Posts Tagged ‘اليأس’

سوء الظن: مرض معنوي يهدم عرش الكمالات المادية والمعنوية

Herkul | | العربية

   سؤال: عدَّ الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي سوء الظن من الأمراض المعنوية التي تهدم عرش الكمالات، إلى جانب اليأس والعُجْب والغرور؛ فما الأمور التي يجب مراعاتها حتى يستطيع الإنسان إحسان الظن بالآخرين، ويتجنب إساءة الظن بمن يشاركونه دربه أو الذين ينتسبون إلى مشارب مختلفة؟ 

   الجواب: ركز الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله في مواضع مختلفة من مؤلفاته على بعض الأمراض المعنوية التي تعاني منها الإنسانية والعالم الإسلامي على وجه الخصوص، ووضع الوصفات العلاجية الخاصة بها؛ فمثلًا يذكر أن أكثر الأمراض الفتاكة في العالم الإسلامي هي “الجهل والفقر والفرقة”، وإلى أن يتمكن المسلمون من حل هذه المشاكل فلن يكون بإمكانهم التخلص من الذلة والخنوع، وكما حدث في عهد “التنظيمات”[1] عندما كانوا يترقبون ما تُمليه عليهم أوروبا سيظلون فيما بعد أيضًا يترقبون ما تمليه عليهم الدول العظمى، وبذلك لن يتخلصوا من براثن الوصاية ألبتة، ولن ينالوا حريتهم واستقلالهم، وسيُحكم عليهم بمواصلة حياتهم بأيدٍ مغلولةٍ وأفواهٍ مكمّمة.

وتبرز هذه الأمراض الثلاثة بشكل أكبر على المستوى الاجتماعي والسياسي، ولكن نظرًا لأن كل شيء يبدأ من الفرد، فلا يمكن غضّ الطرف عن انعكاسات هذه الأمراض على المستوى الفردي؛ فلا سبيل للمجتمع أن ينعم بالصحة والسلامة وهو يقوم على الذنوب والموبقات، أما بالنسبة للأمراض التي جاء ذكرها بالسؤال فهي تتعلق بحياة الإنسان الشخصية والمعنوية مباشرة.

وقد ركز الأستاذ النورسي على اليأس أولًا، مشيرًا إلى أن الثلاثة الأخرى تتولد عن اليأس من جهة ما؛ لأنه يرى اليأس حائلًا دون أي كمال؛ بمعنى أنه عائقٌ كبيرٌ يحول دون أيّ خير وجمال؛ ومن الصعوبة بمكانٍ أن تجد إنسانًا يائسًا قد نال الفلاح، ولهذا فإن الاستغراق في الأفكار السلبية من قبيل: “لقد ولى الزمان، فلا تشغلوا أنفسكم عبثًا، فالأمة المحمدية لا يمكن أن تستوي على عودها من جديد”؛ تُقنع الإنسان بأنه لا فائدة ولا خير يُرجى منه.. إن مثل هذه الأفكار التشاؤمية هي بمثابة ضربات قوية تكسر يدي الإنسان وجناحيه، وتثبط عزائمه، فمن يفكر بهذا الشكل، أو يثرثر بهذه الأفكار فلا مناص أنه يهدم عالمه ويدمر دائرته وبيئته.

وفي هذا الصدد يقول الشاعر الإسلامي محمد عاكف في منظومته الشهيرة:

اليأسُ مستنقع عميق الغَور، إذا وقعتَ فيه فأنت غريقُ

فتمسك بالأمل بقوة، وانظر ما ستؤول إليه حالك يا صديقُ

إن من يحيا يحيا بعزيمته وبأمله المنشودِ

واليائس يغلّل روحه وضميره بقيد حديديٍّ منضودِ

أما المرض الثاني الذي تم التركيز عليه فهو العجب؛ والعجب وإن اختلف قليلًا عن الفخر والغرور والكبر ببعض الفروق الطفيفة فكل هذه الأمراض ناشئة عن ذات المصدر الفتّاك، فلو توفر مثل هذا المنبع المشؤوم داخل الإنسان تصاعد العجب أحيانًا، والغرور أحيانًا، والكبر أحيانًا أخرى.. والعجب يعني الإعجاب بالنفس؛ أي إعجاب الإنسان بنفسه في الداخل، وإعجابه بالأعمال التي قام بها، ومثل هذا العجب يتجلى في الخارج في صورة افتخار أحيانًا، وغرور أحيانًا، وكبر أحيانًا أخرى؛ ولا ريب أن كل هذه الأمراض تمثل صفة شيطانية.

