مطيتين، ولما دنا من القدس جاءت نوبة الغلام؛ فَعَزَمَ الغلامُ على سيِّدِنا عمر أن يركب إلا أنه _رضي الله عنه_ أبى، فاستقبله القسيسون والرهبان على مشارف المدينة، وأجلّوه وأحسنوا وفادته، وقالوا: “أنتَ الذي قرأنا أوصافه في كتبنا أنه يفتح القدس، يدخلُ ماشياً وغلامهُ راكباً وفي ثوبه سبع عشرة رقعة”؛ ثمّ سلمه بطريرك القدس صفرونيوس مفاتيح المدينة، فلما أدركته الصلاة وهو في الكنيسة، فالتفت إلى البطريرك وقال له: “أين أصلي؟” فقال: “مكانك صلِّ”، فقال: “ما كان لعمر أن يصلي في كنيسة القيامة، فيأتي المسلمون من بعدي، ويقولون هنا صلى عمر، ويبنون عليه مسجدًا”، وابتعد عنها رمية حجر، وفرش عباءته وصلى، هاكم مشهدًا من بصيرة سيدنا عمر ودقّتِه ورقّتِه وتعظيمِه لمعابد الأديان الأخرى، ومشاهدَ الهجمات الخبيثة اليوم باسم الإسلام وهو منها براءٌ، فقارِنوا بينهما!

 مشهد آخر يسلط الضوء على موضوعنا هذا: عندما تفاقمت الفتن واستشرت واشتدت حتى بلغت ما بلغت في عهد سيدنا علي _رضي الله عنه_ كما هي اليوم، واجتمع الخوارج الذين خرجوا عليه _رضي الله عنه_ يومئذ في النهروان، قيل لسيدنا علي: “جيشت الخوارج الجيوش في النهروان، فصبِّحهم وأهلكهم جميعًا قبل أن يغيروا عليك”؛ فما كان من هذا الإمام العظيم، سيد الكهول، حيدرة الكرار، إمام الأولياء، الذي انتزع باب حصن خيبر بيديه، وما إن يسلّ سيفه حتى يطيح ببضعة رؤوس بضربة واحدة، ما كان منه إلا أن ردَّ ردًّا لائقًا به: “لا تبدؤوهم بالقتال حتى يبدؤوكم، وما يدريكم أنهم مُغيرون؟”؛ يا لله كم في فقهه هذا من عميق الحيطة! وأنا لا أرى بطولته العظمى في قلعه باب حصن خيبر ولا في قتلِه عمرو بن عبد ود بضربة سيف واحدة، بل بطولته أنه يملك نفسه في وقت قد تتملك المرءَ فيه نزعةُ الأنانية، وتصدح مدويّة: “أنا، أنا”، وفي إيفائه الإرادة حقَّها؛ أجل، أرى الفتوة الأُمَّ والشجاعةَ والإقدامَ بحقّ في الثبات على مبدأ: “وما يدريكم أنهم مُغيرون؟” في وقت خطير كهذا، وبهذا استدلّ الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان على أن لَو اتَّخذ البغاةُ مكانًا يتجمّعون فيه لا يُبدأ بقتالهم ما لم يَبدؤوا.

نعم، الواجب أن يُزال الضرر بأقلّ أذى يُصار إليه ووفق حَراك وخطة واقعية محكمة؛ تأمل فتح مكة تر أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ اتخذ كل ما لا بد منه من أنواع الإجراءات كي لا تُسفك الدماء، ولا يتفاقم العداء والشَّحناء، وتُحلَّ المعضلات برفق ولين؛ أجل، دخل مفخرة الإنسانية _صلى الله عليه وسلم_ مكةَ وأكثرُ أهلها مشركون ولم يُسفَك دمٌ من هنا ولا من هناك سوى بضع حوادث صغيرة، بل لما دخلها سأل أهلها: “مَاذَا تَظُنُّونَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟“، فقال المشركون الذين عرفوه منذ طفولته: “أخٌ كريم، وابنُ أخٍ كريم”، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: “لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، اِذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ” ( ابن هشام: السيرة النبوية 74/5)، تركت كلماته هذه التي خرجت من فِيه _صلى الله عليه وسلم_ أثرًا طيّبًا في الأرواح وكأنها نفحات جبريل عليه السلام؛ فقد أدرك المشركون من أهل مكة كم كانوا في غيّهم تائهين، فجاءوا سيدنا رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ مُصبِحين وتحلقوا حوله كالهالة حول القمر؛ أجل، حتى المردة الذين عادَوا رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ سنين عددًا لانت عريكتهم، ورقّت سجاياهم فأسلموا لما جذبَهم الرفق والمعاملة الحسنة إلى مناخ الإسلام الطيب.

نعم، لا تحصدون إلا مما تزرعون، فمن يطمح إلى أن يحصد دائمًا ثمرًا طيبًا فلينثر بذورَ الخير والبر حوله على وجه الدوام.                 

(وللحديث بقية)

أسباب الإصرار على الإلحاد

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: لِم يُصِرّ بعضُ الناس على الإلحاد رغم ما تشعر به قلوبهم دائمًا مِن ضيقٍ وفراغٍ عميق؟

الجواب: الإلحاد يصوِّرُ الحياةَ وكأنها ساحةٌ للفوضى والصراع، وعُرضةٌ لأن يحدث بها أي شيء في أيّ لحظةٍ، والموتُ عنده هلاك وفَناءٌ مطلق؛ فليس للإلحاد أي وجه إيجابي يجذب الإنسان إليه أو يجعله يستمسك به؛ إنه حقيقةً مَثَارُ قلقٍ وتهديدٍ دائم للإنسان، وفراغٌ وهوّة سحيقة؛ لكنْ لدى الإنسان نقاط ضعف تجعله أصمّ أعمى، ومتى ما ابتلي بها تمرّد حتى على الحقائق الواضحة وضوح الشمس في رائعة النهار، فيُحجب عنه الإيمانُ عندئذ وينساق إلى الإنكار؛ وإليك نقاط الضعف تلك التي تتسبب في وقوع الإنسان في الإلحاد في المحاور التالية:

1 _ الكبــــر

قد يحول الكبرُ دونَ أن يكونَ الإنسانُ عبدًا لله؛ يقول الله تعالى في الحديث القدسي الجليل: “اَلْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ” (مسلم: البر، 136؛ أبو داود: اللباس، 26، واللفظ لأبي داود)؛ ومفاده أنّ الكبرياءَ لله وحده، وعلى الإنسان أنْ يكون عبدًا لله لا غير.

أجل، لما كان اللامحدود واحدًا لا ثاني له، وجب على كل من سواه أن يعلم أنه صِفْرٌ لا يزن مثقال ذرة أمامه.

 وللأستاذ بديع الزمان سعيد النُّورْسي _رحمه الله رحمة واسعة_ مصطلحان تستبين بهما هذه المسألة، هما: “المعنى الاسْمِيّ” و”المعنى الحَرْفِيّ”[1]؛ فينبغي أن ننظر إلى الإنسان بالمعنى الحرفي، والحرف لا يدل على معنى في نفسه، بل لا بد أن يُركب مع كلمة ليدل على معنًى ما؛ كذلك الإنسان لا تكون له قيمة حقيقية إلا بانتسابه إلى الله عز وجل؛ أمّا إن نظر إلى نفسه بالمعنى الاسمي، وعدَّ نفسه كائنًا مستقلًّا، وظنَّ أنه يدلّ على معنى في نفسه فما أضلَّه وأخدعه عندئذ! ومن هنا نرى أن “الثقة بالنفس” ونحوها من مفاهيم باتت تتردد اليوم لا وزن لها ولا قيمة دون أن تتعمق بالثقة بالله.

والإرادة البشريّة إن هي إلا هبةٌ ربانيّة للإنسان، فقد خصَّه سبحانه بظلٍّ من مشيئته وإرادته؛ وإذا ما عَزَمَ الإنسان على أمرٍ بإرادته الجزئية أمدّته المشيئة الربانيّة العظمى؛ فإذا نَظَرَ الإنسان إلى نفسه بهذه المرآة انحلّت عُقد كثيرة؛ أما التبجحات على غرار ما قاله فرعون: “أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى” (سُورَةُ النَّازِعَاتِ: 24/79) فما هي إلا مرآة للكبر؛ وما قاله فرعون شِركٌ وكفرٌ بَوَاح، ولا يختلف عنه ما يساور الإنسانَ من هواجس مثل: “أنا مَن فعل، أنا مَن خطَّط، أنا مَن أَنقذ الأمة من هذه الكارثة…” إنه لَشِركٌ خفيٌّ وضربٌ من ادعاء الألوهية وإن ضمنيًّا؛ إذ يستحيل أن تحتمل “أنا” وجودَ مُشخَّصَيْنِ معًا؛ و”الأنا” بمعناها الحقيقيّ تتفرد بها الذات الإلهيّة، أمّا في الإنسان فهي وحدةُ قياسٍ وهبها الله للإنسان ليدرك ويفقَه وجودَه وصفاته سبحانه وتعالى؛ أي إنَّه سيسعى ليدرك بإرادته ومشيئته الجزئية إرادةَ الله تعالى ومشيئتَه الربانية، وبعلمِه الضئيل عِلمَه المحيطَ سبحانه، وببصرِه القاصر بصرَه المطلقَ سبحانه وتعالى.

من جانب آخر فإن حواس الإنسان وصفاته ناقصةٌ محدودة مقيدة، وهذا وسيلة ليدرك ويعي ويشعر بإحاطة صفات الله تعالى وإطلاقِها؛ فقوله تعالى ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 255/2) يشير إلى هذه المحدودية لدى الإنسان؛ لأنه يستحيل أن يكون الشيء محيطًا ومُحاطًا في نفس الوقت؛ فالمحيط هو الله، أما نحن والكونُ كلُّه فمُحاطون، بمعنى أن الله أحاط بكلِّ شيء علمًا وإرادةً ومشيئةً وقدرةً؛ ومن عجز أن يقيم نفسه في هذا الأمر في المقام الذي ينبغي له حُجِب عنه الإيمانُ؛ وليس وراء إلحاد الناس غالبًا إلا رؤيةٌ فرعونية أساسُها الكبر.

2 _ الظلم

ثاني العوامل التي تحول دون الإيمان هو الطغيانُ وتجاوز الحد، ولا جرم أنّ هذا ظلمٌ بمعنى ما، وهو وراء إلحاد جميع الطغاة والظَّلمة الذين باؤوا بالخسران لأنهم أسندوا كل ما يحدث إلى قوتهم وقدرتهم، وكفى بقارون الذي ضربه القرآن الكريم مثلًا شاهدًا ودليلًا جليًّا على هذا؛ وإليك ما جاء في القرآن الكريم عنه: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ (سُورَةُ القَصَصِ: 78/28)؛ فكم من الجبارين ممن لو أرادوا خلع الجبال لَخَلَعوها، لمَّا أفرطوا وطغوا أهلكهم الله سبحانه وتعالى وأرداهم أسفل سافلين!

3 _ انحراف النظر

 ومن عوامل إلحاد البشر انحراف النظر؛ وكم عُنِيَ الأستاذ بديع الزمان بأمر النية والنظر، حتى قال: “في أربعين سنة من رحلة العمر، وثلاثين سنة في طلب العلم حصّلتُ أربع كلمات وأربع جُمل”[2]؛ وذكر في الكلمات النيةَ والنظر؛ لأنَّ النظرَ عاملٌ بالغُ الأهميةِ في فهمِ الأمور والحوادث وتفسيرهما؛ فمن عجز عن تعيير وجهة نظره وضبطها فلن يُبصر ما ينبغي رؤيته بدقة، وقد تتعذر الرؤية مطلقًا؛ وإن كانت دراساته وبحوثه تنتهي به إلى نقطة معينة، إلا أنه يتعثر فيها ولا يستطيع أن يبلغ معرفة الله.

والأصلُ في النظر القدرةُ على رؤية المنظور على ما هو عليه، أي الأصل السعي لرؤيته على حقيقته؛ لذا لا بد من النظر بشكل صحيح، ثم لا بد أن يستهدف النظرُ الرؤيةَ؛ فمثلًا من ينظر بلا هدف إلى مكتبة تغَصّ بالكتب يعجز حتى عن رؤية أسماء الكتب وألوانها؛ وقد قيل: النظر شيءٌ، والرؤيةُ شيءٌ آخَر؛ فينبغي ألا يُخلَط بينهما.

وجاء في القرآن الكريم في حديث فرعون ما يكشف انحراف نظره: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ (سُورَةُ غَافِرٍ: 36/40-37)؛ وفي عصرنا قال صاحبُ نظر منحرف آخرُ مثلَ هذا: “إنني طوّفت بالكرة الأرضية ولم أصادف إلهًا”؛ فأفحمه الأستاذُ “نجيب فاضل”[3] بنبرة صوته الرنّان قائلًا: “أيها الأحمق! من قال لك إن الله –حاش لله- نُفاخة في الفضاء!”، فمِن انحراف النظر السعيُ للبحث عن الخالق العظيم المنزه عن الزمان والمكان والمادة بغيةَ العثور عليه وكأنه –حاشَ لله- شيء ماديّ؛ ومن زجّ بنفسه في أتونٍ كهذا عجز عن بلوغ الإيمان مهما توسّل.

4 _ التقليد الأعمى للآباء

تقليد الآباء أيضًا من أسباب الإلحاد؛ وما أكثر توجيهَ النظر في آيات القرآن الكريم إلى ضلال المشركين والكافرين في موقفهم هذا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 170/2) والذين كفروا وأعرضوا عن الإيمان على مر التاريخ اتخذوا لأنفسهم آباء وطواغيت فقلدوهم تقليدًا أعمى واقتفوا آثارهم.

ويرى هؤلاء المقلِّدون أن آباءهم لا يُسألون ولا يؤاخَذون حتى وإن عبدوا وثنًا من حجر أو حلوى أو شجر، ويستحيل تتبعُ سقطاتهم في قولٍ أو فعل ألبتة، وهذا مسلكٌ نهايتُه الخسرانُ، وسبب لحرمان الإنسان من الإيمان.

كمن يفرّ من قرص البعوض إلى لدغ الـحية

إن من يتأمل ما سبق لن يعثر على مستنَد عقلي أو منطقي أو فكري في أُسّ الإلحاد والجحود، ومن الخطأ أن نطلق على عوامل الإلحاد المذكورة كلمة “مستنَد”؛ لأن معنى المستند الركيزة الحقيقية؛ وإنما يستند غير المؤمنين إلى أشياء يُتوهّم أنها مستند، ويمضون في كفر وإلحاد لا ينطوي على أي جانب إيجابي محمود يَعِدُهم به، ومثل هؤلاء يفضلون أن يعزّوا ويواسوا أنفسهم بشيء مؤقت، ويرون الإعراض عن ولوج ساحة الإيمان سبيلَهم إلى الدّعة والهروب من التكليف؛ لأن الدين أو الإيمان إذا ما ذُكرا تَبِعَهما التطبيق أي التكليف والواجبات اللازمة لهما؛ إذ إن الإيمان ليس قولًا باللسان فحسب، بل من ضرورياته أداء الواجبات وترك المنكرات، وبعبارة أخرى: إن الأمر لا ينتهي عند قول: “آمنتُ”؛ إذ يجب عقبه أداءُ جملة من الأوامر تسمى “الصالحات”، وترك جملة من السيئات تدخل في باب “الفحشاء والمنكر والبغي”؛ ولهذا فمن يتوهم أن هذه الأمور تحول دون التلذذ والتمتع بالحياة يأبى أن يلج ساحة الإيمان؛ يقول الأستاذ بديع الزمان: “لايدرك هذا الشقيُّ أنه قد جعل نفسه – بهذا الإنكار – هدفًا لضيق معنويّ أرهبَ وأفظعَ بـملايين الـمرات من ذلك الضيق الـجزئي الذي كان يشعر به مِن تكاسلـه في العبادة، كمن يفرّ من قرص البعوض إلى لدغ الـحية!![4]“؛ وهذه الأمور التي تُرى في الدينا كأنها عزاء وسلوان لا تفيد الإنسان في الآخرة ولا تنفعه ألبتة.

والمؤمنون وإن اجتازوا ما يفضي إلى الجحود من هذه العقبات كلها ودخلوا دوحة الإيمان، فليعلموا أن كل واحدة منها خطر كامن يتهددهم في كل حين؛ حيث إن العوامل المذكورة كما تمنع ولوج ساحة الإيمان قد يتسبب كل منها -نسأل الله العصمة- في الردّة عن الإيمان إلى الكفر؛ لأن هذه الأمراض والعلل قد تُخرج المرء من ساحة الإيمان وهو لا يشعر ولا يدرك ألبتة، وذلك إذا ما جثمت وسيطرت على أحاسيسه وفكره، وأخضعت الوجدانَ لضغوطها وتركت فيه ثقوبًا وصدوعًا وكسورًا، فمثلًا يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ” (مسلم: الإيمان، 147) والحديث يوجه الأنظار إلى إحدى هذه الجراثيم القاتلة، ومن ثمّ فإنه يجب على الإنسان أن يحاسب نفسَه دائمًا، ويُبصِر ويقْدُر نِعم الله تعالى قَدْرها، فيحمده تعالى ويثني عليه، ولا يغيبنّ عنه أبدًا أنّ كلًّا منها قد تكون سببًا لــ”الاستدراج”.


[1] الاسم والحرف في النحو:

الاسم: ما دل على معنى في نفسه؛ والحرف: ما دل على معنى في غيره، أي لا يظهر معناه كاملًا إلا مع غيره.

يقول الأستاذ النُّوْرسي: “إن النظر إلى ما سواه تعالى لا بد أن يكون بالمعنى الحرفيّ وبحسابه تعالى، وإن النظر إلى الكائنات بالمعنى الاسمي أي بحساب الأسباب خطأ؛ ففي كل شيء وجهان: وجهٌ إلى الحق، ووجه إلى الكون؛ فالتوجه إلى الوجه الكوني لا بد أن يكون حرفيًّا وعنوانًا للمعنى الاسمي الذي هو جهة نسبته إليه تعالى. (المثنوي العربي النوري: قطرة من بحر التوحيد).

