كلمتان تضمنان سلامة الدارين

Herkul | | العربية

ينقل بديع الزمان سعيد النورسي في رسالة “الأخوة” الكلام التالي عن حافظ الشيرازي فيقول: “خُلُقان يضمنان نيل الراحة والسلامة في كلا الدارين، الأول: معاشرة الأصدقاء بالمروءة والإنصاف، والثاني: معاملة الأعداء بالصفح والصفاء”[1]، ويجب النظر إلى مصطلح الصديق هنا بمعناه الواسع؛ فالأشخاص الذين يمكن وصفهم بالإخوة والمحبين والمؤيدين والمتعاطفين يندرجون أيضًا من جهة ما في هذه الفئة، فمن الناس مَن يقف بجانبكم في أيام الرخاء قد يستسلم لنقاط ضعفه في أيام الشدة ويدير ظهره لكم، ومع ذلك يجب أن تفهموا هؤلاء وتستوعبوهم وتتسامحوا معهم، وكما قال حافظ الشيرازي، يجب ألا تتخلوا عن المروءة في المعاملة.

بالإضافة إلى ذلك يجب على المرء أن يتعامل مع أولئك المعادين له ويعيش معهم في سلم وسلام؛ ففي حديثٍ روته السيدة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أمَرَنِي بِمُدَارَاةِ النَّاسِ كَمَا أَمَرَنِي بِإِقَامَةِ الفَرَائِضِ”[2]، وهنا يذكر نبينا صلى الله عليه وسلم أن مداراة الناس ومعاملتهم بالحسنى أمرٌ على مستوى الصلاة والصيام وإخراج الزكاة والذهاب إلى الحج، ويمكن لنا تقييم هذا في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

والحق أن هذا هو ما يُسمّى بالسياسة؛ فعلى الرغم من أن هذه الكلمة صارت ملوّثة تمامًا اليوم، إلا أنها تعني فنّ الإدارة، ويتطلّب فنّ الإدارة الذي يتسم بالعديد من الجوانب خبرةً حقيقية، فليس من الممكن لشخص لا يستطيع قراءة العصر الذي يعيش فيه قراءةً جيدةً ولا يستطيع تقييم آراء الأشخاص من حوله تقييمًا صائبًا أن يتّخذ موقفًا صحيحًا وفقًا للظروف ولا أن يدير الأشخاص الذين جُبِلوا على العداء له، على سبيل المثال فالشخص الذي يعرف السياسة (أي فن الإدارة) لا يجعل الأمور الفرعية والتفصيلية وسيلةَ للشجار، إنه يعرف الجميع جيدًا من حيث شخصياتهم وقدراتهم وبيئاتهم الثقافية ويتصرّف وفقًا لذلك، وحتى لو رأى سيلًا جامحًا قادمًا نحوه فإنه سرعان ما يجد مجرى له، يشقّه، ويجعله جالبًا للمنافع لا للأضرار؛ إذ يجمعه في سد ثم ينقله إلى الأرض الزراعية… إلخ.

السياسة -أي: فن الإدارة- ليست مجرد مسألة دولة فحسب؛ فهي تدخل في مجالات التعليم والأسرة والعلاقات الإنسانية والقضايا الاجتماعية أيضًا، ومما لا شك فيه أنه كلما اتسعت الدائرة كلما زادت أيضًا صعوبة إدارة الأشخاص، فالأصل هو حل المشاكل بعقلانية ودبلوماسية واتباع منهجية سياسة صحيحة إزاء الأعداء، ولكن الإداريين الذين ليست لديهم مؤهلاتٌ كافية ولا يستطيعون الوفاء بحق مناصبهم يلجؤون على الفور إلى القوة الغاشمة والعنف ولا يستوفون متطلبات علم السياسة.

ولا سيما الأشخاص الذين لم يستحقوا مناصبهم بالترقي تدريجيًّا، وقفزوا فجأة ورُقُّوا إلى نقطةٍ معينة فإنهم يعجزون عن الوفاء بحقّ المكان الذي يشغلونه، وعلى الرغم من أنهم يمثّلون مناصب عالية، إلا أنهم يظلّون متخلفين كثيرًا عن مكانهم عاطفةً وفكرًا؛ ويضطربون وينفعلون بسرعة أمام الصعوبات وحيل الأعداء التي تحيط بهم أو تواجههم، وينهزمون لمشاعرهم، ولا يعرفون كيف ومتى عليهم أن يتحركوا، لذا لا يمكنهم أداء الواجبات التي تترتّب على المنصب الذي يمثّلونه أداءً صحيحًا، ولكن الأشخاص الذين ينجحون في أداء واجباتهم التي كُلفوا بها على نطاق صغير، ويثبتون نضجهم العقلي بمرور الوقت؛ تكون قدرتهم على الوفاء بحق مناصبهم أعلى، وحيثما وُظِّفوا لا يُخطئون بإذن الله تعالى.

يستحيل الوصول إلى الحق باللجوء إلى الطرق الملتوية!

ولقد اكتسبت كلمة حافظ الشيرازي أهمية أكبر بالنسبة لمسلمي اليوم، ففي عالم اليوم حيث لا تغيب النزاعات والصراعات قطعًا، ويحاول العنف والسلوكيات المتطرفة تلويث وجه الإسلام البهي، هناك حاجة ماسة للتصرّف مثل مولانا جلال الدين الرومي ويونس أمره وبديع الزمان حيث مقابلة الأذى بالصفح، والسب والشتم بالسكوت، وقسوة القلوب باللين، ينبغي للمسلمين أن يتصدوا لكل أنواع الفظاظة والعدوان، وأن يصبروا على الشدائد والصعوبات، فرغم احتلال بلاد المسلمين وانتزاع أراضيهم والتلاعب بأنظمتهم الإدارية واستغلال مواردهم في القرون الأخيرة، فإنه لا ينبغي أن يدفعهم ذلك إلى التصرف بتطرف ورد فعل عنيف، بل يجب عليهم أن يسعوا -في سبيل القيم التي يمثلونها- إلى بناء جسور السلام وجزر الحب في جميع أنحاء العالم من خلال توجيه الفكر الإسلامي إلى النقطة التي ينبغي أن يكون فيها.

هناك الكثير من الأخطاء تُرتكب اليوم في هذا الشأن! حيث يبدأ البعض النضال من أجل الاستقلال على حسب هواه وبشكل منفصل عن الدولة، ويُطلق البعض اسمَ الجهاد على قتل الأبرياء بيد الانتحاريين، دون تفريق بين الأطفال أو النساء أو الشيوخ، فنظرًا لتعذّر الوصول إلى اتفاق على الحق، فإن كلَّ فردٍ يبحث عن الحقّ وفقًا لنفسه وهواه، ويطرح طريقة خاصّة به في النضال والكفاح، ومهما سعى في إثر الاستقلال والحرية فإنه لا يتمكن أبدًا من الوصول إلى هدفه، وتظهر الفوضى والشجار على الساحة، بل وتتأجج الأحقاد والبغضاء، مما يتسبّب في العداء للإسلام.

لا يمكن الوصول إلى الحق من خلال اللجوء إلى طرق ملتوية بعيدة عن الحق والصواب، فالغايةُ لا تبرر الوسيلة، وعلى حد تعبير الشيخ بديع الزمان: عندما لا تكون السبل إلى كل حق حقًّا، ويُسعى إلى تحقيق هدف حق عبر استخدام وسائل خاطئة؛ فإن كل النضالات والكفاحات المبذولة تظلّ عرضةً للفشل، والحال أنه يلزم أن تكون الطرق الموصِّلة إلى الحق حقًّا أيضًا، فإذا كنا نستهدف الحق، ووضعنا نصب أعيننا إعلاء كلمة الله، وجعلْنا غايتنا المثالية هي أن تجتمع البشرية جمعاء في جوٍّ من الحب، فينبغي لنا أن نفهم جيدًا أننا لا نستطيع تحقيق هذا الهدف بأفكار ميكافيلية، ولا داعي لأن نختلق طرقًا وأساليب توافق تفكيرنا وهوانا في هذا الصدد.. إننا مطالبون بأن نتحرّك أولًا وفقًا للمبادئ والأسس التي وضعها القرآن والسنة، ثم وفقًا للقيم الإنسانية العالمية التي حققتها البشرية اليوم بعد نضالات كبيرة وعظيمة.

الاتفاق في النقاط المشتركة

إن الكشف عن النقاط المشتركة العالمية التي اتفقت حولها البشرية ثم الاتحاد حولها هو أسلوب مهمّ من السياسة يجب اتباعه اليوم، كما في كل الأوقات، يجب علينا أن نحدّد النقاط المشتركة مع الأشخاص الذين لديهم مشاعر وأفكار مختلفة تحديدًا جيدًا للغاية، ونقول لهم كما قال القرآن لأهل الكتاب: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ فهذا فنُّ إدارةٍ مهم للغاية يجب اتباعه من أجل تحقق السلم والسلام في جميع أنحاء العالم.

ففي القرآن الكريم يقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/64).

وبديع الزمان يفسر مصطلح “أهل الكتاب” الوارد في الآية بـ”أهل المدرسة والعلم”، وعندما ننظر إلى الآية وفقًا لهذا، نفهم أن الآية تمتدح المسيحيين واليهود من جهة ما على اعتبار أنهم قرؤوا وفهموا الكتاب الذي نُزِّل عليهم، ومن ناحية أخرى يحتوي هذا المصطلح على تحذير شديد ينطوي على المعنى التالي: بما أن لديكم كتابًا في أيديكم تقرؤونه فعليكم أن تتصرفوا تصرف المتعلمين والمثقفين، وليس انطلاقًا من معلومات سماعية وشائعات مثل الآخرين.

ثم يعلن الله تعالى أنه يمكن الالتقاء حول كلمة سواء يتفق عليها كلا الطرفين، فما هي هذه الكلمة السواء؟ إنها العبودية لله فحسب، وتركز الآية على الجانب الإيجابي للمسألة دون أن تلوم أو تتهم أحدًا، كما أنها لا تخوض في التفاصيل في هذا الموضوع؛ لأن التعمق في التفاصيل تنشأ عنه الخلافات والنزاعات، وما دام يمكن التوصل إلى اتفاق حول المبادئ الأساسية، فليس صوابًا الاختلاف في التفاصيل.

من الطبيعي أن تكون لدى أصحاب الديانات والثقافات المختلفة نقاطٌ عديدة يصعب التفاهم حولها، ومع ذلك يمكن الاتفاق على النقاط المشتركة دون التطرق إلى النقاط التي من شأنها أن تولد الصراع والشجار، لذلك ليس من الصواب أن نصرخ بحقائقنا في وجه الطرف الآخر، دون أن نضع مشاعره وأفكاره في الحسبان.

إن الضمائر السليمة والعقول الراجحة لا تعارض دعوة مثل دعوة القرآن الواردة أعلاه، لذلك من المهم جدًّا بالنسبة للأشخاص الذين يمثلون رسالة مهمة أن يتصرفوا دائمًا في إطار هذا الفهم الدقيق، وهذا أمرٌ يتوقف عليه تحقيقُ وحدةِ الروح ووحدة القلب، فلا يمكنكم أن تعمروا فجأة قلعة متهالكة منذ سنوات، وحتى وإن كان التدمير سهلًا، فإن إعادة شيء ما إلى شكله الأصلي أمرٌ أصعب.

لقد دُمِّرَت القلوب والضمائر والعقول في عصرنا الراهن أيما دمار، فلم تبق ثقة بين الناس بعضهم ببعض؛ ولذلك فإن استعادة هذه الثقة، والقدرة على الثقة بالآخرين، أي خلق جوٍّ يمكن للناس فيه أن يديروا ظهروهم بسهولة لبعض في ثقة وأمان؛ يتطلب جهدًا بالغًا، فإذا كنتم تعتقدون أن لديكم رسالة تريدون تقديمها إلى العالم، فيجب أن تبدؤوا العمل من خلال الاتفاق أولًا في أقرب دائرة، ثم تنفتحوا تدريجيًّا إلى الخارج وتتفقوا مع الآخرين في النقاط المشتركة، يجب ألا تتسبّبوا في المشاكل في أي مكان، وأن تبتعدوا عن القضايا التي تتسبب في صراعات واختلافات دنيوية، ذلك لأن العالم في حاجة ماسة إلى التعايش في جو من الأخوة والتعاون والسلام والوئام..

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب الثاني والعشرون، ص 325.

[2] البيهقي: شعب الإيمان، 11/ 22؛ الديلمي: مسند الفردوس، 1/ 176 (واللفظ للديلمي).

الحيطة والحذر

Herkul | | العربية

سؤال: اعتاد أهلُ الدنيا على تصيّد نقاط الضعف الدنيوي والأهواء البشرية لبعض الناس؛ رغبةً في إدانتهم والنيل منهم، فما المسؤوليات التي تقع على عاتق الذين نذروا أنفسهم لخدمة القرآن من أجل مواجهة هذا الخطر؟

الجواب: من الصعب حقيقة توضيح هذا الموضوع الحسّاس بكلّ تفاصيله، لما له من أبعاد متعددة، ولأنه يتطلّب توخّي الدقة والحذر من حيث حفظ الأمانة، وحماية الوحدة الروحية، ومن الصعب أكثر تفعيل القضايا النظرية في الواقع العملي، ولكن دعوني أعرض أمامكم بعض النقاط التي تتبادر إلى ذهني وأراها مهمة.

بادئ ذي بدء يجب أن نكون على وعي ودرايةٍ بالحقيقة المذكورة في السؤال، فكما لم تترك بعضُ الفئات التي جُبلت على العداوة أهلَ الإيمان وشأنهم قديمًا فكذلك سيكون موقفها في المستقبل، فسيسعون حتمًا إلى التسلط عليهم، ومراقبتهم، وملاحقتهم، وإحصاء حركاتهم وسكناتهم، وسيبذلون كلَّ ما في وسعهم إذا ما وجدوا فرصة لتعجيزهم والقضاء عليهم، ولذلك فمن الأهمية بمكان أن يضع العاشقون للخدمة الإيمانية والقرآنية في حسبانهم أنهم مراقَبون، وفي ملاحقة دائمة.

وكما استطاعوا حتى اليوم اكتشاف نقاط الضعف لدى الكثيرين، وأوقعوا في حبائلهم مَن عجزوا عن اكتشاف نقاط ضعفهم، وضيّعوا اعتبارهم وهيبتهم بشكل ما؛ فسيعملون بعد الآن أيضًا على تدبير مثل هذه المكائد والمؤامرات.. فسيحاولون بحيلهم وألاعيبهم التجني عليكم والإضرار بكم في كل فرصة، وحتى تكشفوا الحقيقة وتبرزوا الماهية الحقيقية لافتراءاتهم وأكاذيبهم يكون الأوان قد فات، وقاموا هم بتخريباتهم التي تشوّه صورتكم؛ حيث يضعون في الأذهان تصوّرات خاطئة عنكم، ويثيرون مشاعر الناس ضدكم، حتى تتكدّر أكثر أعمالكم براءة وطهرًا في هذا الجوّ، فتظهر مكدّرة نجسة، وتذهب ضحيةً لهذا الكدر وتلك النجاسة.

وأحيانًا يسلّطون الضوء على خطإ مسلمٍ واحد، ويهوّلون هذا الخطأ؛ رغبةً بالطعن في الإسلام والمسلمين، وأحيانًا أخرى يحاولون استغلال هذه الذريعة من أجل القضاء على أي حركة إصلاحية، فلا يخفى أن الصراع بين الإيمان والكفر قائمٌ منذ أن خُلقت الأرض وحتى الآن، فلم يخلُ زمان من وجود الظالمين والمنافقين والفاسدين إلى جانب ذوي الصلاح والاستقامة والإيمان والأخلاق الرفيعة، ولن تتغير هذه الصورة فيما بعد، وسيبذل البعضُ كلَّ ما في وسعهم -سرًّا وعلانية- من أجل تحقيق مآربهم الفاسدة، وتعطيل المؤمنين عن الطريق الذي يسيرون فيه، فما يقع على عاتقنا هو ألا نتجاهل ألبتة وجود مثل هؤلاء الذين أشرِبَتْ قلوبهم الفتنة والفساد، وألا نمنحهم الفرصة قطعًا بأحوالنا وتصرفاتنا، بل ربما يكون من الضروري أن يجتمع المؤمنون في صعيد واحد، للتشاور فيما بينهم، والتركيز على ما يجب فعله في هذه المسألة، ووضع الإستراتيجيات الخاصة بها، وتقديم النصح لبعضهم.

اتقوا مواضع التهم!

علينا أن نتوخّى الحيطة والحذر والدقة العالية حتى لا نعطي هؤلاء الذين جُبلت نفوسهم على الكفر والضلالة والحسد والغيرة فرصة تُيسِّر أمرهم وتفتح شهيتهم للهجوم علينا، فإن التمسك بالعفة والعصمة هو أمرٌ واجبٌ علينا، ودَين على عاتقنا تقتضيه عبوديتنا، فعلينا أن نتجنب ليس فقط المحرمات والمعاصي، بل كل تصرف من شأنه أن يترك علامة استفهام في الأذهان. فقد جاء في الأثر: “اتَّقُوا مَوَاضِعَ التُّهَمِ”[1].. فهذا الأثر وإن كان فيه ضعف فإنه يكشف عن مبدإٍ مهمٍ للغاية، فقد تكونون أعفَّاء إلى أقصى درجة، ولكنكم لو تجوّلتم في المواضع النجسة، فقد يرصد البعض تحركاتكم، ويستغل هذا الأمر ضدكم، فلا يكفي ألا يكون في الأمر حرجٌ من الناحية الشرعية، بل يجب أن تضعوا في اعتباركم كيف سيُفسَّر هذا الأمر فيما بعد، فقد يصطادونكم من خلال تصرّفاتكم التي لا تعبؤون بها، فلا يشهِّرون بكم فقط، بل بالحركة التي تنتمون إليها أيضًا.

فعلى الذين نذروا أنفسهم لخدمة الإيمان والقرآن أن يحافظوا على شرف رفقاء دربهم وكرامتهم كما يحافظون على شرفهم وكرامتهم أنفسهم، فنحن المسؤولون إذا تعرضوا للنقد والتجريح بسببنا، فمن أجل الحفاظ على الأمانة التي نحملها فوق ظهورنا، وعلى دعوى الإيمان التي نطمح إليها؛ علينا أن نراعي الدقة البالغة ولا نتقدم خطوة إلا بعد تفكير وتدقيق عميق.

فكم من الأكاذيب كُشِفَتْ بعد أن خُلع عليها رداء الصدق، وبسببها تعكّرت المياه الصافية! وكم من المؤمنين تعرضوا لافتراءات لا أصل لها! ولم تقتصر التخريبات الناجمة عن هذه العمليات القذرة على الذين تمّ تصويرهم على أنهم الفاعلون للجرم فقط، بل أدّت إلى ظهور موقفٍ مناهضٍ للدين، فقد يرتكب بعضُ المؤمنين بعض الأخطاء دون وعي منهم أو يقترفون بعض الذنوب عن عمدٍ، فتجدها بعضُ الفئات فرصة كبيرة أمامهم، فيستغلونها بلا تردّد للطعن في الدين، ومع أنه ليس من حقّ أحدٍ الطعن في الدين والافتراء على المسلمين لمجرد أخطاء يرتكبها بعضهم، إلا أنه ومهما بدت الأخطاءُ شخصيةً فإنها تُعدّ من جهةٍ ما انتهاكًا لحقوق العامة.

لا سيما وأنه يجب على مَن كانوا في وضع يسمح لهم بتمثيل الدين أن يعيشوا حياتهم كلها بعزم نبوي وجِدّ ودقة، وتمسك بالعفة والعصمة، وأن يضعوا في الاعتبار الهجماتِ المحتملة من أهل الدنيا، ونقاطَ الضعف التي قد يُساء استخدامها، وأن يتحركوا بفراسة وبصيرة عالية.. بل عليهم أن يتجنبوا حتى بعض الأمور المباحة التي لا ينكرها الدين إن كان يُخشى منها أن تكون سببًا في الشك والتهمة والإدانة وسوء التأويل والاستغلال.

وإن مثل هذه الجهود التي يبذلها المؤمن كي لا تُشوَّه صورة دينه، ولا تتضرّر الحركة التي ينتمي إليها ستُسجَّل في خانة عبادته، ويُدوَّن ثوابها في صحيفة أعماله؛ لأن حساسيته كانت من أجل الإسلام، ووراء هذه الحساسية ابتغاء مرضاة الله تعالى.. والحال أننا مهما راعينا الحساسية البالغة من أجل الحيلولة دون إحراج المسلمين، وعدم النيل من الرسالة النورانية التي جاء بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدم تشويه وجه الإسلام المشرق؛ فهذا قليل من أجل ديننا وقيمنا.

محاسبة النفس

يجب ألا نقوم بأيّ تصرفٍ نعجز عن تقديم كشف حساب له.. علينا أن نحاسب أنفسَنا قبل أن نُحاسب، وأن نبني حياتنا على شعور المحاسبة الجادة، فلا نعطي أصحاب النوايا السيئة الفرصةَ لتصيُّدِ نقاط ضعفنا، حتى لا نخون الأمانة التي نحملها فوق أكتافنا.

كان الأستاذ النورسي رحمه الله يتوخى دائمًا الحساسية والدقة البالغة فيما يكتسبه من مال وما يلبسه من ثياب، وما يطعمه من طعام، ولا يتوانى في مصارحة الجميع بكل ذلك.. قد يُرجع البعض هذا الصنيع إلى زرع الثقة في نفوس طلابه، هذا صحيح، ولكن لا ينبغي أن نحصر الأمر في هذا فقط؛ فقد أراد رحمه الله أن يقطع الطريق أمام الأكاذيب والافتراءات التي قد تنال منه فيما بعد، كما أنه بمكاشفته وتعامله بشفافية مع الجميع؛ قد منعَ أيَّ نقدٍ أو تهمةٍ تُكال له، وبيّن للجميع أنه يعيش حياة عفيفة كريمة. أجل، لقد عاش الأستاذ النورسي حياة بسيطة عادية إلى أقصى درجة، وفي الوقت ذاته كان يكاشف الجميع بالحياة البسيطة التي يعيشها.

قد يستكثر البعض هذا، ويرى أن مثل هذه الحساسية تجعل الإنسان يعيش في بؤس وجحيم، ولكن لا ننسَ أن الجنة حُفَّت بالمكاره، وأن النار حُفّت بالشهوات، فإذا تجاوز الإنسان هذه العقبات التي تواجهه استطاع الوصول إلى الجنة، لا سيما إذا كان في موضع يمثل فيه الدين ويظهر في المقدمة؛ فليتذكّرْ أنه بذلك ينشد المزيد من المشاق والصعوبات؛ لأن أكبر رصيد لديكم هو الثقة، فإن ضاعت فلن يستمع أحدٌ إليكم، ومن ثم تحطمون في النهاية أذرع الكثيرين وأجنحتهم، وتقوضون كثيرًا من الخدمات المبذولة.

ولذلك عليكم أن تتحمّلوا! فكلُّ صعابٍ تتجشّمونها ستُسجّل في دفتر حسناتكم، وتطيش بها كفة الميزان في الآخرة، وإنا لا ندري في أي نوع من المفاجآت وأي صورة من الإحسانات الإلهية ستتمثل أمامكم في الآخرة هذه الصعاب التي تحملتموها في سبيل الله في هذه الحياة الدنيا.

[1] الغزالي: إحياء علوم الدين، 3/36.

التوازن بين المغنم والمغرم

Herkul | | العربية

من الناس مَن يرعى دعوة الإسلام في أوقات الراحة والاستقرار، ومنهم من يتبنّاها في أوقات الشدة والمحن، المهمّ أن يرضى الإنسان عن الوضع الذي هو فيه، وأن يؤدّي المهمّة المنوطة به بالكامل وفقًا لمتطلّبات الظروف والأوضاع، على سبيل المثال فإن بعض الناس طالما ينعمون بالراحة والاستقرار تراهم يضطلعون بخدمة الدين، ويعيشون حياتهم على الاستقامة وفق رضا الله تعالى، وبالتالي يقومون بأعمال تقودهم إلى الجنة، غير أن هؤلاء إذا تعرضوا لابتلاءات قاسية فقد يخسرون في وقت هو أدعى للكسب.

من الجميل أن يحاول المرء الوصول إلى العظمة ويتأسّى بالعظماء، يقول مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم: “خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي”[1] أي عصر السعادة النبوي، وخير جيل شهدته وستشهده البشرية على الإطلاق هو جيل الصحابة رضوان الله عليهم، ورغم ذلك لا ينبغي للمرء أن يقول: “يا ليتني عشت في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم”، لأن المخاطر على قدر النعم والمكاسب، والغنم بالغرم؛ والابتلاء كان عظيمًا شديدًا.. وإن العيش في هذه الحقبة فيه من الخطورة ما فيه من الشرف والمغانم؛ فقد يفوز المرء ويكون في صفّ مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم، ومن الممكن أيضًا -حفظنا الله- أن يكون في الطرف المقابل، فليس من السهل على الشخص آنذاك أن يتخلّص من آثار وبقايا الجاهلية، وأن يترك البيئة الثقافية التي نشأ فيها، وينتقل إلى الضفة الأخرى وهي الإيمان بالله عز وجل..

 فكما أنَّ كلَّ زمانٍ فيه مَن يُعارضون هديَ النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه من المحتمل أيضًا أن يقف في ذلك الوقت مع المناوئين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويتعرّض للخسران الأبدي، وحتى وإن آمن المرء في ذلك الوقت، فلم يكن من السهل أيضًا أن يثبت على إيمانه؛ فإن العدوَّ قويٌّ، والحربَ ضروسٌ.

نحن جميعًا أبناء البيئة الثقافية التي نشأنا فيها، ونظرًا للحقبة الزمنية التي نشأنا فيها أسلمنا وآمنا بالله ورسوله دون مشقّة أو إكراه، وتغلغلت العادات والتقاليد الإسلامية في أرواحنا، فلم نُعانِ صعوبةً في تقبّل الإيمان.. ومن ثم فمهما شكرنا ربنا على حالنا فهو قليل، ومع أن شاعر الإسلام “محمد عاكف” يقول مستسلمًا لمشاعره:

لو كنتُ أعلم عصره الوردي، لكنت بلبله؛
يا ليتكَ خلقتَني من قبل، يا ربّ!

فيجب ألا يُنظر إلى المسألة من جانب واحد.. بل ينبغي رؤية دهاليز الخسران كما يُرى أفق الفوز، فبموجب قاعدة “الغنم بالغرم”، ينبغي ألا يُنسى أن العيش في عصر السعادة النبوي ينطوي على مخاطر بقدر ما له من نعم ومكاسب، فلا أحد منا يعلم ما إذا كان بإمكاننا أن نتحمل معاناة ومشقات تلك الحقبة أم لا، لذلك فعلينا أن نرضى بحالنا، وأن نسعى إلى الاستفادة القصوى من الإمكانات المتاحة لنا، يجب علينا أيضًا أن نقيس القدر الذي يسمح به المناخ العام الذي نعيش فيه والبنية الاجتماعية والظروف المحيطة والنظام العام؛ من أجل معايشة الإسلام وتبليغه للآخرين، وأن نحاول التحرك وفق هذا الإطار.

ينبغي لنا ألا نستخفّ بمعاناة الصحابة والتابعين وتابعي التابعين والذوات العظام ممن عاشوا بعدهم في فترات لاحقة، فقد أمضى كثير منهم حياتهم على ظهور الخيل، وعلى الجبهة في جهاد دائم مع أعدائهم، وكانوا في هجرة دائمة من مكان لآخر، كما فاضت أرواح كثير منهم على الجبهات، لقد ماتوا ولكنهم تسبّبوا في إحياء الآخرين، ومن الطبيعي أن هناك فئة أخرى في هذا الوقت قد انكبوا على وجوههم وتعثروا وتساقطوا على الطريق.

لن يكون من السهل على جيل مثلنا قد اعتاد على الراحة ولم يواجه صعوبات حقيقية أن يثبت في مواجهة مثل هذه الابتلاءات القاسية، وأن يثابر في مواجهة الصعوبات التي لا تُطاق.. لذا علينا أن نشكره تعالى على حالنا قائلين: “الحمد الله الذي خلقنا في زماننا هذا، ولم يُحملنا ما لا طاقة لنا به”، علينا أن نعيش بحلم الوصول إلى مستوى الذين عاشوا في عصر السعادة النبوي بدلًا من أن نطلب العيش في ذلك العصر، المهم هو ألا نخون المهمة المنوطة بنا، وأن نكون قادرين على الوفاء بحقّها.

إن الحق تعالى يهدي بعض الأفراد أو المجتمعات السبيل ليكونوا عظماء، ويهبهم المزيد من النعم، فلو أنهم علموا قدر هذه النعم التي قدَّرها الله لهم، لأنعم عليهم بنعم أكثر منها، وإلا فإنهم لن يكونوا قادرين حتى على الوقوف عند مستوى العامة من الناس، بل إنهم ينحدرون أسفل منهم، لقد خلق الله تعالى الإنسان في الحقيقة مرشحًا للوصول لمثل هذه العظمة، لأنه مظهر لأحسن تقويم، وهو أشرف المخلوقات؛ وكأنه خلاصة الوجود كله وجوهره، إنه المخلوق الذي سجدت له الملائكة، فإذا ما قصر هذا الإنسان -الذي كرمه الله كل هذا التكريم- في الوفاء بحقّ القابلية والجاهزية اللتين يتمتع بهما؛ هوى إلى أسفل سافلين، وأصبح مخيَّرًا بين ثلاث: إما أن يفعل الخيرات أو يرتكب المنكرات أو يظلّ ساكنًا دون حركة، والحالتان الأخيرتان تؤدّيان إلى سقوطه في الهاوية، أما الصعود فله طريق واحد: هو عمل الصالحات، ولقد صاغ القرآن الكريم هذا الأمر في الإيمان بالله وعمل الصالحات، ويمكننا أن نرى هذا التوازن من النعم والمشاق ومن المغنم والمغرم في حياة كل فرد، ولكن قد يكون هذا أكثر وضوحًا عند البعض، فبقدر المغرم الذي يتحمّله الإنسان يكون المغنم، وهذه القاعدةُ مصدر العديد من الأحكام الفقهية، على سبيل المثال لا تكون المكافأة الممنوحة للمحارب المغوار الذي يواجه الأعداء واضعًا الموت نصب عينيه في ساحة القتال نفس المكافأة الممنوحة لأولئك الذين يخدمون في الخطوط الخلفية.

يمكننا إنزال القاعدة نفسها على علاقتنا مع الله؛ حيث يكون قرب المرء من الله بحسب موقعه وتعمّقه في العبادة، فالعبد يتقرّب من الله بقدر المشقّة التي تحملها في سبيل العبادة، وكلما تقرّب من الله ازدادت النعم التي سيحظى بها، وبالطبع تزداد المسؤولية عليه بنفس القدر، فلا يتساوى من ينتظر أمام الباب بالذي يُستقبل في الردهة، أو الذي يُصطحب إلى غرفة الضيوف بالذي يُجلس في الغرفة الخاصة، فإن الذي ينتظر أمام الباب يُلقى في الشارع على الأكثر إن لم يراعِ آداب المكان الذي يقف فيه، بينما الذي يُستقبل في الغرفة الخاصة إن لم يفِ بحقّ موقعه، ولم يتصرّف باحترام تجاه الاهتمام الذي حظي به، فإنه يسقط من قمة إفرست إلى قاع البحر الميت.

يمكننا توضيح المسألة بمثال مختلف: قد يُشرِّف الله تعالى بعض الناس بمهمة الإرشاد والتبليغ أو يجعلهم قادة ومسؤولين يوجهون الجماهير، فإن الوظيفة المنوطة بهم في هذه الحالة هي حسن استغلال المكانة والاعتبار والإمكانات والفرص التي يتمتعون بها في توجيه الناس إلى الطريق المستقيم، أما إذا لم يفعلوا هذا، فخدعوا وأضلوا الحشود التي تسير من خلفهم، فإنهم بذلك لا يكونون قد أوفوا بحقِّ موقعهم، بل أساؤوا استخدامه، ومن ثم فإن عِظم الذنب الذي سيتحملونه سيكون كبيرًا جدًّا.

إن الإنسان إذا حظي بموقع أو مكانة ما، فإنه مكلف بالوفاء بحقّ هذا الموقع، فلا ينبغي أن يُضلل أولئك الذين يتفقدون نظراته، ويعتمدون عليه، ويصغون له، وألا يتخلى أبدًا عن المشورة حتى لا يَضِلّ أو يتسبب في ضلال الآخرين، وألا يتحرّك بناءً على مشاعره، وأن يراعي حسابات الله وليس حسابات نفسه أو عياله أو أسرته، وأن يحرص دائمًا على أن يخطو خطوات ويضطلع بأعمال ترضي الله تعالى وترضي سيد الأنام صلى الله عليه وسلم، وأن يجعل القرآن الكريم والسنَّة النبوية دليلين له، وأن يستمسك بهما حتى لا يُدمر آمال من يقودهم خلفه ويحطم قواهم المعنوية ويعرضهم للانكسار.

وكما أن مكافأة الذين أحرزوا مكانة مهمة ستكون عظيمة إذا وفّوا بحق مواقعهم، فإن عقوبة من يخونون موقعهم ستكون كبيرة أيضًا بنفس القدر، لهذا يقول رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم في حديث شريف: “إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ عَادِلٌ، وَأَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ وَأَبْعَدَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ جَائِرٌ”[2].

أجل، كما أن مكافأة الحكام العادلين عند الله كبيرة بدرجة تفوق تصوراتنا إذا وفّوا بواجبات المسؤولية الثقيلة التي يتحملونها، وضمنوا وصول الحقوق إلى أصحابها، فإن عاقبة الحكام الظالمين ستكون أيضًا وخيمة جدًّا؛ لأنهم خانوا الوظيفة التي استؤمنوا عليها، ولم يتحروا العدل مع رعيتهم، ولم يستخدموا الإمكانات التي منَّ الله عليهم بها كما يجب. أجل، “بقدر الكد تُكتسب المعالي”، أي إنّ جميع النجاحات -المادية منها والمعنوية- تكون متناسبةً مع المشقات ومع الجهود المبذولة في سبيلها، فعلى المرء إذا أراد أن يحظى بتلك الغنيمة الكبيرة أن يتحمل أعباءها، فكلما كان المكسب كبيرًا كان الخطر أكبر.

فإذا فتح الحق تعالى أعينكم -إلى حد ما- على الحقيقة، وأنعم عليكم بفرصة العمل مع الصالحين، فإن المنوط بكم هو أن توفوا موقعكم حقه، وأن تجعلوا الموقع الذي أنتم فيه دائمًا نصب أعينكم، وأن يتساءل كل منكم: “ماذا عليَّ أن أفعل في هذه الحالة؟ كيف يكون يا تُرى الطريق الذي سأتبعه؟” فإن لم يكن عقلكم قادرًا على تحديد وجهتكم، فعليكم أن تلجؤوا إلى العقل الجمعي، وتحاولوا الوصول معًا إلى الوجهة الصحيحة، وعند البحث عن الأسباب التي تساعدكم على الوفاء بحقّ موقعكم، ينعم الله عليكم بألطاف غير عادية، ويحرككم السَوْق السبحاني إلى طريق الخير، وفي الحقيقة فمن الخطإ أن نقيِّم النعم الجمّة التي حظينا بها اليوم بغير هذا.

من جهة أخرى فإن الوفاء بحق الموقع يتطلّب الاستمرارية، فعلى الرغم من صعوبة الصعود إلى قمة برج الإخلاص، فإن البقاء هناك بشكل دائم أكثر صعوبة، فإذا كان صعود برج الإخلاص يتطلّب وحدة جهد واحدة، فإن البقاء هناك يتطلب عشر وحدات من هذا الجهد؛ حيث إن من يسقط من فوقه -حفظنا الله- يسقط في هاويةٍ سحيقةٍ على حدّ تعبير الأستاذ بديع الزمان، فبقدر ارتفاع البرج الذي يصعده، يكون عمق الهاوية التي يسقط فيها، لهذا السبب هناك حاجة دائمة إلى التقوية والتوجيه من أجل الحفاظ على الاستقامة، فمن ناحية يجب أن نحرص على ألا نحطم القوة المعنوية للفرد، ومن ناحية أخرى يجب أن نعين الجميع على محاسبة أنفسهم، علينا أن نرشد ونوجه بعضنا البعض إلى الخير والصلاح دائمًا حتى نحافظ على علاقتنا مع الله تعالى، ونتمكن من الوفاء بحقّ موقعنا، كما يجب ألا نهمل التغذية الروحية والقراءة والتفكير والمناقشة والتفكر حتى نتمكن من الحفاظ على قوامنا.

علاوة على ذلك قد يمنحنا الله أحيانًا إمكانات مختلفة، على سبيل المثال قد تمتلكون وسائل إعلامية قوية، وصحفًا أكثر مبيعًا، وقنوات تلفزيونية أكثر مشاهدة، ومؤسسات تعليمية متقدمة، وعندها ينبغي ألا تنسوا أن هذه الأشياء تتطلب شكرًا يتناسب معها، وتستوجب وفاءً بحق هذه النعم، فينبغي أن تلجؤوا إلى العقل الجمعي، وأن تُعملوا عقولكم في تحديد كيفية الاستفادة من الإمكانات التي حظيتم بها أفضل استخدام.. عليكم من جهة أن تقوموا بتحديد الرسالة التي ترغبون في تقديمها بشكل صحيح، وتختاروا الأسلوب الملائم عند تقديمها، ومن جهة أخرى عليكم ألا تعطوا الفرصة لبعض المخالفين والأعداء الذين يعترضون سبيلكم؛ وإلا فإن الله سيحاسبكم على هذا.

 

[1] صحيح البخاري، الشهادات، 9؛ صحيح مسلم، فضائل الصحابة، 212.

[2] سنن الترمذي، الأحكام، 4.

الأسرة

Herkul | | العربية

سؤال: ما هي مقوّمات تأسيس هيكلٍ أسريٍّ سليم؟

الجواب: يربط الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي في مواضع مختلفة من مؤلّفاته بين تحقيق الاستقرار الأسري وتحويل البيت إلى روضة من رياض الجنة وبين الإيمان، مؤكدًا بشكل خاصّ على الإيمان بالآخرة، فالحقيقة أن الأسرة التي يؤسّسها زوجان يضعان في اعتبارهما أنهما سيقدّمان كشفَ حسابٍ لحياتهما، ويؤمنان بأنهما سيحاسَبان على كلِّ عملٍ صغيرًا كان أم كبيرًا، ويدركان حقيقة الدنيا والآخرة؛ تكون مشكلاتها قليلة جدًّا ويسهل حلّها بدرجة كبيرة.. كما أن الأزواج الذين يتوقون إلى الجنة، ويتحلّون بالصبر على بعض المحن الدنيوية إيمانًا منهم بالحصول على النعم الأخروية، ويؤمنون بأن علاقتهم بشريك حياتهم ستستمرّ في الآخرة خاليةً من العيوب الدنيوية، ستصبح بيوتهم بمثابة روضةٍ من رياض الجنة.. فلا سبيل أن تغيّر الأمراضُ أو الشيخوخة أو المواقف والتجارب السلبية الأخرى من سلوك الأزواج تجاه بعضهم طالما أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر، ولن تُفسد الولاءَ والوفاء والصدق الحاصل بينهم.

إن البيت يتكوّن من أفراد، ومن ثم فإن إنشاء بيت صحّي وآمن مرهونٌ قبل كلّ شيء بتنشئة الأفراد تنشئة جيدة، لذلك ينبغي أن يضطلع البيت بمهمة المدرسة، وألا يتخلى الناس في الشارع عن التربية التي حصّلوها في المنزل، وأن يبثّ المسجدُ الروح فيهم، ويكون مصدر حياة بالنسبة لهم، وكذلك ينبغي أن ترشدهم المدرسة إلى الآفاق السامية والغايات المثالية، فالمكان الذي يتشتت فيه البيت، ويتلوّث فيه الشارع، ويخلو فيه المسجد من المصلين، وتستسلم فيه المدرسة للحفظ والنمطية ستعيش الأجيال فيه فراغًا قاتلًا، ولكن نظرًا لأن أجيال عصرنا -مع الأسف- لا يتمتّعون بمثل هذا التجهيز، وحُرموا في مرحلة نشأتهم من التأهيل لهذا الأمر، فإنهم يصدرون قراراتهم بشأن الزواج، واختيار الزوجة، ثم المواقف المختلفة التي تنشأ في الأسرة؛ وفق هذه الحياة الدنيوية القصيرة، ولهذا لا يستطيعون النجاة من دوامة المشكلات المتداخلة.

شهادات التأهّل للزواج

من جهة أخرى، فإن الأسس والمبادئ التي يعلمنا إياها الدين بداية من اختيار الزوجة إلى مرحلة الخطوبة، ثم إلى أحكام الزواج، ثم إلى العلاقات بين الزوجين ليست معلومة بالدرجة الكافية؛ حتى إن من يعلّمها أيضًا يواجه مشكلة في تطبيقها.. لهذا السبب هناك حاجة ماسة إلى إعادة النظر في موضوع الزواج مرة أخرى كما هو الحال في كثير من الموضوعات، وأن يتلقى المقبلون على الزواج تعليمًا جادًّا في هذا الصدد.

لهذا السبب، فإنني أرى منذ زمن بعيد أنه من المهم أن يتلقى المقبلون على الزواج ندوة أو دورة تدريبية جيدة، حتى إنني أعتقد بضرورة عدم الموافقة على زواج من لم ينجحوا في هذا التدريب ويحصلوا على الشهادة، وفي هذه الدورة التي ستُعقد بخصوص الزواج يجب أن يتم تعليم المقبلين على الزواج إدارةَ المسكن، وأحكامَ الزواج، وأن تُذكَر السمات الشخصية لكلا الجنسين، وأن يتم تناول المشكلات المحتمل وقوعها في الحياة الزوجية، وكيفية التغلب عليها، وأن تُوضَّح لهم وسائل الصبر والتحمل تجاه المصاعب التي سيواجهونها في الرحلة الزوجية.. فينبغي توعية وتهيئة المقبلين على الزواج مسبقًا بنوع المسؤولية التي سيتحملونها، ونوع المشكلات التي سيواجهونها.

وتجدر الإشارة بشكل خاص إلى أنه على الرغم من أهمية الحصول على معلومات نظرية حول الزواج، فإن هذا وحده لن ينجح في إزالة المنغّصات والأزمات داخل الأسرة، ينبغي بالتأكيد أن تُدعم هذه المعلومات بالإيمان بالله والإيمان بالحشر والنشر، وأن يتمّ توجيهها إلى هدف معين، فإن تأسيس أسرةٍ على أسسٍ متينةٍ مرهونٌ بتغذية أفراد المجتمع تغذيةً معنويّة، وإشباعهم روحيًّا، وبذلك سيتطوّر لديهم شعور جاد بالمسؤولية.

لم يغفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين واجباته قط أن يهتم بزواج أصحابه رضوان الله عليهم، فإلى جانب تبليغه وتمثيله الوحي الذي تلقّاه من الله، وترسيخه أسس الدين، وإعادة هيكلته للإنسانية، وإلغائِه عادات الجاهلية وممارساتها الخاطئة أو تصحيحها، فإنه قد ساعد أيضًا المقبلين على الزواج وأرشدَهم في هذا الصدد؛ لأنه بُعث معلِّمًا للحياة كلها.. ولما كان القصور في أيِّ مجالٍ يؤدّي إلى بعض الخلل في أماكن أخرى، فإنه لم يغفل المسائل الفرعية إلى جانب القضايا المتعلقة بأصول الدين، ولهذا كان ينبّه البعض إلى الأمور المهمة التي ينبغي القيام بها قبل الزواج، وينصح البعض الآخر في مسألة اختيار الزوج، ويساعد البعض الآخر في نفقات المهر، ويزوج الآخرين بنفسه.

وعلينا نحن أيضًا أن نساعد الشباب وأن نبذل قصارى جهدنا في إقامة بيوتٍ هانئة وزيجات سعيدة مقتدين برسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا السبيل، فيجب أن نهيئ الفرص ونمهّد الأرضية المناسبة للأشخاص الذين يفكرون في الزواج للالتقاء والتحدّث معًا، والاستماع والتعرف على بعضهم بعضًا بشكل صحيح؛ مع مراعاة الحد الذي يسمح به الدين، يجب أن نجعلهم مهيئين للزواج قبل الزواج بالكتب التي سنكلّفهم بقراءتها والدورات التدريبية التي سنقدّمها لهم، يجب أن نبحث عن الوسائل والطرق المختلفة التي تعيننا على شرح أحكام الزواج، وحقوق وواجبات الزوجين تجاه بعضهما، وكيفية تربية الأبناء.

والمهمّ قبل هذا كلّه أن نبني الأمور التي نوضّحها لهم على أسس إيمانية.. ولنعلم معرفة الله والاعتقاد بأن الأعمال التي تُنجَز هنا ستعود على المرء في الآخرة دون نقصان؛ هي بمثابة أرضية صلبة للموضوعات النظرية التي سنوضّحها لهم، فإن لم تضعوا الأسس على أرضية صلبة، فإن المباني التي ستبنونها على هذه الأسس الواهية ستكون ضعيفة أيضًا.. لذلك يجب أن نبدأ الأمر في البداية بوضع أرضية سليمة، ثم نقدّم بعد ذلك المعلومات التي نريد تقديمها، وهذا الأمر يتمتّع في يومنا الحاضر بأهمّية أكبر؛ لأن أجيال اليوم يعانون ضعفًا إيمانيًّا كبيرًا، وفجوةً في التديّن، فإذا أضيفت إلى ذلك مشكلات أخرى مثل الجهل والضعف الأخلاقي والتقليد؛ تصدّعت البيوت وتدمّرت.

الانصهار والتفكّك الأسريّ

تعاني الأسرة في العالم الغربي من وضع صعب للغاية، فعلى الرغم من أن الزواج والطلاق كان من أهم أولويات علماء الاجتماع منذ القدم، فإن معدلات الطلاق عالية جدًّا. فهناك كثير من الناس لا يرون في الزواج أسلوب حياة ويفضلون العيش بمفردهم، بل حتى إن الزيجات التي تطول وتستمر تكون معرضة للسؤال عن مدى توفر بيئة صحية وسلمية لأفراد الأسرة من عدمه.. ليس من السهل على الأشخاص الذين لم يتزوجوا من قبل أو الذين عانوا من شقاق حقيقي في حياتهم الأسرية أو المطلقين أن يحافظوا على عفتهم واستقامتهم فالتآكل الأخلاقي الذي نعانيه هو في واقع الأمر معروفٌ، فليس ثمّة حاجةٌ لتصوير الباطل وتشويه العقول النقيّة، ولكن إذا نظرنا إلى القضيّة حتى مع جانبها الظاهري، يمكننا أن نرى بسهولة كيف تمّ تفسُّخ المجتمع ونوعُ الشرور التي يتم ارتكابها فيه.

ومما يؤسَفُ له أن الصورة الحالية ليست مشجعة على الإطلاق حتى في العالم الإسلامي، فهناك تشابهٌ كبير بالغرب، إذ يبدو الأمر كما لو أننا فقدنا مقوّماتنا الأساسية، نحن نعاني انصهارًا ضمنيًّا دون أن ندرك ذلك، إننا لا نقلّد الآخرين في علمهم وتطوّرهم التكنولوجي؛ بل في نمط حياتهم وسلوكياتهم وأخلاقهم، إن الغرب يفرض على الآخرين باستمرارٍ أسلوبَ حياته بشكل غير مباشر؛ لذا فإن قِيَمَنا الذاتية وبيوتنا في خطرٍ وتهديدٍ عظيم، فمهما كان التركيز على أهمية إقامة زيجات صحية، وإنشاء بيوت آمنة، وتم تسليط الضوء على هذا الأمر؛ فإن هذه الجهود في يومنا الحاضر ستظلّ قاصرةً وضئيلة.

كانت بيوتنا في الواقع راسخةً جدًّا، وكانت قائمة على أسس متينة وقويّة إلى حدٍّ كبير، ومع ذلك فإنه حتى بعد أن تعرضنا للكثير من التخريبات والهزَّات، وسُلبت دعائمنا الأساسية منا، فإن بعض الغربيين الذين لا يزالون يرون الدفء والصدق في بيوتنا لا يستطيعون أن يُخْفُوا دهشتَهم وانبهارَهم، فما بالك لو رأوها قبل أن تنهار! ولا يسع الإنسان أمام حالتنا البائسة هذه إلا أن يقول: “لتنكسر أيدي من هدموها وخربوها!”، مع الأسف، خرّبنا بيوتَنا بأيدينا، وتعاني الأسرة في مجتمعاتنا من إعاقة حقيقية، وها هي ذا تتابع سيرها في تخبّط تامّ، لقد فقدت منازلُنا بهجتَها، وبهتَ منظرُها، وضاعت خصائصها وقيمها الحقيقية.

أهمية البيت

البيت هو بمثابة جزيء من جزيئات المجتمع، فإذا ما دُمِّر بات من الصعب جدًّا على المؤسسات الحياتية الأخرى أن تبقى على قيد الحياة، إن المجتمع الذي يعاني من انهيار البيت لا يستطيع أن يصل بسهولة إلى الصلاح، وإن المجتمع الذي لا يقوم فيه المنزل بمهمة المدرسة لا يمكن أن ينهض ويلملم شتاته أو يحدد مساره، لن تستطيعوا أن تجدوا القيم التي فُقدت في المنزل في أي مكان آخر، لا يمكنكم من خلال القواعد والقوانين أن تصلحوا الأفراد الذين لم يتمكن المنزل من تربيتهم، الأمرُ باختصار هو أن مستقبل المجتمع يعتمد إلى حدٍّ كبير على استقرار البيت.