   “اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ”

يُضاف إلى هذه الأمراض مرضُ “سوء الظن”، وهو: امتلاء القلب بالظنون السيئة بالناس؛ حتى يطفح على اللسان والجوارح، ولقد نهى القرآن الكريم المؤمنين عن سوء الظن فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (سورة الْحُجُرَاتِ: 49/12)؛ ولهذا فإن الوظيفة التي تقع على عاتق المؤمن هي حسن الظن قدر الإمكان، وتجنب سوء الظن، بل على الإنسان إذا شاهد أحدًا في وضع مخلٍّ أن يلتزم بالمبدإ الذي وضعه الأستاذ النورسي وهو “حسن الظن المصحوب بالحذر”؛ أي يحسن الظن بالجميع، ولكن مع أخذ الحيطة والحذر، وعدم التخلّي عنهما.

ويقول سبحانه وتعالى في آية أخرى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (سورة الإِسْرَاءِ: 17/36)، فهذه الآية الكريمة لها أهمية بالغة من حيث إنها تشير إلى عاقبة سوء الظن؛ لأن سوء الظن عبارة عن قناعة وتخمين سلبي لا يعتمد على معلومات قاطعة بحق شخص ما، والحال أن الآية الكريمة تنهى عن الاشتغال بما لم يقم على معلومات قاطعة، ولذا فإن من يعتقد في ظنه وتخمينه قطعية الثبوت والدلالة ويقيّم الناس على هذا الأساس فقد حمّل نفسه وزرًا عظيمًا، فمثلًا يقول القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (سورة الْحُجُرَاتِ: 49/6)، فعلى الإنسان ألا يصدِّق كل ما يسمعه، وأن يذعن لأوامر ربه التي جاءت بالآية الكريمة، وأن يفتش ويدقق في مصدر الخبر المتناهي إليه، وفي خلفياته ومدى صحته؛ حتى تتبين له المسألة بوضوح، وفي هذا السياق يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “كَفَى بالمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ[2].

وأحيانًا قد تقع العينُ على بعض الأمور، ولكن لا تعني رؤية الإنسان للشيء إدراك حقيقة ما يراه دائمًا، فكما أن الإنسان يخطئ أحيانًا في رؤيته فكذلك ربما لا يستطيع أن يفهم بعض الأمور بشكل صحيح، فما يقع على الإنسان هنا هو ألا يتسرّع في إصدار الأحكام على كل حادثة يشاهدها، وأن يسعى أولًا إلى التأكد من صحة ما شاهده.

جديرٌ بالذكر أن الفؤاد قد ذُكر في الآية الكريمة بعد السمع والبصر، وأنه مسؤول أيضًا عن أفكار صاحبه وتأويلاته. أجل، إن كلًّا من السمع والبصر والفؤاد مسؤولٌ يوم القيامة عن أيِّ حكمٍ لم يقم على دليل قطعيّ أو معلومة ثابتة، وسيشهدون -حفظنا الله- على صاحبهم في ذلك اليوم، وهذا يوضِّح أن حكم الإنسان على غيره اعتمادًا على ظنه وتخمينه أمرٌ يستلزم مسؤولية كبيرة.

   سوء الظن بين الجماعات

سوء الظن مرضٌ يلحِق الضرر بالكمالات المادية والمعنوية، ورغم أنه مرض فرديّ في الأساس فقد يتحول أحيانًا إلى مرض اجتماعي، فلو داوم الفردُ على إساءة الظن بالآخرين وتأويل تصرفاتهم بشكل سلبي والاستهانة بهم وتحقيرهم فهذا هو سوء الظن على المستوى الفردي، وكذلك إن أساءت جماعة معيّنةٌ الظنّ في جماعة أخرى، واستخفت بأعمالها ومساعيها ففي هذه الحال تتسع دائرة سوء الظن أكثر فأكثر، ويمكن أن تشكل الأنانية الفردية تهديدًا أكبر لأنها تقوَى باعتمادها على الأنانية الجماعية، وإذا قويت بالأنانية الجماعية صارت غير قابلة للتزعزع أو الانهيار.

