غايةُ الإحياء

Herkul | . | العربية

المراد بـ”غاية الإحياء” أن يفكر المرءُ في سعادة الآخرين بدلًا من سعادته نفسه، وأن يضحّي بسعادته من أجل سعادة الآخرين، وأن يعيشَ ليكون مصدرًا لحياة الآخرين، بل وأن يتخلّى عن حياته عند اللزوم حتى يحيا الآخرون.

إنها الغايةُ الأسمى بالنسبة للإنسان، فالأنبياء عليهم السلام وهم أعلى المقامات بين البشرية وأتباعُهم العظام الذين ساروا على إثرهم؛ لم يفكّروا في أنفسهم، ولم يعيشوا من أجل أنفسهم قط، بل كانت رغبتهم الوحيدة أن ينسلخ الناس من رغباتهم الجسدية وأهوائهم النفسية، ويرتقوا في مدارج حياة القلب والروح، ويصلوا إلى حالٍ تُرضي الله عز وجل..

لقد ظلّ هؤلاء العظماء طوال حياتهم يكافحون من أجل إنارة عوالم الآخرين المظلمة، وفي سبيل ذلك كانوا يخاطرون بقضاء حياتهم في الظلام، فيركضون -والشموعُ بأيديهم- في ظلماتٍ بعضُها فوق بعض من أجل إشعال شموع الآخرين المنطفئة؛ فتجرعوا العذاب، وذاقوا الويلات، وقضوا حياتهم في دوامةٍ من الآلام والمعاناة؛ حتى يخلقوا نفَسًا وصوتًا جديدًا للإنسانية، ورغم هذا كله لم يُبدوا أدنى شكايةٍ أو تأوّه من حالهم، بل كانوا على قدرٍ كبير من المروءة، حتى إنهم سامحوا ظالميهم وعفَوا عنهم.

كان ديدنُهم دائمًا قولَ الله تعالى: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الشُّعَرَاءِ: 26/109)، فلم يتشوّفوا إلى أيِّ غرضٍ أو مكسَبٍ دنيوِيّ، بل بذلوا الغالي والنفيسَ من أجل الله، فعاشوا حياتهم بهذه المروءة ورحلوا إلى الآخرة وهم على نفس المستوى؛ وبذلك تركوا سمعةً طيبةً وذكرى جميلة للأجيال المتعاقبة..

لم يرغبوا في أن تلتصقَ أسماؤُهم بالخدمات التي قاموا بها، قدوتُهم في ذلك المهمومُ الكبير في هذا العصر الأستاذ بديع الزمان “سعيد النورسي” الذي استكثر على نفسه حتى أن يَعرِفَ أحدٌ قبرَه، وكأنّ هذه الرغبةَ التي تنبع من إخلاصه العميق قد لاقت قبولًا على الفور من الله تعالى، فقد أُخرِجَ جثمانُه الطاهر من القبر بعد موته ببضعة شهور، ونُقِلَ إلى مكان مجهول، ولكن الله تعالى حفظ أسماء هؤلاء كذكرى جميلة، ولم يقدر أحدٌ على محوِ أسمائِهم وذكراهم وسيرتِهم من أذهان الناس وألسنتهم.

ومن خلال الفترة التي عاشوها فقد تركوا بصمات في الأذهان بسيرتهم، وتمثيلهم الجميل للدين، وأقوالهم، وأفكارهم، ومؤلفاتهم، فظلّ الناس الذين جاؤوا من بعدهم يذكرونهم بالخير ويدعون لهم بظهر الغيب، وظلَّ الكثيرون يطوفون في أفقهم، ويدورون في فلكهم، ويشكّلون هالةً نورانيّة حولهم حتى بعد وفاتهم بمئات السنين.. وفقنا الله تعالى إلى معرفة هؤلاء العظام على الوجه الصحيح، وإلى مشاركتهم آفاقهم، وإلى نيل شفاعتهم!

فها هو بديع الزمان سعيد النورسي أحد الأتباع المخلصين للأنبياء الكرام، وأقرب الكبار لنا يقول: “إن رأيتُ إيمان أمّتنا في خيرٍ وسلامٍ فإنني أرضى أن أُحرق في لهيبِ جهنّم؛ إذ بينما يحترقُ جسدي يرفلُ قلبي في سعادةٍ وسرورٍ”[1].. وبذلك أثبت ألّا همَّ له سوى أمّتِه، ورغم ذلك كله فقد حوّل الظالمون والمستبدون في تلك الفترة حياتَه إلى جحيم، واجتهدوا في مسحِ أيِّ ذكرى له من الأذهان، واستماتوا في القضاء على دعوته، لكنّهم فشلوا في مساعيهم أيَّما فشل، فلقد ظلّت مؤلفاته القيمة تنير طريق الناس عبر العصور والدهور.

وكذلك سار طلّابُه الذين يلتفّون حوله على الدرب نفسه، فأعرضوا عن الدنيا وزهدوا فيها، وتكبّدوا مختلف الصعوبات، وتجرعوا صنوفَ الحرمان، وقدّموا أرواحهم فداءً لهذه الدعوة، فلم تستطع المحاكم ولا المنافي ولا السجون أن تُثنيهم عن هذه الغاية التي نذروا لها أنفُسَهم وأنفاسهم.. لقد دفعوا ثمن صحبتِهم لبديع الزمان، فلاقوا من الآلام ما لاقوا، إلا أنهم لم يتركوا أستاذهم أو يُسلِموه للوحدة طيلةَ حياتهم، وبفضل هذا الوفاء والصدق والتضحية والتفاني أنقذوا إيمان الكثيرين، وفتحوا أعينهم على الحق والحقائق.

