الخاسرون الثلاثة

Herkul | | العربية

   سؤال: ورد في حديث شريف ما معناه أنه خاب وخسر مَن أدرك رمضان ولم يُغفر له، ومَن أدرك والديه عند الكبر ولم يدخل بهما الجنة، ومن ذُكِر اسم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده فلم يصلّ عليه.. فما الحكمة من ذِكْر هؤلاء الثلاثة على وجه الخصوص؟

   الجواب: لقد ورد هذا الحديث المشار إليه في السؤال بروايات مختلفة، وجاء في بعض الروايات أن هذه الكلمات المذكورة في الحديث هي من كلام سيدنا جبريل عليه السلام، وأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤمِّن على كلامه، ووفقًا لهذه الروايات فإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمًا إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ حِينَ ارْتَقَى دَرَجَةً: “آمِينَ“، ثُمَّ ارْتَقَى الْأُخْرَى فَقَالَ: “آمِينَ“، ثُمَّ ارْتَقَى الثَّالِثَةَ فَقَالَ: “آمِينَ“.

ولما كان الصحابة رضوان الله عليهم يحرصون دومًا على فَهْمِ أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم فقد فطِنوا للأمر، واستفسَروا مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: “أتاني جبريلُ فقال: يا محمَّدُ مَن أدرَك رمضانَ فلم يُغفَرْ له فأبعَده اللهُ.

قُلْتُ: آمينَ.

قال: ومَن أدرَك والديه أو أحدَهما فدخَل النَّارَ فأبعَده اللهُ.

قُلْتُ: آمينَ.

فقال: ومَن ذُكِرْتَ عندَه فلم يُصَلِّ عليكَ فأبعَده اللهُ، قُلْ: آمينَ.

فقُلْتُ: آمينَ[1].

وثمة رواية أخرى تَنسب هذه الكلمات إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، ففي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: “رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الجَنَّةَ[2].

ولفظة “رغم أنف” تعني لصق أنفه بالتراب، وهو استعمال مجازي يُقصد به خاب وخسر وذلّ وعجز.

فإن لم يبال الإنسانُ بمثل هذه الأعمال الفاضلة، ولم يستغل الوسائل التي تُعلي من قيمته وقدره؛ فهذا يعني أنه قد ألصق أنفَه بالتراب؛ ومن يُضيِّع الفرص التي تواتيه في الدنيا يلتصق أنفه بالرغام في الآخرة.. والنبي صلى الله عليه وسلم حين يقول هذه الكلمات فإنما يحذر المؤمنين، ويوصيهم بأن يكونوا أكثر تعقُّلًا وحذرًا، كما أن عباراته صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث تكشف عن رحمته بأمته، ومدى حرصه على بلوغها السعادة الأخروية.

وكما يقول المثل: “بِقَدْرِ الْكَدِّ تُكْتَسَبُ الْمَعَالِي”؛ وهذا يعني أن العبد يُجزَل له الثواب بقدر معاناته في عمله، وتجشمه الصعاب في سبيله، وتصببه العرق حين القيام به، وانخلاع قلبه وتصدع رأسه من كثرة الاشتغال به.. لكن هذا لا يعني أن تُجهد نفسك وتعرّضها لمزيد من المشاق في أعمال يسيرة في حد ذاتها، وإنما المقصود أن المرء يتحصل على مزيد من الثواب بفضل الأعمال التي تشقّ عليه ويصعب عليه القيام بها، فإن إحراز النجاحات المادية والمعنوية والوصول إلى الذرى يستلزم الجهدَ والحرمان وتحمّل الصعاب.

   مراعاة حقوق الوالدين

ليس من السهل على الإطلاق أن يفوز الإنسان برضا والديه، وأن يرعاهما حقّ الرعاية، فالوالدان يكمن في داخلهما شعورٌ فطري جبري بالشفقة والرحمة لأولادهما، وكأن الله عز وجل قد أرغمهما على الرحمة والشفقة لأولادهما، وما لم يَمُتْ ضمير الإنسان وأخلاقه كلّيةً فمن الطبيعي أن يكون رحيمًا بولده شفوقًا عليه، يشمله بحبه ورعايته منذ اليوم الذي يأتي فيه إلى الدنيا، ويتحمّل كل المشاق، ويتجشّم كل الصعوبات من أجل سلامته.

إلا أن الأبناء لا يحملون المشاعر نفسها تجاه آبائهم وأمهاتهم، ولهذا يؤكد القرآن الكريم دائمًا على طاعة الوالدين، ومراعاة حقوقهما، في حين أنه لا توجد آية واحدة في القرآن الكريم تأمر الوالدين بأن يكونا رحيمين بأولادهما؛ وذلك لأن الرحمة بالأولاد هي شعور كامنٌ في طبيعة الإنسان أصلًا، والقرآن يُحيل هذه التصرفات الفطرية إلى الفطرة، ويشدّد وينبّه على ما هو ليس من مقتضاها، فإذا كان عدد الآباء والأمهات الذين يهملون أولادهم أو يسيئون معاملتهم في عصرنا الحاضر قليلًا، فإن عدد الأبناء الذين يسيئون معاملة آبائهم وأمهاتهم ويتجاهلون رعايتهم كثيرٌ للغاية.

ولذلك أمر القرآن الكريم في كثير من آياته بالإحسان إلى الوالدين بعد الأمر بعبادة الله مباشرة، ومن ذلك قول الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/36).

وقوله سبحانه وتعالى في سورة الإسراء: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (سورة الإِسْرَاءِ: 17/23).

فكما نلاحظ في هاتين الآيتين الكريمتين جاء الأمر بالإحسان إلى الوالدين بعد الأمر بعبادة الله مباشرة، وعندما ينهى ربُّنا سبحانه وتعالى عن توجيه ولو كلمة تحمل قدرًا بسيطًا من الإساءة للوالدين مثل كلمة “أف”؛ فإنما يشير بذلك إلى شدة حرمة ما وراء ذلك؛ لأنه إذا كان النهي موجهًا إلى أدنى الفعل فبالتالي يكون ما وراء ذلك أشدّ حرمةً ونهيًا، وعلى ذلك فإذا كان لا ينبغي للإنسان أن يتلفّظ حتى بكلمة “أف” أمام والديه فإنه إذا ذهب بالأمر إلى أبعد من ذلك فرفع صوته عليهما أو اعتدى عليهما بالسبّ أو الضرب فلا شكّ أن عاقبتَه ستكون وخيمةً وجزاءَه سيكون شديدًا، فالآية الكريمة من ناحية تأمر بالإحسان إلى الوالدين، ومن ناحية أخرى تنهى عن معاملتهما أية معاملة سيئة.

وهناك العديد من الآيات والأحاديث التي تحض على مراعاة حقوق الوالدين، وعند النظر إليها جميعًا تبرز لنا مسألتان: الأولى هي صعوبة إيفاء الوالدين حقّهما، أما الثانية فهي مدى قيمة وقدر القيام بهذه الوظيفة الشاقة عند الله سبحانه وتعالى، فلو أن العبد راعى أمر الله في هذه المسألة، وخفض جناحيه لوالديه، وأظهر الاهتمام بهما؛ فلا بد أنه سيربح ربحًا كبيرًا على نفس القدر؛ يشير إلى ذلك مجيء الأمر بالإحسان إلى الوالدين بعد عبادة الله مباشرةً في القرآن الكريم.

وقولُ سيدِنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الذي ذكرناه آنفًا: “رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الجَنَّةَ“، أي: إن الفوز برضا الوالدين يُعَدّ وسيلةً مهمّةً لدخول الجنة، وتضييع هذه الفرصة يُبشر صاحبه بالذل والخسران في الآخرة.

   الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

من الأمور الأخرى المذكورة في الحديث الشريف مسألة الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث أشار عليه الصلاة والسلام إلى أهمية ذلك بقوله: “رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ“، فبالصلاة والسلام عليه يتّسع مقام الشفاعة حتى يشمل العديد من الناس، ووفقًا لما ورد في الأحاديث فإن شفاعته صلى الله عليه وسلم ستدرِك حتى أهلَ الكبائر[3].

فَبِدُعَائنا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نستجلب شفاعته، ونسأل ربَّنا سبحانه أن يُؤتِيَ نبيَّنا صلى الله عليه وسلم المقام المحمود عنده، وأن يُنعم عليه بالشفاعة الكبرى، وأن يوسّع من أفق شفاعته.. من المعلوم أن من دلَّ على خيرٍ فله مثلُ أَجْر فاعله، وبما أن مجال شفاعته صلى الله عليه وسلم يتّسع ويستفيد منه عددٌ أكبر من الناس بالصلاة والسلام عليه فإن الشخص الذي يصلي عليه يتيح الفرصة لنفسه ولغيره لنيل شفاعته، ويهيئ الجوّ الذي سيدخل فيه، وكأنه يستثمر لنفسه هنا ليدرك الشفاعة والمغفرة هنالك.. فإذا ما وقف بذنوبه أمام الحضرة الإلهية في الآخرة أخذ نبينا صلى الله عليه وسلم بيديه انطلاقًا من صلاحية الشفاعة التي أعطاها الله له، وأوصله إلى ساحل السلامة.

من جانب آخر يجب ألا ننسى أن الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء الأمر بها من الذات العلية، يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (سورة الأَحْزَابِ: 33/56)، وعلى ذلك يكون في الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم اتباعٌ لأمر الله وإذعان له وتوجُّه إليه تعالى.

وأخيرًا يجب أن ننوه بأن الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هي دَينٌ في رقاب المؤمنين يقتضيه وفاؤهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم؛ لأننا بفضلِه قَرَأْنا الكون قراءةً صحيحةً، وتعرّفنا على ربنا سبحانه وتعالى في ظلّه، وتعلّمْنا كيف نؤدي عبوديتنا لربنا سبحانه وتعالى بتوجيهاته. ولذلك لا يجب النظر إلى المسألة على أنها مجرد دندنة بذكرى جميلة، فإن الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم لها من الأهمية ما جعل من الواجب علينا أن نأتي بها في عبادة مفروضة مثل الصلاة، وعند النظر إلى المسألة من جميع هذه الزوايا يتبين لنا بشكل أفضل مدى القصور الذي يقع فيه مَن يُهمِل الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدر المكاسب التي يُحرم منها نتيجة تقصيره هذا.

   رمضان وسيلةٌ لمضاعفة الثواب أضعافًا كثيرة

أما الأمر الأخير الذي حذَّر منه الحديث فهو الذي لم يُحسِن استغلالَ شهر رمضان: “وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ“.

فكلُّ يومٍ، بل وربما كلُّ دقيقةٍ في رمضان تحملُ قيمةً كبيرةً للغاية، ومن يُحسن استغلال ساعات رمضان ودقائقه وثوانيه بحقٍّ يَنلْ رحمة الله ومغفرتَه، ولذلك يُقال: “رمضان سلطان الشهور”، أما نحن فنقول: “رمضان شريحة ذهبية من الزمن”.

فشهر رمضان هو لطفٌ كبيرٌ من الله سبحانه وتعالى على أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ويمكن أن نشبه ألطاف الله في هذا الشهر بالنوال أو العطية التي يوزعها السلاطين على الرعية عند اعتلائهم العرش، فكما أن السلاطين يوزعون عطاياهم على الجميع دون تمييزٍ؛ فإنّ تجلّيات رحمة الله تعالى وغفرانه في هذا الشهر تشمل الناس جميعًا.

أجل، لرمضان فضائل ومعنويات خاصة، ولكن فَهْم هذه الفضائل والمعنويات يتوقّف على معنويات الإنسان وتقواه، فتقوى الإنسان هي الوسيلة في استشعاره بعمقٍ لهذه المعنويات، وإضفاء أبعاد أخرى على رمضان، فلا ينبغي أن نستهين بعبادة أيّ شخص أو طاعته، فإذا كان الإنسان صادقًا مخلصًا لا يخالط عبادتَه الرياءُ أو السمعةُ؛ فإنه ينال الثواب أضعافًا مضاعفةً على صلواته وصيامه وسحوره وقيام ليلِه وقراءته للقرآن وإيتائه الزكاة والصدقة.. فضلًا عن ذلك فإن من يدرك رمضان بهذا الوعي والشعور بعيدًا عن الغفلة؛ فاستفادتُه من رمضان ستكون مختلفةً كثيرًا، فلماذا لا نستفيد استفادة كاملة من موسم الغنائم هذا طالما أن العطايا الإلهية فيه متاحة للجميع؟!

لكن المسلمين اليوم -مع الأسف- بؤساءُ في عهد بائس، فلقد نشؤوا محرومين من مصادر التغذية، فلا الأسرة ولا الشارع ولا المدرسة ولا دار العبادة تعطي القيم حقَّها، ولا تستطيع هذه المؤسسات أن تقوم بما يلزم لتربية الأطفال وتوعيتهم وتثقيفهم.. فالأُسرة يُطبِق عليها الجهل، والشارعُ عديمُ الرحمة والإنصاف، والمسجدُ صار مكانًا لممارسة الطقوس الشكلية، ومأوًى للبَلادَة والجمود، وأصاب القحطُ والعقمُ كلَّ روافد التغذية، فلم نستطع معايشة الإسلام كما ينبغي، ولا أن نستشعر الأمور كما يلزم، ولا أن ننفتح على الميتافيزيقا، ولا أن نرقى إلى مدارج حياة القلب والروح.. فأنى لنا أن نستشعر رمضان في مثل هذه المجاعة المعنوية؟!

   إذًا فماذا عسانا أن نفعل؟

علينا أن ننظم كلَّ شيء -حتى الألعاب والملاعب- وفقًا لعالمنا الخاصّ، وأن نستغلّ كلَّ وسائلنا الذاتية حتى يتلقّى أبناؤنا تربيةً صحيحةً.. علينا أن نبحث عن سبلٍ لاستغلال رمضان على الوجه الأكمل نسبيًّا، وذلك بأن نفرغ ما بحوزتنا من وسائل في أشكال وقوالب جديدة، وإن لزم الأمر نُبرم عقدًا بيننا وبين بعضنا نقول فيه: “تعالوا بنا نقرأ هذا القدر من القرآن في شهر رمضان، ونتذاكره فيما بيننا، ونختم القرآن في صلاة التراويح، ونلهج بالصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ركعات التراويح، أو نقرأ الجوشن والأوراد القدسية، ونصلّي صلاة الحاجة، وندعو لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم”.. فإن هذا الاستغلال لمثل هذه الوسائل المختلفة يُعيد تأهيل الناس ولو جزئيًّا، بعد أن حُرموا الاستفادة العظمى في الأسرة والشارع والمدرسة ودار العبادة، ويجعلهم يعايشون الدين بشكلٍ أكثر حيويةً، وعلى ذلك فإن مضاعفة الثواب أضعافًا كثيرةً في رمضان تتوقف نوعًا ما على جهدنا وسعينا.

وبما أن رمضان هو شهر القرآن فعلينا أن نرجع إلى القرآن مرةً أخرى في هذا الشهر، ونتوجّه إليه من جديد، لا سيما في هذا العصر الذي ابتعد الناسُ فيه عن القرآن أكثر من أي وقت مضى.. فمع الأسف! الكثير منا يقرأ القرآن ولا يفهمه، ولا يخترق جوهره، ولا يدري خلفيته، ولا يقف على مقاصده، علمًا بأنه بقدر توجهنا إلى القرآن يفتح لنا أبوابه، وينير قلوبَنا وأرواحَنا مثل الشمس، فلا يصح إهمالُ هذا الكتاب المبارك الذي يحمل في جوهره المراد السبحاني وحقيقة النبوة؛ لأنه بقدر اكتراثنا به ترتفع درجة الاستفادة منه، فإنْ تصالَحْنا مع القرآن من جديد، ورفَعْنا رايته؛ رفع الله قدرنا، ونجانا من الخزي والهوان.

   خلاصة القول علينا أن نبحث عن سبل الاستفادة من رمضان بأفضل الطرق وأكثرها فعاليةً وربحًا، فمن لم يعرف قيمة شهر الغنيمة هذا ولم يحظ بشيء من فضله وبركته، ولم ينخلع عن المعاصي؛ فقد خَسِرَ خسرانًا مبينًا، والأحرى أن مَنْ لم يُحْسِن استغلال مثل هذه الشريحة الزمنية التي تعدل كل ساعة فيها بل كلُّ دقيقة قيمةَ الذهب، ولم يهتم بهذه الغنيمة التي جعلها الله نُهبةً لمن يريد، ولم يأبه بالإحسانات الإلهية في هذا الشهر؛ فقد ألصق أنفه بالتراب وخاب وخسر.

بالله عليكم ماذا يُقال لمن أعرض عن المكان الذي يُوزَّع فيه الذهب والزبرجد، واتّجه إلى سوق النحّاسين ليجمع النحاس؟! لا ريب أن مثل هذا الشخص حتى وإن رآه أكثرُ الناسِ شفقةً وإنصافًا ووسعةً للضمير لن يسعه إلا أن يقول: “يا حسرة عليك!”.

***

[1] الطبراني: المعجم الكبير، 19/144؛ البيهقي: السنن الكبرى، 4/500.

[2] سنن الترمذي، الدعوات، 114؛ مسند الإمام أحمد، 12/421.

[3] سنن الترمذي، القيامة، 2؛ سنن أبي داود، السنة، 21.

الحذر من استنزاف الطاقة

Herkul | | العربية

أحيانًا ما تعترينا خيالاتٌ وأوهامٌ ومخاوفُ تؤدّي بنا إلى تضخيم المصائب الحالية وتهويلها وجعلِها عصيّةً على الحل والعلاج، وبذلك نحمل همّ البلايا والمصائب التي لم تقع بَعْد، والحق أنه كلما تسرب الخوفُ والقلقُ والوهمُ إلينا كلما تضخّمت مشاكلنا وتزايدت، وأعتقد أن هذه هي إحدى أعظم المشاكل لدى الكثيرين منا.

وكما ذكر بديع الزمان سعيد النورسي في “رسالة إلى كل مريض ومبتلى”[1] إنه من الممكن التغلب على العديد من المشاكل الحالية إذا واجهناها بكل طاقتنا وقدرتنا وإرادتنا وعزمنا، غير أننا بِتْنا مع الأسف نستنزف همتنا، ونستهلك طاقتنا في الخوف والقلق مما سيقع غدًا وبعد غد، كما أصبحنا لا نستطيع أن نركز فيما يجب اليوم بسبب انشغالنا بالتفكير في الماضي والقلق من المستقبل، ومن ثم نهمل الأعمال التي يجب القيام بها في الوقت الحالي.

والحقيقة أن انشغالنا بالتفكير في الماضي والمستقبل ما هو إلا خيال محض، فثمة يوم قد مضى، ويوم لم يأت بعد، لكننا نخلط الحقيقة بالخيال، ونستهلك ثلثي صبرنا وطاقتنا في الجري وراء الخيال، ولذا نزيد عَبثًا ودون جدوى من ضجرنا ومعاناتنا.

وهكذا أوضح بديع الزمان كما أسلَفْنا كيف يتعامل المرء مع الأمراض التي يُبتلَى بها، محذّرًا المرضى من تحميل أنفسهم آلام الماضي والمستقبل، واستهلاكِ طاقة صبرهم بلا داعٍ، كما أشار إلى أن قوة الصبر والتحمل التي وهبها الله للإنسان كافيةٌ للتغلب على المشاكل والأمراض التي يعانيها.

والأمر نفسه ينطبق على المشاكل الاجتماعية أيضًا، حيث يجب على الإنسان أن يركّز همّته على الأحداث التي يواجهها كما يفعل مع مشاكله الشخصية، ولكن إذا كان استخلاص الدروس والعبر من الماضي يحمل قدرًا كبيرًا من الأهمية فلا ينبغي أن يكون إحياؤنا لهذه الأحداث باستمرار سببًا في ظهور مشاكل جديدة.. من الواجب طبعًا أن نجهّزَ الخطط للمستقبل، ولكن لا ينبغي أن نجعل المشاكل المحتمل وقوعها في المستقبل تستنزف كل طاقتنا وقوتنا، حتى لا تصل بنا إلى حالةٍ لا نتمكن بسببها من القيام بواجباتنا المنوطة بنا في الوقت الحالي.

فمثلًا أدّت الحملاتُ الصليبية قديمًا إلى قلبِ العالم الإسلامي رأسًا على عقب وتسبّبَتْ في أزمات عميقة خلال مدّةٍ تصِلُ إلى قرنين من الزمان، وحوصِرَت أبرز البلدان الإسلامية مثل مصر والعراق، وأصابها الدمار والخراب، وتجرعت الآلام والويلات، فإذا ظللنا نتحدث عن هذا في حِلِّنا وترحالنا، ونلوم أحفاد من فعلوا هذا بنا، فسنستهلك طاقتنا بلا داع، ونحرّك مشاعر الغضب التي بداخلنا، وندمر جسور الحوار التي بيننا.

علينا أن نعمل على عدم إحياء الحوادث السلبية التي وقعت في الماضي؛ بأن نهيل عليها التراب، ونضع أحجارًا ضخمةً فوقها، وأكرّر أن هذا لا يعني عدم استخلاص الدروس والعبر من الحوادث الماضية، فعلى العكس لا بد من ذلك؛ حتى لا نتجرع الآلام نفسها، ولا نُلدغ من الجحر نفسه مرة أخرى، ولكن يجب علينا عند فِعْل ذلك ألا نتسبب في خلق أعداء جدد أمامنا، أو نخل بسلامة الطريق الذي نسير فيه.

أجل، المهم هو القيام بالأعمال المنوطة بيومنا الحاضر؛ دون رثاء الماضي، أو تجرع آلام المصائب المحتمل التعرّض لها في المستقبل، والواقع أن المستقبل سيتشكّل وفقًا لهذا، علينا أن نفكر كيف يمكننا أن نتغلّب على المشاكل الحالية؟ وكيف نُسرع من خطانا؟ وكيف نتخلّص من الوصايات المتلاحقة التي تجثم على صدورنا؟ هذه هي الموضوعات التي يجب التركيز عليها اليوم.

فلو أردنا نحن المسلمين التخلصَ من هذا الوبال التاريخي ومن الخطايا الاجتماعية فنحن مجبرون على المضيّ قدمًا دون أن نشتت همَّتَنا أو نستنزف طاقتنا أو نخاطر بسلامة دربنا.. أما إذا كنتم تسيرون غاطين في استغراق وتفكير دائم، فتفكرون وأنتم تتحدثون، وتتحدثون وأنتم تفكرون؛ فسيخيل إليكم في كل زاوية من أمامكم غُولٌ دون إرادة منكم، وستُخِلّون بسلامة الطريق الذي تسيرون فيه، وتجعلون الظروفَ ثقيلةَ الوطأةِ عليكم؛ ولذا عليكم أن تتجنبوا الحديث على الدوام عن أيام المحن والشدائد التي تعرَّضْتم لها في الماضي.

فمثل هذا الأمر سيخل بتوازنكم العقلي والمنطقي كما أشرنا سابقًا، ويصيبكم بالضغط والتوتر دون داعٍ، ويؤثّر على أعمالكم المنوطة بكم الآن، وكلّما تذكرتم السلبيات التي عايشتموها ستتدهور معنوياتكم ويضعف حماسُكم، ويتعذر عليكم القيام بوظائفكم الحالية، ولذا لا بد أن نتجنب النبش في هذه السلبيات، وأن نتحاشى التحدث في مثل هذه الأمور التي لا تفيد الخدمة بشيء، بل إن ضررَها أكبر من نفعها.

وبدلًا من الاشتغال بمثل هذه الأمور يجب اتخاذ التدابير الضرورية ووضع الإستراتيجيات اللازمة حتى لا نعاني من مثل هذه السلبيات التي عشناها في الماضي، بل يجب أن نوصد الأبواب، ونغلق المصاريع، ولا نسمح بنفاذ فكرة الأغيار إلى داخلنا. أجل، علينا أن نقوم بما يجب القيام به حتى لا ينفذ أصحاب النوايا السيئة إلى دمائنا وأوردتنا؛ فيمتصّوا دماءنا ويمزّقوا أوردتنا.

علينا أن نتحلّى بهذا الخلق؛ عسى أن تتحرّك مشاعر الندم عند من ظلمونا، فيندموا على ما فعلوه بنا، ويأتونا معتذرين عما اقترفوه بحقنا، فإن التحدث بأسلوب دنيء، وإثارةَ بعض المشاعر لدى الآخرين، والإساءةَ إليهم، والتعاملَ بفظاظةٍ وغلظةٍ معهم؛ لا يُجدي نفعًا، لأن الفظاظة والغلظة لن تُقابل إلا بمثلها، ورأيي هو احترام الحقائق والوقوف في ثبات وشموخ بدلًا من اللجوء إلى الفظاظة والغلظة، ولا تنسوا أن هؤلاء لهم نصيب من احترامكم؛ لأن كل إنسان قابل لأن يكون مظهرًا لِأَحسنِ تقويم.

يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/64)، وفي هذه الآية ينبّهُنا ربُّنا سبحانه وتعالى إلى التعامل برفقٍ ولينٍ حتى مع الخصوم؛ وهو أسلوب من شأنه أن ينفذ إلى أرواحهم، ويصبّ اللين والرقة في قلوبهم، فتهدأ نفوسهم وتلين قلوبهم هم أيضًا.

حاصلُ القول: علينا القيام بأعمالنا الحالية دون أن نشتت قوّةَ صبرنا أو نستنزفها بالتفكير في الأحداث السلبية التي مرت بنا في الماضي وما يُتوَقع حدوثُه في المستقبل، وعلينا أن نعمل على الانشغال بأعمالنا الحالية، بل وتلافي ما فاتنا في الماضي؛ عن طريق تركيز كل همّتنا وإرادتنا على وضعنا الحالي بدلًا من أن نُضعف حماسَنا وإرادتنا ونُحطِّم قوَّتَنا المعنوية بالتذمّرِ ممّا حصل في الماضي، واستهلاكِ الوقت والطاقات في تخمين وترقُّبِ المستقبل الغامض دون عمل.

***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة الخامسة والعشرون، ص 285.

هل يتكرَّرُ “عهد الفترة”؟

Herkul | | العربية

لا أحد يستطيع أن يطّلع على خاتمة أحد، هل مات على الإيمان أم على الكفر؟ فقد ورد في الحديث الشريف: “…ويُولَدُ الرَّجُلُ مُؤمِنًا، ويَعيشُ مُؤمِنًا، ويَموتُ كافِرًا، وَيُولَدُ الرَّجُلُ كافِرًا، ويَعيشُ كافِرًا، ويَموتُ مُؤمِنًا…”[1]، فالله تعالى لا يضيع حتى أصغر الأعمال الصالحة، وإنّ رحمتَه سبقت غضبَه، فقد يشرح الله عز وجل في اللحظات الأخيرة صدورَ بعضِ الأشخاص إلى الإسلام مع أنهم قد ولدوا على النصرانية أو اليهودية أو البوذية أو أي دين آخر ويعيشون وفقًا لدينهم، وذلك بسبب بعض ما قدموا من أعمال صالحة، فيقدِّرُ لهم الموت والانتقال إلى الآخرة مسلمين.

بينما من ناحية أخرى قد يفقد بعض المؤمنين إيمانهم في اللحظات الأخيرة -حفظنا الله- لضعف إيمانهم أو ببعض ذنوبهم ومعاصيهم؛ لذلك لا يمكننا أن نعرف يقينًا خاتمةَ أيِّ شخص أو نوعَ المعاملة التي سينالها بعد الموت، وبما أننا لا نعلم ذلك فإننا نترك الحكم النهائي لله تعالى.

   “أهل الفترة”

عند التعامل مع مثل هذه المسائل، ينبغي ألّا ننسى معالجات العلماء أمثال الإمام الغزالي وبديع الزمان حول “أهل الفترة”، كما هو معروف، فإنهما يؤكدان على احتمال أن يكون هناك عهد فترة بعد مبعث مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم إلى البشرية جمعاء، وأن الأشخاص الذين لم يتلقوا الرسالة الإسلامية بهويتها الأصلية هم عند الله جل جلاله في عِداد أهل الفترة ويعامَلون معاملَتَهم.

ومما يستدعي الأسف أن الإسلام اليوم لا يُقدَّم بطريقةٍ تتناسب مع العقل والمنطق والوجدان والعواطف، فكما أنه لا يُمثَّل بشكلٍ جيّد فإنه لا يُداوَم أيضًا على تمثيله، فهناك عدد غفير من الناس يعيشون مدًّا وجزرًا بين الحانة والمسجد إذا جاز التعبير، ومَن اهتدى مِن الناس فقد اهتدى بنعمة من الله تعالى ولطفٍ خاص، وإلا فإن الذين يبحثون عن الحقيقة وعن الإسلام في الحالات الطبيعية قد يعودون أدراجهم من حيث أتوا عندما يروننا، ويزهدون بالإسلام عندما يشاهدون تجسيدَنا له، وهذا كله يفتح السبيل أمام تشويش الأذهان وتكديرها.

لذلك فإنه من الجائز أن يُنظر إلى بعض الناس اليوم على أنهم أهل الفترة، ومن ثم يكون هذا عاملًا آخر يمنعنا من إصدار حكم جازم بشأن عاقبة ومصير المتوفى، غير أنه من الضروري أن يُستبعد من هذا التقييم من يُعلنون كفرَهم ويرفعون رايته في كل فرصة داعمين ذلك بالأسس العلمية.

وبما أن القاعدة الدينية تقول: “نحن لنا الظاهر والله يتولّى السرائر”، وبما أننا لا يمكننا أن نشق على قلب أي شخص وننظر ما بداخله؛ فإننا نحكم على الظاهر، فإذا كان الإنسان قد عاش مسلمًا ولم يكن لديه ما يغيِّر فكرتنا عنه حتى اللحظة الأخيرة، فإننا نكفنه ونجهزه بعد وفاته وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية وندفنه في مقابر المسلمين.. من ناحية أخرى إذا أنكر شخصٌ ما اللهَ جل جلاله ورحل إلى الدار الآخرة على إنكاره، فستكون معاملتُنا له وفقًا لذلك، ومن ثم يكون طلبُ أبناء المتوفى أو أقاربه أو أصدقائه الرحمة والمغفرة لمن مات على الكفر أمرًا يجانبه الصواب.

   الدعاء بالمغفرة لغير المسلمين

إنّ طَلَبَ الإنسانِ العفوَ والمغفرة من الله تعالى لِمَنْ علِمَ أنهم ماتوا على الكفر لَيعني أنه يفرِضُ وصايتَه ورغباتِه ومشاعرَه على إرادة الله في هذا الأمر، وإذا جازت الشفاعة أو الاستغفار أو حسنُ الشهادة لمن مات وانتقل إلى الآخرة دون إيمان، لَفَعَلَ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم مع عمِّه أبي طالب الذي كان ظهيرًا له طوال حياته، ولم يجد منه سوءًا قط.

وفي هذا الصدد فقد حظر القرآن الكريم بشكل جازم طلبَ العفو والمغفرة لمن مات على الشرك، يقول تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (سورة التَّوْبَةِ: 9/113).

كما أن المعلومات التي قدمها القرآن الكريم عن سيدنا إبراهيم عليه السلام في هذا الصدد مهمة أيضًا لفهم الموضوع جيدًا، فيذكر القرآن الكريم الدعاء الذي دعا به سيدنا إبراهيم لأبيه، فيقول تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ (سورة الشُّعَرَاءِ: 26/86)، بينما آيةٌ أخرى تُبيِّن أن سيدنا إبراهيم عليه السلام قد وعد أباه في حياته أن يستغفر له، فيقول تعالى: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ (سورة مَرْيَمَ: 19/47)[2].

وفي سورة التوبة أوضح القرآن الكريم أن استغفار سيدنا إبراهيم لأبيه الذي مات مشركًا، كان بسبب موعدةٍ وعدَها إياه، ومع ذلك فإنه عندما تبيَّن له كفرُ أبيه تخلى عن طلب المغفرة له، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ ِلِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (سورة التَّوْبَةِ: 9/114).

   المعيار هو الرحمة الإلهية!

عند الحديث عن مثل هذه الأمور يجب أن يكون المرء ملتزمًا بمحكمات الدين من ناحية، ومن ناحية أخرى يحرص أشدّ الحرص على استخدام الأسلوب الصحيح حتى لا يتسبب في جرح مشاعر الناس أو الإساءة إليهم.. يجب أن نكون منتبهين عند التحدث إلى الأشخاص الذين لم يُكرَم والداهم أو أقرباؤهم بالإسلام، بل ومن الممكن أن نعبر أمامهم عن الحقيقة وعن رغباتنا ومرادنا دون جرح مشاعرهم بتعبيرات مقيَّدة وحذرة مثل: “إذا انتقلوا إلى الله تعالى عارفين به ومؤمنين به، فإننا نرجوه عز وجل ألا يضيع عملهم هذا برحمته التي وسعت كلَّ شيء”.

ومع ذلك يجب في مثل هذه الحالات الحرص على عدم إساءة الأدب مع الله بطلب ما لا يجوز طلبه منه تعالى كأن يُطْلَبَ مكانٌ في الجنة لأشخاص ما، فلو قلنا في مثل هذه الحالات التي لا نعرف فيها عاقبة الشخص: “اللهم ضع فلانًا في جنتك، وأسعده بفردوسك”، نكنْ بذلك قد استبدلنا مرادنا بمراد الله جل جلاله، والأفضل في هذه الحالة هو عدم تجاوز محكمات الدين، وأن نَكِلَ الأمر إلى الله عز وجل، وألا ننسى أن الله هو أمنّ عليهم وأرحم بهم منا، وكما يشير الأستاذ بديع الزمان: “فَأَيُّ رحمةٍ زائدةٍ عن الرحمة الإلهية هي في الحقيقة جفاء”.

 ***

[1]  سنن الترمذي، الفتن، 26؛ مسند الإمام أحمد، 17/228.

[2]  انظر أيضًا: سورة الممتحنة: 60/4.

ملاحظة حول ليلة النصف من شعبان

Herkul | | العربية

   سؤال: ما هي ليلة البراءة وما مكانتها وفضلها؟ وكيف يكون إحياؤها؟

   الجواب: ليلة البراءة هي ليلة النصف من شعبان التي تتوسط الرابع عشر والخامس عشر من هذا الشهر المبارك، ويرى بعض المفسرين أن الليلة المذكورة في سورة الدخان وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ (سورة الدُّخَانِ: 44/3) هي ليلة البراءة، ورغم أن هذه المسألة هي محل نظر وخلاف بين العلماء فثمة أحاديث كثيرة تذكر فضل هذه الليلة وثوابها.. والحقيقة أن بعض المفسرين قالوا إن الليلة المذكورة في الآية الكريمة هي ليلة القدر انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (سورة القَدْر: 97/1)، ووفقًا للرأي القائل إن الليلة المذكورة في سورة الدخان هي ليلة البراءة يكون القرآن الكريم قد نزل بتمامه إلى سماء الدنيا في هذه الليلة، بينما بدأ يتنزل منجّمًا في ليلة القدر، ولكن نظرًا لعدم وجود نص قاطع في الكتاب والسنة حول هذه المسألة فإننا نحيل معرفة ماهيتها وتفاصيلها إلى علم الله تعالى.

ومن الأحاديث الشريفة التي تبين فضل هذه الليلة قوله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْزِلُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَغْفِرُ لِأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعْرِ غَنَمِ كَلْبٍ[1].

وفي حديث آخر يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا يَوْمَهَا؛ فَإِنَّ اللهَ يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: أَلَا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟ أَلَا مُسْتَرْزِقٌ فَأَرْزُقَهُ؟ أَلَا مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ؟ أَلَا كَذَا، أَلَا كَذَا..؟ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ[2].

لكن ما المقصود بسماء الدنيا؟ وما ماهية النزول الإلهي فيها؟ وما كيفيته؟ إنَّ هذا أمرٌ يتجاوز حدودَ إدراكنا، وإنّ محاولةَ البحث عنه في المجرات ودرب التبانة وكوكبة هرقل أو في أغوار الفضاء؛ ما هو إلا تخبّط في المجال الضيق للعالم المادي؛ لأن الوجود ليس محدودًا بالفضاء الثلاثي أو الرباعي الأبعاد، فلربما لا تكون السماء الدنيا مكانًا يتيسر لنا معرفته، وقد تكون أفقًا لا يطّلع عليه سوى ساكني الملإ الأعلى، أو هي تجلٍّ آخر للحق تعالى بِبُعْدٍ مختَلِف، والكلّ يستفيد منه بحسب جهودِه ومساعيه.

ورغم أن هناك روايات تتحدث عن فضل أداء مائة ركعة في هذه الليلة فإن علماء الحديث لا يأخذون بها ولا يقرّونها، ومع ذلك فلا حرج أن ينهض المسلم لإحياء هذه الليلة ويصلي مائة ركعة؛ فهو على أقلِّ تقدير سيتحصّل على ثواب أكبر؛ وعليه أن يعرف أن هذا ليس معلومًا من الدين بالضرورة، وألا يرغم أحدًا على القيام بمِثل فِعله بحجة أن ما يفعله من محكمات الدين.

إن مثل هذه الليالي تُعدّ مغنمًا عظيمًا للجميع، وخاصة لمن يريدون قضاء صلواتهم الفائتة أو الذين يريدون جبر القصور والخلل الذي اعترى صلواتهم الماضية، فمثلًا من الممكن أن تجزئ مائة ركعة عن قضاء صلوات خمسة أيام في الذمة، فلو أن الإنسان استغل الليالي المباركة الأخرى على الشاكلة نفسها، وصلى في كل ليلة منها ما يعادل خمسة أيام قضاءً، وجعل هذا إلفَه وعادته؛ فإنه يكون بذلك قد قضى صلوات أأعوام مديدة على مدار حياته، ويكون أيضًا قد سدّ النقص وجَبَرَ الخلل.

إنّ الصلوات التي تُؤَدَّى في هذه الليالي تُكسِب صاحبَها ثوابًا أكبر، مقارنة بالصلوات التي تؤدَّى في الأوقات العادية؛ وذلك لأن بعض العبادات تكتسب قيمة خاصّة وفقًا للزمان والمكان الذي تؤدَّى فيه، فمثلًا يُثاب الإنسان على تصدُّقه في الأوقات العادية، ولكن إذا أُخرِجَت هذه الصدقة يوم الجمعة أو في شهر رمضان أو في مثل هذه الليالي المباركة فإن ثوابها يكون أكبر؛ فقيمةُ الظرف تُعمِّق قيمةَ المظروف.

وبالمثل فإن العبادات التي تؤدَّى على جبل عرفات وفي المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى لها ثواب أعظم من غيرها التي تؤدّى في الأماكن العادية، فهذه القيمة الخاصة بهذه الأماكن تنعكس بالتالي على الأعمال التي تُقام فيها، فهذه الأعمال هي أدعى للقبول نظرًا لعظم قيمة الظرف الذي وُضِعَتْ فيه.

ويُستنبط من الأحاديث الشريفة المذكورة أن لله تعالى معاملات خاصة وتجليات مختلفة في هذه الليالي، ولا خطأ ولا مشاحة في التشبيه إذا قلنا: إن سلاطين الأرض حين يجلسون على العرش يُغدِقون عطاياهم على كل المحيطين بهم، دون النظر إلى أهليّتهم وأحقّيتهم من عدمها، فكلُّ مَن شارك في حفل الجلوس السلطاني -صالحًا كان أم طالحًا- ينال نصيبه من عطايا السلطان، وعلى الشاكلة نفسها فإن هذه الأيام والليالي المباركة هي آفاق مواتية لتنزُّل رحمات الله تعالى، يخصّ الله تعالى بفضله وبرحمته كلَّ من توجَّه إليه فيها، بِغَضِّ النظر عن استحقاقه لذلك أم لا.

ومن المعلوم أن أسماء هذه الأيام والليالي المباركة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمعنى المطوي فيها، فمن أحيا هذه الليالي بحقها نال المسمّى الذي يدلّ عليه اسمها؛ فحريٌّ بمن يتوجّه إلى الله تعالى بإخلاص في ليلة المعراج ويتقرب إليه بالعبادات والطاعات أن يكون مظهرًا لمعراج معنوي، وحقيقٌ بمن أحيا ليلة البراءة بغرض التطهّر من ذنوبه أن ينال البراءة من النار بفضل من الله وعنايته، وكذلك الحال بالنسبة لمن أحيا ليلة القدر أن يرفع الله قدره ودرجته.

وبما أن الله تعالى قد خصّ هذه الليالي بأفضال خاصة فعلينا أن نجتهد في اقتناص هذه الفرصة على أكمل وجه، وعلينا أن نعمِّر آخرتنا بتخصيص هذه الليالي بعبادات وطاعات أكثر من الليالي الأخرى، وتحقيق أقصى استفادة من هذه الأوقات المباركة، وكما ذكرنا آنفًا فلا بد أن نخصّ هذه الليالي بمزيد من الصلوات والعبادات والحمد والثناء لله عز وجل والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا بد أن نتوجه إلى الله بإخلاص، ونعبّر له عن خلجات أنفسنا، ونتضرّع إليه بالدعاء لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على وجه الخصوص.

خلاصةُ القول ينبغي لنا حتى لا نفوِّت الفرصة في هذه الليالي المباركة أن نعمل على إحيائها بالعبادة وقراءة القرآن والدعاء والذكر، وإن لزم الأمر فَلْنُقمْ برامجَ واحتفالاتٍ تُحيي القلوب، وتُبكي العيون، وتوقظ العواطف والمشاعر، ولكن يجب علينا إلى جانب هذه البرامج العامة أن ننفرد بأنفسنا ونتوجه إلى الله بدعائنا وبثّ همومنا.

ويا حبذا لو صلينا صلاة الحاجة وتضرَّعْنا بدعاء الحاجة في هذه الليالي رجاءَ أن يدفع الله عنا البلايا والمصائب، ونصل إلى الغايات المثلى التي نحلم بتحققها.. وبعد صلاة الحاجة والدعاء المأثور[3] عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نرفع أكف الضراعة إلى الله تعالى، ونسأله حاجاتنا، قد يسأل البعض ربه سبحانه وتعالى زواجًا مباركًا، أو ولدًا صالحًا، أو توفيقًا في العمل، أو وفرةً في المال وسعةً في الرزق، كل هذا لا حرج فيه شرعًا، فإننا لا نُدين الذين يحصرون تفكيرهم وآمالهم بأنفسهم فقط، ويرغبون في أن تسير حياتهم الدنيوية في وفاق ووئام.

ولكن هناك أرواح عالية الهمّة ليس لها أيّ مطالب شخصية أو دنيويّة، وتنحصر جميع مطالبها في خدمة المسلمين والإنسانية جمعاء، وهذه مسألة تتوقّف على رحابة الأفق، وعلوّ الهمة، وسعة الوجدان، فلا ينبغي للإنسان أن يضيّق على نفسه طالما هناك مثل هذه الآفاق الرحبة التي يمكن الإبحار إليها.

إن أصحاب الهمم العالية يرفعون أيديهم في هذه الليالي قائلين: “اللهم ألِّف بين قلوبنا! ووحّد بين أفكارنا ومشاعرنا! واجمع شملنا! وهيئ لنا الفرص للانبعاث من جديد! اللهم خلِّص أمة محمد صلى الله عليه وسلم من البؤس والشقاء! وارفع الراية المحمدية في كل بقاع الأرض! واستعملنا في هذه الوظيفة المقدسة! اللهم إن كانت أرواحنا ثمنَ انبعاثٍ جديد فاقبض أرواحنا قبل أن نقوم من سجادتنا هذه!”، وفَّقَنا الله جميعًا لبلوغ هذا الأفق، وجعلنا من أصحاب الهمم العالية.

وأريد أن أنوه أخيرًا بالمسألة التالية: إذا أراد العبد أن يستفيد من فيض هذه الليالي وبركتها فعليه أن يؤمن يقينًا أن الله تعالى يخص هذه الليالي بمزيد من الإقبال والرحمة العامة، وأنه سبحانه وتعالى يشمل كل من يتوجه إليه في هذه الليالي بمغفرته وفضله بغض النظر عن أهليته من عدمها، كما ينبغي له أن ينهض لإحياء هذه الليالي متحمسًا، ويتوسل إلى الله ويتضرع إليه عسى أن يكون من بين المغفور لهم في تلك الليلة.

***

[1] سنن الترمذي، الصوم، 39؛ سنن ابن ماجه، الإقامة، 191.

[2] سنن ابن ماجه، الإقامة، 191.

[3]  انظر: حديث عثمان بن حنيف: سنن الترمذي، الدعوات، 136؛ مسند الإمام أحمد، 28/478؛ الحاكم: المستدرك على الصحيحين، 1/458، وكذلك انظر: حديث عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي: سنن ابن ماجه، إقامة الصلوات، 189؛ البيهقي: شعب الإيمان، 4/546.

 

 

بعض المعايير للعبودية

Herkul | | العربية

لا ينبغي للإنسان أن يستسلم لليأس في حياة العبودية فَيضْنَى، ولا أن يثق بنفسه ثقةً مفرِطةً فَيَطغى، بل عليه أن يكون على وعيٍ دائم بذنوبه التي ارتكبها، ولا يغيب عن باله أن الله تعالى قد يستعمل المذنبين أيضًا في أعمال الخير، ومن يقدر على فعل هذا لا يعزو لنفسه توجّهات الله وإحساناته، وإنما يقف أمام الجماليات التي أسبغها الله عليه ويقول: “لولا فضل الله عليّ لما كان لمثل هذه الزهور والورود أن تنبت في هذه الأرض السبخة وهذه الصحراء القاحلة”، فمَن نظر إلى نفسه هكذا لا يُداخله غرور، ولا يقصِّر في شكر الله على ما أفاض عليه من نِعم.

وإن قدرة الأشياء الصغيرة للغاية على إنجاز أمور كبيرة ليدلّ على عظمة الله تعالى، فقد يستعملُ الله تعالى أناسًا عاديين -رغم زللهم وسقوطهم وترديهم وانكسارهم وتحطمهم وما أصبحوا عليه من بؤس وشقاء- في أمور عظيمة جدًّا، بل إنه قد يُنعِم بفتح البلدان وإحياء الدول على أيديهم، ويوفقهم في جهودهم ومساعيهم، لكن لا ينبغي للإنسان إذا ما رأى هذه الأفضال غير العادية وهي تتحقّق على يديه أن يزيغ ويضل، وينساق وراء الأفكار المنحرفة.

   الخسارة في موضع هو أدعى للكسب

وليس من اليسير بالطبع أن يحافظ الإنسان على استقامته أمام ما أحرزه من نجاحات وإنجازات، وهذا هو سبب خسارة الكثيرين في امتحان الدنيا، فمثلًا عندما يرى الإنسان عشرةً من الناس يلتفون حوله يوشك أن يرى نفسه وليًّا من أولياء الله، وخاصةً إذا كان مَن حوله يتملّقون إليه ويرفعونه إلى عنان السماء، ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يرنو ببصره إلى القطبية والغوثية انطلاقًا من المقامات التي عزاها له حسنُ ظنِّ المحيطين به، وربما يرى هذا المسكين نفسه الجامع للقطبية والغوثية على حد سواء، ولا يتوقّف الأمر عند هذا الحد، بل يدعي المهدية والمسيحية، ويرى نفسه محلِّقًا في السماء وإن كان غير جديرٍ بالمشي على الأرض، فيعيش خُسرانًا تلو خُسران رغم أنه في موضع هو أدعى للكسب؛ ولذا فإن من أكبر إحسان الله للعبد ألا يُشعره أحيانًا بكرمه ولطفه وإحسانه عليه.

عودًا على ذي بدء، إن الإنسان إذا كان على وعيٍ بذنوبه وخطاياه؛ لا يداخله صلَفٌ ولا غرور، فلا يستكثر على نفسه المقامات العالية مثل القطبية والغوثية فحسب، بل وحتى البشرية العادية أيضًا، فإذا ما رأى الأراضي القاحلة قد تحولت إلى رياضٍ وارفة الظلال قال: “يستحيل أن يصدرَ خيرٌ منّي لكن الله يريد أن يكشف عن تجلّيات الوجود حتى في العدم”.

ولا أقصد من هذا الكلام أن نفعل كما فعل بعضُ غلاة الملامتية في التاريخ، فقد أخطأ هؤلاء عندما اعتقدوا ضرورة اقترافهم الذنوب حتى يلزموا حدهم، ويتجنبوا الادعاءات التي تغريهم وتجعلهم يتعالون على غيرهم، فهذا انحراف من نوع آخر، فيجدر بالمؤمن أن يتوخى الدقة والحذر في حياته حتى لا يتدنس من ناحية، وألا يغفل عن كدوراته الحالية من ناحية أخرى، والحال أن الذنوب التي يرتكبها الإنسان دون وعي منه؛ كإلقاء السمع إلى خطإ ما، أو الخطوة إلى ذنب ما، أو التفوه بكذبة ما؛ لَتكفي من أجل إجراء مثل هذه المحاسبة، بل تزيد، فيجب ألا يغيب عن بال الإنسان أبدًا ذنوبه التي اقترفها حتى وإن تاب عنها ألف مرة بعد ارتكابها، وأن يبقيها ماثلة نصب عينيه على الدوام، ومن يستطع فعل ذلك لا يعزُ لنفسه النجاحات التي حققها الله على يديه.

وإن مسألة العصمة، أي رؤية الإنسان نفسه معصومة من الخطإ خطيرة جدًّا، فالأنبياءُ العظام الذين كانت العصمةُ من أهمّ أوصافهم يرتجفون وَجَلًا من الله تعالى، ولم تدْعُهم عصمتُهم قط إلى التهاون والتراخي في عبوديتهم، ولذا يجب على الإنسان أن يعلن الحرب على هذه الفكرة، وأن يبذل جهدًا مستميتًا في سبيل استقامته من ناحية، وألّا يعتقد أبدًا أنه طاهر مطهر من ناحية أخرى.

أجل، من الأهمية بمكان أن يلزم الإنسان حدّه ولا يتجاوزه مهما حقّق الله على يديه من نجاحات، ويشير بديع الزمان سعيد النورسي إلى هذه الحقيقة مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “طُوبَى لِمَنْ عَرَفَ حَدَّهُ وَلَمْ يَتَجَاوَزْ طَوْرَهُ[1]، كلُّنا بشرٌ مخلوقون من لحم وعظم، ونحمل بين جوانحنا نفسًا، وهناك شيطان يسعى دائمًا بكل قواه لإغوائنا، ومن الصعب القول أيضًا بأننا قد نشأنا في مجتمع نظيف جدًّا، لأن شوارعَنا التي نسير فيها عمَّت فيها البلوى وأصبحت مكتظَّةً بالذنوب، وبينما دُنِّسَ بعضُنا بالقاذورات حتى سيقانهم، فإن بعضنا الآخر يغوص في مستنقع من القاذورات حتى حلقومه، وبهذه الحالة فليس من الممكن أن يتأتى منا أيُّ خير، إلا أن الله تعالى برحمته الواسعة قد منّ على المذنبين من أمثالنا بفضله، واستعمَلَنا في أعمال الخير.

أجل، إن من يعي أن كلَّ الألطاف والنعم التي يتمرّغ فيها من الله تعالى؛ لا يتطاول، ولا يتجاوز حد الاعتدال، وطالما استطعنا النظر إلى الأمور بمثل هذا الأفق الخالص من التوحيد أدام الله علينا ألطافه وإحساناته.

ومن جانب آخر، فلا ينبغي للمذنبِ ولا للغارق في الدنس والفجور حتى عنقه أن ييأس أو يقنط من رحمة الله سبحانه وتعالى، وكما هو معلوم فقد نهى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابةَ عن لعن ذلك الرجل الذي كرَّرَ شربَ الخمر، إذ إنه لما جيءَ به قَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ[2]، ولذلك لا بد للإنسان أن يحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأن يسعى سعيًا حثيثًا في سبيلهما، دون النظر إلى عظم الذنوب والخطايا التي ارتكبها في الماضي، عليه أن ينسب الكبرياء والعظمة إلى الله تعالى السلطانِ الأوحدِ لدائرة الربوبية والألوهية، ويقول: “اللهم إني أعلم أنْ لا محل لي من الإعراب، لكن أنت من يمنحني هذا المحل”، وعليه أن يواصل تبعيّته ومحبّته للداعيةِ الأعظم صلى الله عليه وسلم، إن فعل ذلك فلا بد أن يترجم محبته لله ورسوله بالثناء والمناجاة، ولا تمنعه ذنوبه من فعل هذا، فقد تضخِّم له النفسُ والشيطانُ ذنوبه، وقد يوحيان له أنه بهذه الذنوب قد ابتعد عن الله، ولكن لا ينبغي للإنسان أن يجري وراء نفسه وشيطانه، وعليه أن يتجول بأفكاره ومشاعره في دائرة القرب.

   الأرواح النرجسية

وعند النظر إلى الصالحين عبر التاريخ سنلاحظ أنهم كانوا يعنّفون أنفسهم وينتقدونها ويحاسبونها بشدة، ولا يعطونها قدرًا ولا قيمة، هذه هي العظمة الحقيقية، فلا يُنتظر ممن استولت عليهم الأنانية القيام بأي عمل نافع، فإن صاحب الروح الأنانية النرجسية لا يستطيع أبدًا أن يتخلص من أوهامه لأنه يشعر على الدوام بضرورة التعبير عن نفسه وتميزه على الآخرين، وهؤلاء الأنانيون لا يحبّذون الأفكار التي يقولها الجميع أو يتبنونها، فهم يركضون وراء الأفكار الهامشية دائمًا بغية التميز والإبداع، ويحاولون ابتكار آراء غير عادية لجذب الانتباه وإثارة الإعجاب لدى الآخرين، فإذا لم يجدوا الإعجاب والتقدير الذي ينتظرونه رفعوا من مستوى كلامهم أكثر فأكثر، بل إنهم لا يتورّعون عن الكذب أحيانًا عندما يرون الصدق لا يجدي معهم في تسويق أنفسهم.

وهؤلاء النرجسيّون المفتونون بأنفسهم وأفكارهم وأسلوبهم ومنزلتهم لا يستسيغون الآخرين ولا ما يفعلونه، ومن الصعب أن يقنعوا ويرضوا بشيء ما، ولذلك يسيرون في خطٍّ متعرج على الدوام، ويقفزون من غصن إلى آخر، ويقضون عمرهم لا يستقيمون على شيء، ولا يتأتى منهم خير.

في حين أن وجود الإنسان الذي أوجده الله من العدم قد بدأ بقطرة ماء، وإذا ما التفتنا ونظرنا إلى سيرة حياتنا، وفكَّرْنا في الأخطاء التي ارتكبناها فسنخجل من أنفسنا، لقد خلقَنا الله تعالى عبيدًا له، ولهذا فإن العظمة الحقيقية للإنسان تكمن في عبوديته لله عز وجل، فما يقع على الإنسان هو أن يقنع ببشريته، وأن ينشد الشرف والعزة في عبوديته لربه سبحانه وتعالى.. ويجب على الإنسان أن يقابل العطايا المادية والمعنوية التي أسبغها ربه عليه -كنوع من الجبر اللطفي- بالشكر، وأن يعمل على تنميتها وتطويرها.

   أبطال التواضع

إن الله تعالى يحب المتواضعين، ويرفعهم إلى المكانة التي تليق بهم، فلولا سقوط البذرة في رحم التراب ما استطاعت أن تكون مظهرًا للفيض، فالمتواضعون يرفعهم الله عز وجل، ويمنّ عليهم بكرمه وفضله، ويجعلهم ذوي قامات عالية مرشدة للإنسانية، فها هو عبد القادر الجيلاني، ومحمد بهاء الدين النقشبندي، وأبو الحسن الشاذلي، والأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي رغم مرور قرون عديدة على رحيلهم فما زلنا نذكرهم بالخير والامتنان، وما زلنا نسترشد بالمؤلفات القيمة التي خلفوها لنا للاهتداء إلى سواء السبيل، وبدهي أن السبب الرئيس في عدم نسيان الناس لهؤلاء الفضلاء هو أنهم كانوا أبطالًا للتواضع والخجل ونكران الذات.. ونظرًا لأنهم صرفوا كلّ هممهم إلى إثبات وجود الله سبحانه وتعالى وليس أنفسهم؛ وهبهم الله تعالى وجودًا أبديًّا، ووضع ودّهم ومحبّتهم في قلوب عباده، ولما كانوا يركضون من أجل إثبات حقيقة التوحيد ثبّتهم الله على الطريق المستقيم، وجعل كلًّا منهم هاديًا ينير أفقنا ويرشدنا إلى الطريق المستقيم، ورغم مرور قرون على هذا فما زلنا نقرأ أورادهم، ونتصفّح مؤلفاتهم من أجل إيجاد حلول لمشاكلنا الحياتية.. فهل هناك تقدير وتثبيت أفضل من ذلك؟!

الأخطر هو أن يعمل الإنسان عملًا معتقدًا أنه لن يُحاسب عليه، فمثلًا أحيانًا ننسب أعمالنا الصالحة إلى أنفسنا، فنلوّثها دون وعي منا، فلو كنتم تقومون بأعمالكم واضعين في مخيلتكم أنه لا مثيل لها؛ فقد أبطلتم حياتكم القلبية والروحية في هذه الدنيا، ولم تتركوا شيئًا للآخرة، فإذا كان الكلام يدور حوله سبحانه وتعالى، وكل ما يجري من خدمات هو من أجله جل وعلا؛ فلا بد من أن تمحوا ذاتيتكم، فأصعب شيء على الإنسان أن يمحو ذاتيته، فقد يستطيع الإنسان أن يشطب على أشياء كثيرة، ولكن ليس من السهل أن يشطب على نفسه، فأكبر مشكلة لدى الإنسان هو نفسه التي بين جنبيه، من السهل الحديث عن هذا نظريًّا، لكن الأهم هو ما يجري في عالم الإنسان الفكري والشعوري.

نحن بحاجة ماسة إلى التجديد في كلّ هذه الأمور، فعلينا أن ندقق النظر في آرائنا وأفكارنا كل يوم، ونعمل على ضبطها ومعايرتها من جديد، ونراجع ما نحن عليه، وما نحن فيه، وما الحالة التي صرنا إليها، وإلا ظهرت انحرافات لا مفر منها، والأخطر من ذلك ألا ندرك أننا وقعنا في انحراف في الأصل، وأن نرى أنفسنا في أمان رغم ضلالنا المبين، واستدعائنا لغضب رب العالمين.

كثيرًا ما لا نستطيع التحكم في عقولنا ومشاعرنا، ولا ندري ماهية الخطط والأوهام التي نجري وراءها، فمثلًا قد يداخلنا الطمع في الأمور الدنيوية، ولا يهدأ لنا بال طمعًا في كسبها، أو يسيطر حب الدنيا على كل كياننا، ولا ريب أن مثل هذه الأفكار والمشاعر تنطوي على سوء أدب كبير مع الله عز وجل بالنظر إلى المقام الذي نحن فيه، وإن كان لا محل لها في قائمة الكبائر، ومن أجل تجنُّب كلِّ هذه المخاطر، يجب أن نراجع باستمرار علاقاتنا مع الله وأن نكون قادرين على إظهار الموقف الصحيح للعبودية.

***

[1] البخاري: التاريخ الكبير، 3/338؛ الطبراني: المعجم الكبير، 5/71.

[2] صحيح البخاري، الحدود، 6.

مبادئُ في خدمة الدين والإنسانية

Herkul | | العربية

إن إيجاد الحلول للمشكلات الاجتماعية ليس بالأمر الهين، فإذا تعذّر تحديد المنهج الصحيح لمعالجة المشكلات فستنشأ أخطاء أكبر لا سبيل إلى تلافيها بينما تحاولون تصويب خطإ واحد، فإن إزالة بقعة على السجادة لها أصولها وطريقتها الخاصة، فإن لم تكونوا على دراية بطريقة تنظيفها، فإن الأسلوب الذي ستَتّبعونه في التنظيف قد يتسبّب في توسيع رقعة البقعة وانتشارها، والمشكلات الاجتماعية تشبه ذلك، فقد تتسبّب المعالجة الخاطئة في مضاعفات يستحيل التغلب عليها، فإذا كانت هناك أصول وطريقة خاصة حتى لإزالة بقعة بسيطة، فمن المسلَّم به أن هناك أصولًا وطريقة خاصة أيضًا في إعادة مجتمع مشوه إلى هويته الأصلية، وتصحيح مساره، وضمان سيره المتناغم من جديد.

إن الصدق والإخلاص يلعبان دورًا شديد الأهمية في مسألة العفو والصفح عن كثير من الأخطاء، كذلك العزم والمثابرة من الآليات الرائدة والمتصدرة على طريق النجاح.. ومع ذلك فإنه إلى جانب هذا، إن لم تخضع القرارات التي ستُتخذ بشأن الأعمال التي يتعين القيام بها، للمبادئ العلمية والشرعية، ولم تُمرَّر من مرشح المنطق، ولم تُدقق ببصيرة وفطنة، فإنها ستجرف الإنسان إلى أخطاء كثيرة، فإن كثيرًا ممن يضطلعون بأعمال جميلة وطيبة يتعثرون ويسقطون وينقلبون رأسًا على عقب لأنهم لم يراعوا هذه الأمور بشكل كافٍ؛ حتى إنهم لا يلاحظون ذلك في بعض الأحيان.

وكما تحدث هذه الأخطاء في الحياة الشخصية والعائلية، مثلًا في إدارة الأسرة أو طريقة تربية الطفل، فكذلك قد تحدث أيضًا في دائرة أوسع مثل الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فإذا لم تتمّ صياغة التغيرات والتحولات والتشكّلات الاجتماعية وفق قواعد ومبادئ محددة، فمن الممكن أن تتسبب في مضاعفات ومشكلات يستحيل التغلب والسيطرة عليها.

على سبيل المثال قد تدشّنون حركة إصلاحية بنيّة صادقة على نطاق واسع من أجل تنمية المجتمع وتقدمه رغبة في الصعود به من “القاع” إلى “القمة”، غير أن هناك أسسًا حياتية كثيرة يجب وضعها نصب العين وهي: هل بنية المجتمع مواتية لهذا التغيير الجذري يا تُرى؟ وهل أفراد المجتمع قادرون على استيعاب وتقبّل التغيرات المطروحة أو المفروضة عليهم؟ وهل الظروف الراهنة مواتية لهذا؟ وهل الزمان والأوضاع مناسبة للقيام بهذه الأعمال؟ وهل قوتكم كافية لتحقيق ذلك؟ هل نظرتم إلى التغييرات التي تريدون إجراءها من منظور القيم الإنسانية العالمية؟ فلو بدأتم في الأمر دون أن تأخذوا كل هذا في الحسبان، فمن المحتمل جدًّا أن تتعرضوا للفشل والإخفاق؛ حتى ولو كنتم تبتغون خدمة الإنسانية، فإنكم ستقحمونها في النهاية في فواجع جديدة، فلا ينفعكم عندئذ لا صدقكم ولا هويتكم الدينية بمفردهما؛ لأن تحرككم وفق أهوائكم دون أن تضعوا كل هذه الأمور في الحسبان سيتسبب في دمار هائل بدلًا من البناء والإصلاح.

   عدم التسبب في النفور من قيمنا

ربما قد سلكنا طريقًا في تبليغ القلوبِ المحرومةِ الحقائقَ التي بلّغها الأنبياء الكرام إلى الإنسانية عن الله تعالى، ولكن إن لم نتبع الطريقة والأسلوب الصحيحين فلن تكفي نيتنا الصادقة في تحقيق غايتنا المثالية، والواجب علينا قبل أن نتحدث عن أمرٍ ما أن ننظر إذا ما كان مخاطبُنا مهيّأً لتلقي الحقائق المعروضة عليه أم لا، وأن نضع في الحسبان مدى استيعابه لما يُقال؛ وإلا أصبح الأمر كمن جاء يكحل العين فعماها، فيتولد عندئذ لديه شعور بالكراهية والنفور من قيمنا الذاتية.

ولا أقصد بالأهمّية حالةَ المخاطب فقط، وحالتنا -ونحن ننوي إعمالَ المبضع في المشكلات- مهمة أيضًا بنفس القدر، فيشترط أن نتمتع -باعتبار موقعنا- بالعلم والمعرفة والإرادة والخبرة والمقدرة لكي يتسنى لنا إنجاز المشاريع التي نصْبو إليها على أرض الواقع.. ولكن إذا شُرع في الأمر بتسرُّعٍ دون امتلاك المعدات والإمكانات الكافية، ودون التخطيط الجيد، ودون الأخذ بالأسباب، لتلقينا صفعة بعكس مقصدنا، وهذا ما عبر عنه الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي في أن الطمع والحرص يعود على صاحبه بالخيبة والخسران، وهذا لا يقتصر على المكاسب الدنيوية فحسب، والطمع ربما تسبب -وفق موضعه- في خسران وبطلان الأعمال المعنوية والأخروية على حد سواء.

على سبيل المثال ربما تتبنّون أفكارًا طيبة من أجل الإرشاد والتبليغ والتربية والتعليم والحب والتسامح، وتنفتحون على العالم من أجل تحقيق هذه الأفكار، فإذا حاولتم التحليق نحو هدفكم معتمدين على صدقكم وإخلاصكم وحماسكم فحسب؛ فسوف تعوقكم قوة الجاذبية الأرضية، والواجب عليكم عندئذ هو أن تخطو خطواتكم بتأنٍّ وتُؤْدَة، وألا تتخلوا عن التمكين والحذر، وألا تهملوا الأسباب.

فقد ورد في الحديث الشريف: “الأَنَاةُ مِنَ اللَّهِ وَالعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ[1]، وقد اشتهرت مقولة: “العجلة من الشيطان” بين عامة الناس؛ لأن العجلة في الأمور التي تتطلب تخطيطًا ودراسة جدوى حقيقية، تؤدي بالإنسان إلى أخطاء جمَّة.

ومن ثم يجب عليكم حتى لا تقعوا في خطإ كهذا ألا تتخلّوا عن التمكين والحذر في الأعمال التي تضطلعون بها، وأن تتجنبوا السرعة والاستعجال، فإذا أردتم تقديم رسالة ما، فعليكم أن تقدموها بشكلٍ مناسب يؤلِّف القلوب، فإن لم تكن الإنسانية مهيأةً لاستقبال رسالتكم بصورتها الطبيعية، فعليكم أن تهذبوها وتضعوها في قالَبٍ يمكّنهم من استيعابها، بأن تقولوا ما تريدون آخذين في الحسبان مستويات إدراكهم.

   الطريقة الصحيحة لتقديم الرسالة

إذا أردتم أن يُكتب لمشاريعكم وخططكم المطروحة النجاح والتوفيق، فهناك الكثير من العوامل التي يجب عليكم أن تضعوها نصب أعينكم وأن تقيِّموها معًا؛ عليكم أولًا: أن تنظروا في مستواكم ومعلوماتكم وطاقتكم وعشقكم وشوقكم ووفائكم وصدقكم؛ ثانيًا: أن تحاولوا فهم وضع مخاطبيكم؛ ثالثًا: أن تضعوا في الحسبان المناخ الذي تعيشون فيه وظروف الزمان والأوضاع الراهنة؛ وأخيرًا: أن تحسبوا الاعتداءات والهجمات التي ستتعرضون لها من الفئات التي أشرِبت في قلوبها العداء والكراهية.

لذلك يجب ألا تَشرعوا في الأمر دون أن تطرحوا على أنفسكم مثل هذه الأسئلة: تُرى هل سيحظى المشهدُ الذي سنعرضه والانفتاحُ الذي نقوم به على رضا الجميع؟ تُرى كيف ستنعكس التطورات التي ستتحقق على الرأي العام؟ إلى أي مدى سيكون المجتمع أو العالم الذي نعيش فيه مهيَّأً للأعمال التي سنضطلع بها؟ هل هناك انسجام بين هدفنا ومُثلنا وبين قوتنا وإمكاناتنا؟ هل سنقدر على الوفاء بالشكر والحمد والثناء للحق جل جلاله بقدر الإنجازات والنجاحات المحتمل تحققها؟

يجب بالتأكيد أن نسأل أنفسنا هذا السؤال أيضًا حتى نستكمل المقصد من السؤال الأخير المذكور آنفًا: هل وصل الأبطال الذين سيكونون وسيلة لبناء كيان حقيقي إلى قوامٍ لا يجعلهم يسقطون في شراك العُجب والفخر أمام النجاحات التي سيحققونها؟ فإذا كان الإنسان في النهاية سيخالجه شعور الرغبة بأن يُشار إليه بالبنان وسيُعرّضه هذا للتشوّه؛ فمهما كان التغيير والتحويل الذي ساهم فيه فمن الأفضل له ألا يكون قد فعلَ شيئًا من هذا في الأساس، فإذا كنّا سنُؤلِّه أنفسَنا أمام الجماليات المحققة ونتحوّل إلى نرجسيِّين، ومن ثم نفقد رضا الله تعالى وثِقة رسوله صلى الله عليه وسلم، ونضيع المكانة التي نحن عليها باسم الدين، فلنترك كل شيء ونَدَعِ الأمر يسير بنفسه.. لذلك يجب على معماريِّي المستقبل أن يكونوا على درب “أهل الله وخاصته”.