وللأسف فإن سوء الظن بين الهيئات الأخرى والجماعات المختلفة فضلًا عن سوء الظن الفردي قد يؤدي إلى نتائج مدمرة أكثر من الناحية الاجتماعية؛ فمثلًا قد تسيء المجموعة (أ) الظنَّ بالمجموعة (ب)، وتنتقد كل ما تفعله، فتأتي المجموعة (ب) وتسيء الظن في الأولى، وتعتقد كل مجموعة أن الخدمات التي تقدمها هي أكثر توافقًا مع الإسلام، وأنفع للإنسانية، ولا يستهويهم إلا ما يفعلونه بأنفسهم فقط، أما الخدمات والأعمال الخيرة العديدة التي قام بها غيرهم فيبحثون لها عن مسوّغ وينتقدونها بقسوة. 

وقد يصيب أربابَ الخدمة مثلُ هذا المرض إن لم ينتبهوا؛ فمثلًا قد يسيئون الظن ببعض الجماعات والكيانات المختلفة، ويخطئون في تقدير أجلّ الأعمال الخيّرة التي يقوم بها هؤلاء، علمًا بأن المعيار الذي وضعه الأستاذ سعيد النورسي في هذا المضمار بيِّنٌ واضح، حيث يقول: “إن تفضيل الإنسان لمشربه بناء على محبته له لا يستلزم عداوته للآخرين”، فقد يحب الإنسان طريقه ومسلكه ومشربه بجنون، بل يلزم أن يفعل ذلك، ولكن هذا لا يقتضي الاستخفاف والاستهانة بمشارب الآخرين ونقدها وإضمار العداوة لها، فإنني ما قابلتُ ولا علمتُ مذهبًا أو دينًا يقول بأن توبيخ الآخرين والطعن فيهم والتشنيع بهم نوعٌ من أنواع العبادة.. ولا يُقبَلُ أبدًا أن يسبّ الإنسان أخاه الإنسان بحجة أنه لم يتبع منهجه الفكريّ.

ومع الأسف فإن سوء الظن هو واحدٌ من أكبر أمراض العصر وأكثرِها انتشارًا، وتختلفُ أنماط الناس في كيفية التعامل معه؛ فمنهم من يكشف عن هذا المرض الذي يعتلج في داخله صراحةً وعلانيةً، ومنهم من يُطلق أفكاره ومشاعره السلبية من وراء الأبواب المغلقة.

وقد يتعرض لمثل هذا الهجوم والاعتداء مَن نذروا أنفسهم للخدمة ابتغاء مرضاة الله تعالى، فقد لا يكترث الآخرون ممن يسيئون الظن بالخدمات الجلية التي يقومون بها، أو يفتشون عن أهداف ونوايا مختلفة من وراء كل هذا، فلو أن أرباب الخدمة تعاملوا مع هؤلاء بنفس المعاملة فقد ارتكبوا أيضًا نفس الخطإ.

وليس من الصحيح تقدير الخدمات بالكمّ والمظهر الخارجي، فمثلًا قد تكونون أقمتم ألفَ مدرسةٍ في أماكن مختلفة من العالم، على حين لم يوفَّق غيرُكم إلا إلى بناء خمس مدارس فقط، فإن قلتم حينها: “ما قيمة هذه الخمس بجوار الألف؟!”؛ فقد وقعتم في ذنب عظيم، فأنتم لا تعلمون! فلربما كانوا مخلصين أكثر منكم عندما قاموا بهذه الأعمال! فذرّةٌ من عمل مخلص تفوق أطنانًا من الأعمال التي لا إخلاص فيها.

وعلى ذلك يجب عدم الاستخفاف بأي خدمة، أو الاستهانة بها، ولا بد من إحسان الظن بكل من يسعى في سبيل الله لخدمة الإنسانية. أجل، يجب على الإنسان أن يكافح دومًا حتى لا يعتري قلبَه سوءُ الظن، وأن يضع سدودًا منيعة أمام الأحاسيس السلبية في الداخل، وأن يُلزِم نفسه دائمًا بحسن الظن في الآخرين؛ لأن نبينا صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الشريف: “حُسْنُ الظَّنِّ مِنْ حُسْنِ الْعِبَادَةِ[3].