[2] المثنوي العربي النوري، قطرة من بحر التوحيد.

[3] نجيب فاضل: شاعر وكاتب ومفكر تركي (1904-1983).

[4] اللمعات، اللمعة الثانية، النكتة الأولى.

بشائر الإيمان

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما المحاسنُ التي يبشّر بها الإيمانُ؟ وهل مِنْ مراتب ومقامات لشعور الإنسان وإحساسِه بهذه المحاسن في وجدانه؟

الجواب: كم قيل حتى اليوم عن المحاسن التي يبشِّر بها الإيمانُ في الدنيا والآخرة، وعن مُنجيات كثيرة مصدرها الإيمان؛ ويخصّ الأستاذ بديع الزمان هذا الموضوع بشيء من التفصيل في مواضع من كُتبه؛ ومفاد كلِّ ما قيل وكُتب في هذا أنَّ الإيمان يمنح الإنسانَ رؤيةً واسعةً عميقةً جدًّا لقراءة الحياةِ والوجود وتقييمهما تقييمًا صحيحًا؛ فمثلًا حين ينظر الإنسان المؤمن إلى الوجود يرى كل شيء كأنَّه صديق حميم ورفيق مخلص له، فيأمن الطريق والرفيق؛ ويرى الماضيَ والمستقبلَ مشرقين في ضوء النورِ الذي يشع من الإيمان على حياته؛ فلا الماضي مقبرة مرعبة في نظره، ولا المستقبل حفرة حالكة الظلام.

 نعم، مخاوف الإنسان وقلقُه مما في المستقبل أمر طبعي، لكنَّه يتغلب عليها بما يشع من الإيمانِ مِن أمل ونور؛ بل مَنْ يقوم إيمانه على أسس سليمة يدرك أن هذه المخاوف ليست أشياءَ لا حيلة لها، فيُلفي نفسَه قادرًا على الخروج مما يشعر به من همٍّ وحزن تنذر بهما هذه المخاوف؛ أيخشى المرء ظلمة البرزخ والقبر؟ فإيمانه نورٌ يسعى بين يديه، أم يهاب الصراطَ؟ فالإيمان “بُرَاقه” في العبور، أم يخشى العاقبة؟ فالإيمان آمَنُ طريق إلى الجنة وأمتنه، أم لديه مخاوف من الجزاء؟ ألا فلا يخافنَّ، فالإيمان هو الحصن الحصين من جهنم؛ أجل، كأنّ الإيمان دليل مرشد يقف على جانبي الطريق في رحلة الإنسان الطويلة، يبشّره بالأمن ويطمئنه.

حقيقة الموت

الإيمان _كما يقول الأستاذ بديع الزمان_ يحمل في ماهيته نواةً معنويةً لـ”طُوبَى” الجنةِ؛ فالمؤمن وهو في الدنيا يعيش حياةً ملؤُها الطمأنينة؛ فإيمانه ينجيه من خوف الفناء والقلقِ من الصيرورة إلى العدم؛ ومهما قيل وكيفما نُظِر إلى هذه المسألة فلينظرْ، فالحقيقة أنه يستحيل على غير المؤمن أن يمحو خوفَه من الفناء ويجتثّه من عقله وقلبه جِذريًّا؛ بل إن هذا القلق وتلك المخاوف تعذبه بين حين وآخر حتى إنها تصليه جهنم وهو ما يزال في الدنيا، فلا مفرّ لذلك الإنسان من هذه الأزمات غالبًا إلا بالإغراق في اللهو والمتعة والمرح، فيسلم نفسه للمسكرات حينًا ولما للجسم والبدن من نزوات حينًا آخر، وقد يدمن المخدرات عسى أن ينسلخ مما أفرزته عقيدة الفناء والعدم والتعفن والبِلى من قلق في روحه؛ إنه يعيش حياة بوهيمية لاهية متحلِّلة، ويودّ ألا يفكر في العاقبة وألا يشعر بها؛ وسمِّ ذلك إن شئت “محاولة المرء تنويم نفسه مغناطيسيّا”، ولكن هيهات؛ فكل هذه الأمور وإن سلّت الإنسان وواسته مؤقتًا فهي في الحقيقة مساعٍ لا تُغني عنه شيئًا، فالنعامة تدفن رأسَها في الرمال لتختبئ من الصياد لكن ذلك لا ينفعها، فهذا النوع من اللهو يُلجَأ إليه للقضاء على مخاوف العاقبة لكن هيهات هيهات؛ فإن كان من شيء ينقذ الإنسان من هذه المخاوف كلها ويُبلّغه ساحل السلامة فهو الإيمانُ، السفينةُ الآمنة، والمرشدُ الأمين، ومصدر الأمل القويّ للإنسان.

ومهما أذنبَ المرء فلن ينقطع أمله ورجاؤه في أمر عاقبته إن كان مؤمنًا؛ هذه حقيقة راسخة في جوهر الإيمان، فعقيدة أهل السنة والجماعة أنه لا يُخلَّد في جهنم من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان مهما ارتكب من الذنوب؛ فمن كان في قلبه حُسن الإيمان وجماله فالذنوب عنده أمر عارض لا أصل؛ إذ الإيمان لا يصدر عن مثله شيء من ذلك؛ بل إنما تصدر الذنوب عن تذبذب الإنسان واضطرابه حيث يجب عليه الصمود في سبيل الإيمان؛ أي إنَّ الذنوب جراثيم تنفذ إلى أعماق الإنسان من خلال ثغرات في إيمانه؛ أما الكفر فمن ماهيته تنبجس الذنوب والمعاصي، فذلك هو الأصل في الكفر؛ أجل، فمن كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان دخل الجنة بإجماع أهل السنة والجماعة؛ أي حتى لو زنى المرء أو سرق أو ارتكب منكَرًا آخر -عافانا الله- فستدرِكُه السعادة الأبدية في الآخرة إن كان في قلبه إيمان، فإن تاب عن ذنوبه وتاب الله عليه دخل الجنة بلا عقاب؛ فكل هذا من بشائر الإيمان للإنسان، ولا شيء يعدلها أو يقوم مقامها، إذاً فالإيمان مصدر أمل عظيم للإنسان؛ وبفضل هذا المصدر العظيم السرمدي بوسع المرء أن ينسلخ من عالمه الضيق، ويُبحر نحو جماليات الحياة الأبدية ومحاسنها.

أخوّة صادقة تنعكس على الآخرة

الإيمان يجعل مِن المؤمن إنسانًا يَشِعّ منه الأمن على مَن حوله، بل على الكونِ بأسره، ويجعل مِن عالمه الضيق عالمًا عالميًّا، فيرى الكون مهدًا للأخوّة، وبالتالي يرى الخلقَ جميعًا إخوةً له مِن وجهٍ مَا، فالمسلمون إخوانه في الدين، وغير المسلمين إخوانُه في الإنسانية، كما أُثِر عن سيدنا علي رضي الله عنه؛ ولا جرم أنَّ نظرة المؤمن لإخوانِه في الدين أكثر خصوصيّةً، فهم يشاطرونه الرأي نفسه والشعور ذاتَه، وهو يؤمن بأنه سيكونون معًا في عالم البرزخ وفي الحشر والحساب وفي العبور على الصراط.

فمن يتحلّى بهذا الإيمان لا يُقيم أواصره على منفعةٍ مؤقتة فانية أو مصلحة هنا وأخرى هناك، بل دأبه إقامة آصرة وَصِلة سرمدية أخروية مع من حوله؛ وهذه الآصرة الأخروية ذات قدر عند الله، فهي تقرّب الإنسان من ربه تبارك وتعالى، يَعْقبها توفيق ربانيّ في الدارين، وهذه بشارة أخرى للإيمان، ولك أن تفهم قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “يَدُ اللّٰهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ” (الترمذي: الفتن، 7) في ضوء ذلك، فالله تعالى يحفظ مَن يتحركون معًا من كلّ شرّ دنيويّ، ويمنّ عليهم بنجاح خِططهم، وسيُنعِم عليهم أيضًا بفوزٍ متنوع خالد في الآخرة، أي للعمل الجماعي فضائلُ دنيوية وأخروية.

يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ (سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: 48/14)، فما مِن شيء من الذرات إلى المجرات إلا وسيتغير في الآخرة؛ فأفكارُ الإنسان ومشاعره ستكتسب ماهيةً أخرى، وسيصبح لكل خير قدّمه ولأواصره الأخوية في الدنيا أبعادًا متميزة في الآخرة، فلا يُدرى كم متعةٍ يتذوق المرء في الآخرة، وكم من الوُدِّ يهيمن على صلته بإخوانه المؤمنين، بل قد يستوي عنده لقاءُ الإخوان والنظر إلى بهاء وجوههم ونعيمُ الجنان؛ ففي الحديث القدسي: “أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ” (البخاري: بدء الخلق، 8)؛ فما في الجنة من نعمٍ يفوق كلَّ التصورات، فسيمنّ الله على عباده المؤمنين بنِعَمٍ لا تخطر على بال؛ إنها الحسنات التي قدّمتموها في الدنيا، ستتراءى لكم نعمًا في الجنة.

وأما الشطر الثاني من السؤال فإليكم في جوابه المسائل التالية بإيجاز:

كل إنسان يشعر بمحاسن الإيمان تلك ويتذوقها على حسب عمق إيمانه وسَعته، فمنهم من يشعر ويحس بها نظريًّا فقط، وحسبه ما عرفه في المرحلة الابتدائية عن حقائق الإيمان، وهذه بداية الطريق ليس إلا؛ وآخر يدلل على معلوماته المجردة بالعلم والتفكّر، ويردّها إلى قواعد متينة، ويستوعبها عملًا وعبادة، ويحوّلها إلى معرفة؛ أي يسير من العلم النظري إلى علم اليقين، ومنه إلى عين اليقين، وهناك يظهر له سرّ الإحسان، أي يقوم ويقعد وهو يشعر بأن الله يراه في كل حال، ويقضي حياته هكذا، ولك إن شئت أن تطلق على هذا: الانسلاخ من الحيوانية، والترفع عن الجسمانية، والانسلال من سجن البدن، والارتقاء إلى مرتبة الحياة القلبية والروحية؛ هنا يتراءى كلُّ شيء أرحب وأوضح وأشدّ لمعانًا بما فيه من محاسن ساحرة خاصة، وعند هذه المرتبة تستحقر العينُ الحياةَ الدنيوية والجسمانية، فما وجود المرء في الدنيا إلا ليؤدي المهمة التي أُمر وكُلِّف بها فحسب، فإذا ما جاء أمر التسريح عاش فرحة أخرى واستقبل الموت فرِحًا به فرحَ الصائم بالفطر، وارتحل إلى الآخرة بهذه المحاسن التي كفِلها له إيمانه ليلقى بها ربّه سبحانه وتعالى.

المسلم: إنسان الصدق والأمانة

Herkul-ARB | | العربية

السؤال: جاء في الحديث “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”، فبمَ تنصحونا حتى نجعل هذه الخصلة الطيبة بعدًا من أبعاد طبيعتنا الإنسانية؟

الجواب: حديث “الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ” ورد في الصِّحاح (البخاري: الإيمان، 4)؛  وهو يعرّف المسلم الحقّ بأنّه  من لا يتأذى أحد أو يُضارّ من لسانه ويده.

ولنقف قليلًا على كلمة “المسلم” في هذا الحديث الشريف لندرك مغزى ما أشار إليه السؤال.

وردت كلمة “المسلم” في الحديث الشريف معرَّفةً بأل، فالمقصود هنا المسلم الكامل، فالقاعدة: “أن اللفظ المطلق يُحمل على أكمل معانيه”، فالمسلم هنا ليس هو من يتظاهر بالإسلام أو يدعيه، بل هو من يؤمن بالحق ويرضى به قلبه، ويفوّض إليه أمرَه، ويعمل بمقتضى إيمانه، ويتخذ هذا الإيمان روحًا لحياته.

وإن شئت التفصيل فالمسلم لغة اسم فاعل من “أَسْلَمَ” المشتق من “السلم والسلام”؛ فكما أن المسلم هو من يُسلم زمامه إلى الله تعالى هو أيضًا من يبْلُغ بالآخرين شاطئ السلامة، ويقيم بينه وبينهم جسرًا من الأمن والسلام.

المسلم إذًا هو ممن يُسلم قياده للحق تعالى، فيراعي الدّقة البالغة في الإتيان بما أمر الله واجتناب ما نهى عنه، فيحافظ على هويته في جو من السلم والسلام؛ وهو في الوقت نفسه أمينٌ يمثِّلُ الأمن والسلام، ويُشعِر الآخرين بالثقة والأمان في كل ما يصدر عنه. 

المسلم واسم الله “السلام” و”المؤمن”

المسلم تهبّ منه نسائم السلام والأمن على الآخرين، فهو مظهرٌ للتخلّق بالأخلاق الإلهية؛ فـ”السلام” و”المؤمن” من أسماء الله الحسنى كما ذُكِرا تِبَاعًا آخرَ سورة الحشر: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (سُورَةُ الْحَشْرِ: 23/59)؛ فالله تعالى هو “السلام”؛ لتنزهه عما هو من شأن الحوادث من العيب والنقص والفناء، وهو الذي ينشر الأمن والسلام بين خلقه؛ و”المؤمن” هو من يخلق الإيمان في قلوب عباده، ويبشرهم بالأمن والأمان، ويفي بعهده، فإذا وعد الله عباده فمن أوفى بعهده من الله، وهذا مردّ ما في قلب المؤمن من الرجاء.

فمَن يجاهد نفسه ليتخلق بأخلاق الله أو مَن جعل منتهى غاياته أن يتصف –باعتبار الظِّلِّيَّة- بالصفات السبحانية، فعليه أن يوحي لمن حوله بالأمن والسلام دائمًا فلا يساور أحدًا خوفٌ أو قلقٌ مما يصدر عنه، وعليه أن يؤمن بالله ويصدّق به من صميم قلبه، فيوحي لسان حاله لمن حوله بالأمان، ويغشاهم بنَسائم الثقة والأمان؛ فيعهدون إليه بأغلى ما عندهم فيُسْلِمونه له، ثم ينصرفون دون أن يراود أحدًا منهم أيُّ قلق أو سوءُ ظنٍّ به. 

الصدق والأمانة من صفات الأنبياء العظام، ولهذا أثر عظيم يجلي أهمية المسألة؛ أجل، فبالصدق  بلغ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذُرَى الكمالات، وبالكذب تردّى مسيلمة الكذاب أسفل سافلين.

حقًّا إنّ الكفر إفكٌ عظيم يفتريه الجاحدون، وهو إنكار لكل ما في الكون من آيات تدل على الله، وتَعَامٍ عن النظام والتناغم الرائع فيه، وجحود بما بين الكون والقرآن من مطابقةٍ أثبتها العقل؛ فما أعظمه من جرم، جزاؤه جهنم فبئس المصير! أما الإيمان فبه يغدو المؤمن أهلًا لدخول الجنة ويبلغ به أعلى عليِّين، أجل، فخصلة الصدق ينبوعُ الإيمان، وهي  التي بلغت بالصحابة الكرام عامّة وبالصدِّيق خاصة الدرجات العلى.

أما الأمانة فما من نبي إلا وحياته مثل للأمن والأمانة، تبعث في الآخرين الشعور بالطمأنينة والأمان على الدوام؛ وأعظم الناس أمانة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث الطمأنينة فيمن حوله بأحواله وأطواره، حتى إنه أول من يخطر ببال الناس إذا ما همّوا  بسفر ورغبوا أن يستودعوا أحدًا بناتهم وزوجاتهم؛ لأنهم على ثقة بأن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم لن يرفع بصره إلى أيٍّ منهنّ؛ فهو صلى الله عليه وسلم المثل الكامل في الأدب والحياء، فكم وكم تصبب معلّم الأدب والحياء عرقًا يوم أن عَرَّضت له السيدة خديجة رضوان الله عليها بالزواج؛ أجل،  فالأمانة سرت في ماهيته صلى الله عليه وسلم حتى غشيته من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه؛ فغدا عليه الصلاة والسلام موضع ثقة الناس.

رصيد الثقة

الأمر هو هو ينبغي أن يسري فينا نحن أمَّتَه صلى الله عليه وسلم خاصة أبطال مبدأ مثاليّ نذروا حياتهم لتحبيب الله ورسولِ الله إلى عباد الله ينبغي أن يبثّوا نسائم الأمن فيما حولهم دائمًا ليولدوا لدى الناس جميعًا شعورًا بالثقة فيهم فيأمنوهم كلّ الأمن ويتحدثوا عنهم قائلين: “إن قالها هؤلاء فقد صدقوا، فكلامهم ثقة وصدق”؛ واعلموا أن ثقتهم بكم هي سرّ احتفاء الناس بكم اليوم واتباعهم لكم ومساندتكم.

أجل، للناس وسائل كثيرة يختبرونكم بها في مجريات الحركة الطبعيّة للأحداث بلا تجسس ولا رقابة، ثم يحكمون فيقولون: “هذا جدير بالثقة”، فمثلًا إذا حدّثتموهم  عن مشروع ذبح الأضاحي حيث الفقر والحاجة في الداخل أو الخارج، يسارعون بلا تردد بخمسين أو مائة أضحية أو أكثر؛ فنيلُ هذه الثقة والمحافظة عليها بدقة بالغة وصدقٍ صِرفٍ أمرٌ مهمّ جدًّا.