أجل، كما أن الإخلاص والصدق والوفاء والتفاني قيمٌ مهمّة؛ فإنَّ نجاحَ مشاريعنا مرهونٌ بمواجهتِنا أنفسنا وتعرُّفِنا عليها، واكتسابِ قوامنا الحقيقي، والحصولِ على المعلومات الكافية عن المجتمع، واكتشافِ العالم من حولنا، ودراسةِ وإدراكِ أعدائنا الذين قد يتصدّوا لنا، ومن ثم فإننا مضطرون للتفكير في كل هذا جملة واحدة.

قد يُنعم عليكم الحق تعالى في بعض الأحيان بمزيد من الألطاف، فيأخذ بأيديكم رغم جميع نقائصكم وقصوركم ويرفعكم من الدرجة الأولى إلى الدرجة العاشرة، ويهيئ لكم الظروف والمناخ الذي ستعملون فيه، ويوجه القلوب إليكم، ويمُنّ عليكم بنجاحات وإنجازات عظيمة مقابل عملكم القليل.. أجل، ربما يتحقق هذا كله كَلُطْفٍ وأثرٍ من آثار رحمة الله، لكننا لا يمكننا بناءُ خططنا ومشاريعنا على مثل هذا اللطف الاستثنائي، لأننا نعيش ضمن دائرة الأسباب، لذا فنحن مكلفون بالأخذ بها، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم تعهُّد الله تعالى بحفظه وعصمته يخرج إلى غزوة أحُد لابسًا مغفرَه ومرتديًا درعين فوق بعضهما وهذا من لوازم مهمّة إرشاده وتبليغه.

ويمكن القول: إنه لا يمكن لأي فكر إنساني أن يبلغ المستوى السامي الذي نخص به الإنسانَ والقيمَ الإنسانية في عالمنا الفكري.. ولا يمكن لأي فكر أنثوي أن يقدِّر المرأة بقدر نظامنا الفكري، ولا أن يضعها في مثل المكانة السامية التي نضعها فيها.. إننا نحلم بما هو أبعد بكثير من كل ما يُعترف به من قيم إنسانية عالمية في يومنا الحاضر.. نحبُّ كلَّ الناس بغضِّ النظر عن هويّتهم، ونحترم الإنسان لإنسانيّته، فإن التزام العدل والحقِّ بحذافيره وعدمَ ظلمِ الناس؛ من الآليات الأساسية لقيمنا الثقافية، كما أننا نأمل أن تتنبّه الإنسانية جمعاء إلى هذه القيم، لا شك في أن الجميع لن يفكروا مثلَنا ولن يشبهونا، فهذا هو واقع الحياة، ونحن لا نجبر أحدًا على التشبّه بنا، ولكن على الأقل لنعملْ على تقديم أنفسِنا وتعريفِها بشكل صحيح، ونساهم في خلق جوٍّ ومناخٍ يسوده السلام والحب على مستوى العالم.

المهم أن يتم ذلك بالأسلوب والطريقة الصحيحة دون اللجوء إلى أي نوع من الفرض أو الإلزام أو التحفيز المفرط، وبأسلوب لا يخلِّف أي انزعاج أو أثر سلبي وراءه، وهذا يتطلب من المرء أن يكون منطقيًّا وعقلانيًّا قدر الإمكان، وأن يسير بحذر ويقظة.

وحتى يتسنى تحقيق ذلك فلا بدّ من مراجعة العقل الجمعي المشترك؛ لأن هذا ليس من الأعمال التي يقدر على تحمّلِ عبئِها فردٌ واحد ، فعلى الناس أن يتكاتفوا، ويحسبوا كيف يتحركون دون مضايقة أو جرح مشاعر أحد، ولا التسبب في ظهور مشاعر الكره والنفور لديه، على الجميع أن يستنفِذوا طاقة أذهانهم بهذا الأمر، وأن يبحثوا عن الوسائل والطرق المناسبة لجعلِ العالم أكثر ملائمًا للعيش.. يجب أن تمتد مهرجانات الحب إلى كل جنبات الأرض، وأن تتعانق الإنسانية، وأن يظهر للجميع أن العالم ليس ساحة قتالٍ وعراكٍ، يجب على الجميع أن ينظّموا أفكارَهم ومشاعرهم بشكلٍ جيد، ويصيغوا الإستراتيجيات حولها، ويجدوا الوسائل والحلول الجديدة على الدوام، وألا يُهملوا قطعًا العقلَ والمنطق والمحاكمة إلى جانب الحس والشوق والأمل، وأن يحققوا جميع أهدافهم وفق هذا.

   الثبات على الحق

وأخيرًا أودُّ أن ألفت انتباهكم إلى النقطة التالية: إذا كنتم ترون أن أعمالكم تتوافق مع العقل السليم والحقائق والظروف الراهنة، والأهم من هذا كله تتوافق مع المعايير الأساسية للدين؛ فعليكم بالصمود والثبات، فإذا حدَّدْنا طريقنا ووجهتَنا ومدارنا بما يتفق مع محكمات الدين ومبادئنا الأساسية، فلا ينبغي بعدئذ أن نخطو خطوة للوراء أو نحيد عن المسار، يجب أن نكون قادرين على تحمل مسؤولياتنا والمضي بها قدمًا دون تغيير أو انحراف، وعلينا ألا نقول في مواجهة أي إخفاق ومصيبة وابتلاء يقابلنا: “لم ينجح هذا، هيا فلنجرب شيئًا آخر”، بل ينبغي ألا ننسى أن هذا قد جاء من عند الله لحكمة معينة، فما علينا سوى القيامُ بواجبنا على أتمّ وجه ثم تركُ النتيجة لله تعالى، فإذا قلنا إن الأعمال المخططة وفق مبادئنا الأساسية “لم تنجَح” و”لم تُنجَز”، ولجأْنا في كلِّ مرة إلى طرقٍ مختلفة فلن نصل عندئذ إلى المراد ولن نبلغ الهدف.

إن التلاعبَ بالصيغ والقيام بتغييرات تناسب روح العصر في تفاصيل بعض الأمور هي أمور خارجة عن دائرة ما قلتُه وأعنيه، فإذا كانت المشكلات المعاشة قد ترتبت على أخطائنا، فلا يجب الإصرار على الخطإ، بل علينا أن نعمل على تصويبه، وألا نتمرد على الاقتراحات المعقولة؛ أي يجب أن نكون ثابتين على الحق من ناحية، ومن ناحية أخرى نتراجع عن أخطائنا، لأنه كما أن الثبات على فعل الخير يكسب الإنسان الثواب الجزيل فكذلك التراجع عن الخطإ.

***

[1] سنن الترمذي، البر، 66.

إذا أحب الله عبده

Herkul | | العربية

   سؤال: ما مظاهر حب الله جل جلاله لعباده؟

   الجواب: نضطر في الغالب إلى التعبير عن بعض المفاهيم والمعاني السامية بضغطها في طيَّات ألفاظنا بسبب ضيق الكلمات وعجزها في التعبير عمّا نريد.. على سبيل المثال نتحدث عن حب الله تعالى ومحبته لعباده كما ذُكر في السؤال؛ لكن يجب ألا نغفل عن أن هناك معاني عميقة جمَّة تكمن خلف معانيهما الظاهرة، هناك بعض مظاهر وأمارات الحب والعاطفة عند الإنسان، ومع أن هذه المظاهر جميلة وإيجابية على وجه العموم، إلا أنه يكتنفها الضعف من جانب آخر؛ أي إن الحب له جوانب ضعف وقصور.. ومن ذلك مثلًا تعلُّقُ المحِبِّ بالمحبوب، وارتباطُه به وانجرافُه خلفه دون إرادة منه، ومن ثم يضطرّ المحِبّ إلى تقديم بعض التنازلات وفعل أشياء لا يريدها.

وعلى الشاكلة نفسها يستعين الناس ببعض الوسائل والطرق للتعبير عن حبهم للأشخاص الذين يحبونهم، فيعبرون عن حبهم أحيانًا بابتسامة وأحيانًا أخرى بكلمة، وأحيانًا بنظم القصائد لمحبوبهم وأحيانًا أخرى بخطاب، كما يُعبر أحيانًا عن الحب والعاطفة الداخلية بتقديم الهدايا، وأحيانًا بطرق أخرى مختلفة؛ غير أن كل هذه المعاني التي نعرفها عن الحب أو الأشياء التي يفعلها بنا الحب لا يليق التفكير فيها بشأن الحق المتعال جل جلاله.

ليس الحب فحسب، وإنما الأفعال الخاصة بالبشر مثل الغضب والحسد والغيرة والانتقام؛ تتضمن معاني مختلفةً عند نسبتها إلى الله جل جلاله، وليس من الصواب حملها على معانيها الحقيقية عند نسبتها إليه تعالى، ومن ثم فإن ما يُنسَب إلى الله تعالى من أفعال البشر في الآيات والأحاديث يُقصد به المعنى المجازي منها، إننا نعمل على فهم الحب والمحبة المقدسة الخاصة به تعالى انطلاقًا من تأثير الحب والمحبة والجذب والانجذاب فينا كبشر أو من بعض الأفعال التي نقوم بها تجاه المحبوب، على سبيل المثال إننا نتحرى مواضع إرضاء الإنسان الذي نحبه، وننأى بأنفسنا عن كل الأفعال والسلوكيات التي تضايقه وتضره، وينطبق الشيء نفسه على علاقتنا بالله سبحانه وتعالى أيضًا، وهكذا يجب علينا الوصول إلى أفكار تليق بالذات الإلهية انطلاقًا من مثل هذه المعاني اللازمة.

   تجليات اسم الله الودود

لقد قلنا: إن نُسِبت الألفاظ الخاصة بالأفعال والمشاعر البشرية إلى الحق تعالى يُرَدْ بها لازم معناها، ومن ثم فإنه عندما يُقال إن الله يحب عباده، تُفهم على الفور النتائج المترتبة على هذا الحب والمحبة.

ومن الآيات الكريمات التي تعبر عن حب الحق تعالى لعباده، قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (سورة مَرْيَمَ: 19/96)، وكما هو معلوم فإن “الودود” اسم من أسماء الله الحسنى، ومن مظاهر تجليات هذا الاسم الشريف هو أن الله تعالى يختص خلقه بعناية فائقةٍ تفوق المحبة، ويمكننا فهم هذا الحب وهذه العناية بنظرة صوفية وهي: “أن الله تعالى يعامل عباده بطريقة تُفرحهم وتُدخل السرور عليهم، ويوفّقهم إلى الأعمال والتصرفات التي تُرضيه عز وجل عنهم”.

فإن الود الموضوع لأصحاب الإيمان والعمل الصالح في الآية الكريمة قد عُبر عنه بفعل “سيجعل”، ومن المعلوم أن “سوف” تدل على المستقبل البعيد و”س” تدل على المستقبل القريب، ويُفهم من استخدام السين في الآية بأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيحظون بهذا الحب وهم لا يزالون في هذه الدنيا؛ أي إن الله تعالى سيرضى عنهم في الدنيا وسيحبّبهم إلى خلقه كما أنه سيوفيهم أجورهم في الآخرة.

وهذا الحديث الشريف لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمثابة تفسير لهذه الآية، يقول صلى الله عليه وسلم: “إذا أحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نادى جِبْرِيلَ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فأحِبَّهُ، فيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فيُنادِي جِبْرِيلُ في أهْلِ السَّمَاءِ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ، فيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ في أهْلِ الأرْضِ[1].

لقد ذُكر جبريل عليه السلام بداية في الحديث؛ لأنه خُلق مجهزًا بكيفية خاصة لتلقِّي الوحي من الله ونقلِه إلى الأنبياء دون أن يتدخل أو يغير منه شيئًا، وربما ذُكر اسم جبريل عليه السلام نيابة عن زمرة من الملائكة.

حسنًا، كيف يكون حب الملائكة للإنسان، وماذا يعني؟ إنهم على سبيل المثال يدعون لكم، ويوجهونكم في الأمور التي تتعلقون بها بأفئدتكم وتركضون خلفها وتجعلونها غايتكم المثالية، ويسهلون أموركم، فيمسكون بأيديكم في المواطن التي ستزل فيها أقدامكم؛ حيث جعل الله ملائكته حجابًا لعزته وعظمته، فيرسل بعضًا من نعمه وإحسانه عن طريقهم.

الحب الموضوع في القلوب

جاء في الحديث الشريف أنه سيوضع لهذا الإنسان بعد ذلك القبول في السماء والأرض، أي إن من أهم مظاهر محبة الله لعبده أن يغرس محبته في قلوب الناس، فيجعلهم يُقبِلون عليه، ويستمعون إليه، ويُعِدون أنفسهم للإنصات إليه، ويهيئون جو الخدمة من أجله، فإذا عمَّكم جوٌّ من الحب في الأماكن التي تذهبون إليها وأقبل عليكم مخاطبوكم، فيجب أن توكلوا هذا إلى القبول الذي وضعه الله تعالى في أهل الأرض، وبذلك تَتّقون الوقوع في الشرك، فمن الجحود التجاهل التام لكل توجه إليكم، وإن عزو ذلك إلى نفوسكم هو كِبر عظيم، وما يجب فعله هو نسبة هذا الأمر إلى الله تعالى، فيمكنكم قول: “لو لم يضع الله مثل هذا القبول وهذا التوجه في القلوب لما استطعنا فتح هذه القلوب”، فينبغي للإنسان ألا يداخله الجحود أو الغرور، وبعد أن يرى الجماليات ويقدرها قدرها عليه أن ينسبها جميعها إلى الله تعالى؛ لأنها عبارة عن تجليات بطول موجات مختلفة لتوجه الحق تعالى إلى عباده الذين يحبهم.

من ناحية أخرى، فإن حفظ الله تعالى بعض عباده من الذنوب والمحرمات هو مظهر آخر من مظاهر حبه تعالى عباده، فالعصمة صفة خاصة بالأنبياء، ومن ثم فإن العصمة المطلقة من المحرمات ليست إلا لهم فقط، لأن هذا من مقتضيات وظيفتهم ومهمتهم، لكن الله تعالى قد يحفظ من الذنوب والآثام أيضًا مَن وصل من عباده إلى درجة الحبيب المحبوب، فإذا ما أوشكت أقدامهم على الوقوع في الزلل يأتي المدد بالحفظ الإلهي فيمسك بهم وينتشلهم، فإذا كانوا على شفا جرف هار أمسك بهم من الخلف وحال دون سقوطهم وتردِّيهم، لأنه لا يضيِّع أحباءه، حتى ولو زلت أقدامهم وسقطوا فإنه لا يسمح لهم بالبقاء والاستمرار بالذنب.

وربما يمن الله تعالى بألطاف زائدة على بعض من عباده في سن مبكرة بأن يهيئهم ويشكلهم ويعصمهم من الآثام لعلمه تعالى بأنهم سيستعملون إرادتهم في المستقبل في سبيل الخير، وسيضطلعون بخدمات طيبة، وهذه كلها تجليات مختلفة لألطاف الرب الجليل على عباده الذين يحبهم، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة المَائِدَةِ: 5/54).

“فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ…”

يشير هذا الحديث القدسي أيضًا إلى مظهر آخر من مظاهر حب الله تعالى للعبد: “وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا…”[2].

وهذا يعني أن الله إذا أحب عبدًا من عباده فتح أذنه على عالم المعنى، وهيّأه للسماع على نحو أفضل وأدقّ، فإن هذا الشخص ينفتح على علم الوحي المعروف بالسمعيات، ويفهمه جيدًا.. في الوقت نفسه تُفتح عيناه على الأوامر التشريعية والتكوينية، ويبدأ في رؤية الأشياء بشكل أفضل، فإذا ما نظر إلى كتاب الكائنات المعروض أمامه تدفقت بداخله أنوار المعرفة.. وفي الوقت ذاته يوجه ربنا جل وعلا هذا العبد ليستخدم يديه ورجليه في الطريق القويم، ويحفظه من أن يخطو خطوة إلى الخطإ، وعلى ذلك يمكننا إرجاع هذا الحديث أيضًا على الحفظ الإلهي المذكور آنفًا.

ووفقًا للحديث الشريف فإن السبيل إلى نيل المؤمن مرتبة كهذه؛ هو أن يؤدي أولًا الفرائض بتمامها، ويتبعها بالتقرب إلى الله تعالى بأداء النوافل. أجل، يمكننا القول إن أحد العوامل الموصلة إلى المحبة الكاملة هي “التقرّب بالنوافل”.

وأخيرًا فإن من مظاهر تجليات حب الله لعباده أيضًا هو العشق والشوق اللذان يشعر بهما العبد بداخله تجاه الحق تعالى، فإن توجُّه الله تعالى لعبده يقابله توجه لدى العبد لله تعالى، على سبيل المثال قد يطلب المرء بنية صادقة من الله الصدق والوفاء والمحبة والتوجه، فيرفع يديه على الدوام قائلًا: “اللهم اجعلني هائمًا في حبك حتى ينمحي كل ما سواك من أمام عيني ويضمحل، فإذا ذكرتك اقشعر بدني، وفاضت نفسي بالشوق والهيجان، أريد حبًّا وتوجّهًا يسلبني من نفسي، ويُنشِئني عندك نشأة أخرى”، إن الإنسان الذي يطلب هذا من الله تعالى هو بطل هذا الأفق حتى وإن لم تُلبّ مطالبه، فمن العباد من يتقبل الله منهم هذه الدعوات، ومنهم من يمنّ عليهم بلطفه دون أن يشعرهم حتى لا يتعرضوا للامتحانات والابتلاءات.

كل هذا تجلياتٌ لألطاف الرحيم الودود على عباده الضعفاء العاجزين، فيصيب بفضله ولطفه من يشاء.

***

[1] صحيح البخاري، بدء الخلق، 6؛ صحيح مسلم، البر، 157.

[2] صحيح البخاري، الرقاق، 38.

ملاحظة حول البدعة

Herkul | | العربية

   سؤال: ما معنى البدعة؟ وما ماهيتها وإطارُها؟

   الجواب: البدعة هي استحداث أمور جديدة في الدين، وإلحاق إضافات جديدة به بعد اكتماله على يد صاحب الشريعة الغراء صلى الله عليه وسلم، أو الإتيان بأفعال وتصرفات تخالف الأدلة الشرعية.

فمثلًا يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم معلّمًا أمّته شروط الصلاة وأركانها تفصيلًا: “صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي[1]، وعلى ذلك فكل إضافة أو تغيير يطرأ على الصلاة فيما بعد يسمى بدعة.

ومن البدعة أيضًا أن يستحدث الإنسانُ بعضَ الأمور في الصوم بعد أن بيّن الكتاب والسنة كيفيته بالتفصيل؛ مثل التلاعب بأوقات الصوم أو الاقتصار على تناول بعض الأطعمة كما يفعل أتباع الديانات الأخرى.

يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “إِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ[2]، وعلى ذلك فالمبتدِع هو مَن خرج عن الإطار الذي حدده الدين الحنيف.

حيطة الصحابة

ونظرًا لهذا الخطر الجسيم تعامل الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين مع الأمر بحيطة وحذر كبيرين تجاه البدع، فمثلًا عندما دخل عبد الله بن عمر رضي الله عنه برفقة تلميذه “مجاهد” المسجدَ للصلاة فثوَّبَ المؤذّن -أي نادى بعد الإقامة ودعا الناس للصلاة مرة أخرى دون داعٍ- غادر ابن عمر المسجد على الفور دون أن يصلي فيه وقال لتلميذه مجاهد: “اخْرُجْ بِنَا مِنْ عِنْدِ هَذَا الْمُبْتَدِعِ”[3].

والواقع أنه ليس من اليسير الحكم بحرمة شيء كهذا، ولا سيما القول بضلالته، ولكن هؤلاء القوم كانوا يتعاملون بهذا الحذر الشديد حتى لا يلتبس في الدين ما ليس منه؛ لأنهم كانوا يرون أن الدين قد وصل إلى ذروة تمامه وكماله بالأحكام التي وضعها صاحب الشريعة صلوات ربي وسلامه عليه، ويوقنون بأنهم سيصلون إلى مرضاة الله تعالى بهذه الأحكام فحسب، دون الحاجة إلى أي شيء غيرها.

نستنبط من هذا أن الطريق الأحوط في العبادات هو عدم الخروج عن الأحكام الثابتة بالقرآن أو السنة سواء أكانت فعلية أو قولية أو تقريرية، وتجنب خلطها بأي شيء لم تأت به السنة قدر المستطاع، فمثلًا لا بأس أن يجلس الإنسان في مكان ما، ويقرأ سورة الإخلاص ألف مرة، أو سورة الفاتحة عددًا من المرات، أو يدعو ربه سبحانه وتعالى كيفما يشاء، أو يسبّحه بالقدر الذي يريد، فإن قراءةَ القرآن والدعاءَ والذكرَ من جملة العبادات والطاعات التي يؤجَر عليها المؤمن، أما أن يعبث الإنسان بصلاته، ويتلاعب بركوعها وسجودها وقيامها، ويضيف عليها ما ليس منها؛ كأن يأتي بأدعية خاصة أو آيات معينة لم تنصّ السنة على تلاوتها في هذه المواضع، بل ويرى ضرورة قراءتها في مثل هذه الأركان؛ فهذا كله من قبيل البدعة.

   أركان الأذان

ولذا فليحذر الإنسانُ أن يأتي بأمور تخالف روح الدين وجوهره في العبادات والطاعات، فالبدعة ليست عبارة عن إحداث أمور جديدة في الدين فحسب، بل من البدعة أيضًا تبديلُ العبادات الموجودة، وصبُّها في قوالب مختلفة، وعلى سبيل المثال فلا يجوز التلاعب ولا التبديل أو الاستعاضة عن ألفاظ الأذان المعروفة التي تبدأ بـ”الله أكبر”، وتنتهي بـ”لا إله إلا الله”؛ لأن الأذان لم يُشرَّع إلا بعد أن رآه اثنان من الصحابة في الرؤيا، فتعلماه، ثم أخبرا به رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي استحسنه وأقره، فكان إقرار النبي صلى الله عليه وسلم تشريعًا له، وعليه لا يجوز تبديل هذا الحكم فيما بعد.

وهذا يعني أن تبديل ألفاظ الأذان يخرجه عن كونه أذانًا، فلا يجوز مثلًا استبدال ألفاظ الأذان العربية بالترجمة الموضوعة لها في أي لغة، ولو حدث لصار هذا بدعةً وتغييرَ حكم من أحكام الدين، فلا اعتبار للأذان بهذه الألفاظ المترجمة حتى لو كرّرها الإنسان خمسين مرة، ولقد ظهرت مثل هذه البدعة عندنا في فترة ما قديمًا، وعلى حد علمي لم تُمَس أركان الأذان في أي مكان بالعالم من عهد النبي صلى الله عليه وسلم حتى يومنا هذا إلا في تركيا.

ليس الأذان فقط، بل وحتى طُلب أيضًا أداء الصلاة مترجمة، إلا أن هذا الطلب قد أُلغي ولم يُعمل به بسبب معارضة العلماء له، ولو حدث وفُعّل هذا الطلب لكان بدعة أكبر، وخرجت الصلاة عن كونها صلاة، ولقد احتج البعض في هذه المسألة بفتوى للإمام أبي حنيفة رحمه الله، بيد أن هذه الفتوى كانت بشأن قراءة الفاتحة بالفارسية أو بلغة أخرى لفترة مؤقتة من أناس غير قادرين على قراءة العربية بشكل صحيح، فضلًا عن أن بقية الفقهاء العظام لم يوافقوا أبا حنيفة في رأيه هذا، بل إن مثل هذه الفتوى لم تشتهر حتى في المذهب الحنفي[4]، وعلى ذلك فلا يوجد مستند شرعي لجواز القراءة في الصلاة باللغات الأخرى؛ بحجة وجود مثل هذه الفتوى الخاصة بقراءة سورة الفاتحة فقط.

ولقد سُئل بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله فقيل له: “إن أهل الكشف قد قالوا بـحدوث بشارات وفتوح لأهل السنة والـجـماعة وتكشف عنهم الغمة في رمضان، ولكن لـم يظهر شيء من هذا القبيل، فكيف يـخبر أمثال هؤلاء من أهل الولاية والكشف عما هو خلاف الواقع؟! فأجابهم قائلًا: إن دخول البدع في الـجوامع في الشهر الـمبارك مع الأسف حجبت الاستـجابة والقبول، فلـم تفرج الكربة ولـم تكشف الغمة[5].

لم يبين بديع الزمان ماهية هذه البدع؛ لأن ذكرها في تلك الآونة كان جرمًا كبيرًا، والحال أن البدعة التي كان يقصدها الأستاذ النورسي هي رفع الأذان والإقامة باللغة التركية، وبسبب ذلك انقطع التوجه الإلهي، وهذا الرأي الذي قال به بديع الزمان يشير إلى مدى أهمية الحفاظ على الأركان والضوابط التي وضعها لنا الشارع الحكيم.

يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (سورة الْحِجْرِ: 15/9)، ومن ثَمّ فإن أهم جانب يقع على عاتق الناس في مسألة حفظ القرآن وبالتالي صيانة الدين هو تجنُّب البدع؛ لأن كل بدعة تعني المساس بجوهر الدين وأركانه، وتحريف جزء منه، والواقع أن التحريف في الأديان السماوية السابقة قد بدأ بمثل هذه البدع الصغيرة؛ حيث تم التلاعب بالكلمات، وأُبعِدت الألفاظ عن معانيها الأصلية، وكُسيت بمعانٍ أخرى مختلفة، ثم توالت التحريفات تلو التحريفات، والتغييرات عقب التغييرات، حتى ظهرت أمور جديدة بعيدة عن أصل الدين، وفي اللحظة التي تم التلاعب فيها بالكلام الإلهي وألفاظه ومعانيه انفتح المجال أمام التأويلات والتفسيرات التي توافق الرغبة والهوى.

وتُحاك على مدار التاريخ مثل هذه المؤامرات للنيل من القرآن أيضًا، ولكن في كل مرة يتمكن العلماء -بفضل من الله وعنايته- من استصال شأفتها والقضاء عليها؛ لأن الله قد تعهد بحفظ كتابه منذ نزوله على قلب حبيبه صلى الله عليه وسلم كما ورد بالآية القرآنية السابقة، فكان من المستحيل تحريف ولو حرف واحد فيه.

   التواؤم مع الضوابط الأساسية

من جانب آخر فإذا كان من الخطإ استحداث إجراءات وتأويلات وأحكام تُفسد هوية الدين الأساسية، فمن الخطإ أيضًا بل ومن الإضرار بالدين إطلاق كلمة البدعة على كل شيء دون النظر إلى مدى ملاءمته لروح الدين وجوهره من عدمه، فمثلًا الدعاء من العبادات المهمة للغاية في الدين، قال عنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَةِ[6]، فالدعاء هو عبادةٌ خالصة وتوجّهٌ إلى الله فوق الأسباب لأنه تعالى مسبب الأسباب، ولكن لا يوجد حكم قاطع بشأن لغة الدعاء، وزمانه، وكيفيته، وعدد مَرّاته، فللإنسان أن يدعو بما يشاء؛ بأي لغة أو طريقة، وفي أي وقت شاء، فليس أيٌّ من هذا بدعة، المهم هو ألا يسأل العبدُ شيئًا يخالف محكمات الدين، أو يتلفظ بألفاظ تخالف الضوابط الأساسية حينما يدعو الله جل وعلا.

فلا يشترط اقتباس الدعاء من آيات معينة أو مأثورات خاصة، لكن ما أجمل أن يدعو العبد ويتضرّع بالأدعية الواردة في القرآن الكريم أو السنة المطهرة، ويفضلها على أدعية نفسه؛ فلا جرم أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أدرى منا -على اعتبار أنه عبد ونبي قد وصل إلى مدارج الكمال- بالأسلوب الأفضل والطريقة المثلى لعرض مطالبه على ربه جل وعلا، لقد كان الناس قديمًا يتوجهون إلى كُتاب العرائض إذا ما أرادوا رفع طلبٍ ما إلى المقامات الرسمية؛ لأن هؤلاء كانوا يعلمون آداب هذا الأمر وأصوله، وكيفية التعبير عن الغرض والمقصد، وما يتناسب من الكلام لعرض المسألة، وهكذا يمكن النظر إلى أدعية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضًا.

لكن ليس من الصواب إلزام كل إنسان بهذا، لأن فيه تكليفًا للناس بما لا يطيقون، وتضييقًا لمجال العبادة، ولا حقّ لأحد في هذا، فللإنسان أن يدعو ربه كيفما يشاء، فلا تقييد ولا إكراه في هذه المسألة، وله أيضًا أن يعبّر عن مرامه ومقصده بالأسلوب الذي يرتاح إليه.

فثمة أدعيةٌ وأذكارٌ وصلواتٌ لم ترد عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عن السلف الصالح ولا عن الفقهاء العظام، إلا أن هذا لا يدعونا أن ننظر إليها على أنها بدعة، فمثلًا جاءت رواياتٌ عديدة في السنة الصحيحة بشأن أفضلية وثواب بعض السور مثل الفاتحة والإخلاص والمعوذتين، وعلى ذلك يجوز للإنسان أن يجلس في مكان ما، ويقرأ سورة الإخلاص مثلًا مائة مرة، أو أن يستخلص بعض المناجاة من الآيات القرآنية كما فعل العديد من رجال السلف الصالح، ولا يُقال على مثل هذه الأشياء بدعة بحجة أنها لم تكن موجودة في عصر السعادة والصحابة؛ لأن هذه أمور حضَّ عليها الدين في الأصل، إذًا فهي تُوافِق روح الدين ولا تعارضه، والمعيار الأساس في تحديد البدعة من غيرها هو مدى مواءمتها لضوابط الدين الأساسية من عدمه.

***

[1] صحيح البخاري، الأذان، 18؛ مسند إمام أحمد، 5/53.

[2] صحيح مسلم، الجمعة، 43؛ سنن النسائي، العيدين، 22؛ سنن ابن ماجه، المقدمة، 7.

[3] سنن الترمذي، الصلاة، 31.

[4] انظر: السرخسي: المبسوط، 1/37؛ أكمل الدين البابرتي: العناية شرح الهداية، 1/286.

[5] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة السادسة عشرة، ص 142.

[6] سنن الترمذي، الدعوات، 1.

فلسفة الحوار

Herkul | | العربية

كثيرًا ما نطلق في يومنا الحاضر على اجتماع الناس من ذوي الأفكار المتنوعة والرؤى العالمية المختلفة مصطلحَ “الحوار”، ومع ذلك بوسعنا أن نبتكر مصطلحاتٍ مختلفةً حتى لا نقع في الإلف والتعود، المهم هو إظهار حسن نوايانا، وصدق مشاعرنا وأفكارنا، فمثلًا يمكن أن نستخدم كلمة “التسامح” كمعنى مرادف لمصطلح “الحوار”، ولكن البعض لا يحبذ هذا، حيث يرون أن كلمة التسامح تستدعي معنى أن المخاطب يحمل أفكارًا ومعتقداتٍ خاطئةً، ويقوم بتصرفات وسلوكيات منكَرة أرغمكم على تحمّلها، وكأن الطرف المقابل يقدم لكم الأشواك، فتسامحونه وتقدمون له الورود، وهذا يعني ضمنيًّا اتهام الآخر وإهانته.. على كل حال، يجب ألا نتعلق بالكلمات ونتوقف عندها، وما عليكم إلا أن تراجعوا أقوالكم مرة أخرى، وتعملوا على إيجاد تعبيرات أكثر براءة وليونة.

فمثلًا يمكن استخدام عبارة “احترام الإنسان أيًّا كان موقعه” بدلًا من كلمة “التسامح”؛ لأن هذا التعبير ينطوي على فكرة أن كل إنسان جدير بالاحترام أيًّا كانت رؤيته العالمية وفلسفته الحياتية، وبتعبير آخر: هو احترام إنسانية الشخص الذي نخاطبه؛ لأن كل إنسان تكمن في داخله مجموعةٌ من القيم، وقد لا يستطيع البعض الكشف عن هذه الطاقة الكامنة في داخله، ولكن لا ننسَ أن الإنسان هو صنعة الله، فلا بد من إبداء الاحترام لهذا الصرح الذي وصفه خالقه بأنه على “أحسن تقويم”، فإن احترام الإنسان يعني من ناحيةٍ ما توقير الخالق جل وعلا.

ويمكن أن نستخدم إلى جانب ما ذكرناه تعبيراتٍ مختلفةً أخرى مثل: إقامة جسور الصداقة، والتوافق على القواسم المشتركة، المهم هو الحفاظ على المبادئ الأساسية، وعدم خروج المسألة عن إطارها الأساسي، أو انتزاعها من أصولها وتناولها وكأنها فكرة إبداعية.

   تأمين سلامة خط السير

وعلينا أن نختار بعناية شديدة المفاهيم والمصطلحات التي نستخدمها ونراعي الفروق الدقيقة بينها كما يفعل علماء أصول الدين، حتى لا نسمح بسيطرة الأوهام والمخاوف غير المبرَّرة على العمل الذي نقوم به، فلا ينبغي لنا أن نضايق أحدًا مهما كان دينه وديانته وتصوره وفكره بالمصطلحات التي نستخدمها والأنشطة التي نقوم بها، بل نحدّد محيط العمل وإطاره بشكل صحيح، ونبيّن ذلك للآخرين، وعند الشروع في العمل نحدد بداية أدواتنا ومستلزماتنا، ونؤكد عليها فيما بعد في كل مكان، سواء عند التحدث من وراء الأبواب المغلقة أو أمام الحشود في القاعات الكبيرة، ونتجنب من الخطابات تكدّر أذهان الذين يتعاملون مع المسألة بنقاء وحسن نية، أو ما يمكن لأصحابِ النوايا السيئة أن يسيئوا استعمالها؛ حيث يجب أن تنعكس نوايانا السليمةُ وأهدافُنا المستقيمة على أسلوبنا، وأن نضع خطابًا مشتركًا نكرّره حيثما كنا في حلنا وترحالنا، فرغم كل شيء هناك من يتحيّن الفرص لإلقاء التُّهَم عليكم والإيقاع بكم، فما يقع على عاتقنا هو أن نتوخى الدقة العالية عند تناول المسائل التي نطرحها، أما الباقي فعلى الله جل جلاله، فلا دخل لنا في النتيجة.

فقديمًا جعلوا حراسَ الليل يلاحقون بديع الزمان سعيد النورسي وطلابه الذين نذروا أعمارهم لخدمة الإيمان والقرآن، ولم يكتفوا بذلك بل استعانوا بعناصر الشرطة والاستخبارات للقيام بملاحقة هذه الزمرة قليلة العدد آنذاك، فما بالكم بحركة مفتوحة على العالم؟! مَن الذي سينهض لملاحقتها وكيف؟! فاسمعوا وعوا، وضعوا كل هذا في اعتباركم! فمهما كان قدر السلام والأمان الذي تبحثون عنه فإن البعض قد صنعوا قوالب معينةً تتوافق مع معاييرهم الذاتية وعوالمهم الفكرية، ووضعوكم فيها، فإن لم تأخذوا بعين الاعتبار وجودَ هؤلاء الناس الذين يتحركون انطلاقًا من أوهامِهم وجنونِ العظمة الذي يستولي عليهم، ولم تعدّلوا حركاتكم وخطاباتكم وفقًا لهذا فلن يعترفوا لكم بحق الحياة.

وقد يتحرك البعض على هواه ويفعل ما يحلو له، ولا أحد يعترض عليه أو يبالي بوجوده ما دام كيانًا صغيرًا أو لا يمكن أن يشكل تهديدًا لهم، حيث إن أصحاب النوايا السيئة لا يعترضون إلا على من يتوجسون منه خيفة فحسب، وهكذا يجب أن نضع في اعتبارنا كل هذا من أجل تأمين سلامة طريق السير.

ربما تسيرون في الطريق الصحيح، ولا تبتغون شيئًا سوى رضا الله، وتُقسِمون على العمل على إزالة الكدورات التي تعلق بوجه الإسلام المنير، وتبتكرون أفكارًا جميلةً تعود بالخير على الأمة والإنسانية، وتبذلون كل التضحيات حتى تعيش الإنسانية في أمن وسلام، ولكن كل هذا وحده لا يكفي، فلا بد إلى جانب هذا مراعاة مشاعر الآخرين وأفكارهم، ولا تنسوا أن من وظيفتكم التعبير عن أنفسكم بشكل صحيح أمامهم، وإزالة كل خوف أو قلق قد يعتريهم، وإعلامهم بالماهية التي أنتم عليها، والطريق الذي تسيرون فيه، والأهداف التي تركضون وراءها.

وكذلك من الأهمية بمكان الردّ بأجوبة مناسبة مُقنعة على الافتراءات والادعاءات التي يطلقها الآخرون بدوافع معينة من أجل النيلِ من الأرواح المتفانية التي تسعى للخدمة في سبيل الله، وعلينا أن نعلن للجميع أننا نعمل من أجل إحياء القيم الإنسانية، وأننا ننظر إلى هذا على أنه أمرٌ يفرضه علينا منهجنا العقائدي، بل يجب أن نقول: إننا إذا لم نهيئ جوًّا من المحبة بين الناس فسنُسأل عن ذلك أمام الله، فنحن على يقين بأن الله تعالى قد جعل هذه الدنيا طريقًا للسير إلى السلام الأبدي الذي لا يتأتى الوصول إليه إلا بالقيام بمسؤولياتنا في هذه الدنيا، ولا همّ لنا سوى ذلك.

   إقامة جسور الحوار

من أكبر المشاكل التي تواجهنا اليوم الصراعُ والاستقطابُ، فقد بات الناسُ الآن ممزَّقين مقسَّمين إلى أحزاب متنوعة، وطوائف مختلفة، وأيديولوجيات شتى، وأخذ الجميع يسلك الطريق الذي يحلو له، وليس من اليسير قطعًا في مثل هذا الجو وضعُ المسائل في مدار معين دون إزعاج أحد، ولكن ما يقع على عاتقنا هو إقامة جسور الحوار بين الناس، وتهيئةُ أجواء الصلح، من خلال استغلال كل وسيلة لا حرج في استخدامها شرعًا، فمثلًا من المهم للغاية للقيام بذلك أن نجعل القيم الديمقراطية جزءًا من فطرتنا وطبيعتنا، وأن نؤيد الديمقراطية ونستغل كل إمكاناتها، مع إضفاء صبغتنا ونسيجنا عليها، وبدهي أن ينزعج شرذمة قليلون من هذا التصرف، ولكن كما ذكرنا سابقًا ليس بالمستطاع إرضاء الجميع، فلا يصح ألا نكترث بمثل هذا النظام الذي حاز استحسانًا وقبولًا لدى الرأي العام.

من جانب آخر فإن السبيل إلى التعبير عن أنفسنا بشكل صحيح، والتحاور مع شتى شرائح المجتمع، ومدارسة المشاكل الإنسانية المشتركة؛ هو تنشئة أنفسنا تنشئة سليمة، فلو كنا نعرف الآخرين جيدًا، ونخاطب عوالمهم الفكرية، ولا نقصِّر في احترامنا لهم؛ فإن هذه المبادرات النافعة المبذولة لصالح الإنسانية ستؤتي أكلها يومًا ما، وكثيرًا ما شهدنا أمثلة لذلك حتى الآن.

وثمة أمر آخر يستدعي الانتباه هنا وهو ألا نتعامل بالمثل مع هؤلاء الذين نُجري حوارًا معهم لمجرد أنهم نقضوا العهد والاتفاق الروحي بيننا وبينهم وألحقوا بنا الأذى، بل لا بدّ من الصبر عليهم عملًا بقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (سورة النَّحْلِ: 16/126).

فما يقع على عاتقنا هو إيثار طريق الخير والفضيلة، وتحاشي المعاملة بالمثل، وقد تأتي الأزمة تلو أخرى، فلا بد أن نردّ على الاتهامات الموجهة إلينا من أجل تصحيحها وتوضيحها، مع تجنب الشدة والعنف في رد الفعل.

   المداومة على الحوار

وعليكم أن تستحدثوا سبلًا أخرى من أجل إقامة حوار دائم مع شرائح المجتمع المختلفة، تارة تدعونهم لتناول الشاي وتارة أخرى تذهبون أنتم إليهم، وفي هذا الصدد استعينوا بكل الوسائل المتاحة لكم، واستخدموا كل السبل الممكنة أمامكم، فإن كانوا يشعرون بعدم الارتياح من وجود بعضكم فواصلوا الطريق بواسطة أناس آخرين لا ينزعجون منهم، وقدِّموا على أنفسكم كلَّ من له دراية بثقافة مخاطبيكم وعالمهم الفكري، فـ”شأن الحقّ عالٍ وسامٍ لا يُضحّى به بأيّ شيءٍ كان”[1]، المهم هو أن تجلسوا وتتذاكروا الأمر معهم، وتبينوا لهم أنكم تقفون في نفس المكان ولم تتغيروا، وأن قلوبكم تنبض كما تنبض من قبل ولم تتبدل مشاعركم، فطالما ظللتم بعيدين عن مخاطبكم لن يكون بوسعكم التعبير عن أنفسكم له، وسرعان ما تُنسى الجماليات التي يعلمها مخاطبكم عنكم، ولذلك عليكم بالإصرار على الحوار، واستنفاذ الطاقات من أجل الحفاظ على علاقتكم مع طوائف المجتمع المختلفة.

ومع أن الحرص والإصرار صفتين منكرَتين في الأمور الدنيوية المادية؛ إلا أنهما محمودتان في مثل هذه الأمور الخيرة، ولو نظرنا إلى الحياة السنية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسنلاحظ أنه كان يبذل جهدًا غير عادي في هذا الشأن، فمن يدري كم مرة ذهب فيها إلى أبي جهل ليدعوه إلى الإسلام، ولا نبالغ إذا قلنا إنه ذهب إليه خمسين مرة، فعليكم أن تواصلوا الحوار مع شتى طوائف المجتمع بالقدر الذي تسمح به إمكاناتكم، وعلى كل من نذر نفسه للخدمة الإيمانية والقرآنية أن يعدّ نفسه مسؤولًا عن هذا الأمر، وما علينا إلا أن نصرّ على تبليغ الحقائق بالأسلوب والطريقة المناسبة التي لا ينشأ عنها ردّ فعل مخالف، أما مسألة القبول من عدمه فهذا شيء يتعلق بهم.

ولا ينبغي أن تحول الأفكارُ المختلفة والمقارباتُ المتنوعة من إقامة الحوار، فمن الممكن تناول هذه الخلافات بهدوء شديد دون التقصير في احترام كل إنسان أيًّا كان موقعه، ودون الوقوع في الخلاف، فليس لأحد أن يرى نفسه فوق الآخرين، ولا أن يترك مثل هذا الانطباع فيهم، ولا أن يتكبر أو يتباهى بل يتواضع ويخضع، كفانا ما أنجِز حتى اليوم من دون مهنية أو حرفية، ولنتناول الأمر من الآن بشيء من الاحترافية، ونتحرى الجدية في التمثيل والتطبيق بقدر ثقل أعباء الرسالة التي نحملها، ونتعامل مع القضية بنهج نبوي، ونُحسن تنشئة المشتغلين بهذا الموضوع، ونتعامل بحكمة مع هذا الأمر، مع الالتزام بالقيم الإنسانية وتحاشي ارتكاب الأخطاء، فمن الوقاحة أن نعلّق هذا الأمر الكبير على أفكار بسيطة ساذجة.

   هل لديكم شكّ في قيمكم؟!

لا ينبغي للمؤمن أن يخشى من الحوار، ولا أن يقلق من الخسائر، ففي الحوار نوع من التنافس بين القيم من ناحية ما، فلو أنكم ترتابون في قيمكم فهذا يعني أن إيمانكم بالله ضعيف، ولو قلتم: “إننا سنتأثر سلبًا إذا خالطنا هؤلاء أو أولئك، وسيعود هذا بالضرر على ديننا”، فهذا يعني أن لديكم مشكلة في الثقة بدينكم الذي تمثلونه؛ إذا كنتم توقنون أن قيمكم هي الغالبة والرابحة في سوق القيم فلا مبرّرَ إذًا للخوف من إجراء الحوار مع الآخرين، وإن كنتم على ثقة من أنكم بمصافحتكم الآخرين واحتضانكم لهم ستنتقل جمالياتكم إليهم وتستفيدون أنتم كذلك من جمالياتهم فلا داعي إذًا للخوف من الحوار معهم.

ولو أنكم جعلتم من صدوركم فسطاطًا تحتفون فيه بالآخرين، فسترون صدور الآخرين قد فتحت لكم واحدًا تلو الآخر، فهل يمكن وصفُ هذا الأمر بالخسارة؟! افتحُوا قلوبكم للعالم قدرَ ما تستطيعون؛ لأن من سيتسلّلون إلى قلوبكم سيتعرفون في الوقت ذاته على الجماليات التي لديكم، وحتى وإن لم يتقبّلوها فلن يقصروا في احترامهم لكم، وإن لم يفعلوا فسيتورعون -على الأقل- عن إلحاق الضرر بكم، فمثل هذه الأشياء ستقضي على الحدة والعنف لدى الأجيال القادمة، وتُنهي الصراعات والنزاعات، وتسد الفجوات بينكم وبينهم، ولا شك أن كل هذا يُعد بحد ذاته نصرًا مؤزرًا، فمن الأهمية بمكان أن يتكاتف الناس ويتساندوا فيما بينهم، وأن يسيروا مع بعضهم البعض في طريق واحد، وأن يتشاركوا في ماراثون واحد، وأن يتصدّوا معًا للمشاكل التي تعترض الإنسانية، فلو استطعتم أن تنثروا بذور الحب والاحترام في قلوب الناس وأن ترسخوا فكرة التعايش مع الآخر؛ فستنالون رضا ربكم وتتسببون في سعادة نبيكم صلى الله عليه وسلم.

 قد يختلف الطرف الآخر معكم في نمطِ معيشتكم وطبيعةِ عقيدتكم ومشاعركم وأفكاركم، فلربما كانوا يعيشون في دنسٍ وفجور، ويخرج من بينهم مَنْ يتطاولون على قيمكم التي تؤمنون بها، ويلحقون الضرر بكم بأقوالهم وأفعالهم، إلا أن سلامة نواياكم واستقامة أهدافكم هما ما سينقذكم من هذه المواقف التي نعتبرها نوعًا من أنواع عموم البلوى، فإذا كنتم ستجنون بعض الفوائد من خلال علاقتكم بهم، وستتغلبون على بعض الأضرار من أجل منفعة الإنسانية فليس لكم أن تكفّوا عن الحوار، لأنهم إذا خالطوكم فسيفهمون أحسن وأكثر بعض الأشياء من خلال مجالستكم، وسيدققون النظر في سلوكياتكم وتصرّفاتكم، وبناءً على هذا سيصبحون على دراية أكثر بالقيم التي تؤمنون بها، فإن لم يتقبّلوها فسيكونون على الأقل قد تعرّفوا عليها بشكل صحيح، ولو كانوا يحملون أحكامًا مسبقةً تجاهكم فسيتخلصون منها، ويعرضون عن عداوتكم، وبذلك يمكن القضاء على الصراعات والنزاعات المحتملة في المستقبل، وهذا هو ما يجب أن يحوز على اهتمامنا.

من جانب آخر لا تنسوا أننا نعيش عهدَ الفترة من ناحية ما؛ فمع الأسف ما عاد الإسلامُ يُبلَّغ للناس بشكل سليم، ولا يُمثَّل كما ينبغي، وليس لدينا شيء يدعو إلى المصداقية، وليس منطقيًّا في هذا الجو أن نعتقد أن الآخرين سيأتون إلينا حيث كنا، فيستمعون إلينا ويعقلون، ولذلك يجب أن نذهب نحن إليهم دون أن نصنّفهم إلى فئات مختلفة بحسب نظرتهم للدين وموقفهم نحونا، بل نعمل على تطوير علاقتنا بالجميع، ونحترم كل إنسان على اعتبار أنه إنسان قبل كل شيء، بل ولو كان ثمة قصور فعلينا أن نعزوه إلى أنفسنا، ونسائل أنفسنا قائلين: لماذا لم نبذل الجهد المطلوب حتى الآن للتعبير عن أنفسنا؟! ولماذا لم نتزود بالمعدات اللازمة؟! ولماذا لم نقم بالتمثيل كما ينبغي؟!

حاصل القول: نظِّموا هجراتٍ إلى كل أنحاء العالم، دون أن تلتفتوا إلى الأشياء التي يقولها الناس المحكوم عليهم بالسطحية وضيق الأفق، ودون أن تعبؤوا بالصعوبات التي ستواجهونها، بل واعتبِروا كلَّ مكانٍ تذهبون إليه هو أرضكم ووطنكم، فانثروا البذور بلا توقف، فالأرض وفيّة مخلصة، وسترون يومًا ما أن هذه البذور قد أينعت، وتبرعمت، وأثمرت، قد لا يكون حصادها وجنيُها من نصيبكم، فليس هذا مهمًّا؛ لأنكم ستؤجرون على نواياكم وهجرتكم وعملكم، وليحصدها بعد ذلك من يحصدها.

أنتم مسؤولون عن القيام بكل ما يقع على عاتقكم، ولا بد أن وجه العالم سيتغير حالما يتعرف الآخرون على جمالياتكم ويفهمونها تمامًا، فلو كنا فكّرنا ودبّرنا من قبل، وأرسلنا خمسة أو ستة ملايين شخص إلى كل أرجاء العالم، فأرشدناهم، ودللناهم على الطريق الصحيح، ووجدنا لهم فرصًا للعمل هنالك؛ لتغير وجه العالم اليوم ولصار على خلاف ما هو عليه.

***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: السيرة الذاتية، ص 117.

تنشئة رجال العلم العاشقين للحقيقة

Herkul | | العربية

أعتقد أن المسلمين لم يكونوا قط بهذا القدر من انعدام الأفق، والافتقار إلى الغاية، والتشرذم، والأنانية.. لقد صاروا جماعات مشردةً لا تحيطهم عناية، ولا تشملهم رعاية، كل منهم ينزع إلى تيار وأيديولوجية مختلفة، وكما يقول شاعر الإسلام محمد عاكف:

إن لم يجد الوطنُ معينًا ونصيرًا فحقيقٌ به أن يموت غريقًا

فذُدْ عنه واحمِه كي لا يجد الغرقُ له طريقًا

لكننا مع الأسف لم نشمله برعايتنا ولم نحطه بعنايتنا حتى الآن؛ لأن القائمين عليه لم يحملوا هذا الهم، ولم تشغلهم هذه الفكرة، ولا يزالون على ذلك! بل وحتى تراهم ينظرون إلى كل جهود الآخرين ومساعيهم في هذا المضمار وكأنها نوعٌ من الاستعراض والمخاطرة التي لا جدوى منها، ويربطون كل المبادرات القائمة على مساعي الأمة بمسوغات يرفضها حتى منطقهم، ولا يكتفون بذلك بل يلفّقون ضدها التّهم والافتراءات التي لا أساس لها من الصحة، وإن الإنسان عندما يُفكر في هذه الصورة الحالية لا يستطيع أن يُمسك نفسه من الوقوع في الحزن والانكسار، وتسيطر عليه حالةٌ من الانفعال والاضطراب، ويختلُّ تناغمُ قلبه عندما يضع في اعتباره كل هذا الدمار الهائل.

إن الآخرين لم يدَعوا شيئًا لم يفعلوه في سبيل تنظيم العالم وتغييره، فمن جانب درسوا الطبيعة ودقّقوا النظر فيها، وأظهروا تطوّرات مذهلةً في شتى ساحات العلوم والفنون، ومن جانب آخر جعلوا الجميع -من إفريقيا وحتى الشرق الأقصى- عبيدًا لهم، فمسخوا من يمكنهم مسخه، وقهروا من يقدرون على قهره، واستعمروا من استطاعوا أن يستعمروه، واستعبدوا من قدروا أن يستعبدوه.. أما نحن فقد تجاهلْنا كلَّ هذه الفجائع والفظائع، والواقع أنه من الصعب حتى أن نصِفَ ردَّ فعلِنا هذا بالانفعال الصامت، فلقد استغرقنا في عدم الاكتراث، واللامبالاة، وظللْنا ساكنين بلا حراك طالما لم تقترب النار من بيوتنا، وكأن تلك العبارة الأنانية التي تقول: “ما لنا والحريق؛ ما دام بعيدًا عنا”؛ أصبحت منهجَ حياتنا.

إن مثل هذه الأفكار التي يطلقها أناسٌ ذووا أفقٍ ضيق؛ لا أصل لها ولا نسب؛ وذلك أنها لا تنتمي إلى جذورنا الروحية والمعنوية، ولا تتغذى عليها، ولا تمتّ إليها بصلة؛ والأساس أن المؤمن يحترق بالنار أينما اندلعت، ولا يُتصوَّر منه أن يقف صامتًا بلا حراك أمام تلك النار لا سيما إذا كانت تحرق أطلس عقيدته وعالم قيمه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الشريف: “مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ[1].

   قحط الرجال

كان القدماء يعبرون عن ندرة الرجال العظماء بـ”قحط الرجال”، وهذا هو الواقع بالفعل في أيامنا؛ فلا وجود الآن لأصحاب الأفق الرحيب، وقلّ كذلك أن تجد أصحاب الأرواح العالية الذين نذروا أنفسهم لغاية سامية؛ حيث لا توجد بيئة ثقافية مواتية لتنشئة مثل هؤلاء الأشخاص.. وإن ما دفع بـ”نظام الملك” لإنشاء المدارس النظامية في عهد السلاجقة هو الرغبة في تنشئة أناس متمرّسين مؤهّلين، والحقّ أنه قد نشأ في هذه المدارس الكثير من المتميّزين، ولقد كان ذلك العهد مباركًا للغاية، وفي العصور التالية راح الناس يُقبلون على دراسة الأوامر التكوينية والتشريعية، لكن توقّف الأمر بعد مدة ما نظرًا لبعض العوامل الخارجية مثل هجمات المغول والحملات الصليبية، إلى جانب حالة الفوضى والاضطراب التي استولت على ديار المسلمين، ولم يتمكنوا من استعادة القوة مجدّدًا، واليوم أيضًا أصبح من الصعب أن نتكلّم عن وجود بيئة فكرية علمية مواتية لتنشئة أناس مؤهلين على معرفةٍ بعصرهم ودنياهم.

ولا داعي لإساءة الفهم هنا؛ فإننا لا نستهين بالأعمال والدراسات التي تُجرى الآن في ساحات العلوم المختلفة، ولكن قيام رجال العلم بأبحاث تتعلّق بمجالهم وتحريرهم مؤلفات تتماشى مع ساحاتهم شيءٌ، وقراءة الكون قراءة صحيحة، وتأسيس علاقة بين الإنسان والكون والرب سبحانه وتعالى، والقيام بما يلزم وفقًا لمتطلبات العصر شيءٌ آخر.. فمثل هذه الأمور تتطلب تجهيزًا مميّزًا وأفقًا مختلفًا، وليس من اليسير تنشئة وتربية مثل هؤلاء الناس، فعدد هؤلاء وإن كان قد بلغ الآلاف في العصور الأولى للإسلام فقد قلّ تدريجيًّا في العصور اللاحقة.

فما يقع على عاتقنا الآن هو إيقاظ شعلة الحماس وحبّ الاستطلاع لدى الناس، وغرس الأفكار والمثل العليا في نفوسهم، ومكافأتهم على نجاحاتهم، وتهيئة البيئة المواتية لتنشئة أناس ذوي أفق رحب وجاهزية فائقة. أجل، ينبغي لنا تنشئة أناس يزاولون أعمالهم العلمية والفكرية في نشوة تشبه نشوة العبادة، موقنين أن هذا سيصل بهم إلى رضا الله تعالى، وإلى صحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإلى إحراز النعيم الأخروي، ومن ثمّ يعتزمون على تحويل الدنيا إلى جنة للوصول إلى هذا الهدف.

   إعادة دراسة الكون بمنظور جديد

من جانب آخر إذا تمّ تناول المسألة بجانبها المادي والدنيوي فقط، ولم يرتبط عشق البحث والعلم بغاية سامية؛ فستتعثر هذه الدراسات وتتوقّف عند نقطة معينة، ولو أن الإنسان قصر نظره على الأوامر التكوينية فقط ودرس قوانين الطبيعة بشكل جيد؛ فلن يستطيع أن يتجاوز حدود مذهبَي الوضعية والطبيعية، ولو حدث ذلك فستظل مساعيه ناقصة في البحث عن الحقيقة، الأصل والأهم هو الوصول بعشق العلم إلى أعلى المقامات، ودراسة الأوامر التشريعية والتكوينية على حد سواء؛ لأن الوصول إلى الله مرتبط بهذا، فلو أوقفتم أطلس فكركم على هذا البعد فستحظون بألطاف الله وإحساناته المتنوعة في الآخرة.

وكما ذكرنا في مناسبات عديدة فإن الغربيين قد قطعوا مسافات كبيرة في العلم والتكنولوجيا من خلال سبر أعماق الأشياء والحوادث، وليس بالإمكان تجاهل مثل هذه الأعمال والدراسات التي قاموا بها، ولكن لأنهم يجهلون معرفة الله بذاته وصفاته وأسمائه تعلقوا بالأسباب وتوقفوا عندها، ولم يستطيعوا تجاوز حدود المذهب الطبيعي، بل أخذ البعضَ منهم العزةُ بالإثم فراحوا -والعياذ بالله- يؤلّهون الأسباب التي خلقها الله تعالى لحكم كثيرة. أجل، قد تبدو هذه الأسباب هي الفاعل، ولكن ليست هكذا في الحقيقة، لأن الفاعل الحقيقي الذي خلق وأوجد وأبقى على وجود ما أوجد؛ هو الذات الأجل الأعلى صاحب القدرة المطلقة، والإرادة النافذة، والمشيئة التي لا منتهى لها.

لن يستطيع العلم أن يتخلص من مخالب الوضعية والطبيعية والمادية ما لم يشارك المؤمنون في الدراسات العلمية، وسيضطر المسلمون أيضًا إلى تقبّل المنطق العلمي المفروض عليهم باسم العلم، فضلًا عن ذلك سيلقِّنون هذا المنطق لطلابهم المسؤولين عن تعليمهم وتربيتهم في دور العلم، وستعمل كذلك مختبراتهم ومراكزهم البحثية وفقًا لهذا المنطق، ومن ثم لن يستطيعوا التخلّص من التقليد، ولا الحفاظ على ذاتيتهم.

فللأسف بدأ التدهور يدبّ في أوصال الحياة الفكرية والعلمية منذ القرن الخامس الهجري، وبعد مدة معينة أصبح المسلمون وكأنهم يمشون نيامًا، ولكن مع ذلك يمكن القول بوجود نوع من الصحوة في زماننا الحاضر؛ حيث ظهر بعض العلماء من أمثال بديع الزمان سعيد النورسي؛ ففتحوا آفاقًا فكرية جديدة، وابتكروا مناهج مختلفة لقراءة الكون.. انطلاقًا من هذا باتت الحاجة ملحّة للكشف من جديد عن ماهية الأسباب، والتعريف بمسبب الأسباب سبحانه وتعالى على الوجه اللائق، والتعريف بالوظيفة الأساسية للإنسان بشكل صحيح، وتأسيس العلاقة بين الإنسان والكون والرب سبحانه وتعالى على نحو سديد.

   بالتشجيع تنمو المهارات

وهذا يتوقّف على تهيئة بيئة علمية مناسبة، وتوجيه الناس إلى العلم، ومكافأتهم على نجاحاتهم، وفي الحقيقة فإن أعظم مكافأة هو أن يكون العلم وسيلة إلى المعرفة، والمعرفة وسيلة إلى المحبة، والمحبة وسيلة إلى رضا الله عز وجل، ولذلك يجب توجيه الناس بدايةً إلى هذه الأهداف السامية، وإلى جانب ذلك لا ينبغي إغفال الجانب المادي؛ فبحسب التعبير المتداول: المهارة تنمو بالمدح والثناء والمكافأة.

وكثيرًا ما كنتُ أعترضُ على هذا الكلام؛ لأن الأساس أن يكون المدح والثناء تابعًا للمهارة؛ أي لا ينبغي أن تتوقّف الأعمال على أي مقابلٍ سوى رضا الله عز وجل، ولكنني بعد ذاك اقتنعتُ بأنَّ الناسَ ليسوا جميعًا على هذه الدرجة من الفضيلة، ولا يسدّد جميعُهم النظر إلى مثل هذا الهدف، ولا يكون رضا الله عز وجل هو الأساس الأول عندهم؛ ولهذا لا بدّ من تشجيعهم على الدراسة والبحث والإنتاج بالمكافأة والدعم والتقدير، فلا يغِبْ عن بالنا أن الأكثرية في حاجة إلى مثل هذا الدعم والتأييد، ولو جاز التعبير يجب توصيل أصحاب المواهب والقدرات بدينامو لشحنهم وشحذِ طاقاتهم؛ ابتغاء تحريكهم وإثارة حماسهم.

للدعم المادي والمعنوي أهمية بالغة في قراءة الأوامر التكوينية قراءة صحيحة، وفي الوصول إلى الأفكار الصحيحة والإستراتيجيات السليمة، والارتقاء بالعلم المتوارث من السلف إلى مكانةٍ أعلى وأسمى، وفتح آفاق جديدة للعلم والدراسة، وتهيئة بيئة مواتية لأن يفكر الذين يأتون بعدنا بشكل أعمق وأكبر.. فإن الأفكار المرهونة بالأيديولوجيات والعلمانية والأنانية لا تجدي نفعًا، المهمّ هو توجيه الناس إلى الأهداف السامية من جانب، وتزويدهم بجميع أنواع الدعم من جانب آخر، فلو أنكم أعددتم البيئات المناسبة لهذا الغرض وقمتم بالمسؤوليات الملقاة على عاتقكم؛ فسينشأ على أيديكم أناس على أعلى المستويات من الأهلية والجاهزية والقدرات، فإن لم تفعلوا صار من المتعذّر عليكم تنشئة رجالِ علمٍ عاشقين للحقيقة، وظللْتم دائمًا عند النقطة التي تقفون فيها لا تبرحونها ولا تتقدمون إلى الأمام.

***

[1] الطبراني: المعجم الأوسط، 1/151؛ الحاكم: المستدرك على الصحيحين، 4/365.

الابتلاءات الخفيّة

Herkul | | العربية

الابتلاءات في الحياة الدنيا أنواع شتى؛ بعضها بيّن واضح، والبعض الآخر خفي نسبيًّا، ومن المسلَّم به أن الله لم يحمِّل الإنسانَ ما لا طاقة له به، ولكن قد يُبتلَى الإنسان بأمورٍ يجهلها ولا يعيها منذ الوهلة الأولى، فمثلًا قد يقوم بعمل صالح جميل، فيجثم على عالم خياله وتصوّره دخانٌ وضبابٌ، فلا يلبث إلا أن يسوقه نجاحُه إلى الكبر والغرور، وعند ذلك يحبط عمله وتنقطع بركته؛ لأن الإنسان إذا وضع في ذهنه فكرة أنه هو الذي خطّط وفعل ونجح؛ فقد أحبطَ كلّ عمله، وإنَّ عزْوَ الإنسانِ عملَه إلى نفسه، واعتباره ذلك العمل أثرًا من آثار عبقريته؛ إنما هو فكرة تنطوي على الشرك الخفي، لأن إبراز الأنانية دائمًا بمثابة دوامة لا تلبث أن تجر الإنسان -دون وعي منه- إلى الكفر والضلال.

ومن ثمّ فمَن يرغب في الابتعاد عن مكائد النفس والشيطان ودسائسهما فعليه أن يضع في ذهنه أنه إنسان بسيط، حتى ولو تحققت على يديه أعظم الإنجازات، وارتقى بالإنسانية إلى السماء، وطاف بها بين الكواكب والنجوم.. بل وعليه أن يقول: “عجبًا! هل يمكن أن يستخدم الله سبحانه وتعالى في مثل هذه الأمور العظيمة أناسًا عاديين من أمثالنا؟!”، وإن كان لا بدّ من تفسيرٍ معقولٍ لهذه الجماليات فلكم أن تنظروا إلى المسألة من منظور الحكمة الإلهية قائلين: إن الله تعالى يستعمل أناسًا صغارًا ضعافًا من أمثالنا في هذه الأعمال العظيمة حتى يعلن عن عظمة نفسه سبحانه وتعالى، ومن الواضح أنه لا حول لنا ولا قوة للقيام بمثل هذه الأعمال الكبيرة، إذًا فهذا كله يدلّ على عظمته سبحانه وتعالى ليس إلا.

وإذا ما وجَّهْنا النظرَ إلى كتاب الكون لألفينا الشيءَ نفسه، فقد خلق الله تعالى عوالم فيزيائية ضخمة من جزئيات صغيرة جدًّا، فمهما كانت الكائنات كبيرة الحجم فإنها تتكوّن من ذرات، وهذه الذرات هي الأخرى تتشكّل من إلكترونات ونيوترونات وبروتونات، وربما خلقها الله جل جلاله من جزئيات أصغر أيضًا تسمى بالكوارك (quark) والإيون والأثير أو غير ذلك من العناصر التي لا نستطيع تحديد ماهيتها وحقيقتها، ولذلك ينبغي النظر إلى خلق الأشياء الكبيرة من عناصر صغيرة للغاية على أنها قانون فطري أو سنة إلهية.

 ويعبّر الأستاذ سعيد النورسي عن هذا المعنى: “إذا أسند كل مخلوق وكل ذرة مباشرة إلى الواحد الأحد وانتسب إليه فعندئذ يهدم النمل صرح فرعون ويهلكه، ويصرع البعوض نمرود ويقذفه إلى جهنم، وتُدخل جرثومة صغيرة ظالمًا جبارًا القبر، وتصبح بذرة الصنوبر الصغيرة بمثابة مصنع لشجرة الصنوبر الضخمة ضخامة الجبل، وتتمكن ذرات الهواء أن تؤدي من أعمال منتظمة مختلفة للأزهار والثمرات وتدخل في تشكيلاتها المتنوعة، كل ذلك بحول الله وبقوة ذلك الانتساب”[1]، وكل هذه الأمور تدلّ على عظمة الله تعالى وقدرته اللامتناهية.

فإذا ما وضعنا هذه الحقيقة نصبَ أعيننا لا تسوقنا حتى أعظم الإنجازات والنجاحات إلى العجب والغرور، ولا تنسينا كوننا أناسًا بسطاء عاديين، ولنضع في اعتبارنا أن أعظم الفضل -على حد قول علي كرم الله وجهه- هو أن يكون الإنسان بين الناس فردًا من الناس، ولنتذكر دائمًا أن إعجاب الإنسان بنفسه، وعزوَه كل الجماليات إلى نفسه، وافتخارَه بنفسه وتمييزه لها عن الآخرين…كل ذلك أفكار شيطانية.

   التواضع ونكران الذات

لقد أحدث مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم ثورة عارمة في العالم بأسره؛ فهزم -كما يقول الشاعر الإسلامي محمد عاكف- القياصرة والأكاسرة في نفخة، وأنقذ الإنسانية في كرَّة، ورغم ذلك لم يتخل طوال حياته عن التواضع ونكران الذات، ذات يوم أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ، فَكَلَّمَهُ، فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ، فَقَالَ لَهُ: “هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ[2].