   الجهاد الأكبر

لا ريب أن حسن الظن بحق الآخرين يأتي بالثواب والخير العميم؛ وذلك لأنه لا يسمح للوساوس الشيطانية والنفسانية والجسمانية والحيوانية بأن تجعلنا نصدر أحكامًا خاطئة إزاء أحوال الآخرين وتصرفاتهم، بل يساعدنا على مكافحتها والنيل منها، فاكبَحُوا جماحَ المشاعر السلبية في داخلكم، وغضوا الطرف عن عيوب الآخرين بأن تعطوا إرادتكم حقّها؛ بمعنى أن تصارعوا أنفسكم وتجاهدوها، فبينما سمَّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم جهادَ الأعداء الجهادَ الأصغر أطلق اسم الجهاد الأكبر على الجهاد الداخلي الذي يحمل النفس على الاستقامة؛ لأن جهاد العدو عابرٌ مؤقت، أما جهاد الإنسان نفسه وأهواءه ورغباته وأحاسيسه السلبية فهو دائم مستمر، فربما يضطر الإنسان إلى مجاهدة هذه المشاعر السلبية في اليوم مائة مرة؛ وهذا يعني أنه في حالةِ حربٍ دائمةٍ مع نفسه. 

وسوء الظنّ هو أحد أعدائنا في هذه الحرب التي لا بد من شنِّها، وثمة عوامل ودوافع أخرى تثير هذا الشعور؛ منها بعض المعاملات السيئة التي يُخاطب بها الإنسان، أو بعض الأخطاء التي يشاهدها، أو ما يتعرض له من الأذى والمشاكل؛ فكل ذلك سببٌ في إثارة شعور سوء الظن، وما يقع على الإنسان عندما يتحرك لديه هذا الشعور هو أن يعمل على قمعه، سواء بإلقاء صخرة ثقيلة فوقه، أو بالقفز عليه، أو بهضمه ببعض الإنزيمات المعنوية… المهم هو القيام بما يجب، والبحث عن وسيلة للحيلولة دون ظهور هذا الشعور.

وخلاص الإنسان من سوء الظن منوطٌ بإنكار الإنسان ذاته من جهة ما، يقول مفخرة الإنسانية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اللّهُمَّ اجْعَلْنِي فِي عَيْنَيَّ صَغِيرًا وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ كَبِيرًا[4]، فلا بد هنا أن نسترشد بكلماته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم مهما رأى نفسه صغيرًا فهو كبير عظيم، وهو لم يطلب أن يكون في أعين الناس كبيرًا لذاته، وإنما من مقتضى دعوته وما يحمله من رسالة إلهية قدسية، أما أنتم فعليكم أن تقولوا: “اللهم اجعلني في عيني صغيرًا، وبإخلاصي، وابتغائي رضاك، وخدمتي ساعيًا مجتهدًا”.

فإن استطعنا أن ننكر ذاتنا خمسين مرة في اليوم فلنفعلْ، وعند ذلك لن نشتغل بعيوب غيرنا، ولن نسيء الظن بهم، فلو كان لدينا بعض الفضل فليذكره الآخرون، أما التشوف لشيء يتعلق بذلك فهو مرضٌ خبيث، ولو فكّرنا في سلبياتنا قبل سلبيات غيرنا فلن نرمي الآخرين بالباطل ولن نتورط في سوء الظن، أما إذا لم ينظر الإنسان إلى عيوبه، ولم ينشغل بحصرها فسيظل طوال عمره يبحث عن العيوب فيمن حوله؛ ولن يصل أبدًا إلى المذنب الحقيقي.

***

[1]  يطلق مصطلح “التنظيمات” على مجموعة الإصلاحات التي أدخلها السلطان عبد المجيد في عام (1839م)، وقد انتهى عهد التنظيمات بإغلاق مجلس النواب عام (1878م).

[2]  سنن أبي داود، الأدب، 80.

[3]  سنن أبي داود، الأدب، 88.

[4]  البزار: المسند، 10/315.

