Posts Tagged ‘الحسد’

الجَرَّة المشروخة: اتهامات وافتراءات على الخدمة – 2

Herkul | | العربية

   مظاهر عدم التّقبُّل والحسد

تحقد بعض الشرائح على متطوعي الخدمة، ومن أهم أسباب ذلك الحسدُ والغيرة، ومن ذلك رسالةٌ مكوّنة من ثلاث صفحاتٍ جاءتني قديمًا من شخصٍ قال فيها ما مفادُه: “إن الخدمة تشغل الساحة وتملأُ الميدان إلى درجةِ أنّها لم تُبقِ مكانًا للآخرين”! وكأنه لم يبق في هذا العالم الضخم مجالٌ آخر يُحتاج للخدمة فيه! والحقيقةُ أن هناك أماكن عديدة في العالم تحتاج مشاكلُ الإنسانية فيها إلى حلول، ويمكن إيصال الحق والحقيقة إليها. نعم، اذهبوا إلى إفريقيا، اذهبوا إلى الشرق الأقصى، اذهبوا إلى الصين، اذهبوا إلى روسيا، إلى أمريكا، اذهبوا إلى حيث شئتم، وحاولوا أنتم كذلك نقلَ عالمنا الثقافي الثري إلى الناس هناك، والاستفادة من ثرائهم وكنوزهم الإنسانية، ما أكثر الأماكن البكر في العالم، والتي يمكن استزراعها والحصول على ثمارها الطيبة.

ولكنّ عدمَ القيام بهذا والشكوى صراحةً من الخدمات المنجزة؛ إنما هو مؤشّرٌ على عِظَمِ ما يكمنُ في الصدور من مشاعر عدم التقبل.. وهذا يعني أنهم يتحدثون فيما بينهم عن مثل هذه الأمور، ويصرّحون بانزعاجهم من الخدمات المنجزة! إن مشاعر عدم التقبل ربما تدفع الإنسان إلى التخريب بقدرٍ لا يدفعه إليه الكفرُ؛ فبعض الأشخاص الحاقدين يبذلون قصارى جهدهم لمنع الاهتمام والتوجه إلى غيرهم، وتضييق مجال تأثيرِ غيرهم على المجتمع، فيلجؤون إلى كل أنواع الكذب والافتراء والتشويه، بل إنهم يحاولون أن ينسبوا إلينا مجموعةً من الجرائم لا علاقة لنا بها من قريب ولا من بعيد، ويسعون إلى جعلنا في مواجهة مباشرة مع الدولة، ويقدموننا وكأننا أعداء ألداء لها.

وكما سبق أن تعرّضنا لمثل هذه الغوائل مرات عديدة فإننا نتعرض لها الآن أيضًا، ولستُ أدري إن كانت طاقتُنا تكفي للقضاء على مشاعر المزاحمة والغيرة الكامنة لدى الناس أم لا؟ ولكننا مكلَّفون بتنفيذ ما يقع على عاتقنا، وهو التحرك بشفافية تامة، والتزام الحساسية لأقصى درجة تفاديًا لإثارة مشاعر الحسد لدى أي إنسان، والأكثر من ذلك تمهيدُ الطريق الذي نسير فيه للآخرين عبر جعل أهدافنا هدفًا يتبنّونه، إن كنتم ترغبون في اعتلاء قمة جبل “إفريست”، فادعوا الآخرين من مختلف الأفكار الذين يُكنون لكم الضغينة والحسد أن “هيّا بنا نصعد سويًّا”.. أَثبتوا أنكم لا تفرقون ولا تعادون أحدًا، بالإضافة إلى ذلك لا تنسوا أن أصحاب الأفكار المختلفة عنكم قد يُضيفون إليكم شيئًا مفيدًا، لا تربطوا المسألة بفلان أو علان فحسب فتُضيّقوا الفضاء الذي بسطه الإسلام، ولا تُحَوِّلوا ما أمامنا من طرق واسعة إلى دُروبٍ ومنعطفات من أجل الوصول إلى الهدف، وإلا تعثّرتم في الطريق، وعجزتم عن الوصول إلى المكان المطلوب.

لا تدخلوا مع بعض الأشخاص في خلافات وصراعات بشأن بعض القضايا الفرعية، لا سيما إن كنتم تستطيعون الاجتماع حول محكمات القرآن والسنة، احترموا تمامًا الطريق الذي يسير فيه كلُّ إنسان، والمنهجَ الذي يتبعه؛ فالاحترام مفتاحٌ سحري، إن تحترموا الآخرين تُثيروا مشاعر الاحترام لديهم تجاهكم، وإلا فإنكم تدفعونهم إلى مهاجمتكم، عبروا للآخرين عن مشاعر التقدير، ولا تفعلوا هذا انطلاقًا من مبدإ المُداراة، بل لأنكم تؤمنون بذلك في أعماقكم، ليسمعوا الصوت والنغمة نفسها كلّما سمعوكم في مناسبات وأوقات مختلفة تمامًا، وهذا سيكشف صدقَكم وإخلاصكم؛ لأن القولَ شيءٌ، والحفاظ َعليه، وجعلَه جزءًا من طبيعة الإنسان شيءٌ آخر.

إنكم لا محالةَ ستجدون صعوبة بالغة في هذا الأمر، ولن يوافق الطريقُ الذي يسلكه الآخرون فهمَكم وطبيعتَكم، وستُطلُّ الأنانية برأسها، بل وستصبح تلك الأنانية أكثر صلابة فيما يتعلق بالأنانية الجماعية، ولكن ينبغي أن تعرفوا أن التغلب على مثل هذه الصعوبات يتأتّى عن طريق إعطائكم إرادتَكم حقّها، وتحمّلِ المواقف المزعجة، بل إن التراجع إلى الوراء بضع خطوات -إذا لزم الأمر- سيمنحُكم ثوابَ العبادة من ناحية، ويجعل الآخرين يتعاطفون معكم ويتوقون إلى مشاركتِكم دربَكم ومنهجَكم من ناحية أخرى.. علاوة على أن من لم ير منكم إساءةً لسنوات طويلة فسيبدأ في بناء الثقة بكم.

وكما أكدنا سابقًا؛ فالطرق المؤدية إلى الله تعالى كثيرةٌ بعدد أنفاس المخلوقات؛ وذلك بحكم الفطرة، وعليه فإن الاختلاف في الفروع جنايةٌ طالما أمكن الاتفاق في القضايا الرئيسة، إن كنتم تبتعدون عن البعض بدعوى أنكم تتبعون الطريق الأجمل فهذا يعني أنكم على خطإٍ عظيم، وعلى حد قول الأستاذ النورسي فإن الحسن المتفق عليه أفضل من الأحسن المختلف فيه، ومن ثم فإن عصرنا الذي يحتاج بشدة إلى الوفاق والاتفاق في أمسِّ الحاجة إلى تناول مشاعر الحسد أو التنافس التي في الصدور، وعجنها ووضعها في قالب الإخلاص، فإن لم تُراعَ تلك المبادئُ فإن مسار الطريق سيكون في خطر، ومهما تحركتم بتضحية وفدائية فستقع حوادث مرورية لا يمكن توقّعها، ثم تضطرون إلى بذل عشرة أعوام من عمركم في مسافةٍ يمكنُ قطعها خلال عامين فقط.

   فتن المنافقين وإفسادهم

بالإضافة إلى كل ذلك، لا يمكن تجاهل دور المنافقين الذين يسيئون التصرف ويفسدون باستمرار، فإن كانوا يكرهونكم بسبب دينكم وتدينكم، وطريقكم ومنهجكم، ونموكم وتطوركم وتقدمكم فسوف يدبرون لكم المكائد والمؤامرات واحدةً تلو الأخرى باستمرار، وإن بلادنا لم تخلُ قطّ ممن يعادون الدين، ويثيرون الخلافات والشقاق بين أفراد الأمة باستمرار، ويرغبون في إفساد البنية العامة لبلادنا والزج بها في دوامة الاضطرابات، فهؤلاء الأشخاص الذين سيطرت عليهم فكرة الشر سيشعرون بالانزعاج من كل الحملات الإيجابية التي تعود بالنفع على البلاد، فيفعلون كل ما بوسعهم لعرقلتها وإفسادها.

