Posts Tagged ‘الصدق’

الموقف الإيماني في الشدة والرخاء

Herkul | | العربية

   سؤال: نعلم جميعًا أن الله تعالى يبتلي عباده بالسرّاء والضراء وبالشدة والرخاء؛ فما الموقف الحريّ بالمؤمن حتى لا يخسر في مثل هذه الابتلاءات؟

   الجواب: لا بد أن نذكر بداية أن تعلُّقَ المؤمنِ بغاية سامية، وسعيَه دومًا إلى نسج حياته حولها بمثابة حصن حصين له أمام هذه الامتحانات التي تعترضه، فلو أن الإنسان شغل ذهنه دومًا بفكرة: “ما أجدر الحياة إن ازدانت بالخدمة! وإلا فلا وزن لها”، ولو أنه ربط بقاءَه في الدنيا بإمكانية قيامه بأشياء في سبيل قضيته التي نذر نفسه لها؛ فلن تغرّه النِّعَمُ حتى وإن أُمطِرَ بها، ولن تُسخطه الحوادث القاسية التي يصادفها.

ولكن من الصعوبة بمكانٍ أن يتقبّل الإنسانُ ذلك ويجعله جزءًا من طبيعته، حيث إن استشعار الإنسان بهيجانٍ نابعٍ من داخله، وإحساسَه بذلك في كل خلايا دماغه يستلزم نوعًا معيّنًا من التضحية والتفاني، والمؤمن الحقيقي هو الذي يحرص على تجاوز هذه الصعوبات، ويربط حياته بغاية إعلاء كلمة الله، ويعتبر أن الحياة إذا خلت من هذه الغاية فهي خواء لا معنى لها، ويُخشى أن يتحول إلى جثة هامدة إذا تخلى عن هذه الفكرة.

أجل، إن كل ما يأتي بعد رضا الله والسعيِ إلى تبليغ اسمه سبحانه إلى الصدور المحرومة؛ أمور ثانوية؛ الأمرُ سيان في وجودها أو عدمها، فلا فرق في أن توجد الراحة والسكن والأسرة والمقام والمنصب والمال والثروة أم لا يوجد كل ذلك، لكن لا يمكن قولُ هذا بالنسبة لإعلاء كلمة الله، لأننا وُجدِنا من أجل تبليغ هذه الغاية وإعلانها، فغايةُ الخلق الحقيقية هي إنعاش هذه الفكرة في الصدور وإحياؤها، ومن ثَمّ فعلى المؤمن أن يحرص على ذلك، ويستهدفه بالدرجة الأولى.

والواقع أن هناك الكثير من المؤهلين لاستشعار مثل هذه المسائل بعمق، فقد خلق الله تعالى كثيرًا من الناس مزودين بهذه الجاهزية، لكن مجرَّدَ وجودها فقط ليس كافيًا، فالمهمّ هو تطويرها وتحريكُها وإثارتُها باستيفاء الإرادة حقها، فبعد أن ينير الإنسان داخله يجب عليه أن يطوي الأرض لاهثًا، وعازمًا على إشعال كل شمعة قابلة للاشتعال، وهكذا يمكن النظر إلى كل عمل يؤدَّى في سبيل الله ويستهدِف خدمة الإنسانية على نحو إشعال الشمعة، وكما يقول مولانا جلال الدين الرومي: الشمعة لا تفقد شيئًا من نورها بإشعال غيرها.

   موقف المؤمن إزاء النجاحات

وكل نتيجة جميلة تترتب على سعي الإنسان وجهده لها قيمةٌ عظيمةٌ للغاية على اعتبار أنها ناشئة عن إحسان الله وكرمه وتوجهه، ولكن يجب ألا يكتفي الإنسان بهذا، بل عليه أن يطلب المزيد قائلًا: “كان من الممكن القيام بأعمال أكبر وأكثر بالإمكانيات التي زودني الله بها”.. ولو أن شخصًا استطاع تبليغ نصف الكرة الأرضية فعليه ألا تغيب عنه فكرة: “لم أستطع أن أستوفي إرادتي حقّها، فلقد كان من الممكن بفضل الإمكانيات التي منَّ الله علي بها أن أبلِّغ مشاعري وأفكاري إلى العالم كله”، كما يجب عليه في الوقت ذاته أن ينسب النجاحات التي حقّقها إلى الحق تبارك وتعالى، وأن يعتبر نفسه كالنملة التي سلكت طريق مكة لأداء فريضة الحج، وأن يكون على وعي بأنه لولا لطف الله تعالى وعنايته لما استطاع إتمام الرحلة أبدًا.

يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: “مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ، لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِير[1]، من هنا وجب شكر ربنا سبحانه وتعالى حتى على أقل القليل طالما أنه قادمٌ منه، وإلا يكون الإنسان قد أساء الأدب مع ربه؛ لأن كل شيء يتحقق بيد الله سبحانه وتعالى وإرادته، فهو سبحانه الذي خلق كل ما في حوزتنا قليلَه وكثيرَه، والأشياء التي تبدو صغيرة هي في الحقيقة كبيرة على اعتبار مجيئها من قِبَل الحق سبحانه، لكن علينا أن نستصغر قدر المستطاع النجاحات الواقعة على أساس الجانب المتعلِّق بنا، فلو أنشأنا ألف جامعة فينبغي أن نعتبر هذا قليلًا، ونقول “لماذا لم نصل إلى عشرة آلاف”.

وقد يتراءى للبعض وجود نوعٍ من التناقض حينما نقول: يجب على المؤمن أن ينظر إلى الأعمال التي يقوم بها باستهانة واحتقار ويعتقد أنها تجلب له الخزي والخجل انطلاقًا من الجانب الذي يعود عليه منها؛ وأن يبجّل ويعظم نجاحاته القليلة جدًّا على اعتبار أنها ثمرة لتوجه الذات الإلهية سبحانه وتعالى له؛ غير أنه تناقضٌ لطيف يحفظ على المؤمن استقامة فكره، ويجعله يقيِّم الأحداثَ بشكل صحيح، أما أن ينسب الإنسانُ النجاحات التي أحرزها إلى نفسه، ويستعظم الأعمال الجميلة التي وُفِّق إليها على اعتبار رجوعها إلى شخصه؛ فهذا أمر يغذي وينمّي شعور الكبر والغرور لديه.

فلو أن الشخص الذي يسبح في بحر النعم ويحقق النجاحات الدائمة عَزَا كلَّ ذلك إلى نفسه فقد أشرك بالله دون وعي منه، ويمكن القول إنه لا يختلف من هذه الناحية عن فرعون الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ (سورة النَّازِعَاتِ: 79/24)، وعلى ذلك فالأعمال الجميلة قد تدخِلُ الإنسانَ الجنان أحيانًا، وقد تهوي به إلى النيران أحيانًا أخرى؛ فمثلًا إذا قال الإنسان بعد أن بذل وسعَهُ لتكون دولتُه دوحةً من الجنة: “لقد تحقق هذا بفضل دهائي”؛ فهذا يعني أنه قد انغرز في مستنقع الشرك دون وعي منه، والحال أنه لو نسب هذه الجماليات إلى صاحبها الحقيقي جل وعلا من البداية بدلًا من أن ينسبها إلى نفسه، ثم اعتبر مساعيه لتحقيق هذه النتيجة مجرَّدَ طلبٍ مقدّم إلى الحق تعالى؛ فقد نصب فسطاطَه في جنات الفردوس.