وإذا ما استطاعت الأرواحُ التي نذرت نفسها للحقّ اليوم الاستمرارَ في بثِّ نسيم الثقة، فسيَعلم -بفضل الله وعنايته- من سيعرفونها من بعد ويثقون بها ويتواصلون معها أنهم لم يُخدعوا، فلن ينقلبوا على أعقابهم؛ فعلى المهاجرين في سبيل مبدأ سامٍ الوفاءُ بمسؤوليتهم مهما ضاقت الأمور، والثباتُ حيث  يرابطون، والسير دائمًا وفقًا للمبادئ الأساسية، وليحذروا أن يستوجبوا وقوع ما ورد في هذه الآيات من صفعات ولطمات بتفضيلهم للحياة الدنيا على الآخرة: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ (سُورَةُ القِيامَةِ: 20/75-21)، ﴿اِسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ (سُورَةُ النَّحْلِ: 107/16) نسأل الله السلامة؛  فينبغي الاهتمام بالدنيا بقدر فنائها وبالآخرة بقدر بقائها، فأنتم حقيقة تزيدون الدنيا قيمةً وقدرًا إن أوليتم الآخرة اهتمامًا وتقديرًا يناسب قيمتها الذاتية؛ لأن الذين يُقِيمون حياتهم على هذا التوازن مخلصون يفيضون وفاء ويتحركون بأمن وأمان حتى إن كل شيء يُستثمر عندهم استثمارًا جيدًا، ولا يُهدر شيء ألبتة،  فبذلك تُصبح الدنيا معمورةً، أجل، لا يساورنَّكم شكّ قطعًا بأن أُمَناء اليوم بوسعهم -إن عزموا الأمر- أن يعمروا دنيانا في هذا العصر كما أن من نذروا أنفسهم لنيل رضا الله والفوزِ بالآخرة عمروا من قبلُ الأندلسَ وكلَّ بقعة نزلوها في عصر الدولة العثمانية العليّة.

فعلى من نذر نفسه لخدمة الحق أن يتجنب التَّرَف دائمًا، ويعيشَ حياةً بسيطةً، وأن يكون بيته كذلك حتى إنه لَيُرهق أصحابه في البحث عن ثمن كفن يكفنونه به حين يموت؛ فمن انقطع ووُقِفَ للخدمة ليس له أن يكون عبد الدرهم والمنصب والراحة؛ إنه عبدٌ لله وحده أخلص قلبَه للخدمة فحسب، فلا شيء يغلّه أو يسلسله؛ وطبَعي أن يكون هناك أناس -ولا بد أن يكونوا- عملُهم التجارة يرغبون في الخدمة هكذا أي بالكسب الحلال والإنفاق في سبيل الله، فهذا أمر آخر؛ إنما أذكِّر بما يجب من الحذر والدقة على من ليس لهم عمل أو شغل إلا الخدمة.

قوة التمثيل لدى المسؤولين

على الأوراح التي نذرت نفسها للحق أن توحي بالثقة -على الشاكلة نفسها- لأقرانها في الخدمة، فلتحاذر دائمًا من أي تصرف أو سلوكٍ من شأنه أن يزعزع ثقة أقرانها بها، ولتتحرك بشفافية دائمة، ولتحذرْ مقارفة ما يثير الشك لديهم، فيفقدمهم الثقة؛ وعليها أن تكون على قدرٍ عالٍ من الحساسية والحيطة والحذر في هذا حتى لا يغرق أحد حولها في أوهام كدعوى  حرمانه من بعضِ الأشياء أو أنه ضُيِّق عليه في حَراكه.

لذا علينا التحلي بالوضوح والشفافية دائمًا نحوَ مَن نسير معهم سويًّا، ومشاورتهم في اتخاذِ القرار أيًّا كانت المسألة، والحذرِ كل الحذر من الاستبداد في تصرف أو سلوك، فلنراعِ مشاعرَ من حولنا وآراءَهم، وبالشكل نفسه لتكن الواجبات التي نأتمنهم عليها مناسبة لاستعداداتهم وطاقاتهم، ولننظمْ ساعات عملهم وفقًا لهذا؛ فعلينا أن نكوّن ثقة عند من حولنا في هذا الشأن حتى يشعر ويتأكد من يُوظَّف في أمرٍ ما أن من يوظِّفونه يتحركون بحسن نية، ويفعلون ما يفعلون حسبما تقتضيه المصلحة دائمًا؛ أضف إلى ذلك ضرورةَ إعادة التأهيل بصورة جادة كي يتحمسوا لما كُلفوا به ويعتادوا عليه ويتبنّوه ويستوعبوه.

بإيجاز: لا بد من التحرك بشفافية ودقّة عظيمة عند توزيع الأعمال وتنظيمها والتكليف بالواجب حتى لا تتسلل إلى أحدهم مشاعر مثل: “لا يُوثق بي، لا أؤتمن”، وكي لا يُولَّد فيهم شعورٌ بالشك وعدم الثقة.فحينما أعفى عمر -رضي الله عنه- خالدَ بن الوليد من قيادة الجيش، وكذلك حين أرسل عثمانُ -رضي الله عنه- أبا ذرّ إلى “الربذة” لم يعترض أيّ منهما قط على هذا القرار، بل نفذا الأمر فورًا، وما ذلك إلا لوجود مثل هذا الشعور؛ فإن استطعتم بتصرفاتكم وأحوالكم التي أبَنْتُم عنها أن تبُثوا وتزرعوا الثقة لدى منْ أنتم مسؤولون عنهم، وحافظتم على عصمتكم وعفتكم الفكرية والحسية والعقلية والمنطقية، فكل قرار تتخذونه بحقهم سيلقى القبول والرضا، وسيمضي من يُعيَّن في وظيفة جديدة دون أي تردد قائلًا: “متأكد أن من اتخذ هذا القرار اختار الأصلح والأنفعَ لي”، وسيتحمل كثيرًا من ألوان الحرمان والعوز حيث ذهب؛ حتى لو قلتم له: “امكث في هذا المكان” لمكان يشبه المحبس الانفرادي، فإنه فاعلٌ موقنًا أن ثمة مصالح ومنافع متنوعة مستهدفة بتلك الوظيفة؛ فعلى قدر ما تكونون إداريِّين أمناء ثقات يستجيب مَنْ حولكم لتوجيهاتكم واقتراحاتكم؛ إذ التحلي بالصدق والثقة والأمانة أهمّ طريق ووسيلة لفتح القلوب؛ فينبغي أن يبلغ تصديق الناس لكم وثقتهم بكم في هذا أن يقولوا: “حيثما وجبت عليّ وظيفة في الخدمة الإيمانية والقرآنية فثَمَّ مشيئة الله”؛ وهذا إنما يتحقق بلا ريب بفضل قوة التمثيل التي تتجلى وفق ميزانٍ حسّاس  دقيق لدى الإداريين.

وجهة نظر لقراءة أحداث عهد الصحابة قراءة صحيحة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: كيف كانت عَلاقة سيدنا عليٍّ (رضي الله عنه) بالخلفاء الثلاثة الآخرين؟ لا سِيَّما أن هناك بعض الدوائر تزعم أن اختلافات خطيرة كانت بينه وبين الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم أجمعين، فما حقيقة الأمر؟

الجواب: لكي يمكن تقييم الوضع تقييمًا صحيحًا لا بد أوَّلا من معرفة سيدنا عليٍّ والخلفاء الثلاثة الآخرين (رضي الله عنهم أجمعين) معرفةً جيدةً؛ لأن الأقاويل والكلمات التي تُثار على الساحة تتسبب في تفسيرات متباينة ما لم يُعرف هؤلاء الأشخاصُ العظام بعظمتهم ودقائقهم، ومن تلك التفسيرات يُتوصل إلى نتائجَ خاطئةٍ. ولْنحاولِ الآن أن نستعرض بشكل عامٍّ بعض الملامح من حياة الخلفاء الراشدين الباهرة حتى نعرفهم من قرب.

دُرّة تاج السلسلة الذهبية

إن سيدنا عليًّا واحد من أكثر الذين أقاموا فترة طويلة في تربية سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سواء قبل البَعثة النبوية أو بعدها، وقد تزوج بالسيدة فاطمة التي قال عنها والدها رسول الله: “فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي” (البخاري، فضائل الصحابة، 12)، وبهذا الزواج تأسست بينه وبين سيدنا رسول الله (عليه الصلاة والسلام) قرابة أخرى متميزة، وقد اختلف سيدنا الرسول الأكرم إلى بيتهما كثيرًا، وزارهما ليلًا حتى جلس مرة بينهما على فراشهما، واحتضن أحفاده وداعبهم، وكل هذا يعني أن سيدنا عليًّا وجد الفرصة السانحة له دائمًا ليتنفس حِسِّيَّاتِ ومشاعرَ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أضف إلى ذلك أن أحفاد رسول الله (عليه صلوات الله وسلامه) المباركِين وُلِدُوا في هذا البيت السعيد، ومنهم استمر نسله (صلى الله عليه وسلم)، فصار سيدنا الحسن أبا الأشراف، بينما صار سيدنا الحسين أبا السادات، ولذلك كانت لسيدنا عليٍّ مكانةٌ متميزةٌ تمامًا باعتباره جد كثير من الأقطاب العظام، مثل: أبي الحسن الشاذِلي، وأحمد الرفاعي، وعبد القادر الجيلاني، ومحمد بهاء الدين النقشبندي.

“لولا أبو بكر لذهب الإسلام”

إلا أن لكل من الخلفاء الراشدين الآخرين أيضًا خصائصَ تخُصُّهُ، فمثلًا حمايةُ سيدنا أبي بكر سيدَنا رسولَ الله وذَودُه عنه في مواضعَ معينةٍ أمرٌ مهم للغاية؛ فكونه (رضي الله عنه) أولَ من صدّق برسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ومواجهتُه المخاطرَ في الطُّرُق الخطرة الوعرة التي سار فيها برُفقة سيدنا رسول الله في أثناء الهجرة، وتصدِّيهِ للخطر عدة مرات عندما هُوجم رسول الله وقولُه مثلما قال مؤمنُ آل فرعون: “أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ” (سورة غافر، الآية 28)… كلُّ هذه حوادثُ ووقائعُ مهمةٌ للغاية؛ ولا يعلم قدر الجواهر وقيمتَها إلا الصائغُ الخبيرُ بها، ولذلك كان سيدنا عليٌّ في مقدمة مَنْ قَدَّرَ سيدنا أبا بكر إذ قال: “لولا أبو بكر الصديق لذهب الإسلام” (الديلمي: الفردوس بمأثور الخطاب، 358/3) كما عبر عن عظمته هذه في وقت آخرَ بقوله: “خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر” (أحمد بن حنبل: فضائل الصحابة، 76/1).

سورٌ منيع يَفْرُق الحقَّ من الباطل: الفاروق

إن لسيدنا عمر أيضًا خصوصياتٍ تفوَّقَ فيها على غيره، فقد كان (رضي الله عنه) كالسور المنيع في مواجهة كل أنواع حركات النفاق والشِّقاقِ التي هددت وَحدة الإسلامِ في فترة خلافته، بالإضافة إلى أنه كسر شوكة القوتين العُظمَيَيْن عالميًّا في عصره: الرُّوم والساسان، وكان وسيلة لأن يعتنق كثيرٌ من الناس الإسلامَ؛ ولمَّا استسلمت إيران جَرَّاءَ هزيمتها في معركة القادسية بدأت تُضْمِر حِقدًا وضغينة لسيدنا عمر، وقد عبر الأستاذ بديع الزمان عن قصدهم من مسلكهم بقوله: “لا لِحبّ عليٍّ بل لِبغض عمرَ”.

ونظرًا لأن سيدنا عليًّا عرَف فضائلَ هذين الخليفتين العظيمين، فقد اضطلع مدة خلافتهما بالمهمة التي أطلقنا على من قام بها لاحقًا اسم “شيخ الإسلام”، أي إن هذين الخليفتين كثيرًا ما استشاراه فيما احتاجا إلى الإفتاء فيه، لا سيّما أن هناك الكثيرَ من المسائل سأله سيدُنا عمر عنها وتعلم حكمها منه، وتلك الحادثة المنقولة في كتب الحديث جديرة بالنظر، لأنها تُظهر العلاقة بين سيدنا عليٍّ وسيدنا عمر (رضي الله عنهما): حين قال سيدنا عمر وهو يقبّل الحجر الأسود: “إني أعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقبِّلك ما قبَّلتُك” (البخاري: الحج، 50؛ مسلم: الحج، 250) قال له سيدُنا عليٌّ ببساطة شديدة: “إني أشهد لسمعتُ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: “يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَلَهُ لِسَانٌ ذَلْقٌ، يَشْهَدُ لِمَنْ يَسْتَلِمُهُ بِالتَّوْحِيدِ.” فهو يا أمير المؤمنين يضرّ وينفع”، فقال عمر: “أعوذ بالله أن أعيش في قوم لستَ فيهم يا أبا حسن” (الحاكم: المستدرك، 628/1). إنهم أناس يعرف بعضهم بعضًا أحسن المعرفة ويُقدِّر كل منهم الآخرَ أفضل التقدير كما هو واضح من تلك الحادثة.

لَو كَانَ لِي ثَالِثَةٌ لَزَوَّجْتُهُ

لسيدنا عثمان (رضي الله عنه) أيضًا عمق ورقة متميزة، فقد زوَّجه رسول الله بإحدى بناته، فلما ماتت زوَّجه بثانية وقال (عليه الصلاة والسلام): “لَو كَانَ لِي ثَالِثَةٌ لَزَوَّجْتُهُ، وَمَا زَوَّجْتُهُ إِلَّا بِالْوَحْيِ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ” (الطبراني: المعجم الكبير، 184/17) وحكمُ سيدنا عثمان وتدبيرُه شؤون الدولة في جَوٍّ من السلم والأمن مهم جدًّا لنفهم عظمته رضي الله عنه، لا سيّما في فترة دخل فيها الفكرُ الخارجيُّ عالمَ الإسلام.

أعماق متميزة وفضائل متميزة

يمكننا القول إذن: إن لكل واحد منهم جوانبَ يفوق فيها الآخرين، لِأنه (كما هو معلوم)  قد يترجح المرجوح على الراجح في بعض الأمور، فالصحيح إذن تناولُ كل واحد منهم بشخصيته ووضعه وقيمته الذاتية ومكانته عند الله، والاعتقادُ بأن كل واحد منهم يمثل خصوصية مختلفة من خصوصيات سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا السبب فقد لُقِّبَ سيدنا أبو بكر بـــ”الصديق”، وسيدنا عمر بـــ”الفاروق”، ولقب سيدنا عثمان بـــ”ذي النورين”، ولُقّب سيدنا عليٌّ بعدة ألقاب مثل: “الأسد الغالب، باب مدينة العلم، سلطان الأولياء” وكل واحد من هؤلاء فريدٌ لا يمكن الوصول إلى مرتبته بالنظر إلى الخصوصيات التي يختص بها، ومع أن استخدام كلمة “متعال” للبشر ليس صحيحًا، إلا أنه يمكن القول إنهم يمتلكون تجهيزًا مختلفًا من حيث جوانِبُهم التي لا تدرك ولا تُجتاز؛ فمثلًا إنهم متفردون متميزون في خلافتهم الراشدة، لا أحد يشبههم فيها، إن كل واحد منهم يزن العالم أجمع من حيث القيمةُ، وذلك باعتبار الكثير والكثير من خصائصهم التي لن نستطيعَ إحصاءها هنا، يكفينا أن نذكر أن رسولنا الأكرم (عليه الصلاة والسلام) ذكر هؤلاء الخلفاءَ الأربعة العظام على رأس العشرة المبشرين بالجنة.

ادعاءات متناقضة وافتراءات واهية

حينما ننظر إلى كل هذه الأمور بنظرة كلية شاملة نجد أن إظهار سيدنا عليٍّ وكأنه كان مخالفا ومعارضا لسيدنا أبي بكرٍ وعمرَ على وجه الخصوص، وادعاءَ تمثيله (رضي الله عنه) الحقَّ وغيرِه الباطلَ إهانةٌ لسيدنا عليٍّ قبل أي أحد، لأن بطل الشجاعة والجسارة هذا الذي لا يَهاب المخاطر لا يمكن أن يخضع لسيدنا أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما) في مسألة لا يراها من الحق في شيء، إنه مغوار يمضي إلى الموت بطيب نفس وراحة قلب كما حدث في خيبرَ، يُعزى إلى سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن جبريل أخبره بأن “لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفِقَارِ وَلَا فَتَى إِلَّا عَلِيٌّ” (ابن عساكر: تاريخ دمشق، 201/39، 71/42)؛ إذن فادعاءُ أن إنسانًا كهذا جامَل كلًّا من سيدنا أبي بكر وعمر وداراهما احتقارٌ وإهانةٌ لرُوح سيدنا عليٍّ (رضي الله عنه)، ولذلك تنبغي الإشارة إلى تناقض هذه الادعاءات.

ومن جهة أخرى، إذا دُرست المسألة من حيث إن سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اختص ساداتنا أبا بكر وعمر وعثمان (رضي الله عنهم أجمعين) بالقرب منه ظهر أن الآراء السلبية المزعومة فيما يتعلق بهؤلاء الذوات تمثل إهانةً لسيدنا رسول الله في الوقت ذاته، لأنه سينتُج عن مثل هذا الادعاء أن سيد السادات (عليه ألف ألف صلاة وسلام) لم يَخْبُر -حاشا وكلَّا- هؤلاء الناسَ على الإطلاق، وأنه لم يعلم شيئا قط أيضا مما حاكوه من ألاعيب -حاشاهم من ذلك- وهو ما يعتبر سوء أدب عظيم بحقه عليه أفضل السلام؛ في حين أن معرفته مَنْ حوله معرفةً جيدةً، وتوظيفه إياهم وفقا لذلك يمثل بعدًا مهمًّا من أبعاد فطانته العظيمة، لقد كان (عليه أكمل التحية) إذا ما نظر إلى وجه إنسان نظرة واحدة حدد على الفور وبفطنة تفوق كل أنواع الدهاء أين وفي أي عمل يصلح هذا الإنسان، ويكلفه بالمهمة وَفقًا لذلك.