لذا فلا بدّ من محاولة استعادة الوظيفة الأصلية للبيت مرة أخرى، وجعلِه بمثابة روضةٍ من رياض الجنة، وصبغ أفراد الأسرة من جديد بصبغة حميمية صادقة رحيمة وآمنة، قد يغضب الزوجان في العائلات التي تتصف بهذه الصفات ويمتعضان ويواجهان بعض المشكلات، ومع ذلك فإنهما يتحكّمان في غضبهما وحدّتهما حتى لا يسيء أحدهما إلى شريكه في الحياة الذي يشاطره نفس المصير ويسير معه في نفس الطريق.. إنهما يدركان أن الزوجين بمثابة ركن البيت وعموده، فإذا ما تصدع انهار البيت على رؤوسهما.. وعلى الرغم من أن أجدادنا ممن عاشوا في القرون الماضية لم تكن لديهم المعرفة العميقة ولم يتلقوا تعليمًا تربويًّا؛ فقد عرفوا كيفية حماية منازلهم بأخلاقهم التي انسابت إلى أرواحهم، وببِنْية تفكيرهم السليمة.. هناك حاجة ماسة إلى إعادة إحياء هذه الروح والمعنى مرة أخرى.

لقد ازدادت أهمية الأسرة أكثر وتضاعفت ولا سيما في عالم اليوم الذي يعاني انحطاطًا واسع النطاق، من المؤسف أن هناك بعض القنوات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي وغيرها من الوسائط المكتوبة والمرئية؛ تقوم بوظيفتها وكأنها فم وعين وأذن الشيطان؛ حيث تدخل بيوتنا وتعبث بمشاعر أطفالنا البريئة مثل يد الشيطان، فلو اجتمع كل الأشرار في العالم معًا فلن يتمكنوا من إيذاء الأجيال الشابة بقدر الدمار والانحطاط الاجتماعي الذي تسببت فيه هذه الوسائل الحديثة.. ومن ثم لا مفرّ من أن تضيع الأجيال الناشئة إذا لم نُوفَّق في إنشاء بيوت آمنة تشبه رياض الجنة، وتهيئة بيئة مناسبة ينشأ فيها الأبناء تنشئة قوية، فلا ينبغي أن تُترك البيوت لحيل الشيطان وجور الزمان.

ولا يُفهم من هذا أننا ضد الإعلام والتكنولوجيا.. فلو كانت هذه الوسائل في أيدي أشخاص ذوي نوايا طيبة وأخلاقٍ حسنة، فستقوم بوظيفتها كالحمائم القادمة من الجنة وستكون وسيلة لإعلان الجماليات للآخرين.. وإذا كان من الممكن استخدام الإمكانات التي يوفرها عالم العولمة اليوم بطريقة جيدة فيمكن ربط الرسائل النافعة بأقدام هذه الحمائم وتوصيلها إلى العالم بأسره، فرُبَّ شيءٍ يتحوّل إلى يد شيطان ويصبح عنصرًا هدامًا في يد البعض، يتحوّل هو نفسه إلى نَفَسٍ ملائكي عندما يكون في أيدي أناس آخرين، ويبث الحياة في الإنسانية جميعًا، المهم هو لأيّ غرض؟ ولأي هدفٍ؟ وبأي طريقة؟ وكيف يتم استخدام هذا الشيء؟ إن الإمكانات التكنولوجية إذا كانت في أيدي الأشخاص الذين يرغبون في الخير والعدل للإنسانية، فستصبح عنصرًا مهمًّا للغاية في سبيل إحياء البشرية وإعادة بنائها.

رَجُل الدعوة والابتلاءات

Herkul | | العربية

سؤال: من هو رجل الدعوة؟ ولِمَ يُقرن دائمًا رجل الدعوة بالابتلاءات؟

الجواب: الدعوة مفهومٌ عامّ جدًّا، وإن كلمة دعوة في تركيب “رجل الدعوة” تأتي بمعنى الغاية والمبدإ والهدف المقصود تحقيقه، وكما تكون الدعوة دنيويّةً فقد تكون أخرويّة أيضًا، فقد يَنذُر بعضُ الناس أنفسهم لإعمار العالم، ويركضون باستمرار وراء تحقيق هذه الغاية المثالية، وبعضهم يكرّس حياته -كما نرى في الأفلام الوثائقية- للبحث في حياة الحيوانات، وربما للبحث في حياة حيوان واحد فقط، وبالتالي تحقيق اكتشافات علمية جديدة، والبعض الآخر يكافح طوال حياته من أجل هيكلة الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وفق أيديولوجيته وفلسفته، ويسعى إلى إنشاء نظام يوافق مفهومه الخاص، كلّ هذه نماذج من صور الدعوة.

أما صاحب الدعوة فهو الإنسان الذي يكافح من أجل تحقيق غايةٍ مثاليّةٍ، ويضحّي ويتحمّل في سبيل هذا بعض الحرمان إذا لزم الأمر.

وهناك بعضٌ آخر يقولون: “حان وقتُ إنقاذِ الإيمان” محاولين إيقاد جذوة الإيمان في القلوب، إن دعوتَهم تستهدف نيلَ رضا الله، وهمّهم الوحيد هو الجنة، ورؤية الله، والفوز برضاه ورضوانه تعالى، فهؤلاء يرون أن “إعلاء كلمة الله” هي أعظم وسيلة لبلوغ هذه النعم، فيحاولون إيصال كل القلوب المتعطّشة إلى الله سبحانه وتعالى، وتوصيل الاسم الجليل المحمدي صلى الله عليه وسلم إلى شتى بقاع العالم، وفي هذا السبيل يواجهون جميع أنواع الصعوبات ويبذلون كل أنواع التضحيات.

ومن المعلوم أنه إلى جانب الدعوات التي يرتكز هدفها بالكامل حول الدنيا، فإن هناك دعوات أيضًا ترتكز حول الآخرة، وتُحدّدُ قيمة الدعوة بحسب الغاية المثالية التي يُرجى تحقيقها، والجهد المبذول في سبيل تحقيقها، فيكتسب الإنسان قيمته حسب الدعوة التي يحمل لواءها، والغاية التي يكثّف همّته من أجلها.

إننا عندما نتحدث على وجه الخصوص عن الدعوة ورجل الدعوة في عالمنا الخاص، فإننا نفهم زيادة على هذه المعاني، دعوة الإيمان ومن نذروا أنفسهم في سبيلها، وانطلاقًا من هذا المعنى فإن أعظم “رجال الدعوة” -إذا صح استخدام هذا المصطلح في حقهم- هم الأنبياء عليهم السلام، ويأتي من بعدهم ممثّلو هدْيِ النبي صلى الله عليه وسلم المباركون مثل الخلفاء الراشدين، وعمر بن عبد العزيز، والإمام الغزالي، وفخر الدين الرازي، والعزّ بن عبد السلام، والإمام الرباني، ومولانا جلال الدين الرومي، والأستاذ بديع الزمان.. فقد كان همّهم الوحيد هو إحياء الدين، إن التشرُّف بحمل إرث الدعوة النبوية والقدرة على تمثيلها لهو في حدّ ذاته دعوة سامية ومقدَّسَةٌ للغاية، لكنها أيضًا صعبةٌ وشاقّة بنفس القدر، وإن السائرين في هذا الطريق منذ القِدم تعرّضوا للابتلاءات التي تعرّض لها الأنبياء العظام، وواجهوا صعوبات هذا السبيل، ومن ثَمَّ قضوا حياتهم بوجهٍ عام في مشقّة وعناء.

الإعراض عن الدنيا بشكل إرادي

إنَّ الذين سلكوا طريق الدعوة إلى الله قد يُعرِضون عن الدنيا بمحض إرادتهم؛ وقد يسوقهم الله سبحانه إلى هذا الإعراض ببعض الابتلاءات التي يبتليهم بها، يقول الأستاذ بديع الزمان: “إن العاملين في خدمة القرآن إما أن يُعرضوا عن الدنيا أو الدنيا تُعرض عنهم، كي ينهضوا بالعمل بجد ونشاط وإخلاص”[1]، فتؤرّقهم في بعض الأحيان الأمراضُ، وأحيانًا المشكلاتُ التي يواجهها الفرد في الحياة الأسرية أو الاجتماعية، وأحيانًا الابتلاءات السماوية أو النوازل الأرضية، وأحيانًا أخرى تسلُّط أهل الدنيا؛ فكل هذه الأمور تؤرّق الإنسانَ وتُفقده راحته وتوجّه وجهته نحو الآخرة.

ولا شكّ أن الذين أصبحوا أسرى الحسد أو العداوة بشكلٍ خاص لن يتركوا مثل هؤلاء وشأنهم، فسيسعون محاولين التسلّط عليهم، وسيستغلّون الوسائل والفرص والقوة والسلطة التي في أيديهم لسحقِهم وتدميرهم، إن هذا الظلم والقمع الذي يمارسه هؤلاء الظالمون الذين يتصرّفون بدافع من الشيطان، يجعل الناذرين أنفسهم للدعوة في سبيل الله أكثرَ أهلية للقيام بالمهمة الملقاة على عاتقهم، فتصبح مثل هذه البلايا والمصائب بالنسبة لهم كفارةً للذنوب، وتصحيحًا وتقويمًا لأخطائهم وتقصيراتهم؛ ومن ناحية أخرى فإنها تصبح صفعة رحمة بالنسبة لهم، فتلفت انتباههم وتركيزهم، وتردّهم عن بعض الأخطاء التي ارتكبوها.

صفعات الرحمة

حسنًا، ما هي الأخطاء التي تجلب صفعة الرحمة؟ هناك أشياء كثيرة يمكن عدّها في هذا السياق مثل العيش بلا مبالاة، وعدم القدرة على استغلال الحياة بطريقة مثمرة ومربحة، وعدم الوفاء بحق الموقع والمكانة، وعدم استخدام الفرص والإمكانات المتاحة في تحقيق الغاية المثالية، وعزو النجاحات إلى النفس، وارتكاب أخطاءٍ قد تُضعِفُ قوة الخدمات المبذولة باسم الدين الإسلامي المبين، وعدم المحافظة على الوفاء والاستقامة، والابتعاد عن الصدق والإخلاص، فعندما نعود جميعًا إلى الوراء وننظر إلى مجريات حياتنا نرى أن هناك العديد من الفرص التي فوتناها، ومن الممكن أن نُسأل عن مدى استغلالنا الوسائل المتاحة لدَينا في تحبيب الناس بِدين الإسلام.

فإن مثل هذا الإهمال والتقصير قد يعود علينا في صورة صفعات رحمة، والسبب في تسميتها بـ”صفعات الرحمة” كما عبر عنها الأستاذ بديع الزمان هو أن مثل هذه الأزمات التي ظاهرُها الشرُّ والقبح يكمن في باطنها الخير الكثير، فإن صفْعَ الله جلّ جلاله لنا بيد الظالمين بسبب هذه الأخطاء والتقصيرات -وبتعبير آخر: إنصاف القدر- لا يُعَد عذرًا للظالمين، فإن الظالمين سيحاسَبون في الآخرة على ما ارتكبوا من ظلم، وسيعاقبون على كل ما اقترفوا من جَور وبغي.

ولا ينبغي لمن نذروا أنفسهم للدعوة إلى الله أن يقارنوا أنفسهم بغيرهم؛ فإن الطريق الذي سلكوه هو طريق النبي صلى الله عليه وسلم، لهذا ينبغي لهم أن يراعوا متطلّبات الطريق، فعليهم أن يعيشوا بعصمة وصدق نبوي حتى لا يضروا بالحقائق التي يمثلونها، وأن يبثوا الثقة والأمان في مخاطبيهم حتى تنفذ كلماتهم إلى قلوبهم، وأن يكونوا على استقامة تامة، فإن عاشوا غير منتبهين لمثل هذه المسائل فإنهم يكونون قد خانوا القابليات والاستعدادات التي أنعم الله تعالى بها عليهم، فيعذبهم الله ويعاقبهم بأيدي الظالمين حتى ولو كانت الأخطاء التي ارتكبوها صغيرة جدًّا، وذلك حتى يتطهّروا ويتصفَّوا ويصبحوا أهلًا للموقع الذي يمثّلونه أو يسيروا في طهرٍ وصفاءٍ إلى الحضرة السبحانية.

فقد ورد في حديث شريف: “أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ”[2]، فأحيانًا ما تكون الابتلاءات التي تأتي وفقًا لموقع الشخص ومكانته صعبةً وقاسية للغاية، فيشعر المرء كما لو أنه يُسحق تحت زنجير دبابة، المهم هو أن يفعِّل المرء العقل والشعور في مثل هذه المواقف ويفسر الأزمات التي يتعرّض لها بشكل صحيح، فينبغي للإنسان أن يعقد علاقة بين الموقع الذي يمثله والأخطاء التي ارتكبها والأزمات التي يعانيها، حتى يتمكن من أن يقول مثلما قال بديع الزمان: “لقد جاءت جميعها مناسبةً لحالي”، ومن يقدر على فعل ذلك يعرف كيف يصبر، ولا يتخلى عن الرضا، ولا ينخرط في أفكار ومواقف لا تُرضي الله عز وجل، بل إنه يجعل الصعوبات التي يواجهها مصدرَ ربحٍ للآخرة.

إن الأشياء التي تحزن وتكدر النفوس اليقظة والحساسة في الواقع ليست فقط البلايا والكوارث المعروفة للجميع، بل إن الحالة العامة للإنسانية اليوم وحالة المسلمين البائسة كافيةٌ لتجرّع المرارة والتأوّه من الكرب، على سبيل المثال يُحرم المسلمون اليوم في العديد من الأماكن حتى من أبسط حقوقهم الديمقراطية ولا يُسمح لهم بممارسة شعائرهم الدينية بشكل كامل، وتُمارَس ضغوطات شتى على الوجدان والمعتقدات والمشاعر والأفكار، كثيرٌ من الناس في بقاع مختلفة من الأرض يقتلون بعضهم بعضًا متذرعين بالتباينات والاختلافات الكثيرة بينهم، فلا تنتهي الخلافات ولا الصراعات على الإطلاق، فيسلب كلُّ واحدٍ من هؤلاء جزءًا من الأشخاص المرتبطين ارتباطًا وثيقًا بمصير الإسلام.

هل يا تُرى هناك بلاء أعظم على المسلم من حالة المسلمين البائسة اليوم؟! هل يمكن أن تكون هناك كارثة أكبر من سحق القيم التي نؤمن بها؟! أيُّ بلاءٍ ننتظر أكبر من هذا؟! عندما تنظرون إلى الأحداث من منظور رغباتكم وتشوّفاتكم، تشعرون أن المشكلات تهطل عليكم زخًّا زخًّا، فلا يُتصوّر ألا يشعر الأشخاص المهتمون بمصير الإسلام بالأسى أمام هذه الصورة السلبية وألا تنحني ظهورهم من شدَّة الكرب.

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة العاشرة، ص 63.

[2] سنن الترمذي، الزهد، 57؛ سنن ابن ماجه، الفتن، 23.

ألاعيب النفس وسلامة القلب

Herkul | | العربية

إن استقامة الإنسان أو اعوجاجه يبدأ من القلب، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ”[1]، لافتًا بذلك الانتباه إلى أهمية القلب، فكما أن صحّة القلب المادي وتناغمه وإيقاعه يؤثر في سائر الجسد، فإن القلب المعنوي أيضًا يفعل الشيء نفسه، فإن كان نقيًّا سليمًا كانت حياتنا الروحية والمعنوية قوية، وتكون علاقتنا مع الله تعالى قوية أيضًا، على الشاكلة نفسها فإن الخلل والعطب الذي يبدأ في القلب يؤثر أيضًا في حياتنا المعنوية والأخلاقية ويفسدها.

ما من عضوٍ آخر يشبه القلب في تغيّره السريع وتلوُّنه، فمن هذه الجهة سمي القلب “قلبًا”، فهو مأخوذ من فعل “قَلَبَ-يقلِب”؛ أي: تغييرُ الشيء وتحويلُه وقلْبُه وجعلُ أعلاه أسفله.. ومن السهل جدًّا أن يتجّه القلب إلى الحسنات، أو إلى السيئات، لهذا السبب فإن من أكثر الأدعية التي داوم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي: “يا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي على دِينِكَ”[2]. كذلك يعلمنا القرآن الكريم أن ندعو بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/8).. فمن الأهمّية بمكان أن يتوجّه العبد إلى ربه بهذه الأدعية.

كذلك اللسان فهو رسول القلب وترجمانه، وإن الكلمات التي يتفوّه بها المرءُ في حديثه هي انعكاسات للمعاني الكامنة في القلب، فاللسان هو ترجمان القلب، ويمكنكم بالنظر في كلام الإنسان أن تتعرّفوا على الأفكار التي يكنّها في قلبه، فكما أن رقّة الأسلوب تشير إلى نقاء القلب وصفائه، فإن فظاظته وغلظته تدلّ على فساد القلب وعطبه، علاوة على أنه يمكن القول: إن العطب الذي يصيب القلب يؤثر أيضًا في الذهن، ويوجّه الآراء والأفكار، فمن اسودّ قلبُه أو مات يصبح مفلسًا على المستوى الفكري، ويعاني شللًا منطقيًّا وعقليًّا.

إن علاقة المولى جل جلاله بنا ستكون بقدر تعمُّق قلبنا وارتباطه وصلته به تعالى، ومن ثم فإنه إذا تعرضنا لبعض البلايا، وأصاب الخلل أعمالنا، وتسلّط علينا غيرنا، وساءت أمورُنا عمومًا؛ فإن أول شيء يجب النظر فيه والتفتيش عنه هو علاقتُنا بالله تعالى.. هل نسَبْنا يا تُرى الجماليات التي تحقّقَت بأيدينا إلى أنفسنا؟ هل يا تُرى لم نقدر على الوفاء بحقّ موقعِنا؟ هل يا تُرى لم نتمكّن من الحفاظ على إخلاصنا وصدقنا؟ هل قصَّرنا يا تُرى في صدقنا ووفائنا لربنا سبحانه وتعالى؟ هل يا تُرى انشغل قلبنا الذي هو “بيت الله” بأمور دنيوية؟

لقد أنعم الله تعالى علينا إلى اليوم بألطاف تفوق ما نستحقّه بأضعافٍ مضاعفة، فإذا ما نريد دوام هذه الألطاف واستمرارها فعلينا أن نحافظ على قوَّةِ صِلَتِنا القلبية به تعالى.

هل تثقون في أنفسكم؟

يجب أن نثق في أن الله تعالى لم ولن يضيّع في أيّ وقتٍ أبدًا من كانوا في دائرة معيّته ومحبّته، ذات يوم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته السيدة فاطمة رضي الله عنها تبكي بسبب تعنّت مشركي مكة مع أبيها وأذاهم له صلى الله عليه وسلم، فقال لها: “لَا تَبْكِي يَا بُنيَّةُ فَإِنَّ اللهَ مَانعٌ أَبَاكَ”[3]، ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم واثق من نفسه ومن وفائه وإخلاصه، ومن أنه يقف على أرضية صلبة، فلم يتشوف قط إلى أي مقابل على وظيفة النبوة التي أداها حقّها.

هذا هو المهم حقًّا، فإن كنتم واثقين في إخلاصكم وصدق تفانيكم في خدمة الدعوة فلا داعي للقلق، أما إذا لوَّثتم الأمر بأهوائكم وتطلعاتكم وحساباتكم الشخصية، وشهواتكم الجسمانية والبدنية، واتخذتم الخدمات التي قمتم بها وسيلة للتعريف بأنفسكم، وجعلتموها بمثابة عتبةٍ للتقدّم من خلالها للأمام، وشابت الأمرَ أفكارٌ من قبيل المقام والمنصب والدرجة والتصفيق والتقدير والشهرة؛ فإن هذا هو ما يجب عليكم في الحقيقة أن تقلقوا بشأنه، وينبغي ألا تنسوا أن الأعمال المنجزة على درب النبي صلى الله عليه وسلم لا تتحمل أدنى تلوّث أو دَرَن، فإذا اختلطت بها قطرةٌ من دنس تلوّثت وتدنّست.

ينبغي لمن نذروا أنفسهم للخدمة ألا يتطلّعوا إلى الأمور الدنيوية حتى ولو كان المقابل إنقاذ العالم بأسره وليس وطنهم الأصلي فحسب، وألا يُدنّسوا قلوبهم بمثل هذه الأشياء.. وعلى مَن كانت الآليّة الكبرى لديهم هي نذرُ النفس وعدم التشوّف للمقابل ألا يضحوا بهذه القيم مقابل أشياء دنيوية خسيسة، وألا يخطوا أيَّ خطوةٍ من شأنها أن تشوب اعتبارهم أو تقلّل من كرامتهم، وألا يخلطوا مصالحهم الشخصية بما يضطلعون به من عمل في سبيل الخدمة، وألا يرهنوا ما قدموا من أعمال طيبة بمنفعة أو مصلحة.

إن الأنبياء هم الذين أرشدونا إلى كيفية التحرّك في سبيل خدمة الإنسانية، فمصدرنا وسبيلنا في هذا الدرب هو هديُ ومنهجُ الأنبياء وخيرُ من اقتدى بهم من الصديقين، وما عدا ذلك من السبل “تيهٌ وضياع”، فمن يزغ ويخرج عن هذه الجادة سوف يقع في مهاوي الفساد دون وعي منه، وحتى وإن أفرحته سبلُ الفسادِ هذه يومًا فإنها ستبكيه يومًا آخر بالأشياء التي ستلقيها في طريقه، وتجعله يقول: “يا ليتني متُّ قبل أن ألقى هذا وكنتُ نسيًا منسيًّا”، فيا ليتنا نتمكن من نسيان هذه الدنيا المشؤومة بجانبها المطل على الدنيا وشهواتها[4]، فمن لم ينسوها أساؤوا لأنفسهم، وتسببوا في دمار أمتهم.

إن الأمور الدنيوية جميعها زائلةٌ فانية، وإن الباقي هو الإيمان، والأعمال الصالحة، وذلك على حدّ تعبير الآية الكريمة: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (سورة الشُّعَرَاءِ: 26/88-89)، ينبغي للإنسان ألا يتشوّف في هذه الدنيا إلى مقابلٍ لأعماله الصالحة، فإذا فعل فعليه أن يقلق من تضرّر صدقه وإخلاصه، وعليه أن يربط جميع حساباته بالله، يقول تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (سورة الزُّمَرِ: 39/36). أجل، يكفينا الله تعالى، فلِمَ نركز أعيننا على ما سواه؟ ولا يُقصد من هذا عدم استغلال مقدرات وإمكانات الدنيا، فلنستغل منها ما نشاء ولكن مع ضرورة أن نفحصها جميعها ونُعمِل فيها أفكارنا، وأن تكون دائمًا موافقة لرضاه تعالى.. علينا أن نستعيذ بالله عمّا يُغضبه ولا يُرضيه، ولا تنسوا أنّ أيّ ضررٍ يصيب عجلة إنتاجكم أو يعيقكم عن التقدم ناشئٌ عن أنكم قد ارتكبتم أمورًا لا ترضي الله تعالى.

دعوة إلى الإحياء

إن دعوتنا هي دعوة الفناء من أجل إحياء الآخرين، فإذا ما قدّر الله تعالى أن يمنّ على مجتمع بالنماء والقوة مرة أخرى وقدّر له الانبعاث من جديد فندعوه تعالى أن يجعلنا سمادًا في هذا السبيل، فإن القدرة على الوجود من أجل الآخرين تعتمد إلى حدٍّ كبيرٍ على الانسلاخ من النفس، فمن غير المتوقّع على الإطلاق أن يخدم الإنسانية بصدق وإخلاص هؤلاء الذين يخدمون من أجل مصالح ومنافع معينة، ويلهثون وراء الدنيا، وبغضّ النظر عن نوع العمل الذي يقوم به هؤلاء الذين نذروا أنفسهم للخدمة، فإنه يجب ألا يربطوا عملهم بأيّ مقابلٍ دنيويّ، يجب أن يكونوا مثل الإبرة التي تحاول أن تخيط ما مزقه الآخرون باستمرار وإن ظلّت هي عارية، أو يكونوا مثل الشمعة التي تحرق نفسها من أجل أن تضيء للآخرين.

ولنضع نصبَ أعيننا أن الظفرَ بغنائم الآخرة مرهونٌ بدفع شهوات الدنيا الجسمانية والنفسانية فالنِّعَمُ والمتع والملذّات التي نستمتع بها في هذه الدنيا تعتبر من ناحيةٍ ما استهلاكًا للنعم التي ستُمنح في الآخرة، ويشير القرآن الكريم إلى ذلك بقوله: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (سورة الأَحْقَافِ: 46/20).

قد يبسط الله الرزق للبعض، وينعم عليهم بإمكانات مختلفة، لكن ينبغي للإنسان حتى في موقف مثل هذا ألا يغير مستوى معيشته، وألا ينسى أنه في الدنيا عابر سبيل، وألا يستنفذ كل شيء هنا ويستهلكه.. لقد انتبه العظماء إلى هذا الأمر بما يتناسب مع مقامهم وعظمتهم، وعاشوا حياة في غاية الزهد والبساطة، ولأضرب لكم مثالًا تستأنسون به إن أعجزكم التجريد عن التمثيل؛ انظروا مثلًا إلى الحياة الطاهرة النقية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يحدْ قطُّ عن مساره، لا قبلَ النبوّة ولا بعدها، ولا عندما فاضت الغنائم بين يديه، وكذلك ورّاثه الصادقون فقد التزموا المنهج نفسه.

هؤلاء هم أبطال الاستغناء الذين خلقوا جوًّا حقيقيًّا من الثقة فيمن حولهم، وكانوا مقنعين حقًّا، فلا يمكن لمن لا يتبع سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعيش مثل الصحابة رضوان الله عليهم أن يمثل دعوتهم، ولا شك أنهم سيعاتَبون على هذا في الدنيا أو في الآخرة.

أجل، إن مهمّتنا هي مهمة الصحابة رضوان الله عليهم، فإنهم القدوة الذين يجب الاقتداء بهم، ولا يهمنا الآخرون.. سيحاسب كل امرئ أمام الله تعالى عن أفكاره وأفعاله، فعلينا أن ننظر إلى أنفسنا، وعلى المخلصين الذين سلكوا سبيل الدعوة إلى الله أن يقفوا في ثبات على أرض صلبة، لا سيما في الوقت الذي تكشف فيه الدنيا للناس عن جمالياتها الأخَّاذة ومفاتنها، وتوقع طالبيها في شراكها بجمالها المبهر كما يجذب الصياد الطيور ببضعة حبوب.. عليهم أن يحافظوا على مواقفهم المعيشية عندما تبدأ الدنيا في الازدهار كما حافظوا على ذلك عندما كانت مواردهم شحيحة.

أرجو من الله أن تمثّل الأجيالُ القادمة هذه الروح وهذا المعنى على خير هيئة، فلا تفتنهم الدنيا ولا تغشي أبصارهم، ولا يصبحوا أسرى للمال والثروة، ولا يرهنوا أنفسهم لمتاع الدنيا، وألا يتصرفوا بطريقة تجلب عليهم لعنةَ الأجيال القادمة، وأن يتركوا لمن خلفهم ذِكرًا جميلًا وذكرى جميلة بما قدموا من خدمات خيريّة وبما عاشوا من حياة مستقيمة.. ولا سبيل لهذه النجاحات إلا بالتزام منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وإلا فإنْ بدؤوا الأمر كسيدنا هارون عليه السلام، ثم انحرفوا فأصبحوا بعد ذلك مثل قارون، فإن الله سبحانه سيخسف بهم الأرض وسيلعنهم مَن بعدهم.

لا يجتمع حُبَّان في قلب واحد!

قد يتعرض حتى الأشخاص الذين لا يُتوقع أن ينزلقوا أبدًا للانزلاق إذا لم يخطوا على الأرض بحيطة وحذر في الموضع الذي تكثر فيه الانزلاقات.. لذلك علينا أن نعيش بدقة وحذر أكبر في هذه الفترة التي يلهث فيها الكثير خلف الدنيا، ويعيشون من أجل دوام المتعة والرخاء، ويستغلّون الإمكانات التي حصلوا عليها لمصالحهم الشخصية، فإذا لم تعيشوا بحيطة وحذر في هذا العالم الذي ينزلق فيه الكثير، ويغذون السير وراء المصالح والمنافع، ويلهثون فيه باستمرار خلف المكانة والمنصب؛ فقد تخضعون أنتم أيضًا لتأثير إشعاعات هذه المشاعر والأفكار السلبية، والأسوأ من ذلك، أنكم قد تعتبرون حياتهم طبيعية، وترون أنه لا ضير من أن تكونوا مثلهم؛ مما سيُسبّب كوارث كبيرة، فلنتذكّر دائمًا أن كلَّ إنسانٍ في الآخرة سيكون مسؤولًا عن تصرفاته وأفعاله وأفكاره، وسيعامَل حينئذٍ وفقًا لذلك.

وبما أننا متفقون على صعوبة التخلّص من براثن النفس التي ستواجهكم كل يوم بحيل وخدع شتى، وتُسوّل لكم ما لا ينبغي لكم ولا يليق بكم، وتفتنكم به، وتجعلكم تلهثون خلفه؛ فعليكم في كل مرة أن تضعوا خططًا بديلة للنجاة من مراوغاتها ومناوراتها.. لهذا السبب اشتكى حتى الأولياء العظام دائمًا من “النفس الأمَّارة”؛ لأنها الآلية التي يستخدمها الشيطان دائمًا للوصول إلى الإنسان والوسوسة له، فيُجري الشيطان تأثيره على الإنسان من خلال تفعيله لهذه الآلية. لذا فعلى الإنسان أن يناضل كلَّ يومٍ ويحاول تطهير نفسه حتى يتمكن من إبطال هذا التأثير الذي يشكّله اتحادُ الشيطان والنفس معًا.

لا ينبغي تشويه الأعمال التي تُنجَز في سبيل الله بأيّ شيءٍ آخر، ويجب أن نقدّم أعمالنا كلَّها إلى الله بعد وزنها بميزان الضمير ثم إعادة معايرتها بمعيار بالغ الدقة، كما لا ينبغي أن نسمح لبعض أهواء النفس بالتسلّل إلى أعمالنا وتلويث حياتنا التعبّدية، علينا أن نضرب بالمطرقة على رأس كلّ ما لا يرضي الله تعالى حتى لا تقوم له قائمة مرة أخرى، وعلينا ألا نحيد عن استقامتنا اتّباعًا للأمر القرآني، وأن نسعى إلى الثبات على الطريق المستقيم، وإلا فإننا بمجرد دخولنا لمرة واحدة في المنعطفات المظلمة للنفس الأمَّارة، سنتعرّض لحوادث مرورية كثيرة لدرجة أننا سنفقد الأمل في النجاة، ومهما حاولنا بعد ذلك فقد لا نتمكن من إصلاح بعض التشقّقات والتصدّعات التي حصلت، وحريٌّ بنا منذ البداية أن نقف على أرضيةٍ راسخةٍ صلبةٍ.

فإذا شاب الأمرَ بعضُ الأشياء الخاصة بنا -بعد أن بذلنا جهدًا ومجهودًا جادًّا للحيلولة دون ذلك- دون قصد منا؛ فنرجو الله تعالى أن يغفر لنا ويعفو عمّا بدر منّا بسبب عجزنا وضعفنا، ومع ذلك فليس من السهل أن يوجد حُسْنُ الظنّ نفسه تجاه الأشخاص الذين لا يكترثون ولا يأبهون بالأمر ويتظاهرون بأنهم يفعلون الأفضل في كل شيء.

من الصعب جدًّا أن تجتمع الأمور الدنيوية والأخروية معًا، فما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، ومن ثم لا يمكن أن يجتمع حُبَّان في قلب واحد، من الممكن أن يخدع المرء نفسه في هذا الصدد، فيقدِّم نفسه على أساس أنه يخدم دينه، ويقوم بأعمال مفيدة لأمته والإنسانية جمعاء، فتدخل نزواته وتشوّفاته في الأمر، وكلّ تشوّف يكون بمثابة أَرَضَةٍ أو دودة تقرضُ العالم المعنوي للإنسان، فإنها عاجلًا أم آجلًا سوف تنخر فيه حتى تلتهمه وتقضي عليه، فليست قوة الأعداء هي التي تهيّئ لنهاية المسلم ولكن هذه التشوّفات الدنيوية، فكلُّ تشوُّفٍ لمقابلٍ دنيوي يكبّل يدي الإنسان، فيصبح هذا الإنسان الذي خلقه الله حرًّا أسيرًا لنفسه بيده، لذلك -لا قدر الله- يمكن أن يخسر في وقت هو أدعى للكسب.

لهذا السبب من الضروري تغذية الأصدقاء الذين يركضون في مجالات مختلفة من الحياة تغذيةً روحيةً ومعنويةً باستمرار، ولا ينبغي السماح لهم بالانفصال عن قيمهم وغاياتهم الأصلية، وألا يصبحوا أسرى عجزهم وضعفهم، وألا يسلموا قلوبهم وعقولهم لأشياء أخرى، لا ينبغي السماح لهم بأن يأسرهم توهُّمُ الخلود، ولا طول الأمل، ولا غير ذلك من الرغبات والأهواء التي ذُكرت في “الهجمات الست”[5] التي تحدث عنها الأستاذ بديع الزمان، أو التي لم يرد ذكرها.. فعلى المرء أن يذهب على الأقل في أيام معينة من الأسبوع إلى بئرٍ ويملأ دلوه من مصدر هذا الماء العذب الرقراق.

[1] صحيح البخاري، الإيمان، 39؛ صحيح مسلم، المساقاة، 107.

[2] سنن الترمذي، القدر، 7؛ سنن ابن ماجه، الدعاء، 2.

[3] الحاكم: المستدرك على الصحيحين، 3/169.

[4] إن للدنيا ثلاثة أوجه: الأول: وجه كالمرآة تعكس تجليات الأسماء الحسنى، والثاني: وجه ينظر إلى الآخرة، أي إن الدنيا مزرعة الآخرة، أما الثالث: فهو الوجه الذي ينظر إلى العدم والفناء، فهذا الوجه الأخير هو الدنيا غير المرضية عند الله، وهي المعروفة بدنيا أهل الضلالة. (بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة الرابعة والعشرون، ص 390)

[5] هو القسم السادس من المكتوب التاسع والعشرين من كتاب “المكتوبات” للأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي، ويقصد بـ”الهجمات الست”: حبّ الجاه والشهرة، والخوف، والطمع، وفكرة العنصرية، والأنانية والغرور، وحب الراحة والدعة.

منهج قراءة جديدة

Herkul | | العربية

من المؤسف أننا كمجتمعٍ قد تأخّرْنا كثيرًا في الحياة العلمية والفكرية، ولهذا السبب نشعر بالحاجة إلى الحديث الدائم عن النجاحات التي تحقّقت في الماضي وإلى التسلّي بها.. ولأن عالمنا اليوم قد خلا من الجماليات التي يمكن الافتخار والتعبير بها عن أنفسنا فإننا نلجأ دائمًا إلى عالم الماضي الحالم، ونتحدّث عما قدَّمه أسلافنا من إسهامات إلى عالم العلم والمعرفة..
من الطبيعي أن نتحدّث عنها؛ فتجاهلها ليس صحيحًا، ولكن يجب ألا ننسى أننا “مستقبلٌ جذوره ضاربة في أعماق الماضي” على حد تعبير الأديب التركي يحيى كمال، يجب علينا أن نتحرّك ونعمل انطلاقًا من فكرة “بما أن هذا حدث في الماضي، فَلِمَ لا يحدث في المستقبل!” علينا ألا نسلي أنفسنا بأيام الماضي الباهرة، بل علينا أن نسعى كي نكون رجال المستقبل من خلال الاستفادة من الحاضر استفادةً جيدةً جدًّا.
من ينكر ماضيه ينكر جذورَ نفسه، وبذرتَه وأمّته، والمهم في الأمر إنما هو القدرة على جعل ثمرة الماضي نواة للمستقبل عبر الاستفادة من الحاضر استفادة جيدة للغاية.. أي إنه القدرة على الشعور بالأمس والحاضر والغد سويًّا والاستفادة منهم جميعًا، فإن لم نستطع تقويم الحاضر ولم نستطع إنشاء مستقبلنا بينما نفتخر على نحو دائم بمفاخر الماضي؛ فإننا بذلك نكون قد أحكمنا الأسوار من حولنا، وحبسنا أنفسنا بداخلها، ومن ثم نظلّ نتشدّق بملاحم الحماسة والبطولة مثلما يفعل بكثرة مسلمو اليوم، وحينها لا يكون لدينا ولو بضع كلمات نقولها بشأن المستقبل.
هناك العديد من المشكلات التي تنتظر الحلّ في يومنا الحاضر.. وثمة شكٌّ وتردُّدٌ دائمٌ يتشكّل في الأذهان حول الدين والتديّن، وهذا بدوره يعكّر أذهان الأجيال الشابة التي ليس لديها بنية دينية أساسية ولا مجهزة بشكل كافٍ، ولا تتغذى من مصادرها الخاصة بقدر كافٍ أيضًا، حتى إن أذهان الأشخاص المنوط بهم الإجابة عن الأسئلة والشبهات المطروحة مرتبكة للغاية، وعلى الرغم من وجود دراسات محمودة إلا أنها غير كافية؛ فالجروح التي تكونت والأضرار التي نتجت جسيمةٌ للغاية حقًّا، وهناك العديد من الناس يعيشون هزة حقيقية فيما يتعلق بالقيم التي يؤمنون بها، ونظرًا لتدنّي مستوى فهم المجتمع تدنيًا شديدًا يكون التخريب والتدمير أيضًا أمرًا سهلًا جدًّا.
وبديع الزمان سعيد النورسي عقل عظيم جدًّا استشعر منذ وقتٍ مبكّرٍ للغاية المشكلات المعاشة وقدم لها وصفات علاجية مناسبة.. ومع ذلك، لم نستطع أن نستفيد بحقٍّ من الآثار النافعة التي خلَّفها وراءه.. وقد أسأنا فهم عبارة: “حتى وإن لم يستفد عقلك استفاد قلبك” التي قالها لحكمة معينة، وقد طغت هذه العبارة على عقولنا فترة طويلةً، وعشنا أسرى لها.. لذلك لم نتمكن من الاستفادة بشكل صحيح من هذا المنهل العذب المورد، ولم نستطع الخوض نحو أعماقه، وبناءً على ذلك لم نتمكن من تطوير أدوية مناسبة لأمراض عصرنا.
ثمة حاجة إلى ثورة جديدة في الشعور والفكر.. يجب علينا أن نطوّر منهجًا وأسلوبًا جديدًا في التفكير، وطريقة جديدة للقراءة، ويجب علينا إعادة النظر في كل ما اعتقدنا أننا نعرفه من قضايا حتى الآن، فلا بدّ من طرح تفسيرات وتأويلات وآفاق جديدة وفقًا لعصرنا الحالي من خلال التخلّص من الشروح والتذييلات، وعدم إهدار الوقت في القصّ واللصق؛ فهذا هو ما سيجلب لنا نَفَسًا وروحًا جديدين.
ولسوء الحظ، إننا لسنا على علم بخلفية حتى المسائل التي سمعناها كثيرًا وظننا أننا نعرفها إلى اليوم، ومن ذلك مثلًا أن معظمنا يعرف ما ذكره الشيخ الجليل سعيد النورسي في الكلمة الأولى عن حقيقة البسملة، بل إننا حفظنا بعض الجمل الواردة فيها، ومع ذلك ثمّة شكٌّ في مدى فهمنا للحقائق المقصودة هناك، ومقدار ما يمكننا الخوض فيه من تفاصيل، ومدى قدرتنا على تقييمها سويًّا مع خلفيتها، فثمّة عديد من الحقائق الأغلى من الذهب تصير -للأسف- ضحايا للألفة والأنس والاعتياد.
أنا لا أقول هذا بالنسبة لأعمال بديع الزمان فقط؛ إذ يمكننا أن نقول الشيء نفسه بالنسبة لأعمال أئمة عظماء آخرين أمثال: الإمام الغزالي، والإمام الماتريدي، والعز بن عبد السلام، والإمام الرباني.. فثمّة حاجةٌ إلى تمزيق حجاب الغفلة الذي يستر كلّ هذا، وإعادةِ اكتشاف وقراءة إرثنا مرة أخرى؛ إذ يجب إعادة النظر في الاجتهادات الأصلية للسلف الصالح من جديد وتقديمها إلى الإنسانية في إطار فهم وفلسفة عالمنا المعاصر، بل يجب تناول القرآن معجز البيان كما لو أنه ينزل للتوّ، والاستفادة من السنة الصحيحة كما لو أنها تُسمَع للتوّ من النبي صلى الله عليه وسلم، واستنباط حقائق جديدة منهما حسب ظروف العصر واحتياجاته، فإذا أردنا أن نثبت مرة أخرى -بأسلوب جديد ومختلف يناسب عصرنا- أن القيم التي نمتلكها لم يعف عليها الزمن، ومدى احتياج إنسان اليوم إلى الأشياء التي يُعتقد بقِدَمها، فنحن بحاجة إلى بذل جهد جادٍّ وجهيدٍ.
يجب ألا نكتفي بتناول هذه القضايا على مستوى العامة فحسب، بل يجب أن نكون قادرين على إنتاج دراسات على المستوى الأكاديمي، ولهذا أيضًا يجب أن ننشئ أكاديميات، ونشكّل فرق بحثٍ لإجراء البحوث هناك، ونمكنها من التعمّق في مختلف المجالات، ويجب على تلك الكوادر أولًا مراجعة التراث الذي انتقل إلينا من السلف الصالح، ثم تقييم القضايا من الأفق الذي وصلت إليه الإنسانية اليوم.
ومن المعلوم، فقد كُتبت آلاف التفاسير بأحجام مختلفة سعيًا لفهم القرآن منذ وقت النبوة إلى يومنا هذا، ولم يقل أحد من المفسرين: “لقد كُتبت تفاسير كثيرة حول القرآن قبلي، فما الداعي إلى أن أكتب؟!”، وعلى الرغم من أن علماء -بدءًا من العصور الأولى للإسلام وصولًا إلى ما بعد ذلك من حقب- أمثال الطبري والرازي والقرطبي وأبي حيان ممن كان لديهم فهمٌ جادّ للقرآن، ونظرة شمولية، وعلم بالدين؛ قد كتبوا تفاسير بشكلٍ شاملٍ وعميق؛ إلا أن من جاؤوا من بعدهم لم يكتفوا بتلك التفاسير، بل أجروا دراسات جديدة وقدموا تفسيرات وتأويلات مختلفة بحسب زمانهم.
نعم، من الضروري واللازم صياغة منهج قراءة جديدة تنقذنا من الرتابة والاعتياد، فنحن -لسوء الحظ- نكرّر ما حفظناه وتلقّيناه، وننشغل بالمؤلفات على سبيل العادة، ونقوم بقراءات تهدف إلى الاستنباط من بين ثنايا السطور، ولا يمكننا الوصول إلى أي مكان بمثل هذه القراءات، علينا أن نطوّر منهجًا جديدًا للقراءة من شأنه أن يُحدث تجديدًا في حياتنا الفكرية، ذلك أننا إذا تمكنّا من الانبعاث عاطفيًّا وفكريًّا، فإن هذا سيغير علاقاتنا البشرية، ويؤثّر على نظرتنا إلى الوجود وينعكس على حياتنا التعبّدية، وسوف نفهم معنى الوقوف في حضرة الله سبحانه وتعالى، والركوع والسجود بين يديه، فإن لم نستطع المسير نحو مثل هذا التجديد وتجاهلنا روحه، فإننا نقتل أعمالنا الخالدة بأيدينا نحن ونسفّه بأنفسنا قيمَنا الخاصة.
نفتح المدارس والنوادي الثقافية ومراكز الحوار هنا وهناك، وننخرط في أنشطة تربوية وثقافية، والله سبحانه وتعالى يوفّق لهذه الأعمال من يبذلون جهدهم لها بسبب إخلاصهم، فلا بدّ من مقابلة هؤلاء بالتقدير.. ومع ذلك يجب أن ندرك أن القضية ليست عبارة عن هذا فحسب، فثمّة حاجة ماسّة إلى فهم وشرح ما يقوله القرآن والسنة.. لا بُدَّ من إعادة تفسير الرسالة التي يوجّهها الإسلام للبشرية وشرحها بحسب ظروف العصر، وإعادة تناول الموروثات الثقافية وتقييمها وفقًا لفلسفة العصر، ينبغي لنا أن نعترف منذ البداية أن هذا الأمر ليس سهلًا، فهذا مرهونٌ بجهدٍ أصيل وثابت الخطى.
إن تأليف أعمالٍ أصيلة تناسب احتياجات العصر في كلّ هذه الأمور أمرٌ مهمٌّ للغاية، لكن الكتابة تتطلّب معرفة وموروثًا؛ وهذا أيضًا يتطلّب قراءات ومذاكرات ودراسات جادّة؛ فالمسألة ليست مجرّد مسألة تدوين المعلومات من المصادر المتاحة على جذاذات الورق واستخدامها، فالاكتفاء بتقديم المعلومات المقتبسة من مصادر مختلفة في قوالب جديدة ليس إلا استسهالًا وهروبًا إلى ما هو يسير، إن المهم هو القدرة على إنتاج أعمال عالية الجودة تعتمد على الإبداع والتحليلات الجديدة، وفتح الآفاق وتقديم الحلول للمشكلات القائمة، وهذا أيضًا يستلزم عقولًا فذّة، ورسائل النور دليل مهمّ بالنسبة لنا في هذا الصدد، سواء من حيث المحتوى أو المنهج المتبع فيها.
لذلك يجب أن نطور قدراتنا على التأمل والتفكر والتدبر من خلال النقاش المتبادل وعقد المقارنات حول القضايا العلمية في إطار مجموعات ولجان مختلفة، وينبغي لنا أن نكون قادرين على التعمق في المجالين العلمي والفكري، وبعد أن يتسنى عمل ذلك، يمكن صياغة تفاسير وكتب فقهية وأعمال جديدة في سائر العلوم على خطى أهل السنة والجماعة، ويمكن إجراء دراسات في مجالات أخرى؛ فلدينا تراث غنيّ جدًّا، وقد نشأ في ماضينا العديد من الأفذاذ العظام، وكتبت على أيديهم أعمال خالدة، فيجب بداية الحصول على هذا التراث، وأن نقف بأقدامنا على أرضية صلبة ثابتة، ونسير هكذا نحو المستقبل، وإذا أردنا أن تتوافق الانفتاحات العلمية والفكرية مع روح القرآن والسنة، فينبغي ألَّا تزلّ أقدامنا عن هذه الأرضية الصلبة.

التوجّه إلى القرآن الكريم وسبل الاستفادة منه

Herkul | | العربية

سؤال: كيف نقيم علاقةً سليمة مع القرآن الكريم؟ وكيف نستفيد منه بشكلٍ صحيحٍ؟

الجواب: أوّل ما ينبغي فعله في هذا الصدد هو النظر إلى ماهيّة العلاقة التي كان يقيمها جيلُ الصحابة رضي الله عنهم وهم أول المخاطبين بالرسالة الإلهية مع القرآن الكريم، فإلى جانب الأهمية البالغة التي أبداها هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم لتلاوة كتاب الله فقد كانوا يعملون على فهم مضمونه ومعناه، وتطبيق ما يفهمونه في حياتهم المعيشيّة، كما سعَوا سعيًا حثيثًا للكشف عن مراد الله تعالى بواسطة الوحي الإلهي، وفي الوقت ذاته بذلوا جهدًا خارقًا لجعل القرآن مصدرًا ثقافيًّا وحضاريًّا تستفيد منه البشريّة بأسرها، وبفضل هذا الارتباط الوثيق بالقرآن الكريم قدّموا أنسب تمثيلٍ وأقربه لمراد الحقّ تبارك وتعالى.

الكشف عن المراد الإلهي

يجب أن يكون الهدف الأساس للمؤمن والغاية المثلى له هو البحث والتفتيش والتحرّي عن المراد الإلهي والعيش وفقًا له، والسبيل إلى ذلك هو القرآن الكريم، لقد علَّمَنا ربُّنا سبحانه وتعالى بواسطة الوحي الإلهي الكيفيةَ التي يجب أن نكون عليها أفرادًا ومجتمعات، وبيَّن لنا في كتابه الجليل خصائصَ أهل القرآن وخاصّته، وهي خصائص لا سبيل إلى اكتسابها إلا بالفهم الصحيح للقرآن الكريم، والتحرّك وفقًا لرضا الله تعالى ومرضاته في المشاعر والأفكار، وحبِّ العلم والبحث، والحياة الاجتماعية والاقتصادية، ولذلك فإن الوظيفة التي تقع على المؤمن هي إمعان النظر في الرسالة التي يريد الله تعالى أن يقدّمها لنا من خلال آياته، وإعمال الفكر فيها، فنظرًا لأن الصحابة رضوان الله عليهم أحسنوا فهم القرآن وتمثيله صاروا قدوةً لجميع الناس حتى يوم القيامة.