وكما أن الإنسان ينسب أحيانًا الألطاف الإلهية إلى نفسه صراحةً بلسانه كما قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (سورة القَصَصِ: 28/78) فقد يعبِّر عن هذه الحال أيضًا بأحواله وأطواره وإشاراته وإيماءاته؛ وكلها تعبيرات وأطوار تفوح منها رائحة الشرك في النهاية، أما السبيل للانتقال من الشرك إلى الشكر فهو أن ننسب إلى الله تعالى كل شيء صغيرًا كان أم كبيرًا، وأن نقدِّر ذلك كله على اعتبار رجوع كل شيء إليه سبحانه، ففتحُ إسطنبول مثلًا هو عملٌ صغير من حيث الجهة التي تتعلق بالنفس، في حين أن حمل نملة تعثرت على الأرض إلى عشِّها عملٌ عظيم باعتبار الجهة التي تتعلق بالله تعالى، ولذا لا بد من توخي الدقة والحساسية الكاملة إزاء حقوق الله تعالى.

فرغم أن أمنا السيدة عائشة الصديقة رضي الله عنها قد نشأت في بيت يتنزل عليه الوحي زخًّا زخًّا ورافقت النبي صلى الله عليه وسلم ما يقرب من عشر سنوات فإنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم يومًا قائلة: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ كانت أمنا السيدة عائشة مظهرًا لكثير من الألطاف الإلهية، ومع ذلك لم تكن تثق بعملها ولا بقربها من النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت ترجو النجاة بشفاعته صلى الله عليه وسلم لها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم رادًّا على سؤالها: “أَمَّا فِي مَوَاطِنَ ثَلَاثَةٍ فَلَا: الْكِتَابُ، وَالْمِيزَانُ، وَالصِّرَاطُ[2].

ولم تختلف أفكار ومشاعر سيدنا أبي بكر وسيدنا عمر والعديد من سادتنا الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا عن ذلك، فسيدنا عمر الذي قضى حياته في سبيل إعلاء كلمة الله كان يضع جبهته على الأرض ويقول: “اللهم لا تهلك أمة محمد بذنوبي”؛ لأن مسألة استصغار الأعمال من حيث الجهة التي تتعلق بالنفس واستعظامها من حيث الجهة التي تتعلق بالله كانت تتمثل لدى هؤلاء العظام بكل معناها.. فيا تُرَى كم شخصًا حمّل نفسه مسؤولية ما حلّ بالأمة من قحطٍ ومجاعات وزلازل وخلافات وفرقة وتناحر وتسلُّطٍ وظلم ونفاق، ثم ذهب ووضع جبهته على الأرض، خاضعًا متضرّعًا إلى ربه قائلًا: “اللهم لا تهلك أمة محمد بذنوبي”.

   الرضا بالقدر

كما أن الراحة والنعم قد يُفسدان الإنسانَ أحيانًا فإن البلايا والمصائب قد يسوقانه إلى التمرد والعصيان أحيانًا أخرى، والحال أنه يقع على عاتق المؤمن ألا ينسى أن كل هذا بمثابة امتحان من الله له، وعليه أن يقضي حياته في دائرة الصبر والشكر والرضا، يقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ رِضَاهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ لَهُ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ سَخَطُهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ لَه[3].

ولهذا فمن الأهمية بمكان بالنسبة لمن آمن بالله صدقًا وحقًّا ألا يغيب عن باله فكرة “رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا”، وأن يلهج بها دومًا، فَمِنْ خلالها يعبّر المؤمن عن رضاه بربوبية ربه سبحانه الذي أوجده وأنشأه ورباه وقدَّره، وعن رضاه بالإسلام دينًا ومعتقدًا ومنهجًا، وعن رضاه بالتكاليف الشرعية التي ألزمه الله بها، وعن استعداده القيام بها عن طيب نفس، وعن رضاه بسيدنا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولًا.

لكن أن يقول الإنسان: “ماذا فعلتُ لتنزل بي هذه المصائب؟ لماذا تفجعني هذه البلايا؟”؛ فهذا ليس بكلام مؤمن، ولا يجدر أن ينطق به.

وإن فكرة اعتبار الإنسان الحوادثَ السلبية تقديرٌ إلهي، وأن هذا التقدير ربما يرجع إلى أخطائه وذنوبه؛ فهذه الفكرة تخلصه من الأفكار والمشاعر السلبية المنافية للرضا بالقدر، ومن الدخول في جدالٍ داخلي عقيمٍ مع الله سبحانه وتعالى والعياذ بالله، وهذا هو ما يستلزمه المنطق القرآني؛ لأن القرآن الكريم في كثير من آياته يشير إلى أن ما يقع من مصيبة في الأرض والسماء فبما كسبت أيدي الناس، ولذلك يجب أن ينطلق فم المؤمن بهذه الكلمات: إن الله سلط علينا -بسبب ذنوبنا- بعض السيئين، ولأنهم يجهلون تقصيرنا وأخطاءنا الحقيقة فقد ذمّوا الجيِّدَ من أعمالنا وتوجهوا إليه بالنقد، بل إنهم -على حد وصف بديع الزمان النورسي- اتّهمونا بأمورٍ لم نفعلها، ولن نفعلها، ولا يمكن أن نفكر فيها أصلًا..

فلو أن الإنسان نظر إلى المصائب والمشاكل على هذا النحو فلربما ذاب ذلك الخفقان المتزايد في الداخل بانسكاب إكسير الرضا عليه. فبفضل هذا الإكسير يمكن التغلب على جميع الأفكار السلبية التي أربكت أذهاننا ونفذت إلى خلايا أدمغتنا ولوثت ما فيها من ملفات.

وقد يخطر ببالِ أصحابِ القلوب المضحِّية الصادقة التي لا تبتغي شيئًا سوى رضا الله تعالى بعضُ الأفكار السلبية من حين إلى آخر عند تعرضها للغدر والظلم والممارسات العدائية وسيِّئ الأخلاق، بل قد يقضّ هذا الأمرُ مضجعَها، ويمثّل عبئًا ثقيلًا عليها لدرجة تصل إلى حد الجنون، فإن قيل: من أين تعلم هذا؟ أقول: لأنني عشته كثيرًا من قبل، وفي مثل هذه المواقف ينبغي للإنسان أن يستأصل شأفة هذه السلبيات من ذهنه من خلال الاستعانة بالأفكار الإيجابية.

علاوة على ذلك فبسبب ضيق أفقنا وقصور أفكارنا فإننا غالبًا ما نجهل الجماليات التي تولِّدها الأزمات، ولقد قلتُ من قبل: “لو جرت حياتي وفق فكري وتخطيطي لظللتُ ابن السيد “رامز أفندي” في قرية “كوروجك”، ولكن عندما أرجع إلى الوراء وأنظر إلى ما مرّ بي في حياتي أستطيع أن أدرك -بجلاء أكبر- ألطافَ الله تعالى وأفضالَه عليّ”.

قد لا يستطيع الإنسانُ إذا انحشر بين تروس الحوادث الخانقة المملّة خاصة أن يقرأ الأحداث بشكل صحيح، فيقع في أخطاء عند تفسيره للأوامر التكوينية، ولكن عندما يتبدّى لنا كل شيء فيما بعد على نحو أكثر شفافيةً ولمعانًا ندرك أننا نحيا حياتنا بتوجيه الله لنا، وأنه سبحانه وتعالى قد اختصّنا ببعض الألطاف الإلهية وإن لم نكن على وعي بذلك، ولذلك إذا أراد الإنسان أن يحمي نفسه من الخجل والخزي أمام ربه فعليه ألا يتعجل في الحكم على الأحداث، وألا يبتعد عن الرضا أبدًا.