إنهم يعملون ضدكم باستمرار؛ فيهمسون -أحيانًا- في آذان الحاكمِ بأشياء يُلَفِّقُونها ضدكم، وأحيانًا يختلقون بعضَ الحجج الواهية فيقدمونكم من خلالها إلى الرأي العام كمجرمين، وأحيانًا أخرى يُحرّضون عليكم الناس من قطاعات مختلفة، حتى إنهم عند عجزهم عن الوصول إلى أهدافهم بمثل هذه الفتن يضعون مختلف شرائح المجتمع في مواجهة مباشرة؛ فيضربون بعضها ببعض، ويحاولون إثارة الصدام فيما بينها، وبعد أن تقضي شريحة على الأخرى سوف يقفزون هم أيضًا على رأسها.

ولهم مؤسّسات فكرية ومراكز إستراتيجية أسّسوها للقيام بهذه الأعمال على وجه الخصوص، وفي أروقتها يضعون الخطط والمشاريع المتعلقة بكيفية القضاء على من لا يفكّرون مثلهم، وفي غرفها المغلقة يُلَفِّقُون شتى الأكاذيب والافتراءات بشأنهم، لدرجة أن رياح -وبعبارة أصح عواصف- تلك الفتن والمفاسد التي يثيرها مثل هؤلاء الناس يمكنها تقويض الدول؛ لأن التخريب أسهل من التعمير.

وهنا لا بد من القول إنه لا أساس إطلاقًا لكل المزاعم المثارة ضد الخدمة، وما هي إلا افتراءات وتشويهات، حتى إنّ مثيري تلك الافتراءات يعلمون هم أنفسُهُم أنه لا أساس لها من الصحة، ولا سيما أن وصف المنتسبين إلى الخدمة بالإرهابيين، واتهامَهم بخيانة الوطن ليس إلا نتيجةً للحقد عليهم والاغتياظِ منهم؛ لأنه حتى اليوم لم يخرج من بين المنتسبين إلى حركة الخدمة، الضاربين في شتى أصقاع الأرض حاملين إليها رسائل المحبة شخصٌ على الإطلاق لجأ إلى العنف أو تلوّثَ بالجريمة.

إن مُرَوِّجي هذه المزاعم يعلمون يقينًا أن رجال الخدمة لم يحملوا معهم ولو حتى شفرةً صغيرة، ناهيك عن أن يلجؤوا إلى العنف والإرهاب المسلح؛ فهؤلاء الأشخاص الذين نذروا أنفسهم للحب لا يدوسون ولو حتى نملةً عامدين، وبالرغم من كل هذا التحريض والضغط فقد حافظ رجال الخدمة على نهجهم، ولم يخرجوا إلى الشوارع بأي شكل من الأشكال، وهذا دليل كافٍ على صدقهم وإخلاصهم، كما أن متطوعي الخدمة الموجودين منذ ما يقرب من نصف قرن والنشطين في مجالات مختلفة لم يثبت بحقهم حتى الآن أيُّ دليلٍ على ارتكابهم لأية جريمة بالرغم من مراقبتهم من قبل أجهزة سرية مختلفة؛ لذا سُمح بالعمل للمؤسسات التي أنشؤوها في العديد من دول العالم.

لكنه وعلى الرغم من هذا البياض الناصع لسجلات المنتسبين إلى الخدمة إلا أن هناك أشخاصًا يُعادون متطوعي حركة الخدمة لأسباب مختلفة؛ منها ما ذكرناه سابقًا ومنها ما لم نذكره، ويختلقون ويُلفّقون الأدلة لإدانتهم، ويحيكون الخطط لإيذائهم، بدعوى الحفاظ على مستقبل الأمة ومصالح البلاد أحيانًا، وبذريعة حماية أسس الدين، ومتطلبات الجمهورية والديمقراطية وتحقيق السلام العالمي أحيانًا أخرى، مع أن الخدمة لم ولا ولن تمس هذه العناصر بأي سوءٍ أو ضرر.. الأمرُ على العكس تمامًا؛ فالخدمات المبذولة ترمي إلى دعم كل هؤلاء وتطويرهم، لذا فإن الواقع على عاتقنا هو بيان كل هذه الأمور وتوضيحُها مرارًا وتكرارًا.

   مواصلة العمل

وبغض النظر عما يفعله الآخرون من شرور؛ فإن الذين آمنوا بالله وحكمته، والتزموا أوامره بالسعي فهداهم سبحانه وتعالى إلى الطريق القويم؛ لا تدفعهم تلك الأفعالُ إلى التردد، ولا تُحيرهم أو تنالُ من عزيمتهم، ولا تجعلهم يتوقفون أبدًا.. إن هؤلاء المؤمنين بالله وحكمته ما داموا يثقون بأن طريقَهم يَعِدُ بنتائج طيبة لصالح أمّتنا والبشرية في العالم على حدٍّ سواء، وما داموا يفحصون طريقهم باستمرار ويتحقّقون من مدى صحة الموضع الذي يتم الوصول إليه بالنسبة للمقاييس العامة والقِيَم الكونية؛ فعليهم ألا يَنظروا إلى الكلام الصادر من هنا وهناك، وألا يرتبكوا أو يخافوا طالما تيقّنوا من عدم ارتكابهم الخطأ.

فقد رُميَ نبيُّ الله نوح عليه السلام بالحجارة، وتعرّض سيّدُنا هود عليه السلام للتضييق والتهديد، وهُدّد صالح عليه السلام بالقتل، واضطر سيدنا موسى عليه السلام إلى ترك وطنه، وأُرِيدَ صَلبُ المسيح عليه السلام، ونُشر زكرياءُ عليه السلام بالمنشار، وهناك الكثير والكثير من الأنبياء تعرضوا لشتى أنواع الظلم والقمع.. لكنَّ أيَّ فردٍ منهم لم ينكص عن الطريق الذي سلكه، وإذا كان أشرفُ عباد الله تعالى وأقربُ خلقه إليه قد سامهم الظالمون شتى أنواع الأذى وأذاقوهم صنوفَ الألمِ؛ فلا يمكن لسالكي دربِ السعادةِ على هداهم ألّا يُفتَنوا كما فُتِنَ سلَفُهم الصالح، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (سورة العَنْكَبوتِ: 29/2-3).

ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ فَمَنْ ثَخُنَ دِينُهُ ثَخُنَ بَلَاؤُهُ وَمَنْ ضَعُفَ دِينُهُ ضَعُفَ بَلَاؤُهُ[1].

وعليه يُعتبر المضحون الذين يستهدفون نيل رضا الله تعالى عبر إحياء مستقبل الإنسانية قد فازوا في النهاية حتى وإن أُلقوا في حفر الموت على قارعة الطريق، ولا ينبغي لهم أن يحزنوا لذلك، بل يحزنون على مَن ظلمهم وتأخذهم الرأفة بهؤلاء المعتدين الذين ضيّعوا آخرتهم بأيديهم، فعندما شُنق عبد الله بن الزبير رضي الله عنه من قِبَلِ “الحجاج بن يوسف” برزت أمه سيدتنا أسماء رضي الله عنها للحجاج وخطبت خطابًا مؤثرًا مزعزعًا، فكان مما قالته للحجاج: “يا حجاج! لَئِنْ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ لَقَدْ أَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ”[2]، إذًا يجب أن يكون هذا ما يُحزِنُنا.

بالإضافة إلى ذلك: تسامَحُوا وأحبّوا ما استطعتم، ولا تنسوا أنّ عَبَدَةَ الشيطان ومَنْ يتحركون بتوجيهاته لن يتخلّوا عن عدائهم لكم، فعليكم أن تواصلوا طريقكم بحذر ويقظة، وتذكّروا أنه كلّما منَّ الله تعالى عليكم بنعمٍ وألطافٍ انزعج من ذلك أعداء الله ورسولُه، وراحوا يحيكون المؤامرات في سبيل تشويه خدماتكم الطاهرة، والحقيقةُ أنه بالنظر إلى الخدمات المبذولة باسم الخدمة يتبيّنُ أنها لا يمكن أن تُزعجَ أحدًا سوى الشيطان المطرودِ من حضرة الله، غير أن هناك أشخاصًا كثيرين يُعينُون الشيطان على الشرّ، لذا فينبغي لكم وأنتم تواصلون طريقكم بعيدًا عن التوقف أو الذعرِ؛ أن تتحلّوا بالبصيرة الفائقة والحيطة والحذر التامّين.

ونظرًا لأن التعامل مع هذه الأشياء الواسعة الدائرة إلى هذا الحد لا يمكن أن يتحقق من خلال الاعتبارات الفردية، يلزمكم تناولُ الأمور الخاصة بكم وفقًا لمبدإ المشورة والوعي الجماعي، وإن كنتم لا ترغبون في التعرض للخيبة والخسران فعليكم بالتشاور حتى في أبسط الأمور، والالتزام بالقرارات الناتجة عن ذلك.