الجَرَّة المشروخة: مكاسب الإيمان والأمل

Herkul | | العربية

   سؤال: وقعت في السنوات الأخيرة بعضُ الأحداث المأسوية القاسية؛ مما أدى إلى سيطرة اليأس على أصحاب القلوب المؤمنة ورؤيتهم المستقبل مظلمًا، فما هي أفكاركم وتوقعاتكم فيما يتعلق بالمستقبل؟

   الجواب: إن كل قناعة تُذكر في هذا الشأن ما هي إلا قناعات ذاتية ومشاعر شخصية؛ لأنه لا يعلم الغيب إلا الله، والمؤمن لا علاقة له بالادعاءات ولا الكهانة، ولذلك فإن المعلومات التي سنقدمها فيما يتعلق بالمستقبل اعتمادًا على تحليلات وتفسيرات مبنية على بعض الأحداث التي وقعت في أيامنا وعلى مدار التاريخ لن تكون بالمعلومات الموضوعية الدقيقة مطلقًا، فمن المفيد أخذ هذا الأمر بعين الاعتبار.

وبعد هذا التنويه أقول: لم أشعر في أي وقت من الأوقات بالتشاؤم حيال مستقبل تركيا أو مستقبل الخدمة، وكنت دومًا أتمسك بهذا الأمل حتى في الآونة التي لا أجد فيها حولي إلا ثلاثة أو خمسة أشخاص، فقد تظهر الفتن، ويكثر الهرج والمرج، ويتعرض المؤمنون الصادقون لمعاملات قاسية من قِبل بعض المستبدين، وينسحقون تحت نير الظلم والاضطهاد، لكن لم يفتّ هذا في عضدهم ولم يثبط عزيمتهم؛ لأن الإنسان طالما آمن بالله وتشبث بالسعي واستعان بالحكمة لا يساوره خوف ولا ينتابه يأس؛ فإذا ساوره القلق وشعر بالخوف وانتابه اليأس؛ فهذا بدوره سيتسبب في إثارة الذعر في الناس المحيطين به السائرين معه على الدرب نفسه، وسيسوقهم إلى تشتت أفكارهم ووقوعهم في التردد، وبعد ذلك يبدأ الانزلاق والانفضاض.

   صحة الطريق وسلامة النية

فالمهم بالنسبة للمؤمن هو صحة الطريق وسلامة النية، فإذا سعيتم إلى إعلاءِ كلمة الله، وغرسِ الأمن والأمان في جميع البقاع عن طريق التسامح والتعليم، وأوقفتم الخدمات التي تبذلونها على رضا الله تعالى؛ فهذا يعني أنكم تسيرون في الطريق الصحيح؛ وهذا هو الطريق الذي يأخذ الإنسان إلى الجنة، ويوصّله إلى الرضا والرضوان، أما الباقي فلا يعنيكم؛ لأن النجاح قد حالفكم منذ البداية بسبب سلامة نواياكم ومقاصدكم ومساعيكم، علاوة على ذلك فإن تحقيق غاياتكم وجني ثمار خدماتكم هو أمرٌ منوط بالله تعالى ليس إلا.

فأحيانًا يكتب الله النجاح للجهود التي تُبذل في سبيل إعلاء كلمته، وأحيانًا لا تترتب أي نتيجة مرجوة على هذه الخدمات لِحِكَمٍ لا يعلمها إلا الله، ففي الحالة الأولى يخطئ المؤمنون حين يدّعون أحقيتهم في النجاحات التي أحرزوها وينسبونها لأنفسهم، وفي الحالة الثانية يخطئون على نفس الدرجة حين يشعرون بالإحباط والتشاؤم لعدم إحرازهم أي شيء، لأن ما يقع على عاتقنا هو مراعاة الأسباب التي تسهم في تحقيق غاياتنا، أما النتيجة فمآلها إلى الله سبحانه وتعالى.

من جانب آخر فإن اليأس عائقٌ كبير يحول دون الوصول إلى الغايات السامقة، يقول الشاعر الإسلامي محمد عاكف معبرًا عن مدى خطورة هذا البلاء:

اليأسُ مستنقع عميق الغور، إذا وقعتَ فيه فأنت غريقُ

فتمسك بالأمل بقوة، وانظر ما ستؤول إليه حالك يا صديقُ

إن من يحيا يحيا بعزيمته وبأمله المنشودِ

واليائس يغلّل روحه وضميره بقيد حديديٍّ منضودِ.

ولهذا فإن اعتبار المستقبل مظلمًا قد يجعل المستقبل بالفعل مظلمًا، ويجعل الطرق الواصلة إلى الكمالات عثرة وعرة.