أجل، إن ادعاء أن الرسول الأكرم (عليه الصلاة والسلام) المؤيد بالوحي لم يتمكن من معرفة من عاشرهم ونادمهم منذ بداية أمره حتى اللحظة التي سينتقل فيها إلى الآخرة وأنه عجَزَ عن أن يستنبط المعاني الصحيحة من أحوالهم وسلوكياتهم، إنما يأتي نتيجة خطأ منطقي فادح جدا؛ أما ما يقتضيه المنطق والفكر المستقيم في هذا الموضوع فإنه يتمثل في قَبول من رضي عنهم سيدُنا رسول الله واحترامِهم؛ فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديثُ كثيرةٌ في فضائل الصحابة الكرام، وفي كتب الحديث فصولٌ مستقلة خاصة بها، فلَفَتَ مفخرة الإنسانية (عليه الصلاة والسلام) الأنظار إلى مكانة الصحابة الكرام التي لا تُدرك بقوله: “إن أَصْحَابِي بمنزلة النُّجُومِ في السماء، فأي ما أخذتم به اهتديتم” (البيهقي: المدخل، 162/1؛ الديلمي: الفردوس بمأثور الخطاب، 160/4).

وخاصة أن سرد أفكار سلبية بحق شخصين أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيديهما فقال: “هكذا نُبعث يوم القيامة” (الترمذي: المناقب، 38)، كما قال في وقت آخر: مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا لَهُ وَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَوَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، فَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ فَجِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ” (الترمذي: المناقب، 47) إنما ينبع من عجز المعترض عن معرفة هؤلاء ومعرفة رسول الله، هذا بالإضافة إلى أن سيدنا رسول الله (عليه الصلاة والسلام) بشّرهم بالجنة، كما أنه تزوج بنت سيدنا أبي بكر وبنت سيدنا عمر، وزوّج اثنتين من بناته (صلى الله عليه وسلم) من عثمان وبنتًا من عليٍّ، وبهذه الطريقة أسَّس بينه وبينهم قرابة أخرى متميزة؛ وإنْ نُظر إلى المسألة من زاوية كتاب “فصوص الحكم” لمحيي الدين بن عربي تبين أن كلًا من التزوّج والتزويج يدل على معنى مختلف من جهة تأويل الأحاديث، غير أنني لن أدخل في هذه الأمور، وسأحاول التعبير ببساطة عن المسألة نظرًا لكوننا أناسًا عاديِّين لا نفطن إلى المعنويات كثيرًا.

انعكاسُ انحرافٍ صغير في المركز على الخط المحيط

على الرغم من كل هذا انحرف بعض الناس في تقييمهم للخلفاء الراشدين في فترة معينة، ونظرا لأن مثل هذه الأمور لا تَلفِت النظر كثيرًا في المركز فإنها لم تُدرك في أول الأمر، إلا أن انحرافًا صغيرا في المركز مثل هذا كبر في الخط المحيط، حتى وصل مع مرور الزمان مرحلة عارضَ فيها بعضُهم سيدَنا عليا واتهموه -حاشاه- بالكفر، بينما البعض الآخر أفنوا حَيَوَاتهم بمعاداة أبي بكر وعمر بدعوى حبهم عليًّا (رضي الله عنهم أجمعين)، وكي يقيموا عداواتهم هذه على أساس وسند فقد استغلوا اسم سيدنا عليٍّ، بل إنهم تجاوزوا وأفرطوا في الأمر حيث وصفوا هذا الشخص العظيم بأوصاف لا يقبلها هو أبدًا، ونتيجة لهذا ظهرت مجموعة من المذاهب الباطنية التي بلغت بالمسألة إلى الحلول والاتحاد، وكان هذا النوع من الادعاءات الباطلة الملفقة بحق سيدنا عليٍّ (رضي الله عنه) يقف وراء ادعاءات “المهدية” التي ظهرت في أماكن مختلفة من العالم، والكثيرِ جدا من المذاهب الباطلة التي ظهرت منذ المرحلة الأولى مثل حسن الصبَّاح والقرامطة والإسماعيلية والنُّصيرية.

وهناك حديث شريف[1] فيما يتعلق بالموضوع –وإن كان ينتقد من ناحية معايير الحديث- يُخبر فيه رسول الله (عليه الصلاة والسلام) أن فرقتين ستهلِكان في عليٍّ رضي الله عنه، إحداهما سوف تُؤلِّهه -حاشاه-، أما الثانية فستكفّره -حاشاه- من أجل مسألة بسيطة جدا فتُعاديه وتحاول قتله؛ وقد جاء اليومُ الذي ازدرى فيه الفُرْسُ كلًّا من سيدنا أبي بكر وعمر لإدخال الفتنة في الإسلام، بل إنهم بالغوا في العداوة لدرجة أنهم أطلقوا عليهما: “الجِبت والطاغوت”  كما افتروا على أُمّنا عائشة رضي الله عنها أيضا.

الرموز الثقافية التي تنمي الحقد والكره

إن الذين يعيشون هذا الانحراف في يومنا الحاضر لا يتحدثون عن تلك الأشياء القبيحة في كل مكان وعلى مرأى ومسمع من الجميع، لعلهم يقتربون إلى المسألة من زاوية الأحوال الراهنة والعلاقات بين الدول، وربما الوضع العام للعالم الإسلامي، إلا أنه حين يُنظر إلى عبارات الحقد والكره التي عجزوا عن كتمها في أنفسهم فتَفلَّتَتْ من ألسنتهم جرَّاء بعض الحوادث يتضح أنهم لم يستطيعوا أن يطرحوا من أنفسهم هذه القذارات، وأنه سيشق عليهم أن يفعلوا هذا باعتبار المُنَاخ الثقافي الذي نشؤوا فيه والمصادر التي نهلوا منها، وذلك لأنهم طوّروا مجموعة من المنهجيات وألفوا كتبًا في هذا الموضوع، فتشكلت عقيدتهم وقناعاتهم العامة في هذا الاتجاه؛ إذا ما نُظر إلى كتبهم يتبين أنهم جعلوا الإمامة واحدا من أسس الإيمان الخمسة، وعلى هذا ينبغي أن يكون الإمام من نسل عليٍّ رضي الله عنه، ولا يمكن أبدا أن يكون شخص آخر إمامًا؛ واعتبروا مثل هذه المسائل الفرعية مسائلَ متعلقة بأركان الإيمان فتسببوا في اختلافات مرعبة جدا.

إن كانت حقيقة العلوية حبَّ عليّ رضي الله عنه والارتباطَ بأهل البيت فإننا جميعا علويون، وكتبُنا في التصوف وعالمُنا الأدبي شاهد على هذا، وعند تناول هذه الآثار ودراستها يظهر أن كلا منها يمتلئ من أوله إلى آخره بمحبة أهل البيت؛ ليس من الصحيح أن تُتجاهل المسائلُ المتعلقة بالأصول بينما تطرح المسألة بجهتها الخاصة بالفروع.

قد ذكرت من قبل مرارًا أني تربيت بحب عليٍّ (رضي الله عنه) باعتبار المناخ العائلي الذي نشأت فيه، وكان هو يتبادرُ (رضي الله عنه) إلى ذهني مباشرة ما إن يُقال “البطل”، وكان يتجسد في ذهني إنسانا يقطف في مرة واحدة خمسين رأسا إذا ما سلَّ سيفه في ساحة الحرب؛ فإن كان هذا هو ما يحكم على مشاعري فمن الطبيعي أن أكون مجنونا بسيدنا عليّ، لقد تربع حب عليٍّ في روحي وفي خلايا عقلي لدرجة أنني عانيتُ محاولا أن أضع عليّا مع الخلفاء الثلاثة في الصف نفسه فأحقق التوازن في هذا الموضوع.

مفاتيح الحب تفتح أصدأ الأقفال

أما ما يجب فعله اليوم على الرغم من كل ما وقع في الماضي فهو مَدُّ أيدينا للجميع دون تفريق بين علويّ ونسطوريّ وسريانيّ، والإحسانُ إليهم، وبهذا يمكننا إبطال تأثير الأمور السلبية التي يمكن أن تستغلها بؤر الظلام الداخلية والخارجية؛ وقد قلت فيما مضى بشأن المشكلة المتعلقة بشرق تركيا: لا بد أن تُوفر الإمكانيات لأن تُبرَز من جديد تلك المروءةُ المكنونة في روح أمتنا وطبيعتها، وأن تُجعل هذه الأنشطة دائمة بإحداث تغيير صيغي مستمر؛ فيمكن مثلًا تنظيمُ فعاليات مختلفة في تلك المِنطقة استفادة من الليالي المباركة، فإن كنتم بإحيائكم ليلة في أحد الجوامع تنثرون النور على ليلهم وتنيرون الظلام، فهذا يعني أنكم تضطلعون بفعالية مهمة في سبيل العثور على نقطة مشتركة لفتح القلوب؛ وإن عُيِّن إلى هذه المنطقة ذوو البصيرة من المحافظين ومديري الأمن والأطباء والدعاة ورجال الدين، واجتهدوا هم لتضميد جراح المجتمع، فستفشل بمرور الزمان كل هذه المؤامرات، ينبغي معالجة المشكلات بمفاتيح الحب التي تفتح كل باب، بأسلوب مولانا جلال الدين الرومي وبنظام يونس أمره وبرحابة ضمير عالمية. أجل، إن كان هناك شيء يقدر على حل المشكلات من جذورها فهو استيعاب الجميع وفتح قلوبنا لهم، وبهذا يمكننا فتح القلوب كلها.

قد تقمعون المشكلات مؤقتا حين تسعون لحلّها بالقوة، إلا أنه لا يمكن الحديث عن مشكلة بشريَّة حُلّتْ تماما بالقوة، ربما تقمعون المشكلة من جهة ما باستخدام القوة إلا أنها تظهر مجددا من مكان آخر وبشكل آخر؛ ويمكن القول إن الفتن تضم في جنباتها نوعًا من “التناسخ”، فستواجه الإنسانيةَ بأشكالٍ وأوصافٍ جديدة إلى أن يُقضى عليها تماما؛ ومن ثم فالقوة تمثل -في جانب منها- واحدا من أعظم الموانع التي تعترض إعمال العقل والمنطق إعمالا تاما، يعني أنكم حين تفكرون في حل مشكلة ما بالجبر والقهر على الآخرين وقمعِهم، تعجزون عن استخدام عقلكم ومنطقكم استخداما كاملا؛ نعم، إن لوجود القوة حكمة، إلا أنه يجب أن تكون دائما تحت توجيه العقل والمنطق والحكمة والفراسة وتخضع لسيطرة الضمير والإنصاف. وأظن أن التصرف والتحرك بهذا الفهم في حل مشكلة انتقلت إليكم عبر التاريخ إنما يعني أنكم دخلتم في طريق حل يُبشّر بالأمل.


[1]  عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فِيكَ مَثَلٌ مِنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أَبْغَضَتْهُ يَهُودُ حَتَّى بَهَتُوا أُمَّهُ وَأَحَبَّتْهُ النَّصَارَى حَتَّى أَنْزَلُوهُ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي لَيْسَ بِهِ» ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلَانِ: مُحِبٌّ مُطْرٍ يُفْرِطُ لِي بِمَا لَيْسَ فِيَّ، وَمُبْغِضٌ مُفْتَرٍ يَحْمِلُهُ شَنَآنِي عَلَى أَنْ يَبْهَتَنِي. (مسند أبي يعلى 406/1)

تأملات حول عيد الأضحى

Herkul-ARB | | العربية

إن عيد الأضحى رمزٌ للبطولة والتضحية والإخلاص والتسليم منذ عهد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. إنه يهِلُّ علينا محفوفًا بالتكبيرات الهادرة مشبهًا جيوشًا إلى ساحة الحرب غادية، ويتحول إلى ولولة تُدوّي في كل الأنحاء، تتداخل فيها أصوات موسيقية شعرية مع أصوات المعارك معلنةً الحقَّ هادرةً بصخب عميم.

البيوت في عيد الأضحى والشوراع والمساجد والجبال والأحجار تهتز بفعل التكبيرات وتدوّي صدًى؛ وبينما أصوات التمجيدات  ترتفع من المآذن السامقة مصحوبة بأكثر النغمات سحرًا إذ بها تنساب متماوجة إلى أعماق بيوتنا، ويرتعش الريف والحضر، والقصاب والمدن، والواحات والوديان بمأمآت النعاج والحملان. ففي تلك الفترة الزمنية المباركة يصير أكثر الناس وكل شيء ومكان وكأنه لسان ينطق فيعبر عما بداخله يُكنُّ؛ فيفيض عرفات ويحتشد بالناس كيوم الحشر، ويتنفس خوفًا ورجاء وكأنه ميدان الحساب.. والمزدلفة ومنى تترنمان بهمَكَة وتلبية السائرين في جنباتها.. أما الكعبة فتنبض كما تنبض قلوب المتعطشين للمغفرة، المتحرقة صدورهم شوقًا وحسرة.. وكل هذه النفحات تبلغ أبواب السماوات وكأنها صيحات العباد المكرمين الواقفين بين يدي الله وقفة احترام وإجلال، فبفضل هذه الأصوات التي تلقن الخلود والأبدية نصبح وكأننا نترنم بأحاسيسنا غيرِ المحدودة وخيالاتنا غير المتناهية، فتنفتح خزائن عواطفنا كلها.. وتتناثر مشاعرنا الخفية كلها في كل حدب وصوب كحبات مسبحة انفرط عقدها، وكلما عشنا الشوق والطرب اللذين يُنسّمان على قلوبنا كرياح الجنة، وسمعنا هذه الأصوات الساحرة التي تُرغي وتزبد في كل جهة فتبلغ عتبة الحق نصبح وكأننا نرتشف إكسير الحياة المنساب من الشوق والعشق وسحر العيد.

حينها نشاهد طريقنا الذي نسير فيها من أعلى تلك القمم التي رفع قلوبَنا إليها الفوزُ بالإيمان وعبادةُ الحق والوعيُ في العبادة، ونطالع كتاب قَدَرنا فنقول: “ها هو ذا الكتاب!”، ونسعد كثيرًا بحسن طالعنا. فطعمُ ذلك الفوز وهذه المواهب ولذّتُها تلفّ أرواحنا بلطف عميم لدرجة أن أعيننا تنفتح وتُغمض شكرًا وعرفانًا وتُورقُ مشاعرُنا كما الربيع.. فإذا بالإلهام الواصل أرواحَنا المخالطَ لها والأدعيةِ والمناجات والتضرعات التي ترتقي من أرواحنا إلى السماوات بأجنحة من العناية الإلهية، تبدو وكأنها تتمثل معنى وحالًا وتأثيرًا سماويًّا يفوق طبائعنا. فكل ساعة وكل دقيقة وكل عمل وكل إمكان وقدرة جديدة تكتسب قيمة تؤهلها لأن تُستثمر بعمق أكثر وتُستغل بدقة أبلغ، وحينها تنطق الضمائر المنفعلةُ باللذائذ الروحانية داعية: “اللهم زِد من لطفك ونعيمك!” راغبة أن تكون أكثر بهجة ووجدًا.

كلما تدثرت أيام العيد بلذائذ روحانية تنبع من العبادات، وبنشوة العبادة التي تنبع من اللذائذ الروحانية في المناخ المُبهج للدين والعادات المشروعة، شعرنا بجلاءٍ أننا اكتسبنا وجودًا آخر جديدًا وأننا حظينا بالخلود، وانفتحت صدرونا بحيث تستوعب المكان والأكوان، واستنارت مشاعرنا ومداركنا بالواردات الإلهية، ونُحسُّ أن جوانبنا المادية قد انحلّت تمامًا وأننا صرنا شيئًا معنويًّا روحانيًّا، فنتطلع إلى الوعود الأزلية التي يبثها الإيمان دومًا في قلوبنا.

كثيرًا ما نُحس أيام العيد وكأننا نحلق في الهواء بالمشاعر المفعمة التي نعيشها، أو أننا نتزحلق نحو إقليم الروح في طريق بهيج متناغم مستوٍ؛ ونرقّ ونَظرُفُ ونتناغم كطيور تنساب في كبد السماء يمنة ويسرة دون أن تحرِّك جناحًا، أو كأغصان تهتز بخفة في أعالي الأشجار، أو كالأزاهير تُداعبها الرياح بلمساتها فتنثر عبقها وروائحها كلما داعبتها فانحنت أو انتصبت على سوقها.

ونغوص أحيانًا في الرقة تمامًا، فننهمك في البكاء تأثرًا بكل تكبيرة وتهليلة وصوت أخروي نسمعه حيث إن الدموع تبلّلنا من رؤوسنا إلى أخامص أقدامنا؛ وأحيانًا تلُفُّنا النشوة لفًّا فنحسب أننا نتجول في السماء نركب ألعابًا نارية والأنوارُ من حولنا.. وأحيانًا ما نكون كالمتجول بين النجوم فوق سجادة سحرية، بل ونلين أحيانًا بمأمآت الخراف والحملان، فنتأثر ونذوب داخليًّا كالشموع بفعل طيف من الأحاسيس الغريبة.. وأحيانًا ما نرى كل هذا في تناغمٍ طبيعيٍّ حكيمٍ يُحير العقول حتى إننا نقول: “لا شيء يمكن أن يكون أروع ولا أكمل من هذا!”، ونُفتَنُ أمام نقوش القدر المُلغزة الساحرة.

وما يعتلي من المآذن من أذان وتمجيد، وما يفيض من المساجد مدوّياً في كل الأنحاء من تكبير وتلاوة للقرآن الكريم، وعكسُ الصدى الذي تُحدثه كل هذه الأمور في الضمائر… قد ينقلب شعرًا ويفيض إلى نفوس الناس ويسحرهم، فليس لعالمنا القلبيّ متعة تساويه في عمقه وإيقاعه، ولاسيما حين تختلط بهذه النفحات ريحُ الصبا وكأنها موسيقى تصويرية فإن نشوتنا ترتقي مرتقى لا قبل لوصفه وتفيض مشاعرنا كالطوفان.