   المحاسبة

أخيرًا وليس آخرًا، من المفيد أن أذكركم بأمر كثيرًا ما نؤكد عليه؛ حيث إن الأستاذ النورسيَّ يحمّل نفسه المسؤولية ويعتبر -في أحد المواضع من كتبه- أن اعتداء الدنيويّين عليه إنما حصلَ بسبب بعض المشاعر التي قد تدبُّ بداخله، والتي لا يُقرُّها أصلًا.. لذا يجب علينا قطعًا أن نُخضع أنفسنا للمحاسبة في هذا الشأن، فنحن نقول إننا نبغي رضا الله تعالى فقط، وإننا متعلقون بغاية سامية جدًّا هي إعلاء كلمة الله التي هي أكبر وسائل نيل رضاه تعالى، تُرى هل نستطيع الحفاظ دائمًا على تلك الفكرة والشعور الأول في كل لحظةٍ من حياتنا؟ تُرى هل تخطر ببالنا -ولو شيئًا قليلًا- أفكارٌ مثل الاستفادة من النعم الدنيوية وتحقيق الراحة في الدنيا؟ تُرى هل نتدخل في شأن الربوبية من خلال التشوف إلى بعض الرغبات المتعلّقة بالمستقبل؟ تُرى هل نثق باتساع الخدمات المبذولة ونراها وكأنها مصدر قوة فننسى مصدر القوة الحقيقي الذي يجب الركون إليه والوثوق به؟!

من الممكن زيادة الأسئلة أكثر، ويمكنكم التفكير فيما هو أعمق من ذلك، ومحاسبة أنفسكم من هذه الناحية؛ فالتعبير عن أمرٍ ما شيء، وتمثل ذلك الأمر شيءٌ آخر، إنْ صدر منكم أيُّ خطإٍ أو تقصيرٍ في هذه القضايا فقد تنالون صفعة رحمة، وبالتالي فما يجب عليكم فعله هو سرعة التوجه إلى الله بالتوبة والاستغفار كمن أذنب، وبما أنَّ أحدًا منّا ليس مُبَرّأً ومزكًّى فلا نستطيع أن نزعم أن مشاعرنا وأفكارنا نظيفةٌ معصومةٌ على الدوام، تمامًا مثل بعض الدقيق الذي يخرج من بين حَجَرَيْ الطاحونة ويتطاير بعيدًا عن المخزن، فإن بعض أفكارنا أيضًا قد تذهب بنا إلى أماكن لا نريدها، ويستغل الشيطان فراغكم هذا فيُسلِّط عليكم بعضَ الناس، وهو ما يعتبر في الوقت نفسه عقابًا إلهيًّا لكم نتيجة أخطائكم.

ومن ثمَّ يجب علينا الحذر التام لئلا تكون هناك أية ثغرة في علاقتنا مع الله تعالى، ولنراقب أنفسنا باستمرار: هل نحافظ على قوامنا أم لا؟ فإن حدّدْنا أخطاءنا وأوجهَ تقصيرنا وجب علينا الإسراع بإصلاحها، وعندما نفعلُ ذلك ونوثق صلَتَنا بالله تعالى فإنه يحفظنا ويرعانا، وإن استطعنا التغلّب على أنفسنا وعلى الشيطان طاشت أفكار المخطّطين ضدنا، وضلت أعمال المنفذين، والخلاصة أن الله تعالى سيواصل إنعامه علينا طالما أننا لم نتعرّض للتشوّه والتفسّخ الداخلي.

[1] الحاكم: المستدرك على الصحيحين، 1/99.

[2] الحاكم” المستدرك على الصحيحين، 4/571.

رُوح التفاني طوال العمر

Herkul-ARB | | العربية

 

 

سؤال: ما الضوابط الأساسية التي يجب مراعاتها للحفاظ الدائم على حيوية روح التفاني في القلوب؟

الجواب: بداية لا بدّ للقلوب التي نذرت نفسها لخدمة الحق أن تتجنّب شتّى الأفعال والتصرّفات التي من شأنها الإضرار بمعايير الثقة، وأنا لا أظن أو أتوقّع من هؤلاء الأشخاص -الذين جاشت قلوبهم بالمشاعر الصادقة فوقفوا أنفسهم على دعوةٍ ساميةٍ وغايةٍ نبيلة دون التشوّف لأجرٍ دنيوي- أن يتعمدوا القيام بتصرّفات تؤدي إلى تشويه صورة خلطائهم أو الإضرار بدائرتهم، لكن قد يخطو البعض خطواتٍ غير محسوبة ويشرعون في أعمالٍ دون حسابٍ أو تخطيط، فيؤدّي ذلك إلى وقوع بعض الأخطاء التي تتسبّب في تشويه صورتهم، ومثل هذا الحال يقتضي أن يبذُلَ هؤلاء الأشخاص الذين اجتمعوا حول فكرةٍ وشعورٍ واحدٍ كلَّ وسعهم لتلافي هذه الأخطاء على الفور مستعينين في ذلك بالمشورة والحركة الجماعية، فإن قاموا بهذا؛ تخلّص المخطئ من الخجل، وما أفسح المجال لوجود بعض الأفكار السلبية حول الدائرة التي ينتمون إليها.

اللهم لا تُخزِ أصدقائي بسببي

كان مولانا “خالد البغدادي” يتحرّى الدقة البالغة في مسألة الاستغناء عن الخلق، وهو أمرٌ يشكّل نموذجًا جيّدًا لنا في هذا الصدد، فنراه مثلًا ينبّه طلّابه ومريديه منذ البداية إلى بعض الأمور السلبية التي انتشرت في عهده ويُحذّرهم منها حتى لا تتغلّب عليهم أو تتسلّل إليهم، وكان يقول لهم: “احذروا من مخالطة الأثرياء والحكّام ورجال الدولة؛ لأن هؤلاء يجعلون من عطاياهم لكم وتوجّههم إليكم بل وابتساماتهم في وجوهكم وسيلةً لرشوتكم، فإن خضعتم لهؤلاء اضطررتم طوال عمركم إلى التكفير عمّا جَنَتْه أيديكم، ولذا عليكم أن تقنعوا بما في أيديكم ولا تستجدوا شيئًا من أحدٍ، فإن كنتم متزوّجين من واحدةٍ فلا تتطلّعوا إلى الثانية، ولا تنسوا أن هؤلاء الحكام وأرباب الدولة يودّون أن يسيطروا عليكم بما سيضربونه من أغلال على أيديكم”، ومن ثم فإنني أرى أنه ينبغي لمن جعل الأولويّة في حياته للخدمة أن ينأى بنفسه عن أيّ عملٍ قد يؤدّي إلى سوء الظنّ فيه، وألّا يحوم ألبتّة حول مواضع التهم والشبهات، فمثلًا عليه أن يأخذ حِذره ولا يمر من أمام الماخورة حتى لا يجعل أحدًا يقول عنه: ماذا كان يفعل هؤلاء هنالك؟ ولذا لا بدّ من توخّي الدقة والحذر حتى لا يُنسب العيب الذي يقوم به الفرد إلى الجماعة.

لكن علينا ألا ننسى أبدًا أننا مهما راعينا الدقة؛ فلا بدّ من التعرّض لسهام النقد والاتّهام، فهناك بعضُ الناس رغمَ أنكم تبعثون روح الوحدة والتضامن فيمن حولكم وتترنّمون بالحب دائمًا ولا تقفون موقف العداء من أيّ واحدٍ ؛ فإنهم يحملون لكم كلّ حقدٍ وغلٍّ، فلا يصافحونكم ولا يحتضنونكم بل ويردّون باشمئزازٍ على تبسماتكم، وعند ذلك لا يكون أمامكم إلا أن تعرضوا حالكم على ربّكم وتتوسّلون مبتهلين ومتضرعين إليه، ولا تنسوا أن هذه الأمور كانت موجودةً منذ آدم عليه السلام وستظلّ إلى أن يرثَ الله الأرض ومن عليها.