أجل، إننا نؤمن اعتمادًا على البشارات التي تزفّها إلينا العديد من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة بأن المستقبل مشرقٌ، أما ما يقع من بلايا ومصائب فمجرد زوابع مؤقتة على الطريق الموصِّل لهذا المستقبل المشرق، ومن ثمّ فلو أن يأجوج ومأجوج زلزلوا الأرض، ودمروا كلَّ ما فيها فإننا نؤمن أو ينبغي لنا أن نؤمن بأن التعمير والإصلاح سيحل بفضل الله وعنايته في النهاية، فكلٌّ من الإيمان والأمل مصدرُ قوةٍ يساعدنا على الصمود والثبات، ومواصلةِ السير في الطريق إلى أن نفوز برضا الله تعالى.

عند فتح مكة نظر أبو سفيان إلى وضع الصحابة رضوان الله عليهم آنذاك، وتذكّر بداية الأمر، ثم أخذته الحيرة والدهشة وتذكّر كيف بدأت الدعوة النبوية بامرأة وصبي وعبد، ثم وصلت في النهاية إلى هذه الأبهة والعظمة.. والحق أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حقق هو وعددٌ قليلٌ من صحابته الضعفاء الفقراء نجاحات عظيمة خلال فترة وجيزة، ولا ريب أن هذه النجاحات ترجع -من ناحية الأسباب- إلى الإيمان والأمل والعزم والثبات، فقد آمن هؤلاء بحقٍّ بالطريق الذي يسيرون فيه، ولم يفقدوا آمالهم عندما واجهتهم البلايا والمصائب، وواصلوا سيرهم في طريقهم الصحيح دون تردد، واستغلوا كل الفرص ليحدِّثوا الآخرين عن الدعوة التي يؤمنون بها، وعاشوا متمسكين بآمالهم على الدوام، وفي النهاية لم يخزلهم الله ولم يضيع جهودهم.

قد يتعرض السائرون على نهج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض البلايا والمصائب، وربما ينسحقون تحت وطأة الظلم والاضطهاد الذي يمارسه بعض المستبدين الذين عميت أعينهم عن كل شيء سوى أنفسهم ومصالحهم الشخصية، إلا أن الوحدات الآلية والطائرات والمقذوفات والمدافع التي يملكها غيرهم هي أشياء بسيطة وتافهة للغاية أمام مصدر القوة الذي يعتمد عليه هؤلاء المؤمنون في دعوتهم، ولذا فإنه من الصعوبة بمكان أن تتسبب الهجمات والاعتداءات الوافدة من الخارج في إبعاد هؤلاء المؤمنين الذين ارتبطت قلوبهم بدعوةٍ ما عن الطريق الذي يسلكونه، أو في إنهاء الخدمات التي بدؤوها، المهم هو حفظ التناغم في الداخل، وإحياء شعور التضامن والاتحاد، وعدم الوقوع في شراك التفكك والاختلاف في الداخل، وإذا كان لا بد من القلق فيجب أن نقلق من أنفسنا.

وفي هذا الصدد حُكي لنا أن الأستاذ النورسي كان يقول: “لو قالوا لي إن روسيا على وشك الهجوم عليكم بوحداتها الآلية فسأضع إحدى رجليّ على الأخرى، وأقول لزبير[1]: اصنع لي فنجانًا من القهوة يا زبير، ولكن لو قالوا وقع خلاف بين الأصدقاء في الداخل؛ فحينها سأنزوي في غرفتي وأظل أجهش بالبكاء”.

وعلى ذلك فإذا كان لا بدّ من القلق فيجب أن نقلق من أن نفقد قوامنا ومكانتنا، بل يجب أن نسأل أنفسنا دومًا: هل يا ترى سنقدر على إنجاز المهمة التي تقع على عاتقنا لنعطي موقعنا حقه، وهل نحن نحمل روح التفاني والتضحية من أجل القيام بالخدمات المنوطة بنا؟ إلى جانب ذلك علينا أن نحاسب أنفسنا على الدوام، فلو وجدنا قصورًا في أيٍّ من هذه الأمور فعلينا أن نسعى لتلافيه، وهذا ما ينبغي أن يعنينا بداية، أما ما سوى ذلك من حوادث مؤلمة فهي أشياء مؤقتة عابرة، لا داعي للانشغال بها كثيرًا، ولكن يجدر بنا إذا نخرت دودة في جسدنا -حفظنا الله- فقطّعت أوردتنا، ومصَّت دمنا أن نجلس ونبكي على حالنا.