وخاصة في الحج نعلن بأعلى صوتٍ أخفى مشاعرنا وأجلَّ أفكارنا بالتكبيرات والتهليلات التي هي لسان كل شيء ولهجتُه، ونعبِّر عن أدق أحاسيسنا بأكثر النغمات حرقةً كأننا نتدرب على يوم الحشر؛ وأمام هذه اللوحات المؤنسة المُرعشة وبتلك الكلمات الفطرية العميقة نتجول في أماكن متباينة ونؤدي مناسك متعددة، نفعل ذلك وقد أدرنا ظهورنا لجنهم والنيران، وعيونُنا باتت مستغرقة بتأثير الأسحار اللائحة من الجنان، وقلوبنا تنشد من الله الرضوان…

وبهذه المشاعر نتجاوز حدودنا بالتمام، ونتخلص من أنانياتنا على الدوام، فنقيم عروشنا على أفق القلب والروح؛ ونعصف يمينًا ويسارًا رمادَ البدن والجسمانية بجوانبه الدنيوية، فنُشعل من جديد تلك الشرارات التي أتتنا من الجنة وما زلنا نحفظه في إحدى زوايا وجداننا.. وتحت ذلك اللهب وتلك الحرارة وذلك النور نُسّلمُ على وجودنا الجديد هذا ونحيّيه تحية تنبع من أعماق قلوبنا ونتبسم لطالعنا.

التضحية والتوازن في الإنفاق

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: هل للخدمات التي تُؤدّى ابتغاء مرضاة الله تعالى حدٌّ؟ وما هو معيار التضحية المادية والمعنوية لمن وقف حياته على الخدمات التربوية والتعليمية؟

الجواب: تعلمون أن الناس ليسوا سواء في صلتهم بالله تعالى، فبينهم فروق ربما تبلغ ما بين الثرى والثريَّا؛ وبتعبير آخر، فإن صلة كلِّ إنسان بالله تكون بقدر إيمانه، ومعرفته، ومحبته، وعشقه وشوقه إليه تعالى؛ فمثلًا هناك أناس يطبقون أوامر الدين كلها بحساسية ودقة بالغة، وليس هذا فحسب، بل يبحثون عن سبل التقرب إلى الله تعالى بالنوافل، وهناك آخرون يؤدون الفرائض فحسب؛ لكن لا يمكن قطعًا الاستهانةُ بأي صلة بين العبد وربّه مطلقًا؛ فالاستهانة بها استهانة بشيء عظَّمه الله؛ وبشيء من التفصيل نقول: في هذه الأرضية الزلجة اليومَ إن من يشهد الشهادتين، ويؤدي خَمْسَه ويصوم شهره المبارك، وزكاتَه وحجَّه إن اجتمعت فيهما شروط الوجوب، ويثْبُت أيضًا حيث يجب الثبات رغمَ ما يتعرض له من طعنٍ وتشنيع وصنوف من الاعتداءات، فهذا يعني أنه وقف موقفًا عظيمًا، وإننا على ثقة بأنه سيحظى في الآخرة بألطاف الله الأبدية؛ ذلك لأن كل عملٍ يُؤدَّى في مثل تلك الظروف ابتغاء رضوان الله له فضيلةٌ ذات قدْرٍ عنده تعالى؛ فينبغي ألا تُزدَرَى مطلقًا أيةُ تضحية يبذلها أشخاص يتمسكون بخدمة الحق بأموالهم وأنفسهم، ولا بد من تقدير كلِّ ما يقدِّمونه وتبجيلِه.

ضرورة تشجيع الجهود بتقدير الأعمال الخيرية

عندما ننظر إلى الموضوع من ناحية الإنفاق يتبين أن ثمة اختلافًا في المستوى حتى بين الصحابة الكرام في عصر السعادة؛ فمثلًا حين دُعُوا إلى الإنفاق في سبيل الله قبل غزوة تبوك تصدق سيدنا أبو بكر رضي الله عنه بماله كله، فلما سأله الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلّم: “مَا تَرَكْتَ لِأَهْلِكَ؟ قال: “تَرَكْتُ لَهُمُ اللهَ وَرَسُولَهُ”؛ إنها مرتبة الصديقية، إنه مؤمن صادق مع الله ورسوله صلى الله عليه وسلَّم، ونموذجٌ مثاليّ في الالتزام بالإسلام؛ أما سيدنا عمر رضي الله عنه فتصدق بنصف ماله؛ ونؤكِّد هنا أنه ليس لنا أن نقول: إن سيدنا عمر متأخر مطلقًا عن سيدنا أبي بكر، فهذا سوء أدب مع الفاروق رضي الله عنه؛ لأن له فضائل وخصائص يفضُل فيها غيره؛ أما سادتنا الصحابة مثل عثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، فتصدق كلٌّ منهما بنحو خمسمائة بعير، وهذا في عرف عصرنا كالتبرع بخمسمائة سيارة اليوم، وأضفى سيدنا عليٌّ رضي الله عنه على هذا الأمر عمقًا متميزًا من أعماق الإخلاص؛ فأنفق بعض ماله سرًّا، وبعضه علانية؛ فكان بإنفاقه علنًا يقدِّم أسوة حسنة للآخرين، ويبيّن أنه لم يتخلف عن فعل ما فعله غيره، وكان بإنفاقه سرًّا يرغب ألّا يعلم بذلك أحد إلا الله تعالى؛ وإلى جانب هؤلاء لا سيما في الفترة الأولى، شارك آخرون في قافلة الخير هذه بالتصدق بحفنة من التمر، أو بقليل من المال؛ أجل، أولئك تصدقوا بكل مالهم، وكان هناك من تصدق بنصفه، وبربعه أو عشره، وطبيعةُ البشر هي التي اقتضت أن يكون الأمر على هذا النحو دائمًا؛ فلا بد ألّا ننسى أن هذا الأمر نفسه قد يحدث اليوم، فينبغي تقدير حتى أصغر التضحيات واستحسانها.

وليُعلَمْ أن تقدير التضحيات الصغيرة واستحسانها هو جانب من القضية؛ أما الجانب الآخر منها فهو السعي الحثيث للنهوض بمستوى الناس، ووضعُ أهداف جديدة لهم بالإشارة إلى أبواب خير جديدة؛ ذلك لأنّ ثمة كثيرًا من الأعمال الطيبة الصالحة التي يمكن أن يضطلع بها الإنسان إلى جانب ما قام به من أعمال ضرورية؛ ومن هنا فلا ينبغي له أن يكون ضعيف الهمة ألبتة، بل عليه أن يُعليَ همته دائمًا وأبدًا، عليه أن يسعى كل صباح من جديد لأن يكون أعمق شعورًا بالله تعالى في وجدانه، ويجتهد لتزيد معرفته بروح الدين، ويبحث عن طرق أخرى لتقوية صلته القلبية برسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم، وعليه أن يحاول في تحسين مستواه ويرقى به دائمًا، وينبغي ألا يقف أبدًا عند المستوى الذي بلغه، بل يتحتم عليه أن يَنخَسَ حصانه دائمًا قائلًا :”هل من مزيد؟”، ويمضي به إلى الأمام قُدُمًا، بل إن وَصَلَ ذات يومٍ إلى مرتبة الفناء في الله والبقاء بالله، يعني إنْ تلاشى كلُّ ما سوى الله تعالى في عينيه أمام شعاعات “سُبُحات وجهه تعالى”، وذاب الكون في عينيه وزال بتاتًا، ورمى بالزائل الفاني ونحّاه جانبًا، وحظي بوجود أبديّ بعد أن فني بجوانبه الجسمانية والنفسانية، وبُعثَ بعثًا آخَر بقلبه وروحه وأحاسيسه، ورأى أن رأسه تلامس سماء النقطة التي يستطيع أن يبلغها، فعليه -رغم هذا كله- أن يُعليَ همته أيضًا دائمًا داعيًا: “اللهم مُنّ عليّ بقابليات فوق قابلياتي، وأمطر عليّ نعمك وألطافك زخًّا زخًّا بأن تجود بانكشاف منهمر لقابلياتي”.

أجل، مهما كانت مستويات الناس متباينة مختلفة، سواء في حياة الروح والقلب أم في خدمة الحقّ، فلا بد أن نعلم أن طريق الترقي والسمو مفتوح دائمًا حتى لمن لا يستطيع القيام إلا بأقل ما يجب؛ فكلما أحسّ هؤلاء في أنفسهم بجوهر الخدمة التي وُكلت إليهم وبأصلها، تمسكوا بها بإخلاص أكثر، وأصبحت كلُّ هذه الأمور بعد حين سجيةً فيهم بفضل اضطلاعهم بالخدمات الواجبة عليهم، وكأنهم بذلك ينقشونها في قلوبهم، حتى إنه لو جاء يومٌ لا يُحتاج إليهم فيه، ولا يُطلب منهم شيء في سبيل خدمة الحق، ولم يُنادَوا أن “هلمّوا، فاحملوا مِن هذا الأمر” لأحسوا أنهم في فراغ عميق، ورأوا هذا الحال كأنه الموت، وتَلَوَّوا أسًى، وراحوا يبحثون عن سبل مختلفة للإنفاق، لكن بلوغ مستوى كهذا مرهون بالزمان؛ ومرتبط بالتمسك بذلك العمل بصبر إيجابي فعّال، وباستيعاب ذلك العمل.

ضرورة معرفة المخاطبين معرفة جيدة

وثمة رؤية تضفي على الموضوع وضوحًا أكثر، وهي أن بعضهم يُقيّمون المسألة في ضوء حدود التشريع الذي كان في المدينة المنورة، فيكتفون بأداء الفرض، فإن أخرجوا رُبعَ العشر أو العُشْرَ في الزكاة فقد قاموا بواجباتهم؛ وهناك من يتناول المسألة وفقًا للإطلاق الذي كان في مكة المكرمة، -إذ لا حدّ للإنفاق المأمور به في الآيات المكية- فيسعى لبذل أقصى ما يمكنه بذله، فعلى رُوّاد خدمة الحق وعلى المرشد الداعي لإلحاق الآخرين في هذه الإسهامات الخيرية أن يتصرفوا بفراسة وحكمة، فليتعرفوا جيدًا على مخاطبيهم؛ فإن حدث أن تَقَالُّوا الأعمال المنجزة، أو همّوا أن يُحمِّلوا الناس ما لا يطيقون، فقد يتسببون -نسأل الله السلامة- بأن تظهر مشاعر الاستكراه لدى مخاطبيهم.

وإليكم واقعة أتذكرها كأنها حدثت اليوم، لتكون معيارًا في هذا: دعوتُ الناس للمساعدة في سكن الطلاب “بُوزْيَقا” بإزمير، ألقيتُ كلمة عن أهمية المسألة ثم توجهت نحو غرفتي التي أُقيم فيها ضيفًا، فصعد أحدهم الدرج مسرعًا، وجاء إلى جواري، كنت أعرفه، تقاعد من إحدى الدوائر الحكومية منذ مدة، واشترى بيتًا بمكافأة التقاعد، فسلّمني مفاتيح البيت وقال: “تعهد كلٌّ بشيء، ولا مال لي سوى هذا، فهو في سبيل الله”؛ وأمام هذه اللوحة التي تثير المشاعر وتدمع العين قلت له: “ليس في الدين تكليف بمثل هذا”، وأعدت إليه المفاتيح، ثم أردفت قائلًا: “اذهب، اسكن أنت وأهلك وبنوك في بيتك، وكلما أعطاك الله أنفق”. ففي رأيي أنّنا إن لم نتناول الأمر بمثل هذا التوازن فربما نكون قد خالفنا قول الله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 2/256). أجل، لا إكراه في الدين سواء في دخول الناس في الدين واعتناقهم له أم في الأعمال التي تُنجز لتطبيق الدين وإحيائه.

أجل، الإسلام قائم على قاعدة اليسر، فإن عسّرتم على نحو يتجاوز طاقة بعض الناس، جعلتموه دينًا يستحيل تطبيقه، وواجهتم موقفًا يخالف قصدكم، فحين تطالبون الناس بالكرم وترغبون أن يقدموا ما عندهم جاءت الأحداث على غير ما تأملون ومُنِيتم بالهزيمة، لأنكم جعلتم الدين شيئًا لا يُطاق؛ قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَه” (البخاري: الإيمان، 29؛ النسائي: الإيمان، 28) ومن هنا فعلى المرشدين الذين تحملوا مسؤولية هذا العمل أن يتحركوا بحكمة وفراسة وقد تعرفوا على مخاطبيهم جيدًا، وأن يدركوا من ينبغي أن يُدعَى، وبماذا يقوى، وماذا يستطيع؟

ينبغي ألا ننسى أن التصرف بحكمة على هذا النحو خُلُقٌ إلهيٌّ أيضًا؛ قال الله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 286/2)؛ فلا بد من إرضاء الناس باستحسان الأعمال الجميلة التي أدّوها، واللجوء إلى السبل التي تَزيد شوقهم وشغفهم بفعلها بدلًا من تكليفهم بأعمال تفوق طاقاتهم، فتهلكهم.

ديمومة الإنفاق

إنّ أخذ ما في أيدي الناس من إمكانيات بإكراههم على الإنفاق ينجم عنه تعطيل عجلة الإنتاج وتوقفها، في حين أن دوران عجلة أعمالهم ينمّيها، فينفقون من بعدُ أكثر في سبيل الله، فأبطال الإنفاق في سبيل الله ممن لا يسأمون الإنفاق لو بلغ بهم العشقُ والشوق مبلغه فأرادوا بذل ما بأيديهم كله، لوجب عليكم في هذا الأمر التصرفُ بتوازن، والتفكيرُ في مستقبل الأمر، ومراعاةُ الاستمرارية فيه.

والخلاصة أن مجالات الخدمة كثيرة، تقتضي تضحياتٍ كثيرة متنوعة، فعلى المسؤولين أن يقوموا بتغيير وتجديد مستمر في صيغة الأمر حتى يخلصوه من الرتابة، وليقدموا في كل مرة القيمَ التي آمنوا بها بلون جديد، وزخرفة جديدة، ولهجة جديدة، فيكوّنوا لدى المخاطبين موجةَ عشق وحماس مستمرة، لكن بشرط ألا يخلّوا بجوانب الأمر المرتبطة بالمحكمات؛ واذكروا أن “لكلّ جديد لذة”، ومن هنا فما ستقدمونه من رسائل باستخدام وسائل متنوعة سيُشكّل مذاقًا جديدًا، ونشوة جديدة، فيحظى بحسن قبول المخاطبين؛ وخلافُ ذلك يجعل المسألة رتيبة، ويرسِّب لدى الناس شعورًا بالاعتياد، وهو ما يؤدي إلى الملل، فيضعف تأثير رسائلكم في القلوب.

نحو أفق الرضا

Herkul-ARB | | العربية

سؤال:رَضِينَا بِالله رَبًّا وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم) رسولًا” (البخاري: العلم، 29؛ مسلم: الصيام، 36) ماذا يعني إقرار المؤمن بهذا؟ وكيف يُقال هذا الذكر المبارك؟

الجواب: بشّرنا سيد الأنام صلى الله عليه وسلم فقال: “مَنْ قَالَ إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُرْضِيَهُ” (أبو داود: الأدب، 110) أي هذا الإقرار الميمون ذكر مبارك على المؤمن أن يتخذه وردًا صباح مساء؛ فهو هنا يقرّ أنه رضي بالله، فهو إذًا راضٍ بكل تصرفاته تعالى؛ وأنه قبل بالإسلام نظامًا إلهيًّا، ورضي عنه، ورضي كذلك بسيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم رسولًا، وسلَّم برسالته؛ فالطريق إلى الإيمان الحقيقي يمر أصلًا من شعور واعتقاد وإذعان كهذا. فرسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا بهذا الإقرار النفيس حقيقة مهمة، ويحُثّ المسلمين بالإشارة على القيام بأعمال تبلّغُهم أفق ذاك الرضا الذي أقروا به بألسنتهم، إقرارًا من شأنه أن ينمِّي هذا الحسَّ في قلوبهم ويعمِّقه ويؤصِّله.

قطب مرتبة الرضا

أثبت مطلع إقراره هذا أنه صلى الله عليه وسلم قطب مرتبة الرضا، وذلك بقوله “رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا” وبحياته السَّنية المخلصة لهذه الحقيقة الشاهدة عليها؛ أجل، إنه عليه الصلاة والسلام في القلب من مركز مرتبة الرضا؛ فلنعلم في كل مرة نقول فيها “رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا” أنه سبقنا إليها، وعلينا أن نقتدي به، بل حتى لو حلّق إنسان نحو السموات، وناداه ربّه مباشرة “إني عنك راضٍ”، بل وأجلسه -فَرَضًا- مع سيد السادات جنبًا إلى جنب، وأنعم عليه بالإلهام والورادات كما أنعم على الرسول عليه الصلاة والسلام بالوحي، وألقى في روع كلّ منهما الأمر نفسه، لوجب دائمًا على ذلك الشخص أن يرى الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم المرشدَ والهادي؛ لأنه ما وصل إلى ما وصل إليه من حسٍّ، وفكر، ومنطق، وفهم، وتدبر وتأمل إلا بفضله وفي ظل إرشاده صلى الله عليه وسلم، ولولاه لكانت دنيا ذلك الإنسان وآخرته سجنًا حالكًا؛ فإقرار الإنسان بداية طوعًا وقصدًا بأن سيد السادات صلى الله عليه وسلم هو المرشد والمعلم واتّباعه له أمرٌ مهمّ جدًّا لبلوغ أفق الرضا.

وبينما يبلغ البعض بالسير والسلوك الروحاني رتبة ما توثِّق صلتهم به عليه الصلاة والسلام، قد يسقط بذلك من لا يَزِن كل شيء بميزان الشريعة في شطحات وطيش -نسأل الله السلامة-، وقد يقول هذا حينئذ: “سبق نوري نورَه (صلى الله عليه وسلم)”، والحقّ أنه صلى الله عليه وسلم هو النور كله من أوله إلى آخره، وليس لأحد أن يبلغ ذلك النور ألبتة، ولا ذلك المقام الذي أحرزه.

وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا” معناه أنه رضي بالإسلام نظامًا إلهيًّا، أجل، فلا أحد ألبتة وَعَى الإسلام وفهمه مثلما وعاه وفهمه هو، ولا أحد رضي عن هذا النظام الإلهي ووقف حياته عليه، ولم يكن له همٌّ سوى إقامته مثلُه هو؛ ولو اجتمعت صديقية أبي بكر رضي الله عنه، وفاروقية عمر بن الخطاب رضي الله عنه، واستمساك سيدنا عثمان رضي الله عنه بالقرآن الكريم وعِشقه له، ورتبة سيدنا علي رضي الله عنه بطلِ الروح والقلب، لما عُدَّت شيئًا بجانب مرتبة رضا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالإسلام، ولا يذهبن بأحد الوهم إلى أني أستخف بهؤلاء الأعلام العظام، بل إنما أردت أن أؤكد على عظمة العظيم، وبيان عظمة رضاه بالإسلام.

وأخيرًا يذكر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله “وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا” أنّه راضٍ برسالته هو، والأصل في الحبيب الأكرم عليه الصلاة والسلام التواضع والفناء، حتى إن كلّ ما يفعله يفعله بوصفه عبدًا لله، فيأكل مع خادمه، ولا يأكل  حتى يأكل معه، ولا يرى لنفسه فضلًا على أصغر إنسان، وقد شُرِّف مع هذا كلِّه بمهمة الرسالة “القول الثقيل”؛ ويستحيل أن يكون الإنسان مسلمًا ما لم يشهد أن “محمدًا رسول الله” مع شهادته أن “لا إله إلا الله”؛ لأن الإيمان برسالته ركن أصيل من أركان الإسلام والإيمان؛ وهنا يبدو كأن هناك تناقضًا صُوريًّا بين تواضع سيد السادات الفريد النادر وإعلانه مهمة الرسالة، وبناء على هذا فإن قوله صلى الله عليه وسلم “وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا” -مع تواضعه الفائق- له مغزى عميق؛ نعم، ما قال هذا إلا لأنّ هذه الحقيقة تقدير من الله وتكليف لا يسعه صلى الله عليه وسلم نفيُه ولا إخفاؤه تواضعًا.

الشعور بالرضا على قدْرِ المعرفة

كيف يقال هذا الذكر المبارك؟ من المهم جدًّا أن يؤدِّي الإنسان هذا الذكر بعشق واشتياق ينبعث من أعماق قلبه بعد أن يتحرر من الغفلة والألفة، والأصل أن الرضا بالله وبرسوله وبالإسلام رهنٌ أوَّلًا بمعرفتهم معرفةً كاملة؛ فمحبة العارف على قدر معرفته، أما الجاهل فلا يبالي بما يجهله؛ ومن ثم فإنه يستحيل عليكم بلوغ أفق الرضا ما لم تعرفوا الله بعظمته وجلاله وأسرار ربوبيته وأسرار ألوهيته حق المعرفة، ويستحيل عليكم أن ترضوا حقّ الرّضا برسالة مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم إن لم تعرفوه بفضائله وخصائصه، كما يتعذر عليكم بالشكل نفسه أن ترضوا بالإسلام إن لم تعرفوه بسعته وعمقه، وأصوله وفروعه.

وجفاء الكثيرين اليوم لمفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم مردُّه إلى جهلهم به وعدم تعرفهم عليه، ولو أننا استطعنا إشعال شمعة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلوبهم، لشُغفوا به وحظوا بالتعرف عليه، نعم فكما أن الشوارعَ لا تتيح فرصة التعرف عليه، فكذا المدارس والبيوت، بل المساجد كذلك لم توفر إمكانية التعرف عليه بالشكل اللائق؛ فنشأ هؤلاء محرومين من التعرف على مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم؛ فالحمد لله وله المنة أنه ما زالت تتلألأ في قلب إنساننا –رغم كل هذا الإهمال الذي تعرض له- معانٍ خاصةٌ به صلى الله عليه وسلم، وأنه ما زال يشهد “أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله”.

الإلحاح في الدعاء لتحصيل أكبر نعمة

لما كان الرضا نعمةً أكبر بكثير من الجنة ونعيمها، وجب أن نرفع أيدينا إلى الله، ونضرع إليه بالدعاء دائمًا قائلين: “اللهم بلِّغنا أفق الرضا”؛ أجل، علينا أن تكون أنفاسنا قائمة على “اللّهُمَّ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى”، ونستشعر دائمًا “اللّٰهُمَّ عَفْوَكَ وَعَافِيَتَكَ وَرِضَاكَ”؛ لأن الله تعالى وعد بأنَّه سيمُنّ على الإنسان بما يطلبه بصدق وإخلاص، لكن لا بد من الإلحاح في هذا؛ لأن استجابة الدعاء قد تتأخر بضع سنين أو عقودًا، فإن كنا نرغب بأن يرضى الله تعالى عنا، وتنبض قلوبنا في كل لحظة بالرضا عن تدبيره فعلينا أن نتضرع ونبتهل عشرًا بل عشرين سنةً لتتحقق هذه الغاية.

وأعتقد أن تحقيق هذا ربما يقتضي الدخولَ في “ماراثون” دعاءٍ طويلٍ؛ فالحق تعالى بيّن بقوله: ﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [سُورَةُ التَّوْبِةِ : 72/9] أنّ الرضا الإلهي أسمى وأعظم من دخول الجنة ومن الفردوس ورؤية المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ إلّا أنني أظن أنه لا أحد منا دعا الله بالرضا زمنًا طويلًا بهذا القدر، إننا لم ندعُ الله “اللهم رضاك، اللهم رضاك…” خمسًا وعشرين سنة مثلًا، ولم نتذلل له، وليس هذا الأمد فحسب، بل لو طال بنا العمر لكان علينا أن نتضرع ونبتهل مئات السنين.

وبهذا حدد رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم للمسلمين هدفًا علويًّا سامقًا، فوقع على عاتق المسلمين السعي الحثيث لتحقيق هذا الهدف؛ فعلى كل مؤمن أن يتبنى ذلك الهدف ويُعنَى به، فمن يحدد لنفسه هدفًا يمضي حياته أملًا في تحقيقه، حتى إن ذهنه كثيرًا ما ينشغل به أثناء وضوئه أو مشيه إلى المسجد، بل حتى أثناء صلاته؛ فهذه الأفكار التي يرددها في ذهنه وينشغل بها دائمًا يتقبلها الله تعالى منه كأنها دعاء، ولا يُخيبها سبحانه؛ فالذي يجب علينا إذًا هو السعي المتواصل  لبلوغ أفق الرضا الذي حدده رسول الله لنا هدفًا، وأن يكون حديثنا دائمًا عنه، وأن نحيا به ونفكر فيه في أحوالنا كلِّها.

العلاقة بين الرزق الحلال والعمل الصالح

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: يقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ: 51/23)؛ فما العلاقة بين الرزق الحلال والعمل الصالح؟

الجواب: اعتُني بأمر الحلال والحرام في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة أيما عناية، حتى عبر أهل العلم بالكتاب والسنة عن هذه العناية بقولهم: “الدِّينُ المعَامَلَةُ”، أي الإسلام هو معرفة الحلال والحرام، والبناء عليهما؛ ومن كلام سيدنا عمر (رضي الله عنه) في أهمية هذا الأمر: “لَا تَنْظُرُوا إِلَى صَلَاةِ أَحَدٍ وَلَا إِلَى صِيَامِهِ، وَلَكِنِ انْظُرُوا إِلَى مَنْ إِذَا حَدَّثَ صَدَقَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ أَدَّى، وَإِذَا أَشْفَى وَرِعَ” (البيهقي: السنن الكبرى، 288/6)؛ ولا ريب أن التكاليف كالحج والصيام والزكاة عبادات قيّمة جدًّا عند الله تعالى، وذات فضائل كثيرة، فلا يسع أحدًا أن يستخف بها، لكن عناية الإنسان بمطعمه ومشربه وملبسه، وتعظيمه لحقوق الفرد وحقوق العامة على حدٍّ سواء، وقضاءه عمره كله إحقاقًا للحق؛ أي أن يقضي حياته بمنتهى الدِّقة والحذر في أمر الحلال والحرام، فهي قضيةٌ أساسيةٌ لا محيد عنها في الإسلام؛ ولك أن تقول: لتطبيق هذا على واقع الحياة أمثل تطبيق أشقّ من العبادات الفردية؛ فعلى من يمثّل الإسلام ويطبّقه بحق أن يتتبع الحلال ويتحراه، وأن يصبر على ترك الحرام، وأن يستقيم على ذلك، وألا تتسلل إلى جوفه أبدًا ولو لقمة حرام واحدة.

وإذا نظرنا إلى أحوال عباد الله الصالحين وأطوارهم تبيَّن أنَّ كلًّا منهم كان مرشدًا حقيقيًّا للآخرين في هذا الموضوع؛ فتصرفوا بورع وإرادة قوية، بل إن الحق تعالى حفظهم من الحرام حتى في المواقف التي لم يفطنوا إليها؛ أجل، ففيهم من لو مدّ يده إلى حرام يجهل أنه حرام أدرك من رعشة في يده أو تزايد دقات قلبه أن ذلك حرام فكفّ عنه فورًا؛ وهكذا وقع لآخر أن وضع لقمة حرام في فيه خطأً، فراح يلوكها طويلًا، وعجز أن يبتلعها ألبتة؛ ومنهم من علم أن حراما دخل معدته دون قصد منه كان ما إن يدرك ذلك حتى يستفرغ فورًا ويحاول أن يلفظه. مثال هذا أن سيدنا أبا بكر أكل طعاما اشتراه خادمه بمال اكتسبه من العمل بالكهانة في العصر الجاهلي ولم يكن يعلم رضي الله عنه هذا، وسيدنا عمر شرب لبنًا وهو لا يعلم أنها من إبل الصدقة؛ وما إن علم كلٌّ منهما بالحقيقة حتى أدخل أصبعه في حلقه فاستفرغ ما في معدته حتى يبقى فيها شيءٌ، ومعنى هذا أن ورعًا كهذا في اللقمة الحرام وتوقيها أمر ذو أهمية عظيمة في الإسلام.

أعظم وسائل الترقي

تحري الحلال والحرام مهم جدًّا بوصفه تعبيرًا عن مراعاة أوامر الله تعالى وتعظيمه سبحانه، وكل سعي للإنسان يكتسب منه الحلال ويجتنب الحرام عبادة ذات طابع خاص؛ فمقاومة المسلم للمحرمات والبلايا والمصائب بصبر وجلد “عبادةٌ سلبيّة”[1]، وسعيه وبذله الجهد في الرزق الحلال عبادة كهذه تماما؛ تأمل هذا في ضوء كلام الله العظيم: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (سُورَةُ فَاطِرٍ: 10/35). في هذه الآية تصريح بأن الكلمات المباركة مثل: الحمد، والتسبيح، والتكبير، والصلاة على النبي إنما يرفَعها إلى الحقّ تعالى الأعمال الصالحة لا غير، فكلا نوعي العبادة فعلًا كانت كالصلاة والزكاة والصيام، أم تركًا كتجنب الحرام بحزمٍ، والسعي بجد في هذا جناحٌ تحلِّقُ به الكلمات الطيبة إلى الله تعالى؛ فلا ينبغي التهوين من أمر هذه المسألة، فعلينا أن نسعى في طلب الحلال وتجنب الحرام سعيًا حثيثًا.

أجل، التمييز بين الطيب والخبيث في المأكل، وعدم خلط الأشياء الخبيثة بالطيبة، والتصرف بحساسية كاملة في هذا الشأن له ثواب العبادة؛ فمثلًا التحقق من حلّ مكوِّنات العلاج الذي يستخدمه الإنسان، وتحرّيه الحلال في شراء المواد الغذائية، وتثبته من الذبح الشرعي لما يشتريه من الجزار، وتحريه للكسب الحلال، سيرفعه ويسمو به معنويًّا وروحيًّا، أمَّا عدم وفائه بحق إرادته في هذا الموضوع، وعدم اكتراثه فستخبو حياته المعنوية وستتعرض لطائفه لمقتل، ويتسبب في هلاكه.

وقوله تعالى ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 42/5) يصور أسوأ وأقذر حالة لطائفة وهي تأكل الحرام، وفي بعض الأحاديث النبوية الشريفة أن عبادة الإنسان وطاعاته، بل دعاءه أيضًا لن يُقبل طالما جرى في عروقه الرزقُ الحرامُ “السُحت” كما ورد في الآية؛ فمثلًا روي عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: “مَنْ أَكَلَ لُقْمَةً مِنْ حَرَامٍ لَمْ يُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيلَةً، وَلَمْ يُسْتَجَبْ لَهُ دَعْوَةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، وَكُلُّ لَحْمٍ يُنْبِتُهُ الْحَرَامُ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ، وَإِنَّ اللُّقْمَةَ الْوَاحِدَةَ مِنَ الْحَرَامِ لَتُنْبِتُ اللَّحْمَ“. (مسند الديلمي، 591/3).

عاقبة طاعم الحرام الوخيمة

وروى مسلم والترمذي عن أبي هريرة (رضي الله عنه) ما يبين الأثر السلبي للحرام؛ فذكر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمر الله تعالى بالأكل من الطيبات ثم ذكر: “الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟” (مسلم: الزكاة، 65؛ الترمذي: التفسير، 3).

وورد أيضًا: “إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ حَاجًّا بِنَفَقَةٍ طَيِّبَةٍ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، فَنَادَى: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، نَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، زَادُكَ حَلَالٌ، وَرَاحِلَتُكَ حَلَالٌ، وَحَجُّكَ مَبْرُورٌ غَيْرُ مَأْزُورٍ؛ وَإِذَا خَرَجَ بِالنَّفَقَةِ الْخَبِيثَةِ، فَوَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، فَنَادَى: لَبَّيْكَ، نَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: لَا لَبَّيْكَ وَلَا سَعْدَيْكَ، زَادُكَ حَرَامٌ وَنَفَقَتُكَ حَرَامٌ، وَحَجُّكَ غَيْرُ مَبْرُورٍ“. (الطبراني: المعجم الأوسط، 251/5).

أجل، أيُستجابُ لدعاء إنسانٍ مطعمه حرام، ومشربه حرام، ومركبه حرام، وملبسه حرام، وغُذِي بالحرام، أوَيُقبل حجه وهو غارق في الحرام إلى هذا الحد؟! أنى لإنسان غارق في هذا القدر من الحرام أن يقول: “لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ”! حتى وإن قال أفلا تُرد عليه كلماته تلك كأنها خرقة قذرة؟ فما أعظم وأهمّ التغذي بالرزق الحلال والحياة في دائرة الحلال ليُرفَع ما نؤديه من عبادات إلى الله تعالى، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة الواردة في السؤال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ: 51/23) فتغذي الإنسان بالرزق الحلال ذو أثر خطير حقيقي على قبول العبادات والطاعات التي يؤديها.

أمر آخر: ورد الأمر بالأكل من الرزق الحلال الطيب في آيات كثيرة؛ ومرد هذا إلى جهد الإنسان وسعيه في تحري الحلال أولًا؛ فكل حلال يستدعي أشباهه، والحرام كذلك يستدعي أنواعًا أخرى منه، فكل شيء يطلب أشياء من جنسه هو، حتى تشبهه، وتتصف بصفاته نفسها، وتلازمه؛ وكذا تصرفاتنا وأعمالنا وحركاتنا تجري إثر مثيلاتها من الأشياء؛ وتشير إحدى الآيات الكريمة إلى أن الخبيثين بطبيعتهم يقتفون أثر الأشياء الخبيثة؛ والطيّبين بطبيعتهم يقتفون أثر الأشياء الطيبة (سورة النور، الآية 26)؛ ولكم أن تقولوا: النظافة والطهارة والجمال والطيبة تستدعي أشياء جميلة أخرى؛ أما الخبائث والدنس والخبث فتطلب الأشياء الخبيثة دائمًا، فالإنسان حين يقتفي أثر الحلال، ويبذل جهده في هذا الشأن تتكون يومًا بعد يوم دائرة صالحة تنداح في محيط الخير، ويعيش الإنسان حياته في هذا الجو، فيجب التمييز الدقيق بين الحلال والحرام منذ البداية.

انتشار الحرام لا يسيغه قطعًا

المؤسف أن اختلاط الحلال بالحرام في يومنا هذا وضَعْفَ الورع عامةً حقيقةٌ، فعلى الإنسان أن يعلم أن إهمال غيره في هذا الموضوع لا يغني عنه شيئًا، كما تفضل الأستاذ بديع الزمان للنفس: “لو ذهبتِ تنشدين السلوان في معية الآخرين ومشاركتهم لك في المصيبة، فهذا وهْم لا أساس له ألبتة فيما بعد القبر!” (الكلمة الرابعة عشرة-خاتمة) فأكلُ الناس الحرام، ونظرهم إليه، وحديثهم فيه، وإسرافهم في الكلام عنه، وإن بدا أنه نوع من العزاء والسلوان، فلن يفيد الإنسانَ في الآخرة شيئًا ألبتة، فمشاركة الإنسان غيره مصيبتهم لا يخفف مصيبته في الآخرة، إذًا على المؤمن أن يحسب جيدًا من أين تأتي كل لقمة يضعها في فيه، وأين ستذهب، وماذا قد تجُرّ عليه من أمور.

ومن المعلوم أن غفلة الإنسان في هذا الموضوع، وعدم مبالاته به في حياته عواقبُها خطيرة جدًّا في الآخرة؛ فسيُسأل الإنسان هناك ولو عن حبة شعير؛ بل إن القرآن الكريم يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ: 7/99-8) فلاحظ في هذه المسألة مثقال الذرة أو وزنها، وبناء على هذا فكما أن فاعل خير وزنه ذرة سينال ثوابه؛ ففاعل شر وزنه ذرة سينال جزاءه؛ أجل، سيُحاسب في الآخرة على كل كلمة تفوّه بها أو سمعها، وكل منظر رآه، وكل لقمة وشربة في معدته…إلخ؛ فلو لم يحاسب الإنسان نفسه في الدنيا بدقة لحُوسب في الآخرة حسابًا شديدًا؛ فيُرهقونه صَعودًا، نسأل الله السلامة، فعلى من عدِموا حساسيتهم في هذا الموضوع أن يُراجعوا أنفسهم ويحاسبوها من جديد على المأكل، والمشرب، والمكسب، والنفقات.