وكلما كان الحقُّ تعالى يعلن للكائنات كلها عن عظمة نبيِّه صلى الله عليه وسلم بألطافه وإحساناته كلما كان صلى الله عليه وسلم يزداد قربًا لربه، ويتّجه إليه بمزيد من الحمد والثناء، ويخفض أجنحة التواضع للإنسانية جمعاء، وفي الوقت ذاته لم يكن يتنكر لنبوته، وكيف ذلك؟! فهي المهمة الثقيلة الشديدة التي حمّلها إياه ربه! وهي من أركان الإيمان الأساسية، أما فيما سواها فكان يتورّع عن إظهار عظمته ومكانته، رغم أنه نبي الله الذي اصطفاه سبحانه لحمل دعوته، وعندما يُقبل عليه أحدٌ وهو بين الصحابة لا يستطيع أن يميزه بينهم بسهولة؛ لأنه لم يكن يختلف عمن حوله لا في ملبَس ومجلِس ولا في مأكل ومشرب ولا في حال وحركة.

وهذا هو معيار العظمة بالمعنى الحقيقي، أو لنقل كما ذكرنا كثيرًا في مناسبات متعددة: إن التواضع هو علامة العظمة في العظماء، أما التكبر فهو أمارة الصغر والدناءة عند الأصاغر والأدنياء.

من اليسير نسبيًّا أن نتحكّم في أنانيتنا عندما لا تلوح لنا في الأفق إلا نجاحات يسيرة، فما الذي يمكن أن تنسبوه لأنفسكم إذا كانت خدماتكم لا تزال عبارة عن رشحة صغيرة أو بصيص خافت من النور! أما إذا بدأت ألطاف الله تنهال عليكم زخًّا زخًّا فليس من السهل حينذاك أن تحافظوا على تواضعكم ومحويتكم؛ لأن خطر الوقوع في مستنقع الكبر والغرور يزداد أكثر فأكثر عند توجّه الناس إليكم وإقبالهم عليكم نتيجة ما قمتم به من أعمال منقطعة النظير، ولذلك فلا ننسَ أنّ نِعَمَ الله سبحانه وتعالى علينا هي في الوقت ذاته ابتلاءاتٌ يمتحنُنا بها.

ومن مقتضيات الفوز في هذا الامتحان ألا نعزوَ إلى أنفسنا ما حقّقناه من جماليات، وألا يغيب ربنا سبحانه وتعالى عن بالنا، ولنعْلَمْ جيّدًا أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلّبها كيف يشاء، فلو انفعل الناس في فترة ما للخدمة، وتحمّسوا لها، وهاجروا إلى كل أرجاء العالم للقيام بها فإنما هذا كله بفضلٍ من الله تعالى وعنايته، أما إذا استولت علينا فكرة الأنانية ونسَبْنا كلَّ شيء إلى تدبيرنا وتوجيهنا وفكرنا ومراجعتنا ونجاحنا؛ فسيسلب الله تعالى منا نعمه وأفضاله، فإن اقتصرت هذه الفكرة على مستوى الفرد فهي الأنانية الفردية، أما إذا تعدت إلى الجماعة فهي الأنانية الجماعية، بل يمكن أن نقول إنها “الشرك الخفي” كما جاء في الحديث الشريف.

   كل من عند الله سبحانه وتعالى

ولذلك فإن إعطاء الأولوية للأنانية هو عامل رئيس من عوامل السقوط، وحتى نتخلص من الأنانية الفردية لا بد أن نشير إلى (نحن)، ونمزّق الـ(أنا)، ولكن نظرًا لأن هذا أيضًا قد يوقعنا في الأنانية الجماعية فيجب أن نسحق (نحن) أيضًا تحت أقدامنا، ونشير إليه (هو) سبحانه وتعالى فقط، ولنعلمنّ أننا الفقراء إلى الله دائمًا، والله هو الغني الأحد الصمد الأجل الأعلى.

ومع ذلك فمن الصعب جدًّا في زمنٍ تستمرّ فيه خدماتكم، ويضخِّم فيه الإعلام أموركم، ويُقبل الناس عليكم بالمدح والثناء؛ أن تتحكموا في مشاعركم وأفكاركم، بناءً عليه يجب عليكم أن تلتزموا التضرّع إلى الله تعالى من أجل اجتياز هذه الصعوبات، متمثّلين بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم: “اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي فِي عَيْنَيَّ صَغِيرًا[3]، صفرًا لا قيمة له، فهذا هو السبيل الوحيد للحصول على ثواب خدماتكم في الآخرة، وإلا لن تنتفعوا في الآخرة بأي عملٍ اضطلعتم به من أجل منفعتكم الخاصة أو حساباتكم الشخصية.

وكما جاء في الحديث الشريف[4] فقد يخسر خسرانًا مبينًا مَن يتّكل على أعماله الصالحة عند مثوله بين يدي مولاه عز وجل، إذ إنها لن تنفعه بشي طالما لم تكن خالصةً لوجه الله، فالأعمال الصالحة مثل الجهاد، والاشتغال بالعلم، والوعظ والنصح، والإنفاق إذا لم تكن لله، بل من أجل النفس والأنانية، ولِيُقال عن فاعلها أنه جريء، عالم، قارئ، جواد؛ فإنها تتسبب -والعياذ بالله- في هلاك صاحبها.. فالذين يربطون أعمالهم الصالحة بالمدح والثناء والتقدير والتصفيق فإنهم يبيعون أنفسهم بثمن بخس؛ لأنهم لما أخذوا مقابل ما عملوه في الدنيا لم يعد لهم ثواب يرجونه في الآخرة.. ندعو الله تعالى ألا يجعلنا ممّن يربطون أجورهم بأشياء صغيرة تافهة، ولا من الذين يقضون حياتهم أسارى لمتع الدنيا الزائلة، ولا من الذين يركضون وراء الملذات العاجلة، ولا من الذين يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ حتى لا نتردى في الخيبة والخسران في الآخرة!

أجل، ينبغي للإنسان كلما زاد الله من فضله وعطاياه وأثمر أعماله وخدماته أن يتوجّهَ إلى ربه بنفس القدر ماحيًا ذاتيته، ويقفَ بين يدي مولاه محمَّلًا بثقل النعم، شاكرًا في قيامه وركوعه وسجوده، ويقابلَ تلك النعم بالحيرة والذهول على اعتبار أنه ليس أهلًا لها، ويقول دائمًا -كما قال الشيخ محمد لطفي أفندي-: “نعمة لم أكن أنا الحقير أهلًا لها، فما سرّ هذا اللطف والإحسان؟!”.

***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب العشرين، ص 312.

[2]  سنن ابن ماجه، الأطعمة، 30.

[3]  البزار: المسند، 10/315؛ الديلمي: الفردوس بمأثور الخطاب، 1/473.

[4] صحيح مسلم، الإمارة، 152؛ سنن النسائي، الجهاد، 22.

الصدق والوفاء

Herkul | | العربية

الصدق أولى صفات النبوة، وشعار مهم لعظمة من يأتون بعد الأنبياء مرتبةً، وقد لُقّب الخليفة الأعظم أبو بكر رضي الله عنه بـ”الصدِّيق الأكبر” بسبب صدقه، فما من باب إلا ويفتحه الصدق، وكما أن الصدق هو الذي أوصل محمدًا الأمين صلى الله عليه وسلم إلى كمالات أعلى عليين، فإن الكذب هو  الذي خسف بمسيلمة الكذاب إلى أسفل سافلين، وشتان ما بين الثرى والثريّا.

   الصدق مع الله جل جلاله

لا ريب في أنه يجب على المؤمن أن يتحرى الصدق مع الله تعالى بالدرجة الأولى، والصدق مع الله يعني الوفاء فيما يخص حفظ الأمانات التي حمّلنا إياها اللهُ سبحانه وتعالى، والابتعادَ عن الانحرافات والخيانات بجميع أشكالها مهما كانت صغيرة.

ولو أردنا مزيدًا من التوضيح، فيجب أن يكون الصدق مع الله دائمًا على النحو الذي يبينه الأستاذ “إبراهيم تَنُّورِي” بقوله:

ما أعذب البلاء إن كان من جلالِهْ!

وما أحلى الوفاء إن كان من جمالِهْ!

فكلاهما للروح صفاء

فما أحلى اللطف منه! ومنه ما أعذب القهر والابتلاء!

إن المؤمن الصادق مع الله لا يهجر الرضا والاطمئنان، ولا ينقطع عن الحمد والشكر ليس على نعمه تعالى وألطافه فحسب، بل وعلى الجفاء بكل أنواعه أيضًا، إنه يعلم أن الله يُعبَد لأنه المعبود المطلق والمقصود بالاستحقاق، وليس بُغية الانغماس في النعم، أو حتى دخول الجنة؛ فأداءُ الإنسان وظيفةَ العبودية للذات الإلهية عز وجل دون أن يرهن أداءه بأي شيء سوى رضاه تعالى أحدُ لوازم الصدق، لأن رضا الله جل جلاله ورضوانه مرتبة تفوق رؤيته تعالى والجنة ونعيمها، ناهيك عن متع الحياة الدنيا وزخارفها.

والمؤمن الذي استطاع أن يكون عبدًا صادقًا على باب الحق تعالى يشعر بالخزي والعار وينقصم ظهرُه همًّا وحُزنًا إذا زاغت عينه نحو الأغيار ولو لحظة واحدة، وينزعج أيَّما انزعاجٍ إذا اقتحمت عالم خياله فكرةٌ من قبيل “أتمنى لنفسي قضاء حياة دنيوية هنيئة في بيوت ذات حدائق تجري الأنهار من تحتها، وعيشة رغيدة في فيلات فاخرة…”، ولا يستطيع أن يوفِّق بين هذه الأشياء والصدق، بل إنه يتوجه إلى الله تعالى مرة أخرى مهمومًا لأنه لوّث عالم خياله، فيسعى إلى التطهر بالتوبة والأوبة والإنابة، وكما قُدِّرَ على الإنسان أن تزل قدمه ويسقط؛ فكذلك قُدِّرَ له أيضًا أن يقوم ويعتدل ويحرز أفق الصدق من جديد، فالله عز وجل واسع الرحمة واسع المغفرة، وحسبنا أن نُعليَ من همتنا، ونعيش بنية وعزيمة عدم التخلي عن الصدق والإخلاص.

   الصدق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

أما الصدق مع مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم فهو مرهون بمدى قدرة الفرد على أن يكون خادمًا صادقًا له ويتبعه ويسير في أثره صلى الله عليه وسلم دون استفسار أو سؤال عن أي فعل أو تصرف كان؛ تمامًا مثل أبي بكر الصديق رضي الله عنه. فبعد حادثة المعراج جاء المشركون إلى أبي بكر رضي الله عنه وقالوا له: “هَلْ لَكَ إِلَى صَاحِبِكَ؟ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ!”، فما كان من أبي بكر إلا أن قال لهم دون أيِّ استفسار أو تردُّد: “نَعَمْ، إِنِّي لَأُصَدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ فِي غَدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ”[1]، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، لم يكن سيدنا أبو بكر رضي الله عنه ساذجًا أو أحمقَ، ولكنه كان يمارس الصدقَ بحقٍّ في أعلى درجاته، وعند النظر في المشكلات العضال التي تغلَّب عليها في خلافته، يتبين كيف أنه يتمتع بدهاء شديد، بيد أنَّه كان يعرف جيدًا أين يستخدم عقله وقلبه ومشاعره، لقد آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ووثق به حقًّا وصدقًا حتى إنه لو كان صلى الله عليه وسلم طلب منه روحَه لما تردّد في بذلِها.

الصدق مع رفاقِ الدرب

وإلى جانب الصدق مع الله تعالى ومع رسوله صلى الله عليه وسلم يمكن الحديث أيضًا عن أنواع مختلفة من الصدق؛ كالصدق مع الدين، والصدق مع الغاية المثالية، والصدق مع رفاق الدرب، والصدق مع الأمة، وكلُّ واحدة من هذه الأصناف تستلزم مسؤوليات مختلفة، فمثلًا الصدق مع رفاق الدرب لا يُقاس بمدى ثنائنا عليهم وتفخيم منزلتهم، فحريٌّ بالناس أن يحرصوا على مساعدة أحبائهم والوقوف إلى جانبهم في كل زمان بدلًا من أن يمنحوهم مقامات ومراتب مغالية ومجاوزة للحد مثل الغوثية والقطبية.

والصديق الصدوق هو من يستطيع أن يأخذ بيد أخيه فيرفعه إذا زلت قدمه وانقلب على وجهه، ويزيل عنه ما يلطّخه ويدنّسه، ثم يقول له: “إنك في الحقيقة لستَ ممن يفعلون هذه الأشياء، إذن تتعرض لامتحان عظيم من الله تعالى”، ويسأل الله تعالى له العفو والصفح، وإلَّا فلا يمكن الحديث عن وفاء وصدق من يتخلى عن أخيه، ويغلق الأبواب في وجهه، ويُحكم غلقها دونه لمجرد خطإ واحد ارتكبه؛ بل السلوك اللائق بالصديق الصدوق هو أن يترك الباب مفتوحًا على مصراعيه لأخيه حتى في أسوإ حالاته، فإذا جاءه عانقه واهتم بأمره قائلًا له: “لماذا تأخرت؟، كم من الوقت قد مرّ وأنا أنتظرك؟!” وبهذه الطريقة يمكن الوفاء بحقّ الأخوة.

ومن لوازم الصدق والوفاء أيضًا ألا يتخلى المرء في الآخرة عمن قال في حقه: “أخي”، إن يأذن الله تعالى له فليأخذ بيده؛ أما من خاض بعضهم في حق بعض في الدنيا ببعض الأفكار السيئة، ورحلوا إلى الآخرة محمَّلين بها فيصعبُ للغاية أن يأخذ أحدُهم بِيَدِ الآخر، لذلك حذارِ أن نحكم على أي شخص انطلاقًا من خطإ ارتكبه، وأن نسمح بأن تنزلق في الوحل قدمُ أيِّ واحدٍ من إخواننا، وأن نغض الطرف كذلك عن معاناة من زلّت أقدامهم بشكلٍ ما، فيجب على الفدائيين الذين سلكوا الدرب نفسه وشاركوا الغاية المثالية نفسها أن يتسامحوا ويتصرّفوا بإخلاص مع بعضهم البعض.

أجل، إن للصدق جوانب متعددة، وكما أن الصدق يتمثل في ألَّا يقطع الإنسان صلته بصديقه بسبب معاصيه الشخصية، فمن لوازمه أيضًا أن يحاول المرء بأدبٍ تنبيهَ أخيه على الأخطاء والمساوئ التي يراها، وأن يعمل على تخليصه منها، ومن نماذج الصدق أيضًا أن يأخذ المرء بيد أخيه حين يكون على وشك الانحراف والضلال عن الجادة وأن يمنعه من الوقوع في ذلك، وألا يخطوَ المرء خطوة واحدة ضد أخيه مهما كان ما وُعِد به. بل إن الصدق والوفاء -كما ذُكر آنفًا- ليسا مقصورين على هذه الحياة الدنيوية فحسب، ومن دلالات الصدق والوفاء وأماراتهما أيضًا أن يفكر الإنسان بأخيه حتى وهو في المحشر وعند الميزان والصراط إذا قُدر وأُذن له بفعلِ ذلك.

وبحسب منقبة تعرفونها: إن أحد أولياء الله تعالى عبدَ ربَّه سنوات طويلةً، وتربّى على يديه الكثيرُ من المريدين، وكان كلّ مريد منهم يترقّى في المراتب حتى رأى المريدون أن شيخهم سُجِّل في سجل “الأشقياء” في عالم المثال، فتخلوا عنه جميعًا، باستثناء واحد، فسأله الشيخ: “لقد ذهب الجميع؛ فلماذا تنتظر أنتَ؟!” وهنا أجابه المريد: “ما دمنا قد نلنا الهداية على يديك، وأحرزنا مرتبتنا هذه بفضلك، فإنني أرى الصواب هو عدم التخلي عنك من الآن فصاعدًا!” هذا هو الصدق الحقيقي! فقال الشيخ وعلى شفتيه ابتسامة مُرّة: “يا بني، لقد رأيتُ هذا قبل أن يروه بأربعين عامًا، ولكن قل لي يا بني أهناك باب آخر أستطيع أن أطرقه؟!” وعلى أثر كلام الشيخ هذا اهتزت السماء وتغيّر ما هو في عالم المثال، وكُتب فيه من السعداء. إن منهجَنا منهجُ صدقٍ ووفاءٍ، علينا أن نكون صادقين أوفياء حقًّا بدلًا من أن يمنح بعضنا بعضًا المقامات والمناصب والدرجات العلى، إننا جميعًا عباد الله، أناس بسطاء عاديون، وإن أعظم غايتنا هو أن نكون أفرادًا عاديين بين الناس، لذا فعلينا ألا نبالغ في الحديث عن أحد، وألا نمنح أحدًا رتبًا ومقامات عالية من ناحية، ومن ناحية أخرى ألا نقصر في الصدق والوفاء تجاه بعضنا البعض.

   الصدق مع الأمَّة

أما بالنسبة لمقياس صدق المرء مع أمَّته فيكون بعمله على أن يجعلها عنصرًا مهيمنًا في التوازن الدولي، وركضِه كجواد دونما توقُّفٍ كي يعلي من شأنها، وعدمِ تشوّفه إلى أيّ شيء في مقابل هذا، فالإنسان الصادق مع أمته ودولته ومجتمعه لا يفكر ألبتة في أن يخصّ نفسه بشيء، ولا أن يستغلّ ما يمتلكه من إمكانات لحسابه الشخصي حتى وإن كان قد قدم تضحيات مذهلة في سبيل خدمتها؛ وإلا فمَن ينخرطون في الشعبوية، ويستغلون مناصبهم ومواقعهم لصالح اعتباراتهم الشخصية، ويفكرون في مصالح أحزابهم أكثر من الغاية المثالية للأمة -إنهم- في خيانة عظمى حتى وإن زعموا خدمة الأمة، ومن الصعب حقًّا على هؤلاء تحقيق أيّ نجاح، لأن ما يضطلعون به من أعمال وأفعال مجردٌ من الصدق والإخلاص، كما أن نتائج أعمالهم ستبوء دائمًا بالفشل والخسران حتى وإن بدوا شامخين مغرورين في مشيتهم؛ فالمهم هو قدسية العمل وعلوّ النية وصفاؤها، ورضا الله تعالى.

والأمر كذلك بالنسبة للصدق مع الدعوة المقدسة؛ فمعياره القدرةُ على مواصلة الركض بمشاعر التفاني والتضحية وعدمُ التشوف إلى مقابل، فالصادقون الذين تبنّوا الخدمة الإيمانية والقرآنية لا يلهثون ألبتة وراء أجرة ومكافأة، إنهم يبدؤون لله، ويعملون لأجل الله، ولا يتوسلون إلى أحد، ولا ينتظرون مقابلًا على ما قدموه من خدمات، ولا يحطّون من كرامتهم؛ فمكانتُهم وموقعُهم في الخدمة الإيمانية التي عشقوها هو على قدر صدقِهم وإخلاصِهم.

***

[1] الحاكم: المستدرك على الصحيحين، 3/65.

“المعوقات التي تعترض “روح التفاني

Herkul | | العربية

   سؤال: نعرف أن روح التفاني بمثابة الآلية الرئيسة للخدمة؛ فهل يمكن لكم أن تبيّنوا لنا المخاطر التي تهدد هذه الروح؟ وما طرق الوقاية منها؟

   الجواب: إن الإنجازات والنجاحات التي أنعم الله تعالى بها على الأرواح المضحية تستوجب مقابلتها بمشاعر التحدث بالنعمة، والعمل على شكرها؛ لأن الجماليات التي تحققت حتى اليوم على يد متطوعي الخدمة الذين انفتحوا على ربوع العالم تَفوق طاقتنا وإرادتنا.. إذ إن تحقُّق هذا يتطلب -في دائرة الأسباب- اجتماع العديد من العوامل كحماس التبليغ، وشعور التضحية، والمعلِّمين المؤهَّلين، ورجال الأعمال الأسخياء، والمصادر الكافية، والتخطيط، والمشاريع السليمة، وحسن الاستقبال والقبول في الأماكن المقبلين عليها، واجتماعُ هذه العوامل دفعةً واحدة أمرٌ صعب للغاية وفقًا لحسابات الاحتمالات.

لذلك يجب علينا توخّي الحذر من نسبة الفضل في تحقّق هذه الخدمات إلى أشخاص أو كوادر أو هيئات بعينها، ولا بد من نسبتها إلى عون الله تعالى وعنايته، فمثل هذا التصرف إقرار بالحقيقة، فضلًا عن أننا إذا ما نسبْنا النجاحات المحققة إلى دهاء بعض الأشخاص وبراعة تخطيطهم ومهاراتهم، نكنْ -كما عبر الحديث الشريف[1]– قد قطعنا أعناقهم، وقد لا يتسنى للجميع تحمّل هذا الأمر، فقد يسيء المرء الأدب وينسب الإنجازات والنجاحات إلى نفسه ناسيًا رحمة الله تعالى وعنايته، فيجب علينا ألا نؤلّه ولا نقدّس أحدًا، وخاصة في مثل هذا الزمان حيث تفشت الغفلة وسادت الأنانية كفرعون جامح.

ولا ينبغي أن نستنتج من كلامنا هذا ضرورة غضّ الطرف عن الأعمال الطيبة التي أنجزها الناس بما بذلوه من عمل وجهد كبير؛ بالعكس يجب علينا أن نصفّق لهم ونقدرهم ونحفّزهم ونكافئهم حسب استحقاقهم في ذلك، والأهم من هذا كله ندعمهم بأدعيتنا، فنبتهل إلى الله تعالى ونضرع إليه بالدعاء دائمًا: “اللهم ثبت أقدام إخواننا في الخدمة، ولا تضلهم عن السبيل، واحفظهم من الزلل والانحراف، وأنعم عليهم بالإيمان والمعرفة، وزِدْهُم عشقًا واشتياقًا!”؛ فهذا من مقتضيات الصدق والوفاء مع رفاق دربنا.

   أعظم الكرامات: الاستقامة

نشكر الله شكرًا كثيرًا أن تحققت خدمات تفوق الوصف في ساحة الإرشاد والتبليغ إبان فترة استقرّ فيها السيف المادي في غمده.. فقد تحمّلت القلوب المضحية صعوبات كبيرة من أجل إيصال القلوب إلى الله تعالى من جديد عبر إزالة العقبات التي تحول بينهم وبينه تعالى، فكان منهم من عمِل في بناء مؤسسات الخدمة كواحد من العمال، ومنهم من تقاضى أجرًا أقلّ من أقرانه بكثير، ومنهم من لم يستطع أن يتقاضى أجرًا شهورًا عديدة، ومنهم من لم يستطع زيارة أهله ووطنه لسنوات طويلة.. لا يمكننا غض الطرف عن كل هذا الجهد والسعي المبذول بصدق وإخلاص، ولا يمكننا أن نقابل بالكفر والنكران ألطاف الله تعالى التي تهطل علينا زخًّا زخًّا، فما كان لهذه الجماليات أن تتحقّق لو لم ينعم المولى جل جلاله علينا بروح التفاني وشعور التضحية، ولو لم يجعل الرحمن عز وجل وُدَّنا في قلوب مخاطبينا، فالشكر والمنَّة لله رب العالمين.

وبما أن روح التفاني هي الآلية الرئيسة للخدمة فالأهمُّ هو التمكن من الإبقاء على هذه الروح حتى المنية، أي المحافظة حتى النهاية على روح التضحية والإيثار اللذين بُدئَ بهما العمل؛ وبتعبير آخر: المحافظة على الاستقامة، وهذا ليس بالأمر الهيّن كما يُظنُّ؛ وانطلاقًا من كونِنا بشرًا فإنه ثمة امتحانات شتى ومتباينة تنتظرنا، فنحن بشرٌ مخلوقون من لحم ودم، نحمل نفسًا بين جنباتنا، ولدينا ميول وطلبات ورغبات في الدنيا.

وتُعبر الآية الكريمة الآتية عن الامتحانات التي تنتظر الإنسان في الدنيا بقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/14).

والإنسان، حتى وإن لم يدخل في دائرة الحرام، إلا أن لديه ميلًا فطريًّا، وقد يريد الاستفادة في دائرة الحلال من زخرف الدنيا ومتاعها، وربما يَحُول حبُّ الأهل والأبناء بينه وبين القيام بخدماته، وربما تتعلق بذهنه فكرة الكسب والغنى، وربما ينجذب إلى العيش الرغيد والتلذّذ بمتع الدنيا، وربما يتطلّع إلى عطلة على الشواطئ أو قمم الجبال فيلهو ويقضي وقتًا ممتعًا، والحال أن كل هذه الأمور ربما تسوق الإنسان بمرور الوقت إلى دائرة الحرام أو على الأقل تقيِّد قدميه وتغلّل عنقه، فتصدّه عن السبيل، ومن لم يستطع كسر قيوده والمحافظة على موقفه أمام شهوات الدنيا الفاتنة يصعب عليه أن يحافظ على مشاعر التضحية والتفاني.

أجل، إن هناك الكثير ممّن خسروا لأنهم لم يستطيعوا أن يحافظوا على التضحية التي بذلوها في بادئ الأمر حتى النهاية.. فمثلًا ساروا لمدة طويلة على الدرب الذي عزموا المسير فيه وواجهوا مصاعب عديدة، ولكنهم تعثروا في رغبات النفس وأهوائها في موضع ما؛ فعلى الرغم من أن بعضَهم هاجروا منفتحين على ديار مختلفة، واضطلعوا هناك بخدمات في غاية الجمال، إلا أن عقولهم ذهلت بعد مدة معينة، وغشيت أبصارهم، وبدؤوا يفقدون قوامهم ويتغيّرون؛ فغيَّر المنصبُ بعضهم، والوسائلُ والإمكانات بعضَهم، وتعلَّق بعضُهم الآخر بفكرة المصلحة الشخصية، وبعضُهم بالشهرة، وفي النهاية لم يستطيعوا الحفاظ على وفائهم وولائهم، ولا على حيوية روح التفاني غضّةً طريّةً.

والحقيقة أن عددَ من سلكوا هذا الخطّ المتعرج قليلٌ جدًّا؛ ربما واحد بالألف؛ فقد حدث أن عاش هذا القدر من الزيغ والضلال أناسٌ حتى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولكن يجب الاعتبار من هذه الوقائع أيضًا حتى يتسنى لنا أن نعيش حياة تكتنفها اليقظة والتمكين.

   فيروسات تعرِّض الحياة المعنوية للشلل

عبر الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي عن التهديدات المحتملة التي تنتظر رجال الخدمة بقوله “الهجمات الست”[2]، وركز تحت هذا العنوان على ستة فيروسات يمكن أن تتسلّط على الإنسان؛ فلفت الانتباه إلى الفيروسات التي رآها تشكّل الخطر الأكبر بحسب عصره، إلا أن المخاطر التي قد تحيق بالإنسان -ذي الفطرة المنفتحة على الشر كما على الخير- لا تقتصر على هذه، وإنما يمكن الحديث عن العديد من الفيروسات التي قد تدفعه إلى المساوئ، وتُصيب حياته المعنوية بالشلل، ومن ثم فالوظيفة والمسؤولية الملقاة على عاتق الأرواح المتفانية التي تدرك أهميةَ الأمانة وثقلَها هي الثبات والصبر في مواجهة المساوئ التي قد تُضِلّها سواء السبيل، فإن حملها للأمانة مرهونٌ بهذا، يقول الأستاذ بديع الزمان في دعائه: “اللهم اجعلنا أمناء على ما أمَّنْتَهُ عندنا إلى يوم لقائك.. آمين”.

نحن نوقن بأنه حتى الملائكة ستقدّم التحيّة للأرواح المتفانية المنفتحة بروح التضحية الحقّة على العالم بأسره، وسوف تذكرهم الأجيال القادمة بالخير؛ غير أن هناك من سيتعثرون ويتساقطون على الطريق، وهناك من سينقلبون على أعقابهم كمن عزم على زيارة الكعبة فلما بقي بينه وبينها القليل غيَّرَ وجهته أو عاد أدراجه، وسيكون حبّ الأهل والأبناء سببًا في انحراف بعضهم عن الطريق، وسيكون حبُّ الراحة والدعة سببًا عند البعض الآخر، وفئةٌ بسبب الخوف، وآخرون بسبب مشاعر الحسد والغيرة.. هناك كثيرون عزموا على تحقيق غاية مثالية، ولكنّ السفينة فاتتهم في اللحظة الأخيرة لأنهم تعثّروا في أشياء صغيرة جدًّا.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: “أَلَا إِنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ شَتَّى، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَا مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ كَافِرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَا كَافِرًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا[3]، أي إنه لا يجدر بأحد أن يأمنَ عاقبته؛ حتى إن العلماء أكدوا على العلاقة المتلازمة بين أن يأمن الإنسان عاقبته وبين الكفر؛ فكما أن اليأسَ قد يؤدي إلى الكفر فكذلك الشعور بالأمان المطلق قد يؤدي إلى الكفر أيضًا، وكما يُطْلَبُ من المؤمن ألّا ييأسَ أو يقنط من رحمة الله، عليه في الوقت نفسه ألا يفقد الخوف والخشية.. وباستقراء حياة الأولياء الصالحين يتبيّن أنهم عاشوا حياتهم بين الخوف والرجاء.

إذا أردنا أن نعيش حياة مستقيمة فعلينا أن نتنبّه إلى الكلمات التالية للأستاذ بديع الزمان: “إن الأمور الخيرية المهمة والعظيمة تعترضها موانع وعقبات مضرّة للغاية، فالشياطين يكدون أنفسهم ويجهدونها مع خدام تلك الدعوة المقدسة، لذا ينبغي الاستناد إلى الإخلاص والاطمئنان إليه في مواجهة تلك الموانع والشياطين”[4].. فلمَ يتعرض الشيطان لمن لا يعمل؟! فهو في الأساس يتحرّك وفق خطط الشيطان ومشاريعه دون أن يأخذ أمرًا بذلك، أما لو أنكم كنتم تعملون على إقامة صرح روحكم، ونفع الإنسانية، فلن يترككم شياطين الإنس والجن وما تفعلون، بل وسيبذلون قصارى جهدهم كي يُضلّوكم عن السبيل.

   ترصُّد الشيطان لخدام تلك الدعوة المقدسة

وقد رُوِيَ في الأثر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل الشيطان عن أبغض خلق الله إليه، فأجابه: “أنت”. لماذا؟! لأنه صلى الله عليه وسلم هو الإنسان الذي سيقيم صرح روح الإنسانية جمعاء؛ فصار صلى الله عليه وسلم الهدف الأكبر لشياطين الإنس والجن، وعلى الرغم من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نشأ في مركز الكرة الأرضية، وينتسب إلى عائلة قوية، إلا أنهم أجبروه على الهجرة من مكّة.. وليس هو فحسب، بل حينما ننظر إلى تاريخ الأنبياء العظام نجد أن كثيرًا من الأنبياء مثل سادتنا إبراهيم وموسى ولوط عليهم السلام قد تعرّضوا للعاقبة نفسها؛ فلم يُسمح لهم بالعيش حيث نشؤوا.. ولا يختلف عن هذا ما تعرّض له أيضًا عظماء التابعين المخلصين للأنبياء على مرّ التاريخ، ومن أقرب هذه الشخصيات إلى عصرنا هذا الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي الذي طاردوه من منفًى إلى آخر، وهو الذي قال تعبيرًا عما لقيه وتعرض له من إيذاءٍ وقسوةٍ وغلظةٍ: “لم أذق طوال عمري البالغ نيّفًا وثمانين سنةً شيئًا من لذائذ الدنيا؛ قضيت حياتي في ساحات الحرب، وزنزاناتِ الأَسر، أو سجون الوطن ومَحاكمِ البلاد؛ لم يبق صنف من الآلام والمصاعب إلا وتجرّعتُه، عوملتُ في المحاكم العسكرية العرفية معاملة المجرمين، ونُفيت وغُرِّبْتُ في أرجاء البلاد كالمشرّدين، وحُرِمْتُ من مخالطة الناس في زنزانات البلاد شهورًا عديدة، وعُرِّضْتُ للتسميم مرارًا، وعُرِّضْتُ لإهانات متنوِّعة”[5].

وحين نضع كل هذا في عين الاعتبار ندرك كيف يواجه المخاطرَ والصعابَ أولئك المنفتحون على ربوع العالم بروح التضحية والتفاني.. فإنهم حتى وإن وصلوا إلى قمة الإخلاص إلا أن الشيطان يسعى كي يُزلَّ أقدامهم أينما كانوا، ويعترض طريقهم بجميع حيله ومكائده، ولا يتركهم وشأنهم ولو للحظة واحدة، وإنما يستخدم أدواته جميعها محاولًا أن يُزِلَّ أقدامهم، كما أنه يجب ألا ننسى أنه كلما زادت منافع الشيء ومكاسبه كلما عظم خطره وغُرمه، ومن يسقط من قمة برج الإخلاص قد يتردّى -حفظنا الله- في هاوية سحيقة، ومن يعرف الله تعالى ورسوله ودينه وتديّنه قد يخسر في وقت هو أدعى للكسب إذا تخلى عن إقامة صرح روحه وبدأ يركض وراء رغباته البشرية والجسمانية.

ولهذا السبب يجب أن يثبُت المتفانون ويصمدوا، ويُوصِدوا جميع الأبواب أمام أهواء النفس ومكائد الشيطان، وألا يلطّخوا سمعة الخدمة وعفتها.. فعندما يضلُّ منْ مهد اللهُ لهم السبيل وأنعم عليهم بالإمكانات ليضطلعوا بخدمات مهمّة لتنظيف وجه العالم المشوّه؛ فإن ضلالهم هذا لا يقتصر على أنفسهم فقط، بل يعتدي أيضًا على حقوق كلِّ من يسيرون معهم في السبيل نفسه، وبالتالي فقد شوّهوا أعمال البر والإحسان التي تحقّقت بمساعي وجهود الآلاف وربما جهود الملايين من الناس، فلو أننا لا نريد أن نكون سببًا في مثل هذا الدمار الكبير يتوجّب علينا أن نتكاتف مثل أحجار القبة ونتعاضد، ونواصل المسير في الطريق الصحيح دون أن ننهزم لأي زلل أو سقوط.

***

[1] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “وَيْحَكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ –يَقُولُهُ مِرَارًا– إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَحَسِيبُهُ اللَّهُ، وَلَا يُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا“. (صحيح البخاري، الأدب، 54؛ صحيح مسلم، الزهد، 65)

[2] هو القسم السادس من المكتوب التاسع والعشرين من كتاب “المكتوبات” للأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي، ويعني الأستاذ بـ”الهجمات الست”: حبّ الجاه والشهرة، والخوف، والطمع، وفكرة العنصرية، والأنانية والغرور، وحب الراحة والدعة.

[3] سنن الترمذي، الفتن، 26.

[4] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، ص 221.

[5]  بديع الزمان سعيد النورسي: سيرة ذاتية، ص 491.

قراءة الكتب بطريقة منهجية

Herkul | | العربية

كان عددُ الكتب والمجلات التي تعكس عالمنا الفكري وتربطنا بجذورنا الروحية والمعنوية في الخمسينات والستينات من القرن المنصرم قليلًا للغاية.. فلو أن الإنسان حينذاك خصّصَ خمس أو ست ساعات فقط للقراءة خلال اليوم لاستطاع بسهولة أن يقرأ معظمَ ما يصدر في الأسواق من مؤلفات، ولكن اليوم تصدر الكثير من المؤلفات العلمية والفكرية والاقتصادية لدرجة أنه في الواقع باتت من الصعب جدًّا متابعةُ وقراءة جميع هذه المؤلفات.. ناهيك عن أنه قد كثُرت المشاغل التي تُلهي الناس وتُشتّت انتباههم، ومن ثَمّ أصبح من المفيد انتقاء الكتب التي نرغب في قراءتها، فعلينا مثلًا أن نعطي الأولوية للمؤلفات التي تتناول القضايا الخاصة بالإيمان والإسلام، والمرتبطة بجذورنا الروحية والمعنوية، وأن نواصل عملية القراءة، بدءًا من الأعمال الأكثر أهمّية بالنسبة لنا.

وربما لا ضير في قراءة المؤلفات الأخرى بعد أن ترسّخت أقدامنا في عالمنا الفكري وقيمنا الذاتية، وإلا اختل توازننا وعَشِيَت أبصارنا وسقطنا عند مواجهة التيارات الفكرية المختلفة.

   التعبئة والنفير العام من أجل القراءة

إن المعرفة والثقافة هما السبيل إلى الارتباط بقيمنا الدينية وحياتنا الاقتصادية والثقافية، وإقامةِ صرح روحنا في كل المجالات، يقول الأستاذ النورسي رحمه الله رحمة واسعة: “إن كل شيء في الإنسان موجَّه إلى العلم ومتعلقٌ بالمعرفة حسبَ الماهية والاستعدادات”[1]، ويقول في موضع آخر: “إن البشرية في أواخر أيامها على الأرض ستنساب إلى العلوم، وتنصبّ إلى الفنون، وستستمد كل قواها من العلوم والفنون فيتسلم العلم زمامَ الحكم والقوة”[2]، وعلى ذلك فهناك حاجة ماسة إلى البدء في تعبئة عامة من أجل القراءة حتى لا نتخلف عن الركب.

إن وجوبَ القراءة ليس محصورًا على المتخصصين فقط في أحد الفروع العلمية، بل إن الجميع مطالَبٌ حسب مستواه بالقراءة، ولكن علينا بداية أن نعطي الأولوية للكتب التي نحتاج إليها حاجتَنَا للهواء والماء والغذاء، فمثلًا يجب علينا حتمًا أن نتعلم علوم الدين التي تفيدنا في أداء عباداتنا بشكل صحيح، وفي معايشة ديننا على نحو سليم، كما ينبغي أن نتعرف جيّدًا على القضايا الخاصة بالأخلاق والمعاملات، وأن نزيد من معلوماتنا عن القرآن الكريم، وأن نطلع على الأحاديث النورانية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيًّا كان العمل الذي نشتغل به فإننا ملزمون بمعرفة ديننا بالقدر الذي يسمح لنا أن نحدد ما إذا كانت الأعمال التي نقوم بها موافقة لمحكمات الدين أم لا.

فلو أراد أبطال الإرشاد والتبليغ إلى جانب هذا أن يبلِّغوا الآخرين الحقائق التي يؤمنون بها بشكل صحيح، وأن يقنعوا مخاطبيهم برؤاهم العالمية وفلسفاتهم الحياتية فلا بد أن تكون لديهم معرفة كافية بالقيم التي يؤمنون بها، ودراية وثيقة بالعالم الذي يعيشون فيه، وأن يواكبوا متطلبات زمانهم، ويستجيبوا لاحتياجات عصرهم وضرورياته، وهذا لا يتأتى إلا بتعبئة جادة من أجل القراءة، فكل شيء يبدأ في دائرة ضيقة، ويظهر في صورةِ زاوية صغيرة في المركز، ثم يتسع هذا الشيء ليشمل الدائرة الكبيرة في المحيط.. فقد يبدأ العمل بخمسين شخصًا، ثم تتسع الدائرة فيما بعد شيئًا فشيئًا لِتشملَ ألف شخص…

ومن جانبٍ آخر إذا أهملنا القراءة فإن أبناءنا بلا شك سيصبحون أمثالنا، فالأسرة التي يهمل فيها الأبوان القراءة ولا يوليانها أي اهتمام خاص يصعب جدًّا على أبنائهما الاهتمام بالقراءة إلّا أن تكون هناك عناية إلهية خاصة بهم، فبدهي أننا إذا أمسكنا كتابًا بأيدينا وشرعنا في قراءته فسيقوم أبناؤنا من فورهم بتقليدنا، إذ إن تصرفات الوالدين وسلوكياتهما مثل الشفرة الجينية كثيرًا ما تنعكس على الأبناء.. فللأسف الشديد ينشأ الأبناء في عصرنا نافرين من القراءة؛ لأن الآباء والأمهات لم يهتموا بالقراءة وأصبح الأولاد مثلهم، ولذلك يجب سدّ هذا النقص، وإصلاح ذلك العطب.

ولا يقتصر الأمر على العائلة فقط، بل يجب أن نوصي كلَّ المحيطين بنا بقراءة الكتب، ونحبّبهم فيها، لا سيما الكتب التي تتحدث عن عالمنا الفكري، وترتبط بجذورنا الروحية والمعنوية، فهذا هو السبيل الأمثل للوقوف ضد المسخ والاغتراب.

   معوّقات العالم الرقمي

لقد أصبح العالم الرقمي الآن خيارًا جديدًا لقراءة الكتب، ولكنه كما نجح في ذلك، إلا أنه شكّل عائقًا أمامها أيضًا؛ ومن ثَمّ وجب علينا كمجتمع أن نفكّر مليًّا فيما يلزم لتخطّي هذه الأزمة، وأن نسعى جاهدين لتوجيه الناس إلى القراءة من جديد، وإلى التفكير والمدارسة والمذاكرة.. فرغم سهولة الوصول إلى المعلومات الآن بفضل بعض الأجهزة مثل الحاسوب والهاتف الجوال، وكذلك الإنترنت؛ فقد ازداد بالتوازي صعوبة استقرار هذه المعلومات -التي توصلنا إليها بسهولة- في الأذهان، فتذهب المعلومات بسرعة كما جاءت؛ لذا فإن القراءة من الكتاب نفسه حَرِيّة بأن تكون في المقام الأول.

فإن إمساكَ الإنسانِ بالكتاب، ووضعَه خطًّا تحت المواضع المهمّة التي يراها، وتدوينه الملاحظات على أطراف الكتاب عند اللزوم، وتسجيله آراءه حول الأفكار التي لا يوافق عليها؛ له أهمية بالغة في فهم واستيعاب المقروء بشكل أفضل؛ لأن الغرض من القراءة هو الفهم والثراء الذهني، وهذا لا يتأتى إلا بالجهد والسعي في هذا السبيل.

وهنا أريد أن أنبه مرة أخرى على الأمر التالي: إننا بفضل وسائل الاتصال الحديثة مثل التلفاز والإنترنت نشاهد ونتعلم الكثيرَ من الأشياء، ولكن بعد مدة معينة يصبح الناس -دون وعي منهم- مدمنين لهذه الوسائل، فيستغرقون في اللهو ومتابعة الأحداث اليومية، ويبتعدون عن عوالمهم الذاتية، ولذا يجب توخي الحذر عند استعمال هذه الوسائل، ولا بد من وضع بعض القيود على أنفسنا، حتى نستطيع التصدي للانحرافات الفردية والاجتماعية المحتملة، فمثل هذه الأوساط مواتية لسوء الاستعمال، وأعظم برهان على ذلك هو تلك الجروح والتخريبات التي أصابت عقول الشباب والأسر والحياة الاجتماعية في العصر الراهن.

وكما أن هناك مسؤوليات تقع على عاتق الدولة في هذا الصدد فهناك أيضًا أمور يجب على العائلات الاضطلاع بها؛ مثل توخي المزيد من الحيطة والحذر عند استعمال التلفاز والإنترنت، ومتابعة الأبناء عن قرب، ومعرفة الصفحات والمواقع التي يزورونها، وأن يجعلوا استخدامهم للإنترنت وفق معيار محدد.

   القراءة عن طريق المذاكرة والمدارسة

إن السبيل القويم للاستفادة العظمى من الكتب المقروءة هو مذاكرة ما بها من معلومات ومناقشتها، فإذا كنتم مثلًا تريدون أن تقرؤوا عن مسألة الحشر، فما عليكم إلا أن تتذاكروا معًا المؤلفات التي حررها بديع الزمان سعيد النورسي، وفخر الدين الرازي، والإمام الغزالي، وابن سينا في هذا الموضوع، وبذلك تعالجون القضية بأبعادها المختلفة، ولو أنكم مثلًا ترغبون في قراءة رسالة “الأنا والذرة” لبديع الزمان سعيد النورسي فمن الممكن عند القيام بذلك عقد مقارنة بينها وبين كتاب “رموز نفي الذات” الذي يتكلم فيه محمد إقبال عن أسرار الذات، وبفضل هذه القراءات التقابلية ستدركون تمايز الأفكار، وتستوعبون الموضوع بشكل أوسع وأعمق.

ولقد ربط سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الأمر بالتدارس والمذاكرة في حديثه الذي ذكر فيه أن الملائكة تضع أجنحتها لطلاب العلم رضا بما يفعلون وتنزل عليهم السكينة وتغشاهم الرحمة[3].

والمذاكرة تأتي من باب المفاعلة، وتعني تقييم المسألة بجميع جوانبها عن طريق تداول المعلومات ومناقشتها، فكما أن المذاكرة ليست قراءة اعتيادية، وكذلك لا تعني أن يقرأ شخص ويغفو آخرون، بل على العكس إنها تعني أن يتناقش عشرة أشخاص مثلًا في موضوع معين، ويُعمِلون أفكارهم فيه، ثم يَعرض كل واحد منهم ما توصل إليه ، حتى تتجلى بارقة الحقيقة من وراء تصادم الأفكار وتلاقحها.

وليس من الضروري اتباع أسلوب واحد في هذا الشأن؛ لأن التزام منهج واحد يدعو أحيانًا للسأم والضجر، وعندها لا تجني المذاكرة ثمرتها المرجوة، ومن ثم لا يستفاد من هذا المنهل العذب المورود كما ينبغي، المهم هو العمل على أن يستفيد الجميع من الأمر، والإحساس بالمتعة عند تعلم أي أمر جديد أو مبتكَر، وتقدير القراءة قدرها؛ وهذا بالطبع منوط بالتغيير المتكرر لصيغة الدرس المقترح، والحرص على استخدام وتطوير مناهج جديدة في العرض.

   تربية أشخاص مجهزين تجهيزًا عاليًا

لقد فهمنا -مع الأسف- فهمًا خاطئًا مقولة بديع الزمان سعيد النورسي لطلابه: “حسبكم رسائل النور”؛ فقد ذكر هذه المقولة حتى يلفت الانتباه إلى أركان الدين الأساسية، وإلى المسائل ذات الأولوية في ذلك الوقت الذي تهدّمت فيه أركان الدين، وانقلبت الأحاسيس والمشاعر القومية رأسًا على عقبٍ، إلا أننا مع الأسف أخذنا هذه العبارة على إطلاقها، ولم نُعِر العلوم الدينية الاهتمام اللازم، ولكن إذا كان لا بد إلى جانب قراءة رسائل النور من دراسة بعض العلوم الطبيعية مثل الطب والكيمياء والفيزياء والأحياء والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والجيولوجيا؛ فلا أحد يعترض على ذلك، وكذلك يجب على عالم الدين قراءةُ المؤلفات الأصولية في العلوم الإسلامية -وهي مجالات مستقل كل منها بذاته-، والتخصصُ فيها.

بل يجب على عالِم الدين -إلى جانب تحصيله علوم تخصّصه- أن يتعرف إجمالًا على القضايا المتعلقة بالعلوم الطبيعية، أو أن يأخذ طرفًا من كل علم على الأقل، حتى إذا جلس مع فيزيائي أو كيميائي تكلم معه بارتياح في هذا المجال؛ لأننا كما لا نستطيع أن نجرّد الإسلام عن العلوم الطبيعية فكذلك لن نستطيع بث همومنا لمن يعملون في هذه الساحات طالما لم تكن لدينا دراية بها..

 إن الأوامر التشريعية المستقاة من صفة كلام الحق جل وعلا توضح وتشرح الأوامر التكوينية، وكلتاهما أمران متداخلان للغاية في بعضهما البعض، فإن جردنا إحداهما عن الأخرى فلن نستطيع فهم الاثنتين فهمًا صحيحًا.. ومن ثم كما يجب على المتخصصين في العلوم الدينية أن يكون لديهم على الأقل معرفة إجمالية بالعلوم الطبيعية فكذلك ينبغي للمتخصصين في العلوم الطبيعية من اكتساب مزيد من المعرفة بالعلوم الدينية.

فلو أن الدارسين في حقل العلوم الدينية عجزوا عن وضع الحلول المنطقية للمشاكل التي تعترضنا في هذا العصر فلن يُنسب هذا العجز والهزيمة لهم فحسب، بل إلى الإسلام أيضًا، وتُعدّ الآراء والأفكار التي أنتجها علماء الدين العظام من أمثال الإمام الغزالي، وفخر الدين الرازي، والعز بن عبد السلام، وابن حجر العسقلاني، وبديع الزمان سعيد النورسي، وطنطاوي جوهري، ومحمد سعيد رمضان البوطي لِفهم الإسلام فهمًا صحيحًا؛ خطواتٍ متقدمةً في هذا الإطار، فقد استطاعوا بما حرروه من مؤلفات قيمة تفنيدَ الشبهات المثارة حول الدين، ووضعَ تفسيرات جوهرية للمشاكل التي تشغل الأذهان.

فلو أردنا أن نفهم الإسلام ونعيشه بشكل صحيح في عالمنا اليوم فيجب أن يكون لدينا على الأقل نفس القدر من الأدوات والمعلومات مثلهم، وسبيل ذلك هو العمل في إطار منظومة التعليم الحالية على إعداد أناس ماهرين في العلوم التجريبية والشرعية، وتهيئة الأوساط اللازمة للقيام بذلك، وإذا كنا نرغب في إحياء هؤلاء الذين صاروا كالقبور المتحركة من خلال حسن استغلال الإمكانات التي هيأها الحق تعالى، وأن نكون وسيلة لبعثٍ جديد؛ فيجب أن نعلم أن هذا منوط بتنشئة جيل على أعلى مستوى من الاستعداد، وأن نستغل كل فرصة مواتية لنا في هذا السبيل، وأن نوفي مكانتنا حقها.

 ***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة الثالثة والعشرون، المبحث الأول، ص 352.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة العشرون، المقام الثاني، ص 291.

[3] “مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ” (صحيح مسلم، الذكر، 38؛ سنن أبي داود، الصلاة، 347).

ثقافة الوفاق والتعايش مع الآخر

Herkul | | العربية

   سؤال: بماذا توصوننا في مسألة تطوير ثقافة الوفاق والتعايش مع الآخر في عالم اليوم الذي تزداد فيه كلّ يوم حدّةُ مشاعرِ القومية والعنصرية والتعصبِ المذهبي والطائفي؟

   الجواب: اعتقد الكثيرون أنه مع العولمة والتعددية ستزول الفروق والخطوط الحمراء التي هي في الأساس منبع الخلافات والصراعات، وسيحتضن جميعُ الناس بعضُهم بعضًا أكثر مما كانوا عليه في الماضي، وسيتلاقون معًا في شتى المجالات؛ بل كان أولئك ينتظرون أن يتلاقى أتباع الديانات المختلفة في مسجدٍ واحد تارةً، أو كنيسةٍ واحدة تارةً، أو كَنِيسٍ واحد تارةً أخرى، أو أن يتقابل أصحاب المذاهب والمشارب المختلفة مع بعضهم في تكية قادرية حينًا أو نقشبندية حينًا أو علوية حينًا آخر.

إلا أن العولمة أثارت مشاعر الهوية الكامنة في الطبائع أكثر فأكثر، وقد أدى هذا بدوره إلى ظهور ردود أفعالٍ متباينة إزاء الآخر، وكما يبدي الجسمُ ردَّ فعلٍ إزاء المادة الغريبة عند حقنه بها، فكذلك راح الناس يبدون ردَّ فعلٍ كبيرًا تجاه من يخالفونهم في مشاعرهم وأفكارهم ورؤاهم الدنيوية؛ لأن الإنسانية لم تكن على استعداد كامل لمواجهة مشاكل العولمة، والتغلب عليها.

والحال أنه كان يجب على أصحاب الرأي ورجال الفكر والمثقفين والفلاسفة تهيئةُ أذهان الناس لمواكبة ظروف العالم المتغير، والتأكيدُ على ثقافة التعايش مع الآخر، والتركيزُ على مبادئ الصلح والسلام.. كان عليهم أن يحذّروا الإنسانية من الصراعات والانشقاقات التي قد تنشأ عن اختلاف الهويات والعرقيات والديانات والمفاهيم الطائفية، وأن يطوِّروا لديهم مفهوم “تقبّلْ كل إنسانٍ في موقعه، واحترمْ كل أحد”.

ولكن لم يحدث هذا مع الأسف، وتم التعامل مع الأمر دون أدنى حرفيّة أو مهنيّة، وكأنهم قالوا: “دعونا نُبحر في هذا البحر المترامي الأطراف، ثم نفكر في كيفية مواجهتنا للأمواج المتلاطمة التي تعترض طريقنا”، ولهذا فمن الصعوبة بمكان التنبُّؤُ بنوعيّة الأخطار التي تنتظر الإنسانية في السنوات المقبلة، ومن ثم ينبغي للأرواح التي نذرت نفسها لخدمة الإنسانية أن تفكر مليًّا في هذه الأمور، وأن تطوّر من آلية وضع الحلول لديها.

فمثلًا يقول بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله رحمة واسعة: “يجب إيثار البقاء في مستوى التابع دون التطلع إلى تسلم المسؤولية التي قلما تسلم من الأخطار”[1]، فمثلُ هذا القول يمثّل معيارًا مهمًّا للحيلولة دون وقوع الخلافات، وهو يعني ترك أمر الإدارة إلى الآخرين نظرًا لما يحيق بها من أخطار.. ولا شك أن الإقدام على مثل هذا التصرف يدل على بطولة وتضحية منقطعة النظير؛ وقد يكون وصفةً علاجيةً للحيلولة دون الانقسامات المحتملة التي قد تنشأ بين أصحاب المذاهب والمشارب والأذواق المختلفة، إلا أنه من الصعب أن يكون هذا حلًّا للمشاكل العرقية.

   الدبلوماسية

إن تقديم العقل والمنطق، والتعاملَ مع الأمور بدبلوماسية حتى النهاية، بدلًا من اللجوء إلى الشدة والعنف من أجل التغلب على الاختلافات القائمة وقمع المشاكل الحادثة؛ يُعدّ من العوامل المهمة لجعل العالم أكثر ملائمة للعيش فيه، ولكن للأسف عندما خرجت القوة عن سيطرة الحق فقد استُخدِمَت في المكان الخاطئ، وتمّ اللجوء إلى القوة الغاشمة والضغط على الناس لقمع المشاكل المطلة برأسها، ولكن حتى وإن أُخمِدت تلك المشاكل مؤقتًا فستبرز مشاعر البغض والكراهية وتزداد يومًا بعد آخر، وستتوارث الأجيال القادمة هذا المرض، وتكبر وهي تتحدث عن الظلم الذي لحق بآبائها وأجدادها، وتسيطر عليها مشاعر الثأر والانتقام؛ وبذلك يكون ضررُ العنف أكبر من نفعه.

ومن ثم يجب على الدول من فورها أن تتحاشى في العلاقات اللجوءَ إلى القوة الغاشمة في سبيل حل المشاكل سواء على الصعيد المحلي أو الدولي؛ لأنه عند استخدام القوة الغاشمة تختل معظم القيم الإنسانية الأساسية، وتُرتكب العديد من المظالم والانتهاكات، فكثير من المشاكل التي تم قمعها بالقهر والسحق والضرب تزايدت وتكررت في الفترات اللاحقة؛ لأن العقدة لا تزال تبقى في الصدور، وتتكون الأمراض الداخلية، ويُجرح الشرف والكبرياء، وتتوارث الأجيال البغضَ والكراهية، وهذا يؤدي إلى أن تظل المشاكل -التي يُعتقد أنها قد حُلّت- تدور في حلقات مفرغة، ورغم اعتقادنا بأننا قد أحرزنا النجاح مؤقتًا فإن المشاكل ستتفاقم أكثر فأكثر، وتنتقل إلى الأجيال القادمة، ويصعب التغلب عليها.

أما الحلول التي تُطرَح بناءً على العقل والمنطق، وتُراعى عند وضعها المشاعرُ الإنسانية فيُكتب لها الدوام والاستمرارية، ولقد كان هذا من أعظم مظاهر الفطنة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن يخطو خطوة ينشأ عنها أي خطإ، ولقد أظهرت أفعاله وإجراءاته طوال حياته السنية كيف أن التعامل بعقلانية، والتمسكَ بالدبلوماسية، وإبرازَ مشاعر الشفقة والرحمة يفتح القلوب والصدور.

كما أظهرت التجارب التي اكتسبها الهُوَاةُ المنفتحون على العالم بأسره مدى أهمية الإخلاص والمروءة والشفقة وعدم التشوف إلى الأجر؛ في مواجهة المشاكل الحاضرة وكسب قلوب الناس؛ لأن أطوار هؤلاء قد درَأَتْ ردودَ الفعل السلبية الموجودة أو المحتملة، كما أدت هذه الخصال إلى كسب العديد من القلوب وإقامة جسور الصداقة حتى في البيئات التي لم يتم التعرف عليها بقدر الكفاية، ولم تتوفر معلومات بشأن ثقافتها، ولم يتم التحرك فيها بمهارة وحرفية.

   جسور المحبة

فإذا أردنا أن نطوِّر ثقافة التعايش مع الآخر في عالم اليوم الذي تركض فيه العولمة بأقصى سرعتها فلا بد أن نعتمد في حل مشكلاتنا على الدبلوماسية في المقام الأول، وأن نتعلم احترام المفاهيم والثقافات والقيم الأخرى؛ أو بعبارةٍ أخرى كثيرًا ما كرّرناها: لا بد أن نخصّص في صدورنا لكلِّ شخصٍ مقعدًا يتربّع عليه، وبذلك تكون الشفقة والتسامح سدًّا منيعًا ضد الأسلحة الفتاكة المرعبة، وتقوم بوظيفة الحاجز ضد الأمواج المتلاطمة العاتية، وتُبْطِل مفعولها؛ وتصبح جسورُ المحبة والسلام التي أسّسناها في ربوع العالم بدءًا من أقرب المقربين إلينا بمثابة حملاتٍ وصولاتٍ معقولة من شأنها إعاقة أية نزاعات محتملة.

وللأسف ما زال البعض يرى مَن ليس على مذهبه وطريقته أجنبيًّا وغريبًا عنه، ويحكم عليه من منطلق أحكامه المسبقة، ويذكره دائمًا بالعديد من المساوئ والسلبيات، فإذا أردنا أن ننأى بالذين نشؤوا في بيئات لغوية ودينية وعرقية وثقافية مختلفة عن الأحكام المسبقة التي قد يشكّلها البعض عنهم ويبني على أساسها قناعات ومفاهيم خاطئةً فعلينا أن نتيح الفرصة ليجتمع كلا الفريقين في ساحات مختلفة يتعرفان فيها على بعضهما عن قرب وبشكل صحيح. أجل، إن السبيل لمحو الكثير من القناعات الخاطئة هو الاختلاط والتداخل، والاجتماع على مائدة واحدة؛ وبذلك تنزاح الحواجز وتزول العوائق القائمة بين الفريقين.

قد يشعر الإنسان بحكم فطرته وطبيعته بعاطفة معينة إزاء من يشاركونه قوميتَه ومذهبه ومشربه، وقد يتبنى بشكل صادقٍ مفهومًا معيّنًا أو نمطًا فكريًّا خاصًّا أو فلسفةً حياتيّةً مختلفةً، ولكنّ هذا لا يقتضي إطلاقًا معاداة الآخرين، فمثلًا يمكنني أن أقول: “إنني كمسلمٍ أحبّ منهجي وطريقتي، ولو كان لي ألف روح لافتديتُ بها سيدَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيا ليت الآخرين أيضًا يتعرّفون على منبع هذه الحقيقة، ويُدْلُون دَلْوهم في منهل العذب المورود هذا، ويغترفون من ماء هذا الكوثر، ويروون عطشهم، ويذهبون ظمأهم”، ولكن لا يقتضي حبي هذا معاداة اليهود والنصارى أو أيٍّ من أتباع الديانات الأخرى، فما يقع على عاتقي هو التعامل بإنسانية ومروءة مع الجميع.

ولطالما قلتُ من قبل في مناسبات مختلفة: ليتنا ننشئ مساجد وكنائس وكُنُسًا تطلّ على حديقة واحدة! أو نقيم بيوت الجمع في نفس فناء المسجد! يا ليت الخارجين من معابدهم يجتمعون في تلكم الحديقة المشتركة! ويتناولون الطعام معًا! ويرتشفون الشاي معًا! وتتاح لهم فرصة التعرف على بعضهم عن قرب! ويتخلى كل شخص عن أحكامه المسبقة، ويشعر أنه يعيش في طمأنينة وسلام مع الآخر! أجل، ليتنا نوفر هذا المناخ! ويعبر كل شخص عن أفكاره بأريحية! ويبتسم لأخيه ويحتضنه! فإننا في أمسّ الحاجة إلى إظهار مروءتنا وإنسانيتنا لبعضنا البعض.

ولكن مع الأسف لم تُفض هذه الاقتراحات والمبادرات التي قمنا بها منذ سنوات طويلة إلى أي نتيجة، وهذا يعني أن الإنسانية ما زالت غير قادرة على القيام بمثل هذه الخطوة، فلم يكن الجو العام في تركيا، والرؤى العامة للناس وفلسفاتهم الحياتية مهيأةً للقيام بهذا الأمر، ولكن ينبغي ألا نتنازل عنه، وأن نتحين كل فرصة لبلوغ هذا الأفق، ونفتح أبوابنا وموائدنا وقلوبنا على الأقل لكل أصحاب المفاهيم والمشارب المختلفة، ونبحثَ لأنفسنا عن مكان على موائدهم، وكما فتحنا لهم المكان بيننا يجب أن نجد لأنفسنا مكانًا في ساحاتهم وبيئاتهم، وهذا أمرٌ تقتضيه الأخلاق الإلهية؛ لأن الله عز وجل يقول في حديثه القدسي الجليل: “إِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ (عَبْدِي) بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً[2].

إن المروءة تُقابَل بمثلها، فإذا كنا ننتظر توجُّهًا وإقبالًا فعلينا المبادرة بذلك أولًا، فما ننتظره من الآخرين هو مِثل ما ينتظرونه منا أيضًا، وهذا ما يُطلِقون عليه اليوم المشاركة الوجدانية؛ أي أن يضع الإنسانُ نفسَه مكانَ الآخر، وينظر إلى الأحداث بعينه، وبعبارة أخرى: أن نضع في حسباننا تطلّعات الآخرين ومشاعرَهم وأفكارَهم وانفعالاتهم وقيمَهم التي يقدّرونها، وأعتقد أنه بقدر حَلِّنا لهذه المشكلة على المستوى المحلي سنتمكّن مع مرور الزمن من إظهار مثل هذه الجماليات على مستوى العالم عند توسيع الدائرة أكثر فأكثر.. وربما يمثل هذا خطوة مهمّة في سبيل إنقاذ العالم من العاقبة الوخيمة التي ينجرّ إليها.. فما يقع على عاتقنا هو حسن تمثيل هذه الجماليات، والقدرة على التصدي للفتن المحتملة.

ولقد عاش مولانا جلال الدين الرومي في العهد الأخير للدولة السلجوقية، في ذلك العهد الحرِج الذي سادت فيه الفوضى وانقلب فيه كل شيء رأسًا على عقب، ومع ذلك استطاع مولانا الرومي أن يؤسس جوًّا ومناخًا من المحبة امتدّ تأثيره حتى يومنا هذا، بل وحتى أثَّر بشكل بالغ في العالم الغربي، فقد كان يقول: إن إحدى قدميه راسخة بين قيمه الذاتية، والأخرى تجول بين اثنتين وسبعين أمة.. وهذه في الحقيقة فكرة عميقة للغاية، وهي الروح والمعنى اللذان نحتاج إليهما كثيرًا اليوم، فإن شئتم أطلقوا عليها “روح المسيحية”، واربطوها بنزول المسيح عليه السلام في آخر الزمان، فإن تشكَّل مثلُ هذا المناخ من المحبة فلن يعتدي أحدٌ على الآخر، وسيأمن الجميع في وطنه وعالمه.

المهم هو الشروعُ في مثل هذا التصالح والوفاق والاحتضان، ولو كان على مستوًى محدود، ونشرُه حولنا تدريجيًّا.

***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة العشرون، ص 211.

[2] صحيح البخاري، التوحيد، 15؛ صحيح مسلم، الذكر، 1.

أربعة أنواع من البلايا يُستعاذ بالله منها

Herkul | | العربية

   سؤال: هل لكم أن تشرحوا وتوضحوا الأمور التي وردت في دعاء سيدنا الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلمٍ لَا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا[1]؟

   الجواب: يُعَدّ دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا من الأوراد الدائمة، وبإمعان النظر في هذه العبارات النبوية يتبين أنها جميعًا تحتوي على معانٍ عميقة، وقد اختزل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هنا معانيَ واسعةً في عباراتٍ وجيزةٍ كما هو الحال في كثير من بياناته التي هي من جوامع الكلم.

والواقع أنه يمكن النظر بهذه النظرة إلى كل كلمة تخرج من فيه المبارك، وربما تكون هذه الدقائق مفقودةً في بعض الأحاديث المروية بمعناها لا بلفظها، والحقيقة أن الصحابة رضوان الله عليهم أثناء روايتهم للحديث أَوْلوْا عناية كبيرة وفائقة بروايتها بالألفاظ التي صدرت من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يتوجّسون خيفةً من أن ينسبوا إليه كلمة لم يقلها، وإن المطابقة أو التشابهَ في رواية العديد من الأحاديث التي وردت بأسانيد مختلفة لتكشفُ عن مدى حساسية الصحابة واهتمامهم في هذا الموضوع، ورغم كل شيء يجب ألا نغفل إمكانية وجود بعض الفروق اللفظية في الأحاديث المروية بمعناها.

وفي الحديث الوارد هنا يستعيذ الرسول صلّى الله عليه وسلم من أربعة أشياء، تمامًا مثلما استعاذ في أحاديث أخرى من الشيطان وعذاب جهنم وشر النفس والمصائب الجسام التي يتعذر الثبات أمامها، أي إن كلَّ أمرٍ من الأمور المذكورة في الحديث آفةٌ ومصيبةٌ عظيمةٌ تتطلّب من المؤمن الاستعاذة بالله منها.

   أولًا: علم لا ينفع

وعندما ننظر إلى الآفات المذكورة في الحديث نجد أوَّلَها العلمَ غيرَ النافع، فأيُّ إنسانٍ يمكنه أن يتحصّل على مجموعة من المعلومات النظرية بالتفكر في الأنفس وفي الآفاق، وبما يجريه من دراسات وبحوث حول الكون، وبالجلوس إلى معلم، وباستماع المواعظ والنصائح… إلخ. ولكن الأمر المهم أصلًا هو تحويلُ هذه المعلومات إلى واقع عملي والعملُ على أن تُؤتي ثمارها، فإذا ما اعتبرنا المعلومات المتوفرة لدينا بذرةً فإنَّ تحوُّل تلك البذورِ إلى شجرةٍ مثمرةٍ أمرٌ مرهونٌ بالعمل، وهكذا فإن الحكمة الحقيقية أيضًا تتولد من هنا، وبالمثل فإن معرفة الإنسان للذات الإلهية أمر مرهون بإدراكه النقطة الجامعة لما هو نظري وما هو عملي، واستثمار كليهما في وقتٍ واحد.

وأرجو ألا يُفهم من كلامي هذا أن المعلومات النظرية غير مهمة؛ فبها تُعرَف ماهية التطبيق وكيفيته، فعلينا امتلاك العِلمِ أولًا، ثم يجب الوقوف على الطريقة التي يمكن أن نحوّل بها هذا العلم إلى عمل في حياتنا الشخصية والأسرية والاجتماعية على حد سواء، ونجعله مفيدة ونقدّمه لإفادة الإنسانية.

وإن فهم المقصود من العلم هنا على أنه العلم الديني تضييقٌ للمسألة، فمن يشتغلون بالعلوم التطبيقية -أي من يبذلون جهدًا من أجل فهم الأوامر التكوينية- يجب عليهم أن يركزوا على جعل العلوم التي يتحصّلون عليها علومًا مفيدةً لأنفسهم وللإنسانية جمعاء؛ لأن المعلومات التي تظل عبارة عن نظريات مجردة لن تعود بالنفع على أي أحد.

بالإضافة إلى ذلك فإن النفع المذكور في الحديث يشمل المنافع الدنيوية والأخروية على حد سواء، وعليه فإنه ينبغي ألا تظل المعلومات التي تحصلنا عليها حبيسة النظرية، فبينما نسعى لإعمار الدنيا بواسطتها من ناحية، علينا من ناحية أخرى أن نسعى إلى إحياء آخرتنا بها أيضًا، والحقيقة أنكم إن قدمتم علمكم لنفع الإنسانية، ولإقامة صرح روحكم؛ عادت عليكم ثمار ذلك في الآخرة.