لقد تجشم هؤلاء الأبطالُ كلَّ الصعوباتِ من أجل سِلم وسلامة الإنسانية، ولم يتشوّفوا إلى أيّ غرضٍ دنيويّ، حتى إن أمثال “زبير كُونْدُوزْ آلب”، و”طاهري موتلو” و”خُلوصي أفندي”؛ قضوا حياتهم في منزلٍ بسيطٍ، وغرفة متهالِكة.. ولو شاؤوا لجمعوا مالًا وفيرًا، ولأحرزوا أملاكًا ورفاهية فريدة، لكن لم يتطلّع أيٌّ منهم إلى غرضٍ من أغراض الدنيا، ولم يدرْ بخلدهم سوى الخدمة في سبيل الله.

إنَّ هؤلاء المخلصين الذين نذروا أنفسهم للخدمة في سبيل الله قد اتّخذوا لأنفسهم فكرة “العمل الإيجابي البنّاء” منهجًا وأساسًا، فلم يقعوا في أخطاء من قبيل: عدم تقبل الآخر، أو الوقوف حجر عثرة أمام خدمات الآخرين بدافع من الحسد والغيرة؛ لأن هؤلاء ليسوا كأمثال الفراعنة في ترويج الدعايات السلبية من أجل تدمير أعمال الخير التي يقوم بها الآخرون، بل كانوا يقتدون ويسيرون على نهج نبيِّهم وصحابته وأستاذهم إلى أن نسوا حياتهم، فتحركوا بروح الإيثار وتحرقوا شوقًا لإحياء غيرهم.

 إن هؤلاء الأبطال الذين نأمل أن يأخذوا مكانهم خلف سادتنا الصحابة الكرام رضوان الله عليهم بما قدموه من تضحيات وما تكبدوه من مشقات وآلام؛ كان كلٌّ منهم صرحًا للإنسان الكامل بالمعنى النسبي، لقد رأيناهم هكذا، وصدّقناهم هكذا، وسنظلّ نذكرهم بالخير ما حَيِيْنا..

لقد حاول الأستاذ النورسي رحمه الله وطلابه الذين التفّوا حوله، ومن سبقهم من الكبار والعظماء؛ أن ينفثوا الروحَ في غيرهم طوال حياتهم، فلم يذوقوا طعم الراحة قط، ومضت أعمارُهم في كَبَدٍ ومعاناة؛ فمَن لم يتعرّض للقمع والاضطهاد ولم يُضيّق عليه الخناق ولم يُسَقْ إلى المنفى ولم يُزجّ به في السجن في سبيل غايته السامية؛ لا يُنتظر منه الكثير، لأن الإنسان يبرهن على صدقه وإخلاصه عندما يثبت على موقفه رغم ما يتعرّض له من قمعٍ وتضييقٍ واضطهاد في سبيل إقامة عالمه الروحي والقلبي.

ما من نبيٍّ إلا وقد تعرّض للأذى والطرد من موطنه؛ فسيدُنا زكريا عليه السلام شُقَّ جسدُه بالمنشار، وسيدنا يحيى عليه السلام قتلَه قومُه بوحشيّةٍ وهمجيّة، وسيدنا إبراهيم عليه السلام أُلقي به في النار، وسيدنا موسى عليه السلام نُفي من بلده، وسيدنا يوسف عليه السلام أُلقي به في الجبّ، وبيع في سوق النخاسة، وزُجَّ به في السجن.. وسيدنا نوح عليه السلام تحمّل كلَّ الإهانات من قومه، وغيرهم وغيرهم كثير.. فإذا كان هذا هو طريق الأنبياء، وإذا كان هذا هو ثمن إقامة الحق والحقيقة، وإذا كان اختبارُ الصدق والإنصاف يقتضي ذلك؛ فعلينا أن نصبر ونتحمّل.

أمّا المتطفلون الذين يجرون وراء مصالحهم الشخصية ومنافعهم الذاتية ومستقبلِهم الخاصّ فإنهم لا يقفون على أقدامهم إلا من خلال استغلالِ بني جلدتهم، وما يَعِدُون أمّتَهم إلا غرورًا، إنهم يمكرون ويستغلون الوضع، ويستبيحون كل الوسائل غير المشروعة، ويتسلّطون على الأمة، ويمصّون دماءها، ويمزقون شرايينَها.. قد يمهلهم اللهُ، ولكنه بعد حين سيأخذهم أخذَ عزيزٍ مقتدِرٍ مثل كل الطغاة والمستبدّين، وبينما سيُذكر أولئك الناذرون الذين جعلوا حياتَهم فداءً لنهج الأنبياء كذكرى جميلة؛ سيُذكر هؤلاء المتطفلون كذكرى قبيحة، وستنهال عليهم اللعنات.

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: السيرة الذاتية، ص 492.