وأخيرا أقول: عبثُ العابثين في هذه المسألة وعدم حساسيتهم لا ينبغي أن يحملنا على التشاؤم؛ فإنّ الروّاد لو ملكوا زمام الورع، ومضوا في حياتهم على ذلك فستنتشر حالتهم هذه في محيطهم كالأمواج، وسيتبنى المجتمع كله هذا الوعي والحساسية يومًا بعد يوم دون شك، بشرط أن نبرأ إلى الله من إسلام البطاقة الشخصية، وننوي ونعزم ونصر على أن نميز الأشياء بعضها من بعض؛ جيّدها من رديئها، وحسنها من قبيحها، وحلالها من حرامها: بأن نفكر، ونتدبر، ونغوص في الأعماق الواسعة.


[1]  والمقصود بسلبية العبادة هو أن المصيبة تكفّر خطايا المؤمن مع أنه لم يقم بأي عبادة بإرادته، فالمراد بالسلبية هنا العَدَمية، فكأن تكفير الذنوب يترتب على العدم وهو الحرمان من الصحة واللذائذ والراحة ونحوها، بالإضافة إلى أنه يؤجر عليها إن صبر.

الخط المستقيم بين المركز والمحيط

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: الحقيقة أن أي خلل في المركز يُحدِث خللًا أوسع في محيط الدائرة؛ فما هي الضوابط الأساسية التي يلزم من هم في المواقع المركزية أن يلتزموا بها؟

الجواب: من كان رائدًا لأفكار مثالية سامية فتصرفاته كلها محسوبة عليه، فتابِعوه سيقتفون إثره، فإذا استقام الرُّوّاد سلك أتباعُهم صراطهم المستقيم أسوةً بهم، وإذا ارتكبوا أخطاء -نسأل الله السلامة- فإنها سوف تتضاعف بين الذين يتبعونهم وستنتشر سريعًا انتشار الجراثيم.

الحقوق العامة

والمؤسف أن بعض من احتلوا موقع الريادة لدى الناس قديمًا وحديثًا في مختلف حركات الإحياء عجزوا أن يوفوا مواقعهم حقَّها، فزلّوا بكلمات وفلتات اللسان وانحرافات فكرية وبياناتٍ جازفوا بها وتعجلوا فتجاوزت مقصدهم منها، فكانت كلما انعكست على أتباعهم نتج عنها دمار أكبر، فقد حدث أنّ كلمة فظّة أو تصرفًا غير لائق، بل رفع الصوت بشكل غير مناسب، وتقطيب الوجه ونحوها نتج عنها تهييج مشاعر الحقد والكراهية عند الآخرين حتى استحال تلافيها، ومهَّدَ هذا الموقفُ لحدوث خراب خطير حتى وإن كان السائرون خلف هؤلاء الرواد لم يزيدوا على ما ارتكبه قادتهم بل قلدوهم فحسب، فهذه النوعية من الأخطاء لا تنتقل أبدًا كما وقعت في أول الأمر؛ بل يفسرها الأتباع ويؤولونها وفقًا لطبائعهم ومدارك الإحساس عندهم، فتنتشر في قاعدة المجتمع مضاعفة؛ فعلى كل من يَشغل موقع الإدارة والرياسة -أيًّا كان مستواها- أن يكون دائمًا حسّاسًا يقظًا جدًا في تصرفاته وسلوكه.

وعندما أراجع الماضي وأتذكر مسيرة حياتي أجد عُقَدًا كثيرة يجب حلّها في ضوء ما سبق؛ حتى إنني أشعر تجاه كل واحدة منها أن عليّ أن أقول: “ليتها لم تكن هكذا، وكانت كذا وكذا!” لكنني متيقن أن تمنيًا مثل هذا فيما يتعلق بأحداث وقعت في الماضي لا يفيد مطلقًا في تصحيح الأمر.

الأصل أن على الإنسان أن يضبط تصرفاته وسلوكه وكلماته وحركاته بحيث لا يحتاج للتصحيح ولئلا يقع في أمانيّ لن تفيد شيئًا وقد قُضي الأمر وفات الأوان، وعليه أن يعيش وفقًا لهذا. ويستحيل أن يقدر عقل الفرد وحده على ذلك، فعلى الإنسان –وخاصة من هو في موضع الريادة- أن يستشير غيره في كل أمر وقضية؛ أجل، عليهم أن يشكِّلوا في كل أمر لجانًا استشارية، وألا يقرروا شيئًا في أي موضوع إلا بالتشاور مع تلك اللجان. نعم، إن لدينا مصادرنا الأساسية الخالدة وقيمنا الموروثة، لكن تفسيرها وتحليلها وتطبيقها وفقًا لعصرنا هذا يتطلب الرجوع إلى العقل الجمعي.

ولا بد أيضًا من العلم بأن حركةً تتمثل غايتُها المثلى في تعريف الآخرين بالحق والحقيقة يتعلق بها الحقّ العام، فأي تقصير في هذا هو اعتداء على الحق العام؛ فالحق العام يُعتبر من حقوق الله تعالى في الفقه الإسلامي، فأي خطأ فيه هو اعتداء على حق الله، بل إنه عسف بحق رسول الله وحقِّ من سبقونا بالخدمة وحقّ من يسعون معنا في الطريق نفسه من أهل الخدمة. 

مخالفة الإنسان رغبات نفسه

الاستشارة تعني –من وجه- أن يتحرك الإنسان على خلاف هواه، فمخالفة النفس ليست ضررًا ولا خسارة مطلقة، بل العكس؛ فقد يربح الإنسان في مواقف بفضل مخالفته لنفسه وترك الخضوع لها في حراكه؛ ويخسر أحيانًا باعتماده على عقله ومنطقه.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّه” (البخاري، الأذان 36؛ مسلم، الزكاة 91) ثم يضع على رأس القائمة الإمامَ الذي يحكم بالعدل والحق، فيقول: “إِمَامٌ عَادِلٌ” ؛ وهذا يعني أن عدل الحاكم صعب جدًّا؛ فمن يترأس مجتمعًا ما، ويُمثل القوة، ويتحكم في طاقات الأمة، تعود ملازمته للعدل والاستقامة والحق والمروءة والإنسانية إلى مخالفة النفس.

يقول مفخرة الإنسانية _عليه الصلاة والسلام_ في حديث شريف آخر: “ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ“. (مسلم، الإيمان 172)

ركزّ على بعض الأمور في هذا الحديث في أمثلة سلبية؛ فالزنا حرام على الناس جميعًا، لكن إذا حصل التلوُّث بمثل هذه اللوثيات من إنسان طاعنٍ في السنّ يُفترَض أنه عازف عن الدنيا، فهذا لوثةٌ فوق لوثة؛ فمثله يجدر أن يُقال له: “عار عليك! لقد طعنتَ في السن أيها الرجل الوقح! إن لم تستحي من الناس فاستحي من ربّ الناس!”

والفئة الثانية المنذرة بالوعيد في الحديث: سلاطين اتخذوا الكذبَ طبعًا وديدنًا لهم؛ فالكذب حرام على الناس جميعًا، لكنه إذا كان من حاكم يرأس الناس، فإثمه مضاعف.

وثالث أولئك الثلاثة الذين يُعرِض الله عنهم هو الفقير المتكبر؛ يقول المثل التركي: “خلا بيتُه من المأكل والمشرب، إلا أنه يتكبر ويتعجرف”. فمثل هذا حريٌّ أن يقال له: “يا هذا علامَ أنت تتبختر؟!” ففي هذا السلوك انحراف خطير يُضاعف به الوِزر؛ ويدل الحديث بمفهوم المخالفة على فضلِ الغني المتواضع؛ فهذا يعني أنه عكس ذاك، يتصرف على خلاف هواه.

ففي الحديث الأول فضل مراغمة النفس، وفي الثاني ذمٌّ لمن عاش أسيرًا لشهوات نفسه؛ فجهنم حُفَّت بالشهوات البدنية والنفسية، فقد ينجرف الإنسان إليها ويتردى فيها إذا أرخى عنانه لهذه الأهواء؛ وحُفَّت الجنة بالمكاره، فالسبيل إليها يمر من مخالفة الإنسان طبيعتَه البشرية وتغلُّبِه على نفسه.

“مَا خَابَ مَنِ اسْتَشَارَ”

قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَا خَابَ مَنِ اسْتَشَارَ” (الطبراني، المعجم الكبير 366/6) فعلى من يخشى الخسران والخيبة أن يتناقش مع الآخرين ولو في المسائل التي يقدر على حلّها بنفسه.

حاولتُ أنا شخصيًّا طوال عمري أن أستشير الناس ولو في أصغر المسائل؛ وحينما يهمني أمر في ليلة ما، أتصلُ ببعض الإخوة في تركيا إن لم أجد هنا من أبحثها معه، وأقول له: “مشكلة كذا وكذا تكرَّم من فضلك بحلول بديلة!” وما لحقني ضرر من هذا حتى الآن مطلقًا، فإن أخطأنا أخطأنا جميعًا، أي نتحمل الخطأ معًا، وعندما نقف بين يدي الله تعالى سنقول: “يا رب! تحاورنا وتشاورنا؛ ولم نُصِبْ، هذه طاقتنا”، فمعنى هذا أن عقولنا جميعًا لا تَقْدر على هذا الأمر.

مواقف بعض الناس تشير أن له خبرة وموروثًا بلغ به أن يقول: “أنا خبير بهذه المسألة”؛ لكن ينبغي ألا يُنسى أبدًا أنه قد يأتي من ينظر إلى الأحداث بشكل مخروطي شمولي؛ فهذا لا يكتفي بالنظرة العجلى، بل يضع في حسبانه علاقته بغيره، علاوة على أن من الإنجازات ما يراه بعض الناس مصلحةً باعتبار وضعه الشخصي لكن قد لا تكون مصلحة في الحقيقة، فمن يدري فربما تكون مصلحة موهومة.

نعم، فمن زعم عقلانية قراره وكلامه قائلًا: “وفقًا لرأيي” فذلك لا يعني أنه عقلانيّ في الحقيقة، فالعقلاني لا يخضع “للرأي الشخصي”، بل هو الحقيقة التي يرتضيها العقل المشترك؛ والعقلاني هو الحقيقة التي يرتضيها العقل القرآني والمنطق القرآني –كما يقول “المحاسبي”-، فإذا أراد الإنسان أن يقوِّم معقولية أي من أفكاره، فعليه أوَّلًا أن يقوِّمها في ضوء معايير الكتاب والسنة؛ فإذا أُهملت هذه العملية احتمل أن تكون أفكاره التي يراها معقولة كلماتٍ حمله عليها هوى النفس.

ويوجهنا القرآن الكريم بالآية الكريمة التي نقرأها عدة مرات يوميًّا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (سورةُ الفَاتِحَةِ: 5/1) أن نقول: “نحن”؛ فالإنسان قد لا ينجو بعبادة فردية؛ فنجاته في جهة من جهاتها مردّها إلى تحقيق الأخوَّة الحقيقية بينه وبين إخوة له في طريقٍ معين، وإلى تثقيله ميزانَ حسناته بحسناتهم؛ وبهذا المنطق فإن تحقيق الإداريّين نتيجةً أبعد عن الخطأ وأقربَ إلى الصواب مردها إلى قولهم: “نحن”، وتحرُّكِهم بالعقل المشترك والوعي الجمعي.

والحاصل: إن تضاعُف الخدمات ونموها يقتضي مراغمةَ الرُّوّاد رغباتِ أنفسهم، وأن يبرؤوا من قولهم: “يكفيني عقلي وفهمي وأفكاري…”، ثم يردوا كل ما يقولون ويقررونه إلى فكر منهجي؛ أجل، فالحاكم ليكون “عادلا”، _كما في الحديث_ لا بد وأن يُقدّر أفكار جلسائه، ويشاورهم، ويتنازل عن آرائه الشخصية إذا اقتضى الأمر، وعليه كذلك أن يسعى بهذه الطريقة للعثور على ما هو معقول ومنطقي؛ فإذا أُحيلت القضايا إلى لجنة لتناقشها وتباحثها فالحقيقة ستظهر وتنكشف بتبادل الأفكار، وبهذه الطريقة يُتغلب على الأخطاء؛ وإلا فإذا تُرك الأمر للمبادرات الشخصية في أي مجال وتخصص وبُنِي الحَرك عليها فلا مفر من وقوع الأخطاء.

النجاح الحقيقي والحفاظ على المستوى المعنوي

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: عندما ننظر إلى ما قامت به حركة المتطوعين هذه من فعاليات تعليمية وتربوية نرى أنها حقَّقت نجاحًا طيبًا جدًّا في مجالات كأولمبيادات العلوم؛ فهل نجحت أيضًا بنفس المستوى في تحقيق الفضائل الإنسانية وروح التفاني؟ وما هي أسباب القصور في هذا إن وُجدت؟

الجواب: هناك عدة عوامل بعضها معلوم والآخر مجهول تقف وراء الأعمال التي نالت التقدير، فعواملُ مثل: العمل المنظَّم، وجودة الأداء، والعزيمة الجادة، والجهد، والمثابرة، والعمل القائم على الوعي الجمعي وروحِ الشورى… تمثِّل الوجه الخارجي المُحَسّ المرئي من المسألة، وثمة أمورٌ أخرى ترجع إلى طويّة الإنسان، ولا سبيل للوصول فيها إلى حكم قاطع بالآخرين؛ فمثلا لا يمكن أن نعرف نيات الناس في إنجازاتهم وما إذا كانوا يراؤون أم لا، وما إذا كانت لمنفعة شخصية أم لا، كما لا يمكن أن نعرف درجة صلتهم بالله تعالى؛ فإننا مكلَّفون بالحكم بظواهر الأمور، وعلينا أن نحسن الظنّ بالآخرين، فنحن نظنّ بمهندسي هذه الإنجازات الصِّدقَ؛ ونتذكّر هذا التقريعَ “أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟![1] في كلِّ ما لا طاقةَ لنا بمعرفة حقيقته، ونتحاشَى الخوض في نوايا الآخرين؛ فأمر السرائر بين العبد وربِّه، فهي ليست موضوعًا لأحكامِنا، فإن ساوَرَنا شكّ في هذا دعونا ربَّنا: “اَللّٰهُمَّ يَا مُحَوِّلَ الْحَوْلِ وَالْأَحْوَالِ حَوِّلْ حَالَنَا إِلَى أَحْسَنِ الْحَالِ“.

وإذا نظرنا إلى أداء المتطوعين في التعليم والتربية واستمرارية هذا الأداء، يتضح أن هذه الأعمال ليست سهلة المنال، بل إنها تقتضي تحمل مشقة عظيمة، وصبرًا على الزمان؛ إذًا فما أبعدَ الظنَّ بأنها نُفِّذت رياءً ومباهاةً وتظاهرًا؛ ومن يمعن النظر فيما يعانيه رجال الخدمة المغتربون من عقبات يستيقن أنّ وراء هذه الخِدمات إيمانًا وفدائيّة فذّة؛ فعندما نقيِّم المسألة في ضوء صعوبة الخِدْمات العظيمة المنجزة في سبيل العلم والمعرفة مع لزوم الحكم بالظاهر وحسنِ الظنّ بالآخرين ينبغي أن نعتقد أن هؤلاء العاكفين على تنفيذها مخلصون صادقون.

الأمانة والشعور بالمسؤوليّة

إنهم مثلًا يعملون على إقامة “جُزُر التسامح والسلام” في أنحاء العالم كافّة بتمثيلهم لما منَّ الله عليهم من فضائل وخصائص، ويستخدمون لغةَ القلب ولهجة الحال، ويرغبون في إرساء جسور الحوار والتسامح بين مختلف الثقافات والاتجاهات، ومثلما يُعدّ أناس لمواجهة الحوادث الجيولوجية مصدّاتٍ تمنع انتشارها، وتحول دون تضرّر البشر بها هناك؛ فالأرواح التي نذرت نفسها للحق تفعل مثل ذلك؛ فهي تضطلع بفعاليات التعليم والحوار كي تُعد مصدّات تمنع ما ينجم عن الجهل والتعصُّب من صراع وصدام بين المجتمعات والثقافات المختلفة، وتحول دون انتشار هذه السلبيات التي يزيدها اشتعالًا وقودُ الحالة النفسية للجماهير؛ فعلى الذين نذروا أنفسهم  لأداء مثل هذه المهمة أن يُعدّوا أنفسَهم معنويًّا مثلما يعدون ماديًّا حتى يتسنى لهم حملُ أمانة ثقيلة كهذه؛ أجل، إن إيمانهم بالله وتوكلهم عليه لا بد أن يكون قويًّا جدًّا حتى يدركوا عند مواجهة الحوادث أن كل توفيق ونجاح إنما هو من عند الله تعالى، وأن الأمور السلبية ناتجة عن فداحة تقصيرهم؛ لكن ليس لغيرهم أن يسيء الظنَّ بهم قائلًا: “ما حدثت هذه السلبيات إلا لأخطاء ارتكبوها!”، لكن على الإنسان أن يعلم أنه هو المتسبب في أيّة مصيبة تنزل به، معنويةً كانت أم مادية، وعلى ذلك دّلت الآيات وصحيح السنة.