والحاصل أن الأصل في العلم هو تطبيقُه وجعلُه مفيدًا نافعًا، وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من العلم إن لم يكن على هذا النحو.

   ثانيًا: قلبٌ لا يخشع

الأمر الثاني الذي استعاذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القلب الذي لا يخشع، والخشوع يعني تلوي الإنسان بين يدي الله وارتجاف قلبه عند ذكر الله وإصابته برعشة تضربه من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه، وبناءً على ما صرحت به الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (سورة فَاطِرٍ: 35/28) فإن العلم يقتضي خشية الله، ولكنه وكما أن العلم المراد هنا ليس العلم النظري المجرد، فإن العالم أيضًا ليس ذلك الإنسان الذي يحمل معلومات نظريةً فحسب، فالإنسان الذي لا يعيش بحسب متطلبات علمه ولا يعمل بعلمه لا يختلف عن الإنسان الجاهل في شيء.

المهم هو تحويل المعلومات النظرية المتوفرة إلى معرفة، أي جعلها ثقافة وجدان وخلية عرفان، وهذا أيضًا من شأنه أن يُنمي المحبة في الصدر؛ وحينها يشعر العبد بربه ويُحبه أكثر؛ لأن الإنسان يحب ما يعرفه بقدرِ معرفته له، فإن لم يكن لدى البعض حبٌّ وشوقٌ إلى الله فما ذلك إلا لأنهم لم يعرفوه ولم يخبروه بما فيه الكفاية، ولا يمكن لقلب مشغول بمعرفة الله ومحبته ألا يشعر بالخشوع بين يديه، فمثل هذا الشخص دائمًا ما يكون حذرًا ويقظًا، ويصاب بالقشعريرة حالما يسمع الاسم الجليل لله سبحانه وتعالى، وهذا أيضًا يثير الشعور بالشوق إلى لقاء الله، أي إن المرء ينتظر دائمًا اليوم الذي سيصل فيه إلى الله ويلتقيه، ولكن لأنه يعلم أنه أُرسِل إلى الدنيا كجندي وأن أمر تسريحه ليس في يده فإنه يظل ينتظر بصبرٍ ورضًا تلك اللحظة التي سيُسرَّح فيها، فمن ناحية يشتعل ويلتهب كالمواقد بالشوق إليه تعالى، ومن ناحية أخرى لا يشتكي ولا يبدي أي غمٍّ وحزنٍ، ويظلّ طوال حياته يعيش في هذا الإطار الثنائي، وهكذا فكل هذه الأمور قضايا تتعلق بالحكمة من جهة وبالخشوع من جهة أخرى، ذلك أنه يمكننا النظر إلى الخشوع على أنه إصلاح وإعمار وإحياء للقلب، بل والأكثر من ذلك، صيرورةُ اللطيفة الربانية والسر والخفي والأخفى في نشاط وحيوية.. وكل هذه آفاق يمكن الوصول إليها عبر استخدام العلوم النظرية التي تم الحصول عليها ابتداءً استخدامًا جيّدًا للغاية.

   ثالثًا: نفس لا تشبع

ويستعيذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالله ثالثًا من النفس النهمة التي لا تشبع؛ فلقد خُلقت النفس مولعة بالأكل والشرب والتجوال واللهو واللعب، فالنفس التي تأكل بنهم وشره، ومهما أعطيتَها تقول دائمًا: “هل من مزيد؟”، ولا تتخلى عن جشعها هي بلاء يُستعاذ منها، فلم يُخلَق الإنسانُ لإشباع رغبات النفس ونزواتها، وإنما للعبادة والعبودية، وفي الكون مخلوقات متعددة وكثيرة تأكل وتشرب وتنام وتستريح، وألا يمكن لكائنٍ ملكاتُه على أعلى مستوى مثل الإنسان؛ ألّا يكون له همٌّ سوى الأكل والشرب فقط.

إن الإنسان الذي جعله الله مظهرًا لأحسن تقويم ينبغي أن تكون عليه بعض المسؤوليات والتكاليف التي يتطلبها هذا الخلْق المثالي.. ويصف القرآن الكريم مَن لا يقومون بهذه المسؤوليات بقوله: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/179)؛ لأن فساد الشيء الثمين ليس كفساد الشيء العادي، وأيًّا كان مقدار النعمة التي أنتم فيها، فإنكم إن لم تقدروها حق قدرها، ستدفعون لذلك غرامةً بقدر النعم التي حظيتم بها، وإذا استُضفتم في الجناح الخاص ولم تراعوا آدابه فلن يتركوكم في الردهة فحسب، بل يطردونكم إلى الخارج.. والأمر كذلك تمامًا بالنسبة للإنسان أيضًا فإنه إذا تخلّى عن ماهيته وتفسّخ وتعفّن فلن يمكنه الثبات على سطح مستوٍ؛ بل سيسقط ويتردّى في حفرة عميقة.

   رابعًا: دعوة لا يُستجاب لها

ويستعيذ رسولنا صلى الله عليه وسلم أخيرًا من الدعاء غير المستجاب، يقول الله تعالى :﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/186)، ففي هذه الآية يخبرنا ربنا سبحانه وتعالى بأنه سيجيب الدعاء، وفي آية أخرى يحثُّ الله عباده على الدعاء فيقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (سورة غَافِرٍ: 40/60).

وثمة فائدة من التذكير هنا بأن: استجابة الله لدعوات عباده لا تعني أن يعطيهم دائمًا الأشياء التي طلبوها بعينها؛ لأن الأشياء التي يريدها العبد قد تكون ضدَّ مصلحتِه أحيانًا، لذا يستجيب الله لدعاء عبده بأن يعطيه أجمل مما يطلب، وهذا يشبه تمامًا قولَ المريض للطبيب “أعطني هذا الدواء”، فالطبيب لا يصف الدواء الذي يريده المريض إن كان لا يراه مفيدًا له، وإنما يعطيه دواءً آخر ناجعًا له.

ومن ناحية أخرى فقد ورد في حديث نبوي شريف: “إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ[2]، ولهذا السبب فإن واجب المؤمن هو أن يرفع دعاءه إلى الله تعالى بتركيز وخشوع شديدين، ويعمل على إزالة جميع العقبات التي بينه وبين الله عز وجل، ثم يتوجه بقلبه إلى الله تعالى مباشرة.. وعليه أن يفكر في المعنى الذي تشير إليه كل كلمة تخرج من فمه، وأن تخرج كلمات الدعاء من فمِه بطريقة تؤثّر على إيقاع قلبه.

لذلك يمكننا القول إن نبينا صلى الله عليه وسلم قد استعاذ بالله من الدعاء في غفلة ودون وعي وشعور، رغم أنه لم يدعُ ربه على هذا المنوال قط، ولكنه يقول ذلك كإحدى مقتضيات رسالته وإرشاداته مثلما هو الحال في الأمور الأخرى، إنه يرشد أولئك الذين تقطعت بهم السبل وسقطوا وزلّوا أمثالنا.. فواجبُنا نحن في المقابل أن نضرع إلى الله بالدعاء دائمًا دون كلل ولا ملل، مراعين تمامًا كلَّ آداب الدعاء وأركانه.

***

[1] صحيح مسلم، الذكر، 73؛ سنن أبي داود، الوتر، 32؛ سنن الترمذي، الدعوات، 68.

[2] سنن الترمذي، الدعوات، 66.

الكذب الضمني

Herkul | | العربية

   سؤال: تحدثتم في أحد دروسكم عن الكذب الضمني مثل المبالغة والتماس الأعذار والتعريض، وأكّدتم على ضرورة تجنُّب المؤمن لهذه الأمور.. فهل تتفضلون بتفصيل الموضوع قليلًا؟

   الجواب: تسجل الملائكة الكرام كلَّ كلمة تخرج من أفواهنا في سجلِّ أعمالنا، ربما لا تعرف الملائكة ما يقابل هذه الأقوال من قصد، فلا يعلمون بما يخطر على قلوبنا من نوايا وعزائم وقرارات وحسابات وخطط ما لم يأذن الله تعالى، وقد لا يعرفون أيضًا قدر ما يُستهدف منها رضا الله تعالى، وما يُقصَد به إبرازُ النفس، لكن الله جل جلاله مطّلعٌ على كل هذا، فإذا لم يكن هناك توافق تام بين الظاهر والباطن؛ كأن لا تعكس السلوكياتُ والأفعالُ الحسنةُ النوايَا والأفكارَ السيئةَ فإن الله تعالى يحاسب صاحبها على هذا، فلا فرق عنده سبحانه بين الكذب الضمني والكذب الصريح من حيث كونهما كذبًا.

فقد يقع المرء في الكذب الضمني حتى عند ذكره “اسم الجلالة”.. وعلى سبيل المثال فإن الشخص الذي يستمع إلى تلاوة القرآن أو الوعظ، ويصيح قائلًا “الله” دون أن ينفعل من داخله؛ يُعَدُّ فعلُه هذا كذبًا، وعليه أن يرجع من فوره عند إدراكه ذلك، ويعيد النظر في تصرفه، ويتوجه إلى الله عز وجل بالاستغفار.

فيجب أن ينتبه المؤمن إلى صوت وجدانه في جميع الأعمال التي يقوم بها كتلاوة القرآن والإقامة وأداء الصلاء.. ويجب ألا يسعى إلى إبراز نفسه في الأعمال التي يفعلها لله سبحانه وتعالى، وألا يربط النتائج بشخصه، وألا يحاول التعبير عن نفسه؛ وإلا عُدّ هذا كذبًا ضمنيًّا..

 كذلك فإن محاولة المرء التظاهرَ بالرقة والظُّرف واللطافة في حين أنه ليس كذلك؛ أي يتظاهر باللطافة أو يذرف الدموع في حين أن هذا لا ينبع من داخله، فإن هذه نماذج مختلفة من عدم الإخلاص، وجميعها بلا شك يندرج تحت عنوان الكذب الضمني.. ومن المعلوم أن المنافقين يتبوؤون مركز الصدارة في هذا الجانب؛ حيث إنهم يُظهِرون بأقوالهم وأفعالهم ما ليس في قلوبهم، وعلى الرغم من أنه ليس من الصواب وصف جميع من يعيشون تغايرًا بين الظاهر والباطن بالنفاق؛ إلا أنهم جميعًا يحملون شيئًا من النفاق بلا ريب.

 وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من العين التي لا تدمع استعاذتَهُ من النار والشيطان.. فإن العين التي لا تدمع ستؤول إلى الخسران.. ومن جانب آخر فإن من يبكي ويذرف الدموع رياءً وسمعةً، وليس من انفعاله الداخلي وإحساسه ومشاعره، فهو أيضًا قد يكون من الخاسرين، إن الدموع هي إكسير يُخمد لهيب جهنم في الظروف العادية، إلا أنها تفقد كل تأثيرها في اللحظة التي تُرهن فيها برأي الناس وتقديرهم، فلا يمكنها عندئذ إطفاء ولو شرارة واحدة ناهيك عن جهنم.

هل الدموع فحسب؟ في الحقيقة إن كل الأعمال التي يضطلع بها الإنسان في سبيل الله تعالى هي إكسير حياة أيضًا من أجل إحياء وإعمار حياته الأخروية أو الفوز برضا الحق تعالى، المهم أن تُؤدَّى بإخلاص وصدق، وأن تكون بعيدة عن كل أنواع الرياء، من هذه الزاوية يجب على الإنسان أن يقف على الدوام عند كل كلمة تخرج من فمه أو كل عمل يصدر من أعضائه، ويقول: “هل أستطيع يا تُرى أن أعكس بأقوالي وأفعالي هذه صوتَ وجداني؟! هل أنا يا تُرى رجل النوايا؟!”، إذا لم يشعر المرء بصدق حيال هذا الأمر، فيجب أن يتراجع خطوة إلى الوراء، ويقف حيث يجب أن يقف في الأساس.

لنفترض أنكم تخرجون أمام الجماهير وتحاولون أن تكونوا مترجمين لبعض الحقائق سواء بالوعظ أو الخطبة أو بأي وسيلة أخرى، فإن لم ينعكس ولو واحد من عشرة من صوت وجدانكم على الكلام الذي يخرج من أفواهكم، ولم تشعروا بكيانكم باختلاجة الكلمات الصادرة من قلوبكم؛ فإن هذا يعني أنكم تكذبون ضمنيًّا بأسلوبكم وأفعالكم، وإذا كنتم تقصدون إبراز أنفسكم وأنتم تذكرون اسم “الله”، فأنتم أيضًا تكذبون ضمنيًّا.. ولو أن الملائكة الكرام لا يعلمون ذلك ولا يكتبونه فإن الله يعلمه، لأنه تعالى أقرب إلينا من حبل الوريد، فإذا أردتم الانسلاخ عن هذا النوع من الأكاذيب الضمنية، فيجب عليكم تحقيق التكامل بين الظاهر والباطن، وأن تتركوا المسألة تجري وفقًا لمجراها الطبيعي.

إلى جانب ذلك قد يرغب المرء من خلال آرائه أن يُظهر نفسه بأنه مفكِّرٌ ومتعمِّق، وقد يحاول من خلال أطواره وأفعاله أن يومئ إلى أنه إنسان قلب وروح منفتح على الروحانيات واللدنّيات، ومن خلال نبرة صوته وتوكيداته يريد أن يُبرز نفسه ويعبر عنها.. بيد أن كل هذه الأفعال مجرد كذب ضمني على الله جل جلاله طالما لم تكن انعكاسًا للقلب والروح.. فالواجب على المؤمن التزام الصدق والإخلاص.

   اختلاق المعاذير للأخطاء كذب ضمني

ومن الأخطاء التي يقع فيها المرء أيضًا اختلاق المعاذير لأخطائه، فقد نرتكب كلنا بعض الأخطاء في أزمنة متفاوتة؛ لأنه على حد تعبير رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ابن آدم خطَّاءٌ، بل إن ارتكاب الخطإ كامن في طبيعة جيناته، وإلا فكيف لكم تفسير الحديث الذي يقول: “وَنُسِّيَ آدَمُ فَنُسِّيَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَخَطِئَ آدَمُ فَخَطِئَتْ ذُرِّيَّتُهُ[1]، فإذا همّ الإنسان بسيئة دون قصد ربما لا تكتب سيئةً في صحيفة سيئاته، لأن نبينا صلى الله عليه وسلم قد بيَّن أن القلم قد رُفع عن الناسي والنائم والمُكره، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ[2]، وكذلك فإن الآية الكريمة ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/286) تدعو المؤمنين إلى الاستغفار حتى عما يبدر منهم من خطإ أو نسيان، مشيرةً إلى ضرورة أن نتحلى بالحيطة والحذر في هذا الأمر.. فإذا كنا مدعوِّين إلى الاستغفار حتى من الزلات والهفوات غير المقصودة، فمن الواجب علينا الإسراع إلى التطهر بالتوبة والاستغفار من الذنوب المرتكبة عمدًا وبسابقِ قصد.

قد يخطئ الإنسان بأقواله أحيانًا وسلوكياته وأفعاله أحيانًا أخرى.. وعليه إذا ما ذكَّره أحدهم بهذا أن يستدرك خطأه، ويتوجه إلى الله تعالى بالتوبة والاستغفار، أما إذا لم يفعل ذلك وأخذ يبرِّئ ساحتَه بالمعاذير المختلَقة، والتلاعب بالكلمات، دخل هذا أيضًا في خضم الكذب الضمني، وهذا أمرٌ يقع فيه الكثيرون مع الأسف!

أجل، إن إخبار المرء وتحذيره من خطئه في وجهه يمسّ من كرامته ويثقل عليه، حتى إن الشخص قد يرتجف أحيانًا وكأنه قد صُفع أمام هذا التحذير والتذكير، لكن إذا ما كان التنبيه في محلّه، فالواجب شُكر المخاطب وتصحيح الخطإ، ومحاولة منع النفس من الامتعاض والتذمّر، يقول الأستاذ بديع الزمان مشيرًا إلى أهمية هذا السلوك: “إن نبهني أحدٌ على وجود عقرب في أي جزء من جسمي، عليّ أن أرضى عنه، لا أمتعض منه”[3].

وعلى حد قول الأستاذ بديع الزمان، إن الكذب هو صفة من صفات الكفر.. ومن ثم لا يليق أن يصدر عن فَمِ المؤمن، فكما لا يستطيع من يؤمن بالله أن يضع في فمه المسكرات أو الأطعمة المحرمة، فلا يجوز أن يصدر من فمه أي نوع من الكذب كبيره وصغيره، سره وعلانيته، لا شك في أأن الكاذب لا يمكن وصفه بالكفر لمجرد هذا الذنب، إلا أن هذا يعني أن ذلك الشخص قد بات يخطو أولى خطواته نحو الكفر، وأصبح يحمل إحدى صفاته، وإن ارتكاب الإنسان أيَّ سلوكٍ يخالف الواقع سواء قوليًّا أو فعليًّا أو حاليًّا أو حسيًّا؛ فهو كذب وخداع وخطوة يخطوها نحو الكفر، فإن من يبحر لمرة واحدة في بحر الكفر والذنوب -حفظنا الله- قد لا يقدر على العودة مرة أخرى، لذا فعلينا ألا نحوم حول هذه المياه الخطرة، وألا نخرج أبدًا عن دائرة الحلال..

وكما أن صدق الأنبياء هو أكبر شاهد على صدق نبوتهم، فإن صدق السائرين في درب الخدمة الإيمانية والقرآنية هو بالمثل أكبر ضمان لصدق دعوتهم.. فيجب على الإنسان أن يعيش ما يقول حتى يُحدِثَ التأثير في مخاطبيه.. والقرآن الكريم يعاتب من يكذِّب فعلُه قولَه، فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (سورة الصَّفِّ: 61/2-3)، وهذا في الحقيقة أحد العوامل المهمة الكامنة وراء عدم فعالية وتأثير أقوال الأئمة والناصحين في يومنا الحاضر.

ينبغي للمؤمنين أن يعبروا عن أصوات وجدانهم بأحوالهم وحركاتهم، وقيامهم وقعودهم، وإيماءاتهم وقسمات وجوههم، وأن يكونوا دائمًا ممثلين للصدق والحقيقة، فكما أن للصدق اعتبارًا كبيرًا في نظر الناس؛ فإن له مقامًا في غاية الرفعة والأهمّية عند الله عز وجل، وإن الألطاف والنعم التي يحظى بها ممثلو الصدق عظيمةٌ جدًّا لدرجة أنها تتجاوز إدراكنا.

***

[1] سنن الترمذي، تفسير القرآن، 8.

[2] سنن ابن ماجه، الطلاق، 16.

[3] بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب السادس عشر، ص 82.

ضوابط التأويل الصحيح للدين

Herkul | | العربية

إن العملَ على نقلِ نمطِ الناسِ في الحياة أثناء عصر السعادة (عصر النبوة) إلى يومنا الحاضر حرفيًّا بالضبط، ومحاولةَ تطبيقه بعينه دون أدنى تغيير أو تعديل قد لا يتناسب مع روح الدين، كما أنه ربما يُفضي إلى نزاع وخلاف أيضًا، فما يجب القيام به هو استيعاب الفلسفة الأساسية للسنة استيعابًا جيدًا، ووضعُ الحلول للمشاكل اليومية بما يتناسب مع ظروف الزمان الذي نعيشه انطلاقًا من النقاط التي سكت عنها الشرع ولم يقطع فيها بحكم، وعند النظر إلى السيرة بهذه النظرة يمكن حينئذ أن تُستنبط المبادئ والقواعد المهمة بالنسبة ليومنا الحاضر من إستراتيجية الرسول صلى الله عليه وسلم في الحرب والسلم، ومن منهجه في الإرشاد والتبليغ، ومن مفهومه للحكم والإدارة، أو من إجراءاته الخاصة بالفتوى والقضاء.

لا جرم أننا نمتلك قيمًا عالميةً، ولكن المهم هو القدرة على تفسيرها وفقًا للظروف الراهنة، قد تكون الحياة التي نرغب أن نعيشها موجودةً في الماضي وإن كانت على نحوٍ ومسارٍ مختلف، ولكنكم إن لم تميزوا بين مسار الماضي ومسار الحاضر تمييزًا جيدًا، وتجاهلتم الفروق التي بينهما؛ فيستحيل أن تحققوا الرغبات والأهداف، فعلينا ألا ننسى الحاجة الملحّة لتنوّع الصيغ والأساليب، وضرورة إعادة النظر في بعض الحلول الجاهزة التي أمامنا.

ومع هذا فليُعلَمْ جيدًا أنه ليس من السهل تفسير الأحكام الأساسية والقيم التي توارثناها وفقًا للأوضاع الحالية والظروف الراهنة، وأنه كثيرًا ما وقعت أخطاء جسيمة للغاية في هذا الشأن، ولا سيما أنه كثيرًا ما تحدث سقطات وأخطاء عند السعي إلى حل المشاكل بإبراز القناعات الذاتية، والتمسك بزمام الآراء الشخصية.. أما السبيل لتقليل هذه الأخطاء المحتملة إلى أقل قدرٍ ممكن فهو إحالة هذا الأمر إلى هيئةٍ تتولى مطالعته ومذاكرته؛ لأن بوارق الحقائق تسطع من تداول وتبادل الأفكار.

إننا وإن كنا على علم جيّد ببعض القضايا فمن غير الممكن أن نعرف عنها كلَّ شيء لا سيما في عالم اليوم الذي تعقدت فيه الحياة كثيرًا، فقد تقصر رؤانا أحيانًا؛ وبالتالي ربما لا نستطيع النظر إلى الأحداث نظرة شمولية كاملة.. وربما لا نمتلك معلومات كافيةً بشأن كل المجالات المتعلقة بالموضوع الذي نشتغل به، والأدهى من ذلك أننا قد ننساق أحيانًا وراء أنفسنا ورغباتنا وأهوائنا، وربما لا نستطيع معالجة الأحداث في إطار منطقية القرآن الكريم، ولا تقويم كل مسألة نتناولها وفقًا للمعايير السليمة التي وضعها القرآن والسنة، فما نراه مصلحةً ونفعًا ومعقولًا بالنسبة لنا قد يدخل في باب المصلحة المردودة (أي التي لا تشهد النصوص الشرعية لنوعها ولا لجنسها بالاعتبار)، وبالتالي ربما نصدر أحكامًا تتعارض مع روح الدين.

وهكذا فإن السبيل إلى الانسلاخ من كل هذه المحاذير هو الاستعانة بالوعي الجمعي، وعليه فلا يُقطَعُ في أمرٍ ما إلا انطلاقًا من مبدإ الشورى، فلو أنكم تمررون قراراتكم وآراءكم من مصفاة الشورى، وتضبطون أفكاركم الشخصية بوجهات نظر الآخرين فقد يتسنى لكم حينئذ العثور على الرأي السديد والقرار السوي الصحيح، فقد بيّنَ سلطان الكَلِمِ صلى الله عليه وسلم أنه: “مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ[1].

من جانب آخر فعندما نتناول القضايا الدينية لا بدّ لنا من الوقوف حيث وقف الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح، إلى جانب الحرص على عدم انتهاك أحكام الدين المحكمة الثابتة عند تقديم آرائنا في القضايا الصالحة للتفسير والتأويل، أو عند الإتيان بتفسيرات تتناسب مع ظروف الزمان.. فلا ينبغي أن تسوقنا إلى إساءة الأدب مع علماء السلف، ولا سيما الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، لأن هذه الأنشطةَ الذهنية والعقلية التي نبغي من ورائها إيجاد حلول للمشاكل اليومية؛ إذا انفلتت فيها الأمور من أيدينا فلا ندري إِلَامَ تصير العاقبة، فلو أنكم شرعتم في الأمر اليوم بمساءلة الصحابة ومحاكمتهم فسيأتي يوم تتطاولون فيه -لا قدّر الله- على مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم، وتنظرون إليه -حاشاه- على أنه “ساع للبريد”.. بل قد لا يقتصر الأمر على ذلك، ويمتد إلى القرآن الكريم، وليس بقليل عدد أولئك الذين ينظرون اليوم إلى القرآن على أنه نصٌّ تاريخي، ويرونه مجرد كتابٍ يخاطب أفهام الناس الذين كانوا يعيشون قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان، وبالتالي يحاولون تبديل الكثير من محكماته.

وإن السعي إلى إبراز الذات اعتمادًا على العادات والكماليات والآراء المختلفة قد يقود إلى بعض الآراء الهامشية المنافية لروح القرآن الكريم، وكذلك فإن اعتبارَ نمط الحياة الذي يفرضه العالم الحديث أمرٌ لا يمكن التخلص منه أو لا يمكن تعديله وتغييره، أو الاعتقاد باستحالة إعادة بعض الممارسات التي ابتعدت عن أصلها إلى مدارها الصحيح مرة أخرى، أو الاعتقاد بأنه يستحيل أن تُغرس في المجتمع من جديد بعض القيم المنسية المهملة؛ كلُّ ذلك قد يبدو من المبررات الأخرى لما يحدث في هذا الشأن من انحرافات وانزلاقات.

ومن الأسباب التي تكمن وراء هذه الفكرة عدمُ الإيمان كما يجب بعناية الله ورعايته، وعدمُ الثقة بقدر كافٍ بالقيم المتبناة والحقائق المسلّم بها، في حين أن قدوتنا ومثلنا الأعلى في هذا المجالِ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد أنشأ صلى الله عليه وسلم من مجتمعٍ جاهليٍّ يسود فيه كل أنواع الظلم والوحشية أمّةً تربّي العقول والقلوب، ورفعَ هؤلاء الجاهليين الغلاظ المفتقرين إلى قواعد السلوك إلى مرتبة معلمي الحضارات.

ومن الخطإ الجسيم الاعتقاد بأن المشاكل لن تُحلّ إلا بجهودنا ومساعينا أنفسنا، أو أن نعدّ الطريق إلى بعثٍ جديدٍ بعد الموت محصورًا بقوتنا وقدراتنا، وما يقع على عاتقنا هو القيام بواجبنا ومسؤوليتنا وعدم التدخل فيما يقتضيه شأن الربوبية، ثم الاعتماد فيما بعد على قوة الحقيقة، والإيمان الكامل بمزيد عناية الله تعالى ورحمته.. ومن المؤكد أن الله تعالى القوي القدير ذي العزة والجبروت سيبارك جهودَنا الضئيلة، وسيمدنا بمدده عند عجزنا وتقصيرنا؛ ومن ثم فإنه ينبغي لنا ألا نتلاعب بالحقائق بالنظر إلى عجزنا وضعفنا، وألا نبتعد عن القيم التي نتبناها بحجة مواكبة الحياة المعاصرة.. لا بد من الإيمان بقوة القرآن، والاستناد إليه، وعدم تحريف أحكامه ظانين أننا بذلك سنجد الحل للمشاكل التي تواجهنا.

ولا ننسَ أنه كما لا يُستَصْغَرُ شيءٌ من البرّ والثواب، فكذلك لا يستصغر شيء من الخطإ والذنوب.. وكما أن هناك أمورًا صغيرةً -مثلما ورد في الحديث الشريف- يمكنها أن تكون سبيلًا لخلاصِنا ونجاتِنا مثل تبسُّم الإنسان في وجه أخيه، وإماطة الأذى عن الطريق؛ فكذلك هناك أخطاء صغيرة لا نأبه بها ونستصغرها قد تُلقي بنا إلى أسفل سافلين، وعلى ذلك يجب قياس كون الشيء هينًا أو عظيمًا بالنظر إلى نتيجته، وأحيانًا ما تنتج الزاوية الصغيرة التي في المركز زاوية كبيرة على الخط المحيط، والقرار الخاطئ من الرماة حين تركوا مواقعهم على الجبل رغم تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم من فِعْلِ ذلك كلّفَ الكثير من الصحابة حياتهم، وقد تتسبّب أخطاءُ المغامرين في مشاكل كبيرة للأمة قد يصعب التغلب عليها، وبالمثل فإن الأخطاء التي قد يرتكبها من يتبوّؤون مقامًا يسمح لهم بفهم الدين وتفسيره، قد تؤدي إلى انحرافات كبيرة يصعب تلافيها في المستقبل.

ثمّ إنّ مواقف وسلوكيات الأشخاص الذين يوجِّهون المجتمع بصفة خاصة ويأخذون زمام المبادرة في مثل هذه الأمور مهمةٌ للغاية؛ لأن الخلف يكونون على إثرهم، فإن أحسنوا السيرَ قصَّ هؤلاء الخلفُ إثرهم، ولكن لو اقترف السلف بعض الأخطاء فلن تقتصر هذه الأخطاء عليهم، بل ستعمّ وتتفاقم، فمن المؤسف أنه من بين الأسباب المهمة الكامنة وراء مشاكلنا الحاضرة هو عدمُ استيفاءِ البعضِ ممن هم في الطليعة بحقوق المقام الذي يتبوؤونه، وعدم قدرتهم على التفكير فيما يتطلبه هذا المقام، ولذلك فإن انحرافاتهم الفكرية قد تؤدي إلى انهيارات كبيرة عندما تتلقّفها القاعدة الشعبية، فإذا كانت استقامة التفكير والتصرفات مهمة بالنسبة للجميع، فهي أكثر أهمية بالنسبة لمن هم في الطليعة.

***

[1] الطبراني: المعجم الأوسط، 6/365؛ المعجم الصغير، 2/175؛ القضاعي: مسند الشهاب، 2/7.

الإنسان وخلافة الأرض

Herkul | | العربية

   سؤال: لقد جعل الحق تعالى الإنسان خليفة في الأرض، فما المسؤوليات التي تقع على عاتق الإنسان بموجب هذه الخلافة؟ وكيف تستشعر  روح الإنسان هذه الحقيقة؟

   الجواب: ثمة آيةٌ كريمة تشير إلى حقيقة خلافة الله للإنسان في الأرض، يقول فيها ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/30).

وخلافة الله للإنسان في الأرض -أو لو جاز التعبير: وكالتُه له سبحانه وتعالى- تعني: أن يتصرف الإنسان في الكون باسم الله ونيابة عنه.

ويتوقّف فهمُ الإنسان لهذه الحقيقة على صلته بربه جل وعلا، وتختلف هذه الصلة اختلافًا بيّنًا من شخص إلى آخر، فيتفاوت الناس في هذا الأمر من أعلى عليين إلى أسفل سافلين، فكل شخص يستشعر ما ينبغي له، وينفتح على الحقائق السامية بقدر ما تسمح له جاهزيته المعنوية وبنيته الداخلية ومستواه التعليمي.. فمثلًا من المتعذر علينا أن نخمِّن أو نحسب قدر استشعار سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحقيقة الألوهية، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يقولون: كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف للصلاة يُسمَع له أزيز كأزيز المِرْجَل[1].. فلا أحد يدرك ماهية وكمّية العوالم التي ينفتح عليها عند اتصاله بربه جل وعلا!

وكذلك فقد كانت علاقةُ سادتِنا أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم جميعًا بالله سبحانه وتعالى قويةً وعميقةً إلى أقصى درجة؛ فمثلًا كان سيدنا أبو بكر رضي الله عنه يُسمع له صوت ونشيج أثناء الصلاة يأخذ بالألباب ويؤثر حتى في رؤوس الشرك، حتى إن الواحد منهم كان يأتي متخفيًا عن الآخر ليسمع أبا بكر رضي الله عنه وهو قائم يصلي، وكذلك كان نحيبُ سيدنا عمر رضي الله عنه يُسمع من آخر الصفوف، وهكذا فإن استشعار الإنسان بحقيقة الخلافة بروحه، وتصرفَه لما تقتضيه هذه الحقيقة منوطٌ بصلته القوية بالله سبحانه وتعالى.

وكما ذكرنا آنفًا فإن الخلافة تعني تصرف الإنسان في الكون باسم الله وبالنيابة عنه، وهذا لا يعني حتمًا القيام بالشؤون الإلهية، إن الخلافة تعطي الإنسان حقّ التدخل في الكون الذي خلقه الله وسخره له، وهو ما يشبه تشجير مساحة معينة من الأرض في إطار المقاييس والمعايير التي وضعها الحق سبحانه وتعالى، فما أعظمه من فضل أن يخص اللهُ الإنسانَ بمثل هذه الوظيفة التي لم يوكّل بها لا الملائكة ولا المخلوقات الروحانية الأخرى.. إن الإنسان كائن مادي، نشأ في حضن الطبيعة، وزوِّد بقدرات تفهم لغة الطبيعة؛ ولذا أعطِي له حق التصرف في الكون بأكمله.

فما يقع على عاتق الإنسان هو أن يقرأ كتاب الكون بتفحّصٍ وتمعُّن، وأن يجري الأبحاث والدراسات حول الكائنات الحية وغير الحية، ليزيد -من جهةٍ- معرفتَه بالله تعالى، ويقدم -من جهة أخرى- خدمات وأبحاثًا تصبّ في صالح الإنسانية، بل والمخلوقات كلها.. وحدود سلطة التصرف لدى الإنسان تتوقف على هذا؛ أي على صيانته للكون على النحو الذي خلقه الله، وقيامِه بأعمال تصب في مصلحة هذا الكون.. أما تغيير الفطرة التي وضعها الله فهذا أمر يتجاوز حدود سلطته.. ولذلك إذا تجاوزت تصرفات الإنسان حدود الفطرة، وتسببت في الضرر والفساد؛ فهذا يعني أن الإنسان قد أساء استعمال السلطة التي أوكلت إليه.. فمثلًا تقدمت العلوم تقدُّمًا ملحوظًا مثل البيولوجيا الجزيئية والهندسة الوراثية في عصرنا الحاضر، فلو أن التجارب والاختبارات والدراسات التي تُجرى في هذه الميادين تصبّ في مصلحة الإنسانية كعلاج بعض الأمراض، ووضع الحلول للمشاكل الإنسانية المستعصية، وتحقيق السكينة للمجتمع؛ فلا حرج شرعًا في القيام بها، بل وحتى إن الدين يحض ويشجع عليها.. وهذا يعني الاستفادةَ من نِعَمِ الحق سبحانه وتعالى، واستعمالَها بما يخدم هذا الكون أيضًا، بل وحتى إن بعض معجزات الأنبياء الواردة في القرآن الكريم تشير إلى هذا وتحض عليه؛ ولكن إن لم يتوقف الباحثون عند الحد المسموح لهم، فذهبوا يتدخّلون تدخّلًا خاطئًا في الهرمونات والجينات فأفسدوا الطبيعة، وأضروا بصحة الإنسان، وتسببوا في تشوه الأجسام الحية؛ وهذا يعني أنهم خرجوا عن الإطار المشروع.

ولا يغبْ عن بالنا أن خلافة الإنسان في الأرض أي إعطاءه الحق والقدرة على التدخل في الأشياء، تكشف عن طاقة كبيرة كامنة فيه، وكي يتسنى للإنسان تفعيل هذه الطاقة على أرض الواقع فعليه -من ناحيةٍ- أن يُمعن التأمل والتنقيب في الحوادث والأشياء  ومن ناحية أخرى يمضي قدمًا بأفكاره ودراساته، ولا يقف عند حدود الطبيعة، ويتجاوز المادة، ويصل إلى ربه الكبير المتعال.

إن العلوم التجريبية التي يكتسبها الإنسان بعقله وحواسه لها أهمية بالغة، ولكن حدود الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم هي أرقى من ذلك وأشمل، فما على الإنسان إلا أن يقهر المستحيلات ويصل إلى ربه القدير سبحانه وتعالى، أما إذا حصر الإنسان نفسه في دائرة المادة، وظل عاكفًا على مختبراته، ولم يتجاوز المعطيات التي حصل عليها عن طريق الملاحظة والتجربة؛ فلن يعي أنه خليفة الله؛ لأن المنُتظَر من الإنسان انطلاقًا من الطاقة الكامنة التي أودعها الله فيه هو أن يصل إلى ربه سبحانه متجاوزًا كل هذه الحدود والعقبات.

والإنسان الذي يعي أنه خليفة الله يمكنه أن يفتح المنافذ التي توصله إلى الله في كل مكان يطل منه، ويمهد السبل، وهذا هو معنى قولهم: “الطُّرُقُ الموصّلة إلى اللهِ بِعَدَدِ أنفاس المخلوقات”، وكما يقول الشاعر “رجائي زاده أكرم”:

الكون كُلُّه كتابُ الله الأعظمُ

فإذا تصفَّحْتَ أيَّ حرفٍ منه وجدتَ الله الأكرم

فمتى وعى الإنسان هذا أدرك أن النظام الرائع الذي يهيمن على هذا الكون يدل على وجود الله تعالى، فحتى وإن لم يتعرف الإنسان على الذات الأحدية ويدركها فقد زادت معرفته بالأسماء الحسنى الإلهية والصفات السبحانية.

وإن معرفة الإنسان بخصائصِ الخلافة والنيابةِ، ومرادِ هذا المقام السامي منه، وكيفيةِ أدائه لحقّه؛ يتوقف على وجود مرشد ودليل، ولا جرم أن المرشدين على مستوى الأصلية هم الأنبياء، ومن بينهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكي يتسنى للإنسان أن يتعرف بحق على الذات الأجلّ الأعلى، وأن يتفهّم المهام والوظائف المنتظَرة منه؛ فعليه التعلق بأذيال هؤلاء المرشدين، ومواصلة رحلة الحياة تحت هدايتهم ومراقبتهم.

فإذا كان الله تعالى -كما ورد في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/30)- هو الذي عهد للإنسان بوظيفة الخلافة، وأمدّه بالقدرة والجاهزية والإمكانات التي تمكّنه من أداء هذه الوظيفة، وسخر له الأرض، فهذا يعني أنه سبحانه وتعالى يعلم مقدار ما سينجز الإنسان من مهام، وما يتمخض عن هذا من نتائج.. ولكن نظرًا لأن طبيعة صفة العلم لا تقتضي وجود المعلوم فإن علم الله لا يحول دون اختيارات الإنسان بمحض إرادته؛ بمعنى أن الله تعالى يخلق النتائج غالبًا وفقًا لميول الإنسان واختياراته.. وهذه مسألة أخرى.

ما أريد قوله هنا هو: إذا كان الله تعالى هو الذي أرسل الإنسان إلى الدنيا بهذه الجاهزية العالية، وأوكل إليه هذه الوظيفة السامية، وأتاح له الإمكانات اللازمة لمباشرة هذه الوظيفة؛ فهذا يستلزم عدم الوقوع في اليأس بأي حال من الأحوال، فحتى وإن تعثرنا وسقطنا أو لم تسِر الأمور كما يحلو لنا، أو لو ظهرت بعض العقبات في طريقنا فلا ينبغي لنا أن نيأس ألبتة، وبما أن الله ساقَنا إلى هذه الرحلة الصعبة فمن المؤكد أن له مرادًا في ذلك، وبناءً عليه فلا محل إذًا لليأس مهما كان الوضع، ولكن تفكير الإنسان في هذا الأمر بشكل سليم وتحديده لموقفه على أساس صحيح يعتمد على التربية والتعليم الجادّين.. أما الإنسان الذي لم ينل قسطًا كافيًا من التعليم فلا يعلم أين وكيف يتصرف! وما الأفكار والمشاعر التي ينبغي له أن يتبنّاها!

قد يبدو لنا أحيانًا وكأننا لا نستطيع مواصلة السير في طريقنا، ولكن يجب ألا ننسى أن رحمة الله وسعت كل شيء، فلو عَلِقنا ومللنا وتعثّرْنا وانقطعت أنفاسُنا في مكان ما فلا شك أن الله سيغيثنا ويمد يد العون لنا، فلا ينبغي لنا أن نقطع رجاءنا وأملنا فيه أبدًا، يشير إلى ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾ (سورة يُوسُفَ: 12/87)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ (سورة الزُّمَرِ: 39/53).

وإذا كنا قد استودعنا الله تعالى كل ما لدينا فعلينا ألّا نقع في اليأس أبدًا، فاليأسُ كما يقول فضيلة الأستاذ النورسي رحمه الله تعالى مانعٌ لكل كمال؛ بمعنى أنه أكبر عائقٍ يحول دون رقي الإنسان.. ويعبر شاعر الإسلام محمد عاكف عن أضرار اليأس بالأبيات الشعرية التالية:

اليأس مستنقع عميق الغور، إذا وقعتَ فيه فأنت غريقُ

فعانِق الأملَ بقوة، وانظر ما ستؤول إليه حالك يا صديقُ

إن من يحيا يحيا بعزيمته وبأمله المنشودِ

واليائس يغلّل روحه وضميره بقيد حديديٍّ منضودِ

لذا فعلى المؤمن المدرك لكونه خليفة الله في الأرض ألّا يقع في اليأس أبدًا.. وحتى وإن ظل وحده وانفضّ عنه كل جنوده فعليه أن يتعلق بالأمل ويقول: “طالما كانت ذخيرتي لا حول ولا قوة إلا بالله فسأتمكن من دحر كل الجيوش بعون الله وتوفيقه”؛ لأن اليأس يعني -من جهةٍ ما- تجاهلَ الإنسانِ لقدرة الله التي لا حد لها، والتغافل عن عنايته ورعايته التي لا منتهى لها، وتقييم كل شيء بقوته وقدرته المحدودة.

من جانبٍ آخر لا بد للإنسان أن يتجنب الوقوع في العُجْبِ والكبرياء والغطرسةِ عند وصولِه إلى نعم الله وخلودِه إلى السكون والراحة، ويجب ألا يعزو النجاح والانتصارات إلى نفسه.. فاليأس في الشدة والغطرسةُ في الرخاء؛ هي سلوكياتٌ لا تليق بخليفة الله في الأرض.

 ***

[1] يعني لصدره أزيز، والأزيز هو صوت بكائه ﷺ، كأزيز المرجل، يعني: كالصوت الذي يصدر من القِدر إذا استجمعت غليانًا، وصارت تغلي، يكون لها صوت، فهذا الصوت يصدر من جوفه عليه الصلاة والسلام من البكاء، وهذا بكاءٌ في غاية الأدب دون رفعٍ للصوت.

الشوق إلى لقاء الله

Herkul | | العربية

   سؤال: كيف يجب فهمُ المقصود بالشوق إلى لقاء الله الوارد في الحديث النبوي الشريف: “مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ”[1]؟

   الجواب: هذا الحديث الشريف يفيد بلازم معناه أن وجه الموت ليس باردًا كما يبدو لنا، ولا يمكن اعتباره مجرد تردٍّ في حفرة ما، وأن الموت لا يعني العدم والفناء، بالعكس إن الموت اسم وعنوان للقاء الله وإدراك معيّته.

يتحدّث أهلُ الحقّ عن الوصال مع الله تعالى وعن إدراك معيته في هذه الدنيا أيضًا، ومن أجل نيل مثل هذه المعية وضعوا طرقًا وأساليب مختلفة وفقًا لمشاربهم وتذوّقهم، إنهم يذكرون أنّ منْ يتفانى في بذل الجهد والسعي بإتقان ويقطع كل العلائق بما سوى الله، ويولي وجهه شطر الله تعالى مباشرة يمكنه أن يرتقي إلى مقامات “الفناء في الله، والبقاء بالله، ومع الله”.. ويمكن تسمية ذلك بـ”الوصول إلى المعية”، وبوسعكم أيضًا أن تطلبوا في دعواتكم “ولاية الله”، والظفرَ بحضرته الجليلة، وليس ولاية فلان، ولا مجالسة علّان.

ومع ذلك، فإن تحقُّقَ اللقاء وفقًا لجوهره وماهيته الحقيقية، وتحقُّقَ الرغبة في المعية على نحو يوافق حقيقتها أمورٌ خاصة بالآخرة، هذه حقائق ستتجلّى تجلّيًا أسمى من أن تُرى بالعين أو تُسمَعُ بالأذن أو تخطر على قلب بشر، ولذلك فإنها لا تكون في هذا العالم؛ إذ يتحقق للمرء شرف اللقاء بالله تعالى ورؤيته بعد دخوله القبر والخروج منه، والمحاسبة، واجتياز الصراط، والوقوف على سفوح الفردوس في الجنة، والمثول بين يديه سبحانه.

   الجماليات الكامنة وراء الموت

نعم، لما كان طريق الوصال إلى الله واللقاء به يمرّ بالموت؛ فربما لا يُسَرُّ البعض من هذا، وقد يبدو وجه الموت البارد منفّرًا لهم، لكن الوصول إلى المحبوب الحقيقي أمر غالٍ وثمين، حتى وإن استلزم اجتياز أنهار من الدماء والصديد، وليس العبور من الموت والقبر والبرزخ فحسب؛ لأن هذا حظوة عظيمة للغاية، ومنْ يهابون الموت أو يكرهونه تعساء لا علم لهم بما يكمن وراءه من جماليات؛ فكراهية الموت تعني في الأساس كراهية الارتقاء إلى حضرة الله عز وجل.

كلُّ ما في الكون من جمال إنما هو ظلُّ ظلِّ… ظلِّ الذات الجليلة، وإن الرغبة في الوصول إلى الذات الجليلة هي في الواقع إحدى لوازم الإيمان.. دعونا نَرَ ماذا يقول بديع الزمان حتى عن لقاء نبينا صلى الله عليه وسلم، وليس عن لقاء الله: “لو قيل لك مثلًا: “إن “الإمام الرباني أحمد الفاروقي” قُدّس سرُّه ساكنٌ الآن في الهند، لاقتحمتَ المهالك وتركتَ الأوطان لزيارته، مع أن الإمام الرباني ما هو إلا نجمٌ واحدٌ من بين آلاف النجوم المحيطة بشمس النبوة المسمّى في الإنجيل “أحمد”، وفي التوراة “أحيد”، وفي القرآن محمدًا.. إنهم مجتمعون جميعًا بجوار الحق سبحانه، وما يفصلك عن اللحاق بهم سوى الموت والقبر، فلا بد أن تضعَ هذا نصبَ عينيك دائمًا”[2]، إن لقاء بارئنا الذي خلقنا جميعًا، وزود الكون بالعديد من مظاهر الجمال، وخلق الكون بترتيب ونظام بديع، هو أعمق من أن يقارن بهؤلاء، ولا يُتَصوّرُ خلوّ قلب المؤمن من مشاعر الشوق إلى لقاء ربه عز وجل.

والواقع، أن من يدرك المحاسن المختبئة وراء الموت لا يمكن أن يكرهه، ومع ذلك، فإن منْ يسيء تفسير الوجود، ويرى كل شيء عبارة عن هذا العالم فحسب، ولا يستطيع أن يرى ما وراء العالم المادي، ويعتقد أن الدنيا هي الهدف المقصود بعينه ويلقي بنفسه إلى حضنها تمامًا، فسيجد صعوبةً بالغة في التخلي عنها؛ لذلك يكره الموت، وكما أنه لا يدرك الجمال الذي يمكن الوصول إليه بالموت، فكذلك لا يملك العزم والنية للوصول إلى المصدر الحقيقي لما يراه ويتذوّقه من جمال في الدنيا.

إننا نفهم من الحديث السابق المتعلق بمن يكرهون لقاء الله أن الله عز وجل أيضًا يقابل كرههم لقاءه بالمثلِ فيكرَه لقاءهم، لذا فإنه لن يأخذهم إلى حضرته، ولن يُشرفهم بمعيته، ولن يكرمهم بتجلياته.. ولأننا لا نعرف معنى “الكره” المنسوب إلى الله تعالى؛ فإننا نتناول الأمر على أمن باب “المقابلة” كما في علم البلاغة ليس إلا، ونرجح أسلوبًا كهذا، ولأنهم يكرهون الجسور الموصلة إلى الله مثل الموت والمحشر والصراط، فالله أيضًا يقابل كرههم هذا بالمثل، ويردّ عليهم بالمثل من باب المقابلة.

   إن تُحِبُّوا تُحَبُّوا

ومن ناحية أخرى، فإن أهل الحقيقة يرون أن ما في قلوب الناس من محبة الله أو رغبة في لقائه تعني في الأساس انعكاسًا -لو جاز التعبير- للشعور الذي يحمله الله تجاههم فيظهر في صورة إحساس يشعرون به في أفئدتهم، فإذا كان الله لا يحبنا، فلا يمكننا أن نحبه نحن أيضًا، إن الله يشتاق إلى عباده شوقًا مقدسًا ومنزهًا عن التمثيل، وبطريقة تليق بكماله سبحانه؛ فكما قال الأستاذ بديع الزمان، كل فنان يحب فنه، وبما أن الإنسان هو أثر كامل انبثق من فرشاة قدرة الله وإرادته ومشيئته، وخُلق في أحسن تقويم، فإن هناك حبًّا خاصًّا يشعر به الله تعالى إزاء الإنسان، وحب الله عباده وشوقه إليهم أعلى بكثير مما يشعر به عباده تجاهه عز وجل.

حسنًا، فكيف يمكن للإنسان أن يقيس ويعرف مكانته عند الله؟ طبعًا بقدر شدة حبه إياه تعالى.. أي إنه يجب عليه أن ينظر إلى مدى اهتمامه بالله ومحبته إياه ومدى ما به من شوق وعشق للوصول إليه.. ما مدى صدق حبنا لله؟ كم نتحرق وننشغل بحلم لقائه؟ إلى أي مدى تنساب وتلوح هضاب الجنة في أعيننا؟ ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديثٍ له: “مَنْ اَحَبَّ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ اللهِ فَلْيَنْطُرْ كَيْفَ مَنْزِلَةُ الله عِنْدَهُ[3].

إذًا فإن الشوق إلى لقاء الله هو في الأصل أمر مرتبط بالإيمان الصحيح بالله، وبحبه، والشعور في الوجدان بمتعة الوصول إليه، وهذه أيضًا أشياء تتحقق بجهد الإنسان وسعيه، وبصورة أدق، إنها أشياء مرهونة بإرادته وتصميمه وفكره.. بالطبع يمكن أن يغرس الله -إلى جانب هذا- توجّهًا في قلب عبده، فقد يُنعم على بعض ذوي الفطر السليمة بألطاف زائدة.. إنه يهب ما يشاء إلى من يشاء، ولا يجرؤ أحد -حاشا وكلا- أن يقول: ” لمَ أعطيت هذا فلانًا!”، بيد أن واجب الإنسان هو أن يعطي إرادته حقها، ويسعى إلى إحسان الإيمان بالله، وتعميق ذلك بالأعمال الصالحة، وإيصال تلك الأعمال بشعور الإحسان إلى عمق يتجاوز كل عمق.. فإذا أعطى الإنسان إرادته حقَّها في هذا الأمر، فإن الله تعالى يخلق في داخله محبة وشوقًا إلى لقائه.

   معرفة الله

إن معرفة الله لَمِنَ العوامل المهمة في زيادة الشوق إلى لقاء الله؛ فالإنسان يحب ما يعرفه، ولا يهتم بما لا يعرفه.. ويمكننا أن نوضح الأمر بمثال على النحو التالي: إذا كان أتباع الديانات الأخرى يعرضون اليوم عن نبينا صلى الله عليه وسلم أو لا يحبونه، فذلك لأنهم لا يملكون معلومات كافية عنه عليه الصلاة والسلام، ولو أن مفخرة الإنسانية عُرِّف إليهم بشكل صحيح وعلى الوجه اللائق به، ولم يشوِّه المسلمون وجهَ الحقائق بمواقفهم وسلوكياتهم القبيحة لتكونت لدى أولئك البشر مشاعر مختلفة تجاه نبينا ولأحبوه يقينًا.. ذلك لأن الإنسان خُلق كريمًا باعتبار فطرته، وهو مخلوق منصف، يستحيل ألا يهتمّ بالجمال والكمال.. لكن ولأننا -نحن المسلمين- لم نستطع التعريف بنبيّنا تعريفًا صحيحًا فإننا لا نرى المودة والحب اللَّذَين نرغب أن يحظى بهما رسول الله.. ولو أننا استطعنا أن نبين بكل عمق ودقة مدى الفطنة التي يتمتع بها، وكيف أنه كان رمزًا للعصمة والعفّة، وكيف كرس نفسه لتبليغ الرسالة ورهن حياته بها؛ فلن يبقى إنسان على وجه البسيطة إلا وأحبه وتحرّق شوقًا إليه.

ولا ننسَ أن معرفة الله بشكلٍ صحيحٍ لا تتحقّق إلا في ظل رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم.. فيمكن للإنسان أن يصل بعقله إلى وجود خالق، ولكنَّ معرفتَه إياه بصفاته وأسمائه يعتمد على الرسالة التي قدّمها نبينا صلى الله عليه وسلم.. فلو لم يرشدنا إلى الاستقامة، ويكشف لنا الحقيقة لما تسنى لنا الحصول على المعلومات التي نمتلكها اليوم حول معرفة الله عز وجل.

وإن معرفة الذات الإلهية من هذا الجانب أيضًا تتحقّق من خلال معرفة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدخول في محيطه النوراني والانفتاح على شمولية رسالته، ومن لا يعبر من ذلك الجسر يستحيل عليه أن يعرف الله عز وجل، وحين لا يستطيع معرفته، يتعذر عليه أن يحبه، وحين يتعذر عليه أن يحبّه يستحيل عليه الوصول إلى الذوق الروحاني، وعندما لا يستطيع الوصول إليه، لا يمكنه أن يشعر بالرغبة في لقائه جل وعلا.. وعليه فإن المهمة الأساسية الواقعة على عاتق جميع المؤمنين هي تعريف الله تعالى ونبيه صلى الله عليه وسلم للإنسانية وتحبيبهما إليها مع مراعاة الأسلوب والطريقة المناسبة ومشاعر الجميع.

إن مطالعة الأوامر التكوينية من الديناميكيات المهمة من أجل الوصول إلى أفق المعرفة، وتعتبر “رسائل النور” من المصادر المهمة سُطِرت في هذا الاتجاه، وإن قراءة كتاب الوجود بشكل صحيح وتحليله تحليلًا صحيحًا والوصول إلى نتائج صحيحة يزيد من معرفتنا بالله تعالى، وكلما تعمقنا في معرفة الله أحببناه ورغبنا في وصاله ولقائه أكثر، ومن هذه الجهة، ينبغي ألا نقصّر في تحليل الأوامر التكوينية تحليلًا سليمًا، وأن نطلع على تراكيبها وتفاصيلها.

بالإضافة إلى كل هذا، فعلينا أن نداوم في دعائنا على طلب الإيمان الكامل، والإخلاص الأتم، واليقين التام، والمعرفة التامة، والعشق والشوق إلى لقاء الله، وأن نُلِحَّ كثيرًا في طلبنا هذا.. ويحكي الجنيد البغدادي أنه تمنى على الله أمنيةً ولم يحصل عليها إلا بعد ستين سنة،  ونحن بدورنا فإن لم نستطع أن نداوم على الطلب ستين عامًا فلنجرب المداومة بإخلاص تامّ لمدة ستة أشهر على الأقل، ولنرَ أي نوع من النعم سيمنحها الله تعالى لنا، وأعوذ بالله أن أرتكب بكلماتي هذه أي وقاحة أو سوء أدب مع الله جل جلاله وكأنني أختبره -حاشا وكلّا- ولكن ينبغي ألا ننسى أن أحد الأسباب المهمة وراء صحوة الرغبة في لقاء الله داخل الإنسان هو نية الإنسان وطلبه وإصراره في هذا الشأن.

***

[1] صحيح البخاري، الرقاق، 41؛ صحيح مسلم، الذكر والدعاء، 14، 15.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: المثنوي النوري، ص 235.

[3] الطبراني: المعجم الأوسط، 67/3؛ البيهقي: شعب الإيمان، 65/2.

الوفاء

Herkul | | العربية

الوفاء هو وردةُ ربوعِنا وزهرتُها، والوفاء مع الناس يعني ألا ننسى معروفهم أبدًا، فكما لا يجوز أن ينسى المرءُ ذنوبَه فكذلك لا يليق به أن ينسى المعروفَ الذي أُسدِي إليه، أما ما صنعه هو من معروفٍ فلا ينشغل به وينساه على الفور.

   الوفاء مع الله عز وجل

وهناك أيضًا الوفاء مع الله، وعلينا جميعًا أن نكون مفعمين بالوفاء لربنا سبحانه وتعالى من رأسنا حتى أخمص أقدامنا، فهو الذي خصّنا بالعديد من النعم؛ أخرجَنا إلى عالم الوجود، وبثّ فينا الحياة، ورفعَنا إلى أفق البشرية، وشرّفنا بالإيمان، وعرّفنا بالخدمة الإيمانية والقرآنية، وألهمَنَا الشعورَ والتفكيرَ في المعاني المستوحاة من هذه البيئة، والانشغالَ بها في حلّنا وترحالنا، فيجب علينا إزاء كل هذه الألطاف التي أحسن الله بها إلينا أن نتذكرها على الدوام، وأن ننحني بالذل والخضوع له سبحانه وتعالى انطلاقًا من شعور الوفاء لصاحبها.

   الوفاء مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

وبالمثل يجب أن ينتاب المؤمنَ شعورٌ غامر بالوفاء والتقدير لمفخرة الإنسانية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا ينبغي أن يغيب صلى الله عليه وسلم عن بالنا مطلقًا؛ فبفضله سمعنا ما كنا في حاجة إلى سماعه، ولولاه لما تشكّل لدينا تصورٌ صحيح عن الله تعالى، ولا علمنا شيئًا عن الحشر والنبوة، ولولاه لما نظرنا بأمل إلى المستقبل، ولا اعتبرنا الآخرة خريطةً ترشدنا إلى سواء السبيل، ولا علمنا ماهية الطريق الذي سنسير فيه، صحيحٌ أن الله هو الذي علَّمَنا كلَّ هذا، ولكن جعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سببًا ووسيلة وواسطة، وهدانا على يديه.

إنّ الله تعالى وضع في ثنايا العبادات بعضَ الأدعية المرشدة إلى السبيل الذي يمكّننا من التعبير عن مشاعر الوفاء لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمثلًا بعد ترديد الأذان نرفع أكف الضراعة إلى الله تعالى ونصلي ونسلم على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، سائلين المولى عز وجل أن يُؤْتيه الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة وأن يبعثه المقام المحمود الذي وعده، وكذلك في التشهد نصلي ونسلم على سيدنا محمد وفي كل موضع نذكر فيه اسمه صلى الله عليه وسلم، وبذلك نكون قد قمنا باستثمار مهمّ في الدنيا من أجل نيل شفاعته صلى الله عليه وسلم في الآخرة، وفي الوقت ذاته نكون قد عبّرنا عن وفائنا له صلى الله عليه وسلم.

   الوفاء مع الدِّين

وثمة جانب آخر من وفائنا له صلى الله عليه وسلم وهو رفع راية الدين الذي أتانا به واستودعنا إياه، فإن لم يكن لهذا الدين ثقلٌ في التوازن بين الأديان على وجه البسيطة؛ فهذا يعني أننا لسنا أوفياء له صلى الله عليه وسلم رغم أننا من أمته، ولو لم يتَلوَّ المؤمنون كمدًا وأسًى وانكسارًا عندما يرون الراية التي يمثّلها مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم قد صارت ترفرف تحت الرايات الأخرى؛ فهذا يعني أنهم لم يتعاملوا بشعور الوفاء معه صلى الله عليه وسلم.

وكذلك لو أن المسلم أمضى عمره دون أن يفعل شيئًا من أجل الدين، ولم يبذل جهده ومساعيه في سبيل توسيع دائرة الإرشاد؛ فهذا يعني أنه لا يحمل مشاعر الوفاء لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لحقيقة الإسلام التي بلغها صلى الله عليه وسلم لنا، أفلا يقتضي الوفاء من المؤمنين الذين يسيرون على نهج نبيهم أن يعرّفوا الآخرين به قدرَ ما يستطيعون، وهو الذي ترك الجنان كي يأخذ بِيَدِ أمّته ويدلّها على طريق الفلاح؟!

   الوفاء مع الناس

وفي الوقت ذاته فإن كل هذا سيساعد في تكوّن وتوطّن خُلُق الوفاء عندنا؛ لأن من يحمل شعور الوفاء لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم لا يغدر أبدًا بمن حوله، ومن لم تنمُ مشاعر الوفاء عنده تجاه الناس لا يُنتظر منه أن يحمل الوفاء لله عز وجل ولا لرسوله صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم: “مَنْ لمْ يشْكُر النَّاسَ لَمْ يشْكُر الله[1].

أجل، المهم هو أن نجعل الوفاء جزءًا من طبيعتنا، فالإنسان المبرمج على الوفاء يرى أن فنجانَ القهوة له خاطِرٌ يُشكَرُ عليه الشخص أربعين سنة، فلا ينسى الإحسان أبدًا، وكلما رأى صانعي المعروف -حتى ولو كان معروفُهم فنجانًا من القهوة- أظهر امتنانه وشكره لهم، ولا يقصر في مقابلة إحسانهم بالإحسان؛ لأن السلوكيات التي تغدو جزءًا من طبيعة الإنسان تأخذ طابع الديمومة، فلا يجد المرء صعوبة في الإتيان بها؛ إذ إنه لا يصطدم مع طبيعته، ولا يحيد عنها.

أجل، إن الشيء الذي يُضفي جمالًا خاصًّا إلى الخصال والسلوكيات الحميدة ويعمّق من أبعادها هو المداومة؛ بمعنى جعلها جزءًا لا يتجزأ من الطبيعة، يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ[2]، وإلا فإن الإنسان قد يقوم بأعمال جميلة وحميدة للغاية فترةً من الزمن، ولكن سرعان ما ينصرف عنها حيث إنْ لم يجعلها جزءًا من طبيعته.

واكتسابُ العادات والخصال والسلوكيات الحميدة والمداومة عليها يتوقّف على التربية والتعليم؛ أي يلزم -منذ البداية- بذلُ الجهود والمساعي واستيفاء الإرادة حقّها حتى تغدو هذه الخصال الحميدة جزءًا من طبيعة الإنسان، فإذا كان الوالدان يريدان أن يتحلى أبناؤهما بالقيم الأخلاقية الرفيعة مثل الوفاء والصدق؛ فعليهما متابعتهم عن قرب، وتوجيههم على الدوام، وإظهار القدوة الحسنة لهم بأفعالهم وتصرفاتهم؛ وعندها ستترسخ كلُّ هذه القيم في فطرتهم، فإذا كانا يتعاملان بوفاء فيما بينهما ومع أبنائهما، ولا يفرطان في أدنى إحسان أُسدِي إليهما، وَجَدّا بالفعل في مسألة إكساب الأخلاق لأبنائهما؛ فسينجحان في تنشئة أبنائهما على المستوى الذي يرتضيانه لهم.

ومن الأهمية بمكان أن يكون الوفاء موجودًا بين الأصدقاء المقربين، وبين أفراد الأسرة، وبين الذين يحملون هَمّ الدعوة معًا، وحتى يجد المرء ما يأمله من وفاء ينبغي له أولًا أن يكون وفيًّا، فلو أنكم تعاملتم بوفاء مع مَن حولكم فستلقون المعاملة نفسها منهم؛ يعني على قدر العمل يكون الجزاء، فمثلًا يجب على الزوج أن يكون وفيًّا مع زوجته وشريكة حياته، بحيث إنه لو وقعت عيناه سهوًا على امرأة لا تحل له عدّ ذلك خيانة كبيرة لزوجته واستغفر ربه عليها؛ لأن دوام السكينة والمودة في الأسرة يرتبط بحرص الزوجين على الوفاء لبعضهما.

   الوفاء مع القضية التي نذر نفسه لها

وإن الحفاظ على قوام أي حركة منتشرة في كل أنحاء العالم يرتبط بعامل الوفاء، فإذا أراد رجال الخدمة الذين يعيشون بين أصحاب الثقافات المختلفة أن يواصلوا خدماتهم دون أن يصيبهم تشوُّهٌ أو يتعرّضوا لأي ذبول وضمور وتبدّل فعليهم أن يكونوا أوفياء مع فكرة الدعوة التي ارتبطت بها أفئدتهم، وأن يكونوا أوفياء مع رفاق دربهم الذين يسلكون معهم نفس السبيل، الأهم من كل هذا هو أن يكونوا أوفياء مع مسألة الدعوة والإرشاد، ولا ينساقوا وراء الدنيا الفاتنة، ولا يقولوا: “دعونا نعتنِ بأنفسنا قليلًا”، إن فدائيي المحبة لا ينبغي أن يغيب عن بالهم: أنهم دلّالون على القرآن شهداء لله، وبِفهم الصحابة رضوان الله عليهم: لا ينبغي لهم أن يلقوا بأيديهم إلى التهلكة[3]، فإنهم إذا خلدوا إلى المال والراحة وتركوا فكرةَ الدعوة ورفاقَ دربهم وخدماتهم ولو قليلًا فقد ينزلقون ويهلكون معاذ الله!

فمن أراد أن يُعامَل بوفاء في حضرة الله فعليه في البداية أن يتحلى بالوفاء مع ربه عز وجل ومع نبيه صلى الله عليه وسلم ثم مع من حوله، فلا يجد منه أفراد أسرته ولا أصدقاؤه ولا رفاق دربه ما يدل على الخيانة وعدم الوفاء، ولا جرم أن هذا منوطٌ -كما ذكرنا آنفًا- بأن يجعل الإنسانُ الوفاء بعدًا من طبيعته، وأن يجري شعورُ الوفاء مجرى النفَس على الدوام، وأن يحرص الإنسان على الوفاء في حله وترحاله، وكما لا يمكن الحفاظ على لمّ شمل الأسرة التي لم يترسخ شعورُ الوفاء داخلها فمن المتعذر كذلك على الذين اتحدوا حول غاية واحدة أن يقوموا بخدماتهم على النحو المرجو؛ لأن شعور الصدق والوفاء إن لم يترسخ لدى هؤلاء فقد ينفصلون عنكم ويخذلونكم في أي موضع بالطريق إذا رنت أعينهم إلى أي منفعة أو مصلحة، وتسببوا في خذلانكم، ولا شك أن انفصال أي فرد عن القافلة يسعد مخالفيكم، ويُحدث نوعًا من الانكسار والخذلان فيكم.

فيجب ألا تذهب المكتسبات التي حصّلناها حتى الآن ضحيةَ عدم الوفاء، فالله هو أوفى الأوفياء، ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ (سورة التَّوْبَةِ: 9/111)، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم عظيم الوفاء؛ حتى إنه تعامل بوفاء مع المشركين وهم الذين لم يتورعوا عن كل أنواع الإساءة إليه، فسامحهم جميعًا عند فتح مكة، والصحابة الكرام رضوان الله عليهم كانوا يتعاملون بوفاءٍ منقطعِ النظير مع مفخرة الإنسانية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومع القيم التي استأمنهم عليها، بل حرصوا على الحفاظ عليها حتى وإن كلّفَهم ذلك أرواحهم، ثم جاء من بعدهم السائرون على نهج النبي صلى الله عليه وسلم، وجعلوا شعور الوفاء دأبَهم وحديثَهم في حلِّهم وترحالهم.

وعلى السائرين في طريق هؤلاء الأوفياء أن يتعاملوا بالوفاء مع الجميع، وألا يقصِّروا في وفائهم مع الأوفياء العظام الذين تعرضوا للإهانات والطرد من أمام الأبواب، ومع ذلك لم يتخلوا عن سعيهم وبذلوا كلّ جهدهم في سبيل تسليم الراية لهم.. لا ينبغي لهم أن ينسوا الذين فتحوا الطريق أمامهم، ومهدوا لهم السبل للانتشار في كل بقاع العالم، ودعموهم وساندوهم، ولم يضنّوا عليهم بأي دعم مادي أو معنوي، بل لا بد أن يُتوِّجوا بهم رؤوسهم، ولا يجعلوا أحدًا يقول عنهم كما قال الشاعر:

بينما كنت آمل الوفاء من الحبيب والخلانِ

فاضت عيناي بالدموع بسبب الهجرانِ

ويئِستُ من العثور على الدواءِ

فهل ينتهي الأمر الآن بالخذلانِ؟!

ليس ذلك فقط بل يجب أن يتحلوا بالوفاء مع عديمي الوفاء، وأن يعلّموهم ما معنى الوفاء، وحتى وإن غدروا بهم مرات ومرات فلا يقصروا -بسبب غدرهم- من مشاعر الوفاء.