فقد تكون المنحةُ بعد المحنة، وقد يدفعنا الله تعالى إلى طريق مليئةٍ بالمطبات علوًّا وانخفاضًا، وأحيانًا يضطرنا إلى صعود المنحدرات، والعبور من بحور القيح والصديد، وقد لا نفهم حين نتجشم هذه المصاعب الأسرارَ الكامنة وراء كل هذا، ونجهل ما تؤول إليه الحوادث الجارية، ولكن بعد الصعود إلى القمة والنظر إلى الخلف ندرك خطأ ملاحظاتنا وأفكارنا السابقة، فنقول حينها: “ما أسلمَ الطريق الذي سرنا فيه! وما أصوبَ السَّوق الإلهي الذي دفعنا له!” ولهذا يجب أن نعمل على تجاوز ما قد يعلق بنا أثناء سيرنا، وأن نشكر ربنا على أفضاله علينا؛ عسى أن تؤول النتيجة إلى خير بإذن الله تعالى.

   التحلّي بمكارم الأخلاق

ثمة أمراض تنبئ عن عدم الرضا بالقدر مثل الغيرة والحسد وعدم تقبّل الآخرين، ولقد سقط الكثير من الناس حتى الآن في الكفر والضلال بسبب هذه الأمراض.. فمثلًا عمرو بن هشام (أبو جهل) لم يرض أن يخص اللهُ تعالى مفخرةَ الإنسانية صلى الله عليه وسلم بالنبوة دون غيره، ورغم أنه اعترف بنبوة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم من وراء الأبواب المغلقة فإنه لم يصرّح بذلك خوفًا من أن يخسر بعض امتيازاته، ولا ريب أنه بهذا التصرف قد شاقّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكان على شاكلة أبي جهل كثيرٌ من المشركين الذين لم يرضَوا بالقدر، ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم حقيقًا بالنبوة -حاشاه-.

وفي الفترات التالية ظهر أناسٌ لا يتقبلون سادتنا أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا رضي الله عنهم جميعًا، وخصوصًا سيدنا عليًّا الحيدر الكرار والفارس المغوار الذي خرج عليه جماعة من الأجلاف لا يستسيغون وجوده، فقطّعوا أوصال العالم الإسلامي وشتتوا شمله. وهكذا فتحَ الشعورُ بعدم تقبّل الآخرين البابَ لظهور الكثير من الفتن في العالم الإسلامي، وعلى الشاكلة نفسها لم يستسغ الشيطانُ وجودَ سيدنا آدم عليه السلام بسبب غيرته وحسده، فَطُرِد من الحضرة الإلهية، وغدا العدوَّ الأبدي للإنسانية، وفي النهاية خسر الشيطانُ وفاز آدمُ عليه السلام. أجل، إن الغيرة والحسد وعدم التقبل هم سبب الخسارة في الدنيا والآخرة.

وفي أيامنا هذه انهزمت فرقةٌ من الناس إلى حسدها وغيرتها، فلم تتقبَّل رؤيةَ القلوب المضحّية العاملة في سبيل الله، فبذلت كلَّ ما بوسعها حتى تردّهم عن الطريق الذي يسيرون فيه، وهيَّأَت بعض المواقع والحصون وقامت بحملات سلبية تهدف إلى إفساد خططهم ومشاريعهم، بل لم تتورع عن اللجوء إلى المكائد والمؤامرات من أجل خداعهم والتغرير بهم، وعندما لم تنجح في ذلك عملت على كَبْتهم بممارسة الظلم والضغط عليهم.

فليفعل هؤلاء الحساد ما بدا لهم طالما لم يتقبّلوا الأرواح المتفانية ولم يستسيغوا خدماتهم الخيّرة التي يقومون بها، لكن ينبغي للقلوب المتفانية ألا ترجع عن الطريق الذي تسير فيه ألبتة، ولا تتنازل عن أيِّ مبدإٍ من المبادئ التي تؤمن بها، ولا يسوقهم السوءُ الموجه إليهم إلى ارتكاب الأخطاء. أجل، يجب ألا يرد بخاطرهم حتى مقابلة السيئة بمثلها، لأن هذه فكرة غير إنسانية بالنسبة لممثلي الحق والحقيقة خاصة، فدستورهم في هذه المسألة هو ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (سُورَةُ فُصِّلَتْ: 41/34).

وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ[4]، فعلى المسلم أن يكون بأفعاله وتصرفاته ممثّلًا لمكارم الأخلاق على الدوام؛ حتى يثير فيمن ينظرون إليه الاشمئزازَ من قباحة ما يفعلون.

أما إذا فكرتم في مقابلة السيئة بمثلها فهذا يعني أنكم سلكتم الطريق نفسه وارتكبتم الخطأ عينه، وكما سيحاسب الله تعالى هؤلاء على الظلم والجور الذي أوقعوه عليكم فسيحاسبكم أيضًا على الخطإ الذي ارتكبتموه في حقهم؛ لأن أخطاء الآخرين وذنوبهم لا تبرِّر ما تقومون به من أخطاء، وظُلمَهم لكم لا يسوّغ ولا يبرِّر ظلمَكم لهم أبدًا. أما فكرة “لقد قابلناهم بتصرفاتهم، وعاملناهم بعملهم”؛ فلا تكفي لإنقاذكم، ومن ثَمّ لو تجاوز البعضُ حدَّه فظلم واضطهد وأفسد النظام القائم فعلى المؤمن الواعي بإيمانه ألا يقابل ذلك بأي فعل غير مشروع، أما ما يقع على عاتقه فهو التعامل بما هو جدير بإسلامه وإنسانيته.

أجل، علينا أن نتوخى الحيطة والحذر الكامل حتى لا تسوقنا الطرق والمناهج التي يتبناها الآخرون إلى ارتكاب بعض الأخطاء، فليس علينا أن نقابل الذين يضمرون لنا الحسد والغيرة بنفس مشاعرهم السلبية أو نحاول رفع الظلم عنا بظلم مشابه، بل على العكس لا بد أن نقوِّي من جهازنا الهضمي إزاء كل هذه السلبيات، وأن نضاعف صبرنا، ونقابل ما يجري بصدر رحب وتوكل تام قائلين:

ما أعذب البلاء إن كان من جلالِهْ!

وما أحلى الوفاء إن كان من جمالِهْ!

فكلاهما صفاء للروح،

فما أحلى لطفه! وما أعذب قهره!

وثمة فائدة من التأكيد على أن كل هذا لا يمنع من إنزال العقاب اللازم بالمجرمين في حدود القانون، واسترداد الحقوق المغتصبة.

فضلًا عن ذلك لو أنكم أشغلتم أنفسَكم بمن يُسيئون إليكم فستهدرون وقتكم، ولن تتقدموا في الطريق الذي رسمتموه لأنفسكم؛ وسيحاسبكم الله على هذا، ولذلك عليكم أن تحرصوا على الاستمرار في طريقكم، بوضع خطط ومناهج بديلة على الدوام، دون أن تبادروا إلى إيقافِ حملةٍ أو عرقلةِ سعيٍ وحركةٍ، وحتى وإن أحالوا الطريقَ الذي تسيرون فيه إلى طريقٍ وعرٍ يصعب السير فيه فعليكم البحث عن طرق جديدة لمواصلة سيركم.

إن هذه الدنيا ليست محلًّا للاستياء والامتعاض، ولذا فليس لكم أن تستاؤوا أو تمتعضوا من الظلم والجور الواقع عليكم؛ لأنه إن لم يتكفّل البعضُ بتعليم الآداب والأخلاق للإنسانية في عهدٍ بات الناس فيه يلتهم بعضُهم بعضًا كالذئاب الضارية فستكون العاقبة وخيمة، وكأن مستقبل العالم قد استُؤمن عليه وحوشٌ لا يعالجون الأمور إلا بعنفٍ وهمجية، فثمة حاجة إذًا إلى كيانٍ أصيل ذي تفكير مختلف ومساراتٍ أخرى. أجل، يجب السعي إلى إنشاء هذا الكيان وإرغام الإنسانية على الاعتراف به، وليس هذا بالطبع بممارسة القمع والاستبداد والشدة والعنف والتفجيرات، بل بالمحبة والسماحة، والالتزام بالقيم الإنسانية والأخلاقية.