المهم هنا هو أن يتجنب أرباب الحق في حياتهم على المستوى الفردي والأسري والاجتماعيّ كلَّ فعل أو تصرّفٍ قد يجلب العار والخزي للحركة التي ينتسبون إليها، علينا بعد استنفاد أسباب الإرادة التي منحها الله لنا أن نلجأ إليه سبحانه مستعينين بحفظه وعنايته قائلين: “اللهمّ لا تُخْزِ أصدقاءنا بنا ولا تخزنا بأصدقائنا”، فالإنسان مؤهّلٌ دائمًا للوقوع تحت أسارة نفسه؛ لأن العديد من الذنوب ونقاط الضعف تنتج عن الأهواء والرغبات التي قد تسوق الإنسان إلى الوقوع في المهلكات، فضلًا عن ذلك فإن الشيطان يُزيّن للإنسان دائمًا هذه المهلِكات ويُزخرِف له الذنوب والآثام، فمن لم يحذر ويتنبه لكلٍّ من هذه المهلِكات انساقَ وراءها دون وعي، وصار وصمة عار -والعياذ بالله- لمن حوله.

من أجل ذلك على الإنسان -الذي ينتسب إلى حركةٍ تتعلق بها الآمال- أن يتجنّب كلّ ما يمسّ شرفه وكرامته، وأن يحرص على الصمود ضدّ غوايات النفس والشيطان، وألا يتنازل عن صدقه وأمانته أبدًا، وأن يتحرّز من الاعتداء على حقوق الآخرين الذين يشاركونه الدرب نفسه؛ فإذا ما رفع يديه إلى السماء دعا الله في طمأنينةٍ وسكونٍ قائلًا: “اللهم اخسف بي الأرض ولو كانت لي ألف روح ولا تجعلني سببًا في جلب العار والخزي إلى أصدقائي”، وهذا تعبير عن مدى الصدق والوفاء للدعوة، فيجبُ على كلّ روح أوقفت نفسَها للخِدمة أن تبذلَ قصارى جهدِها وكأنها ممثل للأمن والصدق والعصمة لعدم تشويه صورة أصدقائها وعدم إفساح المجال للوقوع في أيّ خطإٍ مهما كان صغيرًا؛ أجل، عليهم التحلّي بروح الاستغناء على الدوام وعدم الاستجداء من أحد، والقناعة بما وهب الله، والابتعاد عن أيّ عملٍ يمسّ الشرف والكرامة.

وعلينا ألا ننسى أن الإنسان الذي يسعى إلى أن يكون صوتَ الحق والحقيقة قد يكون بتصرّفاته وأفعاله الصادقة أكثر إقناعًا من كلامه؛ لأن المغالاة التي لا تعبّر عن الحقيقة أو تتجاوز المقصد قد تستهوي المخاطبَ لبعض الوقت، ولكنْ فضلًا عن أنها تترك أثرًا إيجابيًّا في النفوس فهي عقبات تحول دون عملية الإقناع، فالتصرفات التي تأخذ صفة الاستمراريّة لا يتسرّب إليها الكذب، لأنها تجري دائمًا في مجراها الصحيح، والإنسان الذي يملك الإقناع هو ذلك الإنسان الذي يوحي بالصدق والوفاء دائمًا، ولا يتخلّى عن عفّته وشرفه مطلقًا، ويبعث الأمان والثقة فيمن حوله، ولذا يمكننا أن نقول باطمئنانٍ إن التمثيل مُقدّمٌ على التبليغ.

 لا بدّ أن يسبقَ الحالُ القالَ

فمن صفات النبوّة التي كان يتحلّى بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: التبليغ؛ بمعنى تبليغ أمته الرسالة التي تلقّاها عن ربه عز وجل، لكن إن لم يمثّل ويُطبّق هذا القرآنَ المعجز البيان الذي أنزله الله تعالى شخصٌ مثل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان هناك بيانٌ يعلن عن نفسه بما يُحدثه من دويٍّ في آذاننا حتى عصرنا الحاضر، وما وجد له صدًى في النفوس بهذا المستوى، فالقرآن الكريم الذي نُعلّقه في بيوتنا وغُرَفِ نومِنا ونحفظُه في محافظَ حريريّة لم ولن يتّضح تأثيرُه إلا على أيدي الذين يمثّلونه حقّ التمثيل، ومن ثم فإن عمق التمثيل بالحال لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقدّم على عمق التبليغ بالقال، ولقد دُعي صلى الله عليه وسلم للعروج إلى السموات العلى ليس لأنه بلغ القرآن فقط بل لأنه مثّله في الوقت نفسه حقّ التمثيل.

التواضع وعدم إثارة عرق الغبطة

يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثٍ له:

“سيد القوم خادمهم”[1].

وكان من أعظم ممثّلي هذه الروح بطلُ الإسلام صلاح الدين الأيوبي، كان أولَ حاكم يستخدم لقب “خادم الحرمين”، ولما سمع السلطان “ياووز سليم” -أسكنه الله فسيح جناته- الذي كان يمثل الروح نفسها الإمامَ يقول في خطبته “حاكم الحرمين”، انزعج كثيرًا، واستوى قائمًا على ركبتيه من فورِه قائلًا: كلّا، بل خادم الحرمين، ثم أخذ الذين جاؤوا من بعده يلقّبون أنفسَهم بهذا اللقب، من أجل ذلك يجب على الأرواح التي نذرت نفسها للخدمة أيًّا كان موقعها في الحياة الاجتماعيّة أن تعتبر خدمة الآخرين هي أعلى منزلةٍ لها، وأن يقولوا في أنفسِهم إذا اقتضت الحاجة: “ينبغي للإنسان أن يعتبر نفسه خادمًا وساقيًا بين هؤلاء الذين يعشقون الخدمة ويلتفّون حول منطِقٍ وفكرةٍ وغايةٍ واحدة”، وأن يهرعوا لخدمة الآخرين.

من جانبٍ آخر قد تُثيرُ نجاحات البعض في مجالاتٍ معيّنةٍ غبطةَ الآخرين، بل قد يتحوّل هذا الشعور بالغبطة إلى حسدٍ وغيرةٍ لدى ذوي النفوس الضعيفة، وهنا يجب مراعاة المبادئ الإلهية التي وضعها الإسلام لتربية النفوس، ولقد وضع بديع الزمان سعيد النورسي -رحمه الله رحمة واسعةً- في ضوء هذه المبادئ دستورًا ذكر فيه ضرورة عدم إثارة طلاب القرآن الحقيقيين لمشاعر الغبطة لدى إخوانهم[2]، مع أن الغبطة شعور لا حرج فيه في الإسلام، ولكن إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الغبطة تقع على حدٍّ متاخمٍ للحسد فسيتبيّن لنا أن الإنسان الذي ينتابه الشعور بالغِبطة قد يعبر إلى الطرف المقابل -أي الحسد- دون وعيٍ منه، ولذا جعل بديع الزمان عدم إثارة عرق الغبطة من مسؤوليات طلبة القرآن، أما السبيل للخروج من هذا المأزق فهو تقدير كلّ من يسعى للخدمة وإيثار الآخرين على نفسه في حينه، فهناك البعض من الناس قد تتغلّب عليهم بعض نقاط ضعفهم مثل حبّ الاستحسان لما يفعلون، والتهليل لهم، والإعجاب بهم، وحبّ المنصب والمقام، وعلى ذلك لا بدّ أن يُخصّص لكلّ إنسانٍ المجال الذي يناسبه، وتُوسّع الدائرة التي سيتحرّك فيها، وبتنوّع المجالات يمكن للأفراد القيام بخدمات أوسع وأرحب، وبذلك يقنعون بالعمل الذي يقومون به، وبجانب هذا لا بدّ من العمل على تزويد هولاء بالإيمان والأخلاق الحسنة، وتقوية علاقتهم بربّهم، ومعرفة أن كل ما بحوزتهم إنما هو من الله وحده.

خطر الثبات على القمة

ومن الأمور التي لا بدّ من مراعاتها أيضًا الثبات على الاستقامة، فقد يوجّهنا الحق سبحانه وتعالى إلى طريق مستقيم، ولكن لا يكفي سلوك الطريق المستقيم فحسب، بل لا بدّ من مواصلة السير في هذا الطريق حتى النهاية في حيطةٍ وحذر، هناك قول جميل يرويه بعضهم على أنه حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الناسُ كلُّهم موتى إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون، والعاملون كلهم غرقى إلا المُخلِصون، والمخلصون على خَطَر عظيم”[3].

وإذا كان لنا أن نطلق اسمًا على هذا الخطر العظيم نقول: خطر الثبات على القمة، من أجل ذلك يجب أن ترتعد فرائصنا أيًّا كانت القمّة التي بلّغنا الله إيّاها خوفًا من أن ننقلب رأسًا على عقِب، لقد هدى الله تعالى أتباع الديانات السماوية السابقة إلى الطريق المستقيم، ولكن وقعت بعض الانحرافات في خطّ الدائرة وتعذّر تلافيها لأن هؤلاء لم يراعوا المبادئ الواضحة في مركز الدائرة، فوُصم بعضُهم بالضالين، وحُكم على الآخرين بأنهم من المغضوب عليهم، ومن ثَمَّ: فإذا كان من الصعب سلوك الطريق المستقيم؛ فالأصعب من ذلك هو مواصلة السير في هذا الطريق.