لكن الشكليّات التي جاءت واستقرَّت في حياة المسلمين مع مرور الوقت قد أثَّرت في علاقتهم بالقرآن الكريم، فقد صار القرآنُ معجزُ البيانِ الذي من شأنه أن يكون روحًا للحياة كتابًا يُكتفى منه بتلاوة ألفاظه، ويُحترم احترامًا صوريًّا، ويُرجى منه البركة، ويُقرأ على الموتى، ويُتفاءل به ليس إلا.. ولا أقول أن هذا بحدِّ ذاته خطأ، لكن القرآن هو كتابٌ مقدَّسٌ حريٌّ بأسمى تقدير وتعظيم، وكما بين سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن مَن يقرأ منه حرفًا له عشر حسنات، والمسلم يؤمن ببركة القرآن وفيوضاته، ففي نظره أنه لو كان للجبال أن تُسيَّر لكان بالقرآن، ولو كان للأرض أن تُقطّع لكان بالقرآن، وهذا مظهرٌ من مظاهر احترام المسلم للقرآن، يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ (سورة الرَّعْدِ: 13/31).

ومع هذا فلو كان احترام ألفاظ القرآن يمنع الإنسان من فهمه وسبر أغواره فهذه مشكلة، فيجب على المسلم -إلى جانب تلاوة القرآن واحترامه- أن يحرص دومًا على فهمه وتطبيقه ومعايشته، إن المراد الإلهي من نزول القرآن هو قراءته والتدقيق فيه مرارًا وتكرارًا بقصد الفهم. أجل، إن القرآن هو رسالة الله إلينا، فمتى حسُن فهمُ هذه الرسالة استطاع المؤمن أن يؤدّي عبادته لربّه بشكل صحيح وأن يقرأ حقيقة الإنسان وكتاب الكون قراءة سليمة؛ لأن القرآن هو الترجمة الأزليّة لكتاب الكون، والقول الشارح والبرهان الساطع له، وهو لسانٌ بليغٌ يفسِّر حقائق الكون ويشرح كتاب الكون الكبير؛ ولذلك فإن ما يقع على عاتقنا هو أن نأخذ بياناته أساسًا لنا، ونحاول قراءة الكون بهذا المنظور.

قد نضع المصحف في حلّةٍ مخمليّة، أو نعلّقه في أرقى مكانٍ بغرفة النوم؛ التماسًا للكرامة والبركة منه، أنا لا أمانع هذا كله؛ لأن هذا تعبيرٌ عن توقيرنا لكتاب الله عز وجل، ولكن يجب ألا يتوقّف الأمر عند هذا الحد، أي علينا ألّا نختزل احترامَنا لكتاب ربنا سبحانه وتعالى في مادّته وشكله وألفاظه، فهذا احترامٌ قاصرٌ.. المهمُّ هو الاستفادة من اللآلئ التي يمدّنا بها، والانفتاح على حقائقه، بل إن الاحترام الشكلي للقرآن لا يعبّر عن قيمة حقيقية إلا بالانفتاح على القيم الكامنة فيه والارتباط بها، أما هذا الاحترام الشكلي إذا تم فصله عن معنى ومحتوى القرآن فلا يعني الكثير، أنا لا أقول: إنه لا يعني شيئًا، إنما أقول: لا يعني الكثير.

إن السلف الصالح قد قرؤوا القرآن بغيةَ فهمه، ووقفوا على مراميه ومقاصده، وساروا على هديه، وهذا هو السبيل الحقيقي لتوقير القرآن واحترامه، ولكن عندما أصبح الناس مبتذَلين جاهلين سطحيّين وابتعدوا عن دراسة الأوامر التكوينية بدؤوا في الانفصال عن القرآن، وظلّ الاحترام للقرآن مجرّد ثقافة، وتمّ التعامل مع جانبه الشكلي فقط، مع إهمالٍ وضياعٍ للمضمون.. لقد بات المسلمون اليوم لا يعرفون مرادَ الله تعالى منا، ولا يحاولون فهم المقاصد الإلهية، ولا يُعمِلون فكرهم فيما نزل القرآن من أجله، وهو المستوى الذي ينبغي للمسلمين أن يصلوا إليه، فعلى كلِّ فردٍ منّا أن يدلفَ إليه من خلال الآفاق التي أتاحتها لنا مجالات تخصّصنا على وجه الخصوص، وأن يعمل على قراءته وفهمه من جديد.

التوجُّه إلى القرآن من صميم القلب

أجل، القرآن رسالةٌ نورانيةٌ من الله لنا، فلا بدّ من إدراكه على هذا النحو، والتوجّه إليه على هذا الشكل، إن القرآن هو مصدر نورٍ ورحمةٍ وهدايةٍ للجميع، ولكنّ كلَّ إنسانٍ يستفيد منه على قدر توجّهه، فكلّما زاد الاهتمام بالقرآن والتركيز فيه والتوجّه إليه بإخلاص زادت الاستفادة منه، ففي كلّ قراءةٍ للقرآن يخبرنا بشيءٍ جديد، ويُجري على قلوبنا ألطافًا جديدة، أما تلفُّظ بعض كلمات القرآن رجاء ثوابها فلا يُقال عنها قراءة القرآن بحقّ أو كما ينبغي.

ولنتذكّرْ جيّدًا عند قراءة القرآن أننا نقرأ كلام الله تعالى، ولذلك لا بدّ من قراءته على أساس أنه لا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، وأن نقرأه بتركيزٍ تام، فإن فعلنا ذلك كشف لنا القرآنُ عن خزائنه، وأبان لنا عن حقائقه المهمة، فإن لم يتحقّق هذا التوجّه القلبي فقد يُمتَحنُ الإنسان حتى عند قراءة القرآن، فيدخل في دائرة النفاق اعتمادًا على كلامه النفسي وتأويلاته الشخصية، وينقاد إلى الكفر دون وعي.

لا يوجد قصورٌ أو نقصٌ في كلام الله الأبدي النابع عن علمه الأزلي، فإن بدا للإنسان وجود نوعٍ من القصور فهذا يعود إلى ضحالة فكرِهِ وقصور توجُّهه إلى القرآن، إنكم مثل زهور عباد الشمس كلما توجهتم إلى القرآن استفدتم من فيوضاته وشعاعاته وألوانه، فإن أعرضتم عنه ونأيتم بجانبكم انغلق أمامكم وحُرِمتم من كل هذا.

وثمة شيءٌ كثيرًا ما أكّدْنا عليه، وهو أنّ مَن يفهمُ القرآن ليس المتحدّث باللغة العربية، بل القريب من ربه، فكثيرٌ من العلماء قرؤوه حتى اليوم، لكنهم لم يستطيعوا الاستفادة منه بسبب الانحراف في وجهات نظرهم، فغاصوا في بحرٍ لجّيٍّ، ثم خرجوا منه دون أن يستطيعوا حتى ملْءَ دِلائهم، بينما القرآن عند الكثير من الأمّيين تُمثّل القطرةُ منه بحرًا زاخرًا، إن المستشرقين يقرؤون القرآن أكثر من بعض المسلمين، ولكن لأنهم أقبلوا عليه ناقدين، واعتبروه -حاشا وكلّا- من كلام البشر لم يتمكّنوا من فهمه؛ لأن القرآن -لو جاز التعبير- غيورٌ، لا يُلقي بجواهره بسخاءٍ لمن لم ينفتِحْ عليه بسخاء، إن القرآن ينتظر من يحترمه ويتوجّه إليه ويُقبل عليه بصدرٍ رحب، ومن يقدر على ذلك يجد في القطرة منه بحرًا زاخرًا.

عالمية القرآن الكريم

لقد أحسن السلفُ الصالحُ الاستفادةَ من القرآن الكريم، فأخذوا منه كلَّ ما يعنيهم في حياتهم الفرديّة والأسريّة والاجتماعية والدنيوية والأخروية، فلو عمل الإنسان بالأحكام التي استقاها من القرآن الكريم حتى اليوم وأخلص في عمله لَنالَ رضا الله وفاز بالجنة إن شاء الله، ولكن لا يعني ذلك استحالة استنباط أحكام جديدة من القرآن، بالعكس هناك العديد من الآيات المباركات تسوقنا إلى التفكّر والتأمّل والتدبّر والتذكّر، وتوصينا بعمق التفكّر في كتاب الله عز وجل، والتوغّل في أعماقه، وأخذِ العبرة منه، والعمل على اكتشاف روحه مرة أخرى.

فضلًا عن ذلك إننا كثيرًا ما نواجه في حياتنا مشكلات وحوادث جديدة كلَّ يوم، فمن ينظر إلى القرآن من نافذة الحقبة الزمنية التي يعيشها والتجارب التي يخوضها يجد في القرآن الإجابات التي يبحث عنها؛ فقد لفتَ القرآنُ الكريم أنظارَنا إلى سبل الحلِّ لكل الحوادث الكلية والجزئية التي ستجري حتى يوم القيامة، إن لم يكن بالتصريح فبالتلميح، وإن لم يكن بالعبارة فبالإشارة، لأنه صادر عن علم الله الأزلي، ويمكنكم إدراك ذلك عند توجّهكم إليه بقلبٍ خالص، ولهذا فما زال نصيبُكم منه محفوظًا بغض النظر عما نهله السابقون، فلو أنكم توجّهتم إليه باهتمامٍ بالغٍ فستنالون أنتم أيضًا نصيبكم منه، أما إن تعاملتم معه بتكبرٍ واستغناء فسيغلق ستائره دونكم.

فلو أحسن الإنسان قراءته للقرآن فله بكل حرف عشر حسنات، فإن داوم على قراءته بتفكُّرٍ وتدبُّرٍ فعسى أن يصل هذا الثواب إلى عشرة آلاف حسنة.. ولذلك فمِنْ دنوّ الهمة الاكتفاء بقراءة القرآن لفظًا وشكلًا مع وجود مثل هذا الطريق المحفوف بالثواب والبركة، لذا فعلى الإنسان أن يقرنَ القراءة بالتدبُّر، وأن يسعى إلى الإحساس بكلّ كلمةٍ يتلوها، فإذا كان لا يعرف العربية فعليه أن يستعين بتفسيرٍ يفسّر له معاني القرآن الكريم، وأعتقد أن الإنسان لو فهم إجمالًا المعاني التي تعبّر عنها الآيات التي يتلوها فسيشعر بحلاوةٍ لا سبيل إلى تصوّرها، لأنه لا يمكنكم أن تتصوّروا ما يمنحكم الله تعالى إياه من أفضالٍ وألطاف عظيمةٍ إن أعلنتم إجلالكم وتعظيمَكم لكتاب ربكم واحترامَكم له وتوجّهَكم إليه وإقبالَكم عليه بأعينكم وقلوبكم.

جيل القرآن

إذا أردنا أن تكون علاقاتنا مع الله والكون كما ينبغي؛ فيجب أن نتطلّع لأن نكون من جِيلِ القرآن الحقيقي، ومن أهم ما يميز هذا الجيل هو أنه يقف بين يدي الله بالشكل الذي يريده الله عز وجل، ويسعى إلى إقامة مراد الله على الأرض؛ بتعبير آخر: يقوم بتمثيل حقائق القرآن وتبليغها، فهؤلاء هم الذين جعلوا القرآن روحًا لحياتهم، أيما نظرتَ إليهم وجدتَ حقائق القرآن تنساب من بين جنباتهم، ورأيتَ آثار القرآن في أعمالهم وسلوكياتهم وأقوالهم وتقريراتهم وعباداتهم… إلخ، إذا رأيتهم ذكرتَ الله. أجل، إنهم يذكِّرونك بالله تبارك وتعالى لا بالدنيا وسلطنتها، ولا باللهو والعبث.

إننا نعاني من جفاف شديد في فهم القرآن ومعايشته، فلقد اغتربنا وابتعدنا عن القرآن، مما أدى إلى اغترابنا عن قيمنا الذاتية وثقافتنا، ومن ثَمّ يجب أن نعمل على تبليغ الأرواح هذا البيان الإلهي مرة أخرى، وهذا يتطلّب منا استغلال كلِّ الوسائل والإمكانات المتاحة أمامنا، فمثلًا شهرُ رمضان فرصةٌ جميلة ينبغي ألا نكتفي منها بختم القرآن شكليًّا فقط دون التعرّف على مقاصده ومراميه، ويمكن الاستعانة بأحد التفاسير لفهم معاني الآيات، وبذلك نضمن أن يفهم المسلمون معنى ومضمون آيات هذا الكتاب الجليل الذي أرسله الله إلينا، فإن تكرّر هذا الأمر كلّ عام فأعتقد أن ثقافة قرآنية ستتشكل لدى عوام الناس أيضًا، وسيعرفون مكانهم من كتاب ربهم، ويشعرون بعمق أكبر في وجدانهم.

الخلاصة، يجب أن نثير في الناس حسَّ العشق والشوق إلى القرآن؛ وذلك بأن نُعلّم قراءة القرآن لمن لا يعرفون، ونوضح معاني القرآن لمن يقرؤونه، ونتذاكر القرآن بعمق أكبر مع المتقدمين في المستوى، بل لا نكتفي بالحديث عن القرآن لروّاد المسجد فقط، بل لا بدّ أن نفتّش عن سبل للوصول إلى من ابتعدوا أو أُبعِدوا عن المسجد بشكلٍ ما، يجب أن نعدّ البرامج التليفزيونية ونعقد الندوات لهذا الغرض، ونحمل كل هذا إلى قاعات المحاضرات في الجامعة، ونبذل وسعنا ليستفيد الجميع من نور القرآن الكريم، يجب أن نبادر إلى تعبئة جادة من أجل القضاء على البرودة واللامبالاة التي يشعر بها البعض تجاه القرآن الكريم، وإنقاذ القرآن من أن يكون ضحيةَ الأنماطِ وحبيسَ الشكليات.

الفطرة المتحمّسة والحركة المتّزنة

Herkul | | العربية

هناك بعض الناس يتمتّعون بفطرةٍ متحمّسة، ويرى الأستاذ بديع الزمان نفسه واحدًا منهم، ويذكر أن راحة هؤلاء تكمن في السعي والجدال، إذ يتعامل أصحاب الطبائع المتقدة مع الحوادث بشكل أكثر اختلافًا عن غيرهم، ويشعرون بانفعالٍ كبيرٍ تجاه الأحداث، فلا تتشابه تحرّكاتُ وتصرّفات ومواقف وإيماءاتُ هؤلاء مع الآخرين في الغالب، وعلى سبيل المثال يحسّون بالأزمات والمصاعب والنوازل والبلايا التي يتعرّض لها المجتمع من صميم أرواحهم، ويتأثّرون بها وتخفق قلوبهم إزاءها؛ لأنهم حساسون ومنتبهون للغاية مقارنة بالآخرين.

ومع ذلك فهذه الطبيعة ليست فضيلةً بالمعنى المطلق؛ لأن هذه مسألة تتعلّق بالطبيعة البشرية، وليس من الصواب توقّعُ مثل هذه الحساسية من الجميع، فهناك أشخاص تكون صدورهم رحبة جدًّا، بينما لم يتطوّر عالمهم الشعوري بشكل كافٍ، بل إن هناك من لا يبالون حتى لو احترق العالم من حولهم، ولا يؤرّق نومَهم احتراقُ العالم الإسلامي بأسره، لا يبالون لدرجة أنك لو ألقيتَ بهم في البحر لما ابتلَّوا، ولكن في مقابل هؤلاء هناك أناس يمتصون حتى الرطوبة من الهواء، وإذا خرجوا في جفاف آب/أغسطس فسوف يعودون مبتلّين من فرط حماسهم، كلّ هذه أمور تتعلق بالفطرة والطبيعة البشرية إلى حدٍّ ما.

الحركة مع الحذر والتأني

من الممكن أن تُوفق الأرواح المتحمسة إلى أداء خدمات مفيدة للإنسانية إذا تمّ تدريبها وتهذيبها على أيدي مرشدين ماهرين؛ لأن لديهم حماسًا لا يفتر ولا يهدأ، فلا يحتاجون إلى دينامو أو قاطرة لتحريكهم؛ لأن الحماس المتأصل في طبيعتهم سيقودهم إلى الأهداف التي حلموا بها وجعلوها هدفًا ساميًا مثاليًّا لهم بالفعل، بينما من الصعب للغاية إثارة وتحريك أولئك الذين لا يحملون همًّا ولا كربًا، فهذا يتطلّب مجهودًا إضافيًّا، يقول الأستاذ بديع الزمان لهؤلاء الذين يقضون حياتهم كسالى خاملين: “يا أيتها القبور المتحركة برِجلين اثنتين، أيّتها الجنائز الشاخصة! ويا أيّها التعساء التاركون لروح الحياتين كلتيهما -وهو الإسلام- انصرفوا من أمام الجيل المقبل، لا تقِفُوا أمامَه حجر عثرة، فالقبور تنتظركم.. تنحّوا عن الطريق، ليأتي الجيل الجديد الذي سيرفع أعلام الحقائق الإسلامية عاليًا، ويهزّها خفّاقةً تتماوجُ على وجوه الكون”[1].

لقد كان الأستاذ النورسي يعيش دائمًا على أملِ بزوغِ نورِ جيلٍ غضٍّ جديد؛ جيلٍ يسمع القرآن وكأنه ينزل للتوّ من السماء، وينظر فيه كما نظر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام رضوان الله عليهم، ويتوجه إلى الله تعالى كلّيةً، ويتبنى القضايا التي يؤمن بها بروح التضحية والتفاني، أما الكلمات المذكورة أعلاه فقد وجّهها لهؤلاء الأشخاص الجامدين ومتبلّدي الحس والشعور والخاملين الذين لا يمكنكم تحريكهم حتى لو وصلتموهم بعشر قاطرات.

لذا فإنه من المهم جدًّا أن يتمتع الإنسان بطبيعة متهيّجة وثّابة ومشاعر متحمّسة، ولكن هذا أيضًا له مخاطره الخاصة؛ لأنه إذا لم يتمكّن هؤلاء الأشخاص من التحكّم في عواطفهم بعقولهم ومنطقهم، ولم يتمكّنوا من وضعها في إطار من ضوابط الشريعة، فإنهم يرتكبون الكثير من الأخطاء، فيتصرّفون على عجل ويفسدون الأمر؛ حيث يستسلمون لمشاعرهم ويخرجون عن دائرة الشرع، لذلك فالأساس هو أن يتمتع الإنسان بالحذر واليقظة إلى جانب المشاعر المتحمسة والطبيعة المتهيّجة كالإمام الغزالي والإمام الرباني والأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي رحمهم الله تعالى..  علينا من ناحية أن نفتح صدورنا للجميع، ونجعل وجداننا رحبًا بقدر ما يستوعب ويحتضن الجميع بالحب، ومن ناحية أخرى علينا أن ندرك أن كلَّ شيءٍ مرهونٌ بوقت، وأن نخضع لحكم الزمن، ولا نتخلّى عن التصرّف برباطة جأش ولا عن التحرك بشكل ممنهج ومخطّط.

فمهما بلغ ارتباطُ الشخص بالمثل العليا التي ينطلق منها والقضية التي يركض في إثرها، فمن الممكن أن يتسبّب في مشاكل كبيرة للأمة إذا لم يتحرك بحذرٍ وتأنٍّ، فإذا لم يقف الهمُّ والمعاناة جنبًا إلى جنب مع البصيرة والفراسة؛ فقد يؤدي هذا إلى ارتكاب أخطاء جسيمة.. فمن الممكن أن يتحرك أصحاب الطبائع المتحمسة باندفاعٍ من أجل تصحيح الأخطاء التي يرونها في الحياة الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية، دون أن يأخذوا في الاعتبار التدابير التي تسبق أو تلحق الخطوات التي يخطونها، فقد تصدر عنهم أفعال معادية للديمقراطية وبالتالي يتسبّبون في دمارٍ كبيرٍ باسم التعمير والإصلاح، وهناك العديد من الأمثلة على ذلك في التاريخ.

نعم، الكسل والخمول والركود والجمود لا يفيد الإنسان ولا المجتمع بأي شيء، إنها صفات يجب استئصالها وإلقاؤها في سلة المهملات، ويجب على المرء أن يسعى بقصارى جهده كي يتخلّص من مثل هذه الصفات السلبية، بينما الإخلاص والحماس والهم والمعاناة هي صفات تستحق الثناء.. ومع ذلك، فهذه الصفات وحدها لا تكفي لأن يخطو الإنسان الخطوات الصحيحة.. فبالإضافة إلى ذلك، يجب على الإنسان بالتأكيد أن يجعل الصبرَ النَّشِطَ الفعال مبدأً له، وأن يعرف كيف يستوعب الأحداث غير السارة عندما تقتضي الضرورة، وأن يجعل صدره رحبًا، وأن يتصرف ويتحرك بصورة مخطّطة وممنهجة، وألا يتسرّع في القيام بالأعمال التي تتطلّب وقتًا معيّنًا.

المسألة بإيجاز، هي أن يكون المؤمن متّزنًا ويتصرف دائمًا باعتدال.. وإلا فإن الأخطاء التي ستُرتكب في القضايا الكبيرة المتعلقة بمصير الإسلام والإنسانية ستكون بمثابة تعد وانتهاك لحقوق الله تعالى؛ وهو تعد وانتهاك لا يوجد ميزان يقابله في الآخرة.

أبطالُ الصبرِ ورحابةِ الصدر

إذا كنت مهتمًّا بأمور الناس، وتريد أن تزدهر الأخلاق والفضيلة في المجتمع، وتسير في إثر الحق والعدالة، وتجعل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفةً لك؛ فعليك أن تضع في الحسبان منذ البداية أن هذا كله ليس بالأمر الهين، وأنه يتطلّب وقتًا محدّدًا وصبرًا على الوقت.. فحتى رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي، وصاحب الفطنة العظمى، قد استغرق ثلاثًا وعشرين سنة ليأخذ بيد إنسان الجاهلية ويوصله إلى أوج الكمالات الإنسانية، كما أنه كان دليلًا لأمته في هذا الصدد، وأشار إلى أهمية التحرّك وفق الأوامر التكوينية.. ولو أنه خرقَ العادةَ ومارس المعجزات في حياته دومًا؛ فبمن كنّا سنقتدي إذًا؟ فقد أوضح لنا من خلال أفعاله وتصرفاته الطرقَ التي يمكن أن يصل بها الإنسان العادي إلى الإنسانية الحقَّة، ونوعَ العقبات والصعوبات التي يجب تحملها في هذا السبيل، وكيف سيتحقّق ذلك خطوة بخطوة.

فلو أن سيّد الأنبياء صلى الله عليه وسلم الذي شق القمر إلى شطرين بإشارة من إصبعه، ونبعَ الماءُ زخًّا زخًّا من بين أصابعه، وأطعم ثلاثمائة شخص بحفنة من الطعام من يده المباركة، سأل الله تعالى أن يجعل له -كما قال البوصيري في بردته- الجبال الشمّ كلها ذهبًا[2] لكانت.. لكنّ ذلك ليس من مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما مهمته هي التبليغُ بِعُمْقِ التمثيل، فقد عاش صلى الله عليه وسلم ثلاثة وعشرين عامًا دونما أي إخفاق، وواجه مشاكل كبيرة وتغلّب عليها جميعًا بإذن الله تعالى وعنايته، وتحوّل بالمجتمع البدوي المتوحّش إلى مجتمع صانعٍ ومعلِّمٍ ومصدِّرٍ للحضارات.

إننا أيضًا نواجه العديد من المشكلات التي لا تزال تحافظ على وجودها إلى يومنا هذا، إنها في الحقيقة مشكلات معقدة للغاية ومستعصية على الحل.. إن أصحاب الطبائع المتهورة والمتسرّعة لا يستطيعون حلَّ هذه المشكلات؛ لأن كلّ محاولة يقومون بها في سبيل الحلِّ تتسبَّبُ في مشاكل جديدة، وحتى الـمَواطن التي يتوقع الناس فيها النصر، فإنهم يتسببون فيها بإخفاقات متوالية، إن المشكلات الحالية تحتاج إلى أناس يتمتعون بصدر رحب للغاية، ووجدان واسع، مع قدر من الحذر واليقظة؛ وذلك حتى لا يغلبهم الحماس، ولا يتصرّفون بطريقة غير متزنة، ولا يثيرون الآخرين ضدهم، ولا يوسّعون الهوة أمامهم، فيتسببوا في هزيمتهم وإخفاقاتهم، إنما يتغلبون على المشاكل بطريقة ممنهجة من خلال استغلال الفرص والإمكانات المتاحة بشكل جيد ومثمِر.

 

[1]  بديع الزمان سعيد النورسي: صيقل الإسلام، المناظرات، ص 379-380.

[2]  وَرَاوَدَتْهُ الجبال الشـمّ مـن ذَهَـبٍ * عَنْ نَفْـسهِ فأراها أيّمـا شَمَمِ

   وَأَكَّـدَتْ زُهْـدَهُ فـيهـا ضَرُورَتُهُ * إِنَّ الضَّرُورَةَ لا تَعْدُو على العِصَمِ

الحذر من إثارة شعور الغبطة

Herkul | | العربية

سؤال: ترى القلوبُ المخلِصةُ المتفانيةُ نفسَها مسؤولةً عن تبليغ الحق والحقيقة إلى الآخرين بشكل دائم ودون توقّف، فما الذي يجب أن يراعيه أصحابُ هذه القلوب أثناء قيامهم بوظيفتهم حتى لا يثيروا شعورَ الغبطة عند أحد؟

الجواب: على الرغم من أننا نفتح قلوبنا للجميع ونتعامل انطلاقًا من مبادئ الحب والتسامح باستمرار؛ فإنه ينبغي في الحقيقة ألا نتجاهل وجود جبهاتٍ على شكل دوائر متداخلةٍ تضمر لنا الحقد والعداوة.. فرغم أنكم لم تطمحوا إلى سلطة، ولم ترغبوا في حكم، ولم تتطلّعوا إلى الهيمنة على العالم فإن أولئك الذين جعلوا همّهم الدنيا فقط لن يفهموكم أبدًا، بل إن منهم مَن ينتقدون حتى أكثر أنشطتكم إخلاصًا وصدقًا مثل تأليف قلوب الناس بالحب، وتطوير ثقافة التعايش المشتَرَك، وإقامة جسور السلام والوئام بين مختلف شرائح المجتمع؛ فيحيكون المؤامرات مِن خلفكم لمنع هذه الأنشطة والحيلولة دون القيام بها، فعليكم توخي الحذر الشديد حتى لا تصبحوا هدفًا لهؤلاء الذين يضمرون لكم العداوة والبغضاء.

 لا بد من تجنب الأفعال والخطابات الرنّانة التي تلفت انتباههم نحوكم، والابتعاد عن إثارة الضوضاء والضجيج، والحرص على أن تسبق الأفعالُ الأقوالَ، والإعرابِ عن صفاء وصدق النوايا والأهداف؛ حتى تمنعوا وصول ضررهم -ولو جزئيًّا- إليكم.

وإلى جانب هؤلاء هناك من المؤمنين الذين يتوجّهون معكم إلى قبلة واحدة، ويسجدون معكم لرب واحد، ويصطفون معكم في صف واحد؛ مَن يحملون في أنفسهم حسدًا وغيرةً منكم؛ حيث يرونكم منافسين لهم، ويتمنون أن يقوموا هم -وليس أنتم- بالخدمات التي تبذلونها، ويحاولون اعتراض سبيلكم ووضْعَ العصيّ في العجلات.. من هنا يجب على مَن يركضون للخدمة في سبيل الله أن يكونوا على وعي بمشاعر الحسد تلك، وأن يأخذوا كل التدابير حيال ذلك؛ حتى يستطيعوا تأمين طريق سيرهم.

ومن أهم الأمور التي يجب القيام بها في هذا الصدد هو الارتداد إلى الخلف خطوتين حتى يمكن تجاوز مثل هذه المشاعر السلبية عملًا بالمعيار الذي وضعه بديع الزمان سعيد النورسي: “إيثار البقاء في مستوى التابع دون التطلع إلى تسلم الـمسؤولية التي قلـما تسلم من الأخطار”[1].

وعلى الشاكلة نفسها فمن الأمور التي يجب مراعاتها أيضًا في هذا السياق هو إظهار التقدير والثناء لما يفعله الآخرون الذين يبذلون جهدهم وسعيهم في سبيل الحق تعالى. أجل، لا بد أن نقابل الأعمال الجميلة والخدمات الجليلة التي يقوم بها الآخرون بتقدير واحترام، ولا نستخف بأي منها، بل وحتى يجب أن نؤكد على أن لهم نصيبًا من الخدمات التي نقوم بها قائلين: “جزاكم الله خيرًا دائمًا وأبدًا، أنتم روّادنا في هذا الطريق بالأعمال التي قمتم بها حتى اليوم، فلقد مهدتم السبل حتى يتيسّر السير لِمَن خلفكم، فمنحتمونا الفرصة للركض في هذا الطريق”.

وليس علينا فقط أن نتجنّب المشاعر السلبية التي تقوّض وتدمّر العلاقات بين الناس مثل الحسد والغيرة، بل يجب أن ننأى بأنفسنا عن التنافس والغبطة وإن كان لا حرج فيهما على ما يبدو في الظاهر، ولا نسمح حتى بإثارة هذه المشاعر بين المؤمنين؛ لأن الغبطة تقع على حدٍّ متاخم للحسد، وقد ينتقل الإنسانُ دون وعي منه من طرفٍ إلى طرف، وتتحول فكرة: “ليت لي مثل ما عنده” في لحظةٍ إلى: “ليته يخسر ما ليس عندي”، أو: “ليكن عندي لا عنده”.

والإنسان المبتلى بمثل هذا الحسد قد تصبح صلاته وصومه وكل خير يقوم به وأي حسنةٍ يفعلها هباءً منثورًا، وفي ذلك يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ -أَوْ قَالَ: الْعُشْبَ-“[2].

ولذلك عندما يأتيني أحد أصحاب المشارب المختلفة ويقول لي: “جزاكم الله خيرًا يا شيخنا، فقد قدّمتم للأمة خدمات جليلة بالمدارس التي فتحتموها، والأنشطة التي قمتم بها، ومنصَّات التسامح والحوار التي دشّنتموهما”؛ يكون جوابي عليه في كل مرة: “أستغفر الله، فأنتم مَن ذللتم لنا الصعوبات في هذا البلد بفضلٍ من الله وكرمه، وهيَّأْتم الجوّ المناسب للقيام بهذه الخدمات، وتحولَت الثلوج بفضلكم إلى قطراتٍ تهطل بالرحمات، أما نحن فربما حاولْنا الاستفادة من هذا الجو الإيجابي الذي هيَّأْتموه”.

ولم يختلف ردّي عندما أعرب أحد كبار رجال الدولة عن تقديره للخدمات المنجزة، ففي كل مرة أعتبر أن من واجبي شكرهم، ومقابلة دعائهم بالدعاء لهم، ولفت الأنظار إلى الجماليات التي قاموا بها، وفي الحالات التي لم يكن فيها ذلك ممكنًا حاولت أن أعزوَ المسألة إلى شعب الأناضول، وأستنكر دائمًا عزو الخدمات التي رعتها أمةٌ بأكملها إلى أشخاص معينين، وهذا وإن كان تعبيرًا عن الحقيقة فإنه في الوقت نفسه مهمّ في كبتِ بعض المشاعر السلبية التي يمكن إثارتها وهو بنفس القدر من الأهميّة في عدم إثارة شعور الغبطة لدى الناس.

المؤمن إنسانٌ منصفٌ

المؤمن إنسانٌ منصِفٌ مقرٌّ بالجميل، لا ينسى ولا ينكر حتى أبسط الخيرات، فلا يفعل كما يفعل أهل الكفر والضلال؛ فلا ينسب الأعمال الجليلة التي قامت بها الأمة إلى شخص أو جماعة بارزة على الساحة، ولا يغتصب حقَّ الآخرين وحقوقَهم، فإن مثل هذه الأفعال المنصفة من شأنها أن تحول دون ظهور حسدٍ محتمَل وأن تقوّم بعض هذه المشاعر السلبية، لا سيما في هذا العصر الذي استشْرَت فيه الأنانيّة والنرجسيّة.

ولا ينبغي أن يكون تقديرُنا لأصحاب المشارب والمذاهب المختلفة مرهونًا بلقائنا بهم أو بامتداحهم وتقديرهم لنا.. هب أننا عقدنا مؤتمرًا أو أعددنا ندوة في مكانٍ ما، فلا بد حتمًا من أن نتطرّق في كلامنا إلى الجماليات التي قام بها الآخرون، وأن نثني على الأنشطة الخيرية التي يضطلعون بها ونصفّق لها، حتى إنه ينبغي ألا نقصُر المسألة على الثناء فقط، بل علينا أن ندعمهم ونساعدهم بقدر الإمكان، فلا نحرم أحدًا أو طائفة قامت بعملٍ جميلٍ وجليلٍ من دعمنا المادي والمعنوي كالسلطان الذي يبادر إلى توزيع عطاياه بغض النظر عن مدى أهلية الجميع لذلك، فلو أننا تعاملنا بمثل هذا الجود والمروءة مع الآخرين لاستطعنا أن نضع السدود أمام الطرق المؤدية إلى الحسد.

لا بد أن تكون الغاية المثلى للمؤمن هي استغلال جميع الوسائل والإمكانات في خدمة الدين الإسلامي المبين، ومحاولة تبليغ القيم الثقافية الذاتية إلى القلوب المتعطشة، ودعوة الإنسانية إلى الصلح والسلام، ولكن إذا لم يضمن هذا المؤمنُ سلامةَ الطريق الذي يقوده إلى الهدف، ولم يضع اعتبارًا للغيلان التي قد تظهر أمامه، أو أنه لم يستهدف من خدماته عدم إثارة الآخرين ودفعهم للهجوم عليه؛ فإنه بذلك يكون قد خان القضية التي يؤمن بها دون وعي منه.

ومن المهم للغاية مراعاة هذا المعيار الذي وضعه الأستاذ النورسي رحمه الله رحمة واسعة، إذ يقول: “يا أهل الحق والطريقة، إن خدمة الـحق ليست شيئًا هينًا، بل هي أشبه ما يكون بـحمل كنز عظيم ثقيل والـمحافظة عليه، فالذين يـحملون ذلك الكنـز على أكتافهم يستبشرون بأيدي الأقوياء الـممتدة إليهم بالعون والمساعدة ويفرحون بها أكثر.. فالواجب يـحتّـم أن يُستقبل أولئك الـمقبلون بـمحبة خالصة وافتخار لائق بهم، وأن يُنظر إلى قوتهم وتأثيرهم ومعاونتهم أكثر من ذواتهم، فهم إخوة حقيقيون ومؤازرون مضحّون، ولئن كان الواجب يـحتّم هذا، فلِـمَ إذًا يُنظر إليهم نظر الـحسد؟ ناهيك عن الـمنافسة والغيرة!”[3].

ومن المحزِن أن بعض الناس لا يستطيع أن يستوعب هذه الفكرة الدقيقة المعبَّر عنها هنا، ولا أن يحافظ على هذا المعيار؛ فيرتكب السيئاتِ في وقت هو أدعى فيه لكسب الحسنات، فبدلًا من أن تجمعهم الأخوة والوحدة والتضامن، أو أن يتنافسوا مع إخوانهم في الخير تنافسًا لا يجلب المشاكل ولا يثير القلاقل، ويتشاركوا في الثواب؛ تراهم يودّون لو فازوا هم بكلّ الثواب وحُرم الآخرون منه، فيلوّثون بذلك الخدمات التي قاموا بها، وغالبًا يتعذّر -مع الأسف- الحفاظ على خط الاستقامة في هذا الأمر، حيث تشوب الأمرَ مشاعرُ الحسد والغيرة إزاء النجاح والتوفيق الذي يحالف الآخرين، علمًا بأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.

لا اقتداء بالقدوة السيئة

إن عدم استيعاب الآخرين لهذه الفكرة الدقيقة، وعدم وقوفهم في المكان المنوط بهم في هذا الموضوع؛ لا يبرر لنا أن نكون مثلهم، فلا اقتداء بالقدوة السيئة، وعلى كل حال علينا ألا نتخلّى عن احترامنا للآخرين بحجة أن هذه المسألة فقدت قيمتها، فنحن مضطرون إلى الحفاظ على هذه المعايير حتى وإن لم يقم أحد بما هو منوط به في هذا الموضوع، لأن الله عز وجل سيحاسب الجميع كلٌ على أفعاله وحده.

وما ذكرناه هنا ينطبق على ذوي الإنصاف والضمير، أما الذين تشرّبت أرواحهم بالكفر والإلحاد والضلالة والتخريب فمهما فعلتم فلن تتمكّنوا من إرضائهم، فليس بالإمكان إثناء “قابيل” عن قناعته، أو إجبار “فرعون” على الإنصات، فلا بدّ من تقبّل هذا الأمر على أنه حقيقة واقعة.

لقد اخترتم الطريق الوعر؛ لأنكم تسعون وراء التعمير والإصلاح.. إن التخريبَ سهلٌ لا يستغرق وقتًا طويلًا، لكن إصلاح ما تم تدميره وإرجاعه إلى هويته الأصلية مرة أخرى يستلزم وقتًا طويلًا وسعيًا حثيثًا.

وكما لا بدّ أن تكون الأهداف مشروعة مثل الفوز برضا الله تعالى، وإعلاء كلمة الله في كل مكان، وجمع الناس على الحبّ والود، وتأسيس عالم خالٍ من النزاع والصراع؛ فكذلك يجب أن تكون كلّ الوسائل مشروعة أيضًا، فلا يصحّ أن تقولوا أبدًا: “المهم بالنسبة لنا هو الوصول إلى هدفنا، وليسقط مَن يسقط، وينقلب مَن ينقلب، وينكسر مَن ينكسر”، ولا يصحّ أن تتحرّكوا بمثل هذه الأفكار الميكافيلية، فالمسلم لا يتبنى قطعًا مثل هذه الأفكار المعوجة، فمهما كانت قداسة الهدف الذي تسعون إليه فإنّ تحرُّككم على أساس ميكافيلي ولجوءَكم إلى وسائل غير مشروعة؛ يدمِّر هذه القداسة ويقضي عليها.

يجب أن يقرَّ الدينُ كلَّ الوسائل التي يستعين بها المؤمن، ويصدّق عليها القرآن والسنة، ويستحسنها العقل السليم والضمير السليم والمشاعر السليمة.

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة العشرون، ص 211.

[2] سنن أبي داود، الأدب، 52.

[3] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة العشرون، ص 217.

أهم مشكلات عصرنا

Herkul | | العربية

لا تخلو الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من الأزمات والمنغّصات، ومع ذلك فوجهةُ نظري أن المشكلة الكبرى لدى إنسان عصرنا هي مشكلة الإيمان.

هناك أزمة إيمانية حقيقيّة أيضًا في العالم المسيحي واليهودي إلى جانب العالم الإسلامي، لا أقصد الاستخفاف ولا التشكيك في إيمان أحدٍ؛ بل إعادةَ النظرِ في الظروف التي نعيشها، فلنستقرِئِ المجتمعَ من حولنا؛ كم يا تُرى عدد من يعبدون الله كأنّهم يرونه أو يتحركون من منطلق أن الله يراهم؟! هل يمكننا على سبيل المثال أن نزعم أن مائة مليون مسلم من جملة مليار ونصف في العالم الإسلامي يتحركون بشعور الإحسان والمراقبة؟! كم عدد أولئك الذين يُحاسِبون أنفسهم حتى على حبة شعير حصلوا عليها دون وجه حقّ؟! كم عدد المسلمين الذين ربطوا كلّ أمورهم بالمشيئة السبحانية للحق تعالى، فعاشوا حياتهم وفق دائرة الأوامر الإلهية، وليس لديهم هدف آخر سوى الفوز برضاه تعالى؟ هذه هي المشكلة الحقيقية لإنسان عصرنا.

إنّ ضعفَ إيماننا في الحقيقة هو أساس العديد من مشكلاتنا، لأنه لما عجزت الإنسانية عن الوصول إلى خالقها وتحديد هدفها بشكل صحيح والإصغاء إلى الوحي الإلهي؛ أخذت تلهث خلف مذاهبَ وأنظمةٍ وضعيّة مختلِفةٍ مثل الشيوعية والرأسمالية والليبرالية والاشتراكية؛ بغية التخلّص من الأزمات والمشكلات التي تعيشها، وإيجاد حلول للهموم التي تحيط بها، لكن محاولاتها غالبًا ما كانت تبوء بالفشل، وها هو مصير الشيوعية! فعلى الرغم من تقديمها للجماهير -في عصرها الذهبي- على أنها النظام الأكثر كمالًا؛ إلا أن هيمنتها لم تدم طويلًا؛ لأنها تتعارض مع الطبيعة البشرية، بيد أن الجماهير عندما سئِموا من قسوة واستغلال الرأسمالية والإقطاعية والأنظمة القمعية الأخرى قالوا: “دعونا نجرّب هذا النظام”، لكنهم أدركوا بالتجربة أنه لا سلام ولا استقرار مع هذا النظام أيضًا.

ومن ثم يجب أن يُؤخذ في الاعتبار منذ بداية الأمر ما إذا كانت الخطوات المتَّخَذَة تَعِد الإنسانية بمستقبل واعد أم لا؟ وما مدى رضا البشرية وتحمّلهم لهذا؟ فلا يجب خوض المغامرة ولا الشروع في الأمر دون أن تكون الأنظمة المقترَحَةُ طويلةَ الأمد، وأن يتقبّلها الناس بقناعة ورضا تامّين.

ففي السنوات التي انتشرت فيها الشيوعية صدرت في العالم الإسلامي كتبٌ حول “الاشتراكية الإسلامية”، وقد كتب في هذا الموضوع أيضًا حتى أولئك الذين أثق في علمهم وإدراكهم، ووصل الحال بِبَعضِهم إلى أن الإسلام أقرب إلى الشيوعية منه إلى الرأسمالية.. ومن الخطإ مقارنة دين سماوي بنظام اقتصادي وضعي من منطلَق وجود بعض القواسم المشتركة بينهما، فالإسلام قبل كلّ شيء يرتكز على مبادئ مثل الإيمان بالله وبرسوله والوحي والتوحيد والعبادة والحشر، فإذا تناولْنا المسألة من وجهة نظر اقتصادية صِرفة فستكون النتيجة خاطئة، أمَّا إذا تحتّم إجراء مثل هذه المقارنة فيجب إجراؤها آخذين بعين الاعتبار بعض الشروط والقيود كي لا نتعثّر كما تعثّر كثيرون، فقد وقع البعض في الإعجاب المطلق بالغرب، وأهمل البعضُ أحكامَ القرآن بزعم التاريخانية، وحاول آخرون جعْلَ القرآن ركيزةً للعلوم الحديثة.

تبنّي مصادرنا الخاصة

مثل هذه المشكلات ناتجة عن فقدان المسلمين الثقة في مصادرهم وقيمهم وتراثهم الخاص، لهذا السبب قد بدؤوا في البحث عن بدائل جديدة واستغرقوا في الزخارف والأوهام، ومن الممكن أن نواجه مشاكل مماثلة غدًا، فيكون اسمها اليوم شيوعية أو رأسمالية أو ليبرالية، وغدًا تحل محلها “مذاهب” وأيديولوجيات أخرى، ربما تغيِّر الجماهير بعض الأنظمة القديمة المستقرة وتأتي بأنظمة جديدة مكانها قائلة: “دعونا نجرب هذا النظام أيضًا”، والحق أن السبيل إلى التغلُّب على كل هذه التعقيدات والاضطرابات هو سلوك طريق الإيمان الحقيقي، فعلينا أن نؤمنَ بالقرآن والسنة ونعتمدَ عليهما جيّدًا، وأن ننظرَ إلى الأنظمة البشرية التي لا تستند إلى الوحي الإلهي بعين الشكّ، وأن نخضعها لميزان الوحي.

فإذا تبنّينا مصادرنا الخاصّة جيّدًا فلن نتأثّر بالأفكار التي تعترضنا، فبعد أن نقوم بتمريرها من مصفاة القرآن والسنة سنأخذ منها ما يجب أن يُؤخَذ ونردّ منها ما يجب أن يُرَدّ، فإذا اتخذنا الوحي الإلهي دليلًا ومرشدًا لنا؛ فسنقرأ حتى أعمال ومؤلفات الأشخاص البارزين والمشهورين في الشرق والغرب قراءةً نقديّة، وسنطّلع على الأخطاء الجسيمة التي يرتكبونها ونندهش لذلك.

وإذا امتلَكْنا الميزان والمعيار الخاصّ بنا فسنتمكّن من سبر أغوار الأفكار الأخرى، ومواجهتها وقياسها ومعايرتها، إذ يمكننا أن نفعل ما نريد بعد أن هيّأْنا لأنفسنا الأرضية الخاصة بنا، بيد أن أولئك الذين لا يثقون في مراجعهم الأساسية، ولا يرتبطون بها ارتباطًا وثيقًا، ولا يتمتّعون بالمعرفة الكافية ينهمكون في مناهج بحث مختلفة وربما يعيشون انحرافاتٍ شتى.

من الأهميّة بمكانٍ بالنسبة للمثقفين والمستنيرين أن يرتبطوا بِقِيَمِنا الثقافية الخاصّة ارتباطًا وثيقًا، وأن يحافظوا عليها؛ لأن الجماهير تسير خلفَ النخبة، فإذا أمكن مساعدة الجماهير في التعرّف على مصادرنا الخاصّة من خلال استخدام الوسائل المختلفة وفي تأسيس علاقات قوية مع الله سبحانه وتعالى، فسيمنع ذلك الجماهير من الانزلاق إلى الرفاهية والأوهام، وإلا انجذبوا إلى أي فكرة أو نظام جديد يُطرح على الساحة انطلاقًا من فحوى “كل جديد مرغوب”، فحتى أعقل العقلاء من الممكن أن ينخدع في هذا الأمر، لذا كانت هناك حاجةٌ ماسّةٌ إلى تنوير المجتمع.

قد لا تسمح إمكاناتنا الحالية في مواقعنا وأماكننا التي نتواجد فيها بهذا الأمر! قد نبدو ضعفاء! لكن الوظيفة التي تقع على عاتقنا هي أن نبذلَ قصارى جهدنا لتنوير المجتمع دون النظر إلى ضعفِنا وعجزِنا، فقد يُحدث الله التأثيرَ في صوتنا الضعيف، ومن ثم نحثّ الآخرين على التفكير، وربما نسعى إلى أن نتكاتف ونتعاون مع أناس آخرين يسيرون معنا في نفس الدرب فنصبحَ قوّةً أكبر، ونحقّق مشاريع أكثر إقناعًا، كما يمكننا من خلال الأنشطة التي ننظّمها ونعدّها سويًّا أن نفتح آفاقًا فكريّةً جديدة أمام الإنسانية، يمكننا توجيه الإنسان، الذي خُلق مكرَّمًا والذي يسعى باستمرار للوصول إلى الكمال، ليصبح إنسانًا كاملًا، ويمكننا أن نكون وسيلة في تطوير بعض النوى الكامنة فيه.

علينا أثناء القيام بذلك أيضًا ألا نتردّد مع كل فرصةٍ في الإفصاح عن صدق وإخلاص نيَّاتنا وأفكارنا حتى لا نبعثَ القلق في نفوس الآخرين، وعلينا أن نتحرّى دائمًا رضا الله تعالى، وأن نسعى للفوز به بأعمالنا ومساعينا، وأن ندفع كلَّ ما سواه بظهر أيدينا، مؤمنين بأن سلطَنَةَ العالم تبدو صغيرة جدًّا بجانب رضاه تعالى، لذا فإننا نصرف نظرنا عن مثل هذه الأشياء.

الخدمة الإيمانية

لقد ربطنا نيل رضا الله تعالى بإعلاء اسمه الجليل، وإيصاله للصدور المتعطّشة إلى الهداية والإيمان، ونسعى دائمًا إلى إفراغ إلهامات قلوبنا بعد تخميرها وتغذيتها في قلوب البشرية جمعاء، بجانب هذا نعتقد أن الإنسانية بحاجة إلى الحوار والمحبة والمشاركة والمصالحة في وقتٍ تتسابق فيه جميع الدول في مجال التسليح، وتُعرَض فيه كلُّ أنواع الجرائم، ونرى في ذلك الأمنَ والسلام.

لهذا السبب فإننا نعتبر قضيّة إرشاد الإنسانية إلى سبل العيش بشكلٍ إنسانيٍّ هي واجبنا وأحد لوازم الإيمان بالله عز وجل، إننا نؤمن بأن السبيل إلى جعل العالم ممرًّا إلى الجنة يكون من خلال المشاركة والمصالحة، لهذا السبب نريد أن ننقل هذه المشاعر والأفكار إلى الجميع كنواة.. لا نعرف إلى أي مدى ستتبنى البشرية هذا الأمر، ولا إلى أي مدى ستطور هذه الأفكار، وإلى أي مدى ستضعه موضع التنفيذ! الأمر متروكٌ لهم، فهذا ليس من مسؤوليتنا.

ولا ننسَ أنّ هناك قيمًا يمكن أخذُها من الآخرين عن طريق إقامة جسور الحوار معهم، فكما لا نرضى أن نحرمَ ونضنَّ على الآخرين بالقيم والمكتسبات التي نمتلكها، فلا نرضى في الوقت نفسه أن نحرمَ أنفسَنا من جماليات الثقافات والحضارات الأخرى.