من أجل هذا يجب بداية أن تكونوا بلا يد لمن ضربكم، وبلا لسان لمن سبكم، وبلا قلب لمن كسر خاطركم، فإن ناصبتم الآخرين العداء بسبب ما يظهرونه لكم من وحشية وغيظ وكره وحقد فستكونون قد شكلتم دائرة فاسدة من الحقد والكراهية، ودفعتم الذين يناصبونكم العداء إلى مزيد من الوحشية والهمجية، أما لو أردتم أن تنتشر روائح زهرة التوليب في الأجواء فعليكم أن تغرسوا هذه الزهرة في قلوبكم أولًا؛ ثم إن أطواركم وأفعالكم ستتشكّل وفقًا لها، وبذلك سيفوح كل مكان تسيرون فيه برائحة الزهور وكأنه خانُ العطور.

   الاحتراز من خطإ الأسلوب

فإن كان ولا بد من قول شيء للمعتدين بهدف النصيحة أو تصحيح الكلام فليكن ذلك بعد إعادة التفكير والاستشارة مرات ومرات، إذ لا بد من الرجوع إلى العقلاء من الناس، واستشارتهم فيما يقال من قبيل: “هلا تنظرون إلى ما سطرناه! هل فيه ما يسبب الأذى؟ أثمةَ داعٍ إلى تخفيف الأسلوب أكثر؟”؛ لأن شأن الحق عالٍ لا يُضحّى به بأيِّ مقابل، وعند الدفاع عن الحق لا بد ألا نقحِم مشاعرنا في الأمر.

وإذا أردتم النفوذ إلى القلوب فعليكم أن تتعرفوا جيدًا على مشاعر مخاطبيكم العامة، وبيئاتهم الثقافية التي نشؤوا فيها، والقيم التي يؤمنون بها، ثم تقدمون الوصفة العلاجية وفقًا لهذا؛ لأن نفس العلاج لا يُقدَّم إلى كل مريض، فالعلاج الذي يُقدّم يتحدد وفقًا لحالة المريض، فلو لم تتعرفوا من البداية على ماهية مخاطبكم وعالمه الفكري، ولم تقدّروا الكيفية التي ستردون عليه بها، وعلى ماذا سيكون ردّ فعلكم؛ فقد تحصدون نتيجةً على عكس مقصدِكم ومبتغاكم.

إن تقدير الأشياء التي يحترمها الطرف الآخر هو أمارة مهمة للغاية على الاحترام الذي نبديه لقيمنا الذاتية؛ لأن عدم توخي الحذر في هذا الأمر يجعل الآخرين لا يبالون بكلامكم، حتى إنهم يعملون على الاعتراض على قيمكم محاولين التهوين من شأنها، ومثل هذا الخطإ يحبط كل خطوة تخطونها فيما بعد. أجل، إذا أهمَلْنا القيمَ التي عايشها الناسُ منذ القدم، وجعلوها جزءًا من طبيعتهم، وبعدًا من فطرتهم؛ فإننا لن نحظى بالقبول حتى وإن قدّمنا رسائلَنا على أنها من الجنة، ولذلك فإن هذا الأمر هو مسؤولية مهمة للغاية تقع على عاتق المرشدين.

فينبغي لوارثي دعوة النبوة أن يكونوا -من جانبٍ- على صلة وثيقة بربهم، وأن يتعرفوا -من جانب آخر- على مشاعر مخاطبيهم وأفكارهم من خلال معاشرة بالناس ومؤاكلتهم ومشاربتهم. أجل، يجب عليهم أن يخالطوا الناس ويطلعوا على مشاعرهم وأفكارهم ومعتقداتهم، ويتحروا طرق النفوذ إلى قلوبهم، حتى يُكتبَ للرسائل التي يقدمونها حسنُ القبول.

   الإخلاص والصدق

ورغم أن كل ما ذكرناه على جانب كبير من الأهمية فلا بد من الصدق حتى يكون للانتفاض والاهتياج في سبيل الخدمة قيمةٌ عند الله، فبقدر إخلاصكم وصدقكم في هذا الموضوع تكونون مظهرًا لتوجه الله لكم، وبقدر توجهكم لله تكونون محطّ نظره وعنايته تعالى، وعندها تُفتح الأبواب المغلقة في وجوهكم على مصاريعها عندما يحين الأوان؛ لأن الحنان المنان ذا الرحمة والغفران حاشاه أن يرد الصادقين الملتجئين إلى بابه خائبين صفر اليدين.

لهذا السبب علينا أن نرصِّعَ أعمالنا كلها بالإخلاص، وإلا نكون قد تدنّينا بقيمة الخدمات التي نقوم بها إلى مستوى الصفر.. وقد يسأل سائلٌ: لماذا ينحدر المستوى على جناح السرعة إلى الصفر وصاحب الأزل والأبد موجود؟!
والجوابُ أنه لا يوجد وسط في هذه المسألة، ولا منزلةَ بين هاتين المنزلتين؛ فإما أن نربط كل شيء به سبحانه فننعم بالنسائم الوافدة منه، وإما أن نتدنى بقيمة ما نفعله إلى مستوى الصفر دون وعي منا.

والله تعالى لا يدع الأبواب مغلقةً إلى الأبد. وما أجمل ما قاله أحد أولياء الحق:

لو أغلق الله بابًا فتح ألف باب

فالله -سيدي- هو مفتِّح الأبواب

وهذا منوطٌ بأن تكون في قلوبنا قناةٌ دائمة الاتصال به سبحانه وتعالى، وأن يشغل هذا الأمر عقولنا وأفكارنا على الدوام، يجب أن يُرجَع كل شيء إليه، فلا قيمة لتقدير الناس وتصفيقهم، فما القيمة التي سيعطيها لكم الناس مقابل توجهه سبحانه لكم؟! إن التشوّف إلى ما عند الناس بدلًا من التوجه إليه سبحانه وتعالى إنما هو تنازلٌ وهبوطٌ بالمستوى، بمعنى استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.

***

[1] مسند الإمام أحمد، 30/390.

 [2] مسند الإمام أحمد، 41/225.

[3] سنن الترمذي، القدر، 15.

[4] سنن الترمذي، البر، 55.

الجَرَّة المشروخة: الصدق

Herkul | | العربية

   سؤال: حين سُئل الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي “ما أول ما يلزمنا؟” أجاب: “الصدق”، ويعلّل ما قاله بأن ماهية الكفر هي الكذب، وماهية الإيمان هي الصدق.. وانطلاقًا من هذه النظرة هل لكم أن توضحوا مكانة الصدق بالنسبة للمسلمين؟

   الجواب: الصدقُ واحدٌ من خمس صفات أساسية للأنبياء عليهم السلام، بل إنه أولها، ويشير إلى هذا قول الحق تعالى عن سيدنا موسى وسيدنا إبراهيم عليهما السلام ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ (سورة مَرْيَمَ: 19/41)، وقولُه عن سيدنا إسماعيل عليه السلام ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا﴾ (سورة مَرْيَمَ: 19/54) لذلك فهم معصومون عن الكذب وعن مخالفة الحقيقة والواقع في أطوارهم وتصرفاتهم وكلامهم طوال حيواتهم؛ لأن تصديق الأخبار التي جاؤوا بها من عوالم ما وراء السماوات والإقرار بها مرهونٌ بامتثالهم الصدق في أحوالهم وأطوارهم وتصرّفاتهم وأقوالهم.