أجل، من الصعب الوصول إلى القمة لكن الأصعب هو المحافظة على التواجد فيها، وفي هذا السياق يشير الأستاذ النورسي رحمه الله رحمة واسعة إلى “أنّ مَن يهوي من برج الإخلاص ربما يتردّى في وادٍ سحيق إذ لا موضع في المنتصف”[4].

الاستخدام حسب القابليات

 ثمّةَ أمرٌ مهمّ لا بدّ من أن تلتفت إليه الأرواح المتفانية حتى يمكنها أن تقدّم خدماتها على مستوى أرحب وأوسع ألا وهو تدبّر الأشياء والأحداث وتجنّب محاربة الفطرة، لقد خلق الحق سبحانه وتعالى الناسَ بطبائع مختلفة ووهبهم أيضًا قابليّات ومهارات متباينة، وربما لا يترك البعض تأثيرًا مباشرًا فيمن حولهم لأنّ علاقتهم ضعيفةً في الحياة الاجتماعية، فمثلًا هناك أناس يمكنهم أن يعبّروا بأقلامهم عن الحقّ والحقيقة ويؤثّرون في العديد من الناس ويثيرون شعور الانبعاث في القلوب بكتاباتهم، ولكن إن عُرِضَ عليهم التحدّث في مكانٍ ما قد يخسرون كل المكانة التي حظوا بها بكتاباتهم في أول محاضرة لهم؛ لأن الله تعالى لم يمنحهم مهارة التحدّث بقدر ما منحهم مهارة الكتابة، ولكن هؤلاء أنفسهم يحالفهم الكثير من النجاح والتوفيق عندما يشرحون القيم التي يؤمنون بها من خلال كتبهم ومقالاتهم وما شابه ذلك، من أجل ذلك يجب على الإداريّين والمسؤولين أن يكونوا على وعيٍ تامٍّ بهذه المسألة ويكلّفوا الناس بالعمل الذي يتناسب مع قدراتهم وأهليّاتهم.

ولا يعزب عن علمكم أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أرسل سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى اليمن للإرشاد والتبليغ نزولًا على رغبته، ومرّ على ذلك -كما روى أبو موسى الأشعري- يومان وثلاثة وأسبوعان وثلاثة وما من رائحٍ أو غادٍ، في الواقع لم يكن سيدنا خالد رضي الله عنه بالشخص الذي لا يستطيع الخطابة، ولكن الحقّ تبارك وتعالى جعله مرجوحًا في عالم الإرشاد، راجحًا في عالم القيادة؛ بمعنى أن الله تعالى جعله مفضَّلا في جانب آخر، فلو أن خالدًا رضي الله عنه كان خطيبًا مفوّها على مستوى بعض الصحابة الذين قلّ أن نجد لهم مثيلًا في التاريخ فمن كان إذًا سيدكّ أركان بيزنطة، ويدمّر الساسانيين، ومن ثم رجع سيدنا خالد رضي الله عنه من اليمن إلى المدينة، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن بدلًا منه سيدنا عليًّا كرم الله وجهه، ذلكم الصحابي الجليل الذي أثار الانفعالَ في الأرواح بكلامه، وأوصل صوته إلى ما وراء العصور، ووهبه الله ميّزةً وخصوصيّةً معيّنةً فكان خطيبًا وواعظًا وناصحًا، وما أن وصل رضي الله عنه إلى اليمن واستقر به أيامًا قليلةً حتى توافد الناس على الدخول في الإسلام؛ لأن هذا الجبل الأشمّ كان يعلم متى وأين وماذا؟ يجب أن يتحدث حتى يستطيع النفاذ إلى القلوب.

وهكذا فإن الوظيفة الملقاة على عاتق الإداريّين هي التعرّف على مختلف قابليات من حولهم كلٌّ على حِدة، واستغلال كلّ في مكانه الصحيح حتى يمكن الاستفادة منهم بشكلٍ مثمِرٍ، فكما أن تكليفَ النملة بما يحمله الفيل يسحقها ويقهرُها فكذلك إذا كلفنا الفيل بما تحمله النملة -وهو الذي يقدر على خلع غابةٍ والذهاب بها- نكون قد قلّلنا من قدر الفيل وأضعنا كرامته.

ومع أن مراعاة ماهية طبائع الأشخاص وقابلياتهم يُعدّ أمرًا مهمًّا عند توزيع الأعمال؛ إلّا أنّه لا بدّ ألا يغيب عن أذهاننا أن التأثير الحقيقي إنما هو من الله سبحانه وتعالى، فمثلًا لقد تعرّفتُ على أناس لا يملكون مهارة الحديث ويتعسّرون في تكوين ثلاث جُمَلٍ متتابِعةٍ للتعبير عن مقاصدهم ومع ذلك تراهم إذا تحدثوا تبدتْ مشاعر اللين والرقة لدى المخاطبين، وليس بوسعنا أن نُرجِع هذا التأثير إلى هيئة هذا المتحدث أو إلى شمائله أو قدراته أو سعة فكره، أو مهارته في الحديث، يعني أن القلوب بيد الرحمن سبحانه وتعالى، وهو الذي يهدي من يشاء إلى الصراط المستقيم، ومن ثمّ ينبغي لأرباب القلوب ألا يستخفّوا بأي عملٍ يقومون به في سبيل الله، وعليهم القيام بالمسؤوليات التي تُناط بهم من خلال استغلال كلّ الوسائل التي من شأنها النفاذ إلى القلوب مثل دعوة الآخرين على الشاي، واستضافتهم لتناول الطعام، وزيارتهم أحيانًا…

التوازن بين الواقع والمثالية لدى القلوب المتفانية

من جانب آخر لا بدّ من عدم الخلط بين الواقع والمثاليات؛ أجل، لا بدّ من إعلاء الهمم، والسعي وراء الأهداف السامية، كما يجب على السائرين في سبيل الغاية السامية أن ينشدوا غايات مثلى حتى يمكنهم تغيير وجه العالم في لحظةٍ واحدة؛ لأنه إن كانت الهممُ عاليةً والإمكانيات قاصرةً عن إنجاز هذه الأعمال جبَرَ اللهُ تعالى هذا القصور بفضله وبسبب النوايا الطيبة، وجازى الشخصَ بما يتناسب مع الهدف الذي كان ينسجه في خياله؛ بمعنى أن الإنسان ينال ثواب نواياه الجميلة التي لم تتحقّق.

على الإنسان أن ينشد المعالي، وأن يوسّع من دائرة غاياته العليا، ولكن مع كل هذا ينبغي مراعاة عناصر الزمان والمكان والإمكان والإنسان لتحقيق ما يصبو إليه من أفكار، لا بدّ من مراعاة الظروف القائمة ومدى إمكانية تحقق الأفكار الجميلة من عدمها حتى لا تتعرض أعماله للخطإ والخسارة.

أحيانًا يسلك البعض طريقًا لتغيير لون العالم ويعيش نوعًا من الأوطوبيا كـ”المدينة الفاضلة” للفارابي و”مدينة الشمس” لكامبانيلا، ويتخيل في هذا العالم المتخيّل أن الناس إذا ما تقابلوا مع بعضهم تعانقوا، وإذا ما ذهبت الأسود والذئاب إلى الأغنام طلبوا السماح منها، كما أن السوق أصبح يزدان بالروعة والبهاء لدرجة أن الناس الذين يتسوقون فيه غدوا كالملائكة، فالجميع في هذا العالم لا يحيد ولا يزيغ عن الاستقامة قدر أنملة، حتى إن الأطفال قد صاروا كالملائكة عندما وصلوا إلى مرتبة النضج أو البلوغ وناهزوا خمسة عشر عامًا، دون حاجة إلى تربية أو تعليم.

أجل، من الممكن التفكير في كلّ هذا وتصوّره، ولكن تحقيق هذا أمرٌ مختلفٌ تمامًا. إنكم مضطرّون هنا إلى مراعاة طبيعة الإنسان وعلاقات الناس ببعضهم، فما صادفنا حياة بهذا المستوى حتى في محيط الأنبياء، ولم تكن الأسواق على هذه الدرجة من الاستقامة، ولم تتأسّس مثل هذه الأخوة بين الذئاب والشياه، ولم تُعرِض الأسود عن أكل اللحوم وتتّجه إلى أكل العشب أبدًا.