ربما لا يقتنع بهذا الأمر المصابون بجنون العظَمَةِ، في الواقع إنهم لا يقتنعون، فهناك أناسٌ لن يقتنعوا مهما فعلنا، حتى ولو وضعْنا -فرضا- سلّمًا إلى الجنة، ورأوا الجنة بأمّ أعينهم، فسيظلون يقولون: “يا تُرى أهناك حفرة على الجانب الآخر لم نرها! هل يريدون إلقاءَنا فيها؟!” سيكونون مشكِّكِين فيما تفعلون، ولن يرغبوا في صعود السلّم الذي وضعتموه حتى ولو كان يؤدي إلى جنة الخلْدِ في النهاية، لم يخْلُ أيُّ زمنٍ من مثل هؤلاء العصاة والمتمرّدين، ولن يخْلو أبدًا، لن تكفيكم قوّتكم في منع عداوة الأعداء أو حسد الحاسدين، فإذا كانت لديكم القدرة فيجب عليكم تضييق نطاق نفوذهم، ولكن حذارِ أن يشغلَكم النظر إليهم عن جدّية عملكم.

الإيمان والهمّ

Herkul | | العربية

ما من مصيبة تحيق بالإنسان أكبر من البلادة وانعدام الهمّ، ولا أعلم أرَضَةً لعينة تتسلّط على ابن آدم أكبر من عدم القلق والاكتراث.. نسأل الله عز وجل أن يلقي في صدورنا جمرةً من الهمّ تجعلنا نستشعر ونغتمّ لتعاسة وبؤسِ غير المؤمنين، والضالين عن الصراط المستقيم، والقساة الغلاظ والعاصين منهم، ونحسّ بها وكأنها هموم أنفسنا.

وليس المقصود هنا -حتى لا يُساء الفهم- أن يذهب الإنسان ويعرّض نفسه بشكل مصطَنَعٍ للمواقف التي من شأنها أن تسبب له الهمّ والغمّ.. على العكس من ذلك، إنني أتحدّث عن همٍّ وغمٍّ ينشأ في النفس المنفتحة على الإنسانية جمعاء انطلاقًا من قوة الإيمان، ورحابة الروح، وسعة الوجدان.. فلا أقصد الهمّ الحاصل عن الخسارة والحرمان والألم الدنيوي؛ وإنما أقصد الهمّ الحاصل عن العيش في ظلال القلب ورحابة الروح.

أجل، لا يمكن أن يصير الإنسان صاحبَ همٍّ بمجرد أن يقول: “لأصبحنَّ صاحب همّ”، فهذا ليس بالأمر ولا المسألة التي تُطلب أو تُستهدف.. بل إنها مسألة مرتبطة بالإيمان، وهي نتيجة طبيعيّة له، وهي متعلّقة بإدراك أهمية المعنى الذي يعبر عنه العالم الآخر بالنسبة لنا.. إن الإنسان الذي تربطه صلةٌ قويّة بالله ويصل إلى اليقين في الإيمان يتعاطف مع جميع المخلوقات حتى إن قلبَه يرتجف كمدًا على نملة سقطت في الماء تتخبط فيه، ويشعر بالألم -وكأنه يُسحَق هو- عندما يرى حشرة هلكت تحت قدميه.. لكم أن تتخيلوا وتقدروا مدى الهم والقلق الذي سيسيطر على مؤمن قد سما شعور الرحمة لديه لهذه الدرجة حتى تجاه الحيوان عندما يرى إخوانه من بني البشر يتدحرجون إلى نار جهنم.

من الصعب جدًّا أن يدرك هذا ضعافُ الإيمان، الذين لا يربطهم بربهم سوى خيط رقيق، ومن يعيشون إسلامًا مستعارًا غير حقيقي.. أيمكن لمثل هؤلاء أن ينجوا؟ لا شكّ أنه بإمكانهم النجاة، قد يُنعِمُ الله عز وجل على كثير من أمثالنا ممن لا يحملون همًّا ولا حزنًا ولم يتحرّروا من مخالب الإيمان التقليدي بإدخالهم الجنة، فهذه مسألة أخرى.. إننا نتحدث عن وصول الإنسان إلى الكمال، وبلوغه مرتبة اليقين في الإيمان، وأن يكون هذا مسلكَه في الهمّ والقلق.. ومن ثم فإن الهم من هذه الناحية هو مظهَرٌ للإيمان القلبي بالله تعالى، وتعبيرٌ عن حالٍ نفسيٍّ صادق.

وأحيانًا ما يصبح الهمّ هو عين اللذة والمتعة بالنسبة لأشخاص وصلوا إلى مستوى معين، فتحصل لدى الفرد متعةٌ روحيّة ومعنوية مما يعانيه من همٍّ وألم.. ولكن مع ذلك لا ينبغي للمؤمن أن يربط حياته بهذه المتعة، فقد أشار الأستاذ بديع الزمان إلى مراتب القرب بدءًا من الإيمان بالله، ومعرفة الله، ومحبة الله وانتهاءً بالذوق الروحاني.. فإذا نُظر في ظاهر الأمر فقد يُفهم أن الذوق الروحاني هو أعلى المراتب التي يجب الوصول إليها كما أشار الأستاذ النورسي.. غير أن الإنسان إذا بلغ الذوق الروحاني في الحواس الظاهرة والباطنة بعد مستوى معين فلا ينبغي له أن يقيد عبوديته ولا همه بهذا الذوق.. فإن الإيمان والعبودية والمعرفة والمحبة حق للمولى عز وجل، ويجب علينا أن نتحرّك بشعور أنها واجبات علينا، وألا نقيدها بحال من الأحوال بأي مقابل مادي أو معنوي؛ لأن هذا قد يعني رفع دعوى على الله تعالى، ومن ثم فإنها مسألة يجب تناولها بدقة وحذر.

لقد كانت هذه الهموم والأكدار هي التي تدفع الصحابة الكرام للركض في سبيل الله دون توقّف أو راحة، فقد أتى أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه إلى أسوار إسطنبول دون أن يأبه لنفسه أو لعمره لأنه علم أن عدم الهم والقلق نوعٌ من الموت.. وهناك آخرون قيدوا أنفسهم على ظهور دوابهم وخرجوا للجهاد؛ لأنهم علموا أنه لا شيء أهم من إعلاء كلمة الله للإنسانية جمعاء، فقد رأوا هذا وتعلّموه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يريدون أن يحافظوا على المفهوم والفلسفة اللتين توارثوهما منه صلى الله عليه وسلم حتى نهاية حياتهم، فهم يوقنون بأن المشقة والألم والهم الذي يعانونه في هذا الدرب سيعود عليهم بأشكال مختلفة.. لقد آمنوا بهذا جيدًا، واستوعبوا حقيقة الأمر بسرعة بالغة، وانفتحوا على فحوى ومضمون رسائل القرآن الكريم والسنة النبوية، وعاشوا حياةً مفعَمةً بالعشق والاشتياق إلى الله، ومنفتحةً على الماوراء.

نحن أيضًا نقرأ القرآن الكريم، ونطالع الكتب، ونسمع المشايخ، ولكننا لا نستطيع الوصول إلى قوامهم بحال من الأحوال.. ربما يضحك الصحابة لو رأوا مكتباتنا، وربما يقولون: “هل هناك حاجة إلى كل هذا القيل والقال لمعرفة الله تعالى؟!” لقد كان إيمانُهم راسخًا متينًا.. لقد حلّوا بإيمانهم هذا من المسائل ما ستعجز الكتب التي تفوق قامتكم عن حلّه، فلم تظهر طائفة مثل هذه في العالم انتقلت من الأميَّة إلى العلم والمعرفة في أي حقبة من الزمن، إنهم أناس نشؤوا في الجاهلية، ثم التزموا مواقعهم خلف مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم، فبلغوا ذاتيّتهم، وشعروا بكيانهم، وقرؤوا أنفسهم قراءةً صحيحةً، وعاشوا ارتقاءً عموديًّا في المعرفة والمحبة، ورأوا العوالم الأخرى بوضوح، ووصلوا إلى هذه الجماليات في أسرع وقت، وبذلوا ما في وسعهم على الفور لتعريف الآخرين بهذه الجماليات.. وبما أننا لا نستطيع أن نعيش في يومنا ولو عُشر حياتهم التي عاشوها، فلا يمكننا أن نقدر مدى الهمّ والكدر الذي حملوه ولا الذوق الروحاني الذي أحسّوه.

لقد وقعنا في براثن الثرثرة والغرور، حتى إذا ما قمنا بالخطابة والتحدّث فإننا نمارس اللغو والثرثرة معتقدين ندرَةَ حديثنا، وأنه لا يوجَدُ من يُشبهنا أو يشاكلنا، وأنه ما من إنسانٍ إلا ونستطيع أن نقنعه بديماغوجيتنا.. إننا نتحدث كثيرًا عن أنفسنا، وإذا ما رأى الصحابة حالنا هذا تعجّبوا قائلين: “يا الله، كم يتحدّث هؤلاء الناس هكذا! فما الداعي إلى كثرة الحديث في هذه المسائل! فاللهُ حسبُنا وما سواه عبثٌ وهوًى!”.. فإذا كان من اللازم مقارنة أنفسنا بهم، فيمكننا أن نقول: ثمة أناس بائسون في القاع، وثمة نفوس في الجانب الآخر سامقةٌ في الارتفاع.

إن رجائي كبيرٌ في رحمة الله تعالى، ولذلك أعيش على أمل أن أدخل أنا أيضًا الجنة، وبما أنني أحمل هذا الأمل في نفسي، فإن الآخرين أحسن وأفضل مني بكثير، وأقول: “إن الجنة لها ثمانية أبواب مفتوحة بحسب ماهية الأعمال المنجزة، فإن لم ندخل من أحدها ربما دخلْنا من الآخر”، لكنني لا أعلم، هل سيقبلوننا هناك بحالنا هذا أم لا؟!

لا يحق لنا الطعن والتشنيع بأي شخص.. ولكن على الجميع أن ينظروا في أحوال أنفسهم، فيسأل كلُّ فرد نفسه؛ كم مرة في حياتي وضعتُ رأسي على السجادة باكيًا ساعة من الليل من أجل هم أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟! ما هو نوع الجهد والحرص اللذين أبذلهما من أجل توصيل الناس إلى الإيمان؟! يمكن للجميع أن يسألوا أنفسهم مثل هذه الأسئلة وأن يزنوا إنسانيتهم بها، أنا لا أبالغ في الأمر.. فإن كمال إيمان الفرد يكون بقدر رحمته بالمخلوقات، فكلما تعمّق همُّ وشغلُ وقلَقُ وجهدُ ومثابرةُ وعزمُ الفرد على إيصال الناس إلى الله تعالى، وتعريفهم برسوله صلى الله عليه وسلم كانت إنسانيَّتُه عميقةً بنفس القدر.. وعندما ينظر إليك أهل البصيرة يقدرونك قدرك من هذه الزاوية، فلتعبروا عن أنفسكم كيفما تشاؤون، ولتنجزوا النجاحات بقدر ما تريدون، ولتفتحوا من المدارس بقدر ما تستطيعون؛ ولكن قيمتكم الحقيقية تكمن في الإيمان، وصلتكم بربكم، وما يترتب على ذلك من انفعالكم وهمكم ومكابدتكم وشفقتكم بخلق الله تعالى.

وقد بينت الآيات القرآنية مدى اهتمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وانشغاله بأمته في العديد من الآيات، يقول تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (سورة الْكَهْفِ: 18/6)، والأمر نفسه في قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (سورة هُودٍ: 11/112) وفي إشارة إلى هذه السورة يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “شَيَّبَتْنِي هُودٌ[1].. فإذا كان هناك انفتاحٌ حقيقي في عصر السعادة النبوي؛ فإن وراءه في المقدمة همُّ ومكابدةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن خلفه الصحابة الكرام الذين يقتفون أثره خطوة بخطوة ويُعايشون الإسلام معايشةً صحيحةً.

لهذا السبب فإنه بقدر ارتباط الإنسان بالله ومعرفته به، وحرصِه وهمِّه وقلقه واضطرابه من أجل إيصال الحقائق السامية للإنسانية؛ يكون انفتاحه وتأثيره فيمن حوله.. وتعتمد المسألة في النهاية على الإيمان الكامل، والإخلاص الأتم، واليقين التام، وعمق المعرفة والمحبة، وصدق العشق والاشتياق.. وإنكم إن تعمّقتم في هذه الجوانب، فستكون الأمواج التي تحرّكونها في هذا الجانب كبيرة وواسعة وتشمل العالم بأسره.

[1] سنن الترمذي، تفسير سورة الواقعة، 56 (6)، 3297.

الخاسرون الثلاثة

Herkul | | العربية

   سؤال: ورد في حديث شريف ما معناه أنه خاب وخسر مَن أدرك رمضان ولم يُغفر له، ومَن أدرك والديه عند الكبر ولم يدخل بهما الجنة، ومن ذُكِر اسم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده فلم يصلّ عليه.. فما الحكمة من ذِكْر هؤلاء الثلاثة على وجه الخصوص؟

   الجواب: لقد ورد هذا الحديث المشار إليه في السؤال بروايات مختلفة، وجاء في بعض الروايات أن هذه الكلمات المذكورة في الحديث هي من كلام سيدنا جبريل عليه السلام، وأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤمِّن على كلامه، ووفقًا لهذه الروايات فإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمًا إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ حِينَ ارْتَقَى دَرَجَةً: “آمِينَ“، ثُمَّ ارْتَقَى الْأُخْرَى فَقَالَ: “آمِينَ“، ثُمَّ ارْتَقَى الثَّالِثَةَ فَقَالَ: “آمِينَ“.

ولما كان الصحابة رضوان الله عليهم يحرصون دومًا على فَهْمِ أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم فقد فطِنوا للأمر، واستفسَروا مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: “أتاني جبريلُ فقال: يا محمَّدُ مَن أدرَك رمضانَ فلم يُغفَرْ له فأبعَده اللهُ.

قُلْتُ: آمينَ.

قال: ومَن أدرَك والديه أو أحدَهما فدخَل النَّارَ فأبعَده اللهُ.

قُلْتُ: آمينَ.

فقال: ومَن ذُكِرْتَ عندَه فلم يُصَلِّ عليكَ فأبعَده اللهُ، قُلْ: آمينَ.

فقُلْتُ: آمينَ[1].

وثمة رواية أخرى تَنسب هذه الكلمات إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، ففي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: “رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الجَنَّةَ[2].

ولفظة “رغم أنف” تعني لصق أنفه بالتراب، وهو استعمال مجازي يُقصد به خاب وخسر وذلّ وعجز.

فإن لم يبال الإنسانُ بمثل هذه الأعمال الفاضلة، ولم يستغل الوسائل التي تُعلي من قيمته وقدره؛ فهذا يعني أنه قد ألصق أنفَه بالتراب؛ ومن يُضيِّع الفرص التي تواتيه في الدنيا يلتصق أنفه بالرغام في الآخرة.. والنبي صلى الله عليه وسلم حين يقول هذه الكلمات فإنما يحذر المؤمنين، ويوصيهم بأن يكونوا أكثر تعقُّلًا وحذرًا، كما أن عباراته صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث تكشف عن رحمته بأمته، ومدى حرصه على بلوغها السعادة الأخروية.

وكما يقول المثل: “بِقَدْرِ الْكَدِّ تُكْتَسَبُ الْمَعَالِي”؛ وهذا يعني أن العبد يُجزَل له الثواب بقدر معاناته في عمله، وتجشمه الصعاب في سبيله، وتصببه العرق حين القيام به، وانخلاع قلبه وتصدع رأسه من كثرة الاشتغال به.. لكن هذا لا يعني أن تُجهد نفسك وتعرّضها لمزيد من المشاق في أعمال يسيرة في حد ذاتها، وإنما المقصود أن المرء يتحصل على مزيد من الثواب بفضل الأعمال التي تشقّ عليه ويصعب عليه القيام بها، فإن إحراز النجاحات المادية والمعنوية والوصول إلى الذرى يستلزم الجهدَ والحرمان وتحمّل الصعاب.

   مراعاة حقوق الوالدين

ليس من السهل على الإطلاق أن يفوز الإنسان برضا والديه، وأن يرعاهما حقّ الرعاية، فالوالدان يكمن في داخلهما شعورٌ فطري جبري بالشفقة والرحمة لأولادهما، وكأن الله عز وجل قد أرغمهما على الرحمة والشفقة لأولادهما، وما لم يَمُتْ ضمير الإنسان وأخلاقه كلّيةً فمن الطبيعي أن يكون رحيمًا بولده شفوقًا عليه، يشمله بحبه ورعايته منذ اليوم الذي يأتي فيه إلى الدنيا، ويتحمّل كل المشاق، ويتجشّم كل الصعوبات من أجل سلامته.

إلا أن الأبناء لا يحملون المشاعر نفسها تجاه آبائهم وأمهاتهم، ولهذا يؤكد القرآن الكريم دائمًا على طاعة الوالدين، ومراعاة حقوقهما، في حين أنه لا توجد آية واحدة في القرآن الكريم تأمر الوالدين بأن يكونا رحيمين بأولادهما؛ وذلك لأن الرحمة بالأولاد هي شعور كامنٌ في طبيعة الإنسان أصلًا، والقرآن يُحيل هذه التصرفات الفطرية إلى الفطرة، ويشدّد وينبّه على ما هو ليس من مقتضاها، فإذا كان عدد الآباء والأمهات الذين يهملون أولادهم أو يسيئون معاملتهم في عصرنا الحاضر قليلًا، فإن عدد الأبناء الذين يسيئون معاملة آبائهم وأمهاتهم ويتجاهلون رعايتهم كثيرٌ للغاية.

ولذلك أمر القرآن الكريم في كثير من آياته بالإحسان إلى الوالدين بعد الأمر بعبادة الله مباشرة، ومن ذلك قول الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/36).

وقوله سبحانه وتعالى في سورة الإسراء: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (سورة الإِسْرَاءِ: 17/23).

فكما نلاحظ في هاتين الآيتين الكريمتين جاء الأمر بالإحسان إلى الوالدين بعد الأمر بعبادة الله مباشرة، وعندما ينهى ربُّنا سبحانه وتعالى عن توجيه ولو كلمة تحمل قدرًا بسيطًا من الإساءة للوالدين مثل كلمة “أف”؛ فإنما يشير بذلك إلى شدة حرمة ما وراء ذلك؛ لأنه إذا كان النهي موجهًا إلى أدنى الفعل فبالتالي يكون ما وراء ذلك أشدّ حرمةً ونهيًا، وعلى ذلك فإذا كان لا ينبغي للإنسان أن يتلفّظ حتى بكلمة “أف” أمام والديه فإنه إذا ذهب بالأمر إلى أبعد من ذلك فرفع صوته عليهما أو اعتدى عليهما بالسبّ أو الضرب فلا شكّ أن عاقبتَه ستكون وخيمةً وجزاءَه سيكون شديدًا، فالآية الكريمة من ناحية تأمر بالإحسان إلى الوالدين، ومن ناحية أخرى تنهى عن معاملتهما أية معاملة سيئة.

وهناك العديد من الآيات والأحاديث التي تحض على مراعاة حقوق الوالدين، وعند النظر إليها جميعًا تبرز لنا مسألتان: الأولى هي صعوبة إيفاء الوالدين حقّهما، أما الثانية فهي مدى قيمة وقدر القيام بهذه الوظيفة الشاقة عند الله سبحانه وتعالى، فلو أن العبد راعى أمر الله في هذه المسألة، وخفض جناحيه لوالديه، وأظهر الاهتمام بهما؛ فلا بد أنه سيربح ربحًا كبيرًا على نفس القدر؛ يشير إلى ذلك مجيء الأمر بالإحسان إلى الوالدين بعد عبادة الله مباشرةً في القرآن الكريم.

وقولُ سيدِنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الذي ذكرناه آنفًا: “رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الجَنَّةَ“، أي: إن الفوز برضا الوالدين يُعَدّ وسيلةً مهمّةً لدخول الجنة، وتضييع هذه الفرصة يُبشر صاحبه بالذل والخسران في الآخرة.

   الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

من الأمور الأخرى المذكورة في الحديث الشريف مسألة الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث أشار عليه الصلاة والسلام إلى أهمية ذلك بقوله: “رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ“، فبالصلاة والسلام عليه يتّسع مقام الشفاعة حتى يشمل العديد من الناس، ووفقًا لما ورد في الأحاديث فإن شفاعته صلى الله عليه وسلم ستدرِك حتى أهلَ الكبائر[3].

فَبِدُعَائنا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نستجلب شفاعته، ونسأل ربَّنا سبحانه أن يُؤتِيَ نبيَّنا صلى الله عليه وسلم المقام المحمود عنده، وأن يُنعم عليه بالشفاعة الكبرى، وأن يوسّع من أفق شفاعته.. من المعلوم أن من دلَّ على خيرٍ فله مثلُ أَجْر فاعله، وبما أن مجال شفاعته صلى الله عليه وسلم يتّسع ويستفيد منه عددٌ أكبر من الناس بالصلاة والسلام عليه فإن الشخص الذي يصلي عليه يتيح الفرصة لنفسه ولغيره لنيل شفاعته، ويهيئ الجوّ الذي سيدخل فيه، وكأنه يستثمر لنفسه هنا ليدرك الشفاعة والمغفرة هنالك.. فإذا ما وقف بذنوبه أمام الحضرة الإلهية في الآخرة أخذ نبينا صلى الله عليه وسلم بيديه انطلاقًا من صلاحية الشفاعة التي أعطاها الله له، وأوصله إلى ساحل السلامة.

من جانب آخر يجب ألا ننسى أن الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء الأمر بها من الذات العلية، يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (سورة الأَحْزَابِ: 33/56)، وعلى ذلك يكون في الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم اتباعٌ لأمر الله وإذعان له وتوجُّه إليه تعالى.

وأخيرًا يجب أن ننوه بأن الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هي دَينٌ في رقاب المؤمنين يقتضيه وفاؤهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم؛ لأننا بفضلِه قَرَأْنا الكون قراءةً صحيحةً، وتعرّفنا على ربنا سبحانه وتعالى في ظلّه، وتعلّمْنا كيف نؤدي عبوديتنا لربنا سبحانه وتعالى بتوجيهاته. ولذلك لا يجب النظر إلى المسألة على أنها مجرد دندنة بذكرى جميلة، فإن الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم لها من الأهمية ما جعل من الواجب علينا أن نأتي بها في عبادة مفروضة مثل الصلاة، وعند النظر إلى المسألة من جميع هذه الزوايا يتبين لنا بشكل أفضل مدى القصور الذي يقع فيه مَن يُهمِل الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدر المكاسب التي يُحرم منها نتيجة تقصيره هذا.

   رمضان وسيلةٌ لمضاعفة الثواب أضعافًا كثيرة

أما الأمر الأخير الذي حذَّر منه الحديث فهو الذي لم يُحسِن استغلالَ شهر رمضان: “وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ“.

فكلُّ يومٍ، بل وربما كلُّ دقيقةٍ في رمضان تحملُ قيمةً كبيرةً للغاية، ومن يُحسن استغلال ساعات رمضان ودقائقه وثوانيه بحقٍّ يَنلْ رحمة الله ومغفرتَه، ولذلك يُقال: “رمضان سلطان الشهور”، أما نحن فنقول: “رمضان شريحة ذهبية من الزمن”.

فشهر رمضان هو لطفٌ كبيرٌ من الله سبحانه وتعالى على أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ويمكن أن نشبه ألطاف الله في هذا الشهر بالنوال أو العطية التي يوزعها السلاطين على الرعية عند اعتلائهم العرش، فكما أن السلاطين يوزعون عطاياهم على الجميع دون تمييزٍ؛ فإنّ تجلّيات رحمة الله تعالى وغفرانه في هذا الشهر تشمل الناس جميعًا.

أجل، لرمضان فضائل ومعنويات خاصة، ولكن فَهْم هذه الفضائل والمعنويات يتوقّف على معنويات الإنسان وتقواه، فتقوى الإنسان هي الوسيلة في استشعاره بعمقٍ لهذه المعنويات، وإضفاء أبعاد أخرى على رمضان، فلا ينبغي أن نستهين بعبادة أيّ شخص أو طاعته، فإذا كان الإنسان صادقًا مخلصًا لا يخالط عبادتَه الرياءُ أو السمعةُ؛ فإنه ينال الثواب أضعافًا مضاعفةً على صلواته وصيامه وسحوره وقيام ليلِه وقراءته للقرآن وإيتائه الزكاة والصدقة.. فضلًا عن ذلك فإن من يدرك رمضان بهذا الوعي والشعور بعيدًا عن الغفلة؛ فاستفادتُه من رمضان ستكون مختلفةً كثيرًا، فلماذا لا نستفيد استفادة كاملة من موسم الغنائم هذا طالما أن العطايا الإلهية فيه متاحة للجميع؟!

لكن المسلمين اليوم -مع الأسف- بؤساءُ في عهد بائس، فلقد نشؤوا محرومين من مصادر التغذية، فلا الأسرة ولا الشارع ولا المدرسة ولا دار العبادة تعطي القيم حقَّها، ولا تستطيع هذه المؤسسات أن تقوم بما يلزم لتربية الأطفال وتوعيتهم وتثقيفهم.. فالأُسرة يُطبِق عليها الجهل، والشارعُ عديمُ الرحمة والإنصاف، والمسجدُ صار مكانًا لممارسة الطقوس الشكلية، ومأوًى للبَلادَة والجمود، وأصاب القحطُ والعقمُ كلَّ روافد التغذية، فلم نستطع معايشة الإسلام كما ينبغي، ولا أن نستشعر الأمور كما يلزم، ولا أن ننفتح على الميتافيزيقا، ولا أن نرقى إلى مدارج حياة القلب والروح.. فأنى لنا أن نستشعر رمضان في مثل هذه المجاعة المعنوية؟!

   إذًا فماذا عسانا أن نفعل؟

علينا أن ننظم كلَّ شيء -حتى الألعاب والملاعب- وفقًا لعالمنا الخاصّ، وأن نستغلّ كلَّ وسائلنا الذاتية حتى يتلقّى أبناؤنا تربيةً صحيحةً.. علينا أن نبحث عن سبلٍ لاستغلال رمضان على الوجه الأكمل نسبيًّا، وذلك بأن نفرغ ما بحوزتنا من وسائل في أشكال وقوالب جديدة، وإن لزم الأمر نُبرم عقدًا بيننا وبين بعضنا نقول فيه: “تعالوا بنا نقرأ هذا القدر من القرآن في شهر رمضان، ونتذاكره فيما بيننا، ونختم القرآن في صلاة التراويح، ونلهج بالصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ركعات التراويح، أو نقرأ الجوشن والأوراد القدسية، ونصلّي صلاة الحاجة، وندعو لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم”.. فإن هذا الاستغلال لمثل هذه الوسائل المختلفة يُعيد تأهيل الناس ولو جزئيًّا، بعد أن حُرموا الاستفادة العظمى في الأسرة والشارع والمدرسة ودار العبادة، ويجعلهم يعايشون الدين بشكلٍ أكثر حيويةً، وعلى ذلك فإن مضاعفة الثواب أضعافًا كثيرةً في رمضان تتوقف نوعًا ما على جهدنا وسعينا.

وبما أن رمضان هو شهر القرآن فعلينا أن نرجع إلى القرآن مرةً أخرى في هذا الشهر، ونتوجّه إليه من جديد، لا سيما في هذا العصر الذي ابتعد الناسُ فيه عن القرآن أكثر من أي وقت مضى.. فمع الأسف! الكثير منا يقرأ القرآن ولا يفهمه، ولا يخترق جوهره، ولا يدري خلفيته، ولا يقف على مقاصده، علمًا بأنه بقدر توجهنا إلى القرآن يفتح لنا أبوابه، وينير قلوبَنا وأرواحَنا مثل الشمس، فلا يصح إهمالُ هذا الكتاب المبارك الذي يحمل في جوهره المراد السبحاني وحقيقة النبوة؛ لأنه بقدر اكتراثنا به ترتفع درجة الاستفادة منه، فإنْ تصالَحْنا مع القرآن من جديد، ورفَعْنا رايته؛ رفع الله قدرنا، ونجانا من الخزي والهوان.

   خلاصة القول علينا أن نبحث عن سبل الاستفادة من رمضان بأفضل الطرق وأكثرها فعاليةً وربحًا، فمن لم يعرف قيمة شهر الغنيمة هذا ولم يحظ بشيء من فضله وبركته، ولم ينخلع عن المعاصي؛ فقد خَسِرَ خسرانًا مبينًا، والأحرى أن مَنْ لم يُحْسِن استغلال مثل هذه الشريحة الزمنية التي تعدل كل ساعة فيها بل كلُّ دقيقة قيمةَ الذهب، ولم يهتم بهذه الغنيمة التي جعلها الله نُهبةً لمن يريد، ولم يأبه بالإحسانات الإلهية في هذا الشهر؛ فقد ألصق أنفه بالتراب وخاب وخسر.

بالله عليكم ماذا يُقال لمن أعرض عن المكان الذي يُوزَّع فيه الذهب والزبرجد، واتّجه إلى سوق النحّاسين ليجمع النحاس؟! لا ريب أن مثل هذا الشخص حتى وإن رآه أكثرُ الناسِ شفقةً وإنصافًا ووسعةً للضمير لن يسعه إلا أن يقول: “يا حسرة عليك!”.

***

[1] الطبراني: المعجم الكبير، 19/144؛ البيهقي: السنن الكبرى، 4/500.

[2] سنن الترمذي، الدعوات، 114؛ مسند الإمام أحمد، 12/421.

[3] سنن الترمذي، القيامة، 2؛ سنن أبي داود، السنة، 21.

الحذر من استنزاف الطاقة

Herkul | | العربية

أحيانًا ما تعترينا خيالاتٌ وأوهامٌ ومخاوفُ تؤدّي بنا إلى تضخيم المصائب الحالية وتهويلها وجعلِها عصيّةً على الحل والعلاج، وبذلك نحمل همّ البلايا والمصائب التي لم تقع بَعْد، والحق أنه كلما تسرب الخوفُ والقلقُ والوهمُ إلينا كلما تضخّمت مشاكلنا وتزايدت، وأعتقد أن هذه هي إحدى أعظم المشاكل لدى الكثيرين منا.

وكما ذكر بديع الزمان سعيد النورسي في “رسالة إلى كل مريض ومبتلى”[1] إنه من الممكن التغلب على العديد من المشاكل الحالية إذا واجهناها بكل طاقتنا وقدرتنا وإرادتنا وعزمنا، غير أننا بِتْنا مع الأسف نستنزف همتنا، ونستهلك طاقتنا في الخوف والقلق مما سيقع غدًا وبعد غد، كما أصبحنا لا نستطيع أن نركز فيما يجب اليوم بسبب انشغالنا بالتفكير في الماضي والقلق من المستقبل، ومن ثم نهمل الأعمال التي يجب القيام بها في الوقت الحالي.

والحقيقة أن انشغالنا بالتفكير في الماضي والمستقبل ما هو إلا خيال محض، فثمة يوم قد مضى، ويوم لم يأت بعد، لكننا نخلط الحقيقة بالخيال، ونستهلك ثلثي صبرنا وطاقتنا في الجري وراء الخيال، ولذا نزيد عَبثًا ودون جدوى من ضجرنا ومعاناتنا.

وهكذا أوضح بديع الزمان كما أسلَفْنا كيف يتعامل المرء مع الأمراض التي يُبتلَى بها، محذّرًا المرضى من تحميل أنفسهم آلام الماضي والمستقبل، واستهلاكِ طاقة صبرهم بلا داعٍ، كما أشار إلى أن قوة الصبر والتحمل التي وهبها الله للإنسان كافيةٌ للتغلب على المشاكل والأمراض التي يعانيها.

والأمر نفسه ينطبق على المشاكل الاجتماعية أيضًا، حيث يجب على الإنسان أن يركّز همّته على الأحداث التي يواجهها كما يفعل مع مشاكله الشخصية، ولكن إذا كان استخلاص الدروس والعبر من الماضي يحمل قدرًا كبيرًا من الأهمية فلا ينبغي أن يكون إحياؤنا لهذه الأحداث باستمرار سببًا في ظهور مشاكل جديدة.. من الواجب طبعًا أن نجهّزَ الخطط للمستقبل، ولكن لا ينبغي أن نجعل المشاكل المحتمل وقوعها في المستقبل تستنزف كل طاقتنا وقوتنا، حتى لا تصل بنا إلى حالةٍ لا نتمكن بسببها من القيام بواجباتنا المنوطة بنا في الوقت الحالي.

فمثلًا أدّت الحملاتُ الصليبية قديمًا إلى قلبِ العالم الإسلامي رأسًا على عقب وتسبّبَتْ في أزمات عميقة خلال مدّةٍ تصِلُ إلى قرنين من الزمان، وحوصِرَت أبرز البلدان الإسلامية مثل مصر والعراق، وأصابها الدمار والخراب، وتجرعت الآلام والويلات، فإذا ظللنا نتحدث عن هذا في حِلِّنا وترحالنا، ونلوم أحفاد من فعلوا هذا بنا، فسنستهلك طاقتنا بلا داع، ونحرّك مشاعر الغضب التي بداخلنا، وندمر جسور الحوار التي بيننا.

علينا أن نعمل على عدم إحياء الحوادث السلبية التي وقعت في الماضي؛ بأن نهيل عليها التراب، ونضع أحجارًا ضخمةً فوقها، وأكرّر أن هذا لا يعني عدم استخلاص الدروس والعبر من الحوادث الماضية، فعلى العكس لا بد من ذلك؛ حتى لا نتجرع الآلام نفسها، ولا نُلدغ من الجحر نفسه مرة أخرى، ولكن يجب علينا عند فِعْل ذلك ألا نتسبب في خلق أعداء جدد أمامنا، أو نخل بسلامة الطريق الذي نسير فيه.

أجل، المهم هو القيام بالأعمال المنوطة بيومنا الحاضر؛ دون رثاء الماضي، أو تجرع آلام المصائب المحتمل التعرّض لها في المستقبل، والواقع أن المستقبل سيتشكّل وفقًا لهذا، علينا أن نفكر كيف يمكننا أن نتغلّب على المشاكل الحالية؟ وكيف نُسرع من خطانا؟ وكيف نتخلّص من الوصايات المتلاحقة التي تجثم على صدورنا؟ هذه هي الموضوعات التي يجب التركيز عليها اليوم.

فلو أردنا نحن المسلمين التخلصَ من هذا الوبال التاريخي ومن الخطايا الاجتماعية فنحن مجبرون على المضيّ قدمًا دون أن نشتت همَّتَنا أو نستنزف طاقتنا أو نخاطر بسلامة دربنا.. أما إذا كنتم تسيرون غاطين في استغراق وتفكير دائم، فتفكرون وأنتم تتحدثون، وتتحدثون وأنتم تفكرون؛ فسيخيل إليكم في كل زاوية من أمامكم غُولٌ دون إرادة منكم، وستُخِلّون بسلامة الطريق الذي تسيرون فيه، وتجعلون الظروفَ ثقيلةَ الوطأةِ عليكم؛ ولذا عليكم أن تتجنبوا الحديث على الدوام عن أيام المحن والشدائد التي تعرَّضْتم لها في الماضي.

فمثل هذا الأمر سيخل بتوازنكم العقلي والمنطقي كما أشرنا سابقًا، ويصيبكم بالضغط والتوتر دون داعٍ، ويؤثّر على أعمالكم المنوطة بكم الآن، وكلّما تذكرتم السلبيات التي عايشتموها ستتدهور معنوياتكم ويضعف حماسُكم، ويتعذر عليكم القيام بوظائفكم الحالية، ولذا لا بد أن نتجنب النبش في هذه السلبيات، وأن نتحاشى التحدث في مثل هذه الأمور التي لا تفيد الخدمة بشيء، بل إن ضررَها أكبر من نفعها.

وبدلًا من الاشتغال بمثل هذه الأمور يجب اتخاذ التدابير الضرورية ووضع الإستراتيجيات اللازمة حتى لا نعاني من مثل هذه السلبيات التي عشناها في الماضي، بل يجب أن نوصد الأبواب، ونغلق المصاريع، ولا نسمح بنفاذ فكرة الأغيار إلى داخلنا. أجل، علينا أن نقوم بما يجب القيام به حتى لا ينفذ أصحاب النوايا السيئة إلى دمائنا وأوردتنا؛ فيمتصّوا دماءنا ويمزّقوا أوردتنا.

علينا أن نتحلّى بهذا الخلق؛ عسى أن تتحرّك مشاعر الندم عند من ظلمونا، فيندموا على ما فعلوه بنا، ويأتونا معتذرين عما اقترفوه بحقنا، فإن التحدث بأسلوب دنيء، وإثارةَ بعض المشاعر لدى الآخرين، والإساءةَ إليهم، والتعاملَ بفظاظةٍ وغلظةٍ معهم؛ لا يُجدي نفعًا، لأن الفظاظة والغلظة لن تُقابل إلا بمثلها، ورأيي هو احترام الحقائق والوقوف في ثبات وشموخ بدلًا من اللجوء إلى الفظاظة والغلظة، ولا تنسوا أن هؤلاء لهم نصيب من احترامكم؛ لأن كل إنسان قابل لأن يكون مظهرًا لِأَحسنِ تقويم.

يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/64)، وفي هذه الآية ينبّهُنا ربُّنا سبحانه وتعالى إلى التعامل برفقٍ ولينٍ حتى مع الخصوم؛ وهو أسلوب من شأنه أن ينفذ إلى أرواحهم، ويصبّ اللين والرقة في قلوبهم، فتهدأ نفوسهم وتلين قلوبهم هم أيضًا.

حاصلُ القول: علينا القيام بأعمالنا الحالية دون أن نشتت قوّةَ صبرنا أو نستنزفها بالتفكير في الأحداث السلبية التي مرت بنا في الماضي وما يُتوَقع حدوثُه في المستقبل، وعلينا أن نعمل على الانشغال بأعمالنا الحالية، بل وتلافي ما فاتنا في الماضي؛ عن طريق تركيز كل همّتنا وإرادتنا على وضعنا الحالي بدلًا من أن نُضعف حماسَنا وإرادتنا ونُحطِّم قوَّتَنا المعنوية بالتذمّرِ ممّا حصل في الماضي، واستهلاكِ الوقت والطاقات في تخمين وترقُّبِ المستقبل الغامض دون عمل.

***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة الخامسة والعشرون، ص 285.

هل يتكرَّرُ “عهد الفترة”؟

Herkul | | العربية

لا أحد يستطيع أن يطّلع على خاتمة أحد، هل مات على الإيمان أم على الكفر؟ فقد ورد في الحديث الشريف: “…ويُولَدُ الرَّجُلُ مُؤمِنًا، ويَعيشُ مُؤمِنًا، ويَموتُ كافِرًا، وَيُولَدُ الرَّجُلُ كافِرًا، ويَعيشُ كافِرًا، ويَموتُ مُؤمِنًا…”[1]، فالله تعالى لا يضيع حتى أصغر الأعمال الصالحة، وإنّ رحمتَه سبقت غضبَه، فقد يشرح الله عز وجل في اللحظات الأخيرة صدورَ بعضِ الأشخاص إلى الإسلام مع أنهم قد ولدوا على النصرانية أو اليهودية أو البوذية أو أي دين آخر ويعيشون وفقًا لدينهم، وذلك بسبب بعض ما قدموا من أعمال صالحة، فيقدِّرُ لهم الموت والانتقال إلى الآخرة مسلمين.

بينما من ناحية أخرى قد يفقد بعض المؤمنين إيمانهم في اللحظات الأخيرة -حفظنا الله- لضعف إيمانهم أو ببعض ذنوبهم ومعاصيهم؛ لذلك لا يمكننا أن نعرف يقينًا خاتمةَ أيِّ شخص أو نوعَ المعاملة التي سينالها بعد الموت، وبما أننا لا نعلم ذلك فإننا نترك الحكم النهائي لله تعالى.

   “أهل الفترة”

عند التعامل مع مثل هذه المسائل، ينبغي ألّا ننسى معالجات العلماء أمثال الإمام الغزالي وبديع الزمان حول “أهل الفترة”، كما هو معروف، فإنهما يؤكدان على احتمال أن يكون هناك عهد فترة بعد مبعث مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم إلى البشرية جمعاء، وأن الأشخاص الذين لم يتلقوا الرسالة الإسلامية بهويتها الأصلية هم عند الله جل جلاله في عِداد أهل الفترة ويعامَلون معاملَتَهم.

ومما يستدعي الأسف أن الإسلام اليوم لا يُقدَّم بطريقةٍ تتناسب مع العقل والمنطق والوجدان والعواطف، فكما أنه لا يُمثَّل بشكلٍ جيّد فإنه لا يُداوَم أيضًا على تمثيله، فهناك عدد غفير من الناس يعيشون مدًّا وجزرًا بين الحانة والمسجد إذا جاز التعبير، ومَن اهتدى مِن الناس فقد اهتدى بنعمة من الله تعالى ولطفٍ خاص، وإلا فإن الذين يبحثون عن الحقيقة وعن الإسلام في الحالات الطبيعية قد يعودون أدراجهم من حيث أتوا عندما يروننا، ويزهدون بالإسلام عندما يشاهدون تجسيدَنا له، وهذا كله يفتح السبيل أمام تشويش الأذهان وتكديرها.

لذلك فإنه من الجائز أن يُنظر إلى بعض الناس اليوم على أنهم أهل الفترة، ومن ثم يكون هذا عاملًا آخر يمنعنا من إصدار حكم جازم بشأن عاقبة ومصير المتوفى، غير أنه من الضروري أن يُستبعد من هذا التقييم من يُعلنون كفرَهم ويرفعون رايته في كل فرصة داعمين ذلك بالأسس العلمية.

وبما أن القاعدة الدينية تقول: “نحن لنا الظاهر والله يتولّى السرائر”، وبما أننا لا يمكننا أن نشق على قلب أي شخص وننظر ما بداخله؛ فإننا نحكم على الظاهر، فإذا كان الإنسان قد عاش مسلمًا ولم يكن لديه ما يغيِّر فكرتنا عنه حتى اللحظة الأخيرة، فإننا نكفنه ونجهزه بعد وفاته وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية وندفنه في مقابر المسلمين.. من ناحية أخرى إذا أنكر شخصٌ ما اللهَ جل جلاله ورحل إلى الدار الآخرة على إنكاره، فستكون معاملتُنا له وفقًا لذلك، ومن ثم يكون طلبُ أبناء المتوفى أو أقاربه أو أصدقائه الرحمة والمغفرة لمن مات على الكفر أمرًا يجانبه الصواب.

   الدعاء بالمغفرة لغير المسلمين

إنّ طَلَبَ الإنسانِ العفوَ والمغفرة من الله تعالى لِمَنْ علِمَ أنهم ماتوا على الكفر لَيعني أنه يفرِضُ وصايتَه ورغباتِه ومشاعرَه على إرادة الله في هذا الأمر، وإذا جازت الشفاعة أو الاستغفار أو حسنُ الشهادة لمن مات وانتقل إلى الآخرة دون إيمان، لَفَعَلَ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم مع عمِّه أبي طالب الذي كان ظهيرًا له طوال حياته، ولم يجد منه سوءًا قط.

وفي هذا الصدد فقد حظر القرآن الكريم بشكل جازم طلبَ العفو والمغفرة لمن مات على الشرك، يقول تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (سورة التَّوْبَةِ: 9/113).

كما أن المعلومات التي قدمها القرآن الكريم عن سيدنا إبراهيم عليه السلام في هذا الصدد مهمة أيضًا لفهم الموضوع جيدًا، فيذكر القرآن الكريم الدعاء الذي دعا به سيدنا إبراهيم لأبيه، فيقول تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ (سورة الشُّعَرَاءِ: 26/86)، بينما آيةٌ أخرى تُبيِّن أن سيدنا إبراهيم عليه السلام قد وعد أباه في حياته أن يستغفر له، فيقول تعالى: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ (سورة مَرْيَمَ: 19/47)[2].

وفي سورة التوبة أوضح القرآن الكريم أن استغفار سيدنا إبراهيم لأبيه الذي مات مشركًا، كان بسبب موعدةٍ وعدَها إياه، ومع ذلك فإنه عندما تبيَّن له كفرُ أبيه تخلى عن طلب المغفرة له، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ ِلِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (سورة التَّوْبَةِ: 9/114).

   المعيار هو الرحمة الإلهية!

عند الحديث عن مثل هذه الأمور يجب أن يكون المرء ملتزمًا بمحكمات الدين من ناحية، ومن ناحية أخرى يحرص أشدّ الحرص على استخدام الأسلوب الصحيح حتى لا يتسبب في جرح مشاعر الناس أو الإساءة إليهم.. يجب أن نكون منتبهين عند التحدث إلى الأشخاص الذين لم يُكرَم والداهم أو أقرباؤهم بالإسلام، بل ومن الممكن أن نعبر أمامهم عن الحقيقة وعن رغباتنا ومرادنا دون جرح مشاعرهم بتعبيرات مقيَّدة وحذرة مثل: “إذا انتقلوا إلى الله تعالى عارفين به ومؤمنين به، فإننا نرجوه عز وجل ألا يضيع عملهم هذا برحمته التي وسعت كلَّ شيء”.

ومع ذلك يجب في مثل هذه الحالات الحرص على عدم إساءة الأدب مع الله بطلب ما لا يجوز طلبه منه تعالى كأن يُطْلَبَ مكانٌ في الجنة لأشخاص ما، فلو قلنا في مثل هذه الحالات التي لا نعرف فيها عاقبة الشخص: “اللهم ضع فلانًا في جنتك، وأسعده بفردوسك”، نكنْ بذلك قد استبدلنا مرادنا بمراد الله جل جلاله، والأفضل في هذه الحالة هو عدم تجاوز محكمات الدين، وأن نَكِلَ الأمر إلى الله عز وجل، وألا ننسى أن الله هو أمنّ عليهم وأرحم بهم منا، وكما يشير الأستاذ بديع الزمان: “فَأَيُّ رحمةٍ زائدةٍ عن الرحمة الإلهية هي في الحقيقة جفاء”.

 ***

[1]  سنن الترمذي، الفتن، 26؛ مسند الإمام أحمد، 17/228.

[2]  انظر أيضًا: سورة الممتحنة: 60/4.

ملاحظة حول ليلة النصف من شعبان

Herkul | | العربية

   سؤال: ما هي ليلة البراءة وما مكانتها وفضلها؟ وكيف يكون إحياؤها؟

   الجواب: ليلة البراءة هي ليلة النصف من شعبان التي تتوسط الرابع عشر والخامس عشر من هذا الشهر المبارك، ويرى بعض المفسرين أن الليلة المذكورة في سورة الدخان وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ (سورة الدُّخَانِ: 44/3) هي ليلة البراءة، ورغم أن هذه المسألة هي محل نظر وخلاف بين العلماء فثمة أحاديث كثيرة تذكر فضل هذه الليلة وثوابها.. والحقيقة أن بعض المفسرين قالوا إن الليلة المذكورة في الآية الكريمة هي ليلة القدر انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (سورة القَدْر: 97/1)، ووفقًا للرأي القائل إن الليلة المذكورة في سورة الدخان هي ليلة البراءة يكون القرآن الكريم قد نزل بتمامه إلى سماء الدنيا في هذه الليلة، بينما بدأ يتنزل منجّمًا في ليلة القدر، ولكن نظرًا لعدم وجود نص قاطع في الكتاب والسنة حول هذه المسألة فإننا نحيل معرفة ماهيتها وتفاصيلها إلى علم الله تعالى.

ومن الأحاديث الشريفة التي تبين فضل هذه الليلة قوله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْزِلُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَغْفِرُ لِأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعْرِ غَنَمِ كَلْبٍ[1].

وفي حديث آخر يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا يَوْمَهَا؛ فَإِنَّ اللهَ يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: أَلَا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟ أَلَا مُسْتَرْزِقٌ فَأَرْزُقَهُ؟ أَلَا مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ؟ أَلَا كَذَا، أَلَا كَذَا..؟ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ[2].

لكن ما المقصود بسماء الدنيا؟ وما ماهية النزول الإلهي فيها؟ وما كيفيته؟ إنَّ هذا أمرٌ يتجاوز حدودَ إدراكنا، وإنّ محاولةَ البحث عنه في المجرات ودرب التبانة وكوكبة هرقل أو في أغوار الفضاء؛ ما هو إلا تخبّط في المجال الضيق للعالم المادي؛ لأن الوجود ليس محدودًا بالفضاء الثلاثي أو الرباعي الأبعاد، فلربما لا تكون السماء الدنيا مكانًا يتيسر لنا معرفته، وقد تكون أفقًا لا يطّلع عليه سوى ساكني الملإ الأعلى، أو هي تجلٍّ آخر للحق تعالى بِبُعْدٍ مختَلِف، والكلّ يستفيد منه بحسب جهودِه ومساعيه.

ورغم أن هناك روايات تتحدث عن فضل أداء مائة ركعة في هذه الليلة فإن علماء الحديث لا يأخذون بها ولا يقرّونها، ومع ذلك فلا حرج أن ينهض المسلم لإحياء هذه الليلة ويصلي مائة ركعة؛ فهو على أقلِّ تقدير سيتحصّل على ثواب أكبر؛ وعليه أن يعرف أن هذا ليس معلومًا من الدين بالضرورة، وألا يرغم أحدًا على القيام بمِثل فِعله بحجة أن ما يفعله من محكمات الدين.