أساس الأمر: صدق النية

كما أن أخطاء الإنسان وعيوبه المادية الظاهرة قد تفرز سلبيات مختلفة، فكذلك بعض الأخلاق السيئة كسوء النية، وخيانة المسؤولية، والميل إلى أهواء النفس، وعبادة المنفعة الشخصية قد تؤدِّي إلى أن يُجازيه القدَر الإلهي، وتُعرِّضه لإخفاقات فاضحة؛ نعم فالعوامل المعنوية مثل العوامل المادية في تأثيرهما بوقوع الأحداث وعدمه، ولا يُغير هذه النتيجة أننا لا اطّلاع لنا على ما وراء الطبيعة؛ فما نراه من الحوادث يمثل في حقيقة الأمر وجهها في عالم الأسباب فحسب، فمثلًا إلقاء بذرة في الأرض حدث يقع في عالم الطبيعة، غير أن ثمة أسبابًا أخرى لا يمكن أن نراها هنا لها أثر في انشقاق الأرض عن هذه البذرة لتخرج نبتة صغيرة، إننا نرى الأرضَ والماء وأشعة الشمس، لكن لا يمكننا رؤية القوة الإنباتية في البذرة، بل لا يمكن أن نرى الهواء الذي يؤثر في نموها رغم وجوده في عالم الأسباب؛ وقل مثل هذا هنا، فالحوادث في حياة الإنسان والمجتمع لها جوانب معنويّة بإزاء الجوانب المادية؛ فالعزم، والإصرار، والمواظبة على الأعمال الصالحة، والإخلاص، والصدق، والوفاء، والمقاومة، والسعي نُصبَ أهداف مثالية سامية، والتسليم لإرادة الحق تعالى ومشيئته، كلها أسباب معنوية ربما يفوق تأثيرُ كلٍّ منها تأثيرَ جميع الأسباب المادية في تحقيق نتائج مبهجة؛ فمثلًا هناك أناس لهم أحلام وأفكار مثالية عايشوها منذ طفولتهم وسعوا في تحقيقها، فإننا لا نعلم كيف يستجيب الله لها ويمهد لها السبيل ويمنّ على صاحبها بالإمكانيات ويحقِّقها له في صورة فِعال حميدة.

وقد يحدث عكس هذا أيضًا، يعني أن الهواجس الشريرة، والنوايا العكرة، والأنشطة القائمة على منفعة خفية، والحسد، والغيرة، كلّ منها سبب مؤثّر قد يفرز نتائج سلبية، فمثلًا رُوِيَ عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النًارُ الْحَطَبَ[2].

يشير إلى أن الحسد مصيبة كبرى تأكل الأعمال الصالحة التي قمتم بها؛ فمثلًا قد يحمل الحسد والضغينة وردّ الفعل فلانًا ليبني مدرسةً ليعرقل بها مسيرة من لا يحبهم، فينجم عمّا يكنّه من إحساس سلبي أن تحترق هذه المدرسة حسيًّا أو معنويًّا؛ يعني أن الحقّ تعالى عاقبه بهواجسه السلبية هذه لسوء نيته، لكن الذين انجرفوا في دوامة الحسد والحقد لا يمكنهم فهم هذه الأسباب المعنوية.

إذًا إنّ الأسباب المعنوية مهمة بقدر أهمية الأسباب المادية على الأقل في سبيل بلوغ التوفيق الإلهي، يقول الأستاذ بديع الزمان: “إن الذين يبحثون عن كلّ شيء في المادة، عقولُهم في عيونهم، والعينُ في المعنويات عمياءُ”؛ علمًا أن على الإنسان ألا ينسى أبدًا أن للأحداث جانبًا مردُّه إلى البصيرة، وآخر مردّه إلى البصر أي العين المجردة؛ والبصيرة تستند إلى الإيمان، والإدراك، والإحساس، ومعرفة الله، والإلهام، والواردات، فينبغي ألّا تُتَجاهل هذه الأمور حتى وإن لم يدركها بعضُهم، فهناك من هم حاذقون بها، يفهمونها، وهي في أيديهم كأي عنصرٍ ماديّ يقلّبه الإنسان بيده.

وينبغي على أولئك الذين نذروا أنفسهم لله تعالى أن يعرفوا جيدًا الأسباب المعنوية والمادية التي تبلغ بهم التوفيقَ الإلهي، وأن يعوا حدودها من بدايتها إلى نهايتها ليحققوا نجاحًا حقيقيًّا دائمًا؛ أي على الأرواح التي نذرت أنفسها في سبيل الله أن يكون مستواها المعنوي على أتم استعداد كما كان مستواها المادي الذي جعلها تُعِدّ الخطط في أنحاء العالم، وتناقش مشاريع متعلقة بافتتاح مؤسسات كالمدارس والجامعات، وتنفذ منها كلها إلى القلوب المؤهلة لتصبغها بما استقته أرواحها من إلهامات، هذا مع الثبات في مواجهة الحوادث السلبية، وعدمِ السأم، والصمودِ في مواجهة العواصف بعون الله ومشيئته، وهذا كلُّه مرتبط بمعرفة قيمة الحوافز المعنوية.

الحفاظ على المستوى

رجال المعنى الذين يجاهدون أنفسهم في هذا السبيل مرارًا كلّ يوم، ويحاسبون أنفسهم حتى على الخواطر السيئة، عليهم أن يطوروا أنفسهم وإخوتهم بإعادة التأهيل دوريًّا، وعليهم أن يحافظوا على مستواهم المعنوي؛ فالحفاظ على المستوى مهمٌّ بقدر أهمية بلوغه؛ فقد يبلغ الإنسان أحيانًا مقامات معنوية يشعر فيها بالوجود شعورًا مختلفًا، ويراه مختلفًا، ويحس به إحساسًا مختلفًا، ويقيّمه تقييمًا مختلفًا تمامًا، ويتحرك بشعور الإحسان، ويستشعر دائمًا أن الله يراه. والمهم هو دوام هذا الحس والشعور، لأن الانقطاعات قد تقضي على مكتسبات مهمة جدًّا؛ أجل، ثمة أشياء كثيرة مكتسبة سرعان ما تُهمَل فتزول وتهدر، لذا ينبغي الحفاظ على المستوى كما ينبغي الجد في بلوغه.

والحاصل أنكم لو كانت عندكم إمكانيات كثيرة من حيث الأسباب المادية، بل لو امتلكتم أقمارًا ترصد الفضاء، فكل هذا ليس سوى جانب واحد في سبيل الوصول إلى رضا الحق، واعلموا أن جانبكم القوي الأصيل هو اعتمادكم على حول الله وقوته، واستقامتكم المتينة في صلتكم به وتعزيزها، فعلى الأرواح التي نذرت أنفسها أن يلقّن بعضُها بعضًا هذه الحقيقةَ على الدوام، وأن تنظّم حياتها على هذا الأساس.

 

 



[1]  مسلم: الإيمان 158؛ أبو داود: الجهاد 104.

[2]  سنن أبي داود: الأدب 53.

رمضان والقلوب الرقيقة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: يأتينا شهر رمضان كل سنة وكأنه سكينة تنزل من السماء؛ فترقِّق قلوبنا وتذيبها، وتوصلها إلى قوام معيَّن؛ فما الأمور التي توصوننا بها كي نستفيد من هذا الشهر الكريم استفادة كاملة في حياتنا الفردية والاجتماعية؟

الجواب: إن شهر رمضان يلوح في أفقنا بجمالياته الساحرة الجذابة مثل الصيام والإفطار والسحور والتراويح؛ فيشكّل مناخا قدسيا خاصا به، وهو ذو تأثير متميز تماما حيث يسهم في أن تدرِك الأرواحُ الصلاحَ مجددا، وتسلَمَ القلوبُ والأحاسيس والأفكار، وتهدأ كل أنواع القسوة والخشونة، حتى في تلك الفترات التي تتوالى فيها التوترات، وتطفح فيها الشدة والعنف، وتُعتبر المعارضة والمخالفة نوعا من المهارة، ويعيش فيها جموع الناس فيما بينهم جمودا خطيرا. والواقع أن إنساننا يحمل في داخله مشاعر من الاحترام الحقيقي تجاه هذا الشهر المبارك الذي تُستشعر فيه الوداعةُ والرقة واللطف بشكل واضح؛ ومن هذه الزاوية فإننا حتى وإن كنا في الوقت الراهن محاطين من كل جهة بسلبيات مختلفة؛ إلا أننا إن أعطَينا إرادتنا حقها، وفتحنا قلوبنا لهذه الفترة الزمنية المباركة، وآمنّا من أعماقنا ببركته، وتوجَّهنا إليه بمشاعر التعظيم والاحترام؛ فإنه هو أيضا سوف يحتضننا، ويُفيض علينا بركته وابلة غزيرة تشملنا من رؤوسنا إلى أخامص أقدامنا، وسوف يمكننا التغلب على الحدة والغضب والعنف، وبهذه الطريقة يَسُود من جديد مناخٌ من السعادة والطمأنينة والسكون في المجتمع.

ليس تنوع الطعام، وإنما كثرة الضيوف

أما بالنسبة للأمور الواجب فعلُها في هذا السياق؛ فهي على سبيل المثال تتمثل في أن الشخص المقيم في شقة بعمارة سكنية يستطيع أن يبدي كرمه وحسن تصرفه -بقدر طاقته- بدعوته جيرانه -أيا كانت ثقافتهم ومنطقهم- إلى مائدة الإفطار عن طريق إخبارهم بذلك قبل بضعة أيام من الموعد، ويقدم لهم بعد الطعام هدية صغيرة أعدها لهم مسبقا قائلا: “لقد شرفتمونا بتلبية الدعوة، وأتعبتم أنفسكم في تناول طعامنا، فنرجو أن تتفضلوا بقبول هذه الهدية البسيطة منا”، كما أنه يمكنه إسعاد قلوب أولادهم إن كان قادرا على ذلك. وبالشكل نفسه فإن من يعمل مدرِّسًا في مدرسة، أو أستاذًا في جامعة، أو عاملًا في مؤسسة يمكنه أن يساهم في تحقيق السلم الاجتماعي عبر فتحه باب منزله للجميع وإشراكِهم في مائدة إفطاره دون تفريق بين فئة وأخرى.

ينبغي علينا أن نثمن ونستثمر هذا الشهر المبارك المليء بالنور بحيث لا يمر علينا يوم من أيامه على الإطلاق دون أن ينزل ضيف على مائدة إفطارنا. أجل، لا بد من إثراء موائد الإفطار بكثرة الضيوف وتنوعهم أكثر من إثرائها بكثرة الطعام. فقد قال الرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم) كما تعلمون:

طَعَامُ الاثنينِ كافي الثَّلاثَةِ، وَطَعَامُ الثَلاثَةِ كافي الأَربعَةِ”  (البخاري: الأطعمة 11؛ مسلم: الأشربة، 179)

ومن هذه الزاوية يجب ألا نقلق من كثرة الضيوف في شهر رمضان ذي البركة الخاصة به.

إن مثل هذا الأسلوب في التصرف طريق دبلوماسي مهم من أجل ردم الفجوات بين مختلف شرائح المجتمع، وتجاوزِ الأحكام المسبقة. فالحقيقة أن هناك كثيرا من المشاكل التي يتعذر حلها بالقوة والشدة، ولا يُتغلب عليها بالوحدات العسكرية المؤللة، يمكنُ حلّها بهذا الطريق. أجل، إنكم إذا فتحتم قلوبكم للجميع، ودخلتم قلوب مخاطبيكم بإنسانيتكم، وهيأتم في قلوبكم مكانا يمكن للجميع أن يحل به، وبهذه الطريقة جعلتم القلوب تساندكم، فحينذاك تتم الحيلولة دون ما لا قبل لكم بها من شتى أنواع الكراهية والحقد والغيظ وإراقة الدماء وإزهاق الأرواح؛كما أنه لم يُشاهَد على مر تاريخ الإنسانية مشكلات أو أزمات حُلّت بالتهديدات على الإطلاق، بل لقد زاد غضب الناس بصورة أكثر في مواجهة التهديدات، وساروا نحو هيكلة أنفسهم بالتمحور حول التخريب بحرارة أكثر.

وكما ورد في أحد الأمثال التركية فـ”إن فنجان قهوة خاطره أربعون سنة”. فإنه سيكون للإفطار الذي نقدمه لضيوفنا خاطر أربعين سنة. ومن هذه الزاوية فإنه لا بد من القيام حتما بمثل هذه الرجولة والكرم الذي يكون مردوده مختلفا جدا. ولسنا ندري ربما أن بركة أخرى من بركات شهر رمضان المتميزة تكمن في هذا، أي إننا كما نستطيع الحصول على الثواب الأخروي بالصوم وصلاة التراويح، فإننا نحقق ربحا ومكسبا متميزا عن طريق دخولنا قلوب الناس.

صدى من وراء السماوات يدوّي في القلوب

ويمكن أيضًا لرجال الخدمة الذين هرعوا إلى خدمة الإنسانية في كلّ أنحاء العالم أن يعتبروا شهر رمضان وسيلةً مهمةً للنفوذ إلى القلوب؛ فلقد كشفت الأضاحي التي تُذبَح وتُوزّع في عيد الأضحى في كلّ أنحاء العالم -بدءا من تركيا حتى آسيا وأفريقيا- عن كرم وأصالة إنساننا، فأصبحت وسيلةً لفتح القلوب وإثارةِ عاطفة الثقة لدى هذه الشعوب فينا واقتناعهم بأن هناك أناسًا هم محل ثقتهم وأمانهم. وعلى نفس الشاكلة قد يكون القيام بحملة تَعْبويّة رمضانية عن طريق فتح أبواب الفطور والسحور أمام الجميع فرصة ذهبية لكسب العديد من القلوب والوصول إلى كيفيةٍ يرضى بها ربّنا سبحانه وتعالى عنّا. لأن المدعوين على الإفطار والسحور في رمضان لا سيما في بلاد غير مسلمة يتأثرون للغاية بمثل هذه الفعاليات حتى إنكم إن استمعتم إلى انطباعاتهم أدركتم بشكل أكبر مدى أهمية العمل الذي تقومون به. فمثلا يأتيهم الأذان الذي يسبق الإفطار غضّا طريا فيطربون به ويُسحرون. ومن ثمّ ينبغي لنا أن نُحسن استغلال هذه المناسبة في تعريف مخاطبينا بجمالياتنا والثراء المعنوي الذي عندنا.

وربما تؤدي جميع هذه الفعاليات إلى مجرد تعاطف هؤلاء المخاطبين في نظرتهم إلى الإسلام، وليس لنا أن نستهين بهذا الأمر، فمن يدري لعلّ هؤلاء الذين يشعرون بالحيوية والطراوة في كل شيء يدركون مع الوقت جماليات الإسلام بشكل آخر، فيرتقون فجأة وبشكل عمودي إلى عرش كمالاتهم؛ ولذلك فإنني أعتقد أن الحصول على مثل هذه النتيجة جديرٌ بأن نقيم أمامهم الموائد كل يوم مرات لا مرة واحدة.

مع الأسف عاش الناس في عصرنا محرومين من جماليات الإسلام، لم يلمسوا السلوكيات والأخلاق الإسلامية؛ فأهم مهمة ملقاة على عاتقنا هي الكشف لهم عن الإسلام الحقيقي من خلال بنيتنا الأسرية، والعلاقة بين الأب والأم والأولاد عندنا، ومن خلال ولائمنا وكرمنا. فإن كان البعض يرى الإسلام “بُعْبُعَا” فالسبيل إلى إزالة هذا هو مخالطتهم وتأسيس علاقة وثيقة بيننا وبينهم. ومن ثمّ ينبغي أن يقوم المسلمون في هذا الشهر المبارك بتحقيق هذا الأمر بشكل معقول وفقا لما يستلزمه موقعهم أيا كان هو، مع الأخذ بالشورى والعقل والمنطق والعقلانية.

ليس هناك عملٌ يحلّ محل العمل في رمضان

إن كل عبادة فرضها اللهُ سبحانه وتعالى علينا وكلفنا بها ستتخذ ماهية مختلفة على حسب أدائنا لها، وستشهد لنا عنده تبارك وتعالى، وبقدر إسعادنا شهرَ الغفران هذا ستكون شهادته في حقنا قوية ندية، فإن أحسنّا استغلال هذا الشهر الفضيل شهد لنا لدى الحق تعالى عند رحيله عنّا وفراقه لنا وربما رشّحنا للدخول من باب “الريّان”. من أجل ذلك علينا أن نقدّر العبادات التي كتبها الله علينا حق قدرها ونجلّها ونعظّمها ونسعى إلى استغلالها بالأسلوب الأمثل.

وسيعلم الإنسان أي الأعمال التي كانت سببا في إسباغ النعم عليه في الآخرة، وهذا سيزيد من فرحته بقدر فرحته بهذه النعم. وربما يناجي ربه سبحانه وتعالى شاكرا له على أنعمه قائلا: “حمدا لك يا ربي! شرّفتني بالعمل بداية، وشرفتني بثوابه آخرا”.

أجل، سيعرف العبد صيامه هنالك معرفة كاملة، وسيتعرف على جوعه وظمئه وتعبه في صلاة التراويح، ومشاعرِه الجياشة حين القيام للسحور، وكرمِه في موائد الإفطار بشكل يتوافق مع خصوصيات العالم الآخر، وسيعيش فرحة هذا كله.

إن بعض العبادات والطاعات تستمدّ عمقها من ظرفها ووقتها خاصة، وهكذا كل عبادة وطاعة تُؤدَّى في رمضان. وعلى ذلك تكتسب الأعمال في رمضان قيمة أخرى، ويتقرب الناس إلى ربّهم في رمضان بصورة مختلفة تماما؛ فليس هناك صومٌ يبلغ صوم رمضان، كما أن عشرين ركعة في غير رمضان لا تعدل مطلقا صلاة التراويح في رمضان، ولا يصل ثواب السحور في الليالي الأخرى في غير رمضان إلى ثواب السحور فيه، ولا يشبه انتظار الأذان الذي يسبق الإفطار في غير رمضان الأذانَ فيه. والخلاصة: لا يتساوى ثواب الأعمال في غير رمضان مع ثواب الأعمال التي يحصل عليه العبد في رمضان، فليس هناك عمل قط يملأ فراغ العمل في رمضان.

فإن المؤمنين الصادقين الذين يشعرون بهذه الحقيقة بعمقٍ في وجدانهم يشعرون بألم فراق غريب مع رحيل رمضان، ويلفّهم الحنين إلى أن يأتي رمضان القادم، ولا ندري ربما يكسبهم هذا الحنينُ ثوابَ رمضان آخر.