فهذا هو نهجُ سيد الأنبياء وصرح الوفاءِ عليه الصلاة والسلام، فالخير كل الخير فيما نبذله من جهد وما نقطعه من مسافات في طريقه صلى الله عليه وسلم! فإن أدينا الوفاء حقه وفَّانا الله حقَّنا، وما تخلى عنا ولا ترَكَنا وشأنَنَا.

***

[1] سنن الترمذي، البر والصلة، 35؛ مسند الإمام أحمد، 12/472.

[2] صحيح البخاري، الرقاق، 18؛ صحيح مسلم، صلاة المسافرين، 218.

[3] عن أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ التُّجِيبِيِّ قَالَ: كُنَّا بِمَدِينَةِ الرُّومِ القسطنطينية، فَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا صَفًّا عَظِيمًا مِنَ الرُّومِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ مِثْلُهُمْ أَوْ أَكْثَرُ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ، فَصَاحَ النَّاسُ وَقَالُوا: سُبْحَانَ اللهِ يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ! فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ رضي الله عنه فَقَالَ: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ لَتُؤَوِّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ هَذَا التَّأْوِيلَ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ لَمَّا أَعَزَّ الله الْإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ، وَإِنَّ اللهَ قَدْ أَعَزَّ الإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا، فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا! فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/195)، فَكَانَتِ التَّهْلُكَةُ الإِقَامَةَ عَلَى الأَمْوَالِ وَإِصْلَاحَهَا، وَتَرْكَنَا الغَزْوَ”، فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوبَ شَاخِصًا يُجاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى دُفِنَ بِأَرْضِ الرُّومِ. (سنن الترمذي، التفسير، 3؛ سنن أبي داود، الجهاد، 23)

ابن الوقت

Herkul | | العربية

   سؤال: اعتمادًا على ثراء الماضي المجيد تضعُ أجيال اليوم خططًا ومشاريع للمستقبل المجهول، فما هي المسؤوليات التي يجب عليهم الانتباه إليها حتى يتمكنوا من التحرك بشكل يتناسب مع ظروف عصرهم؛ أي يصبحوا “أبناء الوقت”؟

   الجواب: “ابن الوقت”، هو مصطلح يطلقه الصوفية خاصة على أولئك الذين استوعبوا زمانهم جيّدًا، واستطاعوا قراءةَ الأوامر التكوينية بحق، وسبروا أغوار الأشياء والحوادث، فضلًا عن وقوفهم وفهمهم الجيد للقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.. وبتعبير آخر: ابن الوقت هو من ينظر إلى الأشياء والحوادث نظرة شمولية، ويدرك جيدًا أبعاد العلاقة فيما بين الثلاثي: “الإنسان والكون والله تعالى”.

وإن من لا يُتقِنُ فهمَ الأوامر التكوينية جيدًا إلى جانب الأوامر التشريعية، ولا يدري شيئًا عن الأحداث والتطورات الواقعة في زمانه، لا يتأتى له فهمُ القرآن الكريم وتفسيرُه وفقًا لظروف عصره، بينما الشخص الذي يفهم عصره، ويدرك جيّدًا أحداث زمانه يمكنه أن يكشف عن تفسيرات تناسب زمانه الذي يعيش فيه، مستفيدًا من النهايات المفتوحة التي سكت عنها القرآن الكريم؛ أي الجوانب الصالحة للاجتهاد والاستنباط، وهذا في الحقيقة من الواجبات المهمة الملقاة على عاتق “أبناء الوقت”.

وإذا أردنا مزيدًا من التوضيح نقول: إن المعنى الأول الذي يمكن فهمه من مصطلح “ابن الوقت”، هو وقوف المرء على علوم عصره وتقنياته؛ بأن يحصل على خبرات عصره في العلوم التجريبية مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء والفلك والرياضيات، ويتوصل إلى ما يتوافق بينها وبين الكلام الإلهي، ويبحرَ -خاصة- في تفسير الآيات الدالة على الحقائق العلمية من خلال الإمكانات التي تتيحها العلوم الحديثة.

أما المعنى الثاني الذي يُفهم من “ابن الوقت”، فهو اطلاعُ المرء على ثقافة عصره وحضارته، وقراءتُه الحوادث الاجتماعية قراءة صحيحة، وتعرفُه على الأيديولوجيات والتيارات المختلفة، وإلمامُه بما يشيع حوله من مفاهيم وأفكار.

فيجب على المسلمين اليوم أن يعملوا على اكتساب خبرات العصر، سواء في العلوم التجريبية أو العلوم الاجتماعية، إلى أن يتبوّؤوا المكانة التي يجب عليهم إحرازها.. وإلا تسلّط عليهم الآخرون، وقيَّدوا أرجلَهم بالسلاسل وأعناقهم بالأغلال، فيُجبَرون على العيش تحت وصايتهم.. فلِزامًا علينا أن نستثمر علوم وتكنولوجيا العصر على أفضل وجه بما يخدم غايتنا المثالية.. وهذا بالطبع ليس هدفًا يتحقّق فجأة من تلقاء نفسه، لكن إذا قرأنا عالم اليوم جيدًا، وتوصلنا إلى النتائج الصحيحة، وقمنا من فورنا بتنشئة الخبراء في مختلف المجالات، وإنشاء المعامل والمختبرات، فستصل المسألة إلى بُعدٍ مختلف تمامًا بعد خمسين عامًا.

   عمليات العنف والإرهاب

ولا يمكن لمن يعجز عن قراءة عصره قراءة صحيحة أن يحل مشاكل العصر، بل على العكس، فإن كل محاولة يقوم بها في سبيل الحل ستتسبب في اضطرابات ومشكلات جديدة، بل وربما تُلحِق به ضررًا بالغًا رغم اعتقاده بأنه يخدم الإسلام بفعله هذا.

ومن الضروري أن يكافح الإنسان ويجاهد من أجل دينه ووطنه وبلده ونسله ومستقبله، وإذا تطلَّبَ الأمرُ فإنه يواجه الأعداء من أجل حماية هذه القيم المقدسة والذود عنها، ولا يتردد في التضحية بماله وحياته في هذا السبيل.. ولكنكم الآن في زمن تُصنع فيه الأسلحة القوية المدمرة، فإذا استفززتم الآخرين أو تجاوزْتم الحدود بدعوى السعي لتحقيق العدالة أو لأسباب تافهة واهية، فسوف توقِّعون صحيفةَ إعدامكم بأيديكم.

وإن الذين يمارسون اليوم أعمال العنف والإرهاب، ويحصدون أرواح الأبرياء بالعمليات الانتحارية دون أن يأبهوا بأهليهم وذراريهم، ويعتدون على معابد أصحاب الديانات الأخرى، وينتهكون حرمة مقدساتهم؛ لا يمتّون بصلةٍ إلى القيم الأساسية للإسلام لا من قريب ولا من بعيد.. فكما أن هذه الأعمال تتنافى جذريًّا مع روح الإسلام، كذلك فإنها تقوّض القيم الديمقراطية والمبادئ الإنسانية التي تتصدر الساحة اليوم.. فإذا كان أحد أسباب هذه الاضطرابات عدم فهم الإسلام فهمًا سليمًا؛ فإن السبب الآخر يكمن في العجز عن النظر بشكل شمولي إلى التطورات الجارية في العالم.

أجل، لا مكان للعمليات الإرهابية والعنف لا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية المطهرة، وإن من يتورطون في مثل هذه المخالفات والمناقضات يعيشون بمنأى عن الإسلام حتى ولو أتموا تعليمهم الديني أو زعموا أنهم يتبنّوْن قضية ما.. فهذا مخالف للنهج والدرب الذي سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من سادتنا الخلفاء الراشدين الممثلين المخلصين له.. فحتى في الفترات التي شاع فيها الظلم والقمع من بعض الشخصيات أمثال يزيد والحجاج والسفاح؛ إلا أيَّ أحدٍ لم يكن يقرّ بأعمال العنف التي لا تعترف بقاعدة أو قانون ولا تميز بين النساء والصغار والشيوخ.

وبالمثل أيضًا، فهل ذُكر أن أُحرقت أي كنيسة خلال ستة قرون من التاريخ العثماني؟ وهل دُمِّرت المعابد؟ وهل هوجمت القيم التي يقدسها أتباع الديانات الأخرى؟ تذكر الروايات أن السلطان محمدًا الفاتح قد اشترى كنيسة آيا صوفيا من ماله الخاص وحوّلها فيما بعد إلى مسجد، رغم أنه كان يمتلك القوة والسلطة الكبيرة لاغتصابها رغم أنوفهم.. وفي العهود اللاحقة تم تحويل بعض الكنائس التي لم يكن يؤدى بها صلوات إلى مساجد.. لكننا لا نعرف كنيسة تم إحراقها أو تدميرها.. وإن بقاء العديد من الكنائس قائمةً بطقوسها وأجراسها حتى يومنا هذا لهو خيرُ دليل على ذلك.

   احترام مقدسات الآخرين

وإن ما وقع بين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه والأساقفة عند فتح بيت المقدس ليُغني اللبيب في هذا المجال:

لما فتح المسلمون “القدس” وطلبوا من الأساقفة مفاتيح المسجد الأقصى، أبَوا أن يسلموها إلا إلى خليفة المسلمين.. فخرج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مع خادمه من المدينة على دابة واحدة -خشية الإسراف- يتناوبانها.. فلما اقتربا من المسجد الأقصى جاء دور الخادم في الركوب.. وكانت ملابس سيدنا عمر مرقَّعة وغير مهندمة من أثر السفر الطويل.. فلما رآه الأساقفة، قالوا: “هذا الذي نجد صفاته في كتبنا”، وسلّموه المفاتيح، ولما حانت الصلاة قال للبطريرك: أريد الصلاة، فقال له: “صلّ في موضعك”، فامتنع قائلًا: “لو صليتُ داخل الكنيسة لاتخذها المسلمون بعدي مسجدًا ولقالوا هنا صلى عمر، فتُحرمون من التعبّد في كنيستكم”، رافضًا عرض البطريرك وراح يصلي في موضع خارجها.

أيُّ فَهمٍ هذا؟! هل يمكن القول: إن البشرية استطاعت -على الأقل- أن تُحافظ على مثل هذا الأفق رغم مرور ألف وأربعمائة عام على هذه الحادثة؟

 إن هؤلاء هم الذين فهموا الإسلام حقًّا، وقرؤوا العالم والمجتمعات والتغيرات المجتمعية قراءة سليمة.. وبفضل هذا استطاعوا أن يُحققوا للإنسانية فترةَ سلام حقيقية.

أجل، إن من يلجأ إلى الإرهاب وأعمال العنف لأي مبرر كان، هو على خطإ عظيم.. فالأعمالُ الإرهابية والإجرامية لا يمكن أن تبررَها ادعاءاتُ التنظيمات الإرهابية الراديكالية بالنضالِ من أجل الحرية، ولا أفكارهم باسترداد الحقوق المسلوبة، ولا نواياهم بمعاقبة المجرمين والظالمين على ظلمهم.. فالنضالُ الذي يُشَنُّ بطريق غير شرعي من أجل الحرية، يعني تعدّيًا على الحرية ودحرًا لها.. ولا شك أن الممارسات الوقحة والدنيئة التي تقع باسم إقامة العدل تُعَدُّ تعدّيًا على العدل.. ولا ينبغي أن ننسى أن مثل هذه الأفعال المخالفة للإسلام والقيم الإنسانية والعالمية سوف تستغلها بعض البؤر التي تنضح بالكراهية والعداء.. هذا هو ما يريدونه؛ فالأعمال المتطرفة غير المتزنة تسهِّل عملهم، وتمهد السبيل أمامهم للتدخل والاحتلال.

   دوامة العنف والوحشية

من ناحية أخرى، لا ينبغي التغافل عن أن الأعمال القائمة على العنف مثل الهدم والحرق وقتل الأبرياء والإخلال بنظام المجتمع؛ سوف تورّث أجيال المستقبل مشاعر الكراهية والنفور والانتقام.. وإن واجب مسلمي اليوم لا يكمن فقط في نزع فتيل مزيد من النزاعات الجديدة، بل يكمن في دفن الشحناء والبغضاء والأحقاد الموجودة في باطن الأرض، ووضع الصخور الضخمة عليها حتى لا تعود مرة أخرى، فليست هناك طريقة أخرى غير هذه للمّ شمل الإنسانية حول مشاعر الحب، وخلق جوٍّ من السلام العام.

إن الذين يبحثون عن حلول لمشكلاتهم عبر اللجوء إلى التطرف والعنف؛ كما لم يستطيعوا -مع الأسف- فهمَ حقيقة الإسلام فهمًا صحيحًا، كذلك لم يتمكنوا من قراءة عصرهم قراءة صحيحة، فهم إنما يعطون بأعمالهم الشنيعة والدنيئة هذه صورةً سيئةً للغاية عن الإسلام، وهذا يؤدي بدوره إلى زيادة مشاعر العداء للإسلام، وتعميق الفكرة السلبية عن المسلمين، وتقوية التصورات والمفاهيم الخاطئة عن العالم الإسلامي.. فالوحشية لا تولِّد إلا وحشية، والعنف لا يولِّد إلا عنفًا.

ويجب أن نعلم جيدًا أن كل عمل يتنافى مع عقلانية القرآن وفقه السيرة سينقلب بالسلب علينا، فإذا أردنا أن نكون “أبناء الوقت” و”أبناء الزمان”، فعلينا بالاتّزان والتحلّي بالصبر الجميل، وأن نتصرّف بحلمٍ وأناة.. وبغضّ النظر عن المشكلات التي تنشأ حديثًا عن المواقف غير المتّزنة؛ فلا ننسَ أن إصلاح وترميمَ الخروق والشقوق التي تسبب فيها بعض المجرمين المحسوبين علينا؛ واجبٌ يقع على كاهلنا جميعًا، وعلينا أن نوضح أينما ذهبْنا ولكل شخص نلتقي به أن الإسلام ليس دين عنف ولا هو بالذي يعطي أي قيمة أو قدرٍ للإرهاب.

هل نحن مخلصون للأمانة أوفياء لها؟

Herkul | | العربية

   سؤال: ذكرتم فيما مضى: “أن الحق الأول شيء، والحق المكتسب بالتمثيل شيء آخر، فالحق إن لم يُمَثّل حسب مقاييس قيَمه الذاتية يمكن أن يُسْتَرَدَّ، ويُسَلَّم إلى من يكونون نسبيًّا أسبق وأفضل في استحقاقهم لهذا الحق، إلى أن ينشأ الممثّلون الحقيقيّون”، فما الرسائل التي تنطوي عليها هذه العبارة؟

   الجواب: الأصلُ أن الحقوق كلها لله تعالى؛ فمن أسمائه “الحق”، وليس للإنسان أية حقوق ذاتية، وتجلّيًا من تجليات عظمته سبحانه وتعالى استودع بعضَ الحقوق الناسَ، وزودهم بأنواع مختلفة من النعم؛ إذ يأتي الإنسان إلى الدنيا وهو يمتلك مجموعة من الحقوق والامتيازات دون أي جهد أو تعب منه.. وهذه يمكن تسميتها بـــ”الحقوق الموهوبة”؛ لأن الإنسان لا يكتسبها باستخدام إرادته، ويمكن النظر من هذا المنظور إلى العديد من الحقوق والامتيازات؛ بدءًا من خلق الإنسان بشرًا إلى ولادته في بلدة مسلمة، ومن تزوده بمهارات وقدرات عالية إلى نشأته في بيئة مناسبة..

وعلى الإنسان أن يسعى إلى أن يكون أهلًا لهذه الحقوق التي منحها الله تعالى له على سبيل اللطف الجبري، وذلك بأن يستوفي إرادته حقها ويعمل على تنمية مواهبه وقدراته حتى النهاية، ومما لا شك فيه أن كل نبي من الأنبياء عليهم السلام بمنزلة مرشدٍ وهادٍ لنا في هذا الصدد.

وللتعبير عن هذه الحقيقة فكما يمكن القول إن الله تعالى منح عباده هذه الحقوق دون مقابل، كذلك أنعم عليهم بها بناءً على علمه الأزلي بالنشاط والجهد الذي سيحقّقونه طوال حياتهم، فمثلًا إنه لنعمة عظمى وفضيلة كبرى أن يتشرّف أي إنسان بالنبوة، فهو سبحانه يشرّف بهذه النعمة من شاء من عباده، وقد يمكن القول أيضًا: إن الله جل جلاله كرَّم بعض عبيده بمثل هذه الرتبة العالية؛ لعلمه الأزليّ بما سيبذلونه من جهد وسعي طوال حياتهم بدءًا من طفولتهم.

ومن ينظر إلى حياة مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم يوقن تمامًا أنه صلى الله عليه وسلم كان أهلًا للنِّعَم التي يمتلكها، مثل نعمة العفة والعصمة والفطنة، فضلًا عن النبوة! فلقد استطاع صلوات ربي وسلامه عليه من خلال استخدام إرادته إلى أقصى حد، أن يستفيد بشكل مثمِرٍ ونافع للغاية من الحقوق الأولى التي مُنِحت له، وظل طوال حياته السنية يتخذ القرارات الصائبة، ويختار الاختيارات الصحيحة المناسبة بحيث لا يمكن لأيِّ عقل سليم أن يعارضها أو يعترض عليها؛ فرغم أنه بشر يتكون من لحم ودم فإنه أنجز أشياء تتجاوز أعمال الملائكة.

   إعطاء المرء موقعه حقّه

الإنسان الذي يعيش متفحصًا الحياة يرى أن ما أنعم الله تعالى عليه من حقوقٍ ونِعَمٍ منذ ولادته تستمر أيضًا في المراحل اللاحقة من حياته، فمثلًا كم شخصًا منا ارتبط بالخدمة الإيمانية والقرآنية فكرًا وتدبّرًا واستيعابًا لفلسفة الأمر؟! لقد وجد معظمنا نفسه فجأة في خضم الأمر، حدث ذلك كما لو أننا كنا نسير في الشارع مع خمسين شخصًا، وإذا ببابٍ يُفتح فيؤخذ منا ثلاثة أو خمسة إلى الداخل.. وعليه فإنه من الصعب للغاية أن يقول الإنسان في هذا الصدد: “فكرتُ وخططتُ ونفذتُ”.. لقد مرّ أذكياء كثيرون من نفس الجادة، لكنهم لم يفكروا في أن يدلفوا إلى الداخل من ذلك الباب الموارب، حتى إن بعضهم مرّ من جانب الباب، ولم يره ولم يسمع الصوت الذي يناديه.

وهكذا فإن القضية الرئيسة تتمثل في النظر إلى هذه الحقوق والنعم الموهوبة كلها على أنها أمانة مهمّة جدًّا والسعيِ إلى إعطائها حقها والوفاء بها.. فلا ينبغي للإنسان أن ينزلق إلى كفر النعمة بتجاهل النعم التي يمتلكها، ولا أن يتردّى في الغرور والكِبر تفاخرًا وتباهيًا بها، يجب عليه بالدرجة الأولى أن يعزوَ كل هذه النعم والأفضال إلى مالكها الحقيقي، أي إلى الله تعالى، ثم يسعى لأن يكون مستحقًّا لها وجديرًا بها.

أجل، يجب علينا أن نعي ونفهم نِعَمَ الله وألطافه بالدرجة الأولى، وألا نهوي في الغرور والكبر بنسبتها إلى أنفسنا، ثم يجب علينا أن نوفِّي حق الموقع والمكانة والمرتبة التي وضعنا الله تعالى فيها، يجب علينا أن نضبط جميع مواقفنا وسلوكياتنا وفقًا للمكانة التي نحن فيها، وإن اطّلَعْنا على شيءٍ من الحقائق السامية؛ فيجب علينا أن نعتبرها نعمة مهمة جدًّا، ونهرول لتعريف جميع القلوب المحتاجة بها؛ لأن العلاج الوحيد لعدم الوقوع في دوامة الأنا هو ربطُ القلب بغاية مثالية رفيعة، وإذا كنا لا نريد الغرق أو الاختناق، فيجب علينا أن نتشبّث بمقبض قوي أو بحبل متين.

يجب علينا أن نحاول الاستفادة من جميع الحقوق والنعم والعطايا التي وهبها الله تعالى لنا على سبيل الأمانة ونعمل على رعايتها وتنميتها تمامًا مثل البذرة التي تُلقى في باطن أرض خصبة.. يجب علينا أن نقول باستمرار: “ترى ما الذي يجب عليَّ فعله حتى تُخرِج الحبة الواحدة التي بيدي سنبلتين، ويخرج من السنبلتين خمسون حبة من القمح؟”، يجب علينا أن نبحث عن طرق كي تُنْبِتَ الحبّةُ الواحدة سبعَ سنابل وفي كل سنبلة مائة حبة كما عبر القرآن الكريم[1]، وينبغي لنا أن نسعى بكل استطاعتنا إلى الاستفادة العظمى من كل المواهب والقدرات التي نمتلكها؛ بالنظر إليها بهذا المنطق وتلك الفلسفة.

إن السبيل إلى الوفاء بحقِّ الموقعِ أو الوقوف حيث ينبغي؛ يتمثل في القدرة على النظر إلى المسألة من خلال المنطق التالي: يجب على الإنسان أن يفحص بشكل متكرّرٍ المسافةَ ما بين المكان الذي يتواجد فيه والمكان الذي يجب أن يتواجد فيه، وعليه أن يتساءل دائمًا: “بما أن الله منحني تلك النعم وأعطاني فرصة العيش في مثل هذا المناخ الجميل، فما هي الأشياء التي يريدها مني؟”، وأن يؤدي شكر النعم التي يمتلكها.

إن العطية والمنحة والهبة الأولى نعمة وفضل من الله تعالى، لا دخل لنا فيها، لقد وضعنا الله عز وجل في موقف ومقام معين، غير أنه يجب علينا أن نحقق عبوديتنا لربنا سبحانه وتعالى بما سنبذله لاحقًا من نشاط وجهد وجدية، حتى الملائكة ليقولون: “ربَّاه! ما أعظمها من حكمة كانت في إدخالك هذا الشخص من ذلك الباب المفتوح!”.

إن سادتنا الصحابة الكرام رضوان الله عليهم يمثلون نماذج مهمة جدًّا بالنسبة لنا في هذا الصدد، لقد خلقهم الله في نفس العصر الذي عاش فيه نبينا صلى الله عليه وسلم، ومهّد لهم السبيل ليكونوا صحابته، فوفّوا بحق ذلك، ولقد بلغ أولئك الأشخاص الذين كانوا يئدون بناتهم في ظلمات الجاهلية، ويعبدون الأصنام التي صنعوها بأيديهم، ويتخبطون في غياهب أنواع شتى من الوحشية، ولا يعترفون بحقوق النساء؛ بلغوا مستوى ومنزلة مكنتهم من أن يحكموا العالم كمعجزة من معجزات القرآن ويثقفوا عقل البشرية ويصقلوه، أي إنهم أعطوا المكانة والمرتبة التي منحهم الله تعالى إياها حقها، وخلال وقت قصير أعطوا الإنسانية درسًا في الحضارة، وملؤوا البسيطة علمًا وعدلًا وإنصافًا ورحمةً.

   سمات حملة الدعوة

إن لم تُستغَلّ الألطاف التي منحها الله للناس كحق أولي كما ينبغي فإن الله تعالى يسلبها ممن ليسوا أهلًا لها، ويُسلّمها إلى من هم أكثر أهلية لها؛ إذ يقول الله عز وجل في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة الْمَائِدَةِ: 5/54).

وهنا يصرح الله تعالى بأنه سيأتي بطائفة أخرى تحل محل من ارتدوا عن دينه، أو من لم يقوموا بواجباتهم على النحو الأمثل، وتاريخ الإسلام مليء بأمثلة من هؤلاء، فمثلًا عندما بدأ الأمويون في الاضطهاد والوحشية وسفك الدماء استبدلهم الله بالعباسيين، وعندما بدأ العباسيون يضطربون ويضعفون استقر الأمر للسلاجقة، فوقعت على عاتقهم مقاومة الحملات الصليبية والمغولية، وعندما صاروا هم أيضًا عاجزين عن أداء هذه المهمة العظيمة استبدلهم الله هذه المرة بالعثمانيين..

أي إنه حين تعجز طائفة عن بلوغ المستوى الذي يريده الله جل وعلا، ولا تستطيع أداء حقِّ مكانتها، وتبدأ في التراجع بحيث لا تقف حيث يجب فإن الله تعالى يسلب منهم هذا الأمر، ويكله إلى غيرهم، فيجعلهم يمثلون دعوته.

حسنًا، ماذا يجب أن تكون صفات مَنْ يتمسكون بدين الله وينشرونه في أرجاء العالم؟

أولًا: أن يحبّهم الله ويحبونه، والحقيقة أن هذا الحبَّ متبادَلٌ، فإذا اشتاقت نفوسكم حنينًا إلى الله عندما تذكرونه فلكم أن تعلموا أن الله يحبكم، فإذا كنتم تريدون معرفة مكانتكم عند الله فعليكم أن تنظروا إلى مكانة الله ومقامه عندكم، فبقدر علاقتكم بالله، تكون علاقة الله بكم، ولذا يرد ذكر هذين النوعين من الحب الواحد تلو الآخر.

ثانيًا: يذكر القرآن الكريم أن هذه الطائفة التي تبدأ حركة إنشاء جديدة وتسعى إلى إحداث انبعاث عام؛ تخفض أجنحة التواضع والذل من الرحمة للمؤمنين، أي إنهم يرون أنفسهم دون الجميع وأقل منهم.. وعلى حد قول سيدنا عليٍّ رضي الله عنه يعيشون بين الناس كواحدٍ من الناس..

ثالثًا: إنهم يتخذون موقفًا صارمًا للغاية من الصفات الكفرية، وبعبارة أخرى: إنهم يحاولون إزالة سمات الكفر كي يعيش الجميع حياة إنسانية، ويفكروا تفكيرًا سليمًا ويتخذوا القرارات بشكل صحيح، ويبذلون قصارى جهدهم حتى يتخلص الناس من دوامة الكفر، أي إنهم يحاولون تمكين القلوب من الاتصال بالله تعالى من جديد عبر إزالة ما بين الناس وما بين الله من حواجز.

رابعًا: يناضل هؤلاء باستمرارٍ في الطريق الحق الذي يؤمنون به، ويسعون لتخليص البشر وتطهيرهم من الصفات السلبية، ولإيصالهم إلى الله عز وجل..

 خامسًا: إنهم لا يخافون ولا يذعرون ولا يعيشون جنون العظمة أمام حملات الإهانة والتحقير والأذى والافتراءات التي يتعرضون لها في هذا السبيل، فلا يستطيع كلام الناس غير اللائق ومواقفهم الفظة وسلوكياتهم العدوانية أن تُثنيهم عن الطريق الذي هم مصممون عازمون على المسير فيه، ولا شك أن كلَّ واحد من هذه الأمور فضلٌ وإحسان من الله يهبهما لمن يشاء.

   من أجل القدرة على حمل الأمانة دائمًا

يستطيع أي شخص من خلال النظر إلى الأمر بعقلانية أن يزن نفسه من ناحية هذه الصفات السامية التي وضعها الله تعالى، ويمكنه أن يراجع ويفتش هل دعوة الحق قد مُثِّلت من قبل الناس الجديرين بها أم لا؟! بيد أنه ينبغي له أن يحرص على عدم إساءة الظن بأحد أثناء قيامه بذلك.

أما بالنسبة لمسألة أن “الحق سيظل يتنقّل بين من يكونون الأسبق والأفضل نسبيًّا في استحقاقهم لهذا الحق، إلى أن ينشأ الممثلون الحقيقيون” كما ورد في السؤال؛ فإننا لو قلنا إنه لا يوجد ممثلون حقيقيون لدعوة الحق في يومنا هذا لكنّا قد أسأنا الظن بالجميع، لكن بإمكان كل شخص أن ينظر إلى نفسه بهذه الطريقة، ويقول: “إنني في أحسن الأحوال مجرد مؤتَمَنٍ ومستودَع، ولست جديرًا لتمثيل هذه الأعمال حقَّ التمثيل”، ويمكنه التفكير على النحو التالي: “إنني أسعى لمساندة هذه الدعوة حتى لا تسقط رايتها على الأرض، ولا تُنسى القيم تمامًا، ولا نعيش تحت وصايات مختلفة”.

لكن الأمر الأهم هو أن يحاول كل مؤمن أن يكون أمينًا على الدوام، وليس مؤقتًا، وثمرة هذا ومردوده كبير لدرجة أنه لا يمكن مقارنته بأي شيء آخر، فإذا كان هناك مثل هذا الهدف السامي فإن التعلق بأشياء سواه من فتور العزيمة ودناءة الهمة، يجب على الإنسان من ناحية أن يُعليَ من همته دائمًا، ويرفع من مستواه باستمرار، ويسعى إلى تحقيق جدارة تليق بذلك، ومن ناحية أخرى يجب عليه أن يتضرع ويدعو الله دائمًا: “اللهم اجعلني أمينًا صادقًا مخلصًا في الأمانة حتى ذلك اليوم الذي ستسترد فيه أمانتك!”. آمين..

***

[1] انظر: سورة البقرة: 2/261.

ماذا نفضّل؟

Herkul | | العربية

   سؤال: كيف يجب أن نفهم الآية الكريمة الرابعة والعشرين من سورة التوبة؟

   الجواب: يشير السؤال هنا إلى قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (سورة التَّوْبَةِ: 9/24).

يبدأ الحق تعالى الآية الكريمة بلفظ “قُل” في إشارة إلى أنّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم واسطةٌ بين الله تعالى وبين عباده، ويشير هذا الأسلوب بشكل عام إلى أهمية التكاليف والمسؤوليات وثقلها، كما يُشعر هذا الأسلوب بأن الأوامر التي يرِدُ ذكرها قد نزلت من عند الذات الإلهية، وهذا في الوقت ذاته يمنع بعض المتحاملين والمتحيزين أو المتمردين من إساءة الظن بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ مذكّرًا إياهم بأنه عليه الصلاة والسلام لا يتحدث من تلقاء نفسه.

ثم تلفت الآية الانتباه إلى المصير المؤلم الذي قد يحيق بالمرء في حال تقديمه شيئًا من الأمور الدنيوية على محبة الله ورسوله أو على الكفاح والجهاد في سبيله تعالى، وكذلك تأمر الآية من تعلّقوا بمفاتن الدنيا تعلقًا يُنسيهم الله تعالى بأن: “تَرَبَّصُوا!” أي “انتظروا”، فماذا سينتظرون؟! أمرَ الله، والمعنى المراد هنا هو ما سيقع لهم من عقاب وعذاب وما سيحل بهم من بلايا ومصائب؛ لأن مثل هؤلاء الأشخاص لم يحسنوا اختيارهم أو أنهم لم ينتبهوا إلى ما يجب أن تُعطى له الأولوية.

وفي ختام الآية يقول الحق تعالى: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾؛ وهذا يعني أن التعلُّق القلبي بالأشياء المذكورة في الآية قد يُضِلُّ الإنسان ويُوقعه في الفسق إن تقدم على حب الله تعالى.

ولكن ما هو الفسقُ؟ الفسقُ: هو تجاوزُ الإطار الذي حدده الله في الإسلام؛ أي عدم مراعاة أوامر الدين ونواهيه.. فقد وضعَ الإسلام لكلٍّ من العقيدة والأعمال والأخلاق والمشاعر والأفكار والصلة بالله والحياة القلبية والروحية إطارًا خاصًّا بها، وكما يُفهم من الآية، فإن الشرط الأساسي والأوّلي للالتزام بهذا الإطار هو تقديم محبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتفضيل الجهاد والنضال في سبيل الله عز وجل على كل شيء.. فإن لم يحسن المرء اختياره في هذه المسألة، فيستحق أن يوصم بـ”الفسق”.

   الحبّ المتّزن واللائق

والحقيقة أن كل ما ورد في الآية الكريمة مهمٌّ للغاية بالنسبة للإنسان؛ فبالطبع يجب على الإنسان أن يُحب والديه، وألا يُقصِّر في احترامهما، وعليه أن يحتضن أولاده وينشغل بتربيتهم، وعليه كذلك أن يُحب إخوانه، وأن يكون مستعدًّا لمساعدتهم في أية لحظة، ويجب أن يحب زوجته، ويحتفي بأقاربه؛ فهذه كلها أشياء مطلوبة.

نعم، يجب على المرء أن يهتم بكلِّ هؤلاء ويعاملهم دائمًا بلطف وإحسان.. ذلك أن ثمة تأكيدًا وتوجيهًا ورَدَ في العديد من الآيات والأحاديث على ضرورة هذا النوع من الرعاية، وعلى أهمية الواجبات والمسؤوليات التي يجب عليه الوفاء بها، فلا يصح أن يُهمِل الإنسان والديه وأبناءَه وأقاربه وذويه، وإلا حاسبه الله عز وجل على ذلك.

وبالمثل، فلا حرجَ أن يعمل الإنسان ويكسب ويتاجر ويربح المال.. بالطبع، على الإنسان أن يُعِدُّ دراسة جدوى جيدة قبل البدء في العمل، ويخطو خطوات معقولة وواقعية حتى يتسنى له تحقيقُ الأرباح واتقاءُ الأضرار المحتملة.. لا حرج في هذه الأمور طالما أنها لا تتقدم على حب الله ورسوله، ولا تُبعد الإنسان عن إعلاء كلمة الله، بل على العكس، إنها من جملة واجبات المؤمن بحسب درجته ومكانته.. لكن المذموم في الآية هو أن يعتني الإنسان ويشغل وقته بهذه الأمور دائمًا، ويضعها في مقدمة القضايا الأكثر أهمية عند ترتيبه لأولوياته.

ومن المهم عدم الخلط بين هذين الأمرين، أي إن للإنسان بعض الاهتمامات الدنيوية، ولا يوجد مانع مطلقًا من انشغاله بها، بل على العكس، إنها من مطالب الطبيعة البشرية، كما أن عليه بعض الالتزامات الدنيوية، ولا يمكن التفكير في إهمالها.. إلا أنه لا ينبغي أن تقف الدنيا حائلًا بين العبد وبين الله عز وجل، ولا أن تتقدم على أكثر الأشياء تقديرًا عند الله، وإذا كان هناك شيء يفصل في هذا الأمر فهو ضمير الإنسان.

قد يفتتن الإنسان أحيانًا بأبنائه وأمواله وثرواته وقصوره التي يعيش فيها وينسى ما يجب ألا ينساه أبدًا إزاء المتع الدنيوية.. وقد تمنعه أمواله وأولاده من الخدمات في سبيل الله جل وعلا؛ ذلك لأن عناقيد الفاكهة التي تتدلى من الأغصان، والظلال التي تنعش الإنسان، والمياه الباردة التي يجِدّ الإنسان في البحث عنها عند اشتداد حرارة الصيف، هي التي جعلت حتى صحابيًّا جليلًا مثل كعب بن مالك يتخلف عن غزوة تبوك، لكنه نجا من الهلاك بفضل إخلاصه في توبته وصدقه.

أجل، أحيانًا ما يحدث -حفظنا الله- أن ينسى الإنسانُ اللهَ ورسولَه بسبب بساتينه ورِياضه ومكاسبه وأماكن لهوه وتسليته، وتحل هذه الأشياء محل حبه لله ورسوله، وقد تمنع هذه الأشياءُ الإنسانَ من السعي والجد في سبيل الله، وفي هذه الحالة يصبح الإنسان عُرضةً للمصائب والابتلاءات، وتخلصًا من هذه العاقبة السيئة تُذَكِّرُ الآية الكريمة المؤمنين بضرورة أن يرجح حبُّ الله ورسوله على كلِّ أنواع الحب الأخرى، وأن يتقدم الشوق والرغبة في أن يرفرف اسم الله الجليل والاسم المحمدي الكريم في كل أرجاء العالم؛ على كل شيء.

إذا كان المؤمن يحب الله ورسوله أكثر من كل شيء، وكان همه وشغله الشاغل هو إعلاء كلمة الله دائمًا، وكان يضع هذه الأمور على رأس أولوياته فإن علاقته بالأغيار لن تضره شيئًا.. لكن إذا لم يكن هؤلاء في المقدمة فهذا يعني أن الإنسان لم يحسن اختياراته، وسيضطر -حفظنا الله- إلى دفع ثمن اختياره.

   لا يجتمع حبان في قلب واحد

جاء في منقبة عن إبراهيم بن أدهم قدس الله سره: لا يجتمع حُبَّان في قلب واحد؛ فيجب على المؤمن أن يحدد بداية، وبشكل صحيح، من سيحب، وبمن سيهتم، وبمن سيرتبط قلبيًّا، وهذا هو ما تبيّنه لنا الآية الكريمة.. إنها تُعلّمنا أنه لا ينبغي أن يتقدم أيُّ حبٍّ على محبة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومهما شعر الإنسان بمقتضى طبيعته، من اهتمام ومحبة تجاه بعض الكائنات الفانية الضعيفة، فيجب أن يأتي هذا الحب في الدرجة الثانية، ولا ينبغي بأي حال من الأحوال أن تحل محبةُ الأولاد أو الأموال محلَّ محبة الله عز وجل، وإلا فإنه يخشى من سوء العاقبة.

ولقد وجِّه للأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي سؤالٌ يتعلق بالحرب العالمية الأولى مفاده: إن المصيبة نتيجةُ جنايةٍ، ومقدمةُ ثوابٍ؛ فما الذي اقترفتم حتى حَكم عليكم القدر الإلهي بهذه المصيبة، إذ المصائب العامة تنزل لأخطاء الأكثرية؟ وما ثوابكم العاجل؟

فأجاب قائلًا: مقدمتها إهمالنا لثلاثة أركان من أركان الإسلام؛ الصلاة، الصوم، الزكاة، إذ طَلب منا الخالقُ سبحانه ساعة واحدة فقط من أربع وعشرين ساعة لأداء الصلوات الخمس فتقاعسْنا عنها، فجازانا بتدريب شاق دائم لأربع وعشرين ساعة طوال خمس سنوات متواليات، أي أَرْغَمَنَا على نوع من الصلاة.. وإنه سبحانه طلب منا شهرًا من السنة أن نصوم فيه رحمة بنفوسنا، فعزّت علينا نفوسنا فأرغَمَنا على صومٍ طوالَ خمس سنوات، كفّارة لذنوبنا، وإنه سبحانه طلب منا الزكاة عُشرًا أو واحدًا من أربعين جزءًا من ماله الذي أنعم به علينا، فَبَخِلنَا وظلمنا، فأرغَمَنَا على دفع زكاة متراكمة، فـ” الجزاء من جنس العمل ”[1].

وإذا نظرنا إلى المسألة من وجهة نظر بديع الزمان فسنرى أن الله تعالى قد عاقبَنا بأشكال مختلفة على ما وقع منا من تقصير وإهمال في معايشة دين الإسلام المبين، وهذا هو المعنى المراد إيصاله من قوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ (سورة التَّوْبَةِ: 9/24).

بل إنه يمكن النظر من هذه الزاوية أيضًا إلى المشاكل والأزمات التي يتعرض لها المسلمون حاليًّا، فلا حاجة للبحث عن مجرم في الخارج، وبدلًا من التسلي بسَبِّ ولعن الظالمين والطغاة القساة الذين يحيطون بنا ويتحكمون فينا ويحرموننا من القدرة على فعل ما نريد، يجب علينا أولًا أن نعود إلى أنفسنا ونحاسبها قائلين: “تُرى ماذا فعلنا حتى يحلّ بنا كل هذا؟!” فلو أن المسلمين فضلوا الأمورَ الواردة في الآية على ربهم ونبيهم وإعلاء الدين، فسيعاقبهم الله بصنوف وأشكال مختلفة من الجزاء، وعليه يجب علينا أولًا أن نفعل مثلما فعل بديع الزمان؛ فنفتّش عن عيوبنا وتقصيراتنا في البداية، ثم نهتم بجبرها وإصلاحها.

ومن المؤسف في يومنا هذا أننا لا نفكّر في الله كما ينبغي ، ولا نحب مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم كما يلزم، ولا نبذُل الجهود والمساعي اللازمة للتعريف باسمه في جميع أنحاء العالم، ربما تُحمَل عباراتي هذه على إساءة الظن، إلا أنَّ هذه هي القناعة التي تتكون بداخلي عندما أنظر إلى الوضع العام للأمة المحمدية.

فمن المعروف محبة سيدنا عمر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وارتباطه به من صميم قلبه.. لقد كان يحبه لدرجة أن نبينا صلى الله عليه وسلم عندما انتقل إلى أفق روحه، سلّ عمر سيفه قائلًا: “من قال إن محمدًا قد مات ضربتُ عنقه”، فقد كان رضي الله عنه مرتبطًا به قلبيًّا ومحبًّا له بإخلاص، لكنه عندما التقى النبي ذات يوم وقال له: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَ، وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “الآنَ يَا عُمَرُ[2].

إنني أحيل هذا الأمر إلى ضمائركم.. فزنوا أنفسكم بموازين ضمائركم الحساسة وقوِّموها، وحاولوا أن تحددوا أين أنتم من الإسلام؟ هل تقفون حقًّا حيث يجب أن تكونوا؟ أم أنكم خرجتم من الدائرة التي يجب عليكم الوقوف فيها، وانتهكتم المجال المباح، ودخلتم في عداد الفاسقين الذين أكّد الحق تعالى على عدم هدايته لهم في ختام الآية؟!

فيا ليتنا ننشغل دائمًا بحب الله تعالى ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن نتحرق شوقًا وعشقًا لتعريف كل الكون بهما والحديث عنهما! ليتنا نحاسب أنفسنا باستمرار ونحاول تصحيح أوجه القصور لدينا! ليتنا نهتمّ أكثر فأكثر بما يمكننا فعله من أجل القيم التي نؤمن بها! ليتنا نبحث باستمرار عن طرق بديلة للدخول إلى القلوب! ليتنا نتمكن من وضع إستراتيجيات جديدة تكون أكثر نفعًا للناس عندما نقابلهم! وذلك حتى لا نندم يوم لا ينفع الندم.

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، اللوامع، ص 840.

[2] صحيح البخاري، الأيمان، 2.

التواضع والإخلاص

Herkul | | العربية

التواضع حال وشعور قلبي، ويعني التذلل واستحقار النفس، وهذا عظيم جدًّا عند الله تعالى، ويُطلق على صاحب هذه الصفة العظيمة “متواضع”، وعلى الرغم من أن التواضع ينعكس في الغالب على الأفعال والسلوكيات، إلا أنه لا يمكننا الجزم بتواضع المرء من عدمه بمجرد النظر إلى سلوكه الظاهري.. فالنية هي التي تحدد المتواضعَ من غيره سواءً كان المتواضعُ يصلي في الصف الأوّل خلف الإمام أو في الصف الأخير. المهم هنا هو الشعور الداخلي الذي دفعه إلى هذا الفعل، ومن ثم يكون من الواجب على المرء أن يراجع نفسه دائمًا وأن ينتبه إلى إحساسه ومشاعره ويقِوّم حياته وفقًا لذلك، فالإنسان المتواضع يتجنَّب دائمًا المواضع التي تستدعي تبجيله وتعظيمه أمام الآخرين؛ إذ يشعر بالضيق والحرج عندما يضعه الآخرون في مكانة كبيرة لشيء فعله.

وفي كثيرٍ من الأحاديث النبوية يرد التذكير بفضل التبكير إلى الصلاة والوقوف في الصف الأول خلف الإمام، هذا هو الجانب الموضوعي من المسألة.. أما ما نحاول الحديث عنه هنا فهو الجانب المتعلق من المسألة بالتواضع والكبر، وبالتالي فهو أمر ذاتي، ومع ذلك فإن الشخص ربما ينال الثواب أيضًا نتيجة صدق هذه الاعتبارات، فمثلًا قد نجد شخصًا يأتي إلى المسجد مبكرًا ولكنه يقف في الصف الخلفي ليس إلا إيثارًا منه لينال أخٌ آخر تلك الفضيلة، فهذا نوع من الجود وعملٌ مقبول عند الله، ولكن قد لا يكون من الصواب أن يفعل الشخص الشيء نفسه دائمًا حتى ولو كان سخاء ومروءة من هذا القبيل؛ فقد يتحول هذا بعد مدة ما إلى محاولة التعريف به وإشهار نفسِه أمام الناس.

ومهما قام المؤمن بأعمالٍ جليلة فعليه أن يعرف كيف يتخلّص على الفور من الوقوع في فخِّ إشهار نفسِه أمام الناس، يجب عليه أن يكون عازمًا كل العزم على أن يقضي حياته في تواضع تام، ومحو تام، وخجل تام.. بيد أنه ينبغي له ألَا يقيِّد هذه الأمور بالشكليات؛ لأن مفهوم التواضع المرهون بأشكالِ وأنماطِ سلوكيةٍ محددة من الممكن أن يدفع الإنسان إلى عقدة التصنع وإبراز النفس دون وعي منه، لذا فعلى المرءِ أن يكون مرِنًا وأن يتخذ القرار وفقًا لحالته الروحية؛ فليس للسلوكيات والأفعال قيمة في حد ذاتها؛ ولكن ما يُكسبها القيمة والتقدير هو نية المرء وقراراته الداخلية.

   الأحكام التي يصدرها الضمير

إن مَن يستطيع قراءة الإنسان وفهمه جيدًا هو الإنسان نفسه.. أي مرآة الضمير؛ فالضمير يشبه حجر الزاوية والميزان الذي لا يضلّل ألبتة، لذا فعلينا أن نجعله معيارًا وميزانًا في كل أفعالنا وتصرفاتنا، وأن نتحرّك وفقًا له.

وإذا تناولنا مثال الصلاة مرة أخرى، نجد شخصًا يقول في ضميره “لستُ جديرًا بالوقوف في الصف الأول”، ويتراجع إلى الصف الخلفي اعتمادًا على هذه الملاحظة؛ أي إن شعور التواضع بداخله هو الذي يدفعه إلى فعل ذلك، فيتجلى تواضعه على هذا النحو، بينما شخص آخر يقف في الصف الخلفي ليجعل الآخرين يقولون عليه: “كم أن فلانًا متواضع! يقف في الخلف على الرغم من أنه يأتي إلى الصلاة باكرًا!”، حتى وإن لم يفكر المرء في هذا صراحة فإن فكرة خبيثة جدًّا ربما تنتابه وتستقرّ في ذهنه دون وعي منه، ومن ثم تأتي الخسارة بسبب إبراز النفس وتعظيمها.

ويجب العلم بأن الإنسان إنما هو إنسان نياته وعوالمه الباطنية وانفعالاته الداخلية، هذا هو ما يصبغ الأفعال وينسجها ويشكلها، وبه تكتسب الأفعال قيمة وعمقًا أو تفقد ذلك تمامًا، وكما ورد في الحديث النبوي فإن الرجل يقاتل بكل بسالة وشجاعة في ساحة الوغى؛ إلا أن عمله هذا إذا لم يكن مرصَّعًا بالإخلاص فإنه لا يساوي شيئًا على الإطلاق عند الله تعالى؛ كما أنه لن يقرِّبه من الجنة ولو قيد أنملة؛ بل على العكس يقرِّبه من النار.

ورجل آخر ثريّ مثل قارون، قد أنفق ما لديه من كنوز حتى آخرها، لكنه إنْ خطرت بذهنه واستقرت فيه أفكار من قبيل أن يقول الناس له: “كم أنت جواد! هكذا يكون الجود والكرم!”، فهذا يعني أن أعماله صارت هباءً منثورًا[1]، ويمكنكم أن تقيسوا على هذا سائر الأعمال والمزايا الأخرى من الرفعة في العلم وحسن الخطابة وعذوبة الكتابة أو البراعة في إلقاء الشعر.. إن فكرةَ الشهرةِ والصيت ونسبةَ العمل إلى النفسِ -ولو بقدر يسير- تقضي تمامًا على العمل الصالح والخدمات المبذولة حتى وإن كانت مذهلةً تأخذ بالألباب، وعلى هذا يجب أن يكون رضا الله عز وجل هو المقصد الأول والأخير في جميع الأعمال، ويجب العمل على نيل رضاه تعالى فحسب.

إن منْ لا يمرّر أحواله وأفعاله من مصفاة الوجدان ولا يحاسب نفسه من وقت لآخر يندم أيَّما ندم أمام المولى تعالى.. والواجب علينا هو أن ندقّق حتى في أكثر تصرّفاتنا براءةً وعصمةً وأن نتحقّق دائمًا من سلامتها.

يمكنكم القيام بأعمال طيبة للغاية لصالح الإنسانية؛ فمثلًا لقد قمتم بإصدار الصحف والمجلات وبث القنوات التلفزيونية، والنجاح في هذا الصدد.. إلا أنكم إذا أقحمتم أنانيَّتكم في ذلك، فإن هذه الأعمال الطيبة تُردُّ في وجوهكم يوم القيامة، وتَحبَط جميعها؛ فلا يمكن لأي عمل لا يُعتمد فيه على الله أن يحقِّق النجاح، كما أن الأعمال التي تفوح رياءً وسمعةً هي ضدكم وضد دينكم وضد أمتكم، وإن نجحت الأعمال التي لا تقوم في الأساس على الصدق والإخلاص نجاحًا مؤقتًا، فاعلموا جيدًا أن ذلك إنما هو استدراج.

   الكذب صفة الكفار

إذا أردنا ألا نتعرض للخسران الدنيوي والأخروي، فعلينا أن نؤدي جميع أعمالنا وكأننا نراه تعالى فإن لم نكن نراه فإنه يرانا، وهذا يقتضي أعلى درجات الإخلاص والصدق، يجب ألا نتفوه بقول أو نكتب كلمة أو نقوم بعمل دون ربطه بفكرة الإحسان، وعلينا دائمًا أن نتحرى رضاه تعالى في كل شؤوننا وتصرفاتنا صغيرِها وكبيرِها، لأن ما لا يستند إليه جل جلاله من أعمال إنما هو كذب.. إنها كذبٌ حتى ولو فتحنا إسطنبول، وانتصَرْنا في موقعة “جالديران”، وغلَبْنا في “مرج دابق” و”الريدانية”.. إياكم أن تفهموا من كلامي هذا أنني أرى ما قام به السلطان الفاتح والسلطان ياووز كذبًا وبهتانًا، فلا يليق الكذب ألبتة بهذه القامات الجليلة، وإنما أحاول أن أقدم مشهدًا ورؤية مناسبة فيما يتعلق بالتحكم في عالمنا الداخلي والسيطرة عليه.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن “الكذب” هو العلَامة الأبرز في شبكة البلاء التي ستتسلط على أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان، وكلمة “الدجال” أيضًا تعني المخادع الكذاب، ولما كانت هذه الكلمة قد وردت في اللغة العربية بصيغة المبالغة فإنها لا تُستخدم لكذاب عادي؛ وإنما تعني الكذاب البارع بحيث صار يصدِّق الأكاذيب التي اختلقها هو.. وإنَّ أفعالَه وإن بدت وكأنها وقعَت لصالح الإيمان والإسلام وتنبع من شعور الإحسان ومن أجل خير الأمة ومصلحتها، إلا أنها كذبٌ وبهتانٌ بيِّن لا صلة له بالصدق والإخلاص، كما أن الوعود التي يعِد بها مستقبلًا هي محضُ كذب وافتراء أيضًا، والكذب كما يصفه الأستاذ بديع الزمان هو لفظٌ كافر، ولا تليق بالمؤمن.

ومع الأسف فالشيطان يخدع الكثيرين اليوم بشراك الكذب سواء أكان فعليًّا أو قوليًّا أو حاليًّا أو تخيليًّا، ويضلهم عن السبيل، والواجب على المؤمن الحقيقي هو أن يلتزم الصدق دائمًا؛ ويفر من الكذب فراره من الأسد.

***

[1] انظر: صحيح مسلم، الإمارة، 152. (إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ).

التعددية

Herkul | | العربية

التعددية هي من أكثر المصطلحات شيوعًا في دنيا العولمة، ويلاحظ وجود هذا المصطلح -رغم أنه من مصطلحات العصر الحديث- مسمّى بلا اسم في خضم الحياة الاجتماعية في العهود الأولى التي كان يُطبّق فيها الإسلام بحق، حيث كان المؤمنون حينذاك يقدِّرون تعدد المشاعر والآراء والأفكار، ويتعاملون بسماحة مع الجميع.

ومن الضروري بدايةً معرفةُ أنه لم يكن في مجتمع الصحابة الكرام ما يسمى بالاتفاق المطلق، فقد كان من بين هؤلاء الأطهار من يحمل توجهات مختلفة وأفكارًا شتى، ولو ألقينا النظر على حياة سيدنا عمر وسيدنا أبي ذر أو على حياة سيدنا أبي بكر وسيدنا بلال الحبشي عليهم جميعًا رضوان الله؛ لألفينا فرقًا شاسعًا فيما بينهم، وهم الذين كانوا جميعًا ينهلون من معين واحد وهو منهل العذب المورود، ويتعيّشون على غذاء معنوي واحد، ويسيرون لتحقيق هدف واحد، ولكن رغم هذا كله فالاختلافُ كان بيِّنًا في تأويلاتهم ومفاهيمهم وأنماط حياتهم.

ورغم أن المناهج الفكرية لدى المسلمين وأنماطَ حياتهم في العهود اللاحقة كانت تتشكل وفقًا للأدلة الأصلية مثل الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والأدلة الفرعية مثل العرف والعادة والمصلحة والاستحسان؛ فقد حافظ الاختلاف على وجوده بين هؤلاء المسلمين، ومع أنهم كانوا يستندون إلى نفس المصادر التي تحدد أفكارَهم ومعيشتَهم فقد أوجدوا العديد من الحلول المختلفة للمشاكل التي واجهوها.

فرغم وحدة المصادر التي يستندون إليها، والاجتهادات النقية الصادقة المخلصة التي قاموا بها، وعلاقة الطالب والمعلم التي كانت تسود بينهم فقد كانت هناك اختلافات جوهرية بين اجتهادات الإمام مالك والشافعي، وبين الشافعي وأحمد بن حنبل، رحمهم الله جميعًا.. بل إن الصاحبين -أبا يوسف ومحمدًا- قد درسا على يدي الإمام أبي حنيفة، ورغم ذلك كان الواحد منهما يحمل آراءً مختلفةً للغاية عن آراء الآخر، لأن لكل إنسان إحساسًا وإدراكًا وقابليةَ فهمٍ مختلفة، فإذا كان هذا القدر من التعددية بين هؤلاء المجتهدين الذين عاشوا حياتهم كلها في فلك الكتاب والسنة فلكم أن تخمنوا حجم الاختلافات التي قد تحدث إذا تعلق الأمر بعامة الناس!

لقد كان المسلمون يعتبرون الاختلاف رحمةً من الله بحسب ما ورد في الأحاديث الشريفة، فقابلوه بسماحة وتقدير بالِغَين، ولم تتضرر الوحدة والاتحاد فيما بينهم مع وجود هذا القدر من الاختلاف في المجتمع.

   تطوير التعايش مع الآخر

إن السعي إلى التعايش في وحدةٍ ووئامٍ مع الآخرين رغم اختلاف البيئات والثقافات والمفاهيم والإرادات والأفكار من شأنه أن يُكسب المرء ثواب العبادة؛ لأن الفرد يشعر بردِّ فعلٍ مضاد تجاه أي أمرٍ يخالف طبيعته، ويشعر برغبةٍ في معارضة الآراء والمفاهيم المخالفة له، من أجل ذلك كان قمعُ مثلِ هذه المشاعر السلبية يحتاج إلى سعي وجهدٍ كبيرين، وهذا بدوره يُفضي إلى إحراز الثواب الجزيل، ولقد كان النبي صلوات ربي وسلامه عليه يحثّ دومًا المؤمنين على التعايش في إطار جماعي، وكان يوصيهم بعدم الانفصال عن الجماعة.

وإن قدرة الناس على إقامة وحدة وتوافق فيما بينهم على اعتبار أنهم أفراد مجتمع واحد رغم وجود الكثير من الاختلافات؛ مرتبطٌ بقبول كل شخص في موقعه، والنظر بتسامح إلى الاختلافات القائمة، ومثل هذا المفهوم للتعددية أثرٌ من آثار رحمة الله تعالى، وضده الاستبداد الذي يُمارَس من خلاله قمعُ الناس، واضطهادهم، وفرض نمط حياة معين للجميع، ولا ريب أن هذا يهدد الحقوق والحريات الأساسية، ويطمس القابليات والقدرات، ويجعل المجتمع على نمط واحد، ويعزله عن العالم.

فإذا كان المسلمون لا يريدون أن ينحصروا داخل حلقة ضيقة منعزلةً عن العالم ولا أن يتخلفوا عن مواكبة العولمة؛ فعليهم أن يتفاعلوا مع الثقافات والملل المختلفة، وينفتحوا على العالم، فمن جهةٍ يعرِّفون مخاطبيهم بمنظومة القيم التي يؤمنون بها، ومن جهة أخرى يستفيدون من حياض الثقافات والحضارات المختلفة.

ولكن إذا كان من الممكن ظهور بعض الفروق والاختلافات -وهذه حقيقة واقعة- بين أفراد المجتمع الواحد الذين يدينون بدين واحد، ويتوجهون إلى قبلة واحدة، ويعيشون في بيئة ثقافية واحدة؛ فمن المرجح ازدياد هذه الاختلافات عند التعايش مع أتباع الديانات واللغات والأعراق والثقافات المختلفة، وهنا لا بد أن يعي المسلمون بدايةً أن ثقافة التعايش مع الآخر في هذا العالم الذي أصبح قرية صغيرة قد بات أمرًا لا مفر منه، وعليهم أن يطوِّروا من تجربة التعايش مع أتباع الثقافات والأديان المختلفة، ومن ثم يكون من الأهمية بمكان تبني بعض الأسس مثل: الاجتماع على أرضية مشتركة، والتوافق على الحد الأدنى من القواسم المشتركة، وإيجاد نقاط اتصال مشتركة، وتقبّل كل شخص في موقعه ومستواه.

ولقد أصبح بعضُ المسلمين في عالم اليوم يتوجسون خيفة من التعددية؛ على أساس أنها ستُفضي إلى التآكل والتنازل عن القيم الدينية، فباتوا لا يعرفون كيف يتصرفون في هذا الصدد، بل إن بعضهم ربما يحمل للآخرين بعض المشاعر العدائية، ويتخذ بعض المواقف المتطرفة.. فمن الواجب بداية إدراك أن إعلان المسلمين الحرب على أتباع الديانات والثقافات المختلفة لن يحرز لهم أيَّ مكسب، ولن يصلوا من خلاله إلى أي منفعة، بل على النقيض تمامًا، يجب التوافق والتواصل مع الجميع انطلاقًا من التكريم الإلهي الذي منحه الله تعالى للإنسان كإنسان.

   التعددية والاختلافات نوعٌ من الثراء

إن الاعتراف بأن الاختلافات حقيقة واقعة، وتشكيل البنية الاجتماعية تبعًا لذلك؛ لا يمنعنا من حق الاعتراض أو وضع قيود اعتراضية على بعض الأفعال والأفكار المخالفة.. إذ إن مشاركتَنا أصحابَ الرؤى العالمية المختلفة البيئةَ نفسها بل ومخالطَتهم لا يعني تقبّلَنا لجميع أفكارهم وإقرارَها، ونفس الأمر بالنسبة للآخرين، فهؤلاء بوسعهم مخالفة بعض أفكارنا، المهم هو ألا تتسبب هذه الاختلافات في الصراع، بل يجب دفع الاختلافات جانبًا بقدر الإمكان للحفاظ على الوحدة والوفاق الاجتماعي، وإبراز النقاط والقواسم المشتركة.

وإن احترامنا للإنسان لمجرد أنه إنسان، وتقبّلنا للاختلافات على أساس أنها واقع معاش، ثم التعامل بواقعية وعقلانية، والاعتراف بوجود العولمة؛ لا يستلزم منا التضحية بقيمنا الذاتية، والتنازل عنها، وتعريضها للتآكل، فلطالما نحن مسلمون فلا ينبغي لنا التنازل أبدًا عن ذلك أينما كنا، فلا نتخلى عن قيمنا الدينية ولا عن مفهومنا الإسلامي، ولا عن شعور الإحسان لدينا؛ ولكن يجب علينا ألا نجبر أحدًا على فعل ذلك، المهم هو أن يستطيع الناس التعايش جنبًا إلى جنب محافظين على اختلافاتهم؛ بل حتى يعتبرونها نوعًا من الثراء.

وإن التعامل بمزيدٍ من الحساسية والدقة في مسألة تطبيق الناس القيمَ التي يؤمنون بها دون جبر أو إكراه للآخرين لهو أمرٌ جدير بالاحترام والتقدير؛ فمثلًا إذا حان وقت الصلاة ونحن في اجتماع مع فريق من أتباع الديانات المختلفة فعلينا أن نستأذنهم دون خجل ونؤدي صلاتنا، فإنني لم أشهد حتى الآن انزعاجَ هؤلاء الناس من حرصنا على أداء عباداتنا، بل كانوا يقابلون رغبتنا تلك بكل احترام وتقدير؛ فإن ارتياح الناس في ممارسة عقائدهم، والتصرف بشكل علني وشفاف لن يضر بالعلاقات، بل على العكس سيعزز الثقة المتبادلة، المهم هو ألا يقع بين الأفراد شيء من الغلظة أو التعصب أو الشدة، وأن نتجنب القيام ببعض التجاوزات التي تسوق الآخرين إلى المخالفة والاعتراض.

   الموقف الإيماني في مكافحة المنكرات

وقد يقابِل البعضُ التعدديةَ بالمعارضة على اعتبار أن تقبّلَها يعني تقبّل كل أنواع التطرف والانحراف والفجور، والحق أن البعض قد يعدّ التحرر والانحراف حقًّا مكتسبًا ومن متطلبات الحرية والديمقراطية، إلا أن الأفعال والتصرفات التي يقر المؤمن بصحتها معلومةٌ وواضحة؛ بيد أن عدم إقرارنا بصحة فعلٍ ما أو إقرارنا بخطئه لا يقتضي إعلاننا الحرب على أصحاب هذا الفعل؛ طالما أنه لا يمسّ حقوقنا ولا حقوق الآخرين ولا حقوق الرأي العام.. ولقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة على ذلك حينما عاش مدة طويلة مع المشركين في مكة، ومع المنافقين واليهود في المدينة المنورة.

ولكن ألا يحِقّ لنا أن نتدخل لمنع المواقف والتصرفات الخاطئة أو نعمل على الحيلولة دون وقوع المنكرات؟!

إننا لا نقصد مما ذكرناه أن نقف صامتين دون أن نحرّك ساكنًا إزاء المنكرات، فلا شك أنه ينبغي للمسلمين أن يكونوا قدوة حسنة للجميع، وأن يعبّروا عن الحقائق التي يؤمنون بها بقدر ما تواتيهم الفرص وتتوفر لديهم الإمكانات؛ فإن مراعاة حساسية الآخرين باطراد، والتشجيع على ما يجب القيام به بما لا يتسبب في رد فعل معاكس، وتحذير الآخرين ممّا لا ينبغي؛ هو من جملةِ الوظائف الأساسية للمؤمنين.. وثمة مسألة مهمة لا بد من ذكرها هنا وهي أنه لا يصح القيام بتصرفاتٍ عدائيةٍ تفضي إلى الفتن وإفساد الانسجام الاجتماعي إزاء أنماط الحياة التي يعتبرها البعض من مقتضيات الحرية والديمقراطية، وإلا فإن التعامل بعنف مع السلبيات سيحول من الآن دون القيام بأعمال جليلة تساهم في الإصلاح والتعمير في المستقبل.

ومن المعلوم لدى الجميع أن العالم الغربي بشكل خاص يضمر نوعًا من الكراهية البغيضة إزاء المسلمين في يومنا الحاضر، وفي المقابل يضمر بعض المسلمين أيضًا عداوةً للغرب، وهذه الاعتبارات من الأمور التي تضرّ بثقافة التعايش مع الآخر، ولكن يجب على المسلمين محاسبة أنفسهم قبل تخطئة الآخرين؛ لأن السبب الرئيس في هذا كله هو عدم وصولنا إلى هؤلاء في الوقت المناسب، وعدم التعبير عن أنفسنا بشكل صحيح، ولقد تسبب إهمالنا هذا في ظهور العديد من المشاكل الكبيرة اليوم، فلو أننا انتشرنا في كل ربوع العالم بسرعة مثل جماعة الحواريين، ومثّلنا الإسلامَ بحقٍّ لما قابلنا هذا القدر من السلبيات اليوم، ولَفكّر الناس بشكل مختلف عن الإسلام، ولكانوا على الأقل عرفوا المسلمين على نحوٍ صحيح.

التدرّج في الدعوة إلى الله

Herkul | | العربية

   سؤال: اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم منهجًا في التبليغ في العهدين المكي والمدني يتغير تبعًا للظروف، فما الرسائل التي يبعث بها هذا المنهج للعهود المتأخرة؟

   الجواب: لم ينزل القرآنُ الكريم جملةً واحدة، وإنما نزل منجّمًا خلال مدة تصل إلى ثلاثة وعشرين عامًا، ولقد كان هذا الأمر يحمل أهميةً بالغةً بالنسبة للذين عاشوا عهد الجاهلية أو الذين كانوا حديثي عهدٍ بالإسلام؛ وذلك من أجل تأهيلهم والوصول بهم إلى الكمال رويدًا رويدًا، ولقد رصد القرآن الكريم الوضعَ العام الذي كان عليه المجتمع في تلك الآونة، ووضع أحكامه وفقًا لما تستلزمه الظروف، فلم يُكلّف الله تعالى الناسَ بالفرائض المتعلّقة بالعبادات والمعاملات جملة واحدة، وعلى سبيل المثال فقد تدرّج الأمرُ بالصلاة والزكاة ضمن وتيرة معينة حتى تحقق واكتمل في النهاية بالترويض والتدريب، ونفس الأمر نراه عند النظر إلى بعض الأحكام مثل تحريم الربا والخمرِ، إذ لم يحرمهما الله تعالى مرّةً واحدة، ولكنه تدرَّجَ في تحريمها وأنزلَ آيات تتناول أضرارهما، وتروّض المجتمع وتُهَيِّئُه لِقبول ما يُقضى بشأنهما من أحكام في النهاية.

   الآيات المكية والمدنية

وعند النظر إلى الآيات التي نزلت في العهدين المكي والمدني نجد بينهما اختلافات كبيرة، فبالنسبة للعهد المكي يُلاحَظُ فيه أن الناس كانوا حديثي عهد بالإسلام، وأن المسلمين قلة قليلة، ومعظم المخاطبين بالوحي من عبدة الأصنام، وهؤلاء كانوا متمردين متعصبين تعصبًا أعمى لدين آبائهم وأجدادهم، وكأن تقليدهم لآبائهم قد نفذ إلى أرواحهم، ولذا كان القرآن الكريم يلفت الأنظار بالآيات التي نزل بها إلى انحرافاتهم هذه على الدوام، ويؤكد على حقيقة التوحيد وركائز الإيمان.

أما في العهد المدني فلقد بدأت تتشكل فيه الجماعة المسلمة رويدًا رويدًا حول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعد عبدة الأوثان فقط هم الذين يقفون ضد المسلمين، فلقد كان هناك اليهود والمنافقون أيضًا، ومن ثم بدأت الآيات الكريمة تتنزل وفقًا لما تتطلّبه تلك الظروف آنذاك.

فالربا على سبيل المثال قد بيَّن القرآن الكريم قطعية حرمته في العام التاسع من الهجرة النبوية، وتوعد آكليه بالعقاب الأليم، يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/275).

أما الآيات التي نزلت قبل ذلك فيما يتعلق بمسألة الربا فكانت تُهيّئ الأذهان، وتنفّر الناس منه شيئًا فشيئًا، وفي النهاية حرّمته بشكل قاطع بالآية السالفة الذكر، ففي بادئ الأمر عقد الحق سبحانه وتعالى مقارنةً بين الربا والزكاة، فقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (سورة الرُّومِ: 30/39)، وقد جاء في الآيات التالية لفتُ الأنظار إلى حرمة الربا في الشرائع السابقة، وتوبيخ اليهود الذين ما زالوا يأكلونه ويعملون به، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/161)، وبعد ذلك حرم القرآن الكريم أخذ الفائدة على رأس المال على اعتبار أنها عادة جاهلية، فقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/130)، وفي النهاية جاء أمر قطعيٌّ بتحريم الربا.. وكذلك موضوع الخمر فقد جاء تحريمه على أربع مراحل.