كما أن مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم كان قبل أن تأتيه الرسالة يُوصف بـ”الصادق الأمين”، وقد شهد له حتى أعداؤه بالصدق بعد أن جاءته الرسالة؛ وأقرُّوا بأنهم لم يجدوا عليه في حياته كذبًا قط، إلا أنَّ الغطرسة والتمرّد ساقهم إلى الكفران والإنكار.

   تعريف الكذب

للكذب تعريفان: أولهما؛ الإخبار بشيء يتعارض مع قناعات واعتقادِ وإحساسِ ومشاهداتِ الإنسان، ومن ذلك على سبيل المثال، نفيُ شخصٍ رؤيتَه شخصًا آخر على الرغم من أنه رآه، فقد كذب لأنه أدلى ببيان مخالفٍ لمشاهدته الفعلية.

أما ثانيهما؛ فهو التعبيرُ عن شيء بخلاف الواقع، وتزييف حقيقته، وعليه فإن إنكار المرء لله تعالى هو كذبٌ، لأن الشواهد الكونية تقرّ بوجود الحق تعالى عبر مئات الآلاف من الشواهد والألسن، وعلى حد تعبير الأديب التركي رجائي زاده محمود أكرم  (ت: 1914م):

الكون كلُّه كتابٌ أعظم،

في أي حرف منه تفتش يظهر معناه اللهُ.

من ينكر الله يكون كاذبًا وفي الوقت نفسه قد كذَّب بجميع الشواهد الموجودة في الكون الدالة على وجود الله عز وجل، ولهذا السبب ينال أشد العذاب في الآخرة.

وفي المقابل لهذا يكون إيمان المرء بالله نتيجة قراءته الشواهد الكونية قراءة صحيحة، واستفادته من الرسائل السماوية جيّدًا تعبيرٌ عن الصدق، كما أن تعبيره عن الأشياء التي رآها وأحسَّ بها كما هي دون أدنى تغيير صدقٌ أيضًا، وكما أن الصدقَ من هذا الجانب خُلُقٌ مهمٌّ للغاية من أخلاق المؤمن فإنه أهم وسيلة تمنح الآخرين الثقة به، وهو في الوقت نفسه تعبير عن الوفاء والولاء.

والواقع أن الصدق هو من المعاني الضمنية التي في القلب، وإذا وقرَ الصدقُ في قلب الإنسان سرى إلى لسانه وأحكم السيطرة عليه، وأصبحتْ أعضاؤه تعمل وفقًا له، وسيختار بحساسيةٍ كلَّ عبارةٍ سيتفوّه بها، ولن يسمح ولو حتى لكملة واحدة مخالفة للحقيقة بأن تخرج من فيه، وإن بدر منه خطأً بيانٌ مخالفٌ للواقع شعر بانزعاج شديد جدًّا، وربما ردّد “استغفر الله” خمسين مرة، ومن هذا المنطلق تتمثل القضية الحقيقية في تكامل الصدق واندماجه مع الطبيعة البشرية.

أما الكذب فهو خيانة للصدق والولاء، ومن يخطو خطوة باتجاه الكذب يكون قد دمَّر بناء الصدق والولاء، ففي عالمنا المعاصر -حيث راج الكذب وصار مهيمنًا في كل مكان- بات من الصعب جدًّا على المرء أن يُمثل الصدق بحذافيره، لكن ينبغي أن يُعلم جيِّدًا أن الشيء المهم عند الله عز وجل هو النجاح في تحقيق الصعب.

   مقام الصديقية

يعتبر مقام الصديقية أسمى مقام في الإسلام بعد النبوة، ذلك أنه قد ورد ذكرُ “الصِّدِّيقِينَ” بعد النبيين مباشرة في الآية الكريمة ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/69).

 

وبالتالي فإن هذا المقام أسمى بكثير من مقامات الإحسان والعشق والمعرفة، فهو عنوانٌ للارتباط المباشر مع الله، ومن مستلزماته التفاني والتضحية بالغالي والنفيس، ومَنْ يمثل هذا المقام يَقْبَل كل أوامر الحق سبحانه وتعالى وتقديراته ويُقبِّلُها ويضعُها فوق رأسه دون اعتبارٍ لما إذا كان عقلُه استوعبها أم لا، ودون أن يهتم بالمنفعة والفائدة التي ستحققها لنفسه، ويقول دائمًا مثلما يقول “إبراهيم حقّي” (ت:1780م):

“لا تقل لماذا هذا هكذا،

وهذا مناسب هكذا،

وشاهد النتيجة،

لنرَ المولى ماذا سيُقدِّر

ما يُقَدِّرُه هو الأجملُ

والواقع يمكن اعتبار “تفويض نامه: رسالة التفويض” لإبراهيم حقي بأكملها على أنها “رسالة الصدق”.

وهناك آيات عديدة من القرآن الكريم يؤكد فيها على الصدق دائمًا بعبارات شتى مثل “مُدْخَلَ صِدْقٍ”، و”مُخْرَجَ صِدْقٍ”، و”لِسَان صِدْقٍ”، و”قَدَمَ صِدْقٍ”، و”مَقْعَد صِدْقٍ”، أي إنه ينبغي للمؤمن أن يكون زاده الأكبر خلال رحلته الحياتية المرتبطة بالآخرة هو الصدق، يجب عليه أن يمتثل الصدقَ دائمًا في جميع شؤونه، في حركاته وفي سكناته، في بادئ الأمر وفي منتهاه، يجب أن ينسج أطياف الصدّيقيّة في كل مكان يمر به، وحين يغادره يجب ألا يخلّف وراءه أية فكرة سلبية على الإطلاق، يجب عليه اتخاذ كل خطوة بصدق، وباتجاه الصدق أيضًا.

ورغم ذلك قد لا يمكن دائمًا قول كل صواب، قد يلزم السكوت في بعض المواقف، ويُملأ فراغ السكوت بالتفكر والتأمل أيضًا، فالصمت حكمة، ولكن حكماءهُ في العالم قليلون، من المؤسف أن معظم الناس يفضّلون الثرثرة على الصمت.. فيجب السكوت حيث يكون الكلام ضارًّا، وكذلك عندما يعجز المخاطب عن فَهْمِ الكلامِ واستيعابه، وفي القضايا التي لا يعرفها جيدًا، أو يتعذّر الكشف فيها عن صوت القلب والتعبير عنه، إن سرعة بَوْحِ شخص في لحظة ما بالمشاعر والأفكار الموجودة في أعمق نقاط قلبه دون أن يفكر على الإطلاق علامةٌ على عدم توفّر التربية الكاملة لديه، ونظرًا لأن هذه النوعية من الكلمات تكون محرومة من التناغم والنظام، وغير محددة فإنها عديمة الفائدة بالنسبة لقائلها وسامعيها، بل إنها قد تكون ضارة لهم أيضًا.

من جانب آخر فإن السبيل لكي تؤثر الكلمات المقولة في أصحاب الضمائر النقية مرهونٌ بأن تكون صادقة، ثم إن تمثيلَ الأمور الخاصة بالحقائق الإيمانية والقرآنية وتجسيدَها ونشرَها بشكلٍ صحيح يكون وسيلةً لأن تنفتح أعين الكثيرين عليها، علاوة على أن تمثيل المؤمنين للاستقامة سواء بأحوالهم وأطوارهم أو بأقوالهم وكلامهم والتزامهم الصدق يكون بمثابة دعاء ورجاءٍ منهم أن يثبتهم الحق تعالى على الطريق المستقيم، فلن يُبعدهم الله تعالى عن الصراط المستقيم إن ثبتوا منذ البداية على الاستقامة والوفاء بالوعد متخذين من الصدقِ شعارًا لهم في كل أحوالهم.