ومع ذلك نجد أنفسنا أحيانًا نترك ما يجب علينا التركيز عليه وننساه، لنغرق في الواقع ونشغل أنفسنا بالمسائل اليومية ونتيجة لذلك نقع في الفوضى، بينما الشيخ سعيد النورسي يقول “لا نملك سوى يدين، ولو كانت لنا مائة من الأيدي ما كانت تكفي إلّا للنور (يعني للقيام بالخدمة)”[2]، ومن هذه الجهة فالوظيفة المتعينة على الأرواح المؤمنة هي توجيه كل همتهم وتكثيفها لتحقيق ما يجب عليهم فعله من خدمات، وعليهم ألا يتهاونوا في تلك الوظيفة وأن يتمموها بلا أي نقصان أو إهمال، لأنه كما أن من سبقونا قدموا أعمالًا ناقصة وغير مكتملة بسبب القصور والإهمال ونحن نحاول بصعوبة ملء ما تركوه من فراغ، فكذلك الجيل الذي سيأتي من بعدنا سيحاول بصعوبة شديدة ملء ما نتركه من فراغ وسيذموننا من خلفنا.

إن الطريق الموصل للثناء والدعاء بالرحمة لنا من قبل الأجيال اللاحقة، هو القيام بالوظائف الواقعة على عاتقنا على أكمل وجهدون قصور أو نقصان، ولو أننا قمنا بواجبنا على الوجه التام، فسيقولون: “رضي الله عن أجدادنا، فبرغم أقدامهم المكبلة والمصفدة، كافحوا دون توقف”.

وعلينا أن نؤمن إيمانًا قطعيًّا بأنه لو أننا سرنا في طريقنا بإيمان خالص وبأمل راسخ وأدينا ما يتوجب علينا فعله من وظائف على أكمل وجه فإن الله سبحانه وتعالى لا يتخلى عن عباده المؤمنين، لأنه سبحانه يقول في بيانه العالي القرآن الكريم ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/139)، فطبقًا للآية القرآنية الجليلة فإن المؤمنين من البداية هم الأعلون، فهؤلاء الذين لديهم القابلية للتفوق، لو أنهم داوموا على التدرب بعزم وبإرادة فسينالون التفوق والعلوّ.

وكذلك رسولنا صلى الله عليه وسلم أجاب صاحبَه أبا بكر الصديق رضي الله عنه عندما لجأ إلى سلطنة غار ثور، فقال له ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ (سورة التَّوْبَةِ: 9/40)، ولذا فإن كان الله معنا فلا حاجة إلى الاغتمام والتكدر، والمهم هنا أن نكون في مشاعرنا وفي أفكارنا وفي إذعاننا وفي قبولنا متواجدين داخل إطار المعية الإلهية، وإذا استطعنا تحقيق ذلك فإن الله جل جلاله سيقابل توجهنا إليه بتوجه من لدنه، وهكذا في مواجهة ملاحظة المعية السبحانية لن تكونوا بمفردكم وسيقابل توجهكم لمعيته بمعية خاصة من عنده.

   المداومة على حسن الظن بالله سبحانه وتعالى

ومن جهة أخرى فعلى كل شخص تحل به مصيبة أو يتعرض للابتلاء أن يتوجه بمحاسبة نفسه أولًا وإعادة النظر في مسؤولياته وتقييمه، بمعنى عليه أن يقول “إننا الآن لو هزمنا أو تقهقرنا أو اهتززنا فإن هذا بسببنا، لربما ارتكبنا أخطاء وقصرنا في علاقتنا مع الله سبحانه وتعالى”، ومن المهم النظر للمسألة هكذا للمحافظة على حسن ظننا بالله تعالى، لأننا واثقون أن الله جل جلاله لا يظلم عباده مقدار ذرة.