   التدرّج في الدعوة بعد عصر السعادة

فمن غير الممكن بعد أن أتمّ الله دينه وأكمله أن نغضّ الطرف أو نخفي بعض هذه الأحكام، فالتدرج في عرض الأحكام الشرعية وإبرازها بهذا الشكل كان خاصًّا بوقت معين فقط، ولذلك فليس من الصحيح قطعًا بعد أن أكمل الله دينه أن نفكر في الاكتفاء بتبليغ بعض أحكام القرآن فقط، ونعرض عن البعض الآخر.

وبيد أن هذه الفلسفة التشريعية التي تقوم على التدرّج تكشف عن حقائق مهمة بالنسبة للمنهج الذي يجب أن يتبعه رجالُ الإرشاد والتبليغ، لا سيما وأنها تدلّهم على ضرورة تقديم الأولويات عند عرض رسالة القرآن على المخاطبين الذين أُبعِدوا عن الدين كلية، وصُرفوا عن منابع ثقافتهم الذاتية ورؤاهم العالمية وكأنهم يعيشون عهدَ الفترة من جديد، وكذلك توضح لهم النقطة التي عليهم البدء بها، ونوعية الطريق الذي يجب عليهم اتباعه فيما بعد، وتعلّمهم أن التغيير ليس بالسهل اليسير، وأن التخلص من بعض العادات يستغرق زمنًا معينًا.

ولسنا نبالغ -في رأيي- إذا قلنا إن الإنسانية التي ابتعدت بشكل كبير عن القيم الدينية تعيش اليوم فترة جاهلية ثانية، فكما نرى في المقابلات الصحفية أو الإعلامية في الشوارع بات عدد كبير من المسلمين اليوم -رغم أنهم يعيشون في دولة مسلمة- لا دراية لهم بأركان الإيمان، ولذا فعلينا أن ندرك أولًا أننا نعيش في أزمنة عصيبة متمردة، ثم نبدأ العمل من حيث بدأ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

فمن المعلوم أن أول ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لمشركي مكة هو: “قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تُفْلِحُوا[1]، فلم يوجّه الأنظار حتى إلى نفسه في البداية، لأنه لو فعل ذلك لخامرت البعضَ فكرةُ أنه يريد الزعامة، وربما يسبب توجيه الأنظار إلى نفسه في رد فعل سلبي لدى الناس وفي انفضاضهم من حوله، إلا أنه من غير الممكن لشخصٍ ليس بنبي، ولا يستند إلى قوة إلهية أن يقول مثل هذا الكلام، ولا أن يعطي هذا الضمان القوي، ولا أن يتعهد لأحد بالنجاة. أجل، لا مغزى لكلام إنسانٍ لا يستند إلى ركن شديد؛ ولهذا كان بكلامه هذا يومئ ضمنيًّا إلى أنه قد أتى برسالة من عوالم ما وراء السماوات؛ بمعنى أنه كان يؤكد على نبوته، فلم يلبث العاقلون أن يفهموا بسهولة ويسرٍ ماذا يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم؛ وهذا بُعْدٌ آخر من أبعاد فراسته وفطنته النبوية صلوات ربي وسلامه عليه.

ولقد استهل بديع الزمان سعيد النورسي مؤلفاته بالحديث عن الإيمان، وركز على حقائق الإيمان من البداية إلى النهاية، إذ إن الحقائق الإيمانية هي أول ما يخاطب به الذين أُبعِدوا عن قيمهم الذاتية، وهذا لا يعني أن نتوقف عن الحديث عن العبادات والطاعات، ونهمل الحديث عن المسائل المتعلقة بالمعاملات والحياة القلبية والروحية، ولا نتعرض بالكلام عن الذنوب والمحرمات، بل لا بد من تناول هذه الموضوعات مع مراعاة مستوى الأشخاص، المهم هو تحديد ما يُقال أولًا وما يُقال ثانيًا حسب مستوى مخاطبينا، وتعيين ما يلزم عرضه عليهم؟ ومتى؟ وكيف؟ وكما أن تبليغَ كلِّ المسائل الدينية من ضمن المسؤوليات الواقعة على عاتقنا وكذلك فإن تقديمَ المسائل التي لها حقُّ الأولوية مسؤولية أخرى.

   الأسلوب المتبع في عرض الحقائق السامية

من جانب آخر فلا يغبْ عن بالنا أن الأسلوب المتبع في عرض الحقائق الدينية له أهمية بالغة، فثمة أناس اليوم قد ابتعدوا عن الإيمان رغم أنهم يدّعون الإسلام، ولا يسمحون لكم بالحديث عن حاناتهم وماخوراتهم ومعابدهم، فعليكم إذًا أن تحدّثوا الناس دون أن تتعرضوا لطواطمهم وأيقوناتهم التي يقدّرونها، لِنفرض أنكم تريدون أن تُبعدوا الناسَ عن الأشياء التي حرمها الإسلام مثل الربا والخمر والقمار والزنا، فإن أقحمتم القرآن والسنة في كلامكم وعرضتم الأمر مباشرة على أنه أوامر دينية، فستجدون من مخاطبيكم ردَّ فعلٍ عنيف، ولكن بدلًا من ذلك يمكنكم الحديث عن مثل هذه المسائل بتوضيح آثارها وتأثيراتها على الصحة والاقتصاد والقيم الاجتماعية؛ بمعنى أن تتحدثوا إليهم بلسان الطبيب الحاذق، وتعرضوا عليهم النتائج التي توصل إليها رجالُ العلم، مستدلين بالإحصائيات المختلفة، وعندها ستقولون ما تريدون دون اعتراض من أحد.

فمن يدري كم إنسانًا خسرناه حتى الآن بسبب حِدَّتِنا وغِلظتنا وجهلنا بالأمر وأسلوبنا الخاطئ؟! أحيانًا ما أفكّر في حالتي الجنونية التي كنتُ عليها في العشرينات من عمري، وكيف أنني كنت متمرّدًا متناقضًا مع نفسي، فأوبخ نفسي توبيخًا شديدًا، ولكن ماذا عسانا أن نفعل وقد كنا ضحيةً لانعدام الرائدين والموجّهين في ذلك الوقت، ولم يكن هناك أحد يحدثنا عن هذه الموضوعات، فعلى النقيض تمامًا كان هناك من يلقّنوننا مشاعرَ العداوة إزاء غير المؤمنين والفساق والفجار والظالمين، وكم سمعنا من أقوال سلبية وإهانات دائمة في حق الذين ابتعدوا عن القيم الدينية واقترفوا المحرمات؛ حتى استقرت تلك الأقوال والإهانات في اللاوعي عندنا، وتوطّنت في خلايانا العصبية، وأثرت في مشاعرنا وأفكارنا، وأحيانًا أفكر في تلك الأيام فأحمد الله على أننا لم نعادِ أو نخاصم أو ننازع أشخاصًا يفكرون بشكل مختلف عنا، ويعيشون على نحو آخر، فكان هذا من آثار صيانة الله وحفظه لنا، وإلا لما استطعنا أن ندفع فاتورة تلك الأيام.

وهنا قد يُطرح سؤال عمّا إذا كنا قد حققنا في الوقت الراهن التفكير السليم فيما نقول أم لا؟ ويا تُرى هل استطعنا أن نتخلص من الأفكار التي تفوح منها رائحة التميز العنصري أم لا؟ وهل نستطيع أن نشرح ما نشرح دون ربطه بفلان أو علان؟

لقد كان رجالُ الخدمة الإيمانية والقرآنية في فترةٍ ما قلة قليلة وضعفاء، لذا قد تُحُدِّث عن فكرة أهمية الأنانية الجماعية والانتماء إلى هذه الجماعة أو تلك الطريقة، وذلك بهدف تشجيعهم؛ إلا أن هذه الأمور ليست موضوعات رئيسة مثل الأسس الإيمانية، فعدم تعبير الإنسان عن تبعيته لهذه الجماعة أو تلك الطريقة لا يُخرجه عن الدين، ولا يبعده عن حلقة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل لا ينفصل عن الشيخ الذي يسير في إثره، ربما أخطأنا أخطاء بالغة في هذه الأمور، وكان الأولى أن نفكر بشكل أوسع، ونفتح صدورنا للجميع، وننحّي غِلظتنا جانبًا، ونتحلى بالشفقة والرحمة، ونقوم بخدماتنا في كل مكان، فإن لم يثمر بعضها أثمر البعض الآخر منها بإذن الله سبحانه وتعالى.

 ***

[1]  مسند الإمام أحمد، 25/404-405.

مصيدةُ الأنانيةِ وقوّةُ الإخلاصِ المركزية

Herkul | | العربية

عندما يرى الإنسان نتائج أعماله على أرض الواقع قد يظنّ أنه يقوم بأعمال محمودة، وقد يبدو ذلك عاديًّا وبريئًا جدًّا بالنسبة له، لكن الخطيئة قد تجد مكانًا لها حتى في قلب أكثر المشاعر والأفكار براءة، ومن ذلك على سبيل المثال أنه حين تتسلط على خلايانا العصبية أفكارٌ مثل: “نحن من خططنا لهذا، ونحن من أنجزناه”؛ فإننا قد لوّثنا العمل الذي نقوم به؛ وتستحيل الاستقامة على هذا المنوال، وإنكم إذا ما أنجزتم أشياءَ عظيمةً، وفتحتم عوالم جديدةً، وعثرتم على كنوز في أعماق الأرض ثم حدَّثَتْكم أنفسكم بأنَّ الفضلَ في ذلك يعود إليكم أيضًا؛ فإنكم خاسرون لا محالة.

   استحالةُ الشَّرَاكَةِ في عمليّة الخَلق

إن إرادة الإنسان عامل أساسي عند بدء العمل، ولذا فإن واجبه هو أن يمنحَ إرادته حقها، ويتخذَ جميعَ الأسباب التي تؤدي إلى النتيجة، ويستنفذَ في سبيل ذلك طاقتَه وجهدَه وعزيمتَه.. وبعد أداءِ واجبِه عليه ألا ينسب إلى نفسه النتيجة التي تتحقق كمظهر من مظاهر الإرادة الإلهية، وألا يعتبرها من عند نفسه؛ لأن خالق كل الموجودات والحوادث التي في الكون هو الله سبحانه وتعالى، وعمليةُ الخلقِ هذه لا تحتمل ولا تقبل الشراكة قطعًا، والدخول في فكرة المشاركة هنا -في مسألة إنجاز هذه النجاحات التي أنعم الله بها علينا- إنما هو نوعٌ من الشرك بالله تعالى.

فعندما يبدأ الناس في الاعتقاد بأن النعم التي منَّ الله تعالى بها عليهم إنما هي من عند أنفسهم فإنهم يفقدونها، وحتى وإن استمرّ التوسع بفعل قوته المركزية بسبب الإخلاص الذي كان في بداية الأمر لمدة معينة فإن هذا التوسع يتوقف بعد فترة ما بسبب فقدان الإخلاص، وإنَّ مَنْ يبدؤون في نسبة العمل إلى أنفسهم بعد أن تقلّدوا وظيفتهم المباركةَ بإخلاص لَيَخْسرون حتى وإن كانوا أعظم الأولياء، وسيتعثرون إن عاجلًا أو آجلًا.

لهذا السبب فإن الأستاذ بديع الزمان يوصي بقراءة رسالة الإخلاص مرة كل خمسة عشر يومًا في الأقل[1]، بغيةَ محوِ الشرك الثقيل وهو الأنانية، والابتعاد عنه إلى ما هو أخف منه بدرجة وهو “نحن”، ثم محو “نحن” أيضًا بتفكير أكثر صدقًا، والارتباط بـ”هو” جل جلاله.

إن الطريق الذي نسير فيه هو طريق التوحيد.. طريق إعادة بعث العقائد المتعلقة بوجود الله ووحدانيته من جديد؛ بعد أن تضررت مقوّماته الأساسية على مرّ السنين ونُسيت من قِبلِ الكثيرين، ويجب العلمُ بأن حاملَ فكرةِ الشِّرك لا يمكنه السير في طريق التوحيد، فإنْ هَمَمْتُم وربَطْتُم -في مثل هذا الطريق- بعضَ النجاحات بغير الله وبالأسباب وبأنانيتكم؛ فإن الله تعالى يأخذها من أيديكم شيئًا فشيئًا، وبينما تظنون أنّكم أنْشَأتُم عالَمَكم الخاص إذا به ينهار فوق رؤوسكم؛ فترزحون وتنسحقون تحته أنتم أيضًا.. ولذا فكلّما زادت أنعم الله وإحساناته عليكم كلما توجَّبَ عليكم أن تقووا الصلة والارتباط به عز وجل، وأن تمحوا كل شيء من العقل سوى الله تعالى.

ويلخص الأستاذ بديع الزمان منزلة الأسباب بالعبارات التالية: “إنّ الأسباب حجابُ تصرّف القدرة؛ إذ العزةُ والعظمة تقتضيان الحجابَ، لكنَّ المتصرف الفعال هو القدرة الصمدانية؛ إذ التوحيد والجلال هكذا يقتضيان، لا مؤثر إلا الله وحده”[2]، ويقول في موضع آخر: “فالأسباب لا تأثير لها تأثيرًا حقيقيًّا، وإنما هي ستائر أمام عزة القدرة وعظمتها، لئلا يرى العقل مباشرةً يد القدرة بالأمور الخسيسة بنظره الظاهر”[3]، وكما تبين فالأسباب أستارٌ ليس إلا، وعلى الرغم من أن الإنسان قد شُرِّف بنعمة العقل والتكريمِ و”أحسن تقويم”؛ فإن أفعاله لا تعدو كونَها سببًا، لذلك فإن استبدالَ “هو” بـ”أنا” سوءُ أدبٍ كبير مع الله تعالى.

ولا ينبغي للمرء أن يسمح حتى لأصغر الأفكار الخاطئة بأن تتسلّط على عقله في هذا الشأن؛ لأنها قد تنمو رويدًا رويدًا وتُحوِّل مُعتنِقَها إلى رمز للأنانية، ومَن ينحدرُ إلى هذه الدركة من الشرك يستحيل عليه أن يُحطِّم -بسهولة- هذا الصنم الضخم الذي بناه بيديه.

   إن الله لا يحب من يقول “أنا”

يقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (سورة الصَّافَّاتِ: 37/96)، ربما لا يشعر الإنسان بهذا دائمًا، وقد يعتبر النتيجة المتحقّقة من عند نفسه أحيانًا، بيد أنه بمجرد أن ينتبه لذلك فعليه أن يستغفر فورًا، ويتجنب الآراء والملاحظات الخاطئة، وألَّا يسمح حتى لخياله أن يتلوث بهذه الأشياء؛ وإلى اليوم لم نرَ من بين مَن يقولون “أنا.. أنا..” مَن حقّقَ نجاحًا أو فلاحًا، وحتى وإن ارتقى أحدهم بعضَ الشيء إلا أنه يقع سريعًا ويخرُّ منكبًّا على وجهه، وينقلب رأسًا على عقبٍ.. فإن تعيشوا الحياة بإحساسٍ وتفحُّصٍ جادّين فستجدون كثيرًا من أعمالكم التي داخَلَتْها الأنانيةُ وأَثنيتُم عليها قد باءت بالفشل، فالله يمقتُ الأنانيةَ ولا يحبّها.. فإذا كنا ننشدُ النجاح فيما نقوم به من خدمات فعلينا أن ننفّذَ أعمالنا كلها في مدار الإخلاص وفلكه.

إن النفس تريد أن ترى ذاتها مستقلة وأن تفخر بإنجازاتها، ولكن النفسَ أمّارةٌ بالسّوء كما قال سيدنا يوسف عليه السلام في القرآن الكريم: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (سورة يُوسُفَ: 12/53)، ولذا فلا يمكن الوثوق بها، وعندما نقوم بشيءٍ ما من أجلها أو نربط ذلك الشيءَ بها؛ فإننا نقلل من قيمة العمل المنجَزِ ونقضي على تأثيره، إذ إن ما يُقامُ به من أعمالٍ من أجل النفس محكومٌ عليه بأن يكون عقيمًا لا قيمة له في الآخرة أيضًا، ولذلك طالما تحرَّكْتم لصالح النفس فلن تحصلوا على أجر من الله تعالى حتى وإن فتحتم عوالم جديدة.

علاوة على ذلك، فإن هذه المواقف المرتبطة بالأنا حينما تصطدم بالعباد المخلصين فسيصدر عنهم ردّ فعل كاره لها، وستصطدم بكراهيتهم إياها فليس هناك شكٌّ في أنها ستدفع أيضًا مَنْ يسيرون معكم على الخط نفسه إلى الحسد والغيرة منكم، فيجب التذكير أنه بقدر ما يُعجَبُ الإنسان بنفسِهِ وبأعمالِه بقدر ما يبغضه الناس ويرفضونه ويبتعدون عنه.

   عدمُ استعظام العمل عبادةٌ

من ناحية أخرى فإن الأعمال المنجَزَة تُصبح كبيرة وعظيمة -حتى وإن كانت صغيرة- إذا ما نُفّذت بإخلاص، فما يُفعل في سبيل الله لا يكون صغيرًا.. والحقيقة أن نبيَّنا صلى الله عليه وسلم يبين أنه لا ينبغي التقليل من شأن العمل الصالح مهما كان بسيطًا، فقد قال صلى الله عليه وسلم: “تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ البَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُكَ الحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ[4].

نعم، لا ينبغي أن نقلل ونحقر من شأن أي عمل يُنجزُ من أجل الله، إلّا أنه يجب علينا أن نراه في أعيننا صغيرًا، وهذا المعنى يتوافق مع الدعاء المنسوب إلى نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم حينما دعا فقال: “وَاجْعَلْنِي فِي عَيْنَيَّ صَغِيرًا وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ كَبِيرًا[5]، إذن يجب على المؤمن أن ينظر من هذا المنظور إلى جميع الأعمال التي يحاول القيام بها، وألا يستعظم أيًّا من أعماله، وأن يستقِلَّ العبادات التي يؤدّيها في سبيل الله، ويستقِلَّ أيضًا معرفته، وكذلك جهودَه في سبيل إعلاء كلمة الله، وألا يرى الوقتَ الذي كرَّسه لله تعالى والجهودَ التي بذلها في سبيل الإرشاد والتبليغ كافيًا وافيًا.. والحقيقةُ أن مثل هذا الرأي يُعتبر عبادةً من زاوية مختلفة، دَعُونا نُسَمِّها “عبادةُ عدمِ استعظام العمل”.. وإن كانت العظمة واردة فإنها في العمل من أجل البشرية وفي ربطه برضاء الله جل وعلا؛ ذلك لأننا نؤمن بأن الله قد يوفق حتى الجهود الصغيرة إلى انفتاحات عظيمة وخيرات كبيرة.

فمثلًا إن بضعَةَ منازل طلابية أنشأتموها بنيَّات صادقة في فترة ما يمكن أن تُصبح وسيلةً لتوسّعات كبيرة في المستقبل، وقد تتحوّل البذور التي بذرتموها إلى فسائل، فتتحوّل إلى أشجار، وتبدأ تمد أغصانها في كل مكان، ثم يتحول العالم إلى بستان وردٍ؛ حتى إنَّ منْ بذر البذور تسيطر عليه الدهشة والحيرة إزاء هذه النتيجة.. يكفي أن تُنجز الأعمال من أجل رضا الله وألَّا يحاول المرء التعبير عن نفسِه من خلالها.

ونتيجة لذلك يمكننا القول إنَّ الله سيوفق مَنْ لا يهتمون بتحقيق فائدة شخصية من وراء أعمالهم الصالحة، ولا يضعون أنفسهم في الحسبان، ولا يطلبون الدنيا، ويتواضعون ويخدمون بإخلاص، وكما ورد في الآية الأولى من سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (سورة الفَتْحِ: 1/48)، فإنه سيفتح طريقهم، ويحول الممرات الضيقة أمامهم إلى طرق سريعة واسعة.

من ناحية أخرى فإن من يقول: “إنني أعمل، وأركض، وأهاجر، ثم بعد ذلك أعاني من أنواع الحرمان المختلفة؛ أين مردود كل هذه الجهود والتضحيات؟!”، ويتطلع إلى نسج عالمه الخاص مثل العنكبوت فإنه سوف يقع في شِباكِ هذه الخطوط العنكبوتية التي نسجها، هذه هي مصيدةُ الأنانية، وإذا ما وقع في هذه المصيدة فلن يتمكن من الخروج منها مرة أخرى، وسيكون طعمة للآخرين.. سلَّمَنا الله جميعًا ورزقنا حسن الخاتمة..

ملحوظة: تم إعداد هذا المقال من كلمة ألقاها الأستاذ فتح الله كولن في تاريخ 5 مارس 2010م.

***

[1]  بديع الزمان سعيد النُّرسي: اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، ص 219.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: المثنوي النوري، ص 55.

[3] بديع الزمان سعيد النورسي: المثنوي النوري، ص 423.

[4] سنن الترمذي، البر والصلة، 36.

[5] مسند البزار، 10/315.

مسؤولياتُ أبطالِ الإصلاح

Herkul | | العربية

لقد أصبحت الحداثةُ أمرًا واقعًا لا مفرَّ من تأثيرها، والمسلمون أيضًا لم يستطيعوا النجاة منها، فمن الممكن رؤية هذا التأثير حتى في أنماطِ الفهمِ والتفسير الديني لدى علماء الدين، مما أدى إلى شيءٍ من التغير والتحوّل إلى أن ابتعدنَا عن قيمنا الذاتية.

فهل نستطيع أن نعود مرة أخرى إلى قيمنا الخاصة بأصولها وفروعها أم لا؟! وهل يمكن إرجاع الدين مرة أخرى إلى شكل مناسب لماهيته الحقيقية أم لا؟! لا نستطيع معرفة ذلك.. غير أنه يمكننا القول: إن مسألة جمع الأجزاء المتفرقة والمبعثرة ولملمتها وإعادتها من جديد إلى هويتها الأصلية مرهونة بعملية ترميم وإصلاح تستغرق زمنًا طويلًا للغاية نظرًا لِعظم حجم التخريبات، وقد لا يتيسر هذا الأمر لجيل بكامله؛ لأن للزمن والأوضاع العامة تأثيراتهما وتدخلاتهما المهمة، والجميع يضيف نَفَسَه وصوته ورأيه إلى الأمر، وفي ظل العولمة ليس من السهل على الإطلاق العثور على صوتنا الخاص ونغمتنا الذاتية بين أصوات هذه الجوقة، وهذا النوعُ من التطورات مرتبطٌ بالوقت.

   أسلوب التمثيل والتبليغ

إن إدراك أبطال الإصلاح للمشكلة في وضعٍ كهذا ومواصلتهم مساعيهم لإصلاحها بشكل يتوافق مع روح العصر أمرٌ مهمٌّ للغاية، وبدايةً يجب عليهم أن يمثلوا الإسلام بوجهه المبشر والمشجع تمثيلًا كاملًا، وعليهم بعد ذلك أن يُوصِّلوا الحق والحقيقة إلى الصدور المحتاجة المتعطشة إليهما دون أن يُكرهوا أحدًا، ولا أن يُصعِّبوا الدين القائم على التيسير أساسًا، ولا أن يُنفروا الناس، ولا أن يُضحوا بالأصول لصالح المسائل المتعلقة بالفروع، وعليهم أن يقفوا بالدرجة الأولى على المسائل الأساسية المسماة بالضروريات والحاجيات على مستوى الأمة والإنسانية على حد سواءٍ بدءًا من حياتنا العائلية، وألا يقع صراع على الفرعيات والتفاصيل.

إن ما يقع على كاهل المسلم باعتبار الأصل هو أن يُطَبِّقَ بحساسية كاملة وتامة كافة المسائل الخاصة بالدين بدءًا من السنن وصولًا إلى الآداب، غير أنه يجب علينا أن نقدمها ونعرضها على الآخرين بأسلوب تيسيري وتبشيري موافقًا لوصايا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجب ألا نقصر قطعًا في الأصول، وألا نتشدد كثيرًا في المسائل الخاصة بالفروع، وألا ننفر الناس من الدين  عبر التمسك بمثل هذه الأشياء، وألا نجعلهم يفرون من حولنا؛ بالعكس يجب أن نكون مبشرين وميسّرين ومُؤلفين ومُحبِّبين.

ومع أن إطلاق صفة “الثقب الأسود” على المسلمين شيءٌ لا يروقني، بيد أنه يمكننا القول: يجب على المسلمين أن يمتلكوا قوة جذب مثل الثقوب السوداء؛ فمن المعلوم أن هذه الثقوب السوداء تجذب إليها كل ما هو قريب منها، وكذلك المؤمن يجب أن يمتلك قوة جذب هكذا من خلال فكره وعالمه الفكري ومحاكمته العقلية ومنطقه وبريقه في التمثيل وعدم ذبوله ولا شحوبه أبدًا، يجب أن يقول من يراه: “قسمًا بالله لا كذب في وجه هذا الإنسان!”.

وقد ذكرت مقولة الأستاذ “نجيب فاضل” في مناسبات عديدة؛ إذ كان يقول: على المؤمن أن يكون مثل قرص سكر مضغوط، فيمنح الحلاوة والعذوبة للبحار والمحيطات إذا ما تركتموه فيها، ويمكننا أيضًا ربط المسألة بقول الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي؛ إذ يقول: “إن كان لي طالب في مكان ما فإنني أعتبر ذلك المكان قد فُتح لصالحي”، ما أعلاها من همة! لقد تحرك طيلة حياته ملتزمًا بكلمته هذه، ودائمًا ما أعلن أن القنوط عقبة في طريق السير إلى الكمال، ودائمًا ما ظلّ يتلوى ويجتهد كي لا يقع الناس في مثل هذا المستنقع.

إن كنتم تعتقدون أن منظومة القيم التي تؤمنون بها وتعيشونها وتمثلونها تعني شيئًا بالنسبة للحياة الدنيا والحياة الآخرة فلا يجدر بكم أن تبخلوا في هذا الشأن، بالعكس يجب عليكم أن تكونوا أسخياء للغاية، وأن تقيموا المعارض في كل مكان، وتقولوا مثلما قال الشيخ “محمد لطفي أفندي”: “أشرَقَتْ شمس التوحيد؛ فالأمر مباح، ولينهل منه مَن ينهل!”، يجب عليكم أن تقدموا مشاعرنا وأفكارنا من خلال الكتب والندوات والمنتديات بما يتوافق وأحوالَ عصرنا وآفاقَ فهم الناس؛ فكل هذه مسؤوليات منوطة بكم.

وفي هذا الصدد يجب أن نعطي حقّ كلّ شيء منحه الله إيانا؛ سواء كان “اختيارًا جزئيًّا”، أو “استطاعة”، أو “رغبة”، أو “تصرفًا في الميل والرغبة” في إطار فهم العلماء، وأن نستخدمه حتى آخر قطرة فيه دون أن نضيع ولو ذرة واحدة منه، فيجب التحرك مثل رجل الأعمال أو المستثمر، أو التاجر الذي يسعى في سبيل إنجاز أعمال عظيمة برأسمال صغير للغاية، وأن ندرس الخطوات التي سنخطوها دراسةً جيدةً، وأن نستخدم إرادتنا بشكل مُثمِر للغاية.

   تكوين مناخ السلم في العالم

إلى جانب هذا ثمة مسؤولية أخرى تقع على عاتق من نذروا أنفسهم لخدمة الحق والحقيقة تجاه إنسان عصرنا الذي يهاجم بعضه بعضًا بدافع طمعٍ لا ينتهي، ويركضون ليأكل بعضهم بعضًا، ويقسمون البلاد ويمزقونها بإشعال فتيل الحروب؛ وتكمُن هذه المسؤولية في إقامة جسور لن تنهدم بين الناس، وتأسيس أواصر ترابط قوية للغاية، والمساهمة بهذه الطريقة في تكوُّن جوٍّ من السلم العام في العالم أجمع، فثمة حاجة شديدة إلى إظهار سُبل العيش الإنساني وإلى التذكير مرة أخرى بأن الإنسانية جمعاء من نسل آدم عليه السلام، فإن تعذَّرَت إقامة مثل هذا الجو من السلم في عالم تُثار فيه دائمًا العداوات والصراعات، وتنتج الأسلحة الفتاكة في كل مكان منه؛ فلن يستطيع أحدٌ أن يعيش حياته في أمنٍ وأمانٍ.

وبدلًا من الصراع والتناحر والهدم والتسلّط والسيطرة عليهم يلزم الكشف لهم عن أفق التعاون والتضامن الأخوي، غير أنه يلزم فعل هذا أيضًا وفقًا لظروف وأوضاع عالمنا المعاصر، وإن أفكارًا مثل العثمانية الجديدة لا تعدو أن تكون خيالًا وهوسًا غريبًا ليس إلَّا.. ويقول الشيخ بديع الزمان سعيد النورسي: “الحال القديم محالٌ؛ إما حالٌ جديد أو اضمحلال”[1]، ومن هذا المنطلق فإنه يجب على الساعين لتوفير السلم والسلام في العالم أجمع أن يتحركوا وفقًا لضروريات العصر الحديث، وأن يسعوا إلى توفير ما يمكن أن يُوفَّقوا إليه من هذا دون انفصال عن الواقع والحقائق.

إن تحقُّقَ ذلك مرهونٌ بالجَودَةِ في نشأةِ الكوادر، وتجهيزِها الكامل ماديًّا ومعنويًّا، ونضوجِها العقلي والفكري والمنطقي، وامتلاكِها مكتسبات تمكّنها من قراءةِ الأوامر التشريعية والتكوينية قراءة صحيحة، وتقييمِها تقييمًا صحيحًا، ووضعِ كل شيء في موضعه المناسب.

يجب على تلك الكوادر أن يتمكنوا من قراءة الأوامر التكوينية وفقًا للرؤية التي قدمها لنا القرآن الكريم، وأن يربطوا كل شيء في الكون بخالقه متحرّرين من الآراء الطبيعية والوضعية والمادية، متمكّنين من قراءة ما تعنيه هذه الأمور بحقّ صانعها وعند خالقها، أي إنه يجب أن تكون عوالمهم العقلية والقلبية منفتحة على ما وراء الطبيعة أيضًا بجانب الطبيعة؛ ذلك لأن قدرتَهم على تحويل الأزمات التي تجري وتأتي من اليمين واليسار إلى حزمٍ وباقات من المعرفة والحكمة وتحقيقَهم ترقيات في مراتب اليقين أمرٌ مرهون بهذا.

   الحفاظ على القوام والشد المعنوي

إن الحفاظ على القِوام والشد المعنوي أثناء الركض والسعي في سبيل إعلاء كلمة الله أمرٌ مهمٌّ للغاية، فعلينا أن نظلّ نشيطين دائمًا دون أن ننهزم لسلبيات الأزمان، وألا نذبل أبدًا في مواجهة برد الشتاء الزمهرير ولا حرِّ الصحراء الحارق، وألا نُصاب بالشحوب، وأن نستطيع الحفاظ على رونقنا، وأن ننفع الآخرين دائمًا طيلة الفصول الأربعة كالشجرة التي عبر عنها القرآن الكريم في هذه الآية الكريمة: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ۞ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (سورة إِبْرَاهِيمَ: 14/24-25).

ويجب توضيح أن حماية المكتسبات أصعب من الحصول عليها في البداية.. يمكنكم أن تمتلكوا مكتسبات حقيقية بفضل جهودكم ومساعيكم، وتحرزون مستويات معينة في نقطة معرفة الله ومحبة الله، غير أنه قد تحُلُّ بكم لاحقًا أشياء تُدهشكم مثل المقام والمنصب، قد تغيرون الطريق والوجهة أمام بعض الضغوط والمظالم التي ستتعرضون لها، وقد تضطرون إلى مجموعة من التنازلات عن بعض قيمكم بسبب شعور الخوف، وقد تسقطون في براثن علل وأسقام كالركون إلى الراحة والدعة وحب الجسد، وقد تتسلل إليكم مشاعر كالحسد والغيرة وعدم قبول الآخر، وربما تتسبب كل هذه الأمور في فقدان القوام والاتزان، ومن هذه الزاوية فإنه من المهم للغاية القدرة على البقاء أحياء وأصحاء كالحبات التي تنمو حتى تصبح سنابل دون أن تنزلق وتحيد ولا أن تسقط وتفسد.

لا نستطيع أن نعلم يقينًا الأمور التي رهن الله تعالى بها تحقُّقَ غايتنا المثالية، وهل هي مرتبطةٌ بامتلاك قوام معين أو الحفاظ على القوام؟! وهل يحقق الله تعالى النتائج التي نرغب فيها عندما نصل إلى هذا القوام؟! أم أن للمشيئة الإلهية مرادات أخرى؟! إننا لا نستطيع معرفة أيٍّ من هذه الأشياء؛ ففي علم الله ثمة وقتٌ مرهون لكل شيء، قد لا يخلق دائمًا النتائج التي نريدها ونرغب فيها، ومهما يكن فإن الواجب الواقع على كاهلنا هو حماية قوامنا وصيانةُ الأمانة وأداءُ المسؤوليات المنوطة بنا أداءً تامًّا دون نقص ولا تقصير؛ لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى بحسب ما أفادت الآية الكريمة: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (سورة النَّجْمِ: 53/39)، ويجب ألا يعنينا ما وراء ذلك من أمور؛ فخلقُ النتيجة من شأن الله تعالى.

***

[1]  بديع الزمان سعيد النورسي: صيقل الإسلام، ص 461.

تحقيق الوفاق والاتفاق

Herkul | | العربية

كنت أرغب خلال مدة إقامتي في مدينة “أدرنة” أن أقوم بتدريس القرآن الكريم للطلاب في دورات التحفيظ إلى جانب إمامتي بالمسجد، وبالفعل فقد عهد إليّ مكتب الإفتاء بهذه المهمة، فذهبتُ للمشاركة في التدريس عدة مرات، غير أن زملاءَنا القائمين على تدريس الطلاب كانوا ذوي مشارب مختلفة، فانزعجوا من وجودي واهتمامي بالطلاب، وبناء على ذلك أعرضتُ عن الذهاب مرة أخرى تجنُّبًا للخلاف والصراع.

قد يُضمِر البعضُ عداوةً لكم بسبب انهزامهم أمام شعور الغيرة والمنافسة ولِفرط حبهم لمسلكهم، والواجب عليكم عندئذ هو عدمُ تضخيم المشكلة؛ لأن تبادل مشاعر التنافر والعداء يُنتج ضررًا أكبر بكثير، حيث تزيد الفجوة وتتباعد المسافة بين كلا الطرفين كثيرًا، مثل المركبين اللذين يسيران في اتجاهين متعاكسين، فإذا استطاع أحدهما أن يقف حيث هو، فإن المسافة التي بينهما ستظل محدودةً بطول الطريق الذي قطعَه الآخر فحسب.

   من أجل الراحة والسلامة في الدارين

إن الوظيفة الملقاة على عاتق طلبة القرآن الكريم هي ألا يتوقفوا عند كل شيء، فإن حدث وتوقفوا فعليهم أن يتحمّلوا ويصبروا ويغضوا الطرف، وليكنْ قولُ الشاعر “حافظ الشيرازي” نبراسًا لهم في حياتهم:

“إن نيل الراحة والسلامة في كلا الدارين يقوم على أمرين: معاشرة الأصدقاء بالمروءة والإنصاف، ومعاملة الأعداء بالعفو والصفح”.

ولا داعي لإساءة الفهم هنا، فإننا لا ننظر لأي مؤمن يحمل ذرة من الإيمان في قلبه على أنه عدو لنا، بل إن من الوقاحة وإساءة الأدب أن نتعامل معه بالمداراة والمماشاة، ولكن قد يَراكم البعض أعداء لهم، ويتحاملون عليكم بدافعٍ من الغيرة والحسد، عندئذٍ يجب عليكم القيام بما هو جدير بكم من أجل تهيئة وتحقيق جوٍّ من الصلح والسلام، والمحافظة على مشاعر الوحدة والأخوّة.

إن كل المساعي التي يبذلها المؤمن من أجل الحيلولة دون ظهور مشاعر الحسد والغيرة في داخله تدخل في باب العبادة، ويُكتب في صحيفة حسناتِه كلُّ ما بذله من جهدٍ وسعي من أجل الحفاظ على الوفاق والاتفاق اللذين هما أعظم وسيلة لاستجلاب التوفيق الإلهي؛ ولذا فعلينا أن نصبر ونتحمل كل ما يوجَّه إلينا من أذًى واضطهاد، وهذا منوطٌ بتأهيل أنفسِنا وتدريبها على مثل هذه الأشياء.

ذات يوم أنبأ طلابُ رسائلِ النور أستاذَهم النورسي رحمه الله بأن فلانًا العالِم يتعرض بالنقد والتجريح لشخصه ولرسائل النور، فأجابهم قائلًا: “بلِّغوا ذلك العالم الواعظ عني السلام، فإنني أقبَل انتقاده لشخصي واعتراضه عليّ بتقدير وبرحابة صدر، وأنتم بدوركم لا تَسُوقوا ذلك العالم الفاضل ولا أمثاله من العلماء إلى المناقشة والمناظرة، وإن حدَثَ أيُّ تعدٍّ أو تجاوزٍ علينا، فلا تقابلوه حتى بالدعاء عليهم؛ إذ إن ذلك المتجاوز أو المعترض -أيًّا كان- هو أخونا في الإيمان، وحتى لو عادانا فإن مسلكَنا لا يسمح لنا أن نعاديه بمثل عدائه، ولا سيما أُولُو العِلْم، فعليكم ألا تثيروا غرورَهم العلمي إن كانوا على غرور وأنانية”[1].

   لا ينبغي التنازل عن هويتنا

قد يتشارك الناس في القيام بالخدمات رغم اختلافهم أصلًا، ومهما حاولوا أن يقمعوا ما في داخلهم من مشاعر المنافسة والغيرة فقد تنعكس على بعضهم تلك المشاعر السلبية رغمًا عنهم ولو بقدر صغير، ولا سيما إذا كانوا يرون أنفسهم أفضل وأعلى من الآخرين، وحينها يستخفون بالخدمات التي يقوم بها الآخرون، أو يحاولون منعهم، فيجب علينا ألا نتنازل عن هويتنا ألبتة إذا صادفنا مثل هذا الوضع، وأن نتصرف -مهما فعل الآخرون- بما يليق ويجدر بنا، وأن نراعي الدقة البالغة في التعامل معهم منذ البداية حتى لا نسوقهم إلى إذكاء شعور المنافسة والغيرة نحونا، وأن نتحلى بالصبر الجميل عند إفسادهم نظامنا رغم ما بذلناه من جهد وسعي، فإن كان هناك نادمون في النهاية فلا بد أن يكونوا هم النادمين على صنيعهم.

فإن شعروا بالندم يومًا ما وجاؤوكم فعليكم آنذاك أن تتعاملوا معهم بشهامة ومروءة، وعندما بدؤوا يذكرون أخطاءهم ويطلبون العفو والسماح منكم ينبغي لكم أن تقولوا برحابة صدر: “إننا لا نذكر شيئًا من هذا القبيل”، وحتى وإن جرحوكم بكلامهم الفظّ الغليظ وأفعالهم غير اللائقة فالرأي عندي هو أن ينتهي هذا الأمر عندكم، لأن أهل الإيمان يجب أن يكونوا منصفين.

إن المسلمين إذا ما أوذوا أو ظُلِموا من قبل البعض فهذا قد يمس غيرة الله تعالى، فثمة حقوقٌ عامّة إلى جانب الحقوق الفردية، إننا لا نتدخل في حقوق الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه يفعل ما يشاء، إن شاء غفَر وإن شاء عذّب، ولكن يمكننا العفو عن حقوقنا كافةً، بل والعفو حتى عمّن يحكمون علينا بدخول النار؛ لأن شعارنا هو أن نتعامل مع الآخرين كما يقول يونس أمره “بلا يَدٍ لمن ضربَنا، وبلا لسان لمن سَبّنا، وبلا قلبٍ لمن كسر خاطرنا”، فإن لم نفعل فلن نستطيع أن نمنع الهرج والمرج الذي قد يحدث في الداخل والخارج، والذي ظهرت أماراته منذ أمد بعيد.

وكما أننا مكلفون بالإعراض عن الذنب، فكذلك نحن مكلَّفون بألا نكون سببًا في ارتكاب الآخرين مثل ذلك الذنب ودخولهم النار، وأن نتوخى أعظم درجات الدقة والحذر في هذا الأمر؛ بمعنى أنه يجب أن نفرّ من الحسد والغيرة المقيتة فرارَنا من الثعبان والعقرب، وأن نقوم بكل ما بوسعنا حتى لا يقع الآخرون في مثل هذه الذنوب، وهذه فضيلة مهمة للغاية بالنسبة للمؤمن، قد لا يستوعب ذلك أو يفكرُ فيه جميعُ الناس، ولكن يجب على الواعين أن يحتاطوا لمثل هذا الأمر.

   الإنصاف والشهامة وإحقاق الحق

من الوسائل المهمة للحفاظ على الوفاق والاتفاق بين المؤمنين أو الحيلولة دون وقوع الحسد والغيرة فيما بينهم هو أن نمتدح أعمال الخير التي يقوم بها الآخرون ونُشيد بها ونصفق لها، بل وحتى إن صفقوا لنا وأشادوا بأعمالنا فعلينا أن نتعامل معهم بمروءة وشهامة أكبر، ونقول لهم: “إنما هذا التصفيق يجب أن يكون لكم”، ولو جاءَنا أناسٌ مختلفون عنا في مشاربهم ومذاهبهم يمتدحوننا فعلينا أن نقول لهم في راحة واطمئنان: “لولا مساعي محمد زاهد كوتكو (ت: 1980م)، وأسعد أفندي (ت: 2001م)، وسليمان أفندي (ت: 1959م)، والحاج سامي أفندي (ت: 1984م)، ومحمود أفندي وغيرهم من الرواد العظام ما كان بإمكاننا القيام بعُشر ما نفعله الآن”.

والواقع أن هذه الكلمات هي نوعٌ من الإنصاف وإحقاق الحق، فلو تعاملنا مع الأمر بهذا القدر من الحساسية فسنحطم لدى الآخرين مظاهر الحدة والعنف تجاهنا، ونحول دون بروز غيرتهم وحسدهم لنا، بل وإن كلَّ فكرٍ وإرادةٍ سنقوم به في هذا الشأن سيصبُّ في صحيفة أعمالنا، فإن لم نفعل وحاولنا جلب الأنظار إلينا دائمًا ونسبنا كلَّ نجاحٍ نحرزه إلى أنفسنا؛ فسنكون قد دفعنا الآخرين إلى الوقوع في الذنب ولن نكسب شيئًا عند الله أيضًا، وسيفسد الوفاق والاتفاق بين المؤمنين، ويلوح الفراق والاختلاف في الأفق، وعندها نفقد التوفيق الإلهي.

فعلى رجال القلب الذين وهبوا أنفسَهم لدعوةٍ سامية أن يُراعوا مسألة الوفاق والاتفاق هذه عندما يعزمون العمل في أي مجال من مجالات الخدمة، فإن اعتقد الذين يعملون في هذا المجال قَبْلنا أن مشاركتنا لهم ستفسد عملهم وتُخلّ بوظيفتهم فعلينا أن نترك المجال لهم، وأن نتوخى مزيدًا من الحساسية والدقة في هذا الأمر وننظر هل هذه الخطوة التي نخطوها ستزعج الآخرين أم لا؟.. ولقد حاولنا حتى اليوم أن نراعي مثل هذه الملاحظات بقدر الإمكان، فلو تكفل البعض بالقيام بأعمال معينة في مجال بعينه فإننا تركناها لهم وبحثنا عن مجالات خدمية أخرى.

إن المؤمن لا ينزعج من الأعمال الخيرة التي يقوم بها الآخرون، ولا يحسدهم ولا يقف عثرة في طريقهم مطلقًا، إنما يذعن لكلام الله تعالى في القرآن الكريم ويتنافس في الخير معهم، ويجري بسرعة أكبر حتى لا يتخلف عن إخوانه في الفضل والثواب.. ولكن الغبطةَ والتنافسَ متاخمان للحسد، فإن لم ينتبه الإنسان انزلقت قدمه وانتقل من طرف إلى طرف آخر.. ومن السبل التي تحول دون وقوع ذلك هو دعمُ الآخرين في خدماتهم عند الحاجة؛ كالقيام بتوجيه من لم يستطع إحراز النجاح منهم وإرشادهم وإمدادهم بأصحاب الخبرة والتجربة؛ وبذلك نمنع تدخل النفس في الأمر، ولا نسمح بظهور شيءٍ من المشاعر السلبية البغيضة.

ليس سهلًا تطبيقُ كلِّ هذا، لأن تحقيقه يحتاج إلى تحمُّلٍ وإعمالِ فِكر، ولذلك يجب أن نساعد بعضَنا في مثل هذه الأمور، وأن نعيد تأهيل بعضنا البعض، فإذا اجتمعنا حاولنا إصلاحَ الأخطاء التي اعترت تفكيرنا، وتوجيهَ الناس إلى الإخلاص والتواضع والمحو.. قد يفكر الآخرون بشكل مختلف في هذه المسائل، وهذا ليس من شأننا، المهم هو نحن، أين نقف وماذا نفعل؟، فعندما نضع الخطط وحتى عندما نعمل على تحقيقها؛ علينا أن نسير في الطريق الصحيح ونمثل الاستقامة، ونراعي مشاعر الآخرين..

***

[1]  بديع الزمان سعيد النورسي: الملاحق، ص 193.

شعور العبودية

Herkul | | العربية

   سؤال: يقول الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي: “إن وظائف العبودية وتكاليفَها ليست مقدمةً لثوابٍ لاحق، بل هي نتيجةٌ لنعمة سالفة”[1]، فإلى أيّ نوع أشار الأستاذ النورسي بهذا القول من شعور العبودية؟

   الجواب: إننا نستخدم مصطلحات “العبادة والعبودية والعبودة”؛ تعبيرًا عن مراحل ومراتب أداء العبودية إلى الله تعالى، فالعبودة هي أداء العبادات والطاعات بأعماقها وأبعادها، مع مراعاة شروطها الظاهرية والباطنية؛ وبتعبيرٍ آخر: هي أداء العبودية على مستوى القلب والروح، وهي بذلك تعبّر عن ذروة الأمر.

ربما لا يستطيع بعضُنا الوصولَ إلى شعور العبودية من هذا النوع؛ لأن مثل هذا الشعور منوطٌ باستشعار العبادات كلية؛ فمثلًا الصلاة، قد يستطيع أيُّ مؤمنٍ أن يؤديها مراعيًا شروطَها وأركانها؛ ولكن لا يتسنّى للجميع تحقيقُ هذا الأمر مع استشعار نشوة المعراج وكأنه يحلّق في السماوات العلى؛ حيث إن ذلك مرتبط باستشعار روح الصلاة بحقٍّ من البداية إلى النهاية؛ وهذه هي العبودة.. أما العبودية فتُطلق على ما يأتي في الترتيب السابق للعبودة، والعبادة تُطلق على أعمال معينة نؤديها لله تعالى اقتضاءً لعبوديّتنا له.

وأيًّا كان الاسم عبادةً أم عبوديةً أم عبودةً؛ فلا ينبغي للإنسان أن يقنع بعبوديته لله حيث يراها كافيةً وينتظر من ورائها مقابلًا عظيمًا. أجل، قد يُحرز الإنسان في الحقيقة الشيء الكثير بعبوديته؛ ولكن ليس من الصواب أبدًا أن يقايض العبدُ ربه بما يؤدي من عبادات له تعالى، بل يجدر به أن يقيّد كلَّ الأعمال التي يؤديها باسم العبودية بشعور الحمد والشكر العميق، وهذا ما يعبّر عنه بديع الزمان سعيد النورسي بقوله: “إن وظائفَ العبودية وتكاليفها ليست مقدمةً لثوابٍ لاحق، بل هي نتيجةٌ لنعمةٍ سالفة”؛ بمعنى أن الصواب في أن نعدَّ العبودية شكرًا لله على النعم التي أنعمَها الله سلفًا، وليس عملًا سنؤجَر عليه لاحقًا.

   عدم تقييد العبادات بالأجر

ولمزيد من التوضيح نقول: إننا نحاول الإيفاء بتكاليف عبوديتنا لله تعالى من خلال صلاتنا وزكاتنا وصومنا وحجنا، وغير ذلك من الأعمال الصالحة.. ولكننا في الوقت ذاته نرغب مقابل عبوديتنا لربنا أن تُعمَّر دُنيانا، وأن نمتلك سكنًا دافئًا كركنٍ من أركان الجنة، وأن نوهب أولادًا يُحيطون بنا ويغمروننا بالحيوية والمرح، وأن تُوسَّع أرزاقُنا، وتُيسّر أمورُنا، إلا أن التشوُّفَ لمثلِ هذه الأمور مقابل العبودية يجانبه الصواب.

دع عنك أداء العبادة من أجل إحراز النعم الدنيوية، فإن مجرد الاعتقاد بأن العبادات التي نقوم بها هي مقابل نعيم الجنة، والتشوّف إلى اكتساب هذا النعيم عن طريق العبودية إنما هو مخالفٌ من ناحيةٍ ما لشعور العبودية؛ لأنه ليس بالإمكان إحراز مثل هذه النعم الأبدية بعمرٍ قصيرٍ أنفقْنا ثلثَه في النوم، وثلثَه مع الأهل والعيال، والبعضَ الآخر في الاشتغال بالأمور الدنيوية، فمحالٌ أن نقابلَ نعيمَ الجنة بما نقوم به من أعمال، ولا يظنّنَّ أحدٌ أن نعيمَ الجنةِ حقُّ مكتَسَبٌ بما يقوم به من أعمال صالحة.

فقد جاء في الأثر عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: “خَرَجَ مِنْ عِنْدِي خَلِيلِي جِبْرِيلُ آنِفًا، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّ لِلَّهِ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ عَبَدَ اللَّهَ تَعَالَى خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ فِي الْبَحْرِ عَرْضُهُ وَطُولُهُ ثَلَاثُونَ ذِرَاعًا فِي ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا وَالْبَحْرُ مُحِيطٌ بِهِ أَرْبَعَةَ آلَافِ فَرْسَخٍ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَأَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ عَيْنًا عَذْبَةً بِعَرْضِ الْأُصْبَعِ تَبَضُّ بِمَاءٍ عَذْبٍ فَتَسْتَنْقِعُ فِي أَسْفَلِ الْجَبَلِ وَشَجَرَةَ رُمَّانٍ تُخْرِجُ لَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ رُمَّانَةً فَتُغَذِّيهِ يَوْمَهُ، فَإِذَا أَمْسَى نَزَلَ فَأَصَابَ مِنَ الْوضُوءِ وَأَخَذَ تِلْكَ الرُّمَّانَةَ فَأَكَلَهَا ثُمَّ قَامَ لِصَلَاتِهِ، فَسَأَلَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَ وَقْتِ الْأَجَلِ أَنْ يَقْبِضَهُ سَاجِدًا وَأَنْ لَا يَجْعَلَ لِلْأَرْضِ وَلَا لِشَيْءٍ يُفْسِدُهُ عَلَيْهِ سَبِيلًا حَتَّى بَعَثَهُ وَهُوَ سَاجِدٌ.

قَالَ: فَفَعَلَ فَنَحْنُ نَمُرُّ عَلَيْهِ إِذَا هَبَطْنَا وَإِذَا عَرَجْنَا فَنَجِدُ لَهُ فِي الْعِلْمِ أَنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ: أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي.

فَيَقُولُ: رَبِّ بَلْ بِعَمَلِي.

فَيَقُولُ الرَّبُّ: أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي.

فَيَقُولُ: يَا رَبِّ بَلْ بِعَمَلِي.

فَيَقُولُ الرَّبُّ: أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي.

فَيَقُولُ: رَبِّ بَلْ بِعَمَلِي.

فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمَلَائِكَةِ: قَايِسُوا عَبْدِي بِنِعْمَتِي عَلَيْهِ وَبِعَمَلِهِ، فَتُوجَدُ نِعْمَةُ الْبَصَرِ قَدْ أَحَاطَتْ بِعِبَادَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَبَقِيَتْ نِعْمَةُ الْجَسَدِ فَضْلًا عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: أَدْخِلُوا عَبْدِي النَّارَ.

قَالَ: فَيُجَرُّ إِلَى النَّارِ فَيُنَادِي: رَبِّ بِرَحْمَتِكَ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ.

فَيَقُولُ: رُدُّوهُ فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ: يَا عَبْدِي مَنْ خَلَقَكَ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا؟

فَيَقُولُ: أَنْتَ يَا رَبِّ.

فَيَقُولُ: كَانَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِكَ أَوْ بِرَحْمَتِي؟

فَيَقُولُ: بَلْ بِرَحْمَتِكَ.

فَيَقُولُ: مَنْ قَوَّاكَ لِعِبَادَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ؟

فَيَقُولُ: أَنْتَ يَا رَبِّ.

فَيَقُولُ: مَنْ أَنْزَلَكَ فِي جَبَلٍ وَسَطَ اللُّجَّةِ، وَأَخْرَجَ لَكَ الْمَاءَ الْعَذْبَ مِنَ الْمَاءِ الْمَالِحِ، وَأَخْرَجَ لَكَ كُلَّ لَيْلَةٍ رُمَّانَةً وَإِنَّمَا تَخْرُجُ مَرَّةً فِي السَّنَةِ، وَسَأَلْتَنِي أَنْ أَقْبِضَكَ سَاجِدًا، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ؟

فَيَقُولُ: أَنْتَ يَا رَبِّ.

فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَذَلِكَ بِرَحْمَتِي وَبِرَحْمَتِي أُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ، أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ، فَنِعْمَ الْعَبْدُ كُنْتَ يَا عَبْدِي فَيُدْخِلُهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ.

قَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّمَا الْأَشْيَاءُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى يَا مُحَمَّدُ[2].

ويقوّي هذا الأثر قوله صلى الله عليه وسلم: “لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ“.

قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ: “لَا، وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ[3].

والواقع أن هذه الحقيقة التي عبّر عنها الأستاذ النورسي في بداية الحديث تستند على مثل هذه الأحاديث، لذا فعلينا ألا نستهدف من العبادات والطاعات التي نقوم بها إحرازَ سعادةٍ دنيوية أو أخروية، فنحن لا نؤدي عبادتنا لله كي يرزقَنا بالأولاد أو الأموال، بل وحتى لا ينبغي أن يكون الغرضُ من وراء هذه العبادات الوصولَ إلى نعيم الجنة والفوزَ بالسعادة الأبدية، ولا يحدونا أملُ الحصولِ على جزاءٍ دنيوي أو أخروي عند أداء العبودية.

بل إنه من الوقاحة وسوء الأدب مع الله عز وجل النظرُ إلى المسألة على أنها حقٌّ مكتسب؛ لأن عدم القدرة على رؤية نِعَمِ الله وما وراءها من يد الرحمة؛ يُعتبر نوعًا من العمى واختلال النظر، ولو نظرنا إلى المسألة من حيث المنطق الرياضي فسيظهر أنه من المستحيل الفوز بالنعيم الأبدي بعبادة قليلة تؤدَّى خلال عمر قصير، فما يليق بالمؤمن هو أن يعتبر عبادته شكرًا لله تعالى على النعم التي أسبغها عليه في الماضي، أما التشوف إلى المكتسبات الدنيوية والأخروية فهو أملٌ ورجاء من رحمة الله تعالى.

  زخات النعم

وإننا إذا ما نظرنا حولنا واستغرقنا في التأمل الأنفسي والآفاقي فسنجد أن هناك كثيرًا من النعم التي أسبغها الله تعالى علينا، حتى إنه يستحيل مقابلة هذه النعم بالعبادات التي نؤديها، والقرآن الكريم يلفت الانتباه إلى هذا بقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (سورة إِبْرَاهِيمَ: 14/34).

فقد خلقَنا الله ولم نكُ شيئًا، وأخرَجَنا إلى عالم الوجود، وهذا شرفٌ بحدِّ ذاته، ولو تعمَّقْتُم قليلًا بخيالكم فسترون كم أن العدم بئرٌ من الظلام، والوجودَ نعمةٌ من الرحمن، وبعد ذلك لم نُترَك في الوجود هكذا، بل أصبحنا من ذوي الحياة، ثم لم نقف عند مستوى النبات والحيوان، بل ارتقينا درجة، وصرنا بشرًا ذوي عقل وشعور، وعليه شكَّلْنا الكونَ وتدخلْنا في الأشياء بعقولنا وإراداتنا ومعارفنا التي وهبها الله لنا من علمه الإلهي المحيط، ولم يقف الأمر عند ذلك بل اختصّنا سبحانه وتعالى بفضله وأسبغ علينا نعمة الإيمان.

وإذا فكرنا في النعم المتداخلة التي أكرمنا الله بها فسنفهم بشكل أفضل مقدار الدَّينِ المعلّق في رقبتنا حمدًا وشكرًا لله سبحانه وتعالى.

وهكذا يجب أن نستشعر كلَّ هذا بعمقٍ عند أداء عبوديتنا لربنا سبحانه وتعالى، وعندما نستدير وننظر إلى الوراء نفكر في المراحل التي تخطيناها حتى وصلنا إلى الحالة التي نحن فيها، ونضع في اعتبارنا ونُصْبَ أعيننا ما حظينا به من النعم، ونؤدي وظيفة العبودية بهذا الشعور، وينبغي لنا أن نفكر في أن العبادات التي نقوم بها أو التي سنقوم بها إنما هي شكر على النعم التي وُهِبَتْ لنا سابقًا، فضلًا عن ذلك فليس بالإمكان أداء وظيفة الشكر بحق، ولكن من الضروري أن نحمل هذا الشعور على الأقل.

   استعظام العمل هو السبيل للسقوط والتردي

إن الإنسان إذا قدَر على أن يقول: “إنني مكلفٌ بأداء العبودية شكرًا لله على ما أسبغه عليَّ من نعمٍ لا تحصى، ولو استطعتُ لَصلّيتُ مائةَ ركعة كلَّ ليلة كما كان يفعل بعضُ السلف الصالح”؛ فإنه بذلك يكون قد وصل إلى أفق مهمٍّ للغاية، وعليه بعد ذلك أن يرفع أكف الضراعة إلى الله عز وجل كما كان في قصّة “الجرة المشروخة” ويقول: “اللّهم إن السلطنة تليق بالسلطان، والفقر يليق بالفقير”.. أملُنا في الله تعالى أن يتفضّل علينا بالثواب الجزيل على هذا القدر القليل من العبادة.

ولا يُقصد بكلامي هذا ألا نسأل الله الجنة ولا نستعيذ به من النار، فإننا ندعو الله دائمًا وبعد كل صلاة نسأله الجنة ونستعيذ به من النار، ونعتبر ذلك من مقتضيات عبوديتنا لله سبحانه، ونسأله تعالى ذلك اعتمادًا على لطفه ورحمته بنا.

وإن الإنسان الذي يسير على نهج النبي صلى الله عليه وسلم ويقتدي به هو الذي يسأل الله أن يدخله الجنة ويبعده عن النار، فهذا شيء كامنٌ في طبيعة الإنسان، لكن لا ينبغي له أن يجعل العبادات التي يؤديها علةً غائيةً لدخول الجنة أو النجاة من النار، ولا أن يربط العبادات بذلك؛ لأن غايتنا الأهم هي نيل رضا الله تعالى، وما عدا ذلك يتضاءل إزاءه، ولهذا فإن أسباب العبودية ترجع إلى أمر الله، والنتيجةُ التي تُرجى منها هي رضا الله، والثمرةُ التي تُجنى من ورائها هي الفوز في الآخرة، غير أنه يجب ألا يغيب عن بالنا أن هذه الثمرة تتحقق بلطف الله وفضله لا بِعَملِنا نحن.

وعندما ينظر الإنسانُ إلى المسألة على هذا النحو يتخلص من الغرور والأنانية، وينسلخ من كل سلوك مشِين كأن يدخل -حاشا لله- في مساومةٍ مع الله جل جلاله، وعندها يستصغر العبادات التي يقوم بها، ويطمح أن يصل دائمًا إلى عبودية أسمى وأعلى وأجلّ، ولو حتى أمضى لياليه كلها في العبادة، وصام نهارها، وأنفق ثروته كلها في سبيل الله؛ فلا يظنَّنَّ أبدًا في أنه أعطى عبادته حقّها، إذ إنّ استعظام العبادة سبيلٌ إلى السقوط والتردي، ويجب أن نعلم أن ما أديناه من عبادة أم عبودية أم عبودة -مهما كانت عظيمة- فهي صغيرةٌ في واقع الأمر، والله تعالى هو الذي يعظّم هذه الصغائر بفضله وكرمه ويمنّ علينا بالنعيم الأبدي، إنه عز وجل واسع الرحمة والمغفرة.

***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة الرابعة والعشرون، ص 408.

[2] الحاكم: المستدرك على الصحيحين، 4/278.

[3] صحيح البخاري، المرضى، 19؛ صحيح مسلم، صفات المنافقين، 71-78.

ترصيعُ الرسالة بالفصاحة وحسن البيان

Herkul | | العربية

   سؤال: أنتم ذكرتم من قبل أنه: “من الضروريّ أن يهتم مهندسو الفكر في المستقبل بالفصاحة وحسن البيان”؛ فهلّا توضّحون لنا فكرتكم هذه بمزيدٍ من التفصيل؟

   الجواب: جاء القرآن المعجز البيان برسالة خلاصٍ وإنقاذٍ للإنسانية، وهو من هذه الناحية يحتوي أحكامًا محكمةً، ومعانيَ واسعة، ورسائل جامعة، فيعرضها ويقدّمها بأسلوب مثالي خاص به مؤثّر للغاية، ولذلك فإن القرآنَ معجِزٌ في قوّة بيانه إلى جانب أنه معجِزٌ في ثراء مضمونه ومحتواه أيضًا.

ولو أن القرآن الكريم لم يعرض رسالته بأسلوب فريد ومثالي، فلربما استطاعت فئةٌ من مخاطبيه الأوائل الذين يهتمون كثيرًا بالبلاغة والبيان أن يقدحوا فيه، إلا أننا لا نعلم نقدًا وُجِّه لبلاغة القرآن وبيانه، وهذا يعني أنهم لم يتمكنوا من العثور على أي خطإ فيه، ربما لم يقبلوا محتواه لأنهم لم يستطيعوا هجرَ عاداتهم، ولا التخلي عن تقليد أسلافهم، ولا ترك غطرستهم، ولا التخلي عن ظلمهم، ولا فهم منظوره الصحيح، أي إن السلاسلَ التي في أقدامهم والأغلالَ التي في أعناقهم كانت تمنعهم من قبول الرسالة الإلهية، وبالرغم من هذا فإنهم ما استطاعوا منع أنفسهم من التعبير عن إعجابهم بأسلوب القرآن الكريم.

وبالمثل فإننا عندما ننظر إلى كلمات مفخرة الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم يتبين أنه عبّر عن مقصده بأسلوب خلاب، حتى إن سيدنا أبا بكر رضي الله عنه أحد أساطين الكلام لم يستطع أن يتمالك نفسه من أن يقول أمام قوة بيانه عليه الصلاة والسلام: “لقد طفتُ في بلاد العرب وسمعتُ فصحاءَهم فما سمعتُ أفصح منك!”، لقد كان صلى الله عليه وسلم سلطانَ البيان حتى إنه قدم رسالته للناس بأسلوب عذب يداعب الأرواح، وفي نمطٍ مثالي لا تشوبه شائبة، وبأسلوب يحتوي معانيَ واسعةً عميقةً.

وعلى هذا فكما أن روعة المحتوى مهمة فإن طبيعة الصوت والروح التي ستُقدّم وتَعرِض هذه الرسالة مهمّةٌ أيضًا، إذا كنتم تريدون أن تقدّموا تلك القيم التي ورثتموها عن الماضي كي تستفيد بها الإنسانية فعليكم أن تقدموها بأسلوب يشبه الشِّعر، أي إنه بجانب إحرازِه واحتوائه الحقائقَ السامية والمعانيَ الواسعة العميقة، يجب التعبير عنها بأسلوب بياني رفيع، وهذا أيضًا يتطلّب أفقًا علميًّا وثراءً فكريًّا حقيقيًّا، وحماسًا قلبيًّا وإلهامًا جليًّا، ووقوفًا على اللغة وقدرةً على التعبير والبيان على حد سواء.

   تنشئة النخبة

مما لا شك فيه أن الحيلولة دون وقوعِ خللٍ في هذه المجالات مرهونةٌ بتنشئة طبقةِ نخبةٍ تتمتّع بثقافة عالية، والواقع أن المجتمع يعجّ بالكثير من أصحاب المواهب العلمية والفكرية والبيانية.. والمهم هو العثورُ على هذه العقول الفذة وإبرازُهم عبر توفير بيئة مناسبة، وتنميةُ مواهبهم.. تخيلوا عباقرةً وُلدوا في القرية، وإن لم تُهيَّأ لهم بيئةٌ يمكنهم فيها تطوير مهاراتهم، ولم يُهتم بتعليمهم، ولم تُمنح لهم الفرصة للتدرب على أيدي أساتذة جيدين فإنهم سيُصبحون على الأكثر رعاةً جيّدين أو مزارعين بارعين، ويستخدمون عبقرياتهم في تربيةِ حيواناتهم تربية جيدةً والعثورِ على المراعي المناسبة لها.. لهذا السبب يجب أن نبذل قصارى جهدنا لتحويل مثل هذه النوابغ الفائقة إلى شخصيات خالدة تخدم عالمنا الفكري وغايتنا المثالية ويشار إليها بالبنان.

بغض النظر عن مدى صعوبة المحاولة إلا أنه لا يمكن للجميع تحقيق هذا، ومع ذلك لا يمكن تنشئة هؤلاء ما لم تُمهد السبل في هذا الغرض.. إنكم إن تسعَوا في سبيل تنشئة جيلِ النُّخبةِ فقد بدأتْم المسيرةَ، وانطلقتم في تهيئة الإمكانات وتعبيدِ الطرق، إلا أن بعضًا فحسب من هؤلاء سيصلون إلى المستوى المطلوب؛ لأن هذا العمل يتطلّب امتلاك مجموعة من القدرات والمهارات الخاصة، وتركيزًا حقيقيًّا وعملًا وجهدًا طويل الأمد على حدٍّ سواء.

وبعبارة أوضح: إن الشخص الذي يسلك هذا الطريق يلزمه أولًا امتلاك بعض الصفات الشخصية الخاصة، ثم يأتي بعد ذلك دَورُ الانغماس بين الكتب سنوات طويلة، والاطلاع على مختلف المؤلفات، وعقد المقارنات بين النصوص المختلفة، وإخضاع ما يقرؤه للتحاليل والتراكيب.

ولا أستطيع أن أواصل حديثي دون الإشارة إلى أننا متأخرون للغاية في هذه المجالات.. للأسف، ليس لدينا اليوم عدد كافٍ من الأشخاص القادرين على إنتاجِ أعمالٍ إبداعية، وتقديمِ دراساتٍ علمية، وتأليفِ قصصٍ وروايات على مستوى عالٍ، وكتابةِ سيناريوهات دون إحداث فجوات منطقية، وليس لدينا أيضًا ما يكفي من المنتجين والمخرجين لتحويل السيناريوهات التي تُصاغ إلى مسلسلات تلفزيونية أو أفلام.

إن كنتم تريدون أن تصبحوا أصحاب الكلمة في عالم المستقبل، وتنوون التعبير عن أنفسكم في أماكن مختلفة وعبر أشخاص مختلفين فعليكم أن تُوقدوا مشاعل العلم هذه في كل مكان وتُنشئوا مفكري المستقبل.. وهذا يعتمد على معالجة القضية بروحٍ تَعْبَويّة جادة، وينبغي أن توجهوا آلاف الناس إلى طريق العلم والمعرفة، لينشأ من بينهم علماءُ ومفكرون ونُخَبٌ مؤثرة، هناك كثير من هؤلاء الناس في تاريخنا، ومع ذلك فإنهم غير ملحوظين بشكل جيد لأنهم كسلسلة الجبال المتقاربة الارتفاع، بيد أن هذه النماذج قد تمت تنشئتُها على مسافات متباينة في الغرب فكانوا أكثر بروزًا.