وفي رأيي أن الواقع ما دام يشير إلى هذا فلا بدّ أن نضع في اعتبارنا مسألة تحقُّق المثاليّات التي نطمح في الوصول إليها فإن كنا ننتظر ممّن يعملون معنا أن يغيّروا وجه العالم وأن يقوموا بخدمات تضفي وجهًا جديدًا عليه فلا مفرّ من أننا سنُمنى بخيبة الأمل وستتحطم أماني الآخرين الذين علّقوا آمالهم علينا، وذلك لأننا بنينا الأحكام على الخيال وتعلّقنا بأمورٍ يصعُب تحقيقُها، ولذا لا بدّ من مراعاة قابلية كلّ فرد على حِدَةٍ حتى لا ننتهي إلى مثل هذه العاقبة، ونقسّم الأعمال تبعًا لذلك، ونأخذ في الحسبان عناصر الزمان والمكان والإمكان والإنسان عندما نودّ تحقيق ما نريد من أفكار جميلة.

 

[1] البيهقي: شعب الإيمان، 10/582؛ الديلمي: المسند، 2/324.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، دستوركم الثاني، ص 221.

[3] العجلوني: كشف الخفاء، 2/312.

[4]  بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، دستوركم الرابع، ص 224.

 

 

ابتلاءات طريق الحقّ والموقف الإيمانيّ منها

Herkul-ARB | | العربية

 

سؤال: ما المسؤوليّة التي تقع على عاتق القلوب المؤمنة إزاءَ الهجمات الوحشيّة الجائرة الناشئة عن مشاعر الغيرة والحسد؟

الجواب: لا بدّ أن ننوّه بدايةً على أنّ الجور والظلم الناشئَين عن الغيرة والحسد ما زالا قائمين من قديم الزمان حتى يومنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، لقد نشأ “قابيلُ” ابن سيدنا آدم عليه السلام في بيتٍ يتنزّل عليه الوحيُ زخًّا زخًّا، ورغم ذلك تكدّرت نظراته وطار صوابه حسدًا وغيرةً من أخيه، فتلطّخت يده بدمِ أخيه وقتله فأصبح من النادمين.

ولقد كانت تلك الحادثةُ -بحقٍّ- من أُولى ألاعيب الشيطان الرجيم، استغلَّ نقطةَ الضعف في الإنسان، وجعله يقوم بما وسوس له به.

وإن أوّلَ من يخطر على البال من الأنبياء الذين قتلَهم أقوامُهم هو سيدنا زكريّا عليه السلام، وكما تعلمون فقد اُستُبيحَتْ دماءُ كثيرٍ من الأنبياء على يد أقوامهم، أما سيدنا داود عليه السلام فرغم أنه انتَشَلَ قومَه ممّا كانوا فيه من ذلٍّ ومهانةٍ إلّا أنّهم ألجؤوه إلى موقفٍ حرِجٍ؛ لدرجة أنهم افتروا عليه بشيءٍ نخجل حتى من إسناده إلى إنسانٍ عاديٍّ، ممّا دعاه إلى الحلف بالله على التابوت حتى يُبرِّئ نفسَه ممّا نُسب إليه، وكذلك دارت الأكاذيب والافتراءات حول سيدنا سليمان عليه السلام، وأشاع عنه قومه أنه -حاشا لله- دجّالٌ ومشعوذٌ وساحرٌ، ولم يسلم مفخرةُ الإنسانيّة صلوات ربّي وسلامه عليه من هذا؛ إذ لم يتقبّل قومُه أن يخصّه الله تعالى بالاصطفاء بالنبوّة، وامتلأت قلوبهم حسدًا وغيرةً، وادّعوا أنه -حاشا لله- ساحرٌ وكاهن.

خلاصةُ القول إن الأنبياء وأتباعَهم وكثيرًا ممّن بذل جهده مِن بعدهم في سبيل الحقّ والحقيقة؛ قد تعرضوا لشتّى أنواع الافتراءات والهجمات الوحشيّة والمهانة، ولا شكّ في استمراريّة وقوعِ مثل هذه المضايقات فيما بعد، وكذلك استمراريّةُ تعرُّضِ الذين يسيرون في سبيل الحقّ تعالى لكلّ صنوف الأذى والاضطهاد والافتراء.

مدة الابتلاء يحددها مالك الزمان

أما عن الوظيفة الملقاة على عاتق أرباب الحقّ إزاء هذه الأمور فهو تقبُّل المصائب التي تحلّ بهم بطمأنينةٍ وسكينةٍ، وعدم اللجوء إلى الشكوى، وعدمُ الامتعاض ممّن يرى المصائب خليقةً بهم، فكما رُوي عن الحسين بن منصور الحلاج الذي حُكم عليه بالإعدام بسبب قوله في حالة الاستغراق “أنا الحقّ”، أنه رفع يديه المقطوعتين إلى السماء والدمُ يخرّ منهما وقال: “اللهم لا تنزع روحي حتى تعفو عمّن رآني جديرًا بهذه العقوبة”، ولا يختلف هذا القول عن ذلك القول الذي قيل بعد مرور ثمانية قرون “أما الذين ظلموني وجرْجَروني من مدينةٍ إلى أخرى، والذين أرادوا وَصْمِي بمختلفِ التُّهم والإهانات، وأفردوا لي أماكن في الزنزانات فقد غفرتُ لهم ذلك وتنازلتُ عن حقوقي تجاههم”[1].

أجل، على السائرين في هذا الطريق أن يعلموا أنهم سيتعرضون لا محالة لشتّى أنواع الأذى والمضايقات، ومن ثمّ عليهم ألا يستاؤوا من هذه الأمور أو يتبرّموا منها مطلقًا، وكذلك لا ينبغي لهم أن يترنّموا بآلامهم كما يفعل بعضُ الشعراء، ولا يتذمّروا من القضاء والقدر، ولا يخلِّفوا شكواهم وتذمّرَهم للأجيال القادمة مِن بعدهم، ولا ينبغي للإنسان أن ينتقد القدر قائلًا: “إلى متى؟”، بل يجمُل به أن يعرف كيف يجعل مشاعره لا تتجاوز صدره فإن أبت إلا أن تُترجم إلى صراخٍ وأنين؛ فليلجأ إلى مكانٍ بعيدٍ عن مرأى البشر ومسمعِهم فيبثّ حزنه إلى الله مالك الزمان؛ لأن مدة الابتلاء إنّما يحدّدها مالكُ الزمان، فإن تدخّلتم في شؤونه وقعتم في مأزقٍ كبيرٍ، فالأصل هو مقابلة كلّ أمرٍ من أوامر الله برضًا واحترام.

قد يتأتّى الجفاءُ من الجلال أحيانًا، وقد يتأتّى الوفاء من الجمال أحيانًا أخرى، لكن المهمّ هو أن نعرف أنّ كليهما واحدٌ، بمعنى أنه يجب علينا ألا نفرح بصفاء الجمال، ولا نتحسّر على جفاء الجلال، فإن أعرب الإنسان عمّا أصابه قائلًا: “ماذا فعلت حتى يصيبني كلّ هذا؟ لماذا تحلّ بي كلّ هذه المحن والمصائب؟ لماذا هذه الشائعات والافتراءات؟ لماذا كلّ هذا الحسد والغيرة؟” فهذا يعني أنه جاهل بسنّة الله تعالى في خلقه، فلقد ابتُلي الأنبياء الكرام والأولياء العظام وامتلأت قلوب قومهم حسدًا وغيرةً منهم، فما الضير إذًا إن تعرضتم لمثلِ ما تعرضوا له؟

 

لا تبالوا بما يُقال، وغذّوا السير في هذا الطريق المستقيم

وما أعذب قول الشاعر الحكيم:

إن أصاب حجرُ المقلاعِ -خطأً- سلطانيّةً ذهبيّةً

فلا ترتفع قيمة الحجر، ولا تنقص قيمة السلطانيّة

فإن كنتم سلطانيةً ذهبيةً بحقٍّ فلا يضرّكم افتراءاتهم ولا استنكارهم لكم، فعلى أرباب الحقّ إزاء ما يقوم به بعض السفهاء من أمورٍ هو عدم الاكتراث بكلّ هذا ومواصلة الطريق الذي يعتقدون استقامتَه، عليهم ألا يعبؤوا بالكلمات النابية الموجَّهة إليهم، ولا يشتّتوا أذهانهم بها، بل عليهم أن يشحذوا كاملَ همّتهم، ويُكثّفوا جهودَهم للقيام بالأمر المنوط بهم، عليهم أن يتقنوا أعمالَهم، ثم يفوّضوا الأمر في النهاية إلى الله سبحانه وتعالى، لأنّ مِن أهمّ الخصائص التي يتّسم بها الجيل الجديد في المستقبل كما ذكر ربّنا تبارك وتعالى: ﴿وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 54/5).