فمن المهمّ أثناء تقييمنا للأحداث هو أن نصل إلى وجهة النظر الصائبة وأن نتناول المسائل من كافة جوانبها، فأحيانًا مايكون الأمر ظاهره فيه الشر لكن باطنه من قبله الرحمة، فالله سبحانه وتعالى يستخدم تلك الابتلاءات ككفارات للذنوب وهكذا ينقينا من الآثام والخطايا، فمن خلال زلزلتنا يوجهنا إلى فتح أعيننا ويوقظنا ويوجهنا لرؤية الصواب بصورة واضحة، ويوصلنا لحقيقة التوحيد، ويسوقنا إلى التوجه التام له سبحانه.

فالله سبحانه وتعالى من أجل أن يوقظ من ضل عن الطريق ومن وقع في الغفلة وليعيدهم إليه يشوكهم بطرف الإبرة، فإن لم يستيقظوا يوكزهم بإبرة أغلظ، وإن لم يكفِ هذا لتنبيههم وَكَزَهَم بطرف السهم، وأحيانًا يبتلي بأشياء أكبر من ذلك، وما كل ذلك إلا لطمات الشفقة الإلهية، فلو أننا نظرنا إلى هذه الأمور من الناحية الظاهرية فقط وقيمناها بصورتها السطحية لظننّا أنها متوجهة ضدنا ونقمة علينا، بينما الله سبحانه جل شأنه من خلال تلك الابتلاءات يوقظنا ويفتح بصائرنا ويحفظنا من الابتلاءات الأخروية.

ولو توسعنا في شرح المسألة قليلًا، فإن الحق جل جلاله يزلزل المؤمنين الذين أتبعوا أنفسهم هواها ونسوا هدفهم وانطلقوا يطلبون الدنيا، ويتركون الحساب وراء ظهورهم، يهزهم بمجموعة من الابتلاءات والمصائب، وهكذا يسوقهم إلى وظيفتهم الأصلية، بمعنى أن تلك الابتلاءات ما هي إلا تنبيهات للإنسان على وجود فوضى داخل حياته القلبية، وقد يكون هذا التنبيه في شكل آفة طبيعية كالزلازل أو العواصف والأعاصير، أو السيل أو القحط.. كذلك أيضًا قد يظهر التنبيه من خلال إيقاظ روح العداوة ضدهم فيأتي التنبيه في صورة ظلم وغدر يقع عليهم، وفي هذه الحال يتعين فهم الدرس واستيعاب التنبيه.

وفي الأصل فإن الله سبحانه وتعالى من عظيم نعمته على المؤمنين أنه لا يترك أخطاءهم وقصورهم للعقاب الأخروي وإنما يبتليهم بالمصائب حتى ينقيهم من الذنوب والمعاصي وهم في الدنيا، لذا يتعين عليهم النظر إلى هذه التنبيهات على أنها نوع من الالتفات والغنيمة، وأن يصلحوا أنفسهم ويعملوا على تنظيم أحوالهم وأطوارهم، وعليهم أن يفكروا بالصورة التالية “لقد انغمسنا ووقعنا في الوحل، ومرشدنا ومربّينا سبحانه أمسكنا من آذاننا وأخرجنا من المستنقع، ونبه علينا ألا نتجول في ذلك المستنقع ثانية”.

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ”[3]، وقد أرشد رسولنا صلى الله عليه وسلم عبر هذا الحديث إلى الكيفية التي تتحول بها المصائب والبلايا إلى خير للمؤمن.

ولذلك فالمؤمن سواء حاز بعض التوفيق، أو تعرض لبعض المشكلات، فطرق الفوز والفلاح مفتوحة أمامه، ولا مكان للخسران في حياته، والشرط الوحيد لأن يكون مظهرًا لذلك هو أن يحافظ على “وقفة المؤمن” أمام الله والأحداث، أما الخسران فهو واقع لأهل الضلال والنفاق والكفر والظلم، فهؤلاء وإن انخدعوا ببعض النجاحات الشكلية، أو حازوا علوًّا دنيويًّا بطريق الخداع والمكر، فإنهم في هذه الحياة وفي الآخرة لن يستطيعوا النجاة من الاضطراب وسيعيشون خسرانًا فوق خسران.

***

[1] زبير كوندوز ألب (1920-1971م): ولد في مدينة “قونيا”، ظل عشر سنوات ملازمًا للأستاذ وفي خدمته ليل نهار حتى وفاة الأستاذ النورسي.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة السادسة عشرة، ص 143.

[3] صحيح مسلم، الزهد، 64.