ولا سيما في عالمنا المعاصر الذي أصبح الكذب فيه شائعًا ومتاعًا مطلوبًا مرغوبًا فإن استقامة اللسان وعدم انحرافه يبدو أكثر أهمية، يجب على المسلم أن يبتعد عن كل أنواع الكذب؛ صغيره وكبيره، وأن يكون كل قوله صدقًا، نظراته وإيماءاته وكل أحواله وحركاته …، ويجب ألا يسمح لأي شكلٍ من أشكال القبح، لا سيما الغيبة والافتراء وشهادة الزور، أن تدنو منه، لأنه لا يمكن التوفيق بين هذه القبائح وبين الإسلام.

نعم، قد يحدثُ أن تجري على اللسان مجموعةٌ من الكلمات غير مرغوب فيها من خلال مرونة الارتجال أثناء الحديث، فيُرجى مطالعتها في فئة الأخطاء التي تقع في الاجتهاد، لكن الحديثَ المخالفَ للواقع وقولَ أشياء ترمي إلى خداع الناس عمدًا وبإرادةٍ تامّة صفةٌ من صفات الكفر.

والتعبير القرآني ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/10) يكشف عن أن أهم سبب لاستحقاق المنافقين العذاب الأليم هو الكذب، وبمناسبة هذه الآية يبين الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي كيف أن الكذب سمٌّ بالنسبة للفرد والمجتمع والدين على حد سواء بقوله: “الكذب أساس الكفر، بل الكفر كذب ورأس الكذب، وهو الأُولى من علامات النفاق، وما الكذب الا افتراء على القدرة الالهية، وضد للحكمة الربانية.. وهو الذي خرّب الأخلاق العالية.. وهو الذي صيّر التشبثات العظيمة كالشبحات المنتنة.. وبه انتشر السمّ في الاسلام.. وبه اختلّت أحوال البشر.. وهو الذي قيّد العالم الإنساني عن كمالاته، وأوقفه عن ترقياته.. وبه وقع أمثال مسيلمة الكذاب في أسفل سافلي الخسّة.. وهو الحِمْل الثقيل على ظهر الإنسان، وهو ما يعوقه عن مقصوده.. وهو الأب للرياء والأم للتصنع.. فلهذه الأسباب اُختص بالتلعين والتهديد والنعي النازل من فوق العرش”[1].

وفي المقابل يقول بشأن الصدق: ” الصدق هو أساس الإسلامية، وهو خاصة الايمان، بل الايمان صدق ورأسه.. وهو الرابط لكل الكمالات.. وهو الحياة للأخلاق العالية.. وهو العرق الرابط للأشياء بالحقيقة.. وهو تجلّي الحق في اللسان.. وهو محور ترقي الانسان.. وهو نظام العالم الإسلامي.. وهو الذي يطير بالبشرية في مدارج الترقي كالبرق إلى كعبة الكمالات.. وهو الذي يصيّر أقلّ الناس وأفقرهم أعزّ من السلاطين.. وبه تفوّق أصحابُ النبيّ عليه الصلاة والسلام على جميع الناس.. وبه ارتفع “سَيّدنا محمد الهاشميّ” عليه الصلاة والسلام الى أعلى علِّيِّيْ مراتب البشر”[2].

   مرض النفاق

من أهم أسباب وقوف بديع الزمان على الصدق بإصرار، وربطه نجاتنا وترقينا الاجتماعي به هو مرضُ النفاق الموجود في عالمنا الإسلامي المعاصر، فالانحرافات ومظاهر الضلال التي حدثت حتى يومنا هذا في أديان ولدى أقوام مختلفة ظهرت في صورة الميل إلى الكفر والإلحاد، وتم التعبير عن أفكار الإلحاد تحت اسم أيديولوجيات وتيارات مختلفة، وحُوِّلت هذه الأفكار إلى نظام للدولة في بعض البلاد، ومن أجل إقامة هذا النظام بين الناس وترسيخه استخدمت شتى مظاهر القمع والظلم الخطيرة، حتى إن ملايين البشر قد قُتلوا، إلا أن هذه النوعية من الأيديولوجيات لم تُعمر طويلًا لأنها تخالف طبيعة الإنسان وتحتوي في ذاتها على متناقضات، وبعد أن تفسّخت تلك الأيديولوجيات بدأ الناسُ يتوجّهون من جديد إلى أديانهم ودور عبادتهم الخاصة.

لكن التطورات في العالم الإسلامي جرت بصورة أكثر اختلافًا، فأعداء الإسلام تخفّوا تحت رداء النفاق بدلًا من أن يُصرحوا بعداوتهم هذه، وسعوا إلى إبعاد المسلمين عن الإسلام باستخدام مخططات ومشاريع شتى، ومما لا شك فيه أن الأضرار التي تعرض لها المسلمون بأيدي هؤلاء المنافقين المسلطين عليهم في بقاع شتى من العالم الإسلامي صارت أكثر تدميرًا وأعظم خطرًا مقارنة بالأشخاص الذي يعادون الدين صراحة، وقد بين القرآن الكريم جزاء المنافقين في الآخرة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/145) هذا يعني أنهم سيكونون في جهنم في دركاتٍ أعمق وأدنى من فرعون وأبي جهل أيضًا، وقد عبر الأستاذ بديع الزمان عن هذا المعنى بقوله: “المنافق أشد من الكافر وأخبث”[3].

المنافقون يقفون جنبًا إلى جنب معكم في المساجد، ولكنهم على غير وضوء، يتحدثون عن عزة الدين وقداسته إذا اقتضى الأمر ولكنهم يدبرون المكائد له في الخفاء، يكذبون عندما يتحدثون، تمامًا مثلما قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ[4]، فبينما يعدد عليه الصلاة والسلام صفات المنافق في ذلك الحديث لفت الانتباه إلى كذبهم أول ما لفت، وهذا يعني أن الكذب واحدٌ من أخطر وأهم عناصر وآيات النفاق.

المؤسف أن المنافقين الذين تبوؤا أماكن ومناصب مختلفة في العالم الإسلامي قد نكسوا المجتمع بكذبهم وخداعهم وخيانتهم، وأحدثوا تشوّهات متداخلة فيه، ولو أنكم طلبتم من رسام بارع أن يرسم لوحة موافقة لمحتوى حديثنا وتشخيصنا لرأيتم أن هذه اللوحة تتطابق مع حال العالم الإسلامي اليوم، وعليه فإن إعادة العالم الإسلامي إلى هويته الحقيقية من جديد ربما هي أصعب من إيصال المجتمعات التي ينتشر فيها الإلحاد إلى هوية الإسلام الحقيقية، لذا يجب تناول القضية من الأعماق والجذور، وأن يُربَطَ كلُّ شيء بالإيمان بالله ومعرفته ومحبته؛ حتى يتسنى إعادة ترميم وإعمار بنية المجتمع التي فسدت.

   التقيّة

هنا سيكون من المفيد الوقوف بإيجاز على مفهوم التقية؛ لأنها، كما هو معروف، قد تبنتها شريحة معينة كواحدةٍ من المبادئ، ووضعتها ركنًا في دينها، وحاولت من خلال نظام التقية الذي طوَّرَتْه أن تتغلَّبَ على أعدائها بعد أن خَسِرَتْ معاركها معهم عن طريق القوّة والسطوة، ولسوء الحظ فإن شبكة التقية هذه سَرَتْ وانتشَرت في بعض الدول حتى أدق تفاصيلها باستخدام وسائل مختلفة للغاية في سبيل الخداع، واستولت على مناصب حيوية عديدة؛ فاستخدمت العديد من الأشخاص في سبيل تحقيق حساباتها ومصالحها الشخصية الخاصة، ونتيجة لذلك باءت بالشناعة والدناءة التي تقشعر لها الأبدان.