إن مثل هذه الليالي تُعدّ مغنمًا عظيمًا للجميع، وخاصة لمن يريدون قضاء صلواتهم الفائتة أو الذين يريدون جبر القصور والخلل الذي اعترى صلواتهم الماضية، فمثلًا من الممكن أن تجزئ مائة ركعة عن قضاء صلوات خمسة أيام في الذمة، فلو أن الإنسان استغل الليالي المباركة الأخرى على الشاكلة نفسها، وصلى في كل ليلة منها ما يعادل خمسة أيام قضاءً، وجعل هذا إلفَه وعادته؛ فإنه يكون بذلك قد قضى صلوات أأعوام مديدة على مدار حياته، ويكون أيضًا قد سدّ النقص وجَبَرَ الخلل.

إنّ الصلوات التي تُؤَدَّى في هذه الليالي تُكسِب صاحبَها ثوابًا أكبر، مقارنة بالصلوات التي تؤدَّى في الأوقات العادية؛ وذلك لأن بعض العبادات تكتسب قيمة خاصّة وفقًا للزمان والمكان الذي تؤدَّى فيه، فمثلًا يُثاب الإنسان على تصدُّقه في الأوقات العادية، ولكن إذا أُخرِجَت هذه الصدقة يوم الجمعة أو في شهر رمضان أو في مثل هذه الليالي المباركة فإن ثوابها يكون أكبر؛ فقيمةُ الظرف تُعمِّق قيمةَ المظروف.

وبالمثل فإن العبادات التي تؤدَّى على جبل عرفات وفي المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى لها ثواب أعظم من غيرها التي تؤدّى في الأماكن العادية، فهذه القيمة الخاصة بهذه الأماكن تنعكس بالتالي على الأعمال التي تُقام فيها، فهذه الأعمال هي أدعى للقبول نظرًا لعظم قيمة الظرف الذي وُضِعَتْ فيه.

ويُستنبط من الأحاديث الشريفة المذكورة أن لله تعالى معاملات خاصة وتجليات مختلفة في هذه الليالي، ولا خطأ ولا مشاحة في التشبيه إذا قلنا: إن سلاطين الأرض حين يجلسون على العرش يُغدِقون عطاياهم على كل المحيطين بهم، دون النظر إلى أهليّتهم وأحقّيتهم من عدمها، فكلُّ مَن شارك في حفل الجلوس السلطاني -صالحًا كان أم طالحًا- ينال نصيبه من عطايا السلطان، وعلى الشاكلة نفسها فإن هذه الأيام والليالي المباركة هي آفاق مواتية لتنزُّل رحمات الله تعالى، يخصّ الله تعالى بفضله وبرحمته كلَّ من توجَّه إليه فيها، بِغَضِّ النظر عن استحقاقه لذلك أم لا.

ومن المعلوم أن أسماء هذه الأيام والليالي المباركة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمعنى المطوي فيها، فمن أحيا هذه الليالي بحقها نال المسمّى الذي يدلّ عليه اسمها؛ فحريٌّ بمن يتوجّه إلى الله تعالى بإخلاص في ليلة المعراج ويتقرب إليه بالعبادات والطاعات أن يكون مظهرًا لمعراج معنوي، وحقيقٌ بمن أحيا ليلة البراءة بغرض التطهّر من ذنوبه أن ينال البراءة من النار بفضل من الله وعنايته، وكذلك الحال بالنسبة لمن أحيا ليلة القدر أن يرفع الله قدره ودرجته.

وبما أن الله تعالى قد خصّ هذه الليالي بأفضال خاصة فعلينا أن نجتهد في اقتناص هذه الفرصة على أكمل وجه، وعلينا أن نعمِّر آخرتنا بتخصيص هذه الليالي بعبادات وطاعات أكثر من الليالي الأخرى، وتحقيق أقصى استفادة من هذه الأوقات المباركة، وكما ذكرنا آنفًا فلا بد أن نخصّ هذه الليالي بمزيد من الصلوات والعبادات والحمد والثناء لله عز وجل والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا بد أن نتوجه إلى الله بإخلاص، ونعبّر له عن خلجات أنفسنا، ونتضرّع إليه بالدعاء لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على وجه الخصوص.

خلاصةُ القول ينبغي لنا حتى لا نفوِّت الفرصة في هذه الليالي المباركة أن نعمل على إحيائها بالعبادة وقراءة القرآن والدعاء والذكر، وإن لزم الأمر فَلْنُقمْ برامجَ واحتفالاتٍ تُحيي القلوب، وتُبكي العيون، وتوقظ العواطف والمشاعر، ولكن يجب علينا إلى جانب هذه البرامج العامة أن ننفرد بأنفسنا ونتوجه إلى الله بدعائنا وبثّ همومنا.

ويا حبذا لو صلينا صلاة الحاجة وتضرَّعْنا بدعاء الحاجة في هذه الليالي رجاءَ أن يدفع الله عنا البلايا والمصائب، ونصل إلى الغايات المثلى التي نحلم بتحققها.. وبعد صلاة الحاجة والدعاء المأثور[3] عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نرفع أكف الضراعة إلى الله تعالى، ونسأله حاجاتنا، قد يسأل البعض ربه سبحانه وتعالى زواجًا مباركًا، أو ولدًا صالحًا، أو توفيقًا في العمل، أو وفرةً في المال وسعةً في الرزق، كل هذا لا حرج فيه شرعًا، فإننا لا نُدين الذين يحصرون تفكيرهم وآمالهم بأنفسهم فقط، ويرغبون في أن تسير حياتهم الدنيوية في وفاق ووئام.

ولكن هناك أرواح عالية الهمّة ليس لها أيّ مطالب شخصية أو دنيويّة، وتنحصر جميع مطالبها في خدمة المسلمين والإنسانية جمعاء، وهذه مسألة تتوقّف على رحابة الأفق، وعلوّ الهمة، وسعة الوجدان، فلا ينبغي للإنسان أن يضيّق على نفسه طالما هناك مثل هذه الآفاق الرحبة التي يمكن الإبحار إليها.

إن أصحاب الهمم العالية يرفعون أيديهم في هذه الليالي قائلين: “اللهم ألِّف بين قلوبنا! ووحّد بين أفكارنا ومشاعرنا! واجمع شملنا! وهيئ لنا الفرص للانبعاث من جديد! اللهم خلِّص أمة محمد صلى الله عليه وسلم من البؤس والشقاء! وارفع الراية المحمدية في كل بقاع الأرض! واستعملنا في هذه الوظيفة المقدسة! اللهم إن كانت أرواحنا ثمنَ انبعاثٍ جديد فاقبض أرواحنا قبل أن نقوم من سجادتنا هذه!”، وفَّقَنا الله جميعًا لبلوغ هذا الأفق، وجعلنا من أصحاب الهمم العالية.

وأريد أن أنوه أخيرًا بالمسألة التالية: إذا أراد العبد أن يستفيد من فيض هذه الليالي وبركتها فعليه أن يؤمن يقينًا أن الله تعالى يخص هذه الليالي بمزيد من الإقبال والرحمة العامة، وأنه سبحانه وتعالى يشمل كل من يتوجه إليه في هذه الليالي بمغفرته وفضله بغض النظر عن أهليته من عدمها، كما ينبغي له أن ينهض لإحياء هذه الليالي متحمسًا، ويتوسل إلى الله ويتضرع إليه عسى أن يكون من بين المغفور لهم في تلك الليلة.

***

[1] سنن الترمذي، الصوم، 39؛ سنن ابن ماجه، الإقامة، 191.

[2] سنن ابن ماجه، الإقامة، 191.

[3]  انظر: حديث عثمان بن حنيف: سنن الترمذي، الدعوات، 136؛ مسند الإمام أحمد، 28/478؛ الحاكم: المستدرك على الصحيحين، 1/458، وكذلك انظر: حديث عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي: سنن ابن ماجه، إقامة الصلوات، 189؛ البيهقي: شعب الإيمان، 4/546.

 

 

بعض المعايير للعبودية

Herkul | | العربية

لا ينبغي للإنسان أن يستسلم لليأس في حياة العبودية فَيضْنَى، ولا أن يثق بنفسه ثقةً مفرِطةً فَيَطغى، بل عليه أن يكون على وعيٍ دائم بذنوبه التي ارتكبها، ولا يغيب عن باله أن الله تعالى قد يستعمل المذنبين أيضًا في أعمال الخير، ومن يقدر على فعل هذا لا يعزو لنفسه توجّهات الله وإحساناته، وإنما يقف أمام الجماليات التي أسبغها الله عليه ويقول: “لولا فضل الله عليّ لما كان لمثل هذه الزهور والورود أن تنبت في هذه الأرض السبخة وهذه الصحراء القاحلة”، فمَن نظر إلى نفسه هكذا لا يُداخله غرور، ولا يقصِّر في شكر الله على ما أفاض عليه من نِعم.

وإن قدرة الأشياء الصغيرة للغاية على إنجاز أمور كبيرة ليدلّ على عظمة الله تعالى، فقد يستعملُ الله تعالى أناسًا عاديين -رغم زللهم وسقوطهم وترديهم وانكسارهم وتحطمهم وما أصبحوا عليه من بؤس وشقاء- في أمور عظيمة جدًّا، بل إنه قد يُنعِم بفتح البلدان وإحياء الدول على أيديهم، ويوفقهم في جهودهم ومساعيهم، لكن لا ينبغي للإنسان إذا ما رأى هذه الأفضال غير العادية وهي تتحقّق على يديه أن يزيغ ويضل، وينساق وراء الأفكار المنحرفة.

   الخسارة في موضع هو أدعى للكسب

وليس من اليسير بالطبع أن يحافظ الإنسان على استقامته أمام ما أحرزه من نجاحات وإنجازات، وهذا هو سبب خسارة الكثيرين في امتحان الدنيا، فمثلًا عندما يرى الإنسان عشرةً من الناس يلتفون حوله يوشك أن يرى نفسه وليًّا من أولياء الله، وخاصةً إذا كان مَن حوله يتملّقون إليه ويرفعونه إلى عنان السماء، ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يرنو ببصره إلى القطبية والغوثية انطلاقًا من المقامات التي عزاها له حسنُ ظنِّ المحيطين به، وربما يرى هذا المسكين نفسه الجامع للقطبية والغوثية على حد سواء، ولا يتوقّف الأمر عند هذا الحد، بل يدعي المهدية والمسيحية، ويرى نفسه محلِّقًا في السماء وإن كان غير جديرٍ بالمشي على الأرض، فيعيش خُسرانًا تلو خُسران رغم أنه في موضع هو أدعى للكسب؛ ولذا فإن من أكبر إحسان الله للعبد ألا يُشعره أحيانًا بكرمه ولطفه وإحسانه عليه.

عودًا على ذي بدء، إن الإنسان إذا كان على وعيٍ بذنوبه وخطاياه؛ لا يداخله صلَفٌ ولا غرور، فلا يستكثر على نفسه المقامات العالية مثل القطبية والغوثية فحسب، بل وحتى البشرية العادية أيضًا، فإذا ما رأى الأراضي القاحلة قد تحولت إلى رياضٍ وارفة الظلال قال: “يستحيل أن يصدرَ خيرٌ منّي لكن الله يريد أن يكشف عن تجلّيات الوجود حتى في العدم”.

ولا أقصد من هذا الكلام أن نفعل كما فعل بعضُ غلاة الملامتية في التاريخ، فقد أخطأ هؤلاء عندما اعتقدوا ضرورة اقترافهم الذنوب حتى يلزموا حدهم، ويتجنبوا الادعاءات التي تغريهم وتجعلهم يتعالون على غيرهم، فهذا انحراف من نوع آخر، فيجدر بالمؤمن أن يتوخى الدقة والحذر في حياته حتى لا يتدنس من ناحية، وألا يغفل عن كدوراته الحالية من ناحية أخرى، والحال أن الذنوب التي يرتكبها الإنسان دون وعي منه؛ كإلقاء السمع إلى خطإ ما، أو الخطوة إلى ذنب ما، أو التفوه بكذبة ما؛ لَتكفي من أجل إجراء مثل هذه المحاسبة، بل تزيد، فيجب ألا يغيب عن بال الإنسان أبدًا ذنوبه التي اقترفها حتى وإن تاب عنها ألف مرة بعد ارتكابها، وأن يبقيها ماثلة نصب عينيه على الدوام، ومن يستطع فعل ذلك لا يعزُ لنفسه النجاحات التي حققها الله على يديه.

وإن مسألة العصمة، أي رؤية الإنسان نفسه معصومة من الخطإ خطيرة جدًّا، فالأنبياءُ العظام الذين كانت العصمةُ من أهمّ أوصافهم يرتجفون وَجَلًا من الله تعالى، ولم تدْعُهم عصمتُهم قط إلى التهاون والتراخي في عبوديتهم، ولذا يجب على الإنسان أن يعلن الحرب على هذه الفكرة، وأن يبذل جهدًا مستميتًا في سبيل استقامته من ناحية، وألّا يعتقد أبدًا أنه طاهر مطهر من ناحية أخرى.

أجل، من الأهمية بمكان أن يلزم الإنسان حدّه ولا يتجاوزه مهما حقّق الله على يديه من نجاحات، ويشير بديع الزمان سعيد النورسي إلى هذه الحقيقة مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “طُوبَى لِمَنْ عَرَفَ حَدَّهُ وَلَمْ يَتَجَاوَزْ طَوْرَهُ[1]، كلُّنا بشرٌ مخلوقون من لحم وعظم، ونحمل بين جوانحنا نفسًا، وهناك شيطان يسعى دائمًا بكل قواه لإغوائنا، ومن الصعب القول أيضًا بأننا قد نشأنا في مجتمع نظيف جدًّا، لأن شوارعَنا التي نسير فيها عمَّت فيها البلوى وأصبحت مكتظَّةً بالذنوب، وبينما دُنِّسَ بعضُنا بالقاذورات حتى سيقانهم، فإن بعضنا الآخر يغوص في مستنقع من القاذورات حتى حلقومه، وبهذه الحالة فليس من الممكن أن يتأتى منا أيُّ خير، إلا أن الله تعالى برحمته الواسعة قد منّ على المذنبين من أمثالنا بفضله، واستعمَلَنا في أعمال الخير.

أجل، إن من يعي أن كلَّ الألطاف والنعم التي يتمرّغ فيها من الله تعالى؛ لا يتطاول، ولا يتجاوز حد الاعتدال، وطالما استطعنا النظر إلى الأمور بمثل هذا الأفق الخالص من التوحيد أدام الله علينا ألطافه وإحساناته.

ومن جانب آخر، فلا ينبغي للمذنبِ ولا للغارق في الدنس والفجور حتى عنقه أن ييأس أو يقنط من رحمة الله سبحانه وتعالى، وكما هو معلوم فقد نهى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابةَ عن لعن ذلك الرجل الذي كرَّرَ شربَ الخمر، إذ إنه لما جيءَ به قَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ[2]، ولذلك لا بد للإنسان أن يحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأن يسعى سعيًا حثيثًا في سبيلهما، دون النظر إلى عظم الذنوب والخطايا التي ارتكبها في الماضي، عليه أن ينسب الكبرياء والعظمة إلى الله تعالى السلطانِ الأوحدِ لدائرة الربوبية والألوهية، ويقول: “اللهم إني أعلم أنْ لا محل لي من الإعراب، لكن أنت من يمنحني هذا المحل”، وعليه أن يواصل تبعيّته ومحبّته للداعيةِ الأعظم صلى الله عليه وسلم، إن فعل ذلك فلا بد أن يترجم محبته لله ورسوله بالثناء والمناجاة، ولا تمنعه ذنوبه من فعل هذا، فقد تضخِّم له النفسُ والشيطانُ ذنوبه، وقد يوحيان له أنه بهذه الذنوب قد ابتعد عن الله، ولكن لا ينبغي للإنسان أن يجري وراء نفسه وشيطانه، وعليه أن يتجول بأفكاره ومشاعره في دائرة القرب.

   الأرواح النرجسية

وعند النظر إلى الصالحين عبر التاريخ سنلاحظ أنهم كانوا يعنّفون أنفسهم وينتقدونها ويحاسبونها بشدة، ولا يعطونها قدرًا ولا قيمة، هذه هي العظمة الحقيقية، فلا يُنتظر ممن استولت عليهم الأنانية القيام بأي عمل نافع، فإن صاحب الروح الأنانية النرجسية لا يستطيع أبدًا أن يتخلص من أوهامه لأنه يشعر على الدوام بضرورة التعبير عن نفسه وتميزه على الآخرين، وهؤلاء الأنانيون لا يحبّذون الأفكار التي يقولها الجميع أو يتبنونها، فهم يركضون وراء الأفكار الهامشية دائمًا بغية التميز والإبداع، ويحاولون ابتكار آراء غير عادية لجذب الانتباه وإثارة الإعجاب لدى الآخرين، فإذا لم يجدوا الإعجاب والتقدير الذي ينتظرونه رفعوا من مستوى كلامهم أكثر فأكثر، بل إنهم لا يتورّعون عن الكذب أحيانًا عندما يرون الصدق لا يجدي معهم في تسويق أنفسهم.

وهؤلاء النرجسيّون المفتونون بأنفسهم وأفكارهم وأسلوبهم ومنزلتهم لا يستسيغون الآخرين ولا ما يفعلونه، ومن الصعب أن يقنعوا ويرضوا بشيء ما، ولذلك يسيرون في خطٍّ متعرج على الدوام، ويقفزون من غصن إلى آخر، ويقضون عمرهم لا يستقيمون على شيء، ولا يتأتى منهم خير.

في حين أن وجود الإنسان الذي أوجده الله من العدم قد بدأ بقطرة ماء، وإذا ما التفتنا ونظرنا إلى سيرة حياتنا، وفكَّرْنا في الأخطاء التي ارتكبناها فسنخجل من أنفسنا، لقد خلقَنا الله تعالى عبيدًا له، ولهذا فإن العظمة الحقيقية للإنسان تكمن في عبوديته لله عز وجل، فما يقع على الإنسان هو أن يقنع ببشريته، وأن ينشد الشرف والعزة في عبوديته لربه سبحانه وتعالى.. ويجب على الإنسان أن يقابل العطايا المادية والمعنوية التي أسبغها ربه عليه -كنوع من الجبر اللطفي- بالشكر، وأن يعمل على تنميتها وتطويرها.

   أبطال التواضع

إن الله تعالى يحب المتواضعين، ويرفعهم إلى المكانة التي تليق بهم، فلولا سقوط البذرة في رحم التراب ما استطاعت أن تكون مظهرًا للفيض، فالمتواضعون يرفعهم الله عز وجل، ويمنّ عليهم بكرمه وفضله، ويجعلهم ذوي قامات عالية مرشدة للإنسانية، فها هو عبد القادر الجيلاني، ومحمد بهاء الدين النقشبندي، وأبو الحسن الشاذلي، والأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي رغم مرور قرون عديدة على رحيلهم فما زلنا نذكرهم بالخير والامتنان، وما زلنا نسترشد بالمؤلفات القيمة التي خلفوها لنا للاهتداء إلى سواء السبيل، وبدهي أن السبب الرئيس في عدم نسيان الناس لهؤلاء الفضلاء هو أنهم كانوا أبطالًا للتواضع والخجل ونكران الذات.. ونظرًا لأنهم صرفوا كلّ هممهم إلى إثبات وجود الله سبحانه وتعالى وليس أنفسهم؛ وهبهم الله تعالى وجودًا أبديًّا، ووضع ودّهم ومحبّتهم في قلوب عباده، ولما كانوا يركضون من أجل إثبات حقيقة التوحيد ثبّتهم الله على الطريق المستقيم، وجعل كلًّا منهم هاديًا ينير أفقنا ويرشدنا إلى الطريق المستقيم، ورغم مرور قرون على هذا فما زلنا نقرأ أورادهم، ونتصفّح مؤلفاتهم من أجل إيجاد حلول لمشاكلنا الحياتية.. فهل هناك تقدير وتثبيت أفضل من ذلك؟!

الأخطر هو أن يعمل الإنسان عملًا معتقدًا أنه لن يُحاسب عليه، فمثلًا أحيانًا ننسب أعمالنا الصالحة إلى أنفسنا، فنلوّثها دون وعي منا، فلو كنتم تقومون بأعمالكم واضعين في مخيلتكم أنه لا مثيل لها؛ فقد أبطلتم حياتكم القلبية والروحية في هذه الدنيا، ولم تتركوا شيئًا للآخرة، فإذا كان الكلام يدور حوله سبحانه وتعالى، وكل ما يجري من خدمات هو من أجله جل وعلا؛ فلا بد من أن تمحوا ذاتيتكم، فأصعب شيء على الإنسان أن يمحو ذاتيته، فقد يستطيع الإنسان أن يشطب على أشياء كثيرة، ولكن ليس من السهل أن يشطب على نفسه، فأكبر مشكلة لدى الإنسان هو نفسه التي بين جنبيه، من السهل الحديث عن هذا نظريًّا، لكن الأهم هو ما يجري في عالم الإنسان الفكري والشعوري.

نحن بحاجة ماسة إلى التجديد في كلّ هذه الأمور، فعلينا أن ندقق النظر في آرائنا وأفكارنا كل يوم، ونعمل على ضبطها ومعايرتها من جديد، ونراجع ما نحن عليه، وما نحن فيه، وما الحالة التي صرنا إليها، وإلا ظهرت انحرافات لا مفر منها، والأخطر من ذلك ألا ندرك أننا وقعنا في انحراف في الأصل، وأن نرى أنفسنا في أمان رغم ضلالنا المبين، واستدعائنا لغضب رب العالمين.

كثيرًا ما لا نستطيع التحكم في عقولنا ومشاعرنا، ولا ندري ماهية الخطط والأوهام التي نجري وراءها، فمثلًا قد يداخلنا الطمع في الأمور الدنيوية، ولا يهدأ لنا بال طمعًا في كسبها، أو يسيطر حب الدنيا على كل كياننا، ولا ريب أن مثل هذه الأفكار والمشاعر تنطوي على سوء أدب كبير مع الله عز وجل بالنظر إلى المقام الذي نحن فيه، وإن كان لا محل لها في قائمة الكبائر، ومن أجل تجنُّب كلِّ هذه المخاطر، يجب أن نراجع باستمرار علاقاتنا مع الله وأن نكون قادرين على إظهار الموقف الصحيح للعبودية.

***

[1] البخاري: التاريخ الكبير، 3/338؛ الطبراني: المعجم الكبير، 5/71.

[2] صحيح البخاري، الحدود، 6.

مبادئُ في خدمة الدين والإنسانية

Herkul | | العربية

إن إيجاد الحلول للمشكلات الاجتماعية ليس بالأمر الهين، فإذا تعذّر تحديد المنهج الصحيح لمعالجة المشكلات فستنشأ أخطاء أكبر لا سبيل إلى تلافيها بينما تحاولون تصويب خطإ واحد، فإن إزالة بقعة على السجادة لها أصولها وطريقتها الخاصة، فإن لم تكونوا على دراية بطريقة تنظيفها، فإن الأسلوب الذي ستَتّبعونه في التنظيف قد يتسبّب في توسيع رقعة البقعة وانتشارها، والمشكلات الاجتماعية تشبه ذلك، فقد تتسبّب المعالجة الخاطئة في مضاعفات يستحيل التغلب عليها، فإذا كانت هناك أصول وطريقة خاصة حتى لإزالة بقعة بسيطة، فمن المسلَّم به أن هناك أصولًا وطريقة خاصة أيضًا في إعادة مجتمع مشوه إلى هويته الأصلية، وتصحيح مساره، وضمان سيره المتناغم من جديد.

إن الصدق والإخلاص يلعبان دورًا شديد الأهمية في مسألة العفو والصفح عن كثير من الأخطاء، كذلك العزم والمثابرة من الآليات الرائدة والمتصدرة على طريق النجاح.. ومع ذلك فإنه إلى جانب هذا، إن لم تخضع القرارات التي ستُتخذ بشأن الأعمال التي يتعين القيام بها، للمبادئ العلمية والشرعية، ولم تُمرَّر من مرشح المنطق، ولم تُدقق ببصيرة وفطنة، فإنها ستجرف الإنسان إلى أخطاء كثيرة، فإن كثيرًا ممن يضطلعون بأعمال جميلة وطيبة يتعثرون ويسقطون وينقلبون رأسًا على عقب لأنهم لم يراعوا هذه الأمور بشكل كافٍ؛ حتى إنهم لا يلاحظون ذلك في بعض الأحيان.

وكما تحدث هذه الأخطاء في الحياة الشخصية والعائلية، مثلًا في إدارة الأسرة أو طريقة تربية الطفل، فكذلك قد تحدث أيضًا في دائرة أوسع مثل الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فإذا لم تتمّ صياغة التغيرات والتحولات والتشكّلات الاجتماعية وفق قواعد ومبادئ محددة، فمن الممكن أن تتسبب في مضاعفات ومشكلات يستحيل التغلب والسيطرة عليها.

على سبيل المثال قد تدشّنون حركة إصلاحية بنيّة صادقة على نطاق واسع من أجل تنمية المجتمع وتقدمه رغبة في الصعود به من “القاع” إلى “القمة”، غير أن هناك أسسًا حياتية كثيرة يجب وضعها نصب العين وهي: هل بنية المجتمع مواتية لهذا التغيير الجذري يا تُرى؟ وهل أفراد المجتمع قادرون على استيعاب وتقبّل التغيرات المطروحة أو المفروضة عليهم؟ وهل الظروف الراهنة مواتية لهذا؟ وهل الزمان والأوضاع مناسبة للقيام بهذه الأعمال؟ وهل قوتكم كافية لتحقيق ذلك؟ هل نظرتم إلى التغييرات التي تريدون إجراءها من منظور القيم الإنسانية العالمية؟ فلو بدأتم في الأمر دون أن تأخذوا كل هذا في الحسبان، فمن المحتمل جدًّا أن تتعرضوا للفشل والإخفاق؛ حتى ولو كنتم تبتغون خدمة الإنسانية، فإنكم ستقحمونها في النهاية في فواجع جديدة، فلا ينفعكم عندئذ لا صدقكم ولا هويتكم الدينية بمفردهما؛ لأن تحرككم وفق أهوائكم دون أن تضعوا كل هذه الأمور في الحسبان سيتسبب في دمار هائل بدلًا من البناء والإصلاح.

   عدم التسبب في النفور من قيمنا

ربما قد سلكنا طريقًا في تبليغ القلوبِ المحرومةِ الحقائقَ التي بلّغها الأنبياء الكرام إلى الإنسانية عن الله تعالى، ولكن إن لم نتبع الطريقة والأسلوب الصحيحين فلن تكفي نيتنا الصادقة في تحقيق غايتنا المثالية، والواجب علينا قبل أن نتحدث عن أمرٍ ما أن ننظر إذا ما كان مخاطبُنا مهيّأً لتلقي الحقائق المعروضة عليه أم لا، وأن نضع في الحسبان مدى استيعابه لما يُقال؛ وإلا أصبح الأمر كمن جاء يكحل العين فعماها، فيتولد عندئذ لديه شعور بالكراهية والنفور من قيمنا الذاتية.

ولا أقصد بالأهمّية حالةَ المخاطب فقط، وحالتنا -ونحن ننوي إعمالَ المبضع في المشكلات- مهمة أيضًا بنفس القدر، فيشترط أن نتمتع -باعتبار موقعنا- بالعلم والمعرفة والإرادة والخبرة والمقدرة لكي يتسنى لنا إنجاز المشاريع التي نصْبو إليها على أرض الواقع.. ولكن إذا شُرع في الأمر بتسرُّعٍ دون امتلاك المعدات والإمكانات الكافية، ودون التخطيط الجيد، ودون الأخذ بالأسباب، لتلقينا صفعة بعكس مقصدنا، وهذا ما عبر عنه الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي في أن الطمع والحرص يعود على صاحبه بالخيبة والخسران، وهذا لا يقتصر على المكاسب الدنيوية فحسب، والطمع ربما تسبب -وفق موضعه- في خسران وبطلان الأعمال المعنوية والأخروية على حد سواء.

على سبيل المثال ربما تتبنّون أفكارًا طيبة من أجل الإرشاد والتبليغ والتربية والتعليم والحب والتسامح، وتنفتحون على العالم من أجل تحقيق هذه الأفكار، فإذا حاولتم التحليق نحو هدفكم معتمدين على صدقكم وإخلاصكم وحماسكم فحسب؛ فسوف تعوقكم قوة الجاذبية الأرضية، والواجب عليكم عندئذ هو أن تخطو خطواتكم بتأنٍّ وتُؤْدَة، وألا تتخلوا عن التمكين والحذر، وألا تهملوا الأسباب.

فقد ورد في الحديث الشريف: “الأَنَاةُ مِنَ اللَّهِ وَالعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ[1]، وقد اشتهرت مقولة: “العجلة من الشيطان” بين عامة الناس؛ لأن العجلة في الأمور التي تتطلب تخطيطًا ودراسة جدوى حقيقية، تؤدي بالإنسان إلى أخطاء جمَّة.

ومن ثم يجب عليكم حتى لا تقعوا في خطإ كهذا ألا تتخلّوا عن التمكين والحذر في الأعمال التي تضطلعون بها، وأن تتجنبوا السرعة والاستعجال، فإذا أردتم تقديم رسالة ما، فعليكم أن تقدموها بشكلٍ مناسب يؤلِّف القلوب، فإن لم تكن الإنسانية مهيأةً لاستقبال رسالتكم بصورتها الطبيعية، فعليكم أن تهذبوها وتضعوها في قالَبٍ يمكّنهم من استيعابها، بأن تقولوا ما تريدون آخذين في الحسبان مستويات إدراكهم.

   الطريقة الصحيحة لتقديم الرسالة

إذا أردتم أن يُكتب لمشاريعكم وخططكم المطروحة النجاح والتوفيق، فهناك الكثير من العوامل التي يجب عليكم أن تضعوها نصب أعينكم وأن تقيِّموها معًا؛ عليكم أولًا: أن تنظروا في مستواكم ومعلوماتكم وطاقتكم وعشقكم وشوقكم ووفائكم وصدقكم؛ ثانيًا: أن تحاولوا فهم وضع مخاطبيكم؛ ثالثًا: أن تضعوا في الحسبان المناخ الذي تعيشون فيه وظروف الزمان والأوضاع الراهنة؛ وأخيرًا: أن تحسبوا الاعتداءات والهجمات التي ستتعرضون لها من الفئات التي أشرِبت في قلوبها العداء والكراهية.

لذلك يجب ألا تَشرعوا في الأمر دون أن تطرحوا على أنفسكم مثل هذه الأسئلة: تُرى هل سيحظى المشهدُ الذي سنعرضه والانفتاحُ الذي نقوم به على رضا الجميع؟ تُرى كيف ستنعكس التطورات التي ستتحقق على الرأي العام؟ إلى أي مدى سيكون المجتمع أو العالم الذي نعيش فيه مهيَّأً للأعمال التي سنضطلع بها؟ هل هناك انسجام بين هدفنا ومُثلنا وبين قوتنا وإمكاناتنا؟ هل سنقدر على الوفاء بالشكر والحمد والثناء للحق جل جلاله بقدر الإنجازات والنجاحات المحتمل تحققها؟

يجب بالتأكيد أن نسأل أنفسنا هذا السؤال أيضًا حتى نستكمل المقصد من السؤال الأخير المذكور آنفًا: هل وصل الأبطال الذين سيكونون وسيلة لبناء كيان حقيقي إلى قوامٍ لا يجعلهم يسقطون في شراك العُجب والفخر أمام النجاحات التي سيحققونها؟ فإذا كان الإنسان في النهاية سيخالجه شعور الرغبة بأن يُشار إليه بالبنان وسيُعرّضه هذا للتشوّه؛ فمهما كان التغيير والتحويل الذي ساهم فيه فمن الأفضل له ألا يكون قد فعلَ شيئًا من هذا في الأساس، فإذا كنّا سنُؤلِّه أنفسَنا أمام الجماليات المحققة ونتحوّل إلى نرجسيِّين، ومن ثم نفقد رضا الله تعالى وثِقة رسوله صلى الله عليه وسلم، ونضيع المكانة التي نحن عليها باسم الدين، فلنترك كل شيء ونَدَعِ الأمر يسير بنفسه.. لذلك يجب على معماريِّي المستقبل أن يكونوا على درب “أهل الله وخاصته”.

أجل، كما أن الإخلاص والصدق والوفاء والتفاني قيمٌ مهمّة؛ فإنَّ نجاحَ مشاريعنا مرهونٌ بمواجهتِنا أنفسنا وتعرُّفِنا عليها، واكتسابِ قوامنا الحقيقي، والحصولِ على المعلومات الكافية عن المجتمع، واكتشافِ العالم من حولنا، ودراسةِ وإدراكِ أعدائنا الذين قد يتصدّوا لنا، ومن ثم فإننا مضطرون للتفكير في كل هذا جملة واحدة.

قد يُنعم عليكم الحق تعالى في بعض الأحيان بمزيد من الألطاف، فيأخذ بأيديكم رغم جميع نقائصكم وقصوركم ويرفعكم من الدرجة الأولى إلى الدرجة العاشرة، ويهيئ لكم الظروف والمناخ الذي ستعملون فيه، ويوجه القلوب إليكم، ويمُنّ عليكم بنجاحات وإنجازات عظيمة مقابل عملكم القليل.. أجل، ربما يتحقق هذا كله كَلُطْفٍ وأثرٍ من آثار رحمة الله، لكننا لا يمكننا بناءُ خططنا ومشاريعنا على مثل هذا اللطف الاستثنائي، لأننا نعيش ضمن دائرة الأسباب، لذا فنحن مكلفون بالأخذ بها، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم تعهُّد الله تعالى بحفظه وعصمته يخرج إلى غزوة أحُد لابسًا مغفرَه ومرتديًا درعين فوق بعضهما وهذا من لوازم مهمّة إرشاده وتبليغه.

ويمكن القول: إنه لا يمكن لأي فكر إنساني أن يبلغ المستوى السامي الذي نخص به الإنسانَ والقيمَ الإنسانية في عالمنا الفكري.. ولا يمكن لأي فكر أنثوي أن يقدِّر المرأة بقدر نظامنا الفكري، ولا أن يضعها في مثل المكانة السامية التي نضعها فيها.. إننا نحلم بما هو أبعد بكثير من كل ما يُعترف به من قيم إنسانية عالمية في يومنا الحاضر.. نحبُّ كلَّ الناس بغضِّ النظر عن هويّتهم، ونحترم الإنسان لإنسانيّته، فإن التزام العدل والحقِّ بحذافيره وعدمَ ظلمِ الناس؛ من الآليات الأساسية لقيمنا الثقافية، كما أننا نأمل أن تتنبّه الإنسانية جمعاء إلى هذه القيم، لا شك في أن الجميع لن يفكروا مثلَنا ولن يشبهونا، فهذا هو واقع الحياة، ونحن لا نجبر أحدًا على التشبّه بنا، ولكن على الأقل لنعملْ على تقديم أنفسِنا وتعريفِها بشكل صحيح، ونساهم في خلق جوٍّ ومناخٍ يسوده السلام والحب على مستوى العالم.

المهم أن يتم ذلك بالأسلوب والطريقة الصحيحة دون اللجوء إلى أي نوع من الفرض أو الإلزام أو التحفيز المفرط، وبأسلوب لا يخلِّف أي انزعاج أو أثر سلبي وراءه، وهذا يتطلب من المرء أن يكون منطقيًّا وعقلانيًّا قدر الإمكان، وأن يسير بحذر ويقظة.

وحتى يتسنى تحقيق ذلك فلا بدّ من مراجعة العقل الجمعي المشترك؛ لأن هذا ليس من الأعمال التي يقدر على تحمّلِ عبئِها فردٌ واحد ، فعلى الناس أن يتكاتفوا، ويحسبوا كيف يتحركون دون مضايقة أو جرح مشاعر أحد، ولا التسبب في ظهور مشاعر الكره والنفور لديه، على الجميع أن يستنفِذوا طاقة أذهانهم بهذا الأمر، وأن يبحثوا عن الوسائل والطرق المناسبة لجعلِ العالم أكثر ملائمًا للعيش.. يجب أن تمتد مهرجانات الحب إلى كل جنبات الأرض، وأن تتعانق الإنسانية، وأن يظهر للجميع أن العالم ليس ساحة قتالٍ وعراكٍ، يجب على الجميع أن ينظّموا أفكارَهم ومشاعرهم بشكلٍ جيد، ويصيغوا الإستراتيجيات حولها، ويجدوا الوسائل والحلول الجديدة على الدوام، وألا يُهملوا قطعًا العقلَ والمنطق والمحاكمة إلى جانب الحس والشوق والأمل، وأن يحققوا جميع أهدافهم وفق هذا.

   الثبات على الحق

وأخيرًا أودُّ أن ألفت انتباهكم إلى النقطة التالية: إذا كنتم ترون أن أعمالكم تتوافق مع العقل السليم والحقائق والظروف الراهنة، والأهم من هذا كله تتوافق مع المعايير الأساسية للدين؛ فعليكم بالصمود والثبات، فإذا حدَّدْنا طريقنا ووجهتَنا ومدارنا بما يتفق مع محكمات الدين ومبادئنا الأساسية، فلا ينبغي بعدئذ أن نخطو خطوة للوراء أو نحيد عن المسار، يجب أن نكون قادرين على تحمل مسؤولياتنا والمضي بها قدمًا دون تغيير أو انحراف، وعلينا ألا نقول في مواجهة أي إخفاق ومصيبة وابتلاء يقابلنا: “لم ينجح هذا، هيا فلنجرب شيئًا آخر”، بل ينبغي ألا ننسى أن هذا قد جاء من عند الله لحكمة معينة، فما علينا سوى القيامُ بواجبنا على أتمّ وجه ثم تركُ النتيجة لله تعالى، فإذا قلنا إن الأعمال المخططة وفق مبادئنا الأساسية “لم تنجَح” و”لم تُنجَز”، ولجأْنا في كلِّ مرة إلى طرقٍ مختلفة فلن نصل عندئذ إلى المراد ولن نبلغ الهدف.

إن التلاعبَ بالصيغ والقيام بتغييرات تناسب روح العصر في تفاصيل بعض الأمور هي أمور خارجة عن دائرة ما قلتُه وأعنيه، فإذا كانت المشكلات المعاشة قد ترتبت على أخطائنا، فلا يجب الإصرار على الخطإ، بل علينا أن نعمل على تصويبه، وألا نتمرد على الاقتراحات المعقولة؛ أي يجب أن نكون ثابتين على الحق من ناحية، ومن ناحية أخرى نتراجع عن أخطائنا، لأنه كما أن الثبات على فعل الخير يكسب الإنسان الثواب الجزيل فكذلك التراجع عن الخطإ.

***

[1] سنن الترمذي، البر، 66.

إذا أحب الله عبده

Herkul | | العربية

   سؤال: ما مظاهر حب الله جل جلاله لعباده؟

   الجواب: نضطر في الغالب إلى التعبير عن بعض المفاهيم والمعاني السامية بضغطها في طيَّات ألفاظنا بسبب ضيق الكلمات وعجزها في التعبير عمّا نريد.. على سبيل المثال نتحدث عن حب الله تعالى ومحبته لعباده كما ذُكر في السؤال؛ لكن يجب ألا نغفل عن أن هناك معاني عميقة جمَّة تكمن خلف معانيهما الظاهرة، هناك بعض مظاهر وأمارات الحب والعاطفة عند الإنسان، ومع أن هذه المظاهر جميلة وإيجابية على وجه العموم، إلا أنه يكتنفها الضعف من جانب آخر؛ أي إن الحب له جوانب ضعف وقصور.. ومن ذلك مثلًا تعلُّقُ المحِبِّ بالمحبوب، وارتباطُه به وانجرافُه خلفه دون إرادة منه، ومن ثم يضطرّ المحِبّ إلى تقديم بعض التنازلات وفعل أشياء لا يريدها.

وعلى الشاكلة نفسها يستعين الناس ببعض الوسائل والطرق للتعبير عن حبهم للأشخاص الذين يحبونهم، فيعبرون عن حبهم أحيانًا بابتسامة وأحيانًا أخرى بكلمة، وأحيانًا بنظم القصائد لمحبوبهم وأحيانًا أخرى بخطاب، كما يُعبر أحيانًا عن الحب والعاطفة الداخلية بتقديم الهدايا، وأحيانًا بطرق أخرى مختلفة؛ غير أن كل هذه المعاني التي نعرفها عن الحب أو الأشياء التي يفعلها بنا الحب لا يليق التفكير فيها بشأن الحق المتعال جل جلاله.

ليس الحب فحسب، وإنما الأفعال الخاصة بالبشر مثل الغضب والحسد والغيرة والانتقام؛ تتضمن معاني مختلفةً عند نسبتها إلى الله جل جلاله، وليس من الصواب حملها على معانيها الحقيقية عند نسبتها إليه تعالى، ومن ثم فإن ما يُنسَب إلى الله تعالى من أفعال البشر في الآيات والأحاديث يُقصد به المعنى المجازي منها، إننا نعمل على فهم الحب والمحبة المقدسة الخاصة به تعالى انطلاقًا من تأثير الحب والمحبة والجذب والانجذاب فينا كبشر أو من بعض الأفعال التي نقوم بها تجاه المحبوب، على سبيل المثال إننا نتحرى مواضع إرضاء الإنسان الذي نحبه، وننأى بأنفسنا عن كل الأفعال والسلوكيات التي تضايقه وتضره، وينطبق الشيء نفسه على علاقتنا بالله سبحانه وتعالى أيضًا، وهكذا يجب علينا الوصول إلى أفكار تليق بالذات الإلهية انطلاقًا من مثل هذه المعاني اللازمة.

   تجليات اسم الله الودود

لقد قلنا: إن نُسِبت الألفاظ الخاصة بالأفعال والمشاعر البشرية إلى الحق تعالى يُرَدْ بها لازم معناها، ومن ثم فإنه عندما يُقال إن الله يحب عباده، تُفهم على الفور النتائج المترتبة على هذا الحب والمحبة.

ومن الآيات الكريمات التي تعبر عن حب الحق تعالى لعباده، قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (سورة مَرْيَمَ: 19/96)، وكما هو معلوم فإن “الودود” اسم من أسماء الله الحسنى، ومن مظاهر تجليات هذا الاسم الشريف هو أن الله تعالى يختص خلقه بعناية فائقةٍ تفوق المحبة، ويمكننا فهم هذا الحب وهذه العناية بنظرة صوفية وهي: “أن الله تعالى يعامل عباده بطريقة تُفرحهم وتُدخل السرور عليهم، ويوفّقهم إلى الأعمال والتصرفات التي تُرضيه عز وجل عنهم”.

فإن الود الموضوع لأصحاب الإيمان والعمل الصالح في الآية الكريمة قد عُبر عنه بفعل “سيجعل”، ومن المعلوم أن “سوف” تدل على المستقبل البعيد و”س” تدل على المستقبل القريب، ويُفهم من استخدام السين في الآية بأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيحظون بهذا الحب وهم لا يزالون في هذه الدنيا؛ أي إن الله تعالى سيرضى عنهم في الدنيا وسيحبّبهم إلى خلقه كما أنه سيوفيهم أجورهم في الآخرة.

وهذا الحديث الشريف لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمثابة تفسير لهذه الآية، يقول صلى الله عليه وسلم: “إذا أحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نادى جِبْرِيلَ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فأحِبَّهُ، فيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فيُنادِي جِبْرِيلُ في أهْلِ السَّمَاءِ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ، فيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ في أهْلِ الأرْضِ[1].

لقد ذُكر جبريل عليه السلام بداية في الحديث؛ لأنه خُلق مجهزًا بكيفية خاصة لتلقِّي الوحي من الله ونقلِه إلى الأنبياء دون أن يتدخل أو يغير منه شيئًا، وربما ذُكر اسم جبريل عليه السلام نيابة عن زمرة من الملائكة.

حسنًا، كيف يكون حب الملائكة للإنسان، وماذا يعني؟ إنهم على سبيل المثال يدعون لكم، ويوجهونكم في الأمور التي تتعلقون بها بأفئدتكم وتركضون خلفها وتجعلونها غايتكم المثالية، ويسهلون أموركم، فيمسكون بأيديكم في المواطن التي ستزل فيها أقدامكم؛ حيث جعل الله ملائكته حجابًا لعزته وعظمته، فيرسل بعضًا من نعمه وإحسانه عن طريقهم.

الحب الموضوع في القلوب

جاء في الحديث الشريف أنه سيوضع لهذا الإنسان بعد ذلك القبول في السماء والأرض، أي إن من أهم مظاهر محبة الله لعبده أن يغرس محبته في قلوب الناس، فيجعلهم يُقبِلون عليه، ويستمعون إليه، ويُعِدون أنفسهم للإنصات إليه، ويهيئون جو الخدمة من أجله، فإذا عمَّكم جوٌّ من الحب في الأماكن التي تذهبون إليها وأقبل عليكم مخاطبوكم، فيجب أن توكلوا هذا إلى القبول الذي وضعه الله تعالى في أهل الأرض، وبذلك تَتّقون الوقوع في الشرك، فمن الجحود التجاهل التام لكل توجه إليكم، وإن عزو ذلك إلى نفوسكم هو كِبر عظيم، وما يجب فعله هو نسبة هذا الأمر إلى الله تعالى، فيمكنكم قول: “لو لم يضع الله مثل هذا القبول وهذا التوجه في القلوب لما استطعنا فتح هذه القلوب”، فينبغي للإنسان ألا يداخله الجحود أو الغرور، وبعد أن يرى الجماليات ويقدرها قدرها عليه أن ينسبها جميعها إلى الله تعالى؛ لأنها عبارة عن تجليات بطول موجات مختلفة لتوجه الحق تعالى إلى عباده الذين يحبهم.

من ناحية أخرى، فإن حفظ الله تعالى بعض عباده من الذنوب والمحرمات هو مظهر آخر من مظاهر حبه تعالى عباده، فالعصمة صفة خاصة بالأنبياء، ومن ثم فإن العصمة المطلقة من المحرمات ليست إلا لهم فقط، لأن هذا من مقتضيات وظيفتهم ومهمتهم، لكن الله تعالى قد يحفظ من الذنوب والآثام أيضًا مَن وصل من عباده إلى درجة الحبيب المحبوب، فإذا ما أوشكت أقدامهم على الوقوع في الزلل يأتي المدد بالحفظ الإلهي فيمسك بهم وينتشلهم، فإذا كانوا على شفا جرف هار أمسك بهم من الخلف وحال دون سقوطهم وتردِّيهم، لأنه لا يضيِّع أحباءه، حتى ولو زلت أقدامهم وسقطوا فإنه لا يسمح لهم بالبقاء والاستمرار بالذنب.

وربما يمن الله تعالى بألطاف زائدة على بعض من عباده في سن مبكرة بأن يهيئهم ويشكلهم ويعصمهم من الآثام لعلمه تعالى بأنهم سيستعملون إرادتهم في المستقبل في سبيل الخير، وسيضطلعون بخدمات طيبة، وهذه كلها تجليات مختلفة لألطاف الرب الجليل على عباده الذين يحبهم، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة المَائِدَةِ: 5/54).

“فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ…”

يشير هذا الحديث القدسي أيضًا إلى مظهر آخر من مظاهر حب الله تعالى للعبد: “وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا…”[2].

وهذا يعني أن الله إذا أحب عبدًا من عباده فتح أذنه على عالم المعنى، وهيّأه للسماع على نحو أفضل وأدقّ، فإن هذا الشخص ينفتح على علم الوحي المعروف بالسمعيات، ويفهمه جيدًا.. في الوقت نفسه تُفتح عيناه على الأوامر التشريعية والتكوينية، ويبدأ في رؤية الأشياء بشكل أفضل، فإذا ما نظر إلى كتاب الكائنات المعروض أمامه تدفقت بداخله أنوار المعرفة.. وفي الوقت ذاته يوجه ربنا جل وعلا هذا العبد ليستخدم يديه ورجليه في الطريق القويم، ويحفظه من أن يخطو خطوة إلى الخطإ، وعلى ذلك يمكننا إرجاع هذا الحديث أيضًا على الحفظ الإلهي المذكور آنفًا.

ووفقًا للحديث الشريف فإن السبيل إلى نيل المؤمن مرتبة كهذه؛ هو أن يؤدي أولًا الفرائض بتمامها، ويتبعها بالتقرب إلى الله تعالى بأداء النوافل. أجل، يمكننا القول إن أحد العوامل الموصلة إلى المحبة الكاملة هي “التقرّب بالنوافل”.

وأخيرًا فإن من مظاهر تجليات حب الله لعباده أيضًا هو العشق والشوق اللذان يشعر بهما العبد بداخله تجاه الحق تعالى، فإن توجُّه الله تعالى لعبده يقابله توجه لدى العبد لله تعالى، على سبيل المثال قد يطلب المرء بنية صادقة من الله الصدق والوفاء والمحبة والتوجه، فيرفع يديه على الدوام قائلًا: “اللهم اجعلني هائمًا في حبك حتى ينمحي كل ما سواك من أمام عيني ويضمحل، فإذا ذكرتك اقشعر بدني، وفاضت نفسي بالشوق والهيجان، أريد حبًّا وتوجّهًا يسلبني من نفسي، ويُنشِئني عندك نشأة أخرى”، إن الإنسان الذي يطلب هذا من الله تعالى هو بطل هذا الأفق حتى وإن لم تُلبّ مطالبه، فمن العباد من يتقبل الله منهم هذه الدعوات، ومنهم من يمنّ عليهم بلطفه دون أن يشعرهم حتى لا يتعرضوا للامتحانات والابتلاءات.