وكل هذا يذكّرني بقول الشيخ محمد لطفي أفندي رحمه الله:

يقول عاشق الحقّ عن المؤْذي:

لا تمتعض ممّن يؤذي

فمن امتعض من الأذى

قلّتْ درجتُه عن المؤذي

فإن كان لديكم أملٌ في الكمال في الآخرة فتجنّبوا ادّعاءَ الكمالِ في الدنيا؛ لأن هذا من أمارات عدم الكمال، كما أنّ تكبُّرَ الإنسان وتشوّفه لتصفيق الناس وتقديرهم ما هو إلا استثمارٌ مآلُه الخسارة بل إلى الإفلاس في الآخرة؛ لأن مَن استنفذ في الدنيا كلّ الجماليّات التي منحها الله تعالى له استحقّ وعيدَ الآيةِ الكريمة: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ (سُورَةُ الأَحْقَافِ: 20/46).

ولذا يجب على المؤمنين أن يطمحوا إلى الكمالات التي سيهبها الله تعالى لهم في الآخرة، ويتحلّوا بالصبر في الدنيا حتى لا ينقصهم أيُّ شيءٍ في الآخرة، فإن فعلوا ذلك ما استطاع أحدٌ -بمشيئة الله تعالى- أن يحول بينهم وبين ما يقومون به من أفعال الخير، يكفي الأرواحَ التي نذرت نفسَها لإضاءة نجمِ مستقبلِ أمّتها أن تستمرّ على المنهج التي أقسمت أن تتفانى في سبيله، وإلا فإن جُرُّوا وراء أطماعهم الدنيويّة كامتلاك البيوت والثروات واستثمار الأموال للتنعُّم بها في المستقبل؛ سلب الله تعالى منهم كلّ إمكانيّات الخدمة واستبدلَ بهم خَلْقًا جديدًا قادرًا على التحمّل غير خاضعٍ للدنيا وأهوائها، من أجل ذلك يجب على من نذروا أنفسهم في سبيل الحقّ ألا يتزحْزَحُوا عن منهجهم حتى آخر قطرةٍ في حياتهم.

 

الاستغناءُ هو أكبر رصيد

وجاء فيما روته كتب الحديث المعتبَرة مثل البخاري ومسلم من طرقٍ شتّى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى طعامًا إلى أجلٍ من يهوديّ، ورهنه درعَه[2]، غير أنه صلى الله عليه وسلم ارتحل إلى الرفيق الأعلى قبل أن يسدّ دينه، فلما تولّى سيدنا أبو بكر الخلافة سدّد الدين وخلص هذا الدرع المبارك -هذه الذكرى النبوية- من الرهن، ثم استودعه لسيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.

وهذا يعني أن “خُلاصة العفاف والطهر” صلوات ربي وسلامه عليه؛ لم يرَ من المناسب الاستدانة من أصحابه رضوان الله عليهم واعتبر الاستدانة منهم مخالفةً لمبدإِ عدم التشوّف للأجر الدنيويّ في مقابل مهمّة الدعوة، وبذلك أكّدت هذه الواقعة مرّةً أخرى على أنه صلى الله عليه وسلم لم يسعَ وراء أيّ مصلحة مقابل تبليغه رسالة ربّه وتمثيلِها، أو مقابلَ إعلام الناس بوسائل السعادة في الدارين، وإرشاد أصحابه على وجه الخصوص إلى طريق الجنة، كما دلّت على أنه صلى الله عليه وسلم هو القدوة الحسنة لوارثي دعوى النبوّة.

وسيدنا أبو بكر رضي الله عنه كان قبل خلافته تاجرًا، وكان يغدو كل يوم إلى السوق فيبيع ويبتاع، وكانت له قطعة غنم تروح عليه، وربما خرج هو بنفسه فيها، وربما رُعيتْ له، وكان يَحلب للحيّ أغنامَهم، فلما بُويع بالخلافة قالت جارية منهم: “الآن لا يحلب لنا منائح دارنا”، فسمعها فقال: “بلى لعمري لأحلبنّها لكم، وإني لأرجو أن لا يغيِّر بي ما دخلتُ فيه”. فكان يحلب لهم، ولكنه بعد مدّةٍ وأمام إلحاح خيار الصحابة رضي الله عنهم وبعدما رأى أن أمور المسلمين لا تصلُح مع التجارة وما يصلُح إلا التفرغُ لهم والنظرُ في شأنهم ترَكَ التجارةَ وارتضى بما اقتطعوه له من راتبٍ جزئيٍّ يُصلِحه وعيالَه يومًا بيوم، ويحجّ ويعتمر، ورغم أن مسألة تقاضي الراتب في مقابل خدمته كان يرهقه دائمًا؛ إلا أنّه تحمّل ذلك حتى لا تتعطّل مصالح المسلمين، ومع ذلك كان يتحرّى الدّقّة البالغة وترتعش يداه عند إنفاق هذا الراتب المقدّر له، فلما حانت وفاتُه قال: “رُدُّوا ما عندنا من مال المسلمين فإني لا أصيب من هذا المال شيئًا، وإنّ أرضي التي بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصبتُ من أموالهم”. فدَفع ذلك إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه ودفع إليه بعيرًا وعبدًا وقطيفةً ما تساوي خمسة دراهم، فلم يتمالك عمرُ دموعَه أمام هذا المشهد، وقال: “رحم الله أبا بكر، لقد أَتْعَبَ مَن بعده تعبًا شديدًا”[3]، قال ذلك، ولكن لم تكن حياته بأقلّ من سلفه.

 

مفهومُ العزّة والشرف والخطأ في فهمهما

أخطأ بعض المغرورين في فهمهم لمقولةِ “التكبّر على المتكبّر صدقة”، بيد أن سيدنا عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليه استطاع أن يُرغم الآخرين على طاعته والانقياد له مع كامل تواضعه وبساطته، فُتحت في عهده سوريا وفلسطين، وبعد الفتح طالب الفاتحون أعيانَ القدس بمفاتيح المسجد الأقصى، فرفضوا قائلين: لقد قرأنا في كُتبنا أوصافًا لمن يتسلّم مفاتيح مدينة القدس، ولا نرى هذه الأوصاف في أيّ واحدٍ من قادتكم، فأرسلوا إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وطلبوا منه الحضور ليتسلّم المفاتيح بنفسه، ما داموا لا يُريدون القتال، ويُريدونَ تسليم المفاتيح والسلم، ولا نـُريدُ أن ندخلَ معهم في قتالٍ حتى تأذنَ لنا، فركب عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومعه غلامه، وكانا يتناوبان على ركوب الدابّة فكلّ واحدٍ منهما يركب مرحلةً ويمشي مرحلة ثمّ يتركان الدابّة ترتاح مرحلةً، وهكذا دواليك، وعندما قاربا على مشارف بلاد الشام وقريبًا من القدس؛ قابلتهم مخاضةٌ من الطين بسيل وادي “عمواس”، فقال له أمين هذه الأمة أبو عُبيدة عامر بن الجراح: أتخوض الطينَ بقدميك يا أمير المؤمنين وتلبس هذه المُرقعة وهؤلاء القوم قياصرة وملوك ويُحبون المظاهر، وأنت أمير المؤمنين؟ فهلّا غيرت ثيابك وغسلت قدميك؟ وهذا مقام عزة وتشريف للمسلمين بتسلم مفاتيح القدس، فقال عمر: “نحن قومٌ أعزّنا الله بالإسلام فلا نطلب بغير الله بديلا”[4] وركب عمر رضي الله عنه وسار الغلام، ثم تناوب معه حتى قال أمراء وقادة الجند، نتمنى أن تكون نوبة عمر على الدابة حينَ يدخل على حاكم القدس، ونخشى أن تكون نوبة الغلام، فحصل ما كانوا يحذرون، ودخل الغلام راكبًا وأمير المؤمنين يمشي على قدميه، ولما وصلوا نظر “صفرونيوس” -حاكم القدس- إلى عمر وأمعنَ النظر في ثوبِهِ، وهو يقودُ الدابة لغلامه، فسلّمهُ مفاتيح القدس، وقال له: أنتَ الذي قرأنا أوصافه في كتبنا يدخلُ ماشيًا وغلامهُ راكبًا وفي ثوبه سبع عشرة رقعة -وفي رواية أربع عشرة رقعة- لكثرة احتكاك ثوبه ببرذعة الدابة ولطول السفر، كان عمر يرقعُها ليضيفَ أوسمة شرفٍ جديدةً إلى ثوبه.