المؤسف أن شبكة التقية هذه اصطادت الغارقين في مستنقع الغفلة، ممن اتبعوا هوى أنفسهم وارتكبوا الذنوب في مجتمعنا وفي بلاد إسلامية أخرى أيضًا، ودفعتهم إلى الارتباط والعمل معها، إن نظام النفاق والتقية عادة ما يكون له تأثير القنبلة الذرية على المجتمع الذي يدخله، وبالتالي فإن البعض فقدوا حياتهم بما فيها من أشعة “ألفا”، والبعض  تعرض لهزة خطيرة للغاية بما فيها من أشعة “بيتا”، كما أن البعض تعرض كذالك لتأثيرات من قبيل الرشح والدوار والغثيان تأثرًا بما فيها من أشعة “غاما”.

التقية منهج شيطاني لأنها مظهر من مظاهر الكذب والخداع، وهي أكبر أسلحة نظام النفاق، لذلك لا يمكن لمن يستخدم التقية أن يكون مؤمنًا حقيقيًّا، ويستحيل أن ينجوا بسلام من سؤال منكر ونكير، أو أن يجتاز الميزان بسهولة، أو أن يعبر الصراط بيسر، لأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين بقوله: “مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا[5]، أن الكذب والنفاق يستحيل أن يتوافقا وينسجما مع الإسلام بأي شكل من الأشكال.

***

[1] – بديع الزمان، إشارات الإعجاز، ص 97.

[2] – بديع الزمان، إشارات الإعجاز، ص 98

[3] – بديع الزمان، المكتوبات، ص 97.

[4] – صحيح البخاري، الإيمان 24؛ صحيح مسلم، الإيمان 107.

[5] – صحيح مسلم، الإيمان 164.

المسلم: إنسان الصدق والأمانة

Herkul-ARB | | العربية

السؤال: جاء في الحديث “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”، فبمَ تنصحونا حتى نجعل هذه الخصلة الطيبة بعدًا من أبعاد طبيعتنا الإنسانية؟

الجواب: حديث “الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ” ورد في الصِّحاح (البخاري: الإيمان، 4)؛  وهو يعرّف المسلم الحقّ بأنّه  من لا يتأذى أحد أو يُضارّ من لسانه ويده.

ولنقف قليلًا على كلمة “المسلم” في هذا الحديث الشريف لندرك مغزى ما أشار إليه السؤال.

وردت كلمة “المسلم” في الحديث الشريف معرَّفةً بأل، فالمقصود هنا المسلم الكامل، فالقاعدة: “أن اللفظ المطلق يُحمل على أكمل معانيه”، فالمسلم هنا ليس هو من يتظاهر بالإسلام أو يدعيه، بل هو من يؤمن بالحق ويرضى به قلبه، ويفوّض إليه أمرَه، ويعمل بمقتضى إيمانه، ويتخذ هذا الإيمان روحًا لحياته.

وإن شئت التفصيل فالمسلم لغة اسم فاعل من “أَسْلَمَ” المشتق من “السلم والسلام”؛ فكما أن المسلم هو من يُسلم زمامه إلى الله تعالى هو أيضًا من يبْلُغ بالآخرين شاطئ السلامة، ويقيم بينه وبينهم جسرًا من الأمن والسلام.

المسلم إذًا هو ممن يُسلم قياده للحق تعالى، فيراعي الدّقة البالغة في الإتيان بما أمر الله واجتناب ما نهى عنه، فيحافظ على هويته في جو من السلم والسلام؛ وهو في الوقت نفسه أمينٌ يمثِّلُ الأمن والسلام، ويُشعِر الآخرين بالثقة والأمان في كل ما يصدر عنه. 

المسلم واسم الله “السلام” و”المؤمن”

المسلم تهبّ منه نسائم السلام والأمن على الآخرين، فهو مظهرٌ للتخلّق بالأخلاق الإلهية؛ فـ”السلام” و”المؤمن” من أسماء الله الحسنى كما ذُكِرا تِبَاعًا آخرَ سورة الحشر: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (سُورَةُ الْحَشْرِ: 23/59)؛ فالله تعالى هو “السلام”؛ لتنزهه عما هو من شأن الحوادث من العيب والنقص والفناء، وهو الذي ينشر الأمن والسلام بين خلقه؛ و”المؤمن” هو من يخلق الإيمان في قلوب عباده، ويبشرهم بالأمن والأمان، ويفي بعهده، فإذا وعد الله عباده فمن أوفى بعهده من الله، وهذا مردّ ما في قلب المؤمن من الرجاء.

فمَن يجاهد نفسه ليتخلق بأخلاق الله أو مَن جعل منتهى غاياته أن يتصف –باعتبار الظِّلِّيَّة- بالصفات السبحانية، فعليه أن يوحي لمن حوله بالأمن والسلام دائمًا فلا يساور أحدًا خوفٌ أو قلقٌ مما يصدر عنه، وعليه أن يؤمن بالله ويصدّق به من صميم قلبه، فيوحي لسان حاله لمن حوله بالأمان، ويغشاهم بنَسائم الثقة والأمان؛ فيعهدون إليه بأغلى ما عندهم فيُسْلِمونه له، ثم ينصرفون دون أن يراود أحدًا منهم أيُّ قلق أو سوءُ ظنٍّ به. 

الصدق والأمانة من صفات الأنبياء العظام، ولهذا أثر عظيم يجلي أهمية المسألة؛ أجل، فبالصدق  بلغ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذُرَى الكمالات، وبالكذب تردّى مسيلمة الكذاب أسفل سافلين.

حقًّا إنّ الكفر إفكٌ عظيم يفتريه الجاحدون، وهو إنكار لكل ما في الكون من آيات تدل على الله، وتَعَامٍ عن النظام والتناغم الرائع فيه، وجحود بما بين الكون والقرآن من مطابقةٍ أثبتها العقل؛ فما أعظمه من جرم، جزاؤه جهنم فبئس المصير! أما الإيمان فبه يغدو المؤمن أهلًا لدخول الجنة ويبلغ به أعلى عليِّين، أجل، فخصلة الصدق ينبوعُ الإيمان، وهي  التي بلغت بالصحابة الكرام عامّة وبالصدِّيق خاصة الدرجات العلى.

أما الأمانة فما من نبي إلا وحياته مثل للأمن والأمانة، تبعث في الآخرين الشعور بالطمأنينة والأمان على الدوام؛ وأعظم الناس أمانة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث الطمأنينة فيمن حوله بأحواله وأطواره، حتى إنه أول من يخطر ببال الناس إذا ما همّوا  بسفر ورغبوا أن يستودعوا أحدًا بناتهم وزوجاتهم؛ لأنهم على ثقة بأن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم لن يرفع بصره إلى أيٍّ منهنّ؛ فهو صلى الله عليه وسلم المثل الكامل في الأدب والحياء، فكم وكم تصبب معلّم الأدب والحياء عرقًا يوم أن عَرَّضت له السيدة خديجة رضوان الله عليها بالزواج؛ أجل،  فالأمانة سرت في ماهيته صلى الله عليه وسلم حتى غشيته من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه؛ فغدا عليه الصلاة والسلام موضع ثقة الناس.

رصيد الثقة

الأمر هو هو ينبغي أن يسري فينا نحن أمَّتَه صلى الله عليه وسلم خاصة أبطال مبدأ مثاليّ نذروا حياتهم لتحبيب الله ورسولِ الله إلى عباد الله ينبغي أن يبثّوا نسائم الأمن فيما حولهم دائمًا ليولدوا لدى الناس جميعًا شعورًا بالثقة فيهم فيأمنوهم كلّ الأمن ويتحدثوا عنهم قائلين: “إن قالها هؤلاء فقد صدقوا، فكلامهم ثقة وصدق”؛ واعلموا أن ثقتهم بكم هي سرّ احتفاء الناس بكم اليوم واتباعهم لكم ومساندتكم.