كل هذا تجلياتٌ لألطاف الرحيم الودود على عباده الضعفاء العاجزين، فيصيب بفضله ولطفه من يشاء.

***

[1] صحيح البخاري، بدء الخلق، 6؛ صحيح مسلم، البر، 157.

[2] صحيح البخاري، الرقاق، 38.

ملاحظة حول البدعة

Herkul | | العربية

   سؤال: ما معنى البدعة؟ وما ماهيتها وإطارُها؟

   الجواب: البدعة هي استحداث أمور جديدة في الدين، وإلحاق إضافات جديدة به بعد اكتماله على يد صاحب الشريعة الغراء صلى الله عليه وسلم، أو الإتيان بأفعال وتصرفات تخالف الأدلة الشرعية.

فمثلًا يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم معلّمًا أمّته شروط الصلاة وأركانها تفصيلًا: “صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي[1]، وعلى ذلك فكل إضافة أو تغيير يطرأ على الصلاة فيما بعد يسمى بدعة.

ومن البدعة أيضًا أن يستحدث الإنسانُ بعضَ الأمور في الصوم بعد أن بيّن الكتاب والسنة كيفيته بالتفصيل؛ مثل التلاعب بأوقات الصوم أو الاقتصار على تناول بعض الأطعمة كما يفعل أتباع الديانات الأخرى.

يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “إِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ[2]، وعلى ذلك فالمبتدِع هو مَن خرج عن الإطار الذي حدده الدين الحنيف.

حيطة الصحابة

ونظرًا لهذا الخطر الجسيم تعامل الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين مع الأمر بحيطة وحذر كبيرين تجاه البدع، فمثلًا عندما دخل عبد الله بن عمر رضي الله عنه برفقة تلميذه “مجاهد” المسجدَ للصلاة فثوَّبَ المؤذّن -أي نادى بعد الإقامة ودعا الناس للصلاة مرة أخرى دون داعٍ- غادر ابن عمر المسجد على الفور دون أن يصلي فيه وقال لتلميذه مجاهد: “اخْرُجْ بِنَا مِنْ عِنْدِ هَذَا الْمُبْتَدِعِ”[3].

والواقع أنه ليس من اليسير الحكم بحرمة شيء كهذا، ولا سيما القول بضلالته، ولكن هؤلاء القوم كانوا يتعاملون بهذا الحذر الشديد حتى لا يلتبس في الدين ما ليس منه؛ لأنهم كانوا يرون أن الدين قد وصل إلى ذروة تمامه وكماله بالأحكام التي وضعها صاحب الشريعة صلوات ربي وسلامه عليه، ويوقنون بأنهم سيصلون إلى مرضاة الله تعالى بهذه الأحكام فحسب، دون الحاجة إلى أي شيء غيرها.

نستنبط من هذا أن الطريق الأحوط في العبادات هو عدم الخروج عن الأحكام الثابتة بالقرآن أو السنة سواء أكانت فعلية أو قولية أو تقريرية، وتجنب خلطها بأي شيء لم تأت به السنة قدر المستطاع، فمثلًا لا بأس أن يجلس الإنسان في مكان ما، ويقرأ سورة الإخلاص ألف مرة، أو سورة الفاتحة عددًا من المرات، أو يدعو ربه سبحانه وتعالى كيفما يشاء، أو يسبّحه بالقدر الذي يريد، فإن قراءةَ القرآن والدعاءَ والذكرَ من جملة العبادات والطاعات التي يؤجَر عليها المؤمن، أما أن يعبث الإنسان بصلاته، ويتلاعب بركوعها وسجودها وقيامها، ويضيف عليها ما ليس منها؛ كأن يأتي بأدعية خاصة أو آيات معينة لم تنصّ السنة على تلاوتها في هذه المواضع، بل ويرى ضرورة قراءتها في مثل هذه الأركان؛ فهذا كله من قبيل البدعة.

   أركان الأذان

ولذا فليحذر الإنسانُ أن يأتي بأمور تخالف روح الدين وجوهره في العبادات والطاعات، فالبدعة ليست عبارة عن إحداث أمور جديدة في الدين فحسب، بل من البدعة أيضًا تبديلُ العبادات الموجودة، وصبُّها في قوالب مختلفة، وعلى سبيل المثال فلا يجوز التلاعب ولا التبديل أو الاستعاضة عن ألفاظ الأذان المعروفة التي تبدأ بـ”الله أكبر”، وتنتهي بـ”لا إله إلا الله”؛ لأن الأذان لم يُشرَّع إلا بعد أن رآه اثنان من الصحابة في الرؤيا، فتعلماه، ثم أخبرا به رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي استحسنه وأقره، فكان إقرار النبي صلى الله عليه وسلم تشريعًا له، وعليه لا يجوز تبديل هذا الحكم فيما بعد.

وهذا يعني أن تبديل ألفاظ الأذان يخرجه عن كونه أذانًا، فلا يجوز مثلًا استبدال ألفاظ الأذان العربية بالترجمة الموضوعة لها في أي لغة، ولو حدث لصار هذا بدعةً وتغييرَ حكم من أحكام الدين، فلا اعتبار للأذان بهذه الألفاظ المترجمة حتى لو كرّرها الإنسان خمسين مرة، ولقد ظهرت مثل هذه البدعة عندنا في فترة ما قديمًا، وعلى حد علمي لم تُمَس أركان الأذان في أي مكان بالعالم من عهد النبي صلى الله عليه وسلم حتى يومنا هذا إلا في تركيا.

ليس الأذان فقط، بل وحتى طُلب أيضًا أداء الصلاة مترجمة، إلا أن هذا الطلب قد أُلغي ولم يُعمل به بسبب معارضة العلماء له، ولو حدث وفُعّل هذا الطلب لكان بدعة أكبر، وخرجت الصلاة عن كونها صلاة، ولقد احتج البعض في هذه المسألة بفتوى للإمام أبي حنيفة رحمه الله، بيد أن هذه الفتوى كانت بشأن قراءة الفاتحة بالفارسية أو بلغة أخرى لفترة مؤقتة من أناس غير قادرين على قراءة العربية بشكل صحيح، فضلًا عن أن بقية الفقهاء العظام لم يوافقوا أبا حنيفة في رأيه هذا، بل إن مثل هذه الفتوى لم تشتهر حتى في المذهب الحنفي[4]، وعلى ذلك فلا يوجد مستند شرعي لجواز القراءة في الصلاة باللغات الأخرى؛ بحجة وجود مثل هذه الفتوى الخاصة بقراءة سورة الفاتحة فقط.

ولقد سُئل بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله فقيل له: “إن أهل الكشف قد قالوا بـحدوث بشارات وفتوح لأهل السنة والـجـماعة وتكشف عنهم الغمة في رمضان، ولكن لـم يظهر شيء من هذا القبيل، فكيف يـخبر أمثال هؤلاء من أهل الولاية والكشف عما هو خلاف الواقع؟! فأجابهم قائلًا: إن دخول البدع في الـجوامع في الشهر الـمبارك مع الأسف حجبت الاستـجابة والقبول، فلـم تفرج الكربة ولـم تكشف الغمة[5].

لم يبين بديع الزمان ماهية هذه البدع؛ لأن ذكرها في تلك الآونة كان جرمًا كبيرًا، والحال أن البدعة التي كان يقصدها الأستاذ النورسي هي رفع الأذان والإقامة باللغة التركية، وبسبب ذلك انقطع التوجه الإلهي، وهذا الرأي الذي قال به بديع الزمان يشير إلى مدى أهمية الحفاظ على الأركان والضوابط التي وضعها لنا الشارع الحكيم.

يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (سورة الْحِجْرِ: 15/9)، ومن ثَمّ فإن أهم جانب يقع على عاتق الناس في مسألة حفظ القرآن وبالتالي صيانة الدين هو تجنُّب البدع؛ لأن كل بدعة تعني المساس بجوهر الدين وأركانه، وتحريف جزء منه، والواقع أن التحريف في الأديان السماوية السابقة قد بدأ بمثل هذه البدع الصغيرة؛ حيث تم التلاعب بالكلمات، وأُبعِدت الألفاظ عن معانيها الأصلية، وكُسيت بمعانٍ أخرى مختلفة، ثم توالت التحريفات تلو التحريفات، والتغييرات عقب التغييرات، حتى ظهرت أمور جديدة بعيدة عن أصل الدين، وفي اللحظة التي تم التلاعب فيها بالكلام الإلهي وألفاظه ومعانيه انفتح المجال أمام التأويلات والتفسيرات التي توافق الرغبة والهوى.

وتُحاك على مدار التاريخ مثل هذه المؤامرات للنيل من القرآن أيضًا، ولكن في كل مرة يتمكن العلماء -بفضل من الله وعنايته- من استصال شأفتها والقضاء عليها؛ لأن الله قد تعهد بحفظ كتابه منذ نزوله على قلب حبيبه صلى الله عليه وسلم كما ورد بالآية القرآنية السابقة، فكان من المستحيل تحريف ولو حرف واحد فيه.

   التواؤم مع الضوابط الأساسية

من جانب آخر فإذا كان من الخطإ استحداث إجراءات وتأويلات وأحكام تُفسد هوية الدين الأساسية، فمن الخطإ أيضًا بل ومن الإضرار بالدين إطلاق كلمة البدعة على كل شيء دون النظر إلى مدى ملاءمته لروح الدين وجوهره من عدمه، فمثلًا الدعاء من العبادات المهمة للغاية في الدين، قال عنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَةِ[6]، فالدعاء هو عبادةٌ خالصة وتوجّهٌ إلى الله فوق الأسباب لأنه تعالى مسبب الأسباب، ولكن لا يوجد حكم قاطع بشأن لغة الدعاء، وزمانه، وكيفيته، وعدد مَرّاته، فللإنسان أن يدعو بما يشاء؛ بأي لغة أو طريقة، وفي أي وقت شاء، فليس أيٌّ من هذا بدعة، المهم هو ألا يسأل العبدُ شيئًا يخالف محكمات الدين، أو يتلفظ بألفاظ تخالف الضوابط الأساسية حينما يدعو الله جل وعلا.

فلا يشترط اقتباس الدعاء من آيات معينة أو مأثورات خاصة، لكن ما أجمل أن يدعو العبد ويتضرّع بالأدعية الواردة في القرآن الكريم أو السنة المطهرة، ويفضلها على أدعية نفسه؛ فلا جرم أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أدرى منا -على اعتبار أنه عبد ونبي قد وصل إلى مدارج الكمال- بالأسلوب الأفضل والطريقة المثلى لعرض مطالبه على ربه جل وعلا، لقد كان الناس قديمًا يتوجهون إلى كُتاب العرائض إذا ما أرادوا رفع طلبٍ ما إلى المقامات الرسمية؛ لأن هؤلاء كانوا يعلمون آداب هذا الأمر وأصوله، وكيفية التعبير عن الغرض والمقصد، وما يتناسب من الكلام لعرض المسألة، وهكذا يمكن النظر إلى أدعية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضًا.

لكن ليس من الصواب إلزام كل إنسان بهذا، لأن فيه تكليفًا للناس بما لا يطيقون، وتضييقًا لمجال العبادة، ولا حقّ لأحد في هذا، فللإنسان أن يدعو ربه كيفما يشاء، فلا تقييد ولا إكراه في هذه المسألة، وله أيضًا أن يعبّر عن مرامه ومقصده بالأسلوب الذي يرتاح إليه.

فثمة أدعيةٌ وأذكارٌ وصلواتٌ لم ترد عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عن السلف الصالح ولا عن الفقهاء العظام، إلا أن هذا لا يدعونا أن ننظر إليها على أنها بدعة، فمثلًا جاءت رواياتٌ عديدة في السنة الصحيحة بشأن أفضلية وثواب بعض السور مثل الفاتحة والإخلاص والمعوذتين، وعلى ذلك يجوز للإنسان أن يجلس في مكان ما، ويقرأ سورة الإخلاص مثلًا مائة مرة، أو أن يستخلص بعض المناجاة من الآيات القرآنية كما فعل العديد من رجال السلف الصالح، ولا يُقال على مثل هذه الأشياء بدعة بحجة أنها لم تكن موجودة في عصر السعادة والصحابة؛ لأن هذه أمور حضَّ عليها الدين في الأصل، إذًا فهي تُوافِق روح الدين ولا تعارضه، والمعيار الأساس في تحديد البدعة من غيرها هو مدى مواءمتها لضوابط الدين الأساسية من عدمه.

***

[1] صحيح البخاري، الأذان، 18؛ مسند إمام أحمد، 5/53.

[2] صحيح مسلم، الجمعة، 43؛ سنن النسائي، العيدين، 22؛ سنن ابن ماجه، المقدمة، 7.

[3] سنن الترمذي، الصلاة، 31.

[4] انظر: السرخسي: المبسوط، 1/37؛ أكمل الدين البابرتي: العناية شرح الهداية، 1/286.

[5] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة السادسة عشرة، ص 142.

[6] سنن الترمذي، الدعوات، 1.

فلسفة الحوار

Herkul | | العربية

كثيرًا ما نطلق في يومنا الحاضر على اجتماع الناس من ذوي الأفكار المتنوعة والرؤى العالمية المختلفة مصطلحَ “الحوار”، ومع ذلك بوسعنا أن نبتكر مصطلحاتٍ مختلفةً حتى لا نقع في الإلف والتعود، المهم هو إظهار حسن نوايانا، وصدق مشاعرنا وأفكارنا، فمثلًا يمكن أن نستخدم كلمة “التسامح” كمعنى مرادف لمصطلح “الحوار”، ولكن البعض لا يحبذ هذا، حيث يرون أن كلمة التسامح تستدعي معنى أن المخاطب يحمل أفكارًا ومعتقداتٍ خاطئةً، ويقوم بتصرفات وسلوكيات منكَرة أرغمكم على تحمّلها، وكأن الطرف المقابل يقدم لكم الأشواك، فتسامحونه وتقدمون له الورود، وهذا يعني ضمنيًّا اتهام الآخر وإهانته.. على كل حال، يجب ألا نتعلق بالكلمات ونتوقف عندها، وما عليكم إلا أن تراجعوا أقوالكم مرة أخرى، وتعملوا على إيجاد تعبيرات أكثر براءة وليونة.

فمثلًا يمكن استخدام عبارة “احترام الإنسان أيًّا كان موقعه” بدلًا من كلمة “التسامح”؛ لأن هذا التعبير ينطوي على فكرة أن كل إنسان جدير بالاحترام أيًّا كانت رؤيته العالمية وفلسفته الحياتية، وبتعبير آخر: هو احترام إنسانية الشخص الذي نخاطبه؛ لأن كل إنسان تكمن في داخله مجموعةٌ من القيم، وقد لا يستطيع البعض الكشف عن هذه الطاقة الكامنة في داخله، ولكن لا ننسَ أن الإنسان هو صنعة الله، فلا بد من إبداء الاحترام لهذا الصرح الذي وصفه خالقه بأنه على “أحسن تقويم”، فإن احترام الإنسان يعني من ناحيةٍ ما توقير الخالق جل وعلا.

ويمكن أن نستخدم إلى جانب ما ذكرناه تعبيراتٍ مختلفةً أخرى مثل: إقامة جسور الصداقة، والتوافق على القواسم المشتركة، المهم هو الحفاظ على المبادئ الأساسية، وعدم خروج المسألة عن إطارها الأساسي، أو انتزاعها من أصولها وتناولها وكأنها فكرة إبداعية.

   تأمين سلامة خط السير

وعلينا أن نختار بعناية شديدة المفاهيم والمصطلحات التي نستخدمها ونراعي الفروق الدقيقة بينها كما يفعل علماء أصول الدين، حتى لا نسمح بسيطرة الأوهام والمخاوف غير المبرَّرة على العمل الذي نقوم به، فلا ينبغي لنا أن نضايق أحدًا مهما كان دينه وديانته وتصوره وفكره بالمصطلحات التي نستخدمها والأنشطة التي نقوم بها، بل نحدّد محيط العمل وإطاره بشكل صحيح، ونبيّن ذلك للآخرين، وعند الشروع في العمل نحدد بداية أدواتنا ومستلزماتنا، ونؤكد عليها فيما بعد في كل مكان، سواء عند التحدث من وراء الأبواب المغلقة أو أمام الحشود في القاعات الكبيرة، ونتجنب من الخطابات تكدّر أذهان الذين يتعاملون مع المسألة بنقاء وحسن نية، أو ما يمكن لأصحابِ النوايا السيئة أن يسيئوا استعمالها؛ حيث يجب أن تنعكس نوايانا السليمةُ وأهدافُنا المستقيمة على أسلوبنا، وأن نضع خطابًا مشتركًا نكرّره حيثما كنا في حلنا وترحالنا، فرغم كل شيء هناك من يتحيّن الفرص لإلقاء التُّهَم عليكم والإيقاع بكم، فما يقع على عاتقنا هو أن نتوخى الدقة العالية عند تناول المسائل التي نطرحها، أما الباقي فعلى الله جل جلاله، فلا دخل لنا في النتيجة.

فقديمًا جعلوا حراسَ الليل يلاحقون بديع الزمان سعيد النورسي وطلابه الذين نذروا أعمارهم لخدمة الإيمان والقرآن، ولم يكتفوا بذلك بل استعانوا بعناصر الشرطة والاستخبارات للقيام بملاحقة هذه الزمرة قليلة العدد آنذاك، فما بالكم بحركة مفتوحة على العالم؟! مَن الذي سينهض لملاحقتها وكيف؟! فاسمعوا وعوا، وضعوا كل هذا في اعتباركم! فمهما كان قدر السلام والأمان الذي تبحثون عنه فإن البعض قد صنعوا قوالب معينةً تتوافق مع معاييرهم الذاتية وعوالمهم الفكرية، ووضعوكم فيها، فإن لم تأخذوا بعين الاعتبار وجودَ هؤلاء الناس الذين يتحركون انطلاقًا من أوهامِهم وجنونِ العظمة الذي يستولي عليهم، ولم تعدّلوا حركاتكم وخطاباتكم وفقًا لهذا فلن يعترفوا لكم بحق الحياة.

وقد يتحرك البعض على هواه ويفعل ما يحلو له، ولا أحد يعترض عليه أو يبالي بوجوده ما دام كيانًا صغيرًا أو لا يمكن أن يشكل تهديدًا لهم، حيث إن أصحاب النوايا السيئة لا يعترضون إلا على من يتوجسون منه خيفة فحسب، وهكذا يجب أن نضع في اعتبارنا كل هذا من أجل تأمين سلامة طريق السير.

ربما تسيرون في الطريق الصحيح، ولا تبتغون شيئًا سوى رضا الله، وتُقسِمون على العمل على إزالة الكدورات التي تعلق بوجه الإسلام المنير، وتبتكرون أفكارًا جميلةً تعود بالخير على الأمة والإنسانية، وتبذلون كل التضحيات حتى تعيش الإنسانية في أمن وسلام، ولكن كل هذا وحده لا يكفي، فلا بد إلى جانب هذا مراعاة مشاعر الآخرين وأفكارهم، ولا تنسوا أن من وظيفتكم التعبير عن أنفسكم بشكل صحيح أمامهم، وإزالة كل خوف أو قلق قد يعتريهم، وإعلامهم بالماهية التي أنتم عليها، والطريق الذي تسيرون فيه، والأهداف التي تركضون وراءها.

وكذلك من الأهمية بمكان الردّ بأجوبة مناسبة مُقنعة على الافتراءات والادعاءات التي يطلقها الآخرون بدوافع معينة من أجل النيلِ من الأرواح المتفانية التي تسعى للخدمة في سبيل الله، وعلينا أن نعلن للجميع أننا نعمل من أجل إحياء القيم الإنسانية، وأننا ننظر إلى هذا على أنه أمرٌ يفرضه علينا منهجنا العقائدي، بل يجب أن نقول: إننا إذا لم نهيئ جوًّا من المحبة بين الناس فسنُسأل عن ذلك أمام الله، فنحن على يقين بأن الله تعالى قد جعل هذه الدنيا طريقًا للسير إلى السلام الأبدي الذي لا يتأتى الوصول إليه إلا بالقيام بمسؤولياتنا في هذه الدنيا، ولا همّ لنا سوى ذلك.

   إقامة جسور الحوار

من أكبر المشاكل التي تواجهنا اليوم الصراعُ والاستقطابُ، فقد بات الناسُ الآن ممزَّقين مقسَّمين إلى أحزاب متنوعة، وطوائف مختلفة، وأيديولوجيات شتى، وأخذ الجميع يسلك الطريق الذي يحلو له، وليس من اليسير قطعًا في مثل هذا الجو وضعُ المسائل في مدار معين دون إزعاج أحد، ولكن ما يقع على عاتقنا هو إقامة جسور الحوار بين الناس، وتهيئةُ أجواء الصلح، من خلال استغلال كل وسيلة لا حرج في استخدامها شرعًا، فمثلًا من المهم للغاية للقيام بذلك أن نجعل القيم الديمقراطية جزءًا من فطرتنا وطبيعتنا، وأن نؤيد الديمقراطية ونستغل كل إمكاناتها، مع إضفاء صبغتنا ونسيجنا عليها، وبدهي أن ينزعج شرذمة قليلون من هذا التصرف، ولكن كما ذكرنا سابقًا ليس بالمستطاع إرضاء الجميع، فلا يصح ألا نكترث بمثل هذا النظام الذي حاز استحسانًا وقبولًا لدى الرأي العام.

من جانب آخر فإن السبيل إلى التعبير عن أنفسنا بشكل صحيح، والتحاور مع شتى شرائح المجتمع، ومدارسة المشاكل الإنسانية المشتركة؛ هو تنشئة أنفسنا تنشئة سليمة، فلو كنا نعرف الآخرين جيدًا، ونخاطب عوالمهم الفكرية، ولا نقصِّر في احترامنا لهم؛ فإن هذه المبادرات النافعة المبذولة لصالح الإنسانية ستؤتي أكلها يومًا ما، وكثيرًا ما شهدنا أمثلة لذلك حتى الآن.

وثمة أمر آخر يستدعي الانتباه هنا وهو ألا نتعامل بالمثل مع هؤلاء الذين نُجري حوارًا معهم لمجرد أنهم نقضوا العهد والاتفاق الروحي بيننا وبينهم وألحقوا بنا الأذى، بل لا بدّ من الصبر عليهم عملًا بقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (سورة النَّحْلِ: 16/126).

فما يقع على عاتقنا هو إيثار طريق الخير والفضيلة، وتحاشي المعاملة بالمثل، وقد تأتي الأزمة تلو أخرى، فلا بد أن نردّ على الاتهامات الموجهة إلينا من أجل تصحيحها وتوضيحها، مع تجنب الشدة والعنف في رد الفعل.

   المداومة على الحوار

وعليكم أن تستحدثوا سبلًا أخرى من أجل إقامة حوار دائم مع شرائح المجتمع المختلفة، تارة تدعونهم لتناول الشاي وتارة أخرى تذهبون أنتم إليهم، وفي هذا الصدد استعينوا بكل الوسائل المتاحة لكم، واستخدموا كل السبل الممكنة أمامكم، فإن كانوا يشعرون بعدم الارتياح من وجود بعضكم فواصلوا الطريق بواسطة أناس آخرين لا ينزعجون منهم، وقدِّموا على أنفسكم كلَّ من له دراية بثقافة مخاطبيكم وعالمهم الفكري، فـ”شأن الحقّ عالٍ وسامٍ لا يُضحّى به بأيّ شيءٍ كان”[1]، المهم هو أن تجلسوا وتتذاكروا الأمر معهم، وتبينوا لهم أنكم تقفون في نفس المكان ولم تتغيروا، وأن قلوبكم تنبض كما تنبض من قبل ولم تتبدل مشاعركم، فطالما ظللتم بعيدين عن مخاطبكم لن يكون بوسعكم التعبير عن أنفسكم له، وسرعان ما تُنسى الجماليات التي يعلمها مخاطبكم عنكم، ولذلك عليكم بالإصرار على الحوار، واستنفاذ الطاقات من أجل الحفاظ على علاقتكم مع طوائف المجتمع المختلفة.

ومع أن الحرص والإصرار صفتين منكرَتين في الأمور الدنيوية المادية؛ إلا أنهما محمودتان في مثل هذه الأمور الخيرة، ولو نظرنا إلى الحياة السنية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسنلاحظ أنه كان يبذل جهدًا غير عادي في هذا الشأن، فمن يدري كم مرة ذهب فيها إلى أبي جهل ليدعوه إلى الإسلام، ولا نبالغ إذا قلنا إنه ذهب إليه خمسين مرة، فعليكم أن تواصلوا الحوار مع شتى طوائف المجتمع بالقدر الذي تسمح به إمكاناتكم، وعلى كل من نذر نفسه للخدمة الإيمانية والقرآنية أن يعدّ نفسه مسؤولًا عن هذا الأمر، وما علينا إلا أن نصرّ على تبليغ الحقائق بالأسلوب والطريقة المناسبة التي لا ينشأ عنها ردّ فعل مخالف، أما مسألة القبول من عدمه فهذا شيء يتعلق بهم.

ولا ينبغي أن تحول الأفكارُ المختلفة والمقارباتُ المتنوعة من إقامة الحوار، فمن الممكن تناول هذه الخلافات بهدوء شديد دون التقصير في احترام كل إنسان أيًّا كان موقعه، ودون الوقوع في الخلاف، فليس لأحد أن يرى نفسه فوق الآخرين، ولا أن يترك مثل هذا الانطباع فيهم، ولا أن يتكبر أو يتباهى بل يتواضع ويخضع، كفانا ما أنجِز حتى اليوم من دون مهنية أو حرفية، ولنتناول الأمر من الآن بشيء من الاحترافية، ونتحرى الجدية في التمثيل والتطبيق بقدر ثقل أعباء الرسالة التي نحملها، ونتعامل مع القضية بنهج نبوي، ونُحسن تنشئة المشتغلين بهذا الموضوع، ونتعامل بحكمة مع هذا الأمر، مع الالتزام بالقيم الإنسانية وتحاشي ارتكاب الأخطاء، فمن الوقاحة أن نعلّق هذا الأمر الكبير على أفكار بسيطة ساذجة.

   هل لديكم شكّ في قيمكم؟!

لا ينبغي للمؤمن أن يخشى من الحوار، ولا أن يقلق من الخسائر، ففي الحوار نوع من التنافس بين القيم من ناحية ما، فلو أنكم ترتابون في قيمكم فهذا يعني أن إيمانكم بالله ضعيف، ولو قلتم: “إننا سنتأثر سلبًا إذا خالطنا هؤلاء أو أولئك، وسيعود هذا بالضرر على ديننا”، فهذا يعني أن لديكم مشكلة في الثقة بدينكم الذي تمثلونه؛ إذا كنتم توقنون أن قيمكم هي الغالبة والرابحة في سوق القيم فلا مبرّرَ إذًا للخوف من إجراء الحوار مع الآخرين، وإن كنتم على ثقة من أنكم بمصافحتكم الآخرين واحتضانكم لهم ستنتقل جمالياتكم إليهم وتستفيدون أنتم كذلك من جمالياتهم فلا داعي إذًا للخوف من الحوار معهم.

ولو أنكم جعلتم من صدوركم فسطاطًا تحتفون فيه بالآخرين، فسترون صدور الآخرين قد فتحت لكم واحدًا تلو الآخر، فهل يمكن وصفُ هذا الأمر بالخسارة؟! افتحُوا قلوبكم للعالم قدرَ ما تستطيعون؛ لأن من سيتسلّلون إلى قلوبكم سيتعرفون في الوقت ذاته على الجماليات التي لديكم، وحتى وإن لم يتقبّلوها فلن يقصروا في احترامهم لكم، وإن لم يفعلوا فسيتورعون -على الأقل- عن إلحاق الضرر بكم، فمثل هذه الأشياء ستقضي على الحدة والعنف لدى الأجيال القادمة، وتُنهي الصراعات والنزاعات، وتسد الفجوات بينكم وبينهم، ولا شك أن كل هذا يُعد بحد ذاته نصرًا مؤزرًا، فمن الأهمية بمكان أن يتكاتف الناس ويتساندوا فيما بينهم، وأن يسيروا مع بعضهم البعض في طريق واحد، وأن يتشاركوا في ماراثون واحد، وأن يتصدّوا معًا للمشاكل التي تعترض الإنسانية، فلو استطعتم أن تنثروا بذور الحب والاحترام في قلوب الناس وأن ترسخوا فكرة التعايش مع الآخر؛ فستنالون رضا ربكم وتتسببون في سعادة نبيكم صلى الله عليه وسلم.

 قد يختلف الطرف الآخر معكم في نمطِ معيشتكم وطبيعةِ عقيدتكم ومشاعركم وأفكاركم، فلربما كانوا يعيشون في دنسٍ وفجور، ويخرج من بينهم مَنْ يتطاولون على قيمكم التي تؤمنون بها، ويلحقون الضرر بكم بأقوالهم وأفعالهم، إلا أن سلامة نواياكم واستقامة أهدافكم هما ما سينقذكم من هذه المواقف التي نعتبرها نوعًا من أنواع عموم البلوى، فإذا كنتم ستجنون بعض الفوائد من خلال علاقتكم بهم، وستتغلبون على بعض الأضرار من أجل منفعة الإنسانية فليس لكم أن تكفّوا عن الحوار، لأنهم إذا خالطوكم فسيفهمون أحسن وأكثر بعض الأشياء من خلال مجالستكم، وسيدققون النظر في سلوكياتكم وتصرّفاتكم، وبناءً على هذا سيصبحون على دراية أكثر بالقيم التي تؤمنون بها، فإن لم يتقبّلوها فسيكونون على الأقل قد تعرّفوا عليها بشكل صحيح، ولو كانوا يحملون أحكامًا مسبقةً تجاهكم فسيتخلصون منها، ويعرضون عن عداوتكم، وبذلك يمكن القضاء على الصراعات والنزاعات المحتملة في المستقبل، وهذا هو ما يجب أن يحوز على اهتمامنا.

من جانب آخر لا تنسوا أننا نعيش عهدَ الفترة من ناحية ما؛ فمع الأسف ما عاد الإسلامُ يُبلَّغ للناس بشكل سليم، ولا يُمثَّل كما ينبغي، وليس لدينا شيء يدعو إلى المصداقية، وليس منطقيًّا في هذا الجو أن نعتقد أن الآخرين سيأتون إلينا حيث كنا، فيستمعون إلينا ويعقلون، ولذلك يجب أن نذهب نحن إليهم دون أن نصنّفهم إلى فئات مختلفة بحسب نظرتهم للدين وموقفهم نحونا، بل نعمل على تطوير علاقتنا بالجميع، ونحترم كل إنسان على اعتبار أنه إنسان قبل كل شيء، بل ولو كان ثمة قصور فعلينا أن نعزوه إلى أنفسنا، ونسائل أنفسنا قائلين: لماذا لم نبذل الجهد المطلوب حتى الآن للتعبير عن أنفسنا؟! ولماذا لم نتزود بالمعدات اللازمة؟! ولماذا لم نقم بالتمثيل كما ينبغي؟!

حاصل القول: نظِّموا هجراتٍ إلى كل أنحاء العالم، دون أن تلتفتوا إلى الأشياء التي يقولها الناس المحكوم عليهم بالسطحية وضيق الأفق، ودون أن تعبؤوا بالصعوبات التي ستواجهونها، بل واعتبِروا كلَّ مكانٍ تذهبون إليه هو أرضكم ووطنكم، فانثروا البذور بلا توقف، فالأرض وفيّة مخلصة، وسترون يومًا ما أن هذه البذور قد أينعت، وتبرعمت، وأثمرت، قد لا يكون حصادها وجنيُها من نصيبكم، فليس هذا مهمًّا؛ لأنكم ستؤجرون على نواياكم وهجرتكم وعملكم، وليحصدها بعد ذلك من يحصدها.

أنتم مسؤولون عن القيام بكل ما يقع على عاتقكم، ولا بد أن وجه العالم سيتغير حالما يتعرف الآخرون على جمالياتكم ويفهمونها تمامًا، فلو كنا فكّرنا ودبّرنا من قبل، وأرسلنا خمسة أو ستة ملايين شخص إلى كل أرجاء العالم، فأرشدناهم، ودللناهم على الطريق الصحيح، ووجدنا لهم فرصًا للعمل هنالك؛ لتغير وجه العالم اليوم ولصار على خلاف ما هو عليه.

***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: السيرة الذاتية، ص 117.

تنشئة رجال العلم العاشقين للحقيقة

Herkul | | العربية

أعتقد أن المسلمين لم يكونوا قط بهذا القدر من انعدام الأفق، والافتقار إلى الغاية، والتشرذم، والأنانية.. لقد صاروا جماعات مشردةً لا تحيطهم عناية، ولا تشملهم رعاية، كل منهم ينزع إلى تيار وأيديولوجية مختلفة، وكما يقول شاعر الإسلام محمد عاكف:

إن لم يجد الوطنُ معينًا ونصيرًا فحقيقٌ به أن يموت غريقًا

فذُدْ عنه واحمِه كي لا يجد الغرقُ له طريقًا

لكننا مع الأسف لم نشمله برعايتنا ولم نحطه بعنايتنا حتى الآن؛ لأن القائمين عليه لم يحملوا هذا الهم، ولم تشغلهم هذه الفكرة، ولا يزالون على ذلك! بل وحتى تراهم ينظرون إلى كل جهود الآخرين ومساعيهم في هذا المضمار وكأنها نوعٌ من الاستعراض والمخاطرة التي لا جدوى منها، ويربطون كل المبادرات القائمة على مساعي الأمة بمسوغات يرفضها حتى منطقهم، ولا يكتفون بذلك بل يلفّقون ضدها التّهم والافتراءات التي لا أساس لها من الصحة، وإن الإنسان عندما يُفكر في هذه الصورة الحالية لا يستطيع أن يُمسك نفسه من الوقوع في الحزن والانكسار، وتسيطر عليه حالةٌ من الانفعال والاضطراب، ويختلُّ تناغمُ قلبه عندما يضع في اعتباره كل هذا الدمار الهائل.

إن الآخرين لم يدَعوا شيئًا لم يفعلوه في سبيل تنظيم العالم وتغييره، فمن جانب درسوا الطبيعة ودقّقوا النظر فيها، وأظهروا تطوّرات مذهلةً في شتى ساحات العلوم والفنون، ومن جانب آخر جعلوا الجميع -من إفريقيا وحتى الشرق الأقصى- عبيدًا لهم، فمسخوا من يمكنهم مسخه، وقهروا من يقدرون على قهره، واستعمروا من استطاعوا أن يستعمروه، واستعبدوا من قدروا أن يستعبدوه.. أما نحن فقد تجاهلْنا كلَّ هذه الفجائع والفظائع، والواقع أنه من الصعب حتى أن نصِفَ ردَّ فعلِنا هذا بالانفعال الصامت، فلقد استغرقنا في عدم الاكتراث، واللامبالاة، وظللْنا ساكنين بلا حراك طالما لم تقترب النار من بيوتنا، وكأن تلك العبارة الأنانية التي تقول: “ما لنا والحريق؛ ما دام بعيدًا عنا”؛ أصبحت منهجَ حياتنا.

إن مثل هذه الأفكار التي يطلقها أناسٌ ذووا أفقٍ ضيق؛ لا أصل لها ولا نسب؛ وذلك أنها لا تنتمي إلى جذورنا الروحية والمعنوية، ولا تتغذى عليها، ولا تمتّ إليها بصلة؛ والأساس أن المؤمن يحترق بالنار أينما اندلعت، ولا يُتصوَّر منه أن يقف صامتًا بلا حراك أمام تلك النار لا سيما إذا كانت تحرق أطلس عقيدته وعالم قيمه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الشريف: “مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ[1].

   قحط الرجال

كان القدماء يعبرون عن ندرة الرجال العظماء بـ”قحط الرجال”، وهذا هو الواقع بالفعل في أيامنا؛ فلا وجود الآن لأصحاب الأفق الرحيب، وقلّ كذلك أن تجد أصحاب الأرواح العالية الذين نذروا أنفسهم لغاية سامية؛ حيث لا توجد بيئة ثقافية مواتية لتنشئة مثل هؤلاء الأشخاص.. وإن ما دفع بـ”نظام الملك” لإنشاء المدارس النظامية في عهد السلاجقة هو الرغبة في تنشئة أناس متمرّسين مؤهّلين، والحقّ أنه قد نشأ في هذه المدارس الكثير من المتميّزين، ولقد كان ذلك العهد مباركًا للغاية، وفي العصور التالية راح الناس يُقبلون على دراسة الأوامر التكوينية والتشريعية، لكن توقّف الأمر بعد مدة ما نظرًا لبعض العوامل الخارجية مثل هجمات المغول والحملات الصليبية، إلى جانب حالة الفوضى والاضطراب التي استولت على ديار المسلمين، ولم يتمكنوا من استعادة القوة مجدّدًا، واليوم أيضًا أصبح من الصعب أن نتكلّم عن وجود بيئة فكرية علمية مواتية لتنشئة أناس مؤهلين على معرفةٍ بعصرهم ودنياهم.

ولا داعي لإساءة الفهم هنا؛ فإننا لا نستهين بالأعمال والدراسات التي تُجرى الآن في ساحات العلوم المختلفة، ولكن قيام رجال العلم بأبحاث تتعلّق بمجالهم وتحريرهم مؤلفات تتماشى مع ساحاتهم شيءٌ، وقراءة الكون قراءة صحيحة، وتأسيس علاقة بين الإنسان والكون والرب سبحانه وتعالى، والقيام بما يلزم وفقًا لمتطلبات العصر شيءٌ آخر.. فمثل هذه الأمور تتطلب تجهيزًا مميّزًا وأفقًا مختلفًا، وليس من اليسير تنشئة وتربية مثل هؤلاء الناس، فعدد هؤلاء وإن كان قد بلغ الآلاف في العصور الأولى للإسلام فقد قلّ تدريجيًّا في العصور اللاحقة.

فما يقع على عاتقنا الآن هو إيقاظ شعلة الحماس وحبّ الاستطلاع لدى الناس، وغرس الأفكار والمثل العليا في نفوسهم، ومكافأتهم على نجاحاتهم، وتهيئة البيئة المواتية لتنشئة أناس ذوي أفق رحب وجاهزية فائقة. أجل، ينبغي لنا تنشئة أناس يزاولون أعمالهم العلمية والفكرية في نشوة تشبه نشوة العبادة، موقنين أن هذا سيصل بهم إلى رضا الله تعالى، وإلى صحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإلى إحراز النعيم الأخروي، ومن ثمّ يعتزمون على تحويل الدنيا إلى جنة للوصول إلى هذا الهدف.

   إعادة دراسة الكون بمنظور جديد

من جانب آخر إذا تمّ تناول المسألة بجانبها المادي والدنيوي فقط، ولم يرتبط عشق البحث والعلم بغاية سامية؛ فستتعثر هذه الدراسات وتتوقّف عند نقطة معينة، ولو أن الإنسان قصر نظره على الأوامر التكوينية فقط ودرس قوانين الطبيعة بشكل جيد؛ فلن يستطيع أن يتجاوز حدود مذهبَي الوضعية والطبيعية، ولو حدث ذلك فستظل مساعيه ناقصة في البحث عن الحقيقة، الأصل والأهم هو الوصول بعشق العلم إلى أعلى المقامات، ودراسة الأوامر التشريعية والتكوينية على حد سواء؛ لأن الوصول إلى الله مرتبط بهذا، فلو أوقفتم أطلس فكركم على هذا البعد فستحظون بألطاف الله وإحساناته المتنوعة في الآخرة.

وكما ذكرنا في مناسبات عديدة فإن الغربيين قد قطعوا مسافات كبيرة في العلم والتكنولوجيا من خلال سبر أعماق الأشياء والحوادث، وليس بالإمكان تجاهل مثل هذه الأعمال والدراسات التي قاموا بها، ولكن لأنهم يجهلون معرفة الله بذاته وصفاته وأسمائه تعلقوا بالأسباب وتوقفوا عندها، ولم يستطيعوا تجاوز حدود المذهب الطبيعي، بل أخذ البعضَ منهم العزةُ بالإثم فراحوا -والعياذ بالله- يؤلّهون الأسباب التي خلقها الله تعالى لحكم كثيرة. أجل، قد تبدو هذه الأسباب هي الفاعل، ولكن ليست هكذا في الحقيقة، لأن الفاعل الحقيقي الذي خلق وأوجد وأبقى على وجود ما أوجد؛ هو الذات الأجل الأعلى صاحب القدرة المطلقة، والإرادة النافذة، والمشيئة التي لا منتهى لها.

لن يستطيع العلم أن يتخلص من مخالب الوضعية والطبيعية والمادية ما لم يشارك المؤمنون في الدراسات العلمية، وسيضطر المسلمون أيضًا إلى تقبّل المنطق العلمي المفروض عليهم باسم العلم، فضلًا عن ذلك سيلقِّنون هذا المنطق لطلابهم المسؤولين عن تعليمهم وتربيتهم في دور العلم، وستعمل كذلك مختبراتهم ومراكزهم البحثية وفقًا لهذا المنطق، ومن ثم لن يستطيعوا التخلّص من التقليد، ولا الحفاظ على ذاتيتهم.

فللأسف بدأ التدهور يدبّ في أوصال الحياة الفكرية والعلمية منذ القرن الخامس الهجري، وبعد مدة معينة أصبح المسلمون وكأنهم يمشون نيامًا، ولكن مع ذلك يمكن القول بوجود نوع من الصحوة في زماننا الحاضر؛ حيث ظهر بعض العلماء من أمثال بديع الزمان سعيد النورسي؛ ففتحوا آفاقًا فكرية جديدة، وابتكروا مناهج مختلفة لقراءة الكون.. انطلاقًا من هذا باتت الحاجة ملحّة للكشف من جديد عن ماهية الأسباب، والتعريف بمسبب الأسباب سبحانه وتعالى على الوجه اللائق، والتعريف بالوظيفة الأساسية للإنسان بشكل صحيح، وتأسيس العلاقة بين الإنسان والكون والرب سبحانه وتعالى على نحو سديد.

   بالتشجيع تنمو المهارات

وهذا يتوقّف على تهيئة بيئة علمية مناسبة، وتوجيه الناس إلى العلم، ومكافأتهم على نجاحاتهم، وفي الحقيقة فإن أعظم مكافأة هو أن يكون العلم وسيلة إلى المعرفة، والمعرفة وسيلة إلى المحبة، والمحبة وسيلة إلى رضا الله عز وجل، ولذلك يجب توجيه الناس بدايةً إلى هذه الأهداف السامية، وإلى جانب ذلك لا ينبغي إغفال الجانب المادي؛ فبحسب التعبير المتداول: المهارة تنمو بالمدح والثناء والمكافأة.

وكثيرًا ما كنتُ أعترضُ على هذا الكلام؛ لأن الأساس أن يكون المدح والثناء تابعًا للمهارة؛ أي لا ينبغي أن تتوقّف الأعمال على أي مقابلٍ سوى رضا الله عز وجل، ولكنني بعد ذاك اقتنعتُ بأنَّ الناسَ ليسوا جميعًا على هذه الدرجة من الفضيلة، ولا يسدّد جميعُهم النظر إلى مثل هذا الهدف، ولا يكون رضا الله عز وجل هو الأساس الأول عندهم؛ ولهذا لا بدّ من تشجيعهم على الدراسة والبحث والإنتاج بالمكافأة والدعم والتقدير، فلا يغِبْ عن بالنا أن الأكثرية في حاجة إلى مثل هذا الدعم والتأييد، ولو جاز التعبير يجب توصيل أصحاب المواهب والقدرات بدينامو لشحنهم وشحذِ طاقاتهم؛ ابتغاء تحريكهم وإثارة حماسهم.

للدعم المادي والمعنوي أهمية بالغة في قراءة الأوامر التكوينية قراءة صحيحة، وفي الوصول إلى الأفكار الصحيحة والإستراتيجيات السليمة، والارتقاء بالعلم المتوارث من السلف إلى مكانةٍ أعلى وأسمى، وفتح آفاق جديدة للعلم والدراسة، وتهيئة بيئة مواتية لأن يفكر الذين يأتون بعدنا بشكل أعمق وأكبر.. فإن الأفكار المرهونة بالأيديولوجيات والعلمانية والأنانية لا تجدي نفعًا، المهمّ هو توجيه الناس إلى الأهداف السامية من جانب، وتزويدهم بجميع أنواع الدعم من جانب آخر، فلو أنكم أعددتم البيئات المناسبة لهذا الغرض وقمتم بالمسؤوليات الملقاة على عاتقكم؛ فسينشأ على أيديكم أناس على أعلى المستويات من الأهلية والجاهزية والقدرات، فإن لم تفعلوا صار من المتعذّر عليكم تنشئة رجالِ علمٍ عاشقين للحقيقة، وظللْتم دائمًا عند النقطة التي تقفون فيها لا تبرحونها ولا تتقدمون إلى الأمام.

***

[1] الطبراني: المعجم الأوسط، 1/151؛ الحاكم: المستدرك على الصحيحين، 4/365.

الابتلاءات الخفيّة

Herkul | | العربية

الابتلاءات في الحياة الدنيا أنواع شتى؛ بعضها بيّن واضح، والبعض الآخر خفي نسبيًّا، ومن المسلَّم به أن الله لم يحمِّل الإنسانَ ما لا طاقة له به، ولكن قد يُبتلَى الإنسان بأمورٍ يجهلها ولا يعيها منذ الوهلة الأولى، فمثلًا قد يقوم بعمل صالح جميل، فيجثم على عالم خياله وتصوّره دخانٌ وضبابٌ، فلا يلبث إلا أن يسوقه نجاحُه إلى الكبر والغرور، وعند ذلك يحبط عمله وتنقطع بركته؛ لأن الإنسان إذا وضع في ذهنه فكرة أنه هو الذي خطّط وفعل ونجح؛ فقد أحبطَ كلّ عمله، وإنَّ عزْوَ الإنسانِ عملَه إلى نفسه، واعتباره ذلك العمل أثرًا من آثار عبقريته؛ إنما هو فكرة تنطوي على الشرك الخفي، لأن إبراز الأنانية دائمًا بمثابة دوامة لا تلبث أن تجر الإنسان -دون وعي منه- إلى الكفر والضلال.

ومن ثمّ فمَن يرغب في الابتعاد عن مكائد النفس والشيطان ودسائسهما فعليه أن يضع في ذهنه أنه إنسان بسيط، حتى ولو تحققت على يديه أعظم الإنجازات، وارتقى بالإنسانية إلى السماء، وطاف بها بين الكواكب والنجوم.. بل وعليه أن يقول: “عجبًا! هل يمكن أن يستخدم الله سبحانه وتعالى في مثل هذه الأمور العظيمة أناسًا عاديين من أمثالنا؟!”، وإن كان لا بدّ من تفسيرٍ معقولٍ لهذه الجماليات فلكم أن تنظروا إلى المسألة من منظور الحكمة الإلهية قائلين: إن الله تعالى يستعمل أناسًا صغارًا ضعافًا من أمثالنا في هذه الأعمال العظيمة حتى يعلن عن عظمة نفسه سبحانه وتعالى، ومن الواضح أنه لا حول لنا ولا قوة للقيام بمثل هذه الأعمال الكبيرة، إذًا فهذا كله يدلّ على عظمته سبحانه وتعالى ليس إلا.

وإذا ما وجَّهْنا النظرَ إلى كتاب الكون لألفينا الشيءَ نفسه، فقد خلق الله تعالى عوالم فيزيائية ضخمة من جزئيات صغيرة جدًّا، فمهما كانت الكائنات كبيرة الحجم فإنها تتكوّن من ذرات، وهذه الذرات هي الأخرى تتشكّل من إلكترونات ونيوترونات وبروتونات، وربما خلقها الله جل جلاله من جزئيات أصغر أيضًا تسمى بالكوارك (quark) والإيون والأثير أو غير ذلك من العناصر التي لا نستطيع تحديد ماهيتها وحقيقتها، ولذلك ينبغي النظر إلى خلق الأشياء الكبيرة من عناصر صغيرة للغاية على أنها قانون فطري أو سنة إلهية.

 ويعبّر الأستاذ سعيد النورسي عن هذا المعنى: “إذا أسند كل مخلوق وكل ذرة مباشرة إلى الواحد الأحد وانتسب إليه فعندئذ يهدم النمل صرح فرعون ويهلكه، ويصرع البعوض نمرود ويقذفه إلى جهنم، وتُدخل جرثومة صغيرة ظالمًا جبارًا القبر، وتصبح بذرة الصنوبر الصغيرة بمثابة مصنع لشجرة الصنوبر الضخمة ضخامة الجبل، وتتمكن ذرات الهواء أن تؤدي من أعمال منتظمة مختلفة للأزهار والثمرات وتدخل في تشكيلاتها المتنوعة، كل ذلك بحول الله وبقوة ذلك الانتساب”[1]، وكل هذه الأمور تدلّ على عظمة الله تعالى وقدرته اللامتناهية.

فإذا ما وضعنا هذه الحقيقة نصبَ أعيننا لا تسوقنا حتى أعظم الإنجازات والنجاحات إلى العجب والغرور، ولا تنسينا كوننا أناسًا بسطاء عاديين، ولنضع في اعتبارنا أن أعظم الفضل -على حد قول علي كرم الله وجهه- هو أن يكون الإنسان بين الناس فردًا من الناس، ولنتذكر دائمًا أن إعجاب الإنسان بنفسه، وعزوَه كل الجماليات إلى نفسه، وافتخارَه بنفسه وتمييزه لها عن الآخرين…كل ذلك أفكار شيطانية.