 

مَن قدوة أصحاب المثل الدنيء القائل: “مال الدولة بحرٌ من لا يأكل منه فهو أحمق”؟

وكان سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه رجلًا غنيًّا في قومه، لكنه وإن كان لم يدَعِ الدنيا كسبًا فقد تركها قلبًا، ولمّا دُعي الصحابة رضوان الله عليهم لتجهيز جيش العسرة الذي سيتحرّك إلى تبوك تبرّع رضي الله عنه بثلاثمائة بعيرٍ بأحلاسها وأقتابها[5]، كان سخيًّا كريمًا حتى إنه أنفق ما أنفق دون تبرُّمٍ أو ضيقٍ، وفي اعتقادي أن مفخرةَ الإنسانيّة صلى الله عليه وسلم لو قال له: أنفق كلّ مالك؛ لأنفقه في سبيل الله على الفور.

أما صهر النبي سيدنا علي حيدر الكرار كرم الله وجهه فكانت الدولة الإسلامية في عهده تبلغ مساحتها عشرين ضعف مساحةِ تركيا حاليًّا؛ حيث وصلت جيوش الإسلام إلى بلاد ما وراء النهر وإلى سدّ الصين، وبلغت من جهةٍ أخرى مضيق جبل طارق، كان رضي الله عنه على رأس هذه القوة العظمى وحاكمَ تلك الدولة المترامية الأطراف، ومع ذلك كان يلبس ثياب الصيف في فصل الشتاء، فلما سُئل عن ذلك قال: “لم أستطع أن أوفّر إلا هذا القدر بالإمكانيّات المتاحة لي”، إن هذا السلوك -الذي يطلِق عليه سيد قطب العدالة الاجتماعيّة- لهو العدالة الحقيقيّة، وتجسيدٌ لروح الإنسان العالية، وهو التكامل مع المجتمع، وإيثارُ الآخرين أو الحياةُ من أجل الآخرين.

وكذلك كان سيدنا الحسن والحسين وأمهما السيدة فاطمة وأمنا السيدة عائشة رضي الله عن الجميع، كانوا يحملون نفس الأفكار والمشاعر، فقد عاش هؤلاء ومَن سار على نهجهم محمّلين بهذه الروح من التفاني وعدم التشوّف لأيّ أجرٍ دنيويٍّ، ولذا لا بدّ أن نسأل مَن ليسوا على شاكلتهم: مَن قدوتكم؟ قولوا لي بربكم من قدوتكم في مصاييفكم ومشاتيكم؟ قولوا لي بربكم مَن قدوتكم عندما تعملون لأبنائكم وأحفادكم وتقولون: إن مال الدولة بحرٌ…، ألا يعلمُ الذين لا يُفرّقون بين حلالٍ وحرامٍ أنّ العاقبةَ الوخيمةَ -التي مُنِيَ بها أمثال قارون ورمسيس وأمنوفيس- تنتظرهم أيضًا؟ فليتّقوا الله.

أجل، على مَن نذروا أنفسَهم للخدمة كأسلافهم أن يحافظوا على جلالِ وشرفِ الشعور بالتفاني، فإن أرادوا النفاذ إلى القلوب فعليهم أن يتعاملوا مع مخاطبيهم بتواضعٍ وتفانٍ وخجلٍ، وأن ينسلخوا كلّيًّا عن الكِبْر، كما يجب عليهم ألا ينشغلوا كثيرًا بأبنائهم وأحفادهم، أو يفكّروا في راحتهم ورفاهيتهم الدنيويّة، عليهم أن يسيروا في سبيل تحقيق غايتهم المثلى ليس إلّا، ويحاولوا أن يقيموا مرّةً أخرى صرح روحنا المتهدّم، وإلا فمن لم يعمل بروح الاستغناء فلا بدّ أن يتغلّب عليه الحسد كـطالوت وإن بدا كسيدنا داود عليه السلام، وسيهلك كـقارون وإن كان في بداية أمره كسيدنا هارون عليه السلام، لأنه ما من أحدٍ حتى الآن طلب الدنيا واستسلم لها إلا هلك،كما كان الشيخ محمد لطفي أفندي يقول: “كم من أشخاص جسامٍ وسلاطين ذوي وجوهٍ نورانيّةٍ وملوكٍ وأباطرةٍ كـ”خسرو أنو شيروان” غرقوا في بحر الدم والقيح والصديد الذي نُطلق عليه اسم الدنيا.

وعلى ذلك فلا بدّ أن يضحّي السائرون في سبيل الغاية السامية بكلِّ شيءٍ في سبيل روح التفاني التي هي مصدر القوّة والعزّة لهم، عليهم أن يرحلوا من الدنيا صفرَ اليدين كما دخلوها على النحو نفسه، ولا يضيّعوا ألبتّة هذه الغاية المثلى، وإنني أدعو الله ربّ العالمين ألا تخدعَ الدنيا هؤلاء العاشقين لهذه الدعوة السامية وألّا تتغلّب عليهم أو تقهرهم.

يقول “ضيا باشا” رحمه الله: “الجاهل يعيش في ترفٍ ونزهةٍ ورخاءٍ، والعارف يسبح في دوّامة المحن والبلاء”، فدعونا نسبح في دوامة البلاء، ويكفي ألا تخدعنا الأبّهة التي يعيش فيها الآخرون، علينا أن نرحل ناصعي الوجوه إلى الدار الآخرة فإذا ما رقدْنا في قبورنا وسألَنا منكرٌ ونكيرٌ: ماذا خلّفتم من متاع الدنيا؟ قلنا -بعد شيءٍ من التفكير- : والله لا يخطر ببالنا أيّ شيءٍ، وهذا هو أساس مسلَكِنا.

لا ريب أن هذا الأمر يختلف بالنسبة لمَن بدؤوا حياتهم بالاشتغال بالتجارة، وداوموا على ذلك، فهؤلاء يعملون ويكسبون ويدعمون المشروعات الخيريّة، ولكن لا تنسوا أن استغناءكم هو أكبرُ رصيدٍ لتوجُّه هؤلاء لكم وتلبيتهم لرغباتكم، فلو تعلّقْتُم بحبّ الدنيا -نسأل الله السلامة- هلكتم، وحتى لا يحدث ذلك علينا ألا نقع في حبّ الدنيا، حتى وإن أقبلت عليكم الدنيا بكل أبّهتها وسلطنتِها فعليكم أن تركلوها بأطراف أقدامكم وكأنها نجاسةٌ تُميطونها عن طريقكم، هذا هو سبيلُنا؛ ومن ثمّ لا بدّ أن تترسّخ الأفكار التالية في عقولنا عندما نرحل إلى الدار الآخرة:

ما تنعّمنا بالدنيا وما ابتغينا شيئًا من أهلها

وما لجأنا إلا إلى الحضرة الإلهيّة

فإذا أدركتم هذا المنحى في الفهم وحافظتم على استمراريّة تطبيقكم وانتهاجكم له؛فستعيشون أحرارًا طوال عمركم، ولن يكون لأحدٍ منّةٌ عليكم، ومن ثمَّ لا تنخدعون بمكر الآخرين ومؤامراتهم التي تُحيطُ بكم وتُحاكُ ضدّكم، فإن وقعتم في حبائلهم مرّةً أصبحتم أُلعوبةً في أيديهم على الدوام، وعند ذلك تفقدون ثقةَ وأمل مَن وثق بكم واعتمد عليكم، وحينها تلجؤون إلى المكر والكذب لتُخلّصوا أنفسَكم، وهذا يُعدّ أكبر إساءةٍ للإسلام والمسلمين.

 

 

 

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: الملاحق، ملحق أميرداغ-2، دار النيل-2010 القاهرة، ص 338.

[2] صحيح البخاري، البيوع، 14، 33، 88، الاستقراض، 1؛ صحيح مسلم، المساقاة، 124.

[3] الطبري: تاريخ الرسل والملوك، 432/3-433.

[4] ابن كثير: البداية والنهاية، 60/7، دار الفكر.

[5] سنن الترمذي، المناقب، 18.