إننا نؤمن بأن لدينا قيمًا رائعة للغاية وأننا نمثّل حقائقَ عظيمةً، وإذا كنا نعتقد أن العالم يحتاج إليها، ونشعر بالحاجة إلى نقل هذه القيم إليهم، فعلينا أن نعلنَ النفيرَ العام من أجل تنشئة الأشخاص الذين يستطيعون القيام بهذه المهمة على أفضل وجه، وإلى جانب جمال الأسلوب والسلوك وحسن التمثيل، فإنه يتعين علينا كذلك أن نقدم رسالتَنا في صورة يقبلها إنسان اليوم، وهذا أيضًا مرهونٌ بالمواهب والملَكات التي تساعدهم على التعبير الجيد عن مقصدهم بأسلوب واضح ورفيع بحيث لا يدع أي مجال للشك أو الريب في عقل المخاطب، وتساعدهم أيضًا على الإعراب عن أفكارهم بأجمل القصائد وأسمى النصوص النثرية.

   عذوبة الأسلوب

إذا كان العصرُ الذي نعيشه أصبح عصرَ العلم والبيان، فعلينا أن نتخذ الخطوات المناسبة لهذا، يجب أن تكون لدينا قدرةٌ على البيان لدرجة تؤهّلنا من التعبير عن هدفنا بشكلٍ سلسٍ للغاية، والوقوف على الفروق الدقيقة بين الكلمات، وكتابة أعمال في مختلف فروع الأدب بحصيلة لغوية ثرية، ويجب ألا نترك أية ثغرات أو فجوات خلال التعبير عن مشاعرنا وأفكارنا، وأن نُخضع -على جناح السرعة- المعانيَ التي تلوح بذهننا لمراحل التخيل والتصوّر والتعقّل، ونضعها في أنسب القوالب، إن لم تستطيعوا تقديم الشيء الذي تتحدثون عنه -حتى ولو كان من وحي السماء- بما يتناسب قدره وقيمته فلن تكونوا قادرين على إثارة الاهتمام اللازم به، بل وحتى قد تتسبّبون بشيءٍ من رد الفعل ضده، لذا فإن هذه واحدة من القضايا المهمة التي يجب التركيز عليها في يومنا الحاضر.

من المهم جدًّا الاستفادة من الفنون اللفظية المختلفة مثل الاستعارة والكناية والمجاز والجناس والتورية لا سيما في الأسلوب الأدبي والخطابي عند التعبير عن قضية ما، ومع ذلك يظل من الضروري الحرص على عدم التكلف والتصنع في هذا الصدد، ولا ينبغي البحث عن الإعجاز والإبداع بتعابير مغلقة وغامضة ومبهمة كما يفعل بعض الكتاب والشعراء اليوم، ولا الدخول في الأوهام والخيالات للتعبير عن أنفسنا، يجب أن ننتبه إلى أن تكون الموضوعات التي نتحدث عنها ونكتبها مفهومةً؛ ولكن لا ينبغي أن نهمل العمقَ والفنَّ فيها.. إن سرَّ عمقِ القرآن كامنٌ في وضوحه، إنه كالماء النقي الصافي. أجل، هو نقيٌّ وصافٍ وبراق لدرجة توهمك بضحالته عندما تنظر إليه من الشاطئ، وتقول: إنني إن أدخلت رجلي فسيصل إلى كعبي فقط، لكنك عندما تدخل فيه تغرق.. هذا هو العمق القرآني.

وحاصل الكلام أنه لا يكفي مجرد حمل القضايا العلمية والفكرية على نحو سطحي فحسب، بل يجب أن نتحمّلَ مسؤوليةَ نقلِها وإبلاغِها للآخرين، وأن نتصرّف بحذر ووعي شديدين أثناء الإيفاء بهذه المسؤولية، ويجب أن نحدد جيدًا نوعَ وموضع الأسلوب الذي يلزم استخدامُه، وأن نقدم القيم التي نؤمن بها بأسلوب يشرح الصدور ويسعدها.

مسؤوليات رجال الخدمة

Herkul | | العربية

قد نشكو حالنا أحيانًا لأننا وُلِدنا في زمن تتراكم فيه المشكلات بعضها فوق بعض، ونبحث عن الخير والكمال كأحد متطلبات الطبيعة البشرية، ونشتاق إلى الأيام الجميلة الخالية التي كانت في الماضي، فنقول “ليتنا جئنا قبل ذلك!”، وقد تأخذنا مشاعرنا للرغبة بالعيش في زمن الصحابة أو التابعين، وأحيانًا أخرى نتنقل بين صفحات التاريخ المجيدة، ونقول كما قال محمد عاكف وهو يكتنفه شعور الحزن:

لو أنني أدركت عصر الورد لكنت عندليبه

ماذا لو أنك جئت بي قبل ذلك؟ رباه!

وأعتقد أن مثل هذه المشاعر والأفكار تجيش بها صدورُ معظمِنا.

على المرء ألا يفرّ من المشكلات التي يمر بها، وإنما عليه العمل على مواجهتها وحلها؛ فهناك أعمال كثيرة يجب أن يقوم بها الإنسان الذي خلقه الله تعالى “خليفة” له في الأرض واستعمله لإعمارها؛ وقد يرفع الله تعالى مَنْ يتعهدون بهذه الأعمال ويقومون بها إلى مقام الصحابة، وبالتالي فإن الواجب علينا هو أن نقول هكذا: “يا إلهي، لا أعرف لو عشتُ في عصر الورد مَن سأكون، أنا سعيد لأنك أوجدتني في هذا العصر، لك الشكر يا ربّ!”.

بالطبع إن كل مؤمن يبحث عن بيئة ملائمة يتمكن فيها من ممارسة القيم التي يؤمن بها بشكل مريح، إننا مثل كثير من الناس نحلم ببيئة ديمقراطية تسودها حرية الفكر والاعتقاد، ويعيش الجميع فيها كما يؤمنون، ويستطيعون بسهولة تمثيلَ القيم التي يؤمنون بها، والتعبيرَ بحرّية عن آرائهم وأفكارهم، لا شك أن العيش في بيئة كهذه يتبنى المجتمع فيها ثقافة الديمقراطية المتطورة ستقدم للناس أشياء كثيرة. لكنني على قناعة بأن تعميرَ حصن تهالكت بعض أجزائه منذ قرون، وترميمَ القيم المدمرة والمحطمة، وإعادة الناس إلى الاستقامة إنما يتمّ عبر إزالة ما في المشاعر والأفكار من انحرافات، وإعادةِ الفضائل المفقودة إلى المجتمع… والخلاصة فإن التجرّد لعمليّة الانبعاث من جديد واجبٌ فوق الواجبات وهو أكثر أهمية وفائدة.

وبالنظر إلى حجم الواجبات التي تترتب علينا اليوم ومدى أهميتها يترتب علينا أن نقول: “لِحُسن الحظ أن الله تعالى أوجَدَنا في هذا العصر!”، لأن هذا يعني تمثيلًا لوظيفةٍ تركها الأنبياء أمانة لنا ولو كان ذلك على مستوى الظلية بطول موجة تجلٍّ مختلفة تخصُّ هذا العصر، ولا شك أنه يبشرنا بأمور في غاية التميّز حين يعبر عن مظهرية مختلفة للغاية، ولا يمكن ولا ينبغي الاستخفاف بمثل هذه المظهرية والفضيلة التي قد ترقى بالإنسان إلى أوج الكمالات.

ومن ثمَّ فعلينا بدايةً أن نعرف في أي موضع نحن نقف، وما نوعُ المسؤوليات المنوطة بنا، ثم نبذل قصارى جهدنا للوفاء بحق موقعنا.. فإن تحرّكْنا على هذا المنوال فإننا نسير في طريق جيد، ويمكن للإنسان أن ينطلق وينفتح على الخلود من خلال طريق كهذا بحسب قدراته وإخلاصه.

   عمق النية

نقطة أخرى يلزم الانتباه إليها في هذا الشأن، ألا وهي أن تتم جميع الأنشطة والفعاليات بصدق وإخلاص وأن تُربط تمامًا برضا الله سبحانه وتعالى، ومن ثم ستحظى الأعمال التي يتم القيام بها على هذا النحو ببركة مختلفة، وسيحصل فاعلوها على مكافآت كبيرة؛ فالإخلاصُ لا يتعلّق بالصلاة أو الزكاة أو الصوم أو الحج فقط، على العكس من ذلك، يجب ربطُ كلِّ عملٍ يتمّ القيام به برضا الله تعالى، فالإنسان بوسعه أن يجعل غايةَ حياته العملَ من أجل الله، والبدء من أجل الله، والحديثَ من أجل الله، والنومَ من أجل الله، والنهوضَ من أجل الله، والتبسّمَ من أجل الله… إلخ. يمكن استهداف رضا الله تعالى دائمًا؛ عند إزالة حجر من الطريق قد يضر بالناس، وعند مدِّ يدِ العون للمحتاجين، وتسوية الخلافات بين الناس، وجمعِهم حول نقاط الالتقاء والاتفاق وما شابه ذلك، عندئذ سيكون مردود كل هذه الأعمال مختلفًا للغاية في الآخرة.

وزيادةً في التوضيح فإن علاج إنسان واحد أحيانًا، ومداواته وتسكين آلامه وأوجاعه، والظفرَ بدعائه قد يرفع المؤمن إلى مستوى الولاية بحسب مدى إخلاصه وصدقه، لذا لكم أن تحسبوا أنتم كم أن علاجَ السرطانات التي انتشرت في المجتمع وتطويرَ مشاريع لمنع النزاعات والصراعات على مستوى الإنسانية وربطَ ذلك بطلبِ رضا الله يمثّل عبادة شمولية كلية!

إن رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ذو رسالة عالمية، أي إنه أُرسل إلى الإنسانية جمعاء، وواجبُنا نحن باعتبارنا أمته عليه الصلاة والسلام هو أن نتطلّع لتمثيل هذه النبوة العالمية، فإذا كنا نطمح إلى ذلك ونعيش دائمًا بهذه النية والعزم، ونُعلي دائمًا من همتنا فإن جزاءَنا وثوابنا سيكونان وفقًا لذلك؛ لأن الناس يكافَؤُون حسب نياتهم ومثابرتهم وجهودهم؛ وليس بحسب نجاحهم وما حققوه من نتائج! لماذا نقع في تشوّف أمام الله في الإطار الضيق للأعمال التي قمنا بها؟ لماذا لا نبحر في فضاء النية؟ إذا كانت الأفعال مبنية على النيات وسيجازي الله الناس على نواياهم، أليس واجبنا هو الاهتمام بالاستفادة من هذا الكم الهائل من النيات والعزائم؟!

يجب إعلاء الهمم والعزائم دائمًا، وينبغي -مثلًا- استهداف الوصول إلى كل البشرية قاطبة في المنطقة الممتدة من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي، ومن أمريكا إلى جرينلاند، وجمع هؤلاء كلهم حول نقاط الاتفاق المشتركة المعينة، وتحقيق التفاهم والتواؤم بينهم، يجب علينا السعي إلى ألا نترك مكانًا في العالم إلا وتصله أطياف مشاعرنا وفكرنا، فإن إعلاءَ الأهداف والـمُـثُلِ ورفعتَها هو أحد جوانب عمق النية والعزيمة، وقد يثيب الله تعالى من يعيش مشغولًا بهذه النوعية من المشاعر والأفكار كما لو أنه حقق غاياته المثالية تلك.

   الارتباط بالحقائق

يجب ألا يؤدّي إعلاء المُثُل والأهداف إلى الانفصال عن الواقع، بل يجب الانتباه إلى أن يتم تناول جميع الأهداف في إطارٍ قابلٍ للتحقيق، وعند تحديد الأهداف لا بد من وضع الزمان والمكان والإمكانيات في الحسبان، ويجب أن تُحدَّدَ بشكل صحيح الخطواتُ التي سيتمّ اتخاذُها، وتُربطَ بفصولٍ ومراحلَ معينة، فإن كان يلزم إحالة جزء من المسألة إلى الأجيال القادمة وتركها أمانة لهم فلا يجب التعجل في الأمر إذًا.

الخلاصة أنه إلى جانب عُمقِ النية وسموّ الأهداف تبقى مراعاة الواقع أمرًا مهمًّا للغاية، كما يجب أن تؤخذ في الاعتبار ظروفُ العصر، والفرصُ والموارِد البشريّة المتوفرة، والصعوبات والمشاق التي في الطريق، والعقبات التي قد تنتج عن الأرواح المعادية المنغلقة على العداء.. وبمعنى آخر، يجب تقييم قوة الأقطاب الإيجابية والأقطاب السلبية معًا، وعدم تجاهل عداوة الجبهات المعادية إلى جانب الكوادر الحالية، فإن بادرتم بفعل بعض الاعتبارات الخيالية مثل إيصال البشرية جمعاء إلى شاطئ السلامة في نفس واحد، والإطاحة بالقياصرة والأكاسرة في ضربة واحدة وقعتم حينئذٍ في اليأس بعد فترة، وشعرتم بانكسار وانكسار؛ فهذه الأمور تتعارض مع الحقائق الإنسانية والاجتماعية، ولم تحدث مثل هذه الأحداث والتطوّرات غير العادية من قبل.

والواقع أن محمد عاكف يقول في أحد المواضع:

أنقذَ ذلك المعصومُ البشرية في نفحة

وطرح الأكاسرة والقياصرة في حملةٍ

وبُعثت كل حقوق الضعيف المهضومة

وكان الظلم لا يخطر بباله زوالٌ فقُبِر وغار

إلا أنه بالنظر إلى الحياة السنية لمفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم يتضح أن خلاصَ الإنسانية لم يتحقّق في نفَسٍ واحد، ولا في حملةٍ واحدة، ويظهر أن هذه هي ثمرة حياة دامت ثلاثة وعشرين عامًا منسوجة بالألم والمعاناة، ثم إن الأمر لا ينتهي عند سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فبعد أن انتقل إلى أفق روحه وقعت إحدى عشرة حادثة ردة، واستمرّ الصراع والفتنة في الفترات اللاحقة أيضًا، ولولا وجود سادتنا أبي بكر وعمر وعثمان وعليٍّ رضي الله عنهم -وذلك في إطار دائرة الأسباب- ربما ما استطاعت هذه الأمانة أن تصل إلى حيث وصلَت؛ فقد أخمدوا حوادث الردة، وقوّموا العديد من القبائل المتمردة، وأزالوا الأخطار، وجعلوا الإنسانية يعانق بعضها بعضًا، وإن كان ذلك مؤقتًا وفي منطقة محدودة.

أجل، إن تحقُّقَ النتائج مرهونٌ بزمن معين، وليس من الممكن تحقيقها بصورة أسرع، وإنها لحقيقة أن الإمكانيات التكنولوجية قد تطورت كثيرًا اليوم، ويمكن الحصول على أشياء كثيرة بشكل أسرع وأسهل عبر تحقيق أقصى استفادة منها، ومع ذلك فإنه مهما تكن الإمكانيات التي تحشدونها، فلا يمكنكم أن تحقّقوا التأثير الذي حقّقه نبيُّنا بقوّته القدسية وبما حظي به من إلهامات ومعاملة خاصّة، ومن هذه الزاوية فإنه يلزم أن نكون واقعيين وعقلانيين للغاية في الطريق الذي نسلكه في سبيل تحقّق الغاية المثالية.

   غايتنا المثالية الفريدة

هناك الكثير من الناس في عصرنا بنوا كل مسائلهم على الشك والتردد، يعانون باستمرار من جنون العظمة، ويقولون كلما تكلموا: “تُرى هل لديهم حسابات خفية يسعون لتحقيقها؟”، لهذا السبب أشعر بحاجة إلى تقديم توضيح قصير هنا لتجنب سوء فهم هكذا: أجل، لدينا حساباتنا، ولدينا قضيتنا، ولدينا غايتنا المثالية، وهي كسب رضا الله تعالى، وكوسيلة أعظم لتحقيق ذلك تحبيبه عز وجل للناس، وكذلك تحبيب الناس بعضهم ببعض، وغالبًا ما نُحرِّم على أنفسنا التفكير في أي شيء سوى هذا؛ فمن يتمسكون بنيل الرضا الإلهي لا يطمحون إلى قصور وفيلات على مضيق البوسفور، ولا يركضون وراء شهرة ولا يطمعون في المناصب والمواقع الدنيوية؛ فقد أسلموا الفؤاد وعشقوا جَميلًا يعتبرون الانفصال عنه جل وعلا خيانة له وإهانة لأنفسهم أيضًا.

فلتعلم العوالم السبعة أنه ليست لدينا أية رغبة في شيء سوى نيل رضا الله تعالى، كل ما يهمنا هو أن نتمكن من جعل القلوب تشعر بحب الله، ومن جمع البشرية كلها حول الحب، وأن ننشئَ عالمًا لا يأكل فيه الناس بعضهم أو يضطهد أو يستغل بعضهم بعضًا.. حيث يمكن قبول جميع من فيه رغم اختلاف مواقعهم الخاصة، وتسوده روح المشاركة والتضامن، ولا يُترك المظلومون والضحايا وحدهم، نعتقد أن الإنسانية بحاجة ماسة إلى سماع صوت جديد وأن هذا لا يقل أهمية عن الهواء والماء.

إننا لا نعرف ما هو الاستغلال والانتهاز، وإن كان الجهلُ نقصًا بالمعنى العام، فإنَّ عدمَ معرفة بعض الأشياء أمارةٌ على الكمال، وكذلك لا نعرف التمييزَ والنبذ.. ونعرّف أنفسنا إزاء الألوان والأعراق المختلفة بأننا من ذوي “عمى الألوان” و”عمى الأعراق”، لدينا شعور عميق بالمحبة لدرجة أننا نريد أن نجيش كالمحيطات ونمد يد العون للجميع حتى لا يبقى هناك أحد حزين، إننا نتطلع بفارغ الصبر إلى الأيام التي تتعاون فيها البشرية وتتشارك أحزانها وآمالها فتضحك وتبكي معًا.

باختصار، نحاول إنتاج نسيج جديد يعبّر عن الحب والمودّة والرحمة، نؤمن بأنه من الأهمية بمكان أن تدخلَ المحبّة في القلوب إلى أن تمتلئ حبًّا، وأن يتلاحم الناس بعضهم مع بعض، وإننا لا نستبدل هذا بألف سلطنة دنيوية، ولا ينبغي النظر إلى هذه الكلمات على أنها شعوري الشخصي؛ على العكس من ذلك، إنني أحاول ترجمةَ شعورٍ عام.

قد يجد البعض هذه الكلمات خيالية للغاية ويرون أيضًا أننا نعيش في عالم الخيالات، لكن لا ننسَ أن للحب كرامات خاصة به، إذا كنتم تحبّون وتهتمّون وتصفحون عن العيوب فإنكم تخلقون جوًّا مختلفًا من حولكم، ومن ناحية أخرى، فإن الحب يشبه إكسيرًا سحريًّا؛ فهو من جانبٍ يُغلِق الطرق المؤدية إلى السلبية، ويُصلح بين الناس ويجمع بينهم من جانبٍ آخر.. إن العالمَ ينتظرُ أبطالَ الحب الذين يحبّون الحبّ ويكرهون الكراهية، ينتظر الفدائيين الذين يستطيعون جعل الحب هدفَ حياتهم، أَلَا تريدون أن تكونوا من هؤلاء؟

إن بديع الزمان بكلماته هذه: “ما حيلتي لقد استعجلت وشاءت الأقدار أن آتي إلى خضم الحياة في شتائها.. أما أنتم فطوبى لكم ستأتون إليها في ربيع زاهر كالجنة”[1]؛ يحفّز آمالنا ويحرك مشاعر الرجاء فينا ويشير أيضًا إلى أن العالم سيصبح ورديًّا؛ حيث ستنبت الورود في كل مكان وتصدح العنادل في جنباته، إلا أن توفر مثل هذا الجمال لن يتحقق في لحظة واحدة كما ذكرنا سابقًا، وإذا كان هذا الأمر مرهونًا بوقت معين، فلا يمكننا تغييره، يجب أن نكون عقلانيين في هذا الصدد، وأن نتعامل مع الموضوع في إطار خطة وإستراتيجية معينة أثناء تحقيق ذلك.

والأهم من ذلك، أنه يجب علينا أن نسعى إلى نثر البذور في كل مكان وتحويل كلِّ الأماكن إلى ربيع، مهما كانت الظروف شديدة، يجب ألا تغير طريقَنا ومنهجَنا شدّةُ الفصول والأوضاعُ المختلفة وهجومُ العالم علينا.. لا يجب أن نعلق بالرياح أو العواصف التي تهب، ولا يجب أن نتفرق أمامها، يجب أن نحاول في كل موسم القيام بما يلزم القيام به حسب ظروف ذلك الموسم، وحتى وإن أجرينا بعض التغييرات في خططنا ومشاريعنا حسب الظروف وضَبَطْنا سرعتنا بحسب حالة الطريق، فيجب علينا أن نواصل الركض مثل عدَّاء في الماراثون.

***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: الملاحق، ص 350.

صِفَتان في رَجُلِ التبليغ

Herkul | | العربية

   سؤال: يقول ربنا سبحانه وتعالى في سورة “يس”: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (سورة يس: 36/21)، فما الرسائل التي يحملها هذا البيان الإلهي لرجال التبليغ اليوم؟

   الجواب: تتعرض القطعة الثانية من سورة “يس” إلى الحوار الذي دار بين أصحاب القرية، وقد أرسل الله تعالى إليهم رسولين فكذبوهما، فعزَّزَ الرسولَين بثالث؛ لكن وضعَ القرية لم يتغير، وواصَلوا كَيلَ الاتهامات للرسلِ بالكذب، وجرِّ الشؤمِ عليهم، وهدّدوهم بالرجم والعذاب والأذى إن لم ينتهوا عن دعوتهم إلى الله تعالى.

وفي تلك الأثناء جاءهم رجلٌ من “أقصى المدينة”، ويُفهم من هذا التعبير أنه كان يعيش في الطرف الآخر من المدينة أو أنه شريفٌ من الطبقة الأرستقراطية، فأوصاهم وقدَّمَ النصيحةَ لهم باتباع الرسل، وكان مبرِّرُه في ذلك أمرين، الأوّل: أن هؤلاء الرسل لم يطلبوا منهم أجرًا، والثاني: أنهم مهتدون.. وكما لم يُصرِّح القرآن الكريم باسمِ مؤمنِ آلِ فرعون الذي أسرع لنجدة سيدنا موسى عليه السلام فكذلك لم يصرّح هنا باسم ذلك الرجل الذي جاء أهلَ القرية ناصحًا، وترى أغلبُ التفاسير أن البلدة المذكورة هنا هي “أنطاكية”، وأن الرسل المبعوثين هم من حواريي سيدنا عيسى عليه السلام، وأن ذلك الرجل الذي جاء لنجدتهم هو “حبيب النجار”؛ لا سيما تفسير “حَمّامي زاده” (ت: 1846م) من علماء الدولة العثمانية، فقد جاء فيه معلومات مفصَّلة حول هذا الموضوع، وقد لاقى هذا الرأيُ نوعًا من القبول بين الناس، فضلًا عن ذلك يوجد في مدينة “أنطاكية” مسجدٌ يحملُ اسمَ “حبيب النجار” بالفعل، وبداخله ضريح يُنْسَبُ إليه.

والواقع أن القرآن الكريم لم يصرح بالزمان ولا بالمكان ولا باسم الشخص في هذه الآية؛ حتى يجذب انتباهنا في الأصل إلى الرسالة التي ينبغي التركيز عليها، ولذلك ليس من الصواب البتُّ في المسألة، ومن الضروري توخّي الحيطة والحذر في الأمور التي سكت عنها القرآن الكريم، فإن كان لا بدّ من تقديم تفسير أو تأويل فالأفضل هو ترك مجال النظر مفتوحًا فنختم قولَنا بعبارة: “والله أعلم”، ولا بد من تبنّي هذه النظرة عند النظر إلى الشروح والتأويلات المندرجة في التفاسير المتعلقة بأمورٍ لم يأت فيها نصٌّ صريحٌ في الكتاب والسنة، وبصرف النظر عما إذا كان هذا التفسير لـ”فخر الدين الرازي” (ت: 606هـ) أو لـ”البيضاوي” (ت: 685هـ) أو لـ”أبي السعود أفندي” (ت: 982هـ) أو لغيرهم فالأصلح هو تناول المسألة بحيطة وحذر، وتذييل الكلام بقول: “والله أعلم بالصواب”.. وكما أن الحَجْر على التفاسير الأخرى وضربَها بعرض الحائط فيه ما فيه من الوقاحة وسوء الأدب فكذلك ليس من الصواب اعتبار هذه التأويلات هي الحق والصواب القاطع، والأفضل إزاء مثل ذلك أن نقول: “فيه نظر”، وألا ننكرَ احتماليّةَ كونها صحيحة.

وبعد هذا الشرح الموجز لأصول التفسير لِنُلْق نظرة إلى كلمات “حبيب النجار” عن قرب، فبدايةً نجد أنه يستهل كلامه قائلًا لقومه: “يَا قَوْمِ”، وهي عبارةٌ يكتنفها اللين والشفقة؛ لأنه بهذه العبارة يكشف عن اهتمامه وعلاقته بقومه، ويومئ إلى أنه نشأ معهم في البيئة نفسها، وشاركَهم الثقافةَ عينها، وهو نفس الأسلوب الذي استخدمه الأنبياء مثل سيدنا نوح وسيدنا هود وسيدنا صالح وسيدنا موسى عليهم السلام مع أقوامهم؛ وهذا يعني أن أسلوب الخطاب عاملٌ مهمٌّ في قبول المخاطب للرسالة باستحسان واحترام.

بعد هذا الخطاب يقول: ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ (سورة يس: 36/20)، ولا يكتفي بذلك بل يوضح السبب قائلًا: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (سورة يس: 36/21)، ليلفتَ الأنظار إلى استغناء هؤلاء الرسل، وعدم تشوُّفهم للأجر، وكأنه يريد أن يقول: إن هؤلاء الرسل قد اجتازوا الطرق الطويلة، وتجشّموا كثيرًا من الصعاب، وعرّضوا أنفسهم للخطر؛ حتى يدّلوكم على طريق الصواب ليس إلا، ويبلِّغوكم الحقّ والحقيقة، ورغم ذلك لم يطلبوا منكم أجرًا مقابل قيامهم بوظيفتهم، ولم يطمعوا في أيِّ مقابلٍ مادّيٍّ أو معنويّ جزاء تقبّلكم للحقائق، بل ولم يسألوكم مكانًا يأوُون إليه ويرقدون فيه.

وكذلك لم يتشوّف هؤلاء الرسل إلى أيِّ مقامٍ مقابلَ تعريفِهم إياكم بربِّكم، وإرشادِهم إياكم إلى طريق الجنة، وتوجيههم لكم، بل وحتى لم يطلبوا منكم إعزازًا ولا تقديرًا ولا تصفيقًا ولا مكافأةً؛ ولذلك فإن إصغاءَكم لدعوتهم لن يعودَ عليهم بمنفعة، ولن يرجع عليكم بأيّ ضررٍ أو حرمان.

ثم يشير “حبيب النجار” بقوله: “وَهُمْ مُهْتَدُونَ” إلى أن هؤلاء الرسل يسيرون على الجادة وطريق الهداية، ويُفهم من ذلك أن هؤلاء الرسل قد كشفوا بمظاهرهم وأحوالهم وتصرّفاتهم وسلوكياتهم عن صورة بشرية مقنعة وموثوق فيها، فلم يرتكبوا إثمًا، ولم يقترفوا ذنبًا، ولم يتعرضوا لأحد بأذًى، وقد اطّلع أهل المدينة على سلوكياتهم، وتعرّفوا إليهم عن قربٍ، وشهِدوا على حَيطَتِهم وحَذَرهم.

بمعنى أنهم كانوا مؤمنين صالحين إذا رأيتَهم -كما جاء في الحديث الشريف- ذكّروك بالله؛ لأن التعبير باللسان فقط عن سيرهم على طريق الهدى لا يجدي شيئًا، فإن لم يكن أهل المدينة قد تعرفوا عليهم بالمعاملةِ والمعشَرِ لقالوا: “ما أدرانا أنهم على طريق الهداية؟!”، إن هؤلاء الرسل بالفعل قد خلَّفوا أثرًا وراءهم اتخذَ من خلاله “حبيب النجار” دليلًا على وجوب اتباعهم والاقتداء بهم.. وباختصارٍ فإنّ هؤلاء الرسلَ رغمَ ما كابدوه من معاناة طويلة إلا أنهم لم يتشوّفوا إلى شيء، ولم يسألوا الناس شيئًا.. ليس ذلك فقط، بل مع ذلك فقد أحسَنوا تمثيلَ الدعوة وتجسيدَها بمعيشتهم وأحوالهم.

ومما يلفت الانتباه أن كلمة “مُهْتَدُونَ” جاءت في جملة اسمية، ومن باب “الافتعال”، ومجيئُها في جملة اسمية يدل على الثبات والدوام، ويبين أنهم لم يغيروا من طَورهم وسلوكياتهم ألبتة، بل ظلُّوا دائمًا يسيرون على الهداية والاستقامة، أما مجيء اللفظ من باب الافتعال فيشير إلى أنهم جعلوا الهداية بُعدًا من أبعاد طبيعتهم، فمن الأهمية بمكان أن يكون الصدق والاستقامة جزءًا من طبيعة الإنسان، وأن يكتسب سمةَ الدوام والاستمرارية.

والواقع أن الحفاظ على الإخلاص والاستقامة أمرٌ صعبٌ لا يتيسّرُ للجميع، ولا شك أن الذين يمثلون أعلى ذرى الإخلاص هم الأنبياء، وكما أنهم لم يتشوفوا إلى أي أجرٍ مقابل قيامهم بوظيفة التبليغ فكذلك لم يفكّروا في أن يتركوا ثروةً من ورائهم؛ فقد ارتحل خاتمُ الأنبياء صلى الله عليه وسلم إلى أفق روحه ودرعُه مرهونة عند يهودي، ولم يترك لأزواجه الطاهرات إلا ما يكفيهن قوت يومهن.

وكذلك جعل الممثلون الصادقون لنهج النبوة الإخلاصَ وعدمَ التشوف للأجر مبدأً حياتيًّا لهم، ويمكن القول إن أعظم مَن مثّل هذا الأمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم هم الخلفاء الراشدون وسيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم، غير أن الكثيرين لم يمثلوا ذروة الإخلاص، ولكن حقّقوا نوعًا من الاستقامة والعدالة النسبية ، ولم يوفّقوا إلى تحقيق العدالة المحضة الحقيقية، فكان قبولهم بقدر قربهم من الحقيقة.

يقول الأستاذ النورسي رحمه الله في “المكتوبات”: “نحن مكلَّفون باتباع الأنبياء من أجل نشر الحق وتبليغه”[1]، ويذكرنا في هذا السياق بالآية التي تقول: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ﴾ (سورة هُودٍ: 11/29)، وهي مدلول كلام “حبيب النجار”، والصوت والنفَس المشترك لجميع الأنبياء، ولهذا لم يقبل الأستاذ النورسي هدية من أحد، وفضلًا عن عدم قبول الهدية فقد عاش حياة بسيطة متواضعة، وكان يقدِّم كشفَ حسابٍ دائمًا عن معيشته، وبذلك جنّبَ نفسَه الطعنَ فيه والنَّيلَ منه، فلم يجرؤ أحد أن يقول: “لقد اشترى كذا، وأكل كذا، وجمع كذا، وقد كان يملك من الثروات في مكان كذا وكذا”، وبذلك أشار وعبّر في أبهى حلة وتمامِ جِدّيّةٍ عن إمكانيةِ وراثةِ دعوى النبوة.

إن السير على طريق الهداية، وعدم التشوف لأجر مقابل الخدمات المبذولة؛ من الأسس الحياتية المهمة بالنسبة لأبطال التبليغ اليوم، فالوظيفة التي تقع على عاتقهم اليوم هي أن يكونوا محتسبين غير متشوفين لأجر مهما كلفهم ذلك، حتى إنه ينبغي ألا تكون الغاية الأساسية من هذه الخدمات هي الفوز بالجنة أو النجاة من النار، وإن كان لا بد من طلب الجنة فلا بد أن يكون هذا أملًا في فضل الله ورحمته وكرمه، وكذلك النجاة من النار لا بد أن تكون مرهونة بمغفرة الله ورحمته الواسعة التي سبقت غضبه.

ولا يصح استغلال الخدمات المبذولة في سبيل الله في الحصول على شيء مادي أو معنوي، دنيوي أو أخروي، بل لو افترضنا محالًا أن مقام “الجيلاني” قد قُدِّم إليكم على صينية من ذهب، وقيل لكم: “هذا مقابل ما بذلتموه من خدمات”، فينبغي أن يكون ردُّكم: “إنَّ ربطَ الخدمات المبذولة بمقابلٍ مثل هذا لهو شيءٌ زهيدٌ جدًّا؛ لأننا لا نرغب إلا في رضا الله ومرضاته فحسب”.

وإن ماهية الفوز برضا الله، والوصول إلى المعية الإلهية لا علم لنا بها، ولا سبيل لنا أن نتنبّأ كيف سيظهر لنا ذلك في الآخرة، ولا نستطيع أن ندرك مدى الانشراح الذي سيُحْدِثه في قلوبِنا قولُ الله تعالى لنا: “إني راض عنكم”، ولا قدرَ اللذة العظيمة التي سنعيشها من فورنا عند حدوث ذلك، ولا صنوفَ النعيم التي ستُشعرنا بها هذه الكلمة، ولكننا نعلم انطلاقًا من الآية الكريمة التي تقول: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (سورة التَّوْبَةِ: 9/72)، أنه ليس هناك نعمة أعظم من رضا الله، ولذلك فإننا لا ننشد غيره.

أجل، يجب ألا يكون هدف الذين يسعون في طريق الخدمة الإيمانية والقرآنية سوى رضا الله تعالى فحسب، وألا يفكروا في شيء غير هذا، وألا يتخذوا خدماتهم وسيلةً لنيل مقام أو منصب أو شهرة أو أي مكاسب دنيوية، أو لإظهار أنفسهم، وأن يعبروا عن أفكارهم هذه في كل زمان ومكان، وأن يؤكدوا بكل الوسائل أنهم لا يسعون وراء الدنيا، ولا يطلبون إدارةً أو حكمًا، وليس لهم أية أغراض سياسية؛ لأننا في عصرٍ يعاني فيه كثيرون من الهوسِ وجنونِ العَظَمة ويتحركون وفقًا لأوهامهم، قد أسَرَتهم مطامعُهم، وجعلوا أفكارهم ومشاعرهم رهينةَ آمالهم وتطلُّعاتهم، ويظنُّون الجميع مثلهم، ولذا فثمة حاجة ماسة إلى أن نعبّر في كل مناسبة أننا لسنا هكذا، وأن نكذِّب ذلك عن طريق الفعلِ والحالِ أيضًا.

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب الثاني، ص 15.

القيم الأوْلَى بمزيد من الاهتمام

Herkul | | العربية

إلى اليوم والتعريف بالإسلام -مع الأسف- يجري بشكل خاطئ للغاية، مما أدى إلى تشكُّلِ تصوُّرات وانطباعات خاطئة عن الإسلام والمسلمين، بالإضافة إلى أنه لم تَعُدْ لدى الغالبية العظمى من المسلمين -وليس الذين يدينون بديانات مختلفة فقط- معرفةٌ سليمة بالذات الإلهية، لدرجة أن مفهوم الذات الإلهية أصبح عرضةً لمفاهيم قاصرةٍ منحرفةٍ، كما أُطلِقت في المحافل المختلفة ادعاءات وافتراءات لا يتصوّرُها العقل حول شخصية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبوّته وزواجه وهجرته ومناحي حياته الأخرى؛ بشكلٍ يُشْعِرُ بالحرج من نقلها والكشفِ عنها.

   التكامل بين المعاناة والحركة

وإن إنقاذَ الإنسانية من مثل هذه المفاهيم الخاطئة، وتصحيحَ الأفكار المغلوطةِ المتعلقةِ بالألوهيّةِ والنبوّةِ، وحسنَ شرح الحقائق الدينية لَمِن صميمِ المسؤوليات الواقعة على عاتق جميع المسلمين اليوم، فإن لم يستطع هؤلاء التعبير عن ربهم ونبيهم اللذين يؤمنون بهما فمن يستطيع إذًا؟! ليس الحلُّ هو الشعور بالغضب والاستياء من الأفكار الخاطئة الضالة، ولا الحزنُ إزاء تدحرج الناس في جهنم، ولا البكاءُ والتحسّرُ على وضع المسلمين البائس، ولا تسطيرُ ملاحم حماسية متعلّقة بالإسلام، وإنما المهمّ هو الكفاح والسعي والمحاولة الدؤوبة للقيام بشيء ما.

إن الألم الذي يشعر به المرء إزاء جهلِ الإنسانية، وبُعدِها عن دينها، وعدمِ معرفتها بربها يجب ألا يكون مجرد تنهيدة جافة.. ومما لا شك فيه أن لمثل هذه التنهيدة والألم والمعاناة أهميةً أيضًا، فَحالُ الإنسان الذي يتضعضع أمام مشاكل الإنسانية، حتى يفرّ النوم من عينينه، فيغدو ويروح كالمجنون؛ إنما هو جدير بالتقدير والإعجاب.. وهو دليلٌ على رحابة شفقته، وعظمة حساسيّته ودقّته، ولكن المهم هو أن يتحول هذا الانفعال الداخلي إلى واقع عملي، فبدلًا من أن يترنح الإنسان يمنة ويسرة كالمجنون عليه أن يتجول بين الناس، وأن يبذل سعيه على الدوام، فمن جهة يسعى لأن يكون نموذجًا إسلاميًّا يُحتذى به، ومن جهة أخرى ينفذ إلى قلوب الآخرين بصوته ونفَسه الممتلئين بالصدق والإخلاص بينما يعرض نموذجًا طيبًا عن الإسلام.

أجل، لا يجدر بالفرد أن يقف عاطلًا، بل عليه أن يحوِّل أفكاره ومشاعره إلى عمل واقعي، وأن يسعى إلى استخدام كل ما يملك من إمكانيات في سبيل مالك الملك سبحانه وتعالى، فمثلًا أرباب القلم عليهم أن يستخدموا قلمهم في التعريف برب العالمين والتبليغ عنه، وليس من أجل التعبير عن أنفسهم بعبارات مُنَمَّقَة؛ فالإنسان الذي يتمتع بالقدرة على نظم الشعر لا ينبغي له أن يثرثر بكلام لا معنى له ولا غاية، بل يعمل على إثارة الحماس في القلوب إزاء القيم التي يؤمن بها، فلا يتحرك بمنطق: “الفن من أجل الفن”، بل يستعمل كل ضروب النظم والنثر ليكون صوتًا ونفَسًا للحق والحقيقة.

وبغض النظر عن العمل الذي يضطلع به الكاتب سواء أكان قصة أو رواية أو سيناريو لفيلم فلا بد من سمو الغاية التي يصبو إليها، وإبراز منظومة قيمنا الذاتية من خلال هذا العمل، ولا تُهمَل أية ساحة تعود بالنفع على الناس. 

فعلى من لديهم القدرة على الخطابة والإلقاء وتأليف القصص ونظم الأشعار والمدائح وكتابة السيناريوهات أن يعبروا بخطبهم وبياناتهم وقصصهم وأشعارهم ومدائحهم وأفلامهم ومسلسلاتهم عن عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم وصدقه وفطنته بكل أبعادها، وأن يزيلوا من الأذهان كلَّ شكٍّ أو شبهةٍ تدور حوله، فلا يبقَ في الأذهان أدنى شكّ في هذه الشخصية الفاضلة؛ لأنه بقدر قوة إيمان الناس بمفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم تكون درجة التفافهم حول الرسالة التي جاء بها إليهم، وأيُّ شكٍّ أو شبهة تجاهه يتبعُها شكٌّ وشبهةٌ في رسالته معاذ الله!

   تعريف الإنسانية برسول الله صلى الله عليه وسلم

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر، وليس بإله، فهو شخصية عظيمة، صنعه الله على عينه؛ لتحيا الإنسانية بفضله من جديد، ويتحقق على يديه -بإذن الله- انبعاثٌ جديد على مستوى العالم، فكما أن إسرافيل عليه السلام يكون سببًا في بعث الموتى عند نفخه في الصور، فكذلك هو صلى الله عليه وسلم، اختصه الله تعالى بمهمة بعث الإنسانية من جديد بعد أن ماتت روحًا ومعنى، فلا يصح النظر إليه على أنه إنسان عادي، ولا اعتبارُه شخصًا متوسّط المستوى، ولا التشكيكُ فيه، ولا المساءلة عنه، وإنَّ تعريفَ الآخرين بذلك يُعدّ مسؤولية عظمى تقع على عاتق الذين تعرفوا عليه بشكلٍ يتناسب مع قامته وقدره العظيمين.

وبغض النظر عن الوسيلة سواء أكانت شفهية أو كتابية أو مرئية أو مسموعة فلا بد من استغلالها جميعًا في هذا الاتجاه، وأن نزرع في قلب الإنسانية بقصصنا وأشعارنا ومسلسلاتنا وأفلامنا محبةَ النبي صلى الله عليه وسلم وفكرةَ النبوة الصحيحة، كثيرًا ما شاهدتُ فيلم “الرسالة” للمخرج مصطفى العقاد، ورغم ما فيه من أخطاء وقصور وثغرات منطقية ففي كل مرة أشاهده يطبع في نفسي تأثيرًا مختلفًا عميقًا؛ فكما يقول المثل العربي: “ليس من رأى كمن سمع”، ورغم معرفتنا بأنه لا يعدو كونه فيلمًا إلا أننا لا نستطيع أن نخفي إعجابنا بالرسالة التي يقدمها، والانقلاب الذي يُحدثه، والتغيير الذي يحققه.

فلِمَ لا نقدم الأفكار البلورية حول النبي صلى الله عليه وسلم بحيوية هذه الأفلام والمسلسلات على الأجيال الشابة؟! ولِم لا نثير في الناس تعاطفًا قلبيًّا تجاهه صلى الله عليه وسلم باستغلال كل التقنيات والإمكانيات المتوفرة في عصرنا؟! ولم لا نُظهر الحلول والوصفات العلاجية التي قدمها النبي صلى الله عليه وسلم للمشاكل المتداخلة التي تعيشها الإنسانية اليوم؟! والأكثر من ذلك لم لا نزرع في نفوس الجميع أن السيدة عائشة رضي الله عنها هي واحدة من أمهات المؤمنين المباركات التي تتوَّج بها الرؤوس؟! ولم لا نظهِر -عن طريق الأفلام والمسلسلات- عظمةَ سادتنا أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين؟! ولم لا نُصلِح ما تسببه بعضُ المتكلمين من تشقّقات وتصدّعات حول سيرة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين؟!  

إن كل واحدة من هذه المسائل تعدّ بذاتها وظيفة ملقاة على كل من يحمل حبًّا وتقديرًا واحترامًا للصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فقد أسهم هؤلاء الصحابة بدور كبير في نقل الإسلام غضًّا طريًّا إلينا، وصانوا الدين بأرواحهم، ونشروه بكل أرجاء العالم، ونقلوه إلينا بشكل صحيح، وتكفلوا بفهمنا الصحيح له عبر تمثيلاتهم الدقيقة وتفسيراتهم العميقة.

فثمة حاجة ماسة لتعريف الإنسانية من جديد بمفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم الذين نصروا الدين وذادوا عنه، وألا نتناول المسألة على أنها مجرد حكاية لحدث من أحداث السيرة أو عرض تسلسل زمني للأحداث، بل يجب سبر أغوار كل حادثة، وإسقاطها على الواقع، والتعامل مع عصر السعادة بمنطق فقه السيرة، وأن نكشف عن جانب فطنته صلى الله عليه وسلم، وهو جانبٌ عميقٌ وصعب المنال من خلال الأحداث الواقعية.

   ما يجبُ تصويب الهمّة نحوه

إن الوظيفة الأهم التي تقع على عاتقنا هي إعادة وضع القيم التي نُسيت وشوِّهت وحرِّفت في موضعها الصحيح، وعدم السماح لإثارة الشبهات حولها أو زعزعتها من قِبل البعض، ولذلك فإن الحاجة تدعو إلى تكثيف الهمة حول هذه النقطة أولًا، ويجب أن يستعمل الجميع كل إمكانياتهم وقدراتهم في هذا السبيل؛ ويجب على صاحب الصوت الجميل بنغماته، وصاحب البيان بكلماته، وأرباب القلم بأقلامهم، وكتّاب السيناريو بأفلامهم أن يسعوا جميعًا إلى بث شعور التوقير والاحترام في القلوب إزاء الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وكتابه الكريم.

وإذا ما نظرنا إلى حياة الأستاذ النورسي رحمه الله رحمة واسعة لألفيناه يحدد الأَوْلوِيات جيدًا، ويركّز ويكثّف همته على المسائل الأهم؛ لأنه أحسنَ قراءة عصره، فعمِل بما تقتضيه ظروف زمانه، وركّز على المسائل الإيمانية، وأسدى خدمات مهمّة للغاية مع حفنة من أتباعه المخلصين الملتفين حوله.. المهم هو تحديد مشاكل العصر واحتياجاته بشكلٍ صحيح أولًا، ثم اغتنام الفرص جيدًا، ثم تقديم الحلول المناسبة التي تفتّقت عن إعمالِ الذهن وتلاقحِ الأفكار.

باختصار لا بدّ من تنحية المسائل الفرعية جانبًا، والتركيز على ما يجب التركيز عليه، وإلا ما استطعنا حل المشاكل القائمة، أو التعبير عما نريد التعبير عنه، وربما هذه هي النقطة التي قصّرنا فيها، ولم نركّز عليها بقدر الكفاية.

مواجهة النفس إزاء حسد الحاسدين

Herkul | | العربية

   سؤال: إن الخدمات التي يُسعى لإنجازها على مستوى العالم عبر تحمُّلِ تضحيات كبيرة وحقيقية، ومكابدة الغربة والحرمان قد تنظر إليها بعض الأوساط الدينية نظرةَ شكٍّ وريب، وقد يدعمون حملات التشويه والتشهير ضدها؛ فكيف تُقيّمون ذلك من وجهة نظركم؟

   الجواب: تحققت في تاريخنا الإسلامي إنجازاتٌ ونجاحات مهمة للغاية في مسألة خدمة الإسلام الدين المبين، ولا يمكننا التقليل من أهمية الخدمات الأسطورية للعثمانيين على وجه الخصوص، ولا نستطيع تجاهل اضطلاعهم بدور مخفر الشرطة في حماية العالم الإسلامي، وريادتهم له عدة قرون.. وحين ننتقل إلى الدار الآخرة سنرى ونفهم ما الذي تعنيه وتساويه كل هذه الجهود والمساعي لدى الحضرة الإلهية.. إلا أن لكل زمان حكمَه وظروفَه؛ إذ إن الخدمات التي يجب القيام بها إبان فترة يُتَّجه فيها نحو العولمة، ستكون أكثر اختلافًا من حيث طبيعة العمل.. وإذا تناولنا المسألة بفلسفة الإمام الشافعي أمكننا القول: “رضي الله عن أسلافنا أبدًا؛ لقد أنجزوا أعمالًا عظيمة بالنظر إلى ظروف عصرهم الذي عاشوه، لكنهم ومع ذلك فقد تركوا لنا أعمالًا كثيرة تنتظرنا كي نقوم بها”.

لقد فعلوا ما أمكنهم فعله بحسب ظروف الفترة التي عاشوها، وحملوا الأمانة بحق وسلموها إلى الأجيال اللاحقة.. ومع ذلك، وبقدر ما فعلوا وأنجزوا من أعمالٍ فقد فاتتهم أعمالٌ كثيرة أخرى، وهذا يعني أن الظروف لم تكن مواتية لتلك النوعية من الأعمال، كان من الصعب للغاية القيام بذلك على ظهور الجياد أو البغال أو الإبل، غير أنه في يومنا الحاضر يمكن إنجاز الأعمال المخطط لها وتنفيذها بشكل أسرع وبصورة أكثر عملية، وذلك بفضل إمكانيات الاتصال والتواصل التي تطورت.. لقد وضع الله سبحانه وتعالى التكنولوجيا والتقنية الحالية تحت تصرف أجيال اليوم، فانفتح المتطوعون على جميع أنحاء العالم عبر إجادتهم استخدام هذه التقنيات، وحققوا نجاحات عظيمة في البقاع التي ذهبوا إليها.

   المحاسبة ومواجهة النفس

نحن نعلم أن من قَدَّر كلَّ هذه المحاسن هو الله، ونقول دائمًا مثلما قال “الشيخ محمد لطفي أفندي”: “نعمة لم أكن أنا الحقير أهلًا لها، فما سر هذا اللطف والإحسان؟!” لأن الخدمات التي أُنجِزت حتى اليوم تكشف أن ثمة توجهًا إلهيًّا حاضرًا في المسألة يفوق بكثير الاستعداد والجدارة، فالله يبث عشقًا وحماسًا حقيقيًّا في قلب الأمة، وهي أيضًا تبذل قصارى جهدها في سبيل إعلاء كلمة الله؛ فتلتف حول الخدمات التي تجدها معقولة وتسعى إلى الوفاء بما يقع على عاتقها من مسؤولية في سبيل إقامة صرح روح الأمة.

إنني أندهش حين أرى عشق الهجرة والخدمة لدى الإخوة المنتشرين في بلاد مختلفة تاركين وطنهم ومنازلهم في سبيل حمل قيمنا الخاصة إلى جميع أنحاء العالم.. إنني أحار أمام الرغبة والحماس اللذين يمتلكونهما، والاتساق العالي الذي يظهرونه.. هذا يعني أن هناك دفعًا وسوقًا إلهيًّا؛ لأنه يستحيل على المنطق البسيط تفسيرُ انفتاحِ هؤلاء الشباب على كل أرجاء العالم وإنجازهم أعمالًا مُبهرة في مثل هذه المرحلة وقد داسوا كلَّ رغباتهم وأهوائهم بأقدامهم في مرحلة عمرية تتدفّق فيها دماؤهم نحو الدنيا والرغبات الجسمانية، ولما يكتسبوا بعد خبرة معيشية كبيرة، وقد تخرجوا حديثًا في الجامعة، ليس هذا سوى لطفٍ إلهيٍّ عظيم.. وما تجاهلُه ولا عدمُ تقديره أو شكرِه إلا نكرانٌ لنعمة الله تعالى.. كما أن عدم الدعاء لهؤلاء الرفاق يعتبر عدم وفاءٍ لهم، نسأل الله أن يمُنَّ على جميع إخواننا الموجودين في مختلف نواحي الحياة وأرجائها بالاستقامة، ويثبِّتهم، ويُوفِّقهم إلى تحقيق نجاحات أكبر وأعظم بكثير.

إننا إن نربط الأعمال التي تم إنجازها بذكائنا وإرادتنا وقوّتنا وقدرتنا نكنْ قد أشركنا عن غير قصد، وجعلنا أنفسنا -حاشا وكلا- شركاء لله في شؤونه وأفعاله، كما أن موقفَنا هذا يمكن أن يثير الحسد والغيرة ويؤدي بالآخرين إلى بعض الاختلالات والوقاحات والتجاوزات.

أعتقد أن لدينا بعض أوجه القصور في هذا الموضوع، وكما قال بعضهم؛ فقد وقعنا من فينة إلى أخرى في ملاحظات من قبيل: “نحن أحفاد عِرق يصنع الأبطال!”، لقد عجزنا عن إدراك أن الله الذي تتجلى قدرته في إنجاز الأعمال العظيمة من عناصر صغيرة بسيطة، قد منَّ بذلك علينا أيضًا، لم نتمكن من التصرف وفقًا لهذه الفلسفة والفهم.. ربما نكون قد أزعجْنا الآخرين بمواقفنا وسلوكياتنا دون أن ندرك ذلك، فتسببت مواقفنا في خلق نوع من ردِّ الفعل لديهم بفعل تأثير لا يمكننا معرفته، وحتى لا يُفهم خطأ؛ إنني لا أستخف بأحدٍ يدافع عن الخدمة الإيمانية والمهمة القرآنية، فلكلٍّ منهم قيمةٌ وقدرٌ مستقلَّين في نظري، لكنني أقول هذا إيفاءً بحق الله ومواجهة لأنفسنا.

واجبنا هو مراقبة أنفسنا بشكل مستمر والتحقق من جميع الأعمال التي نقوم بها، يجب أن نسأل أنفسَنا دائمًا: تُرى هل نحن على الطريق الصحيح؟ هل يمكننا فعلًا تقديم الخدمات التي نقوم بها دون الدخول في أية تشوُّفات دنيوية أو أخروية تتعلق بالمستقبل؟ إنني شخصيًّا، أعتبر قولَ: “إلهي، إننا نسعى ونضحي في سبيل إبلاغ الآخرين بثقافتنا وقيمنا.. أرجوك أدخلني الجنة!”؛ سوءَ أدب مع الله تعالى، إنني لا أستسيغ لنفسي ولو حتى التشوف إلى شيء أخروي إلا رضاه جل وعلا، أسأل الله دائمًا أن يُحَوِّل إدبار أمتنا التي انحنى ظهرها إلى إقبال، وأن يُقوِّم احديداب العالم الإسلامي، وأن تتمكن الإنسانية من العيش في سلام وطمأنينة، وأعتبر ما دون ذلك من طلب للرغبات الجسدية والبدنية مثل نيل الجنان والحور العين والقصور سوء أدبٍ من حيث صلتي بالله، وأستعيذ بالله من هذا أيضًا.

هذه هي أصوات قلبي.. وإلا، فإن طلب الجنة والاستعاذة بالله من جهنم؛ إنما ذلك من مطالب ديننا المشروعة؛ إذ نطلب هذا في أدعية الصباح والمساء. نعم، إننا نسأل الله الجنة، ونرجوه الوقاية من النار لأن ديننا أجاز ذلك.. هذه مسألة مختلفة.. لكننا لا نرهن ما نفعله وما سنفعله في سبيل الله بالحصول على مجموعة من المكافآت الدنيوية أو الأُخروية، نرى هذا أمرًا دنيويًّا وجسديًّا وأنانيًّا، ونبتعد عنه فراسخ وفراسخ، نحن لا نفكر في الأهداف الدنيوية مثل تقلد الوزارة أو رئاسة الوزراء، ونرى التوقف عن طلب رضا الله وتوجيه قلوبنا لنيل مثل هذه الرتب الدنيوية أمرًا يشبه الانحدار من أعلى المراتب إلى أدنى الدركات.

يجب أن تكون هذه الاعتبارات متأصِّلةً في نفوسنا بشكل جيد للغاية، وينبغي ألا تلوِّثَ عقولَنا فكرةُ أننا قمنا بشيء، أو أن نرى أنفسنا شيئًا.. والتفكيرُ السليمُ يجب أن يكون من قبيل: لو كان في مكاننا أناسٌ مؤهَّلون ومجهّزون بالمؤهلات العالية، يعملون بعزم نبويٍّ، فمن يدري ما هي التطورات العظيمة التي كان من المحتمل حدوثُها! ولكن ماذا عسانا أن نفعل! فها نحن موجودون بدلًا منهم! لقد صارت المناوبة والعمل مسؤوليتنا.. ومن يدري، ربما نكون قد وقعنا في خيانة القضية”.. إذا تعاملنا مع القضية بهذه الطريقة، فقد نغمر الرغبات والأوهام التي بداخلنا، ولن نسمح لها بالخروج من لساننا، ولا الظهور في قسمات وجوهنا، ولا أن تشكل مواقفنا وسلوكياتنا. نعم، يجب أولًا أن ننظر إلى الأمر من زاوية أنفسنا؛ لأن هذه هي النقطة التي تهمنا في المقام الأول.

   الحَسَدَة

مع الأسف نجد من جهة أخرى مجموعة من المؤمنين لا ينظرون للخدمات المقامة على أنها لطفٌ وفضلٌ وإحسانٌ ومنٌّ مِنَ الله تعالى، وبالتالي تكون نظرتُهم لكم مشوبَةٌ بالحسد والغيرة، وهناك مجموعة أخرى ينظرون لكم نظرة عداوة وحقدٍ يسبب إظهاركم للدين والتدين، ولذلك فهم يتخذون موقفًا مضادًّا لكم، ويناجزونكم بفعاليات عدائية، وينتهزون كلَّ فرصةٍ لكي يردوكم عن طريقكم، إنهم لا يستطيعون تقبل الفاعليات الخدمية التي تقدمونها، ويحاولون تشويه صورتكم تحت مسميات وعناوين مختلفة، فيعملون أحيانًا على تصيد الأخطاء فيما تنجزونه، وأحيانًا أخرى يتهمونكم بخدمة مصالح لقوى خارجية من أجل تشويه صورتكم والحطِّ من اعتباركم، ويرون أن الانفتاح الذي تقومون به على كل أنحاء العالم هو مشروع جنوني، بل ويعتبرون ما تقومون به من فتح قلوب آلاف البشر، وتعلّمهم للغَتِكم، ومحبّتهم لقِيَمِكم، أو على الأقل احترامهم لقيمكم، كل هذا يعدونه والعدم سواء، ولا يريدون فهم القيمة المستقبلية لما تقومون به من فاعليات ومشاريع ستعم فوائدها العالم. ويتغاضون عن الخطوات الهامة التي اتُّخِذت لإحلال جوٍّ عام من الهدوء والسلام، وعن إقامة جسور الصداقة وزرعِ بذور المحبة والتسامح في كل مكان حول العالم.

بيد أننا ننظر للمسألة على أنها توجيه من المولى تعالى واستخدام منه لنا، ولكنهم ينشغلون في الأسباب، ولا يرون أحدًا سواكم وراء تحقيق هذه الجماليات، ومن ثم ينظرون للخدمات التي تُقام حول العالم على أنها نوع من (التحزّب) أو (التمذهب).. ولأنهم لا يوجهون أنظارهم إلى صاحب هذا التوفيق سبحانه وتعالى، أو لكونهم لا ينظرون للأعمال من جهة الحِسِّ السليم والمنطق العقلي، فإنهم يتخذون عداوة (الفلانيين) و(العلانيين) مسلكًا ينتهجونه.

وهناك قسم آخر منذ زمن وهم يدَّعون تمسكهم بالقرآن والسنة وحمل راية الدين؛ ولكنهم باؤوا بالفشل مرات ومرات، ولم يحالفهم التوفيق، وحتى إن رأوا وظنوا أنفسهم عظماء إلا أنهم لم يخطوا خطوتين في اتجاه تمثيل الدعوة التي يدعون أنهم يمثلونها؛ ولكن من جهة أخرى نجد الحق سبحانه يوفق النملة إلى إنجاز ما يعجز عنه الفيل ووحيد القرن، لكن هؤلاء لم يدركوا ذلك ولم يستوعبوه، فربطوا الجماليات المتحققة بفلان وعلان، ولذلك لم يقبلوا قيام أشخاص آخرين بأمورٍ تمنّوا القيامَ بها ولم يستطيعوا، ولذلك فقد أخذوا موقف الجبهة المضادة، فأصبح هناك قسم يعادونكم بسبب طبيعتهم الجِبِلِّيَّةِ، وقِسمٌ آخر بسبب الحسد وحس التنافس.

   إغلاق طريق الحسد

وفي مواجهة كل هذه الحوادث والأمور، يقع على عاتقنا، محاسبة أنفسنا وإعادة النظر في أخطائنا من جهة، ومن وجهة أخرى إيجاد سبل ومناهج لتعديل سلوكهم هذا، كأن تقوموا معهم بمشروعات مشتركة، إذ من غير الممكن إجبار الآخرين على سماع ما نقول وما نشرح، ولكن يمكنكم القيام بمشاريع مشتركة مع أشخاص يفكرون مثلكم ويسيرون تجاه نفس هدفكم، وأيًّا ما كان الاختلاف في المشرب والمذهب فإنه من الممكن الاتحاد من أجل غاية مثالية، ويمكنكم تحقيق مشروع يتفق عليه الجميع، ويمكنكم أيضًا التعاون مع الأشخاص الذين يشاركونكم في بعض المشاعر والأفكار، ويمكنكم إقامة فاعليات مشتركة معهم ويمكنكم إعطاؤهم ساحة خاصة للعمل.

وهكذا يمكنكم من خلال ذلك أن تحفظوهم ولو حتى بقدر ما من الوقوع في المعصية، والغيبة، وتعديل مشاعر التنافس والغيرة والحسد لديهم، وهكذا تحافظون على سلامتكم أثناء سيركم في هذا الطريق، وتحولون دون ازدحام وتعطُّل الطريق، وكذلك تحافظون على مشاعر الوحدة والاتحاد، والإخلاص والصميمية، فأينما وقعت الغيبة والافتراء وتشويه السمعة بين المؤمنين، يفسد الوفاق والاتفاق وتنقطع عناية الله، فلا يجب أن ننسى أنَّ لطفَ الحق سبحانه وعنايتَه مرتبطةٌ بالوحدة وعدم التفرق.

وكذلك فعلينا في مواجهة تلك السلبيات أن نراجع أسلوبنا مرة أخرى، فحتى وإن كنتم أصفياء منزهين كالملائكة في أداء خدمتكم، إلا أن عدم اتباعكم الأسلوب الأمثل قد يولد قسمًا من المشكلات والأعطال، ولذلك فعليكم إظهار تعاطف جاد أثناء حديثكم وفهم مشاعر مخاطبيكم أثناء الحديث معهم، وعليكم أن تبتعدوا عن الألفاظ التي تشير إلى الأنانية الجماعية والكلمات التي تؤدي إلى النفور والإعراض، وأن تطيبوا نفوسهم وتسترضوهم في كل فرصة، مثلًا إذا جاءكم أحدهم قائلًا: (رضي الله عنكم وجزاكم خيرًا على ما قدمتموه من خدمات)، فعليكم أن تجيبوه بقولكم: (نستغفر الله، فلولا الفلانيون والعلانيون هؤلاء وتمهيدهم الطريق لنا، وكسرُهم حِدّة وشِدّةَ الجوِّ العام، لما كنا نستطيع القيام بهذا الأمر ألبتة) وهذه الإجابة ليست من قبيل المداراة في الكلام ولكنها تعبير صادق عن الحقيقة.

وعلى من نذروا أنفسهم للخدمة أن يتحروا الدقة البالغة في ألفاظهم وكلماتهم، وأطوارهم وأحوالهم وتصرفاتهم، ويجب أن يكونوا على وعي تام بأن أقوالهم وتصرفاتهم لن تكون مقصورة عليهم فحسب، بل إنها ستُرَوَّجُ وتُذاع في المجتمع بأكمله، فعليهم أن يتحلوا بأعلى درجات الحساسية حتى لا يتسببوا في تشويه وتلطيخ صورة جماعة كبيرة، فإنهم بجانب تضحياتهم عليهم أيضًا ألا يسمحوا لأحد أن يتصيد خطأ أو يجد الفرصة لتشويه هذه الحركة الطيبة.

ولذلك فنحن لا نتخذ طور الهجوم على الآخرين كما يفعل البعض، ولا يمكن أن نواجه لكماتهم بمثلها، ولا يمكننا أن نقابل خطأهم بخطإ؛ حتى لا نفتح المجال لاتساع الدائرة الفاسدة، وبذات الوقت فإنه لا يمكننا أن نغض الطرف عن سقوط جميع القيم وانهيارها في قاع بئر التعارض والتساقط، إذًا فماذا علينا أن نفعل؟ ينبغي لنا أن نكون مثل “يونس أمره” الذي يقول: “لا يد لي لمن ضربني، ولا لسان لي لمن سبني، ولا قلب لي يؤذي من كسر قلبي”.

ولكن يمكننا أن ندافع عن حقوقنا داخل دائرة القانون فنوضح، ونصحح الأكاذيب، ويمكن رفع دعاوى التعويض وما وراء ذلك من الطرق القانونية، وهذه مسألة مختلفة، لكن لا نقوم بالرد مباشرة على كل من يتحدث عنا، ولا نقابل غوغائية الآخرين بنفس الشكل.. كما يجب علينا ألّا نحطّ من هويتنا بأي شكل من أشكال الرد على الأقوال والأفعال السيئة، لأن مثل تلك الأطوار المستقبحة لا تليق بالمؤمن، أما نحن فنحزن على حال هؤلاء الذين أعماهم الكره، ووقعوا أسرى لمشاعر الحقد والعداوة، ونشفق عليهم، وكما يعبر القرآن أن الكلَّ يعمل على شاكلته، ويفعل ما يليق به؛ قد يثقل على أنفسنا أن نصمت تجاه ما نتعرض له من مساوئ؛ ولكن كلما كبرت مشاعر الكره والعداوة ولم تكبر مشاعر الحب والشفقة والرأفة في قلوبكم، فلن تستطيعوا التغلب على الفتن والعداوات التي تحيط بكم.

وفي هذا الخصوص أيضًا يُعَدُّ التواضع والمحوية أساسًا مهمًّا، وقد توقّفْنا على المسألة بعض الشيء أعلاه، فلو أنكم قدمتم أنفسكم وربطتم المسألة بأنانيتكم، وصرتم تصدرون أصواتًا عالية مثل طبلة المسحراتي فلن يخلو طريقكم من التضارب والتعارض، ولكن إن اتخذتم رضاء الحق سبحانه وتعالى أساسًا لكم وتحركتم في حدود ما أمر به سبحانه، وأعليتم قدر الحق في نفوسكم، فلن يسلط الله سبحانه الآخرين عليكم ليسحقوكم ولن يحكم عليكم بالفناء.. والواقع حتى اليوم أن من يبحث عن المقام والشهرة خسر، وأن من التزم مسلك التواضع والمحوية فاز، فليس المهم إثبات الوجود في نظر الغير، ولكن المهم هو أن نكون مؤهلين للنظر الإلهي.

وباختصار، إن الواجب عليكم فعله هو إنجاز الخدمات بصورة مستمرة، مع الأخذ في الاعتبار القضاء أو على الأقل التخفيف مما قد يتكون داخل المجتمع من عداوة أو عدم راحة تجاهكم، والقيام بكل ما يلزم بخصوص هذا الأمر، وما تقومون بفعله يجب ألا يثير حفيظة الآخرين، ولا مشاعر الحسد، ولا الخوف أو القلق، بل يجب أن يكون العملُ محفوفًا دائمًا بالتمكين والتيقُّظ.

ورغم كل هذا فهناك أشخاص لن يستريحوا لما تقومون به من خدمات، وسيستمرون في عداوتكم، وهناك بعض الطبائع والشخصيات سيقفون ضدكم بسبب عدم اشتراكهم في تلك الأعمال وبسبب كمية وكيفية الخدمات المقامة، فيجب عدم الاستهانة بمشاعر الحسد وعدم القبول، ولكن المهم هو قيامكم بما يتوجب عليكم فعله وأداؤكم له حقّ الأداء.

التصرف السليم إزاء التعيينات وتكليفات العمل

Herkul | | العربية

   سؤال: ما التصرف السليم تجاه التعيينات والتكليفات بالعمل التي تتم في مؤسسةٍ ما؟

   الجواب: إن ضمان استمرارية نظام التعيين والتوظيف في أية مؤسسة دون قصور أو خلل يعتمد في الأساس على توافر شعور الثقة المتبادلة بين الإدارة والموظفين العاملين تحت مظلتها، ولو أن من يمتلكون سلطة توظيف الناس، وكذلك الذين يتحملون وظائف ومسؤوليات معينة يقومون بأداء حق الأمانة التي حُمِّلوها، ويتجنبون الوقوع ولو حتى في أدنى أنواع الخيانة، ويبثون الثقة فيمن حولهم لَما حدثت مشكلة ولا حتى احتقان في النظام.

   المسؤوليات الواقعة على كاهل هيئة التعيين

زيادةً في التوضيح يجب على المسؤولين عن التعيينات مراعاةُ مبدإ المساواة في معاملة الجميع، وألا يُحابوا أحدًا، وألا يقوموا بأفعالٍ مبنية على الحسابات الشخصية، بل يجب عليهم أن يُراعوا أوضاع مَنْ يُعيّنونهم، وأن يتصرّفوا وفقًا للمصلحة العامة، ذلك أنهم إذا فكروا في مصالحهم الشخصية وانصاعوا لوساوس أنفسهم، فقد أكلوا حقّ العباد، وسيحاسبهم الله على ذلك، وإن لم يُحاسَبوا على ذلك في هذه الدنيا، فإنهم سيُحاسبون عليه في الآخرة حيث تنكشف جميع الأسرار، وعندها يتحرّقون خجلًا وحرَجًا في حضرة الله بسبب ما في قلوبهم من أحقاد وسوء نيّة وحسابات شخصية.