   التواضع ونكران الذات

لقد أحدث مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم ثورة عارمة في العالم بأسره؛ فهزم -كما يقول الشاعر الإسلامي محمد عاكف- القياصرة والأكاسرة في نفخة، وأنقذ الإنسانية في كرَّة، ورغم ذلك لم يتخل طوال حياته عن التواضع ونكران الذات، ذات يوم أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ، فَكَلَّمَهُ، فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ، فَقَالَ لَهُ: “هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ[2].

وكلما كان الحقُّ تعالى يعلن للكائنات كلها عن عظمة نبيِّه صلى الله عليه وسلم بألطافه وإحساناته كلما كان صلى الله عليه وسلم يزداد قربًا لربه، ويتّجه إليه بمزيد من الحمد والثناء، ويخفض أجنحة التواضع للإنسانية جمعاء، وفي الوقت ذاته لم يكن يتنكر لنبوته، وكيف ذلك؟! فهي المهمة الثقيلة الشديدة التي حمّلها إياه ربه! وهي من أركان الإيمان الأساسية، أما فيما سواها فكان يتورّع عن إظهار عظمته ومكانته، رغم أنه نبي الله الذي اصطفاه سبحانه لحمل دعوته، وعندما يُقبل عليه أحدٌ وهو بين الصحابة لا يستطيع أن يميزه بينهم بسهولة؛ لأنه لم يكن يختلف عمن حوله لا في ملبَس ومجلِس ولا في مأكل ومشرب ولا في حال وحركة.

وهذا هو معيار العظمة بالمعنى الحقيقي، أو لنقل كما ذكرنا كثيرًا في مناسبات متعددة: إن التواضع هو علامة العظمة في العظماء، أما التكبر فهو أمارة الصغر والدناءة عند الأصاغر والأدنياء.

من اليسير نسبيًّا أن نتحكّم في أنانيتنا عندما لا تلوح لنا في الأفق إلا نجاحات يسيرة، فما الذي يمكن أن تنسبوه لأنفسكم إذا كانت خدماتكم لا تزال عبارة عن رشحة صغيرة أو بصيص خافت من النور! أما إذا بدأت ألطاف الله تنهال عليكم زخًّا زخًّا فليس من السهل حينذاك أن تحافظوا على تواضعكم ومحويتكم؛ لأن خطر الوقوع في مستنقع الكبر والغرور يزداد أكثر فأكثر عند توجّه الناس إليكم وإقبالهم عليكم نتيجة ما قمتم به من أعمال منقطعة النظير، ولذلك فلا ننسَ أنّ نِعَمَ الله سبحانه وتعالى علينا هي في الوقت ذاته ابتلاءاتٌ يمتحنُنا بها.

ومن مقتضيات الفوز في هذا الامتحان ألا نعزوَ إلى أنفسنا ما حقّقناه من جماليات، وألا يغيب ربنا سبحانه وتعالى عن بالنا، ولنعْلَمْ جيّدًا أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلّبها كيف يشاء، فلو انفعل الناس في فترة ما للخدمة، وتحمّسوا لها، وهاجروا إلى كل أرجاء العالم للقيام بها فإنما هذا كله بفضلٍ من الله تعالى وعنايته، أما إذا استولت علينا فكرة الأنانية ونسَبْنا كلَّ شيء إلى تدبيرنا وتوجيهنا وفكرنا ومراجعتنا ونجاحنا؛ فسيسلب الله تعالى منا نعمه وأفضاله، فإن اقتصرت هذه الفكرة على مستوى الفرد فهي الأنانية الفردية، أما إذا تعدت إلى الجماعة فهي الأنانية الجماعية، بل يمكن أن نقول إنها “الشرك الخفي” كما جاء في الحديث الشريف.

   كل من عند الله سبحانه وتعالى

ولذلك فإن إعطاء الأولوية للأنانية هو عامل رئيس من عوامل السقوط، وحتى نتخلص من الأنانية الفردية لا بد أن نشير إلى (نحن)، ونمزّق الـ(أنا)، ولكن نظرًا لأن هذا أيضًا قد يوقعنا في الأنانية الجماعية فيجب أن نسحق (نحن) أيضًا تحت أقدامنا، ونشير إليه (هو) سبحانه وتعالى فقط، ولنعلمنّ أننا الفقراء إلى الله دائمًا، والله هو الغني الأحد الصمد الأجل الأعلى.

ومع ذلك فمن الصعب جدًّا في زمنٍ تستمرّ فيه خدماتكم، ويضخِّم فيه الإعلام أموركم، ويُقبل الناس عليكم بالمدح والثناء؛ أن تتحكموا في مشاعركم وأفكاركم، بناءً عليه يجب عليكم أن تلتزموا التضرّع إلى الله تعالى من أجل اجتياز هذه الصعوبات، متمثّلين بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم: “اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي فِي عَيْنَيَّ صَغِيرًا[3]، صفرًا لا قيمة له، فهذا هو السبيل الوحيد للحصول على ثواب خدماتكم في الآخرة، وإلا لن تنتفعوا في الآخرة بأي عملٍ اضطلعتم به من أجل منفعتكم الخاصة أو حساباتكم الشخصية.

وكما جاء في الحديث الشريف[4] فقد يخسر خسرانًا مبينًا مَن يتّكل على أعماله الصالحة عند مثوله بين يدي مولاه عز وجل، إذ إنها لن تنفعه بشي طالما لم تكن خالصةً لوجه الله، فالأعمال الصالحة مثل الجهاد، والاشتغال بالعلم، والوعظ والنصح، والإنفاق إذا لم تكن لله، بل من أجل النفس والأنانية، ولِيُقال عن فاعلها أنه جريء، عالم، قارئ، جواد؛ فإنها تتسبب -والعياذ بالله- في هلاك صاحبها.. فالذين يربطون أعمالهم الصالحة بالمدح والثناء والتقدير والتصفيق فإنهم يبيعون أنفسهم بثمن بخس؛ لأنهم لما أخذوا مقابل ما عملوه في الدنيا لم يعد لهم ثواب يرجونه في الآخرة.. ندعو الله تعالى ألا يجعلنا ممّن يربطون أجورهم بأشياء صغيرة تافهة، ولا من الذين يقضون حياتهم أسارى لمتع الدنيا الزائلة، ولا من الذين يركضون وراء الملذات العاجلة، ولا من الذين يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ حتى لا نتردى في الخيبة والخسران في الآخرة!

أجل، ينبغي للإنسان كلما زاد الله من فضله وعطاياه وأثمر أعماله وخدماته أن يتوجّهَ إلى ربه بنفس القدر ماحيًا ذاتيته، ويقفَ بين يدي مولاه محمَّلًا بثقل النعم، شاكرًا في قيامه وركوعه وسجوده، ويقابلَ تلك النعم بالحيرة والذهول على اعتبار أنه ليس أهلًا لها، ويقول دائمًا -كما قال الشيخ محمد لطفي أفندي-: “نعمة لم أكن أنا الحقير أهلًا لها، فما سرّ هذا اللطف والإحسان؟!”.

***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب العشرين، ص 312.

[2]  سنن ابن ماجه، الأطعمة، 30.

[3]  البزار: المسند، 10/315؛ الديلمي: الفردوس بمأثور الخطاب، 1/473.

[4] صحيح مسلم، الإمارة، 152؛ سنن النسائي، الجهاد، 22.

الصدق والوفاء

Herkul | | العربية

الصدق أولى صفات النبوة، وشعار مهم لعظمة من يأتون بعد الأنبياء مرتبةً، وقد لُقّب الخليفة الأعظم أبو بكر رضي الله عنه بـ”الصدِّيق الأكبر” بسبب صدقه، فما من باب إلا ويفتحه الصدق، وكما أن الصدق هو الذي أوصل محمدًا الأمين صلى الله عليه وسلم إلى كمالات أعلى عليين، فإن الكذب هو  الذي خسف بمسيلمة الكذاب إلى أسفل سافلين، وشتان ما بين الثرى والثريّا.

   الصدق مع الله جل جلاله

لا ريب في أنه يجب على المؤمن أن يتحرى الصدق مع الله تعالى بالدرجة الأولى، والصدق مع الله يعني الوفاء فيما يخص حفظ الأمانات التي حمّلنا إياها اللهُ سبحانه وتعالى، والابتعادَ عن الانحرافات والخيانات بجميع أشكالها مهما كانت صغيرة.

ولو أردنا مزيدًا من التوضيح، فيجب أن يكون الصدق مع الله دائمًا على النحو الذي يبينه الأستاذ “إبراهيم تَنُّورِي” بقوله:

ما أعذب البلاء إن كان من جلالِهْ!

وما أحلى الوفاء إن كان من جمالِهْ!

فكلاهما للروح صفاء

فما أحلى اللطف منه! ومنه ما أعذب القهر والابتلاء!

إن المؤمن الصادق مع الله لا يهجر الرضا والاطمئنان، ولا ينقطع عن الحمد والشكر ليس على نعمه تعالى وألطافه فحسب، بل وعلى الجفاء بكل أنواعه أيضًا، إنه يعلم أن الله يُعبَد لأنه المعبود المطلق والمقصود بالاستحقاق، وليس بُغية الانغماس في النعم، أو حتى دخول الجنة؛ فأداءُ الإنسان وظيفةَ العبودية للذات الإلهية عز وجل دون أن يرهن أداءه بأي شيء سوى رضاه تعالى أحدُ لوازم الصدق، لأن رضا الله جل جلاله ورضوانه مرتبة تفوق رؤيته تعالى والجنة ونعيمها، ناهيك عن متع الحياة الدنيا وزخارفها.

والمؤمن الذي استطاع أن يكون عبدًا صادقًا على باب الحق تعالى يشعر بالخزي والعار وينقصم ظهرُه همًّا وحُزنًا إذا زاغت عينه نحو الأغيار ولو لحظة واحدة، وينزعج أيَّما انزعاجٍ إذا اقتحمت عالم خياله فكرةٌ من قبيل “أتمنى لنفسي قضاء حياة دنيوية هنيئة في بيوت ذات حدائق تجري الأنهار من تحتها، وعيشة رغيدة في فيلات فاخرة…”، ولا يستطيع أن يوفِّق بين هذه الأشياء والصدق، بل إنه يتوجه إلى الله تعالى مرة أخرى مهمومًا لأنه لوّث عالم خياله، فيسعى إلى التطهر بالتوبة والأوبة والإنابة، وكما قُدِّرَ على الإنسان أن تزل قدمه ويسقط؛ فكذلك قُدِّرَ له أيضًا أن يقوم ويعتدل ويحرز أفق الصدق من جديد، فالله عز وجل واسع الرحمة واسع المغفرة، وحسبنا أن نُعليَ من همتنا، ونعيش بنية وعزيمة عدم التخلي عن الصدق والإخلاص.

   الصدق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

أما الصدق مع مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم فهو مرهون بمدى قدرة الفرد على أن يكون خادمًا صادقًا له ويتبعه ويسير في أثره صلى الله عليه وسلم دون استفسار أو سؤال عن أي فعل أو تصرف كان؛ تمامًا مثل أبي بكر الصديق رضي الله عنه. فبعد حادثة المعراج جاء المشركون إلى أبي بكر رضي الله عنه وقالوا له: “هَلْ لَكَ إِلَى صَاحِبِكَ؟ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ!”، فما كان من أبي بكر إلا أن قال لهم دون أيِّ استفسار أو تردُّد: “نَعَمْ، إِنِّي لَأُصَدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ فِي غَدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ”[1]، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، لم يكن سيدنا أبو بكر رضي الله عنه ساذجًا أو أحمقَ، ولكنه كان يمارس الصدقَ بحقٍّ في أعلى درجاته، وعند النظر في المشكلات العضال التي تغلَّب عليها في خلافته، يتبين كيف أنه يتمتع بدهاء شديد، بيد أنَّه كان يعرف جيدًا أين يستخدم عقله وقلبه ومشاعره، لقد آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ووثق به حقًّا وصدقًا حتى إنه لو كان صلى الله عليه وسلم طلب منه روحَه لما تردّد في بذلِها.

الصدق مع رفاقِ الدرب

وإلى جانب الصدق مع الله تعالى ومع رسوله صلى الله عليه وسلم يمكن الحديث أيضًا عن أنواع مختلفة من الصدق؛ كالصدق مع الدين، والصدق مع الغاية المثالية، والصدق مع رفاق الدرب، والصدق مع الأمة، وكلُّ واحدة من هذه الأصناف تستلزم مسؤوليات مختلفة، فمثلًا الصدق مع رفاق الدرب لا يُقاس بمدى ثنائنا عليهم وتفخيم منزلتهم، فحريٌّ بالناس أن يحرصوا على مساعدة أحبائهم والوقوف إلى جانبهم في كل زمان بدلًا من أن يمنحوهم مقامات ومراتب مغالية ومجاوزة للحد مثل الغوثية والقطبية.

والصديق الصدوق هو من يستطيع أن يأخذ بيد أخيه فيرفعه إذا زلت قدمه وانقلب على وجهه، ويزيل عنه ما يلطّخه ويدنّسه، ثم يقول له: “إنك في الحقيقة لستَ ممن يفعلون هذه الأشياء، إذن تتعرض لامتحان عظيم من الله تعالى”، ويسأل الله تعالى له العفو والصفح، وإلَّا فلا يمكن الحديث عن وفاء وصدق من يتخلى عن أخيه، ويغلق الأبواب في وجهه، ويُحكم غلقها دونه لمجرد خطإ واحد ارتكبه؛ بل السلوك اللائق بالصديق الصدوق هو أن يترك الباب مفتوحًا على مصراعيه لأخيه حتى في أسوإ حالاته، فإذا جاءه عانقه واهتم بأمره قائلًا له: “لماذا تأخرت؟، كم من الوقت قد مرّ وأنا أنتظرك؟!” وبهذه الطريقة يمكن الوفاء بحقّ الأخوة.

ومن لوازم الصدق والوفاء أيضًا ألا يتخلى المرء في الآخرة عمن قال في حقه: “أخي”، إن يأذن الله تعالى له فليأخذ بيده؛ أما من خاض بعضهم في حق بعض في الدنيا ببعض الأفكار السيئة، ورحلوا إلى الآخرة محمَّلين بها فيصعبُ للغاية أن يأخذ أحدُهم بِيَدِ الآخر، لذلك حذارِ أن نحكم على أي شخص انطلاقًا من خطإ ارتكبه، وأن نسمح بأن تنزلق في الوحل قدمُ أيِّ واحدٍ من إخواننا، وأن نغض الطرف كذلك عن معاناة من زلّت أقدامهم بشكلٍ ما، فيجب على الفدائيين الذين سلكوا الدرب نفسه وشاركوا الغاية المثالية نفسها أن يتسامحوا ويتصرّفوا بإخلاص مع بعضهم البعض.

أجل، إن للصدق جوانب متعددة، وكما أن الصدق يتمثل في ألَّا يقطع الإنسان صلته بصديقه بسبب معاصيه الشخصية، فمن لوازمه أيضًا أن يحاول المرء بأدبٍ تنبيهَ أخيه على الأخطاء والمساوئ التي يراها، وأن يعمل على تخليصه منها، ومن نماذج الصدق أيضًا أن يأخذ المرء بيد أخيه حين يكون على وشك الانحراف والضلال عن الجادة وأن يمنعه من الوقوع في ذلك، وألا يخطوَ المرء خطوة واحدة ضد أخيه مهما كان ما وُعِد به. بل إن الصدق والوفاء -كما ذُكر آنفًا- ليسا مقصورين على هذه الحياة الدنيوية فحسب، ومن دلالات الصدق والوفاء وأماراتهما أيضًا أن يفكر الإنسان بأخيه حتى وهو في المحشر وعند الميزان والصراط إذا قُدر وأُذن له بفعلِ ذلك.

وبحسب منقبة تعرفونها: إن أحد أولياء الله تعالى عبدَ ربَّه سنوات طويلةً، وتربّى على يديه الكثيرُ من المريدين، وكان كلّ مريد منهم يترقّى في المراتب حتى رأى المريدون أن شيخهم سُجِّل في سجل “الأشقياء” في عالم المثال، فتخلوا عنه جميعًا، باستثناء واحد، فسأله الشيخ: “لقد ذهب الجميع؛ فلماذا تنتظر أنتَ؟!” وهنا أجابه المريد: “ما دمنا قد نلنا الهداية على يديك، وأحرزنا مرتبتنا هذه بفضلك، فإنني أرى الصواب هو عدم التخلي عنك من الآن فصاعدًا!” هذا هو الصدق الحقيقي! فقال الشيخ وعلى شفتيه ابتسامة مُرّة: “يا بني، لقد رأيتُ هذا قبل أن يروه بأربعين عامًا، ولكن قل لي يا بني أهناك باب آخر أستطيع أن أطرقه؟!” وعلى أثر كلام الشيخ هذا اهتزت السماء وتغيّر ما هو في عالم المثال، وكُتب فيه من السعداء. إن منهجَنا منهجُ صدقٍ ووفاءٍ، علينا أن نكون صادقين أوفياء حقًّا بدلًا من أن يمنح بعضنا بعضًا المقامات والمناصب والدرجات العلى، إننا جميعًا عباد الله، أناس بسطاء عاديون، وإن أعظم غايتنا هو أن نكون أفرادًا عاديين بين الناس، لذا فعلينا ألا نبالغ في الحديث عن أحد، وألا نمنح أحدًا رتبًا ومقامات عالية من ناحية، ومن ناحية أخرى ألا نقصر في الصدق والوفاء تجاه بعضنا البعض.

   الصدق مع الأمَّة

أما بالنسبة لمقياس صدق المرء مع أمَّته فيكون بعمله على أن يجعلها عنصرًا مهيمنًا في التوازن الدولي، وركضِه كجواد دونما توقُّفٍ كي يعلي من شأنها، وعدمِ تشوّفه إلى أيّ شيء في مقابل هذا، فالإنسان الصادق مع أمته ودولته ومجتمعه لا يفكر ألبتة في أن يخصّ نفسه بشيء، ولا أن يستغلّ ما يمتلكه من إمكانات لحسابه الشخصي حتى وإن كان قد قدم تضحيات مذهلة في سبيل خدمتها؛ وإلا فمَن ينخرطون في الشعبوية، ويستغلون مناصبهم ومواقعهم لصالح اعتباراتهم الشخصية، ويفكرون في مصالح أحزابهم أكثر من الغاية المثالية للأمة -إنهم- في خيانة عظمى حتى وإن زعموا خدمة الأمة، ومن الصعب حقًّا على هؤلاء تحقيق أيّ نجاح، لأن ما يضطلعون به من أعمال وأفعال مجردٌ من الصدق والإخلاص، كما أن نتائج أعمالهم ستبوء دائمًا بالفشل والخسران حتى وإن بدوا شامخين مغرورين في مشيتهم؛ فالمهم هو قدسية العمل وعلوّ النية وصفاؤها، ورضا الله تعالى.

والأمر كذلك بالنسبة للصدق مع الدعوة المقدسة؛ فمعياره القدرةُ على مواصلة الركض بمشاعر التفاني والتضحية وعدمُ التشوف إلى مقابل، فالصادقون الذين تبنّوا الخدمة الإيمانية والقرآنية لا يلهثون ألبتة وراء أجرة ومكافأة، إنهم يبدؤون لله، ويعملون لأجل الله، ولا يتوسلون إلى أحد، ولا ينتظرون مقابلًا على ما قدموه من خدمات، ولا يحطّون من كرامتهم؛ فمكانتُهم وموقعُهم في الخدمة الإيمانية التي عشقوها هو على قدر صدقِهم وإخلاصِهم.

***

[1] الحاكم: المستدرك على الصحيحين، 3/65.

“المعوقات التي تعترض “روح التفاني

Herkul | | العربية

   سؤال: نعرف أن روح التفاني بمثابة الآلية الرئيسة للخدمة؛ فهل يمكن لكم أن تبيّنوا لنا المخاطر التي تهدد هذه الروح؟ وما طرق الوقاية منها؟

   الجواب: إن الإنجازات والنجاحات التي أنعم الله تعالى بها على الأرواح المضحية تستوجب مقابلتها بمشاعر التحدث بالنعمة، والعمل على شكرها؛ لأن الجماليات التي تحققت حتى اليوم على يد متطوعي الخدمة الذين انفتحوا على ربوع العالم تَفوق طاقتنا وإرادتنا.. إذ إن تحقُّق هذا يتطلب -في دائرة الأسباب- اجتماع العديد من العوامل كحماس التبليغ، وشعور التضحية، والمعلِّمين المؤهَّلين، ورجال الأعمال الأسخياء، والمصادر الكافية، والتخطيط، والمشاريع السليمة، وحسن الاستقبال والقبول في الأماكن المقبلين عليها، واجتماعُ هذه العوامل دفعةً واحدة أمرٌ صعب للغاية وفقًا لحسابات الاحتمالات.

لذلك يجب علينا توخّي الحذر من نسبة الفضل في تحقّق هذه الخدمات إلى أشخاص أو كوادر أو هيئات بعينها، ولا بد من نسبتها إلى عون الله تعالى وعنايته، فمثل هذا التصرف إقرار بالحقيقة، فضلًا عن أننا إذا ما نسبْنا النجاحات المحققة إلى دهاء بعض الأشخاص وبراعة تخطيطهم ومهاراتهم، نكنْ -كما عبر الحديث الشريف[1]– قد قطعنا أعناقهم، وقد لا يتسنى للجميع تحمّل هذا الأمر، فقد يسيء المرء الأدب وينسب الإنجازات والنجاحات إلى نفسه ناسيًا رحمة الله تعالى وعنايته، فيجب علينا ألا نؤلّه ولا نقدّس أحدًا، وخاصة في مثل هذا الزمان حيث تفشت الغفلة وسادت الأنانية كفرعون جامح.

ولا ينبغي أن نستنتج من كلامنا هذا ضرورة غضّ الطرف عن الأعمال الطيبة التي أنجزها الناس بما بذلوه من عمل وجهد كبير؛ بالعكس يجب علينا أن نصفّق لهم ونقدرهم ونحفّزهم ونكافئهم حسب استحقاقهم في ذلك، والأهم من هذا كله ندعمهم بأدعيتنا، فنبتهل إلى الله تعالى ونضرع إليه بالدعاء دائمًا: “اللهم ثبت أقدام إخواننا في الخدمة، ولا تضلهم عن السبيل، واحفظهم من الزلل والانحراف، وأنعم عليهم بالإيمان والمعرفة، وزِدْهُم عشقًا واشتياقًا!”؛ فهذا من مقتضيات الصدق والوفاء مع رفاق دربنا.

   أعظم الكرامات: الاستقامة

نشكر الله شكرًا كثيرًا أن تحققت خدمات تفوق الوصف في ساحة الإرشاد والتبليغ إبان فترة استقرّ فيها السيف المادي في غمده.. فقد تحمّلت القلوب المضحية صعوبات كبيرة من أجل إيصال القلوب إلى الله تعالى من جديد عبر إزالة العقبات التي تحول بينهم وبينه تعالى، فكان منهم من عمِل في بناء مؤسسات الخدمة كواحد من العمال، ومنهم من تقاضى أجرًا أقلّ من أقرانه بكثير، ومنهم من لم يستطع أن يتقاضى أجرًا شهورًا عديدة، ومنهم من لم يستطع زيارة أهله ووطنه لسنوات طويلة.. لا يمكننا غض الطرف عن كل هذا الجهد والسعي المبذول بصدق وإخلاص، ولا يمكننا أن نقابل بالكفر والنكران ألطاف الله تعالى التي تهطل علينا زخًّا زخًّا، فما كان لهذه الجماليات أن تتحقّق لو لم ينعم المولى جل جلاله علينا بروح التفاني وشعور التضحية، ولو لم يجعل الرحمن عز وجل وُدَّنا في قلوب مخاطبينا، فالشكر والمنَّة لله رب العالمين.

وبما أن روح التفاني هي الآلية الرئيسة للخدمة فالأهمُّ هو التمكن من الإبقاء على هذه الروح حتى المنية، أي المحافظة حتى النهاية على روح التضحية والإيثار اللذين بُدئَ بهما العمل؛ وبتعبير آخر: المحافظة على الاستقامة، وهذا ليس بالأمر الهيّن كما يُظنُّ؛ وانطلاقًا من كونِنا بشرًا فإنه ثمة امتحانات شتى ومتباينة تنتظرنا، فنحن بشرٌ مخلوقون من لحم ودم، نحمل نفسًا بين جنباتنا، ولدينا ميول وطلبات ورغبات في الدنيا.

وتُعبر الآية الكريمة الآتية عن الامتحانات التي تنتظر الإنسان في الدنيا بقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/14).

والإنسان، حتى وإن لم يدخل في دائرة الحرام، إلا أن لديه ميلًا فطريًّا، وقد يريد الاستفادة في دائرة الحلال من زخرف الدنيا ومتاعها، وربما يَحُول حبُّ الأهل والأبناء بينه وبين القيام بخدماته، وربما تتعلق بذهنه فكرة الكسب والغنى، وربما ينجذب إلى العيش الرغيد والتلذّذ بمتع الدنيا، وربما يتطلّع إلى عطلة على الشواطئ أو قمم الجبال فيلهو ويقضي وقتًا ممتعًا، والحال أن كل هذه الأمور ربما تسوق الإنسان بمرور الوقت إلى دائرة الحرام أو على الأقل تقيِّد قدميه وتغلّل عنقه، فتصدّه عن السبيل، ومن لم يستطع كسر قيوده والمحافظة على موقفه أمام شهوات الدنيا الفاتنة يصعب عليه أن يحافظ على مشاعر التضحية والتفاني.

أجل، إن هناك الكثير ممّن خسروا لأنهم لم يستطيعوا أن يحافظوا على التضحية التي بذلوها في بادئ الأمر حتى النهاية.. فمثلًا ساروا لمدة طويلة على الدرب الذي عزموا المسير فيه وواجهوا مصاعب عديدة، ولكنهم تعثروا في رغبات النفس وأهوائها في موضع ما؛ فعلى الرغم من أن بعضَهم هاجروا منفتحين على ديار مختلفة، واضطلعوا هناك بخدمات في غاية الجمال، إلا أن عقولهم ذهلت بعد مدة معينة، وغشيت أبصارهم، وبدؤوا يفقدون قوامهم ويتغيّرون؛ فغيَّر المنصبُ بعضهم، والوسائلُ والإمكانات بعضَهم، وتعلَّق بعضُهم الآخر بفكرة المصلحة الشخصية، وبعضُهم بالشهرة، وفي النهاية لم يستطيعوا الحفاظ على وفائهم وولائهم، ولا على حيوية روح التفاني غضّةً طريّةً.

والحقيقة أن عددَ من سلكوا هذا الخطّ المتعرج قليلٌ جدًّا؛ ربما واحد بالألف؛ فقد حدث أن عاش هذا القدر من الزيغ والضلال أناسٌ حتى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولكن يجب الاعتبار من هذه الوقائع أيضًا حتى يتسنى لنا أن نعيش حياة تكتنفها اليقظة والتمكين.

   فيروسات تعرِّض الحياة المعنوية للشلل

عبر الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي عن التهديدات المحتملة التي تنتظر رجال الخدمة بقوله “الهجمات الست”[2]، وركز تحت هذا العنوان على ستة فيروسات يمكن أن تتسلّط على الإنسان؛ فلفت الانتباه إلى الفيروسات التي رآها تشكّل الخطر الأكبر بحسب عصره، إلا أن المخاطر التي قد تحيق بالإنسان -ذي الفطرة المنفتحة على الشر كما على الخير- لا تقتصر على هذه، وإنما يمكن الحديث عن العديد من الفيروسات التي قد تدفعه إلى المساوئ، وتُصيب حياته المعنوية بالشلل، ومن ثم فالوظيفة والمسؤولية الملقاة على عاتق الأرواح المتفانية التي تدرك أهميةَ الأمانة وثقلَها هي الثبات والصبر في مواجهة المساوئ التي قد تُضِلّها سواء السبيل، فإن حملها للأمانة مرهونٌ بهذا، يقول الأستاذ بديع الزمان في دعائه: “اللهم اجعلنا أمناء على ما أمَّنْتَهُ عندنا إلى يوم لقائك.. آمين”.

نحن نوقن بأنه حتى الملائكة ستقدّم التحيّة للأرواح المتفانية المنفتحة بروح التضحية الحقّة على العالم بأسره، وسوف تذكرهم الأجيال القادمة بالخير؛ غير أن هناك من سيتعثرون ويتساقطون على الطريق، وهناك من سينقلبون على أعقابهم كمن عزم على زيارة الكعبة فلما بقي بينه وبينها القليل غيَّرَ وجهته أو عاد أدراجه، وسيكون حبّ الأهل والأبناء سببًا في انحراف بعضهم عن الطريق، وسيكون حبُّ الراحة والدعة سببًا عند البعض الآخر، وفئةٌ بسبب الخوف، وآخرون بسبب مشاعر الحسد والغيرة.. هناك كثيرون عزموا على تحقيق غاية مثالية، ولكنّ السفينة فاتتهم في اللحظة الأخيرة لأنهم تعثّروا في أشياء صغيرة جدًّا.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: “أَلَا إِنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ شَتَّى، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَا مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ كَافِرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَا كَافِرًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا[3]، أي إنه لا يجدر بأحد أن يأمنَ عاقبته؛ حتى إن العلماء أكدوا على العلاقة المتلازمة بين أن يأمن الإنسان عاقبته وبين الكفر؛ فكما أن اليأسَ قد يؤدي إلى الكفر فكذلك الشعور بالأمان المطلق قد يؤدي إلى الكفر أيضًا، وكما يُطْلَبُ من المؤمن ألّا ييأسَ أو يقنط من رحمة الله، عليه في الوقت نفسه ألا يفقد الخوف والخشية.. وباستقراء حياة الأولياء الصالحين يتبيّن أنهم عاشوا حياتهم بين الخوف والرجاء.

إذا أردنا أن نعيش حياة مستقيمة فعلينا أن نتنبّه إلى الكلمات التالية للأستاذ بديع الزمان: “إن الأمور الخيرية المهمة والعظيمة تعترضها موانع وعقبات مضرّة للغاية، فالشياطين يكدون أنفسهم ويجهدونها مع خدام تلك الدعوة المقدسة، لذا ينبغي الاستناد إلى الإخلاص والاطمئنان إليه في مواجهة تلك الموانع والشياطين”[4].. فلمَ يتعرض الشيطان لمن لا يعمل؟! فهو في الأساس يتحرّك وفق خطط الشيطان ومشاريعه دون أن يأخذ أمرًا بذلك، أما لو أنكم كنتم تعملون على إقامة صرح روحكم، ونفع الإنسانية، فلن يترككم شياطين الإنس والجن وما تفعلون، بل وسيبذلون قصارى جهدهم كي يُضلّوكم عن السبيل.

   ترصُّد الشيطان لخدام تلك الدعوة المقدسة

وقد رُوِيَ في الأثر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل الشيطان عن أبغض خلق الله إليه، فأجابه: “أنت”. لماذا؟! لأنه صلى الله عليه وسلم هو الإنسان الذي سيقيم صرح روح الإنسانية جمعاء؛ فصار صلى الله عليه وسلم الهدف الأكبر لشياطين الإنس والجن، وعلى الرغم من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نشأ في مركز الكرة الأرضية، وينتسب إلى عائلة قوية، إلا أنهم أجبروه على الهجرة من مكّة.. وليس هو فحسب، بل حينما ننظر إلى تاريخ الأنبياء العظام نجد أن كثيرًا من الأنبياء مثل سادتنا إبراهيم وموسى ولوط عليهم السلام قد تعرّضوا للعاقبة نفسها؛ فلم يُسمح لهم بالعيش حيث نشؤوا.. ولا يختلف عن هذا ما تعرّض له أيضًا عظماء التابعين المخلصين للأنبياء على مرّ التاريخ، ومن أقرب هذه الشخصيات إلى عصرنا هذا الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي الذي طاردوه من منفًى إلى آخر، وهو الذي قال تعبيرًا عما لقيه وتعرض له من إيذاءٍ وقسوةٍ وغلظةٍ: “لم أذق طوال عمري البالغ نيّفًا وثمانين سنةً شيئًا من لذائذ الدنيا؛ قضيت حياتي في ساحات الحرب، وزنزاناتِ الأَسر، أو سجون الوطن ومَحاكمِ البلاد؛ لم يبق صنف من الآلام والمصاعب إلا وتجرّعتُه، عوملتُ في المحاكم العسكرية العرفية معاملة المجرمين، ونُفيت وغُرِّبْتُ في أرجاء البلاد كالمشرّدين، وحُرِمْتُ من مخالطة الناس في زنزانات البلاد شهورًا عديدة، وعُرِّضْتُ للتسميم مرارًا، وعُرِّضْتُ لإهانات متنوِّعة”[5].

وحين نضع كل هذا في عين الاعتبار ندرك كيف يواجه المخاطرَ والصعابَ أولئك المنفتحون على ربوع العالم بروح التضحية والتفاني.. فإنهم حتى وإن وصلوا إلى قمة الإخلاص إلا أن الشيطان يسعى كي يُزلَّ أقدامهم أينما كانوا، ويعترض طريقهم بجميع حيله ومكائده، ولا يتركهم وشأنهم ولو للحظة واحدة، وإنما يستخدم أدواته جميعها محاولًا أن يُزِلَّ أقدامهم، كما أنه يجب ألا ننسى أنه كلما زادت منافع الشيء ومكاسبه كلما عظم خطره وغُرمه، ومن يسقط من قمة برج الإخلاص قد يتردّى -حفظنا الله- في هاوية سحيقة، ومن يعرف الله تعالى ورسوله ودينه وتديّنه قد يخسر في وقت هو أدعى للكسب إذا تخلى عن إقامة صرح روحه وبدأ يركض وراء رغباته البشرية والجسمانية.

ولهذا السبب يجب أن يثبُت المتفانون ويصمدوا، ويُوصِدوا جميع الأبواب أمام أهواء النفس ومكائد الشيطان، وألا يلطّخوا سمعة الخدمة وعفتها.. فعندما يضلُّ منْ مهد اللهُ لهم السبيل وأنعم عليهم بالإمكانات ليضطلعوا بخدمات مهمّة لتنظيف وجه العالم المشوّه؛ فإن ضلالهم هذا لا يقتصر على أنفسهم فقط، بل يعتدي أيضًا على حقوق كلِّ من يسيرون معهم في السبيل نفسه، وبالتالي فقد شوّهوا أعمال البر والإحسان التي تحقّقت بمساعي وجهود الآلاف وربما جهود الملايين من الناس، فلو أننا لا نريد أن نكون سببًا في مثل هذا الدمار الكبير يتوجّب علينا أن نتكاتف مثل أحجار القبة ونتعاضد، ونواصل المسير في الطريق الصحيح دون أن ننهزم لأي زلل أو سقوط.

***

[1] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “وَيْحَكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ –يَقُولُهُ مِرَارًا– إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَحَسِيبُهُ اللَّهُ، وَلَا يُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا“. (صحيح البخاري، الأدب، 54؛ صحيح مسلم، الزهد، 65)

[2] هو القسم السادس من المكتوب التاسع والعشرين من كتاب “المكتوبات” للأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي، ويعني الأستاذ بـ”الهجمات الست”: حبّ الجاه والشهرة، والخوف، والطمع، وفكرة العنصرية، والأنانية والغرور، وحب الراحة والدعة.

[3] سنن الترمذي، الفتن، 26.

[4] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، ص 221.

[5]  بديع الزمان سعيد النورسي: سيرة ذاتية، ص 491.

قراءة الكتب بطريقة منهجية

Herkul | | العربية

كان عددُ الكتب والمجلات التي تعكس عالمنا الفكري وتربطنا بجذورنا الروحية والمعنوية في الخمسينات والستينات من القرن المنصرم قليلًا للغاية.. فلو أن الإنسان حينذاك خصّصَ خمس أو ست ساعات فقط للقراءة خلال اليوم لاستطاع بسهولة أن يقرأ معظمَ ما يصدر في الأسواق من مؤلفات، ولكن اليوم تصدر الكثير من المؤلفات العلمية والفكرية والاقتصادية لدرجة أنه في الواقع باتت من الصعب جدًّا متابعةُ وقراءة جميع هذه المؤلفات.. ناهيك عن أنه قد كثُرت المشاغل التي تُلهي الناس وتُشتّت انتباههم، ومن ثَمّ أصبح من المفيد انتقاء الكتب التي نرغب في قراءتها، فعلينا مثلًا أن نعطي الأولوية للمؤلفات التي تتناول القضايا الخاصة بالإيمان والإسلام، والمرتبطة بجذورنا الروحية والمعنوية، وأن نواصل عملية القراءة، بدءًا من الأعمال الأكثر أهمّية بالنسبة لنا.

وربما لا ضير في قراءة المؤلفات الأخرى بعد أن ترسّخت أقدامنا في عالمنا الفكري وقيمنا الذاتية، وإلا اختل توازننا وعَشِيَت أبصارنا وسقطنا عند مواجهة التيارات الفكرية المختلفة.

   التعبئة والنفير العام من أجل القراءة

إن المعرفة والثقافة هما السبيل إلى الارتباط بقيمنا الدينية وحياتنا الاقتصادية والثقافية، وإقامةِ صرح روحنا في كل المجالات، يقول الأستاذ النورسي رحمه الله رحمة واسعة: “إن كل شيء في الإنسان موجَّه إلى العلم ومتعلقٌ بالمعرفة حسبَ الماهية والاستعدادات”[1]، ويقول في موضع آخر: “إن البشرية في أواخر أيامها على الأرض ستنساب إلى العلوم، وتنصبّ إلى الفنون، وستستمد كل قواها من العلوم والفنون فيتسلم العلم زمامَ الحكم والقوة”[2]، وعلى ذلك فهناك حاجة ماسة إلى البدء في تعبئة عامة من أجل القراءة حتى لا نتخلف عن الركب.

إن وجوبَ القراءة ليس محصورًا على المتخصصين فقط في أحد الفروع العلمية، بل إن الجميع مطالَبٌ حسب مستواه بالقراءة، ولكن علينا بداية أن نعطي الأولوية للكتب التي نحتاج إليها حاجتَنَا للهواء والماء والغذاء، فمثلًا يجب علينا حتمًا أن نتعلم علوم الدين التي تفيدنا في أداء عباداتنا بشكل صحيح، وفي معايشة ديننا على نحو سليم، كما ينبغي أن نتعرف جيّدًا على القضايا الخاصة بالأخلاق والمعاملات، وأن نزيد من معلوماتنا عن القرآن الكريم، وأن نطلع على الأحاديث النورانية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيًّا كان العمل الذي نشتغل به فإننا ملزمون بمعرفة ديننا بالقدر الذي يسمح لنا أن نحدد ما إذا كانت الأعمال التي نقوم بها موافقة لمحكمات الدين أم لا.

فلو أراد أبطال الإرشاد والتبليغ إلى جانب هذا أن يبلِّغوا الآخرين الحقائق التي يؤمنون بها بشكل صحيح، وأن يقنعوا مخاطبيهم برؤاهم العالمية وفلسفاتهم الحياتية فلا بد أن تكون لديهم معرفة كافية بالقيم التي يؤمنون بها، ودراية وثيقة بالعالم الذي يعيشون فيه، وأن يواكبوا متطلبات زمانهم، ويستجيبوا لاحتياجات عصرهم وضرورياته، وهذا لا يتأتى إلا بتعبئة جادة من أجل القراءة، فكل شيء يبدأ في دائرة ضيقة، ويظهر في صورةِ زاوية صغيرة في المركز، ثم يتسع هذا الشيء ليشمل الدائرة الكبيرة في المحيط.. فقد يبدأ العمل بخمسين شخصًا، ثم تتسع الدائرة فيما بعد شيئًا فشيئًا لِتشملَ ألف شخص…

ومن جانبٍ آخر إذا أهملنا القراءة فإن أبناءنا بلا شك سيصبحون أمثالنا، فالأسرة التي يهمل فيها الأبوان القراءة ولا يوليانها أي اهتمام خاص يصعب جدًّا على أبنائهما الاهتمام بالقراءة إلّا أن تكون هناك عناية إلهية خاصة بهم، فبدهي أننا إذا أمسكنا كتابًا بأيدينا وشرعنا في قراءته فسيقوم أبناؤنا من فورهم بتقليدنا، إذ إن تصرفات الوالدين وسلوكياتهما مثل الشفرة الجينية كثيرًا ما تنعكس على الأبناء.. فللأسف الشديد ينشأ الأبناء في عصرنا نافرين من القراءة؛ لأن الآباء والأمهات لم يهتموا بالقراءة وأصبح الأولاد مثلهم، ولذلك يجب سدّ هذا النقص، وإصلاح ذلك العطب.

ولا يقتصر الأمر على العائلة فقط، بل يجب أن نوصي كلَّ المحيطين بنا بقراءة الكتب، ونحبّبهم فيها، لا سيما الكتب التي تتحدث عن عالمنا الفكري، وترتبط بجذورنا الروحية والمعنوية، فهذا هو السبيل الأمثل للوقوف ضد المسخ والاغتراب.

   معوّقات العالم الرقمي

لقد أصبح العالم الرقمي الآن خيارًا جديدًا لقراءة الكتب، ولكنه كما نجح في ذلك، إلا أنه شكّل عائقًا أمامها أيضًا؛ ومن ثَمّ وجب علينا كمجتمع أن نفكّر مليًّا فيما يلزم لتخطّي هذه الأزمة، وأن نسعى جاهدين لتوجيه الناس إلى القراءة من جديد، وإلى التفكير والمدارسة والمذاكرة.. فرغم سهولة الوصول إلى المعلومات الآن بفضل بعض الأجهزة مثل الحاسوب والهاتف الجوال، وكذلك الإنترنت؛ فقد ازداد بالتوازي صعوبة استقرار هذه المعلومات -التي توصلنا إليها بسهولة- في الأذهان، فتذهب المعلومات بسرعة كما جاءت؛ لذا فإن القراءة من الكتاب نفسه حَرِيّة بأن تكون في المقام الأول.

فإن إمساكَ الإنسانِ بالكتاب، ووضعَه خطًّا تحت المواضع المهمّة التي يراها، وتدوينه الملاحظات على أطراف الكتاب عند اللزوم، وتسجيله آراءه حول الأفكار التي لا يوافق عليها؛ له أهمية بالغة في فهم واستيعاب المقروء بشكل أفضل؛ لأن الغرض من القراءة هو الفهم والثراء الذهني، وهذا لا يتأتى إلا بالجهد والسعي في هذا السبيل.

وهنا أريد أن أنبه مرة أخرى على الأمر التالي: إننا بفضل وسائل الاتصال الحديثة مثل التلفاز والإنترنت نشاهد ونتعلم الكثيرَ من الأشياء، ولكن بعد مدة معينة يصبح الناس -دون وعي منهم- مدمنين لهذه الوسائل، فيستغرقون في اللهو ومتابعة الأحداث اليومية، ويبتعدون عن عوالمهم الذاتية، ولذا يجب توخي الحذر عند استعمال هذه الوسائل، ولا بد من وضع بعض القيود على أنفسنا، حتى نستطيع التصدي للانحرافات الفردية والاجتماعية المحتملة، فمثل هذه الأوساط مواتية لسوء الاستعمال، وأعظم برهان على ذلك هو تلك الجروح والتخريبات التي أصابت عقول الشباب والأسر والحياة الاجتماعية في العصر الراهن.

وكما أن هناك مسؤوليات تقع على عاتق الدولة في هذا الصدد فهناك أيضًا أمور يجب على العائلات الاضطلاع بها؛ مثل توخي المزيد من الحيطة والحذر عند استعمال التلفاز والإنترنت، ومتابعة الأبناء عن قرب، ومعرفة الصفحات والمواقع التي يزورونها، وأن يجعلوا استخدامهم للإنترنت وفق معيار محدد.

   القراءة عن طريق المذاكرة والمدارسة

إن السبيل القويم للاستفادة العظمى من الكتب المقروءة هو مذاكرة ما بها من معلومات ومناقشتها، فإذا كنتم مثلًا تريدون أن تقرؤوا عن مسألة الحشر، فما عليكم إلا أن تتذاكروا معًا المؤلفات التي حررها بديع الزمان سعيد النورسي، وفخر الدين الرازي، والإمام الغزالي، وابن سينا في هذا الموضوع، وبذلك تعالجون القضية بأبعادها المختلفة، ولو أنكم مثلًا ترغبون في قراءة رسالة “الأنا والذرة” لبديع الزمان سعيد النورسي فمن الممكن عند القيام بذلك عقد مقارنة بينها وبين كتاب “رموز نفي الذات” الذي يتكلم فيه محمد إقبال عن أسرار الذات، وبفضل هذه القراءات التقابلية ستدركون تمايز الأفكار، وتستوعبون الموضوع بشكل أوسع وأعمق.

ولقد ربط سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الأمر بالتدارس والمذاكرة في حديثه الذي ذكر فيه أن الملائكة تضع أجنحتها لطلاب العلم رضا بما يفعلون وتنزل عليهم السكينة وتغشاهم الرحمة[3].

والمذاكرة تأتي من باب المفاعلة، وتعني تقييم المسألة بجميع جوانبها عن طريق تداول المعلومات ومناقشتها، فكما أن المذاكرة ليست قراءة اعتيادية، وكذلك لا تعني أن يقرأ شخص ويغفو آخرون، بل على العكس إنها تعني أن يتناقش عشرة أشخاص مثلًا في موضوع معين، ويُعمِلون أفكارهم فيه، ثم يَعرض كل واحد منهم ما توصل إليه ، حتى تتجلى بارقة الحقيقة من وراء تصادم الأفكار وتلاقحها.

وليس من الضروري اتباع أسلوب واحد في هذا الشأن؛ لأن التزام منهج واحد يدعو أحيانًا للسأم والضجر، وعندها لا تجني المذاكرة ثمرتها المرجوة، ومن ثم لا يستفاد من هذا المنهل العذب المورود كما ينبغي، المهم هو العمل على أن يستفيد الجميع من الأمر، والإحساس بالمتعة عند تعلم أي أمر جديد أو مبتكَر، وتقدير القراءة قدرها؛ وهذا بالطبع منوط بالتغيير المتكرر لصيغة الدرس المقترح، والحرص على استخدام وتطوير مناهج جديدة في العرض.

   تربية أشخاص مجهزين تجهيزًا عاليًا

لقد فهمنا -مع الأسف- فهمًا خاطئًا مقولة بديع الزمان سعيد النورسي لطلابه: “حسبكم رسائل النور”؛ فقد ذكر هذه المقولة حتى يلفت الانتباه إلى أركان الدين الأساسية، وإلى المسائل ذات الأولوية في ذلك الوقت الذي تهدّمت فيه أركان الدين، وانقلبت الأحاسيس والمشاعر القومية رأسًا على عقبٍ، إلا أننا مع الأسف أخذنا هذه العبارة على إطلاقها، ولم نُعِر العلوم الدينية الاهتمام اللازم، ولكن إذا كان لا بد إلى جانب قراءة رسائل النور من دراسة بعض العلوم الطبيعية مثل الطب والكيمياء والفيزياء والأحياء والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والجيولوجيا؛ فلا أحد يعترض على ذلك، وكذلك يجب على عالم الدين قراءةُ المؤلفات الأصولية في العلوم الإسلامية -وهي مجالات مستقل كل منها بذاته-، والتخصصُ فيها.

بل يجب على عالِم الدين -إلى جانب تحصيله علوم تخصّصه- أن يتعرف إجمالًا على القضايا المتعلقة بالعلوم الطبيعية، أو أن يأخذ طرفًا من كل علم على الأقل، حتى إذا جلس مع فيزيائي أو كيميائي تكلم معه بارتياح في هذا المجال؛ لأننا كما لا نستطيع أن نجرّد الإسلام عن العلوم الطبيعية فكذلك لن نستطيع بث همومنا لمن يعملون في هذه الساحات طالما لم تكن لدينا دراية بها..

 إن الأوامر التشريعية المستقاة من صفة كلام الحق جل وعلا توضح وتشرح الأوامر التكوينية، وكلتاهما أمران متداخلان للغاية في بعضهما البعض، فإن جردنا إحداهما عن الأخرى فلن نستطيع فهم الاثنتين فهمًا صحيحًا.. ومن ثم كما يجب على المتخصصين في العلوم الدينية أن يكون لديهم على الأقل معرفة إجمالية بالعلوم الطبيعية فكذلك ينبغي للمتخصصين في العلوم الطبيعية من اكتساب مزيد من المعرفة بالعلوم الدينية.

فلو أن الدارسين في حقل العلوم الدينية عجزوا عن وضع الحلول المنطقية للمشاكل التي تعترضنا في هذا العصر فلن يُنسب هذا العجز والهزيمة لهم فحسب، بل إلى الإسلام أيضًا، وتُعدّ الآراء والأفكار التي أنتجها علماء الدين العظام من أمثال الإمام الغزالي، وفخر الدين الرازي، والعز بن عبد السلام، وابن حجر العسقلاني، وبديع الزمان سعيد النورسي، وطنطاوي جوهري، ومحمد سعيد رمضان البوطي لِفهم الإسلام فهمًا صحيحًا؛ خطواتٍ متقدمةً في هذا الإطار، فقد استطاعوا بما حرروه من مؤلفات قيمة تفنيدَ الشبهات المثارة حول الدين، ووضعَ تفسيرات جوهرية للمشاكل التي تشغل الأذهان.