أجل، للناس وسائل كثيرة يختبرونكم بها في مجريات الحركة الطبعيّة للأحداث بلا تجسس ولا رقابة، ثم يحكمون فيقولون: “هذا جدير بالثقة”، فمثلًا إذا حدّثتموهم  عن مشروع ذبح الأضاحي حيث الفقر والحاجة في الداخل أو الخارج، يسارعون بلا تردد بخمسين أو مائة أضحية أو أكثر؛ فنيلُ هذه الثقة والمحافظة عليها بدقة بالغة وصدقٍ صِرفٍ أمرٌ مهمّ جدًّا.

وإذا ما استطاعت الأرواحُ التي نذرت نفسها للحقّ اليوم الاستمرارَ في بثِّ نسيم الثقة، فسيَعلم -بفضل الله وعنايته- من سيعرفونها من بعد ويثقون بها ويتواصلون معها أنهم لم يُخدعوا، فلن ينقلبوا على أعقابهم؛ فعلى المهاجرين في سبيل مبدأ سامٍ الوفاءُ بمسؤوليتهم مهما ضاقت الأمور، والثباتُ حيث  يرابطون، والسير دائمًا وفقًا للمبادئ الأساسية، وليحذروا أن يستوجبوا وقوع ما ورد في هذه الآيات من صفعات ولطمات بتفضيلهم للحياة الدنيا على الآخرة: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ (سُورَةُ القِيامَةِ: 20/75-21)، ﴿اِسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ (سُورَةُ النَّحْلِ: 107/16) نسأل الله السلامة؛  فينبغي الاهتمام بالدنيا بقدر فنائها وبالآخرة بقدر بقائها، فأنتم حقيقة تزيدون الدنيا قيمةً وقدرًا إن أوليتم الآخرة اهتمامًا وتقديرًا يناسب قيمتها الذاتية؛ لأن الذين يُقِيمون حياتهم على هذا التوازن مخلصون يفيضون وفاء ويتحركون بأمن وأمان حتى إن كل شيء يُستثمر عندهم استثمارًا جيدًا، ولا يُهدر شيء ألبتة،  فبذلك تُصبح الدنيا معمورةً، أجل، لا يساورنَّكم شكّ قطعًا بأن أُمَناء اليوم بوسعهم -إن عزموا الأمر- أن يعمروا دنيانا في هذا العصر كما أن من نذروا أنفسهم لنيل رضا الله والفوزِ بالآخرة عمروا من قبلُ الأندلسَ وكلَّ بقعة نزلوها في عصر الدولة العثمانية العليّة.

فعلى من نذر نفسه لخدمة الحق أن يتجنب التَّرَف دائمًا، ويعيشَ حياةً بسيطةً، وأن يكون بيته كذلك حتى إنه لَيُرهق أصحابه في البحث عن ثمن كفن يكفنونه به حين يموت؛ فمن انقطع ووُقِفَ للخدمة ليس له أن يكون عبد الدرهم والمنصب والراحة؛ إنه عبدٌ لله وحده أخلص قلبَه للخدمة فحسب، فلا شيء يغلّه أو يسلسله؛ وطبَعي أن يكون هناك أناس -ولا بد أن يكونوا- عملُهم التجارة يرغبون في الخدمة هكذا أي بالكسب الحلال والإنفاق في سبيل الله، فهذا أمر آخر؛ إنما أذكِّر بما يجب من الحذر والدقة على من ليس لهم عمل أو شغل إلا الخدمة.

قوة التمثيل لدى المسؤولين

على الأوراح التي نذرت نفسها للحق أن توحي بالثقة -على الشاكلة نفسها- لأقرانها في الخدمة، فلتحاذر دائمًا من أي تصرف أو سلوكٍ من شأنه أن يزعزع ثقة أقرانها بها، ولتتحرك بشفافية دائمة، ولتحذرْ مقارفة ما يثير الشك لديهم، فيفقدمهم الثقة؛ وعليها أن تكون على قدرٍ عالٍ من الحساسية والحيطة والحذر في هذا حتى لا يغرق أحد حولها في أوهام كدعوى  حرمانه من بعضِ الأشياء أو أنه ضُيِّق عليه في حَراكه.

لذا علينا التحلي بالوضوح والشفافية دائمًا نحوَ مَن نسير معهم سويًّا، ومشاورتهم في اتخاذِ القرار أيًّا كانت المسألة، والحذرِ كل الحذر من الاستبداد في تصرف أو سلوك، فلنراعِ مشاعرَ من حولنا وآراءَهم، وبالشكل نفسه لتكن الواجبات التي نأتمنهم عليها مناسبة لاستعداداتهم وطاقاتهم، ولننظمْ ساعات عملهم وفقًا لهذا؛ فعلينا أن نكوّن ثقة عند من حولنا في هذا الشأن حتى يشعر ويتأكد من يُوظَّف في أمرٍ ما أن من يوظِّفونه يتحركون بحسن نية، ويفعلون ما يفعلون حسبما تقتضيه المصلحة دائمًا؛ أضف إلى ذلك ضرورةَ إعادة التأهيل بصورة جادة كي يتحمسوا لما كُلفوا به ويعتادوا عليه ويتبنّوه ويستوعبوه.

بإيجاز: لا بد من التحرك بشفافية ودقّة عظيمة عند توزيع الأعمال وتنظيمها والتكليف بالواجب حتى لا تتسلل إلى أحدهم مشاعر مثل: “لا يُوثق بي، لا أؤتمن”، وكي لا يُولَّد فيهم شعورٌ بالشك وعدم الثقة.فحينما أعفى عمر -رضي الله عنه- خالدَ بن الوليد من قيادة الجيش، وكذلك حين أرسل عثمانُ -رضي الله عنه- أبا ذرّ إلى “الربذة” لم يعترض أيّ منهما قط على هذا القرار، بل نفذا الأمر فورًا، وما ذلك إلا لوجود مثل هذا الشعور؛ فإن استطعتم بتصرفاتكم وأحوالكم التي أبَنْتُم عنها أن تبُثوا وتزرعوا الثقة لدى منْ أنتم مسؤولون عنهم، وحافظتم على عصمتكم وعفتكم الفكرية والحسية والعقلية والمنطقية، فكل قرار تتخذونه بحقهم سيلقى القبول والرضا، وسيمضي من يُعيَّن في وظيفة جديدة دون أي تردد قائلًا: “متأكد أن من اتخذ هذا القرار اختار الأصلح والأنفعَ لي”، وسيتحمل كثيرًا من ألوان الحرمان والعوز حيث ذهب؛ حتى لو قلتم له: “امكث في هذا المكان” لمكان يشبه المحبس الانفرادي، فإنه فاعلٌ موقنًا أن ثمة مصالح ومنافع متنوعة مستهدفة بتلك الوظيفة؛ فعلى قدر ما تكونون إداريِّين أمناء ثقات يستجيب مَنْ حولكم لتوجيهاتكم واقتراحاتكم؛ إذ التحلي بالصدق والثقة والأمانة أهمّ طريق ووسيلة لفتح القلوب؛ فينبغي أن يبلغ تصديق الناس لكم وثقتهم بكم في هذا أن يقولوا: “حيثما وجبت عليّ وظيفة في الخدمة الإيمانية والقرآنية فثَمَّ مشيئة الله”؛ وهذا إنما يتحقق بلا ريب بفضل قوة التمثيل التي تتجلى وفق ميزانٍ حسّاس  دقيق لدى الإداريين.