يجب على مَنْ هم في موقعٍ يسمح لهم بقيادة الناس وإدارتهم أن يراعوا قدرة الأشخاص الذين سيكلفونهم بالعمل وملَكَاتهم؛ فقد أعطى الله ملَكاتٍ وقابلياتٍ مختلفةً للجميع، على سبيل المثال قد يكون أحدهم رجلَ نظام وانضباط بشكل كامل.. ويكون آخر ذا همة بحثية عالية؛ فهو يتجول باستمرار بين الكتب، يفتش فيها فيعثر على أفكار أصلية ويستخرجها.. وآخر لديه روح فنية رائعة.. وآخر لديه قدرة على البيان؛ يعرف كيف يتكلم وأين وكيف يتحدث… إلخ. إذا تم توظيف كل واحد من هؤلاء حسب قدرته وموقعه، فسوف يُوفَّقون بإذن الله تعالى.

لكل فرد جانبٌ يتقنه ويبرز فيه، والمهم هو اكتشاف وتحديد هذا الجانب بشكل صحيح، وتوزيع المهام والوظائف وفقًا لذلك، فمثلًا إن تُجْبِروا شخصًا لم يرسم يومًا في حياته على رسم صورة، أو إن تتوقعوا من شخص لم يُمسك قلمًا طيلة حياته أن يكتب مقالًا جميلًا أو أن تقترحوا على شخص محروم من البيان أن يُلقي خطبة؛ فمن المرجح ألا يروقكم العمل الذي سينتج عن ذلك، إذا كنتم لا ترغبون في التسبُّبِ بهذه النوعية من الأعطال وأوجه القصور والخلل فعليكم أن تسعوا إلى اتخاذ خيارات صائبة منذ البداية.

لقد كانت تكليفات رسول الله صلى الله عليه وسلم في محلها تمامًا، فما من أحد وظَّفَه في مكانٍ يستهدف منه تحقيق شيء ما إلا وقد تحقّق ذلك الهدف؛ لأنه عليه الصلاة والسلام يعرف جيّدًا ملكات وإمكانات أصحابه، وفي أي مجال يمكنهم أن ينجحوا، فكان يوظّفهم وفقًا لذلك، إنكم حتى وإن وصفتم النبي عليه الصلاة والسلام بالعبقري، فما منحتموه الدرجة التي يستحقها، إن الأنبياء أصحاب “فطنة”، وهي تفوق العبقرية بكثير وكثير.

نحن لسنا أنبياء، إننا لا نملك الفطنة النبوية مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أصحاب فراسة وكياسة بمستواه عليه الصلاة والسلام، قد لا نستطيع دائمًا قراءة الناس بشخصياتهم وسماتهم، ربما لا نتمكن من النظر إلى الحوادث نظرة مخروطية شاملة، ربما نخطئ في اختياراتنا، قد نظن أن “فلانًا يتقن هذا العمل”، إلا أننا نخطئ فلا تكون النتيجة كما نأمل، وعليه لا ينبغي ترك مثل هذا العمل المهم للمبادرات الشخصية، بل يجب أن يُحال إلى الوعي الجمعي، فإن تم تناول المشاكل بمبدإ المشورة؛ قلَّت احتمالية حدوث أخطاء، ذلك لأنه، وعلى حد قول سيدنا رسول الله: “مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ[1].

علاوة على ذلك، فإن القرارات التي تتخذها هيئة ذات معرفة وخبرة تُعتبر قرارات مقبولة لدى المعنيين بها؛ إذ يشعر الناس براحة أكثر إزاء تقديرات هيئة تتكون من أشخاص يحملون هذه الأوصاف والمؤهلات، فإن يجتمع أشخاص ذوو خبرة يعرفون المجال جيدًا، فيكلفون بمهام يمكن النجاح فيها فقد تمت الحيلولة دون الخسائر والأضرار التي قد تنشأ، ولم يُفسح المجال لخيبة الأمل والاستياء، وأثمرت الأعمال المنجزة بنجاحات كبيرة.

مسألة أخرى يجب على هيئة التعيين الانتباه إليها، ألا وهي إعداد مَنْ سيُكلفونهم بمهمة جديدة إعدادًا ذهنيًّا وفكريًّا بما يناسب تلك المهمة الجديدة، وتزويدهم بالمتطلبات والتجهيزات اللازمة المتعلقة بالعمل الذي سينجزونه، فمثلًا إذا كان ثمة أشخاصٌ سيرسَلون إلى مكان جديد، فيجب ضمان أن يتعرفوا بشكل جيد للغاية على الناس في ذلك المكان الجديد وعلى ثقافتهم وأن يعرفوا تفاصيل المهمة التي سيضطلعون بها، وذلك من خلال عقد ندوات ودورات وتنظيم عروض تقديمية تتعلق بها، يجب الوقوف على الصعوبات التي ستواجههم والمخاطر المحتملة بشأن العمل الذي سيقومون به، ويجب توضيح أهمية العمل الذي يتعين القيام به، والعملُ على أن يذهبوا لأداء المهمة المنوطة بهم وروحُهم المعنوية وحافزهم الذاتي عالٍ.

أمر آخر مهم هو الأسلوب الذي سيتم استخدامه عند الإعلان عن المهمة والكشف عنها، يجب على المسؤولين عن هذا الأمر أن يشرحوا للمكلفين بالمهمة الجديدة مدى أهمية مهمتهم شرحًا وافيًا جيدًا، وأسباب اختيارهم لهذه المهمة من ناحية، كما يجب عليهم، ومن ناحية أخرى أن يجعلوهم يعتقدون بأنهم يستطيعون القيام بعمل جيد أينما ذهبوا، وذلك بفضل علمهم وخبرتهم، يجب ألّا يُسمح أبدًا لأية شكوك بأن تساور أذهانهم، وألا يُسمح لأية عقدة أيضًا بأن تستقر في أنفسهم، كما يجب ألا يُسمح لأي استياء أو انزعاج بأن يتسلل إلى صدورهم.

   المسؤوليات الواقعة على عاتق المُوظفين

إن الواجب على هؤلاء المُعينين لوظائف مختلفة في بلدان ومدن شتى هي التعامل مع المسألة بحسن ظن واحترام للتكليف الصادر بحقهم، فإن لم يتصرفوا هكذا وراودتهم أفكار من قبيل: “إنهم يقصونني عن هنا لتأنيبي وتأديبي، مع أنني قد كوَّنت أرضية جاهزةً هنا، وكنت سأضطلع بأعمال أكثر فائدة، لا يمكنني أن أكون مفيدًا بهذا القدر حيث سأذهب”؛ فقد قيموا المسألة من جانب واحد ووفقًا لحساباتهم الخاصة، وكما أن موقف هؤلاء مجهول بالنسبة لأولئك، فإن موقف أولئك مبهم أيضًا بالنسبة لهؤلاء، لا أحد يستطيع أن يعرف نوايا أو أفكار أي شخص أو ما يدور في قلبه، لهذا السبب، نحن مأمورون بحسن الظن ما أمكن، فنفكر بإيجابية في المهمة المُناطة بنا، بل إننا نجد مجموعة من الأوجه المعقولة نحمل عليها الأشياء التي تبدو في الظاهر وكأن فيها تقليلًا للمرتبة، فنقول: “لا بد وأن ذلك المكان يحتاجني، لذلك فكروا في إرسالي إليه”، فنذهب إلى مهمتنا الجديدة دونما تردد، أي إننا نؤدي ما يُناط بنا ونقوم بدورنا، فإن كانت هناك بعض الاعتبارات والمآرب وراء هذه المسألة أحلناها إلى الله، وإلا فإن رضا كل فرد عن المهمة المكلف بها أو عدم رضاه عنها بحسب آرائه الشخصية تُكبّل إرادة الهيئات التي تتولى الإدارة، ويصير من المستحيل عمل توزيع جيد للمهام، وإنشاء آلية صحية لها.

إننا في معظم الأحيان لا نستطيع معرفة عاقبة الأمر؛ فما نراه في البداية شرًّا قد يكون مفيدًا لنا بالنظر إلى مآلاته، ومن ذلك على سبيل المثال، أننا عندما ننظر إلى حياة الأستاذ بديع الزمان، نرى أن ذلك الشخص العظيم قد نُفي من مكان إلى آخر؛ فقد تم ترحيله من جبل “أرك” ونُفي إلى “بارلا”، ومنها نُقل إلى “قسطمونى”، ثم إلى “دنيزلي” بعد مدة، وهكذا كانت حياته دائمًا في المنفى والسجون، تم ترحيله ونقله من مكان إلى آخر تجليًا للقدر، ولكن هذا قاده إلى نثر البذور أينما ذهب، وأن يوصِّل صوته وأنفاسه للمحتاجين، لقد حوَّل الظلم والجور والسجن إلى مكسب ونصر، وبعبارة أخرى، ينبغي ألا ننسى أن الله سبحانه وتعالى أحيانًا ما يكشف من خلال الاضطهاد والظلم الذي يقع على يد الناس، عما تقضي به مشيئته وإرادته أيضًا؛ فهذه الأعمال وإن بدت وكأن الناس هم من يقوم بها، إلا أنها في الواقع هي من تصرّف يد القدر.

إذا لم تكن هناك عقبة حقيقية فليس من الصواب عدم القيام بالمهمة المحددة، وعدمُ الذهاب إلى المكان المُشار إليه، أما اختلاق الأعذار لرفض ذلك فهو خطأ أكبر، لا بد من التصريح بالحقيقة مهما يكن، إن قول: “آسف، ليس لدي عذر في ذلك، لكن لا يمكنني الذهاب إلى مثل هذا المكان، لا يمكنني القيام بمثل هذه المهمة”؛ بصراحة ووضوح يجعل الموقف أكثر صحة وسلامة.

نعم، من القبح أن يستنكف الشخص عن وظيفة إيجابية وجيدة ويتخلى عن واجب ينبغي له القيام به، أما اختلاق الأعذار غير المعقولة وغير المنطقية، والتحجج بالوالدين، والأسرة والأطفال والصحب والرفاق فهو أعظم قبحًا.

بالإضافة إلى ذلك، قد يكون لدى الشخص المكلف بالمهمة الجديدة رأي مختلف بشأن هذه المهمة والتعيين المقرر، ولكن التعبير عنه بأسلوب مناسب من جملة واجباته أيضًا، كما أنه يُعتبر جانبًا من جوانب المشورة، فعلى سبيل المثال، يجب أن يقول: “أنتم توجهونني إلى الإرشاد والتبليغ، لكنني لست كفئًا في هذا المجال، سأكون أكثر نجاحًا إذا قمت بواجب مثل كذا”..

وقد تكون لدينا آراء شخصية أخرى؛ فربما قد تلقينا سابقًا تدريبًا في مجال مختلف، وبما أننا نمتلك شهادة في تخصص معين فيجب التعبير عن مثل هذه الحالات والتصريح بها، وإن واجب المسؤولين يتمثل في أن يضعوا كل هذه الأمور نصب أعينهم، ويتخذوا القرار وفقًا لذلك.

   طلب الوظيفة والتوقعات

غالبًا ما تكون هناك توقعات تتوارى وراء عدم الرضا والاعتراضات على التعيينات سواء في الدوائر الحكومية أو المنظمات غير الحكومية؛ فمَنْ يتطلعون إلى مناصب أعلى ومَنْ ينتظرون ترقية يفتعلون المشاكل عندما يتعذر عليهم نيل ما يأملونه؛ فيتخذون موقفًا ضد الوظائف التي يرونها بمثابة حطٍّ من الشأن، في حين أن هذا ليس صحيحًا، المهم هو أن يوفيَ الإنسان بحق إرادته ووضعه، وأن يقوم بواجباته ومسؤولياته بالطريقة المثالية، وعليه في أثناء القيام بذلك ألا يتشوف إلى أي شيء وألا يترك جانب الاستغناء، فالاستغناء مبدأ مهم جدًّا في الدين، ذلك أن من يقدرون الأمور حق قدرها إن لم يقدّرونه اليوم فسيقدرونه غدًا، ويأتون به إلى حيث يجب أن يكون، وما يظهر في هذا الشأن من طمع هو سبب الخسران؛ فالإنسان الطامع غالبًا ما يُقابل بعكس غرضه؛ ذلك لأن طمعكم يدفع الآخرين أيضًا للطمع، وهذا يثير مشاعر التنافس غير المحمود.

إن طلب تولي الإدارة والحكم لم يلق استحسانًا في الإسلام، ولم يُرحب به، ومن ذلك مثلًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفض طلبات الصحابة من أمثال سيدنا أبي ذر وسيدنا العباس اللذين طلبا الوظيفة، ويقول الشيخ بديع الزمان: “إن “التابعية” أفضل من “المتبوعية” التي هي سبب المسؤولية، ومكمن الخطر”، يجب أن يكون الأساس هو تقديم مَنْ يستطيعون النجاح، ويمكنهم إتقان العمل، ومنحهم الفرصة.

أجل، إنَّ طلبَ الإمارة أو الإدارة لم يحظَ بالترحيب والقبول في ديننا، إلا أن لهذا المبدإ العام بعض الاستثناءات، فمثلًا يمكن للإنسان في حال عدم وجود شخص غيره يستطيع القيام بعمل مهم أن يقول مثلما قال سيدنا يوسف عليه السلام: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة يُوسُفَ: 12/55)، وبالمثل لا يُسمح للمرء بالتحدث عن الدين بأريحية ما لم يتم تعيينه في بعض المهام والوظائف، وفي هذه الحالة يمكن للمرء أن يطلب تولي منبر جامع أو محرابه أو منصته وتحديث الناس عن الحق والحقيقة، وكذلك يمكنه أن يفكر في أن يطلب العمل بالتدريس في مركز تعليم للقرآن ويفكر في تعليم من هناك من الطلاب القرآنَ الكريم والحقائق الدينية.

باختصار، يجب على المرء عندما يطلب وظيفة أن يُحكِّم ضميره، ويسأل نفسه هذه الأسئلة: “هل أريد هذه الوظيفة لله حقًّا أم من أجل تحقيق الهيبة والوجاهة أو كسب بعض المصالح الدنيوية؟” يجب على كل إنسان أن يزن نفسه وفقًا لهذا الميزان، وأن يضبط ما سيتخذ من خطوات.

وكما هو معروفٌ فإن سيدنا عمر رضي الله عنه حين عزل سيدنا خالد بن الوليد عن قيادة الجيوش لم يعترض رضي الله عنه قطّ، بل واصل الحرب بين صفوف الجنود[2]، وبالمثل فإن أبا عبيدة الذي عينه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائدًا في سرية ذات السلال استطاع أن يتخلى عن حقه في القيادة كي لا يتسبب في وقوع خلاف[3]، إننا نطالع مثل هذه التضحيات التي بذلها الصحابة ونقدرها، ولكن المهم هو القدرة على الاقتداء بهم في هذا الموضوع والتمكن من القيام بما قاموا به كما ينبغي أن يكون الحال في كل مجال، إن التطبيق هو الأكثر أهمية من القراءة والمطالعة، فعلينا إن لم نتمكن من فعل هذا أن نترك هذه المعلومات كلها بين دفات الكتب إلى أن يأتيها من يقرؤونها ويجعلونها طبعًا وطبيعة فيهم!

لماذا نقرؤها؟!

إن كنا نعجز عن أن نتشكل وفقًا لهؤلاء فأية فائدة إذًا في قراءتها؟!

خلاصة القول إنه يجب على المرء أن يكون جاهزًا لأداء كل المهام دون أن يفرق بين كونها صغيرة أو كبيرة، يجب عليه أن يقبل أن يكون جنديًّا عاديًّا بدون حرج وانزعاج إذا لزم الأمر.

***

[1] الطبراني: المعجم الأوسط، 6/365.

[2] انظر: الحلبي: السيرة الحلبية، 3/279.

[3] انظر: سيرة ابن هشام، 2/623.

الهجرة

Herkul | | العربية

   سؤال: ذُكر في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزِن لموت سعد بن خولة[1] رضي الله عنه في مكة، ودعا الله: “اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ[2]؛ فما الرسائل المستفادة من هذا الحديث؟

   الجواب: بما أن الإطلاق يصرِف اللَّفظَ إلى كماله؛ فإن كلمة “الهجرة” عندما تُطلَقُ يُفهم منها مباشرة هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام من مكة إلى المدينة.. ربما تكون قد حدثت بعد ذلك هجرات أكثر صعوبة ومشقة وخطرًا، إلا أنه ليس فيما بينها ما يرقى إلى هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلًا وكمالًا، وعليه فإن كلًّا منها يُعتبر هجرة ظلية مقارنة بهجرته عليه الصلاة والسلام؛ لأن قيمة الهجرة وقدرها يتناسبان طرديًّا مع قيمة المهاجر والواجبات التي تؤدَّى في المهجَر.

وكما هو معلوم فقد كان المهاجر الأعظم صلى الله عليه وسلم في مقدمة أبطال الهجرة.. فبهجرة هؤلاء تحولت المدينة المنورة إلى مركز للحضارة.. وخلال فترة قصيرة شكلوا وحدة سياسية في المدينة، ثم واجهوا الدنيا في إطار معاييرهم وقيمهم الخاصة.. ويجب ألا نخلط تلك المواجهة بما في عصرنا من مواجهات فظة غليظة مليئة بالحقد والعداوة، على العكس إن تلك المواجهة تحققت التزامًا بالمبادئ والنظم الإنسانية، فشكلت المدينة المنورة نقطة الانطلاق عن المركز بالنسبة لرسالة الإسلام المنتشرة في ربوع الدنيا، وبمرور الوقت انتشر هذا الحراك الذي بدأ في صورة حلقات صغيرة ليسعَ العالم بأسره.

إن الحادثة المذكورة في السؤال المطروح وقعت في حجة الوداع، حيث خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعيادة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لمرض شديد ألمَّ به أثناء الحج، وقد ورد صحيحًا عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ وَلَدِ سَعْدٍ، كُلُّهُمْ يُحَدِّثُ بالحديث عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى سَعْدٍ يَعُودُهُ بِمَكَّةَ، فَبَكَى، قَالَ: “مَا يُبْكِيكَ؟” فَقَالَ: قَدْ خَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا، كَمَا مَاتَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا” ثَلَاثَ مِرَارٍ[3]، وفي رواية أخرى خاف سعد رضي الله عنه من أن يموت بمكة التي هاجر منها وتركها لوجه الله تعالى، فقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ سعد: فقال رسول الله: “إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ، إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يُنْفَعَ بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ[4]، قَالَ: رَثَى لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنْ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ[5].

وبالفعل فقد عاش سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عمرًا مديدًا بعد بشارة النبي صلى الله عليه وسلم له وكان سببًا في فتوحات مهمة، إلى أن توفي في المدينة عام (55 هـ).

لقد خاف الصحابة من أن يكون الموت في مكة مانعًا لهم من إتمام هجرتهم، وعاشوا حياتهم عازمين على عدم العودة مرة أخرى إلى وطنهم الذي تركوه، بل والأكثر من هذا أيضًا أننا نعرف أن هناك الكثير من الصحابة لم يبقوا حتى في المدينة المنورة التي هاجروا إليها، وقاموا بهجرات جديدة إلى بلاد مختلفة، فقد تركوا مكان هجرتهم الأولى المقدسة، وهاجروا إلى أماكن أخرى رغبة في نشر الإسلام والجهاد في سبيل الله، وهناك فاضت أرواحهم إلى بارئها.

   ثواب الهجرة

انطلاقًا من الحديث المذكور أعلاه يمكننا بدايةً أن نقول: إن الهجرة التي تحققت من أجل إعلاء كلمة الله وإعلان الاسم النبوي الجليل في كل الأنحاء لتحمل أهمية عظيمة، فقد فُرضت الهجرة على المسلمين في عصر الرسالة الجليلة، وكان يُنظر إليها وكأنها ضرورة من ضرورات الإيمان.. وعلى الرغم من أن الهجرة خرجت عن كونها فرض عين في العصور اللاحقة إلا أنه يمكن القول إنها حافظت على فرضيتها كفرض كفاية؛ ذلك أنه يلزم في كل زمان أن تقومَ زمرةٌ واحدة على الأقل بترك ديارها ووطنها وتهاجر منه كي تبلّغ الإسلام الدين المبين وتمثّله.. ولو أن المسلمين استطاعوا أن يُنظِّموا الهجرة إلى كلّ أرجاء الدنيا حتى اليوم لأصبحوا وسيلة لأن يتعرف الكثير من الناس بعالمنا الثقافي.

لهذا السبب فإن السائرين على الدرب النبوي خاصة ينبغي لهم أن يكونوا جاهزين للهجرة دائمًا، إننا لا نستطيع أن نُسيء الظن بأحد، ولا نستطيع أن نقول: “لماذا لا يُهاجر فلانٌ، لماذا يقف حيث هو؟”، لكن موقف القرآن الكريم والسنة النبوية فيما يتعلق بهذه المسألة واضحٌ وصريحٌ.

إن كل مكان في العالم يشبه بالنسبة لنا أرضًا خصبة صالحة لنثر البذور، لذا ينبغي لنا أن نفعل ما نستطيع ونبحث عن الأماكن المناسبة التي يمكننا أن ننثر فيها الحبوب التي بين أيدينا، علينا أن نُعلي همتنا دائمًا وأن نفكر باستمرار “تُرى هل بقي مكان لم ننثر فيه البذور؟!” علينا أن ننثر البذور حتى في القطبين الجليديين من أجل تحقيق بشارة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ[6]، فعلينا أن نصلَ بهذه البذور حتى إلى المناطق غير المأهولة بالبشر، فربما تستفيد منها البطاريق والأسماك، ربما لا نعيش لنرى البذور وهي تشق الأرض، وربما نراها وقد تبرعمت ولا ندرك ثمارها، كل ذلك ليس مهمًّا، المهمُّ هو أداؤُنا واجبنا.

وفي الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/218) قد قُدمت الهجرة على الجهاد في سبيل الله (بإزالة الحواجز التي بين الناس وبين الله، وأن تلتقي القلوب بالله تعالى).. ولذلك فإن قيمة الهجرة التي تتم في سبيل الله، سواء أكانت في داخل الوطن أو خارجه، عظيمة عند الله.

إن الهجرة تحفّز الإنسان على الخدمة، ويوجد فيها جانبٌ مُلزم للإنسان عمليًّا، ودائمًا ما يقول المهاجر في نفسه: “لم آتِ إلى هنا عبثًا، لدي غاية مثالية، وقد جئت إلى هنا كي أحققها”، ويركز جهده في الخدمات التي يلزم القيام بها، فإن جاء معلِّمًا سعى إلى أداء مهنته على أفضل وجه، وإن جاء رجلَ أعمال اجتهد في أداء الخدمات المتوقعة منه، والخلاصة أنه يُخضع حياته كلها لمسألة الهجرة، ويصبح مُشجِّعًا لما يجب فعله كمهاجر.

ليس من السهل على المرء أن يترك وطنه ودياره ووالده ووالدته ويهاجر ويقمع شعور الصلة وأحاسيسه ومشاعر الحنين إلى الوطن، بيد أنه يجب ألا ننسى أن ثواب الأعمال الثقيلة على النفس سيكون كبيرًا بقدر مشقتها.. إن السفر إلى مدن مختلفة لأغراض سياحية لفترة قصيرة يمتع النفس. ولكن الهجرة من أجل إعلاء كلمة الله تعالى مع عقد العزم على عدم العودة مرة أخرى صعبٌ للغاية.. إن قدرة الإنسان على ترك عائلته ووطنه والأماكن التي اعتاد عليها دون الاهتمام بمشاعر الشوق التي سيشعر بها، بالرغم مما في نفسه من حب وارتباط بها، أمرٌ يتطلب تضحية كبيرة.. وهكذا فإن المكسب الأخروي لمن يُرغِمُ نفسه -دون رغبةٍ منها- على تقديم مثل هذا النوع من التضحية؛ سيكون كبيرًا ومختلفًا تمامًا.

   هل يمكن ترك ديار الهجرة؟

الأصل في الهجرة هو السفر مع عقد النية على عدم العودة مرة أخرى، وعدم النظر للمسألة كما يُنظر إليها بالمفهوم الإداري في تركيا على أنها أداء مأمورية في منطقة نائية كشرق تركيا مثلًا، وكذلك من الواجب عدم النظر إلى بلاد الهجرة على أنها “منطقة انقطاع وحرمان”، وإحصاء الأيام لترك تلك الديار، فهذا يُعَد إساءة لروح ومعنى الهجرة، فالذين يعيشون بخيال العودة لوطنهم الأم أو الذهاب لبلاد أجمل، لن يتكيفوا مع المكان المتواجدين فيه، ولن يستطيعوا أداء وظائفهم حقّها، وذلك لأن الإنسان الذي يهاجر بمثل هذه المشاعر، لن يحب المكان الذي هاجر إليه ولن يقبله، وبالتالي لن يعود بالنفع على هذا المكان.

أما الذي يحملون أفكارًا من قبيل: “لننتهِ من هذا الفصل بأسرع وقت، ولنذهب بعده إلى المكان الذي نفضل أن نذهب إليه”، فهؤلاء بهذه الملاحظة يكونون قد لوّثوا نياتهم، وحري بالإنسان المهاجر أن يمحوَ من ذهنه منذ البداية مثل هذه الأفكار والملاحظات، ولا يربط المسألة بفترة زمنية محددة.

إن الأمر كما ذكرنا، لكن لكل زمن شروطه الخاصة به ويمكن اتخاذ القرار وفقًا لما تحتاجه الخدمة، فقرارُ البقاء في المكان أو الهجرة مرة أخرى لمكان آخر يجب أن يُتَّخَذَ وفقًا لذلك، فالصحابةُ الكرام رضوان الله عليهم الذين هاجروا إلى المدينة قد انتقل بعضهم إلى ديار أخرى وفقًا لما فرضَتْهُ الظروف حينها، وقد هاجروا لأماكن كثيرة لتحقيق غاية مثلى، هاجر بعضهم إلى الشام والبعض الآخر إلى بغداد والبعض الآخر إلى بلاد مختلفة. وبعد أن قاموا بأداء وظيفتهم في ديار الهجرة تلك تركوها فاتحين أشرعة الهجرة إلى بلاد أخرى.

فمَنْ هاجر إلى بلد ما واكتسب منها خبرات وتجارب قد يتوجّب عليه أن يحمل هذه الخبرات والتجارب لأماكن أخرى، فلذلك على المهاجر أن يضمر في نيته البقاء في ديار الهجرة من جهة، ومن الجهة الأخرى أن يكون دائمًا على أهبة الاستعداد للهجرة لمكان جديد، فإن تحرَّك المرء بنية رضا الله تعالى، وبهدف تحقيق خدمات نافعة، فلا ضير حينها أن يهاجر من مهجرِهِ إلى مهجَرٍ آخر.

ولو أن البعض قالوا له: “إنك في هذه الديار منذ أعوام وأعوام ولقد قدمت هنا خدمات جليلة، ولو أنك عدت إلى بلدك الأم لقدمت هناك خدمات أكبر، وستعود بالنفع الأكبر عليها”، وقام حينها باستشارة من يثق في رأيهم ويعتمد عليهم وأشاروا عليه بنفس الأمر فحينها لن تصبح هجرته ناقصة، وسينال ثواب الهجرة كاملًا غير منقوصٍ بإذن الله.. ولقد استخلفَ الرسول صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة في مكة بعد الفتح.. وإن لم يفعل ذلك من أجل إدارة وتنظيم حياة المسلمين الجدد؛ لعادت الفوضى إلى مكة واختل النظام مجددًا.

وفي الواقع فالأساس هو النية، ولقد افتتح الإمام البخاري كتابَه الجامع الصحيح بحديث “إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ“، ولذلك فعند الهجرة لا بد أن تكون النية هي نَيْلُ رضا الله تعالى، ومن بعدها إعلاء كلمة الله، وتتويج ذلك بالمجاهدة والتمثيل، وقد يتوجب على الإنسان حتى وإن خرج بنية البقاء في ديار الهجرة وخدمة أبناء تلك الديار، أن يتحرّك وفقًا لتغير الأوضاع والظروف، وقد يستنتجُ مع رفاقِه في طريق الخدمة أنّ انتقاله لمكان هجرة جديد سيكون ذا فائدة أعظم، وعليه حينها أن يكون مثل سادتنا الصحابة رضي الله عنهم بأن يتوجه أينما كانت خدمته أعلى وأكبر نفعًا، فيحمل قيمه وينقلها إلى القلوب المحرومة، ويضاعف هجرته.

نعم، إن النية في غاية الأهمية، فأحيانًا قد يحصل الإنسان على ثواب الهجرة دون أن يهاجر، على سبيل المثال قد يرغب الإنسان من صميم قلبه أن يهاجر لينقل ما حصَّله من خبرات وتجارب إلى أماكن أخرى بقصد الإفادة، ولكن الأشخاص الذين يعملون معه قد يرون أنه لو هاجر فلن يستطيع أحد أن يملأ مكانه، وبالتالي سيترك فراغًا كبيرًا، وأن وجودَه في مكانه الحالي هو أمرٌ ضروري، ويحاولون إقناعه بالبقاء.. ففي هذا الوضع نستطيع أن نقول أن هذا الإنسان وبمشيئة الله سينال ثواب نيته، فكما أن الهجرة ضرورية عندما تقتضي الحاجة إليها، فإن البقاء أيضًا ضروري بنفس القدر عندما تقتضي الحاجة إليه.. وحيثما ظلت نية الهجرة حاضرة في قلب الإنسان فإنه بإذن الله تعالى سينال ثواب الهجرة.

ومن جهة أخرى، قد يكون البقاء في مكان ما لفترة طويلة سببًا في ذبولِ الإنسان وفقدِه لحيويّته ونشاطه، وحينها قد يفقد القدرة على التعبير عن المعنى الواجب التعبير عنه في هذا المكان.. وقد يتسبب هذا القصور في مجموعة مختلفة من المشكلات، ولذلك في مثل هذه الحالة يكون من الأفضل عودة الشخص إلى موطنه الأم أو الانتقال إلى مكان جديد أو نطاق عمل مختلف داخل ساحة الخدمة.

ولو أنني كنت شخصًا يؤخذ بملاحظاته وفي يده الإمكانيات، لما كنت سأترك الأفراد في أماكنهم لفترات طويلة، ولكنت غيرت أماكن الجميع بعد فترة محددة، ولكنت حاولت تطوير النظام ووضعت المعايير، ووفقًا لها يتمّ تقييم أداء الأشخاص، ولو أنني رأيتُ شخصًا يفقد حيويته ونشاطه لكنت مباشرة وجَّهْتُهُ إلى عملٍ آخر يكون أفيد فيه.

وإن كان الأمر لا ينطبق على الجميع ولكن أغلب البشر الذين يبقون في نفس المكان لفترات طويلة، يفقدون عشقهم ونشاطهم، وتتكون لديهم حالة من الأنس والألفة، وقد يتعثرون في بعض الملذات الدنيوية، بل إن حالهم يماثل الماء الراكد الآسن، ويصبح وجهه قديمًا في نظر الآخرين، وبسبب الاعتياد أكثر من اللازم مع من حوله فقد يؤدي هذا لبعض إخفاقات فاضحة ويفقد على إثرها قيمته لديهم، وقد يظهرون له سأمهم منه، فلا يستطيع تقديم أنشطة وفاعليات جادة، ولذلك فإذا أراد الإنسان تجديد عشقه ونشاطه للعمل، وحتى لا يكرّر أخطاءه فعليه أن يحمل تجاربه وينتقل إلى مكان جديد، وهذا يُعَدُّ تعبيرًا عن المعقولية في الخدمة.

وعلى كل شخص ألا يعتقد ويرى نفسه إذا ذهب إلى مكان ما أنه حجرُ أساس لا يمكن المساس فيه أو العيش بدونه، بل على الجميع أن ينظروا إلى الأماكن المتواجدين فيها على أنهم أمناء عليها، وأن يركزوا جهدهم في الخدمات التي يجب تقديمها لهذا المكان، وإن بدا مكان جديد للخدمة فعليه أن ينهض وينطلق ليداوم خدمته هناك، ولأن إنسان الخدمة لا يتقاعد فهو حتى نهاية حياته ينتقل مسارعًا من مكان إلى مكان ومن مهجرٍ إلى مهجَر، ومودِعًا ما اكتسبه من تجارب وخبرات لدى الأجيال اللاحقة.

والأمر المهم هو تجهيز الإمكانات التي تتيح للأشخاص فرصة استخدام إرادتهم إلى أقصى حدودها، وإظهار جهدٍ وجدٍّ لتأمين استخدام قابلياتهم واستعداداتهم أفضل استخدام وأنفعه، وتُعَدّ هذه هي أهم وصفةٍ لمواجهة الذبول والركود.

[1] سعد بن خولة (ت: 7 هـ): صحابي جليل من السابقين إلى الإسلام، هاجر إلى الحبشة ثم إلى يثرب، وشهد غزوات بدر وأحد والخندق وصلح الحديبية مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ثم عاد إلى مكة، فمات بها قبل الفتح سنة 7 هـ، وقد أسى النبيُّ وحزنَ على وفاته لما زار سعد بن أبي وقاص في مرضه الذي أصابه عام الفتح حيث قال: “اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ“. (صحيح مسلم، الهبات، 8)

[2] صحيح البخاري، الجنائز، 35؛ صحيح مسلم، الهبات، 5. (متفق عليه)

[3] صحيح مسلم، الهبات، 8.

[4] يقصد بقوله: “لكن البائس سعد بن خولة” البائس هو الذي عليه أثر البؤس وهو الفقر والقلة، و”رثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن توفي بمكة”؛ قال العلماء: هذا من كلام الراوي وليس هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، بل انتهى كلامه صلى الله عليه وسلم بقوله “لكن البائس سعد بن خولة“، فقال الرواة تفسيرًا لمعنى هذا الكلام إنه يرثيه النبي صلى الله عليه وسلم ويتوجع له ويرق عليه لكونه مات بمكة، وقيل سببُ بؤسه سقوطُ هجرته لرجوعه عنها مختارًا وموته بها، وقيل: سببُ بؤسهِ موتُه بمكة على أي حال كان وإن لم يكن باختياره لما فاته من الأجر والثواب الكامل بالموت في دار هجرته والغربة عن وطنه الذي هجره لله تعالى. (شرح صحيح مسلم: محمد فؤاد عبد الباقي، الهبات، 5)

[5] صحيح مسلم، الهبات، 5.

[6] مسند الإمام أحمد، 28/155.

ابتلاءات القضايا الكبرى

Herkul | | العربية

   سؤال: عندما ننظر إلى التاريخ نرى أنه حين ظهرت القضايا الكبرى على الساحة تعذّر على الجميع إدراك قيمتها بالقدر اللازم، وتعذّر فهمُ ممثليها بالقدر الكافي.. فما أسباب ذلك؟

   الجواب: لا يمكننا التعميم في هذا الأمر إلا أن مصير الكثيرين كان هكذا بالفعل.. لقد تعذّر التعرف عليهم خلال الفترة التي عاشوها، حتى إن من نشؤوا معهم في البيئة نفسها، وتحلّقوا معهم على ذات المائدة عانوا من حجابٍ نشأ عن شدّة قربهم منهم، وأُصيبوا بمرض العجز عن رؤية ما هو قريب.. ومن المؤسف أن الكثيرين منهم لم يستطيعوا التعافي من هذا المرض، وفي حياة الرسل والأنبياء وكذلك في حياة أتباعهم المخلصين العديدُ من الأمثلة على هذا.. بالطبع ليسوا كلهم بنفس المستوى، فهناك فوارق نسبية؛ فبينما كان هذا الوضع بشكلٍ بسيط نسبيًّا لدى بعضهم، تُرك البعض الآخر منهم للوحدة حيث جُرِّدوا من المجتمع الذي يعيشون فيه بأكمله.

فبالنظر إلى حياة مفخرة الإنسانية وخاتم سلسلة النبوة صلى الله عليه وسلم نرى كيف عُزل وأُقصيَ لا سيما في السنوات الأولى من البعثة؛ فكانت نظرة مشركي مكة إليه صلى الله عليه وسلم لسنوات عديدة على أنه “يتيم أبي طالب”، وكانت نظرتهم إليه المبنية على أنه الطفل أو الشاب الذي شاركوه الشوارع والجادات نفسها؛ تمنعهم من رؤية الحقيقة.. فلم يتمكنوا من رؤيتها رغم قربهم منها.

   المنافسة بين الأقران

من جانب آخر هناك شعور المنافسة بين الأقران، ينبغي للإنسان أن يكون كاملًا كي يتمكن من تقبل مميزات وفضائل أقرانه، لقد كان العلماء من السلف الصالح إذا درّسَ أحدهم طلّابه كتبًا معينة، ووصل معهم إلى نقطة محددة من التربية والتعليم يقول لهم: “يا أولادي! لم يبق شيء آخر تأخذونه مني، هناك شيخٌ في مكان كذا، عليكم أن تلتحقوا بدروسه من الآن فصاعدًا”.. إن مثل هذا التصرّف مهمٌّ للغاية من أجل دحر شعور التنافس، وقطع الطريق أمام شعور التناطح أو عدم إفساح المجال للحسد، بالإضافة إلى أن هذا يؤدّي إلى أن تترسخ وتستقر أخلاق العلم بين العلماء.

لقد طُبق مثل هذا النوع من الممارسات في التكايا والزوايا أيضًا، والتي هي أماكن الترقي إلى مستوى حياة القلب والروح، ولنفترض أن سائرًا إلى الحق دخل في هذا الطريق ووصل إلى مقام “السير إلى الله” على يد شيخه، فإن كان الشيخ لا يستطيع أن يرقى بمُرِيدِه إلى مقامات “السير في الله” و”السير مع الله” أو “السير عن الله”، ويستحيل عليه أن يُريه هذه الآفاق، ولا يقدر على توفير الزاد والمؤونة اللازمة له في هذا الطريق قال له بكل سهولة: “بُنيَّ! إنني لا أستطيع أن أحملك إلى أبعد من ذلك، هناك مرشد كامل في مكان كذا، اذهبْ إليه وتَتلْمَذْ على يديه”.

إن مثل هذه التصرفات المنصفة والنابضة بالحق ستمنع تلك المشاعر السلبية المذكورة آنفًا.

   أولئك العظام الذين تعذرت معرفتهم في زمانهم

من الصعب بالنسبة للناس أن يستطيعوا التصرف بعدلٍ وإنصاف، ولا سيما إزاء أشخاص مختلفي المشارب والمسالك؛ فأحاسيس الغيرة بين هؤلاء الأشخاص يمكن أن تظهر أكثر، فقد يشعرون بالانزعاج ممن هم أكبر وأعظم منهم، وقد وقعت مثل هذه الأحداث بشكل متكرّر في التاريخ.

فعلى سبيل المثال يمكن القول إن الإمام الغزالي لم يتسنَّ له أن يُعرف في عصره هو بما يليق بقدره وقيمته، حتى إن البعض اعتبروه مبتدعًا، وتعرّض لنقد العديد من معاصريه.

عندما نرجع إلى الوراء وننظر إذ بنا نسمي الإمام الرباني بـ”مجدد الألف الثاني”، إلا أنه هو الآخر لم يُعرف بالقدر الكافي في زمانه هو، حتى إنه أُلقي في السجن، وتعرض لكل أنواع الصعاب، ولا يمكن القول إنّ “شاه ولي الله الدهلوي”، ومولانا “خالد البغدادي” وهناك الكثيرين غيرهم قد قُدروا حق قدرهم في الفترة التي عاشوا فيها.

إننا اليوم نقرأ مؤلفات الدكتور “محمد إقبال”، مثل: أسرار الذات، ورموز نفي الذات، ورسالة المشرق، وجاويد نامه.. ولا يمكننا أن نمنع أنفسنا من قول: “ليت هذه الأفكار العميقة عُرفت في زمانها، لو أن ذلك قد حصل لجاء صداها مهمًّا للغاية في بلاد الهند، ولكانت تعني أشياء مختلفة جدًّا”.. المؤسف أن المجتمعات تعجز عن التصرّف بشكل منصف بالقدر الكافي إزاء الرسل والأنبياء الذين ظهروا من بينهم، وكذلك العديد غيرهم من الذوات والأفكار العظيمة أيضًا.

وعندما ننتقل إلى يومنا هذا يتعذر القول كذلك إن الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي كان معروفًا من قبل معاصريه، فكم عالمًا من العلماء المشاهير وقف إلى جانبه وسانده؟ لم يبرز من بين علماء الإلهيات ولو حتى بضعة أشخاص يدافعون عنه، ولو أن المتخرجين في المؤسسات التعليمية آنذاك مثل الجامعة أو مدرسة الوعظ التي خرّجت علماء ذلك العصر ساندوا هذا الإنسان ودعموه؛ لكان تأثير الخدمات التي أنجزها أكثر وأعظم؛ فمثلُ هؤلاء الأشخاص يُصبحون قادة الرأي في المجتمع، وترقُبُهم الأمة، وتحترم ما يقولونه.. ولو أنهم أيقظوا الضمير العام لخزينة الكنوز التي قدمها بديع الزمان لكانوا سببًا في تطورات عملاقة، ولتدفق في دفاتر حسناتهم الثوابُ الناتج عن الخدمات التي سينجزها الخَلَفُ انطلاقًا من هذه الأعمال.

إننا بينما نقول هذا ينبغي ألا ننسى مَنْ ساندوا هذا الإنسان مثلما فعل الحواريون، واستماتوا في دعمه واعتبروا السجون وكأنها من رياض الجنان، إنهم حقًّا أناسٌ لا يمكن تعويضهم وملء فراغهم، غير أن عددهم لم يكن كبيرًا، إن عددهم لا يتجاوز أصابع اليد.

وهنا يمكننا أن نسأل أنفسنا السؤال التالي: على الرغم من مرور أكثر من نصف قرن منذ ذلك الحين، هل تمكنا من التعرف بحق على هذا الشخص والبنية الفكرية التي قدمها؟! من يدري، ربما سيكون من نصيب الأجيال القادمة أن تعرفه وتفهمه بالوجه الذي يليق به.. إن من أقاموا خيامهم في الأماكن التي أشار إليها، ومن واصلوا حياتهم في فلك القضية التي وضع أساسها سوف يتعرّفون على هذا الإنسان بخدماته وأعماله النفيسة التي خلّفها، وإنني لآمل أن يتمّ على يد هذا الجيل المشرق القادم إنجازُ المهمة التي ينتظرها هذا الشخص.

وهذا يعني أن مصير الكثير من القضايا والأفكار العظيمة وكذلك ممثليها كان عدم الاعتراف بها من قِبل معاصريها، فإن بعضها لم يُعرف تمامًا، والبعض الآخر قد عُرف ولكن ليس بالقدر اللازم.

كذلك لا يمكن القول إن المسيح عليه السلام لاقى حسن القبول بالقدر الكافي في فترة حياته، فعندما اقتُحم منـزله عنوةً عليه السلام كما تُقتحم أوكار قطّاع الطرق؛ لم يخرج أمام هذه الحشود عشرةٌ من أصحاب المروءة فيفتحون أذرعهم كما المقصّ ويدافعون عنه قائلين: “توقفوا، هذا طريق مسدود!”.. فبعدَ أن رحل من بينهم فحسب؛ بدأ الناس يقدّرون قيمته ويركضون من خلفه في حشود كبيرة، وكان لا بد من أن تمر عدة مئات من السنين حتى يتم الاعتراف بدينه رسميًّا من قبل الدول، إلا أنه قد أُفسد في هذه المرّة لونُ ونسقُ هذه الرسالة التي جاء بها؛ وفي حين اجتُزئَت منها بعض الأشياء وحُذِفت، أُدخلت فيها كذلك بعض العناصر الأجنبية التي تنتمي إلى الوثنية الرومانية.

إن مَنْ يتجول بين صفحات التاريخ بخياله ربما يقع في تساؤلات مختلفة إزاء مثل هذه النماذج من الغدر والخيانة، وربما يقول “لماذا لم يُقدَّر فلانٌ حقَّ قدره؟”، أو “لماذا لم يتمكن الأشخاص المحيطون بفلان، والذين يأخذون مكانهم في الصف الأول إلى جواره من أداء واجباتهم الواقعة على عاتقهم؟”، إن تحمل هذه المسؤولية التاريخية ودعمها لم يكن مُيسَّرًا للجميع.

   الارتباط العقلي والمنطقي

هناك نقطة مهمّة بخصوص هذا الموضوع يُستَحْسَنُ الوقوف عندها، ألا وهي أن بعض العلماء الكبار كان لهم محبُّون بالآلاف والملايين، وبالطبع فإن مثل هذا الارتباط لا يُستهان به، فرابطة المحبة والرابطة العاطفية لها قيمتُها، ولكن المهم في الأساس هو عدم ترك هذه الرابطة في مستواها العاطفي بل رفعها إلى مستوى العقل والمنطق.. وبلفظ آخر فيجب ملءُ فراغات الرابطة العاطفية وإحكام وتقوية تلك الرابطة بالعقل والمنطق، وحينما يحدث ذلك ستكون رابطة العلاقة والمحبة دائمة.

ودعونا نحاول فهمَ المسألة من خلال مثال آخر، مثلًا نحن مطالَبون بحب الله عز وجل، ونحن نعبر عن هذا الحب من خلال وسائل متنوعة، ولكن الأمر المهم هنا هو معرفة الأسماء الحسنى والصفات السبحانية للذات الإلهية وتجلياتها في عالم الوجود والتعريف بها، والعلماءُ الكبارُ من أمثال الإمام بديع الزمان سعيد النورسي والإمام الرباني والإمام ابن عربي حاولوا القيام بهذه المهمة كلٌّ بحسب أفقه وزاوية مشاعره، وذلك لأن العلاقة والمحبة المتولدة من المعرفة المبدئية، قد لا تكون كافية بالنسبة لمرحلة انفتاح الأفق والمراحل التي تليها، ولذلك فيجب ملء هذا الفراغ الحاصل وبهذا الشكل يتم تقوية العلاقة والارتباط الشعوري بالمنطق والمحاكمة العقلية، والإنسان الذي يقوم بهذا يعرف أسباب المحبة، ويستطيع أن يقول: “إنني أحب فلانًا لهذه الأسباب..”، وكلّما مرَّ يومٌ يتفكّر في الأسباب الداعية لحبّه فيقوي هذه الرابطة وينطلق معرّفًا بها بصوتٍ جهوري.

ونفس الأمر ينطبق على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالصحابةُ هم أولئك الذين عايشوه صلى الله عليه وسلم، وعرفوه عبر معاني رسالته التي حملها، فأحبوه وأوقفوا أعمارهم في سبيله صلى الله عليه وسلم، وواجهوا الصعاب بصدورهم، وثبتت أقدامهم، وقويت جذورهم الفكرية والعاطفية لدرجة أنهم أمام الحوادث العُظمى لم يهتزوا ولو هزة صغيرة.. أما أولئك الذين اكتفوا منه صلى الله عليه وسلّم بعلاقة عاطفية شعورية، ولم يدركوا رسالته حقَّ الإدراك فهؤلاء الذين سقطوا في حوادث الردّة.

والأمر المهم هنا، هو أن نجعل العلاقة التي تربطنا بالعلماء الكبار علاقة مؤسسة على أرضية قوية، وإلا فالعلاقة الشعورية العاطفية الفارغة من الداخل لن تصمد طويلًا، وإذا عرفنا هؤلاء العلماء من خلال أفكارهم وكتبهم وآفاقهم العالية، فستكون العلاقة التي تربطنا بهم علاقة دائمة، فالارتباط الدائر في فلك العقل والمنطق لن يقلل من محبتهم بل سيزيدها.

وكما يُرى فإننا لا يمكننا أن نجعل الذين يُحبُّون الرسولَ صلى الله عليه وسلم ومَن بعده من كبار العلماء على نفس الدرجة، فبعض منهم يرتبط ابتغاء إلحاق النسبة به ويتصرف بأنانية الجماعة، وبعض آخر يتخذ موقفًا ابتغاء منفعة يريد تحصيلها، والبعض الآخر يتحرّك وفقًا لسيكولوجية الجماهير، بمعنى يتحرك حسبما يتحرك الناس حوله، لكن هناك بعضٌ آخر يتدارسون كتب هذا الشخص ومؤلفاته، ويحاولون التعمق في الأفكار الواردة بها فيضعونها تحت منظار المنطق والمحاكمة العقلية، أما كلماته وأفعاله فيستقبلونها بقلب واسع ووجدان رحب فيشعرون بها ويدركونها تمامًا، وكل هذا يدعم ثقتهم ويقوي ارتباطهم.

   خدعة شيطانية

قسمٌ آخر من المسألة أنه لم يكن للأنبياء الكرام عليهم السلام ولا كبار العلماء من الدعاة أيَّ غرضٍ دنيوي وراء دعوتهم، ولم يشتكوا من أنهم لم يُعرفوا أو يُفهَموا على الوجه الصحيح، ولم يخاصِموا أحدًا لم يقدر قيمتَهم، فهم بدلًا من الانشغال بذلك ركّزوا جهودهم على أداء وظيفتهم ومهمّتهم، وفعلهم هذا ينبغي أن نتّخذه مثالًا نقتدي به، فالعلماءُ الكبار الذين كتبوا كتبًا ونشروا أفكارًا وقاموا بفاعليات أثرت إيجابًا في عصرهم وفي العصور اللاحقة -رغم أنهم لم يعرفوا ولم يفهموا بالوجه اللائق- داوموا على طريقهم بنفس العزم وكأنّ شيئًا لم يحدث، أما بالنسبة لنا ونحن العاديون فمن الممكن والأولى ألا نُفهم أو نُعرف، ويجب ألا يكون هذا الأمر معرقلًا لنا، وألا نقعَ في الخصام والاستياء، بل الواجب علينا هو المداومة على خدمتنا بنفس السرعة والعزيمة.

إن الخطوات التي تكون في سبيل الله لا يمكن أن يستهان أو يستخف بها، بل إن عملًا صغيرًا بمقدار قطرة سيصير مع الوقت بحرًا، وفي يومنا الحاضر فالجهودُ التي يقوم بها من نذروا أنفسهم للتعريف بالله ورسوله في أرجاء المعمورة تستحقُّ التقدير، وذوو العقول والناظرون للمسألة بإنصاف وجداني يعترفون بقيمة وقدر الفاعليات المقامة، بل إن بعضهم عبّر عن رغبته في المساهمة بتلك الفاعليات، إن خدمة الإيمان والقرآن تشبه حملَ كنـزٍ ضخم، ووظيفتُنا تجاه الأيادي المسارعة للمساعدة في حمل هذا الكنـز، هو إجابتهم بالشكر والعرفان.

كما أن المرضى بأنواع مختلفة من الأمراض النفسية مثل الكبر والعناد والحسد وإصدار الأحكام المسبقة، يواجهون الأعمال الحسنة، بل وبحسب الواقع فإنهم يضعون الحواجز أمامها، ومن الحقيقة المرة أن فئةً حاولت عن قصدٍ تشويهَ الفاعليات الحسنة ونسبت إليها ما هو بعيدٌ عنها ولا يمكن تخيُّله معها، وكل هذا قد يكون منشؤه الأصلي وسببه الرئيسي هو الجهلُ؛ لأن الإنسانَ عدوُّ ما يجهل.

إن التغافل عن كل هذه الأمور وعدمَ الشعور بالأسف أمرٌ ليس بيد الإنسان، لكن يجب علينا ألا نفتح المجال للشيطان ليخدعنا، فالشيطان قد يأتي للإنسان من جهة اليمين، ويدخل ليوسوس لنا بحجّة أن قدرَنا وقيمَتَنا غير معروفين، ويعرض لنا الجموع الشاخصة أمامنا بشكل مخالف عمّا هي عليه، فيشعرنا بالاستياء من إنسان عصرنا ومخاطبنا الذي لم يتلهّف لما نقوم به من خدمات ويتلقّفها بالقبول، وقد يقول: “لماذا هؤلاء لا يرون الساعين من أجل تحقيق المشاريع الهامة على مستوى العالم؟”، وقد نتّهم مخاطبينا بأنهم غيرُ أوفياء وبلا حسٍّ ولا مشاعر، وحينها يدفعُنا لإظهار مشاعر الامتعاض والاستياء.

وهكذا وفي أحيان كثيرة فعلينا متى ما شعرنا -دون وعي منّا- بخيالات وتصورات وأمور عالقة في الذهن ألا نطلق لها العنان، بل نسيطر عليها مباشرة عبر الإرادة، وعلينا أن نقول: “إذا كان هناك من لا يعرف قدر وقيمة أمثال الإمام أبي حنيفة، والإمام أحمد بن حنبل، والإمام الغزالي، والإمام الرباني؛ فمن نكون نحن حتى نُعرف؟!”، أما إعراض الناس عنّا فيمكن إرجاعه إلى تقصيراتنا وذنوب أنفسنا، بل علينا أن نرى أنفسنا مستحقّين لما نقابله من مثل هذه الأطوار والتصرفات التي تؤلمنا وتؤذينا، وعلينا مواجهة أنفسنا ومحاسبتها.

أو علينا أن نقول: “من المحتمل أننا لم نستطع أن نشرح لهم بأسلوب سليم القيمَ التي نؤمن بها والطريق الذي نتبعه، أو أن مستوانا غير كافٍ حتى نشرح لهم الأمر، كان لا بد لنا أن نشرح لهم الأمر على مستوى أعلى”، فنحن لسنا بأنبياء حتى نستطيع أن نبلغ ما أمر به الحق سبحانه بنفس درجة نقائه وبهائه دون أن يذبل أو يتغير أو يفقد لونه، بل إن أوضح الحقائق عند مرورها بقلوبنا وألسنتنا قد تفقد لونها وبريقها، ولهذا السبب عند تعرضنا للفشل وللسلبيات علينا بدلًا من البحث عمن نتهمه أن نبحث في دورنا هل قمنا به كما يجب أم لا؟

وباختصار، فما نتعرض له من عدم وفاء علينا أن نجد له سببًا معقولًا، وألا نجعل هذه الأمور سببًا لتلويث عالمنا الداخلي، وعلينا ألا نساعد الشيطان والنفس على ملء عالَمِنا الذهني بالأفكار الملوثة، وألا تجرّنا إلى أودية خاطئة، بل علينا أن نتجرّد من تلك الأفكار مباشرة، وألّا نفسح لها المجال في أرواحنا ومن بعد ذلك تجعلنا نظهر العداء والاستياء لمن حولنا من الناس، إننا لا نقوم بهذه الخدمات لكي يعرفها أحدهم أو يراها، ولا من أجل نَيْلِ التقدير والتبجيل، إننا نقوم بها ويجب علينا أن نقوم بها فقط من أجل نيل رضا الله سبحانه، فمن بعد معرفته ورضاه سبحانه، لا يهم أن يعرفها الآخرون أم لا.

إن ما يقع على عاتقنا هو القيام بأداء وظيفتنا ومسؤوليتنا حق الأداء في هذه الحياة الدنيوية المؤقتة، وانتظار الـأجر والمكافأة من الله سبحانه فقط، أما معرفة قدركم وقيمتكم أو عدم معرفتها فلا أهمية له، وبعد قيامنا بعمل ما يوافق القرآن والسنة فلو وقفت الدنيا كلها أمامنا سيكافئنا الله سبحانه وتعالى على ما قمنا به، ولو أن الخدمات التي قمنا بها حازت على توجه الناس ففي هذه الحالة سيكون هذا لطف كبير ونعمة عظيمة من الله سبحانه وتعالى، ويتوجب علينا في المقابل حمد وشكر ربنا الرحيم سبحانه وتعالى.

إدمان الخدمة

Herkul | | العربية

   سؤال: ما المقصود بعبارة “إدمان الخدمة” التي يتكرر ذكرها في دروس الوعظ، وما هي خصائص مدمني الخدمة؟

   الجواب: إن إدمان الخدمة بإيجاز شديد يعني أن يُكرّس المرء نفسه لغاية مثالية معينة، فإذا كان الإنسان يفكر في الخدمة ليل نهار وفي قيامه وقعوده، ويضع الخطط والمشاريع في سبيلها أيضًا فهذا يعني أنه قد صار مدمنًا للخدمة، كما أن ذهابه إلى المدرسة أو دراسته أو كتابته أو تسطيره شيئًا ما يكون دائمًا من أجل الخدمة، إنه مستعد للتضحية بما يملك من مشاعر الفيوضات المادية والمعنوية من أجل تبليغ الحق والحقيقة للصدور المحرومة، وإنقاذ الناس من لوثيات العصر، والأخذ بيد من سقطوا في مستنقع الوحل فيخرجهم منه.

وبتعبير آخر: فإن إدمان الخدمة يعني أن يرهن الإنسان تصرفاته وسلوكياته كلها برضا الله ومرضاته، وأن يستخدم كافة القدرات والإمكانيات التي يمتلكها في سبيل أن يُعرِّف الإنسانية جمعاء بالله عز وجل.

يصير البعض مدمنين للمواد الضارة كالسجائر أو المسكرات أو المخدرات؛ بينما يدمن الآخرون تناولَ ثلاث وجبات يوميًّا، واحتساء الشاي أو القهوة ثلاث أو أربع مرات في اليوم.. هذه الأنواع من الإدمان هي تعبير عن الضعف البشري، والحقيقةُ أنه يجب على المؤمن ألَّا يكون مدمنًا لأي شيء بهذا المعنى؛ إذ ينبغي له أن يعدّ نفسه ويدرّبها بحيث يستطيع البقاء على قيد الحياة في ظل أقسى الظروف، وأن يقدر على تحمل الظروف الصعبة عند الضرورة، وأن يعرف كيف يعيش بأقل القليل في أسوإ الظروف. ومع ذلك فإنه ليس في الاستفادة من النعم المباحة على وجه العموم أيُّ ضرر على دين المرء وتدينه، ذلك أنه لن يكون سهلًا على مَنْ أدمنوا بعض الأمور، واعتادوا الرفاهية والراحة أن يكونوا متحدثين باسم الحق مُتَبَنِّين للحقيقة في الأوقات الصعبة والحرجة.

عندما يتعلق الأمر بإدمان الخدمة فإنه لا يعني تعبيرًا عن ضعف ما؛ بل على العكس، إنه خصلة سامية يمكن الحصول عليها بجهد وسعي جادّ وحقيقي، فمثلما يجب على المرء في بداية الأمر أن يضغط قليلًا على نفسه ليصير مدمنًا للعبادة، فإن إدمان الخدمة أيضًا مرهون بتصميم وعزم جادّين منذ البداية. ويذكر سيدنا صلى الله عليه وسلم أنه يستمتع بعباداته، كما نستمتع نحن بالأكل والشرب[1]، ولا أدري إن كان من الصحيح أن يُقال عنه عليه الصلاة والسلام أنه “مدمن العبادة”، أم لا؟ إنني شخصيًّا أتحرّج من استخدام مثل هذا التعبير بشأنه صلى الله عليه وسلم، ولكننا إذا استثنينا سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام، أمكن أن يُطلق تعبير”مدمن العبادة” أو “أسير العبادة” على من يعيشون متعة روحية على هذا المنوال أثناء العبادة.

إن مدمن الخدمة يرهن حياته لإعلاء كلمة الله؛ فكلّ مشاعره وأفكاره ومشاغله هي: “اللهم وفّقني للخدمة في سبيل أن يرفرف الاسم الإلهي الجليل، والروح المحمدية العظيمة خفّاقةً في آفاق السمو نحو الأعالي ليكون للحياة معنًى، وإن لم أستطع القيام بذلك فاقبض روحي فإنه لم يعد للحياة معنى”، إنه -بدلًا من أن يعيش حياة بلا معنى- يفضّل أن يقدّم إلى الله طلبًا للرحيل ويستقيلَ من مثل هذه الحياة.

وليس معنى هذا قطع العلاقة عن أمور الدنيا.. على العكس، بل التفكير في الخدمة حتى أثناء العمل والكسب، إنه يعمل ما يعمل، ويمتلك ما يمتلك من إمكانيات، ويرتقى إلى ما يرتقي من مناصب، ويسعى لاستثمار كل ذلك ليكون ترجمانًا للحق والحقيقة، وداعمًا ومساندًا لها.. إن المناصب والرتب التي يستحيل الاستفادة منها من أجل نصرة الحق ورفعته، والدفاع دائمًا عن الحق والحقيقية ليست لها أية قيمة تُذكَر في نظره، ولا أهمّية للتصفيق عنده، ولا للتقدير، ولا للشهرة، ولا للراحة والدعة كذلك.. كل هذه الأشياء ليست أهدافًا يتوجب السعي خلفها، إن همّه وشاغله الوحيد هو الغاية المثالية التي يعشقها من صميم قلبِه.

وليس سهلًا على الإطلاق الوصولُ إلى هذا المستوى من الفدائية، ففي البداية هناك حاجة إلى الانطلاق بعزم وإصرار حقيقيين، وإلى إجهاد النفس وترويضها على تحمل الصعوبات إلى أن تعتاد.

كان لنا صديق -انتقل إلى رحمة الله- عندما عُرض عليه لأول مرة المساهمة بشيء في سبيل عمل الخير، قدم مساعدة مالية بسيطة ذلك اليوم.. لقد أعطى قدرًا من المال يعادل راتبًا شهريًّا يتقاضاه موظّف عادي، لكنه وصف مدى صعوبة ذلك بالنسبة له في ذلك الوقت بهذه الكلمات: “كأني أخرجت قلبي وأعطيتُه”، لكن الشخص نفسه صار فيما بعد مدمنَ خدمة؛ حيث قام بذلك عدة مرات، واجتاز امتحانات مختلفة، وبعد أن ارتقى إلى ذلك الأفق أنفقَ كلَّ ما كان يملكه في سبيل الله، حتى إنه كان مستعدًّا لأن يبذلَ روحَه بكل سرور ورضًا لو أنها طُلبت منه.

 ولقد التقيتُ بأشخاص عظماء نذروا أنفسهم للخدمة أيضًا؛ لدرجة أنني كنت دائمًا أغبط نفسي لوجودي بينهم، هؤلاء الأصدقاء كانوا يستاؤون ويمتعضون عندما لا يُدعَون لأن يضربوا بسهمٍ في الخير، ويقولون: “لماذا نُسينا؟ أرَدْنا أن نقدِّم شيئًا نحن أيضًا!”، وكان بعضُ رجال الأعمال يقول: “يهاجر الطلاب إلى جميع أنحاء العالم، ويهاجر المعلمون أيضًا، فلنهاجر نحن كذلك!”، فيجمعون حقائبهم ويسافرون، وهذا يعني إدمانَهم فكرةَ خدمة الإنسانية في سبيل الله، إلى أن صارت تدفعُهم إلى جهدٍ وسعيٍ مستمرّ.

وإذا شعر الإنسان بمثل هذا الالتزام والارتباط إزاء الخدمة فإنه يريد أن ينتهز كلَّ فرصةٍ تلوحُ له في سبيل هذه الغاية المقدسة، إنه يرغب في الانفتاح على جميع أنحاء العالم، وإضاءة شعلة النور في كل مكان، فإن لم يستطع القيام بذلك اعتبر العيش عبثًا بالنسبة له، وكما أن مَنْ يُدمنون بعض الأشياء يعانون أشد المعاناة بل يموتون في بعض الحالات إذا ما أبعدتموها عنهم؛ فإنني أعتقد أن مدمني الخدمة يُصابون بالجنون إن تُجرِّدوهم منها.

إن ما نحتاجه في كل وقت وحين هو جعلُ مثل هذا الفهم خُلُقًا وسجية، وإنها لَحقيقة أن هذا قد وقع بالفعل بمراتب ومستويات مختلفة في البيئة التي نحن فيها، ونأمل أن يتمّ -يومًا ما- تبنّي هذا الفهم في بيئة أكبر بكثير إن شاء الله؛ فالأشخاص الذين يدمنون مثل هذا الفكر سوف ينيرون العالم بإذن الله وعنايته، وسيجعلون هذا الشعور والفكر ينمو ويزيد في كل مكان، وسيكشفون للبشرية مرة أخرى طريق الطمأنينة والسلام، ويعلمونها آداب الحياة بإنسانية.

وكما أنه من المهم للغاية جَعْلُ الأشخاص مدمنين للخدمة حتى يتسنّى لهم تحقيقُ مثل هذه النتيجة فإن استثمار قابليات وقدرات الأشخاص المدمنين للخدمة أمرٌ مهمٌّ بالقدر نفسه، من المهمّ جدًّا تهيئةُ البيئة اللازمة حتى يتسنى للجميع تحقيق الأداء المُنْتَظَرِ منهم، ودفعُهم للسعي والعمل بطريقة مربحة، كي تؤتي جهودُهم ثمارَها.. كما أنه من المهمّ جدًّا عدمُ تعطيل أيّ شخص أو التضيق عليه، من الضروري وضعُ الشخص المناسب في المكان المناسب، وتوزيعُ الأعمال توزيعًا جيّدًا جدًّا.. ويجب أيضًا إحالة هذه الأمور إلى المشورة، والتصرف بعقل وتفكير مشترك.

نعم ينبغي فتح الطريق أمام الجميع، ويجب أن يتحمل الناس المسؤولية، ويجب كذلك أن تُحترم خدماتهم وتُقدَّر، وتنبغي الاستفادة من تجارب الكبار وخبراتهم، ومن ديناميكيات الشباب وطاقاتهم أيضًا، يجب استخدام كل فرد وفقًا لموقفه ووضعه، وكما قال سيدنا صلى الله عليه وسلم في بياناته المباركة: “لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا[2]، وإلا فإن لم يُظهر الشبابُ الاحترامَ اللازم لرموز الخدمة الذين كرّسوا حياتهم كلّها للخدمة، وقلّلَ الكبارُ كذلك من شأن الشباب قائلين: “أنتم لا تزالون أطفالًا حتى الأمس”، وقلّلوا من شأنهم، فقد انسدّ هذا الطريق.

إذا كان هناك انسدادٌ هكذا في مكان ما، فهناك حاجة إلى جراحة تحويل مسار من أجل انبعاث الخدمات من جديد، فيجب مراجعة العلاقات مرة أخرى، وإحياء روح التفاوض والمشورة مجدّدًا، وبالتأكيد يجب مساعدة الجميع على العمل في قنوات معينة وفقًا لقدراتهم حتى يظلّوا حيوِيِّين وأقوياء ونشطاء، إذا لم يعمل الناسُ فلا مفرَّ من أن يحدث تآكلٌ وخمولٌ بعد فترة، وتضعف العضلات والجهاز العصبي.

أريد أن أذكر شيئًا أخيرًا؛ تعلمون أن حضرة الشيخ الجليل بديع الزمان يقول: “إن الشياطين يكدون أنفسهم ويجهدونها مع خدام تلك الدعوة المقدسة”[3]، لأن عداوة الشيطان تكون بحسب مستوى كل فرد؛ فمن يستمسكون بدين الله ويطبقونه ويمثلونه حقّ التمثيل هم أعداؤه الرئيسون، لذلك فمَن عزم على إحياء الدين، وأسلم نفسه للخدمة وأخلص لها، وصار مدمنًا لهذا الأمر فسيتعرض لمكائد الشيطان كثيرًا، وسيحاول دائمًا تشويشَ عقلِه، وطمسَ نظرِه، وسوقَه إلى أشياء تافهة لا نفع فيها.. لماذا ينشغل الشيطان بمَنْ يكون صيامهم في المواخير، وعيدهم في الحانات، وإفطارهم في معابد الأوثان؟!، لماذا يضيع طاقته سدى بالانشغال بهم؟! إنه مُفسِدٌ محترفٌ.. لذا من المهم جدًّا أن يستعيذ مدمنو الخدمة دائمًا بالله تعالى من الشيطان، وأن يكونوا يقظين في جميع الأوقات للشرر الذي قد يأتي منه.

*** 

[1] انظر: سنن النسائي، عشرة النساء، 1؛ الطبراني: المعجم الكبير، 12/84.

[2] سنن الترمذي، البر والصلة، 15.

[3] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون (رسالة الإخلاص)، ص 221.