فلو أردنا أن نفهم الإسلام ونعيشه بشكل صحيح في عالمنا اليوم فيجب أن يكون لدينا على الأقل نفس القدر من الأدوات والمعلومات مثلهم، وسبيل ذلك هو العمل في إطار منظومة التعليم الحالية على إعداد أناس ماهرين في العلوم التجريبية والشرعية، وتهيئة الأوساط اللازمة للقيام بذلك، وإذا كنا نرغب في إحياء هؤلاء الذين صاروا كالقبور المتحركة من خلال حسن استغلال الإمكانات التي هيأها الحق تعالى، وأن نكون وسيلة لبعثٍ جديد؛ فيجب أن نعلم أن هذا منوط بتنشئة جيل على أعلى مستوى من الاستعداد، وأن نستغل كل فرصة مواتية لنا في هذا السبيل، وأن نوفي مكانتنا حقها.

 ***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة الثالثة والعشرون، المبحث الأول، ص 352.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة العشرون، المقام الثاني، ص 291.

[3] “مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ” (صحيح مسلم، الذكر، 38؛ سنن أبي داود، الصلاة، 347).

ثقافة الوفاق والتعايش مع الآخر

Herkul | | العربية

   سؤال: بماذا توصوننا في مسألة تطوير ثقافة الوفاق والتعايش مع الآخر في عالم اليوم الذي تزداد فيه كلّ يوم حدّةُ مشاعرِ القومية والعنصرية والتعصبِ المذهبي والطائفي؟

   الجواب: اعتقد الكثيرون أنه مع العولمة والتعددية ستزول الفروق والخطوط الحمراء التي هي في الأساس منبع الخلافات والصراعات، وسيحتضن جميعُ الناس بعضُهم بعضًا أكثر مما كانوا عليه في الماضي، وسيتلاقون معًا في شتى المجالات؛ بل كان أولئك ينتظرون أن يتلاقى أتباع الديانات المختلفة في مسجدٍ واحد تارةً، أو كنيسةٍ واحدة تارةً، أو كَنِيسٍ واحد تارةً أخرى، أو أن يتقابل أصحاب المذاهب والمشارب المختلفة مع بعضهم في تكية قادرية حينًا أو نقشبندية حينًا أو علوية حينًا آخر.

إلا أن العولمة أثارت مشاعر الهوية الكامنة في الطبائع أكثر فأكثر، وقد أدى هذا بدوره إلى ظهور ردود أفعالٍ متباينة إزاء الآخر، وكما يبدي الجسمُ ردَّ فعلٍ إزاء المادة الغريبة عند حقنه بها، فكذلك راح الناس يبدون ردَّ فعلٍ كبيرًا تجاه من يخالفونهم في مشاعرهم وأفكارهم ورؤاهم الدنيوية؛ لأن الإنسانية لم تكن على استعداد كامل لمواجهة مشاكل العولمة، والتغلب عليها.

والحال أنه كان يجب على أصحاب الرأي ورجال الفكر والمثقفين والفلاسفة تهيئةُ أذهان الناس لمواكبة ظروف العالم المتغير، والتأكيدُ على ثقافة التعايش مع الآخر، والتركيزُ على مبادئ الصلح والسلام.. كان عليهم أن يحذّروا الإنسانية من الصراعات والانشقاقات التي قد تنشأ عن اختلاف الهويات والعرقيات والديانات والمفاهيم الطائفية، وأن يطوِّروا لديهم مفهوم “تقبّلْ كل إنسانٍ في موقعه، واحترمْ كل أحد”.

ولكن لم يحدث هذا مع الأسف، وتم التعامل مع الأمر دون أدنى حرفيّة أو مهنيّة، وكأنهم قالوا: “دعونا نُبحر في هذا البحر المترامي الأطراف، ثم نفكر في كيفية مواجهتنا للأمواج المتلاطمة التي تعترض طريقنا”، ولهذا فمن الصعوبة بمكان التنبُّؤُ بنوعيّة الأخطار التي تنتظر الإنسانية في السنوات المقبلة، ومن ثم ينبغي للأرواح التي نذرت نفسها لخدمة الإنسانية أن تفكر مليًّا في هذه الأمور، وأن تطوّر من آلية وضع الحلول لديها.

فمثلًا يقول بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله رحمة واسعة: “يجب إيثار البقاء في مستوى التابع دون التطلع إلى تسلم المسؤولية التي قلما تسلم من الأخطار”[1]، فمثلُ هذا القول يمثّل معيارًا مهمًّا للحيلولة دون وقوع الخلافات، وهو يعني ترك أمر الإدارة إلى الآخرين نظرًا لما يحيق بها من أخطار.. ولا شك أن الإقدام على مثل هذا التصرف يدل على بطولة وتضحية منقطعة النظير؛ وقد يكون وصفةً علاجيةً للحيلولة دون الانقسامات المحتملة التي قد تنشأ بين أصحاب المذاهب والمشارب والأذواق المختلفة، إلا أنه من الصعب أن يكون هذا حلًّا للمشاكل العرقية.

   الدبلوماسية

إن تقديم العقل والمنطق، والتعاملَ مع الأمور بدبلوماسية حتى النهاية، بدلًا من اللجوء إلى الشدة والعنف من أجل التغلب على الاختلافات القائمة وقمع المشاكل الحادثة؛ يُعدّ من العوامل المهمة لجعل العالم أكثر ملائمة للعيش فيه، ولكن للأسف عندما خرجت القوة عن سيطرة الحق فقد استُخدِمَت في المكان الخاطئ، وتمّ اللجوء إلى القوة الغاشمة والضغط على الناس لقمع المشاكل المطلة برأسها، ولكن حتى وإن أُخمِدت تلك المشاكل مؤقتًا فستبرز مشاعر البغض والكراهية وتزداد يومًا بعد آخر، وستتوارث الأجيال القادمة هذا المرض، وتكبر وهي تتحدث عن الظلم الذي لحق بآبائها وأجدادها، وتسيطر عليها مشاعر الثأر والانتقام؛ وبذلك يكون ضررُ العنف أكبر من نفعه.

ومن ثم يجب على الدول من فورها أن تتحاشى في العلاقات اللجوءَ إلى القوة الغاشمة في سبيل حل المشاكل سواء على الصعيد المحلي أو الدولي؛ لأنه عند استخدام القوة الغاشمة تختل معظم القيم الإنسانية الأساسية، وتُرتكب العديد من المظالم والانتهاكات، فكثير من المشاكل التي تم قمعها بالقهر والسحق والضرب تزايدت وتكررت في الفترات اللاحقة؛ لأن العقدة لا تزال تبقى في الصدور، وتتكون الأمراض الداخلية، ويُجرح الشرف والكبرياء، وتتوارث الأجيال البغضَ والكراهية، وهذا يؤدي إلى أن تظل المشاكل -التي يُعتقد أنها قد حُلّت- تدور في حلقات مفرغة، ورغم اعتقادنا بأننا قد أحرزنا النجاح مؤقتًا فإن المشاكل ستتفاقم أكثر فأكثر، وتنتقل إلى الأجيال القادمة، ويصعب التغلب عليها.

أما الحلول التي تُطرَح بناءً على العقل والمنطق، وتُراعى عند وضعها المشاعرُ الإنسانية فيُكتب لها الدوام والاستمرارية، ولقد كان هذا من أعظم مظاهر الفطنة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن يخطو خطوة ينشأ عنها أي خطإ، ولقد أظهرت أفعاله وإجراءاته طوال حياته السنية كيف أن التعامل بعقلانية، والتمسكَ بالدبلوماسية، وإبرازَ مشاعر الشفقة والرحمة يفتح القلوب والصدور.

كما أظهرت التجارب التي اكتسبها الهُوَاةُ المنفتحون على العالم بأسره مدى أهمية الإخلاص والمروءة والشفقة وعدم التشوف إلى الأجر؛ في مواجهة المشاكل الحاضرة وكسب قلوب الناس؛ لأن أطوار هؤلاء قد درَأَتْ ردودَ الفعل السلبية الموجودة أو المحتملة، كما أدت هذه الخصال إلى كسب العديد من القلوب وإقامة جسور الصداقة حتى في البيئات التي لم يتم التعرف عليها بقدر الكفاية، ولم تتوفر معلومات بشأن ثقافتها، ولم يتم التحرك فيها بمهارة وحرفية.

   جسور المحبة

فإذا أردنا أن نطوِّر ثقافة التعايش مع الآخر في عالم اليوم الذي تركض فيه العولمة بأقصى سرعتها فلا بد أن نعتمد في حل مشكلاتنا على الدبلوماسية في المقام الأول، وأن نتعلم احترام المفاهيم والثقافات والقيم الأخرى؛ أو بعبارةٍ أخرى كثيرًا ما كرّرناها: لا بد أن نخصّص في صدورنا لكلِّ شخصٍ مقعدًا يتربّع عليه، وبذلك تكون الشفقة والتسامح سدًّا منيعًا ضد الأسلحة الفتاكة المرعبة، وتقوم بوظيفة الحاجز ضد الأمواج المتلاطمة العاتية، وتُبْطِل مفعولها؛ وتصبح جسورُ المحبة والسلام التي أسّسناها في ربوع العالم بدءًا من أقرب المقربين إلينا بمثابة حملاتٍ وصولاتٍ معقولة من شأنها إعاقة أية نزاعات محتملة.

وللأسف ما زال البعض يرى مَن ليس على مذهبه وطريقته أجنبيًّا وغريبًا عنه، ويحكم عليه من منطلق أحكامه المسبقة، ويذكره دائمًا بالعديد من المساوئ والسلبيات، فإذا أردنا أن ننأى بالذين نشؤوا في بيئات لغوية ودينية وعرقية وثقافية مختلفة عن الأحكام المسبقة التي قد يشكّلها البعض عنهم ويبني على أساسها قناعات ومفاهيم خاطئةً فعلينا أن نتيح الفرصة ليجتمع كلا الفريقين في ساحات مختلفة يتعرفان فيها على بعضهما عن قرب وبشكل صحيح. أجل، إن السبيل لمحو الكثير من القناعات الخاطئة هو الاختلاط والتداخل، والاجتماع على مائدة واحدة؛ وبذلك تنزاح الحواجز وتزول العوائق القائمة بين الفريقين.

قد يشعر الإنسان بحكم فطرته وطبيعته بعاطفة معينة إزاء من يشاركونه قوميتَه ومذهبه ومشربه، وقد يتبنى بشكل صادقٍ مفهومًا معيّنًا أو نمطًا فكريًّا خاصًّا أو فلسفةً حياتيّةً مختلفةً، ولكنّ هذا لا يقتضي إطلاقًا معاداة الآخرين، فمثلًا يمكنني أن أقول: “إنني كمسلمٍ أحبّ منهجي وطريقتي، ولو كان لي ألف روح لافتديتُ بها سيدَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيا ليت الآخرين أيضًا يتعرّفون على منبع هذه الحقيقة، ويُدْلُون دَلْوهم في منهل العذب المورود هذا، ويغترفون من ماء هذا الكوثر، ويروون عطشهم، ويذهبون ظمأهم”، ولكن لا يقتضي حبي هذا معاداة اليهود والنصارى أو أيٍّ من أتباع الديانات الأخرى، فما يقع على عاتقي هو التعامل بإنسانية ومروءة مع الجميع.

ولطالما قلتُ من قبل في مناسبات مختلفة: ليتنا ننشئ مساجد وكنائس وكُنُسًا تطلّ على حديقة واحدة! أو نقيم بيوت الجمع في نفس فناء المسجد! يا ليت الخارجين من معابدهم يجتمعون في تلكم الحديقة المشتركة! ويتناولون الطعام معًا! ويرتشفون الشاي معًا! وتتاح لهم فرصة التعرف على بعضهم عن قرب! ويتخلى كل شخص عن أحكامه المسبقة، ويشعر أنه يعيش في طمأنينة وسلام مع الآخر! أجل، ليتنا نوفر هذا المناخ! ويعبر كل شخص عن أفكاره بأريحية! ويبتسم لأخيه ويحتضنه! فإننا في أمسّ الحاجة إلى إظهار مروءتنا وإنسانيتنا لبعضنا البعض.

ولكن مع الأسف لم تُفض هذه الاقتراحات والمبادرات التي قمنا بها منذ سنوات طويلة إلى أي نتيجة، وهذا يعني أن الإنسانية ما زالت غير قادرة على القيام بمثل هذه الخطوة، فلم يكن الجو العام في تركيا، والرؤى العامة للناس وفلسفاتهم الحياتية مهيأةً للقيام بهذا الأمر، ولكن ينبغي ألا نتنازل عنه، وأن نتحين كل فرصة لبلوغ هذا الأفق، ونفتح أبوابنا وموائدنا وقلوبنا على الأقل لكل أصحاب المفاهيم والمشارب المختلفة، ونبحثَ لأنفسنا عن مكان على موائدهم، وكما فتحنا لهم المكان بيننا يجب أن نجد لأنفسنا مكانًا في ساحاتهم وبيئاتهم، وهذا أمرٌ تقتضيه الأخلاق الإلهية؛ لأن الله عز وجل يقول في حديثه القدسي الجليل: “إِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ (عَبْدِي) بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً[2].

إن المروءة تُقابَل بمثلها، فإذا كنا ننتظر توجُّهًا وإقبالًا فعلينا المبادرة بذلك أولًا، فما ننتظره من الآخرين هو مِثل ما ينتظرونه منا أيضًا، وهذا ما يُطلِقون عليه اليوم المشاركة الوجدانية؛ أي أن يضع الإنسانُ نفسَه مكانَ الآخر، وينظر إلى الأحداث بعينه، وبعبارة أخرى: أن نضع في حسباننا تطلّعات الآخرين ومشاعرَهم وأفكارَهم وانفعالاتهم وقيمَهم التي يقدّرونها، وأعتقد أنه بقدر حَلِّنا لهذه المشكلة على المستوى المحلي سنتمكّن مع مرور الزمن من إظهار مثل هذه الجماليات على مستوى العالم عند توسيع الدائرة أكثر فأكثر.. وربما يمثل هذا خطوة مهمّة في سبيل إنقاذ العالم من العاقبة الوخيمة التي ينجرّ إليها.. فما يقع على عاتقنا هو حسن تمثيل هذه الجماليات، والقدرة على التصدي للفتن المحتملة.

ولقد عاش مولانا جلال الدين الرومي في العهد الأخير للدولة السلجوقية، في ذلك العهد الحرِج الذي سادت فيه الفوضى وانقلب فيه كل شيء رأسًا على عقب، ومع ذلك استطاع مولانا الرومي أن يؤسس جوًّا ومناخًا من المحبة امتدّ تأثيره حتى يومنا هذا، بل وحتى أثَّر بشكل بالغ في العالم الغربي، فقد كان يقول: إن إحدى قدميه راسخة بين قيمه الذاتية، والأخرى تجول بين اثنتين وسبعين أمة.. وهذه في الحقيقة فكرة عميقة للغاية، وهي الروح والمعنى اللذان نحتاج إليهما كثيرًا اليوم، فإن شئتم أطلقوا عليها “روح المسيحية”، واربطوها بنزول المسيح عليه السلام في آخر الزمان، فإن تشكَّل مثلُ هذا المناخ من المحبة فلن يعتدي أحدٌ على الآخر، وسيأمن الجميع في وطنه وعالمه.

المهم هو الشروعُ في مثل هذا التصالح والوفاق والاحتضان، ولو كان على مستوًى محدود، ونشرُه حولنا تدريجيًّا.

***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة العشرون، ص 211.

[2] صحيح البخاري، التوحيد، 15؛ صحيح مسلم، الذكر، 1.

أربعة أنواع من البلايا يُستعاذ بالله منها

Herkul | | العربية

   سؤال: هل لكم أن تشرحوا وتوضحوا الأمور التي وردت في دعاء سيدنا الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلمٍ لَا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا[1]؟

   الجواب: يُعَدّ دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا من الأوراد الدائمة، وبإمعان النظر في هذه العبارات النبوية يتبين أنها جميعًا تحتوي على معانٍ عميقة، وقد اختزل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هنا معانيَ واسعةً في عباراتٍ وجيزةٍ كما هو الحال في كثير من بياناته التي هي من جوامع الكلم.

والواقع أنه يمكن النظر بهذه النظرة إلى كل كلمة تخرج من فيه المبارك، وربما تكون هذه الدقائق مفقودةً في بعض الأحاديث المروية بمعناها لا بلفظها، والحقيقة أن الصحابة رضوان الله عليهم أثناء روايتهم للحديث أَوْلوْا عناية كبيرة وفائقة بروايتها بالألفاظ التي صدرت من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يتوجّسون خيفةً من أن ينسبوا إليه كلمة لم يقلها، وإن المطابقة أو التشابهَ في رواية العديد من الأحاديث التي وردت بأسانيد مختلفة لتكشفُ عن مدى حساسية الصحابة واهتمامهم في هذا الموضوع، ورغم كل شيء يجب ألا نغفل إمكانية وجود بعض الفروق اللفظية في الأحاديث المروية بمعناها.

وفي الحديث الوارد هنا يستعيذ الرسول صلّى الله عليه وسلم من أربعة أشياء، تمامًا مثلما استعاذ في أحاديث أخرى من الشيطان وعذاب جهنم وشر النفس والمصائب الجسام التي يتعذر الثبات أمامها، أي إن كلَّ أمرٍ من الأمور المذكورة في الحديث آفةٌ ومصيبةٌ عظيمةٌ تتطلّب من المؤمن الاستعاذة بالله منها.

   أولًا: علم لا ينفع

وعندما ننظر إلى الآفات المذكورة في الحديث نجد أوَّلَها العلمَ غيرَ النافع، فأيُّ إنسانٍ يمكنه أن يتحصّل على مجموعة من المعلومات النظرية بالتفكر في الأنفس وفي الآفاق، وبما يجريه من دراسات وبحوث حول الكون، وبالجلوس إلى معلم، وباستماع المواعظ والنصائح… إلخ. ولكن الأمر المهم أصلًا هو تحويلُ هذه المعلومات إلى واقع عملي والعملُ على أن تُؤتي ثمارها، فإذا ما اعتبرنا المعلومات المتوفرة لدينا بذرةً فإنَّ تحوُّل تلك البذورِ إلى شجرةٍ مثمرةٍ أمرٌ مرهونٌ بالعمل، وهكذا فإن الحكمة الحقيقية أيضًا تتولد من هنا، وبالمثل فإن معرفة الإنسان للذات الإلهية أمر مرهون بإدراكه النقطة الجامعة لما هو نظري وما هو عملي، واستثمار كليهما في وقتٍ واحد.

وأرجو ألا يُفهم من كلامي هذا أن المعلومات النظرية غير مهمة؛ فبها تُعرَف ماهية التطبيق وكيفيته، فعلينا امتلاك العِلمِ أولًا، ثم يجب الوقوف على الطريقة التي يمكن أن نحوّل بها هذا العلم إلى عمل في حياتنا الشخصية والأسرية والاجتماعية على حد سواء، ونجعله مفيدة ونقدّمه لإفادة الإنسانية.

وإن فهم المقصود من العلم هنا على أنه العلم الديني تضييقٌ للمسألة، فمن يشتغلون بالعلوم التطبيقية -أي من يبذلون جهدًا من أجل فهم الأوامر التكوينية- يجب عليهم أن يركزوا على جعل العلوم التي يتحصّلون عليها علومًا مفيدةً لأنفسهم وللإنسانية جمعاء؛ لأن المعلومات التي تظل عبارة عن نظريات مجردة لن تعود بالنفع على أي أحد.

بالإضافة إلى ذلك فإن النفع المذكور في الحديث يشمل المنافع الدنيوية والأخروية على حد سواء، وعليه فإنه ينبغي ألا تظل المعلومات التي تحصلنا عليها حبيسة النظرية، فبينما نسعى لإعمار الدنيا بواسطتها من ناحية، علينا من ناحية أخرى أن نسعى إلى إحياء آخرتنا بها أيضًا، والحقيقة أنكم إن قدمتم علمكم لنفع الإنسانية، ولإقامة صرح روحكم؛ عادت عليكم ثمار ذلك في الآخرة.

والحاصل أن الأصل في العلم هو تطبيقُه وجعلُه مفيدًا نافعًا، وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من العلم إن لم يكن على هذا النحو.

   ثانيًا: قلبٌ لا يخشع

الأمر الثاني الذي استعاذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القلب الذي لا يخشع، والخشوع يعني تلوي الإنسان بين يدي الله وارتجاف قلبه عند ذكر الله وإصابته برعشة تضربه من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه، وبناءً على ما صرحت به الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (سورة فَاطِرٍ: 35/28) فإن العلم يقتضي خشية الله، ولكنه وكما أن العلم المراد هنا ليس العلم النظري المجرد، فإن العالم أيضًا ليس ذلك الإنسان الذي يحمل معلومات نظريةً فحسب، فالإنسان الذي لا يعيش بحسب متطلبات علمه ولا يعمل بعلمه لا يختلف عن الإنسان الجاهل في شيء.

المهم هو تحويل المعلومات النظرية المتوفرة إلى معرفة، أي جعلها ثقافة وجدان وخلية عرفان، وهذا أيضًا من شأنه أن يُنمي المحبة في الصدر؛ وحينها يشعر العبد بربه ويُحبه أكثر؛ لأن الإنسان يحب ما يعرفه بقدرِ معرفته له، فإن لم يكن لدى البعض حبٌّ وشوقٌ إلى الله فما ذلك إلا لأنهم لم يعرفوه ولم يخبروه بما فيه الكفاية، ولا يمكن لقلب مشغول بمعرفة الله ومحبته ألا يشعر بالخشوع بين يديه، فمثل هذا الشخص دائمًا ما يكون حذرًا ويقظًا، ويصاب بالقشعريرة حالما يسمع الاسم الجليل لله سبحانه وتعالى، وهذا أيضًا يثير الشعور بالشوق إلى لقاء الله، أي إن المرء ينتظر دائمًا اليوم الذي سيصل فيه إلى الله ويلتقيه، ولكن لأنه يعلم أنه أُرسِل إلى الدنيا كجندي وأن أمر تسريحه ليس في يده فإنه يظل ينتظر بصبرٍ ورضًا تلك اللحظة التي سيُسرَّح فيها، فمن ناحية يشتعل ويلتهب كالمواقد بالشوق إليه تعالى، ومن ناحية أخرى لا يشتكي ولا يبدي أي غمٍّ وحزنٍ، ويظلّ طوال حياته يعيش في هذا الإطار الثنائي، وهكذا فكل هذه الأمور قضايا تتعلق بالحكمة من جهة وبالخشوع من جهة أخرى، ذلك أنه يمكننا النظر إلى الخشوع على أنه إصلاح وإعمار وإحياء للقلب، بل والأكثر من ذلك، صيرورةُ اللطيفة الربانية والسر والخفي والأخفى في نشاط وحيوية.. وكل هذه آفاق يمكن الوصول إليها عبر استخدام العلوم النظرية التي تم الحصول عليها ابتداءً استخدامًا جيّدًا للغاية.

   ثالثًا: نفس لا تشبع

ويستعيذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالله ثالثًا من النفس النهمة التي لا تشبع؛ فلقد خُلقت النفس مولعة بالأكل والشرب والتجوال واللهو واللعب، فالنفس التي تأكل بنهم وشره، ومهما أعطيتَها تقول دائمًا: “هل من مزيد؟”، ولا تتخلى عن جشعها هي بلاء يُستعاذ منها، فلم يُخلَق الإنسانُ لإشباع رغبات النفس ونزواتها، وإنما للعبادة والعبودية، وفي الكون مخلوقات متعددة وكثيرة تأكل وتشرب وتنام وتستريح، وألا يمكن لكائنٍ ملكاتُه على أعلى مستوى مثل الإنسان؛ ألّا يكون له همٌّ سوى الأكل والشرب فقط.

إن الإنسان الذي جعله الله مظهرًا لأحسن تقويم ينبغي أن تكون عليه بعض المسؤوليات والتكاليف التي يتطلبها هذا الخلْق المثالي.. ويصف القرآن الكريم مَن لا يقومون بهذه المسؤوليات بقوله: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/179)؛ لأن فساد الشيء الثمين ليس كفساد الشيء العادي، وأيًّا كان مقدار النعمة التي أنتم فيها، فإنكم إن لم تقدروها حق قدرها، ستدفعون لذلك غرامةً بقدر النعم التي حظيتم بها، وإذا استُضفتم في الجناح الخاص ولم تراعوا آدابه فلن يتركوكم في الردهة فحسب، بل يطردونكم إلى الخارج.. والأمر كذلك تمامًا بالنسبة للإنسان أيضًا فإنه إذا تخلّى عن ماهيته وتفسّخ وتعفّن فلن يمكنه الثبات على سطح مستوٍ؛ بل سيسقط ويتردّى في حفرة عميقة.

   رابعًا: دعوة لا يُستجاب لها

ويستعيذ رسولنا صلى الله عليه وسلم أخيرًا من الدعاء غير المستجاب، يقول الله تعالى :﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/186)، ففي هذه الآية يخبرنا ربنا سبحانه وتعالى بأنه سيجيب الدعاء، وفي آية أخرى يحثُّ الله عباده على الدعاء فيقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (سورة غَافِرٍ: 40/60).

وثمة فائدة من التذكير هنا بأن: استجابة الله لدعوات عباده لا تعني أن يعطيهم دائمًا الأشياء التي طلبوها بعينها؛ لأن الأشياء التي يريدها العبد قد تكون ضدَّ مصلحتِه أحيانًا، لذا يستجيب الله لدعاء عبده بأن يعطيه أجمل مما يطلب، وهذا يشبه تمامًا قولَ المريض للطبيب “أعطني هذا الدواء”، فالطبيب لا يصف الدواء الذي يريده المريض إن كان لا يراه مفيدًا له، وإنما يعطيه دواءً آخر ناجعًا له.

ومن ناحية أخرى فقد ورد في حديث نبوي شريف: “إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ[2]، ولهذا السبب فإن واجب المؤمن هو أن يرفع دعاءه إلى الله تعالى بتركيز وخشوع شديدين، ويعمل على إزالة جميع العقبات التي بينه وبين الله عز وجل، ثم يتوجه بقلبه إلى الله تعالى مباشرة.. وعليه أن يفكر في المعنى الذي تشير إليه كل كلمة تخرج من فمه، وأن تخرج كلمات الدعاء من فمِه بطريقة تؤثّر على إيقاع قلبه.

لذلك يمكننا القول إن نبينا صلى الله عليه وسلم قد استعاذ بالله من الدعاء في غفلة ودون وعي وشعور، رغم أنه لم يدعُ ربه على هذا المنوال قط، ولكنه يقول ذلك كإحدى مقتضيات رسالته وإرشاداته مثلما هو الحال في الأمور الأخرى، إنه يرشد أولئك الذين تقطعت بهم السبل وسقطوا وزلّوا أمثالنا.. فواجبُنا نحن في المقابل أن نضرع إلى الله بالدعاء دائمًا دون كلل ولا ملل، مراعين تمامًا كلَّ آداب الدعاء وأركانه.

***

[1] صحيح مسلم، الذكر، 73؛ سنن أبي داود، الوتر، 32؛ سنن الترمذي، الدعوات، 68.

[2] سنن الترمذي، الدعوات، 66.

الكذب الضمني

Herkul | | العربية

   سؤال: تحدثتم في أحد دروسكم عن الكذب الضمني مثل المبالغة والتماس الأعذار والتعريض، وأكّدتم على ضرورة تجنُّب المؤمن لهذه الأمور.. فهل تتفضلون بتفصيل الموضوع قليلًا؟

   الجواب: تسجل الملائكة الكرام كلَّ كلمة تخرج من أفواهنا في سجلِّ أعمالنا، ربما لا تعرف الملائكة ما يقابل هذه الأقوال من قصد، فلا يعلمون بما يخطر على قلوبنا من نوايا وعزائم وقرارات وحسابات وخطط ما لم يأذن الله تعالى، وقد لا يعرفون أيضًا قدر ما يُستهدف منها رضا الله تعالى، وما يُقصَد به إبرازُ النفس، لكن الله جل جلاله مطّلعٌ على كل هذا، فإذا لم يكن هناك توافق تام بين الظاهر والباطن؛ كأن لا تعكس السلوكياتُ والأفعالُ الحسنةُ النوايَا والأفكارَ السيئةَ فإن الله تعالى يحاسب صاحبها على هذا، فلا فرق عنده سبحانه بين الكذب الضمني والكذب الصريح من حيث كونهما كذبًا.

فقد يقع المرء في الكذب الضمني حتى عند ذكره “اسم الجلالة”.. وعلى سبيل المثال فإن الشخص الذي يستمع إلى تلاوة القرآن أو الوعظ، ويصيح قائلًا “الله” دون أن ينفعل من داخله؛ يُعَدُّ فعلُه هذا كذبًا، وعليه أن يرجع من فوره عند إدراكه ذلك، ويعيد النظر في تصرفه، ويتوجه إلى الله عز وجل بالاستغفار.

فيجب أن ينتبه المؤمن إلى صوت وجدانه في جميع الأعمال التي يقوم بها كتلاوة القرآن والإقامة وأداء الصلاء.. ويجب ألا يسعى إلى إبراز نفسه في الأعمال التي يفعلها لله سبحانه وتعالى، وألا يربط النتائج بشخصه، وألا يحاول التعبير عن نفسه؛ وإلا عُدّ هذا كذبًا ضمنيًّا..

 كذلك فإن محاولة المرء التظاهرَ بالرقة والظُّرف واللطافة في حين أنه ليس كذلك؛ أي يتظاهر باللطافة أو يذرف الدموع في حين أن هذا لا ينبع من داخله، فإن هذه نماذج مختلفة من عدم الإخلاص، وجميعها بلا شك يندرج تحت عنوان الكذب الضمني.. ومن المعلوم أن المنافقين يتبوؤون مركز الصدارة في هذا الجانب؛ حيث إنهم يُظهِرون بأقوالهم وأفعالهم ما ليس في قلوبهم، وعلى الرغم من أنه ليس من الصواب وصف جميع من يعيشون تغايرًا بين الظاهر والباطن بالنفاق؛ إلا أنهم جميعًا يحملون شيئًا من النفاق بلا ريب.

 وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من العين التي لا تدمع استعاذتَهُ من النار والشيطان.. فإن العين التي لا تدمع ستؤول إلى الخسران.. ومن جانب آخر فإن من يبكي ويذرف الدموع رياءً وسمعةً، وليس من انفعاله الداخلي وإحساسه ومشاعره، فهو أيضًا قد يكون من الخاسرين، إن الدموع هي إكسير يُخمد لهيب جهنم في الظروف العادية، إلا أنها تفقد كل تأثيرها في اللحظة التي تُرهن فيها برأي الناس وتقديرهم، فلا يمكنها عندئذ إطفاء ولو شرارة واحدة ناهيك عن جهنم.

هل الدموع فحسب؟ في الحقيقة إن كل الأعمال التي يضطلع بها الإنسان في سبيل الله تعالى هي إكسير حياة أيضًا من أجل إحياء وإعمار حياته الأخروية أو الفوز برضا الحق تعالى، المهم أن تُؤدَّى بإخلاص وصدق، وأن تكون بعيدة عن كل أنواع الرياء، من هذه الزاوية يجب على الإنسان أن يقف على الدوام عند كل كلمة تخرج من فمه أو كل عمل يصدر من أعضائه، ويقول: “هل أستطيع يا تُرى أن أعكس بأقوالي وأفعالي هذه صوتَ وجداني؟! هل أنا يا تُرى رجل النوايا؟!”، إذا لم يشعر المرء بصدق حيال هذا الأمر، فيجب أن يتراجع خطوة إلى الوراء، ويقف حيث يجب أن يقف في الأساس.

لنفترض أنكم تخرجون أمام الجماهير وتحاولون أن تكونوا مترجمين لبعض الحقائق سواء بالوعظ أو الخطبة أو بأي وسيلة أخرى، فإن لم ينعكس ولو واحد من عشرة من صوت وجدانكم على الكلام الذي يخرج من أفواهكم، ولم تشعروا بكيانكم باختلاجة الكلمات الصادرة من قلوبكم؛ فإن هذا يعني أنكم تكذبون ضمنيًّا بأسلوبكم وأفعالكم، وإذا كنتم تقصدون إبراز أنفسكم وأنتم تذكرون اسم “الله”، فأنتم أيضًا تكذبون ضمنيًّا.. ولو أن الملائكة الكرام لا يعلمون ذلك ولا يكتبونه فإن الله يعلمه، لأنه تعالى أقرب إلينا من حبل الوريد، فإذا أردتم الانسلاخ عن هذا النوع من الأكاذيب الضمنية، فيجب عليكم تحقيق التكامل بين الظاهر والباطن، وأن تتركوا المسألة تجري وفقًا لمجراها الطبيعي.

إلى جانب ذلك قد يرغب المرء من خلال آرائه أن يُظهر نفسه بأنه مفكِّرٌ ومتعمِّق، وقد يحاول من خلال أطواره وأفعاله أن يومئ إلى أنه إنسان قلب وروح منفتح على الروحانيات واللدنّيات، ومن خلال نبرة صوته وتوكيداته يريد أن يُبرز نفسه ويعبر عنها.. بيد أن كل هذه الأفعال مجرد كذب ضمني على الله جل جلاله طالما لم تكن انعكاسًا للقلب والروح.. فالواجب على المؤمن التزام الصدق والإخلاص.

   اختلاق المعاذير للأخطاء كذب ضمني

ومن الأخطاء التي يقع فيها المرء أيضًا اختلاق المعاذير لأخطائه، فقد نرتكب كلنا بعض الأخطاء في أزمنة متفاوتة؛ لأنه على حد تعبير رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ابن آدم خطَّاءٌ، بل إن ارتكاب الخطإ كامن في طبيعة جيناته، وإلا فكيف لكم تفسير الحديث الذي يقول: “وَنُسِّيَ آدَمُ فَنُسِّيَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَخَطِئَ آدَمُ فَخَطِئَتْ ذُرِّيَّتُهُ[1]، فإذا همّ الإنسان بسيئة دون قصد ربما لا تكتب سيئةً في صحيفة سيئاته، لأن نبينا صلى الله عليه وسلم قد بيَّن أن القلم قد رُفع عن الناسي والنائم والمُكره، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ[2]، وكذلك فإن الآية الكريمة ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/286) تدعو المؤمنين إلى الاستغفار حتى عما يبدر منهم من خطإ أو نسيان، مشيرةً إلى ضرورة أن نتحلى بالحيطة والحذر في هذا الأمر.. فإذا كنا مدعوِّين إلى الاستغفار حتى من الزلات والهفوات غير المقصودة، فمن الواجب علينا الإسراع إلى التطهر بالتوبة والاستغفار من الذنوب المرتكبة عمدًا وبسابقِ قصد.

قد يخطئ الإنسان بأقواله أحيانًا وسلوكياته وأفعاله أحيانًا أخرى.. وعليه إذا ما ذكَّره أحدهم بهذا أن يستدرك خطأه، ويتوجه إلى الله تعالى بالتوبة والاستغفار، أما إذا لم يفعل ذلك وأخذ يبرِّئ ساحتَه بالمعاذير المختلَقة، والتلاعب بالكلمات، دخل هذا أيضًا في خضم الكذب الضمني، وهذا أمرٌ يقع فيه الكثيرون مع الأسف!

أجل، إن إخبار المرء وتحذيره من خطئه في وجهه يمسّ من كرامته ويثقل عليه، حتى إن الشخص قد يرتجف أحيانًا وكأنه قد صُفع أمام هذا التحذير والتذكير، لكن إذا ما كان التنبيه في محلّه، فالواجب شُكر المخاطب وتصحيح الخطإ، ومحاولة منع النفس من الامتعاض والتذمّر، يقول الأستاذ بديع الزمان مشيرًا إلى أهمية هذا السلوك: “إن نبهني أحدٌ على وجود عقرب في أي جزء من جسمي، عليّ أن أرضى عنه، لا أمتعض منه”[3].

وعلى حد قول الأستاذ بديع الزمان، إن الكذب هو صفة من صفات الكفر.. ومن ثم لا يليق أن يصدر عن فَمِ المؤمن، فكما لا يستطيع من يؤمن بالله أن يضع في فمه المسكرات أو الأطعمة المحرمة، فلا يجوز أن يصدر من فمه أي نوع من الكذب كبيره وصغيره، سره وعلانيته، لا شك في أأن الكاذب لا يمكن وصفه بالكفر لمجرد هذا الذنب، إلا أن هذا يعني أن ذلك الشخص قد بات يخطو أولى خطواته نحو الكفر، وأصبح يحمل إحدى صفاته، وإن ارتكاب الإنسان أيَّ سلوكٍ يخالف الواقع سواء قوليًّا أو فعليًّا أو حاليًّا أو حسيًّا؛ فهو كذب وخداع وخطوة يخطوها نحو الكفر، فإن من يبحر لمرة واحدة في بحر الكفر والذنوب -حفظنا الله- قد لا يقدر على العودة مرة أخرى، لذا فعلينا ألا نحوم حول هذه المياه الخطرة، وألا نخرج أبدًا عن دائرة الحلال..

وكما أن صدق الأنبياء هو أكبر شاهد على صدق نبوتهم، فإن صدق السائرين في درب الخدمة الإيمانية والقرآنية هو بالمثل أكبر ضمان لصدق دعوتهم.. فيجب على الإنسان أن يعيش ما يقول حتى يُحدِثَ التأثير في مخاطبيه.. والقرآن الكريم يعاتب من يكذِّب فعلُه قولَه، فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (سورة الصَّفِّ: 61/2-3)، وهذا في الحقيقة أحد العوامل المهمة الكامنة وراء عدم فعالية وتأثير أقوال الأئمة والناصحين في يومنا الحاضر.

ينبغي للمؤمنين أن يعبروا عن أصوات وجدانهم بأحوالهم وحركاتهم، وقيامهم وقعودهم، وإيماءاتهم وقسمات وجوههم، وأن يكونوا دائمًا ممثلين للصدق والحقيقة، فكما أن للصدق اعتبارًا كبيرًا في نظر الناس؛ فإن له مقامًا في غاية الرفعة والأهمّية عند الله عز وجل، وإن الألطاف والنعم التي يحظى بها ممثلو الصدق عظيمةٌ جدًّا لدرجة أنها تتجاوز إدراكنا.

***

[1] سنن الترمذي، تفسير القرآن، 8.

[2] سنن ابن ماجه، الطلاق، 16.

[3] بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب السادس عشر، ص 82.

ضوابط التأويل الصحيح للدين

Herkul | | العربية

إن العملَ على نقلِ نمطِ الناسِ في الحياة أثناء عصر السعادة (عصر النبوة) إلى يومنا الحاضر حرفيًّا بالضبط، ومحاولةَ تطبيقه بعينه دون أدنى تغيير أو تعديل قد لا يتناسب مع روح الدين، كما أنه ربما يُفضي إلى نزاع وخلاف أيضًا، فما يجب القيام به هو استيعاب الفلسفة الأساسية للسنة استيعابًا جيدًا، ووضعُ الحلول للمشاكل اليومية بما يتناسب مع ظروف الزمان الذي نعيشه انطلاقًا من النقاط التي سكت عنها الشرع ولم يقطع فيها بحكم، وعند النظر إلى السيرة بهذه النظرة يمكن حينئذ أن تُستنبط المبادئ والقواعد المهمة بالنسبة ليومنا الحاضر من إستراتيجية الرسول صلى الله عليه وسلم في الحرب والسلم، ومن منهجه في الإرشاد والتبليغ، ومن مفهومه للحكم والإدارة، أو من إجراءاته الخاصة بالفتوى والقضاء.

لا جرم أننا نمتلك قيمًا عالميةً، ولكن المهم هو القدرة على تفسيرها وفقًا للظروف الراهنة، قد تكون الحياة التي نرغب أن نعيشها موجودةً في الماضي وإن كانت على نحوٍ ومسارٍ مختلف، ولكنكم إن لم تميزوا بين مسار الماضي ومسار الحاضر تمييزًا جيدًا، وتجاهلتم الفروق التي بينهما؛ فيستحيل أن تحققوا الرغبات والأهداف، فعلينا ألا ننسى الحاجة الملحّة لتنوّع الصيغ والأساليب، وضرورة إعادة النظر في بعض الحلول الجاهزة التي أمامنا.

ومع هذا فليُعلَمْ جيدًا أنه ليس من السهل تفسير الأحكام الأساسية والقيم التي توارثناها وفقًا للأوضاع الحالية والظروف الراهنة، وأنه كثيرًا ما وقعت أخطاء جسيمة للغاية في هذا الشأن، ولا سيما أنه كثيرًا ما تحدث سقطات وأخطاء عند السعي إلى حل المشاكل بإبراز القناعات الذاتية، والتمسك بزمام الآراء الشخصية.. أما السبيل لتقليل هذه الأخطاء المحتملة إلى أقل قدرٍ ممكن فهو إحالة هذا الأمر إلى هيئةٍ تتولى مطالعته ومذاكرته؛ لأن بوارق الحقائق تسطع من تداول وتبادل الأفكار.

إننا وإن كنا على علم جيّد ببعض القضايا فمن غير الممكن أن نعرف عنها كلَّ شيء لا سيما في عالم اليوم الذي تعقدت فيه الحياة كثيرًا، فقد تقصر رؤانا أحيانًا؛ وبالتالي ربما لا نستطيع النظر إلى الأحداث نظرة شمولية كاملة.. وربما لا نمتلك معلومات كافيةً بشأن كل المجالات المتعلقة بالموضوع الذي نشتغل به، والأدهى من ذلك أننا قد ننساق أحيانًا وراء أنفسنا ورغباتنا وأهوائنا، وربما لا نستطيع معالجة الأحداث في إطار منطقية القرآن الكريم، ولا تقويم كل مسألة نتناولها وفقًا للمعايير السليمة التي وضعها القرآن والسنة، فما نراه مصلحةً ونفعًا ومعقولًا بالنسبة لنا قد يدخل في باب المصلحة المردودة (أي التي لا تشهد النصوص الشرعية لنوعها ولا لجنسها بالاعتبار)، وبالتالي ربما نصدر أحكامًا تتعارض مع روح الدين.

وهكذا فإن السبيل إلى الانسلاخ من كل هذه المحاذير هو الاستعانة بالوعي الجمعي، وعليه فلا يُقطَعُ في أمرٍ ما إلا انطلاقًا من مبدإ الشورى، فلو أنكم تمررون قراراتكم وآراءكم من مصفاة الشورى، وتضبطون أفكاركم الشخصية بوجهات نظر الآخرين فقد يتسنى لكم حينئذ العثور على الرأي السديد والقرار السوي الصحيح، فقد بيّنَ سلطان الكَلِمِ صلى الله عليه وسلم أنه: “مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ[1].

من جانب آخر فعندما نتناول القضايا الدينية لا بدّ لنا من الوقوف حيث وقف الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح، إلى جانب الحرص على عدم انتهاك أحكام الدين المحكمة الثابتة عند تقديم آرائنا في القضايا الصالحة للتفسير والتأويل، أو عند الإتيان بتفسيرات تتناسب مع ظروف الزمان.. فلا ينبغي أن تسوقنا إلى إساءة الأدب مع علماء السلف، ولا سيما الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، لأن هذه الأنشطةَ الذهنية والعقلية التي نبغي من ورائها إيجاد حلول للمشاكل اليومية؛ إذا انفلتت فيها الأمور من أيدينا فلا ندري إِلَامَ تصير العاقبة، فلو أنكم شرعتم في الأمر اليوم بمساءلة الصحابة ومحاكمتهم فسيأتي يوم تتطاولون فيه -لا قدّر الله- على مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم، وتنظرون إليه -حاشاه- على أنه “ساع للبريد”.. بل قد لا يقتصر الأمر على ذلك، ويمتد إلى القرآن الكريم، وليس بقليل عدد أولئك الذين ينظرون اليوم إلى القرآن على أنه نصٌّ تاريخي، ويرونه مجرد كتابٍ يخاطب أفهام الناس الذين كانوا يعيشون قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان، وبالتالي يحاولون تبديل الكثير من محكماته.

وإن السعي إلى إبراز الذات اعتمادًا على العادات والكماليات والآراء المختلفة قد يقود إلى بعض الآراء الهامشية المنافية لروح القرآن الكريم، وكذلك فإن اعتبارَ نمط الحياة الذي يفرضه العالم الحديث أمرٌ لا يمكن التخلص منه أو لا يمكن تعديله وتغييره، أو الاعتقاد باستحالة إعادة بعض الممارسات التي ابتعدت عن أصلها إلى مدارها الصحيح مرة أخرى، أو الاعتقاد بأنه يستحيل أن تُغرس في المجتمع من جديد بعض القيم المنسية المهملة؛ كلُّ ذلك قد يبدو من المبررات الأخرى لما يحدث في هذا الشأن من انحرافات وانزلاقات.

ومن الأسباب التي تكمن وراء هذه الفكرة عدمُ الإيمان كما يجب بعناية الله ورعايته، وعدمُ الثقة بقدر كافٍ بالقيم المتبناة والحقائق المسلّم بها، في حين أن قدوتنا ومثلنا الأعلى في هذا المجالِ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد أنشأ صلى الله عليه وسلم من مجتمعٍ جاهليٍّ يسود فيه كل أنواع الظلم والوحشية أمّةً تربّي العقول والقلوب، ورفعَ هؤلاء الجاهليين الغلاظ المفتقرين إلى قواعد السلوك إلى مرتبة معلمي الحضارات.

ومن الخطإ الجسيم الاعتقاد بأن المشاكل لن تُحلّ إلا بجهودنا ومساعينا أنفسنا، أو أن نعدّ الطريق إلى بعثٍ جديدٍ بعد الموت محصورًا بقوتنا وقدراتنا، وما يقع على عاتقنا هو القيام بواجبنا ومسؤوليتنا وعدم التدخل فيما يقتضيه شأن الربوبية، ثم الاعتماد فيما بعد على قوة الحقيقة، والإيمان الكامل بمزيد عناية الله تعالى ورحمته.. ومن المؤكد أن الله تعالى القوي القدير ذي العزة والجبروت سيبارك جهودَنا الضئيلة، وسيمدنا بمدده عند عجزنا وتقصيرنا؛ ومن ثم فإنه ينبغي لنا ألا نتلاعب بالحقائق بالنظر إلى عجزنا وضعفنا، وألا نبتعد عن القيم التي نتبناها بحجة مواكبة الحياة المعاصرة.. لا بد من الإيمان بقوة القرآن، والاستناد إليه، وعدم تحريف أحكامه ظانين أننا بذلك سنجد الحل للمشاكل التي تواجهنا.

ولا ننسَ أنه كما لا يُستَصْغَرُ شيءٌ من البرّ والثواب، فكذلك لا يستصغر شيء من الخطإ والذنوب.. وكما أن هناك أمورًا صغيرةً -مثلما ورد في الحديث الشريف- يمكنها أن تكون سبيلًا لخلاصِنا ونجاتِنا مثل تبسُّم الإنسان في وجه أخيه، وإماطة الأذى عن الطريق؛ فكذلك هناك أخطاء صغيرة لا نأبه بها ونستصغرها قد تُلقي بنا إلى أسفل سافلين، وعلى ذلك يجب قياس كون الشيء هينًا أو عظيمًا بالنظر إلى نتيجته، وأحيانًا ما تنتج الزاوية الصغيرة التي في المركز زاوية كبيرة على الخط المحيط، والقرار الخاطئ من الرماة حين تركوا مواقعهم على الجبل رغم تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم من فِعْلِ ذلك كلّفَ الكثير من الصحابة حياتهم، وقد تتسبّب أخطاءُ المغامرين في مشاكل كبيرة للأمة قد يصعب التغلب عليها، وبالمثل فإن الأخطاء التي قد يرتكبها من يتبوّؤون مقامًا يسمح لهم بفهم الدين وتفسيره، قد تؤدي إلى انحرافات كبيرة يصعب تلافيها في المستقبل.

ثمّ إنّ مواقف وسلوكيات الأشخاص الذين يوجِّهون المجتمع بصفة خاصة ويأخذون زمام المبادرة في مثل هذه الأمور مهمةٌ للغاية؛ لأن الخلف يكونون على إثرهم، فإن أحسنوا السيرَ قصَّ هؤلاء الخلفُ إثرهم، ولكن لو اقترف السلف بعض الأخطاء فلن تقتصر هذه الأخطاء عليهم، بل ستعمّ وتتفاقم، فمن المؤسف أنه من بين الأسباب المهمة الكامنة وراء مشاكلنا الحاضرة هو عدمُ استيفاءِ البعضِ ممن هم في الطليعة بحقوق المقام الذي يتبوؤونه، وعدم قدرتهم على التفكير فيما يتطلبه هذا المقام، ولذلك فإن انحرافاتهم الفكرية قد تؤدي إلى انهيارات كبيرة عندما تتلقّفها القاعدة الشعبية، فإذا كانت استقامة التفكير والتصرفات مهمة بالنسبة للجميع، فهي أكثر أهمية بالنسبة لمن هم في الطليعة.

***

[1] الطبراني: المعجم الأوسط، 6/365؛ المعجم الصغير، 2/175؛ القضاعي: مسند الشهاب، 2/7.

الإنسان وخلافة الأرض

Herkul | | العربية

   سؤال: لقد جعل الحق تعالى الإنسان خليفة في الأرض، فما المسؤوليات التي تقع على عاتق الإنسان بموجب هذه الخلافة؟ وكيف تستشعر  روح الإنسان هذه الحقيقة؟

   الجواب: ثمة آيةٌ كريمة تشير إلى حقيقة خلافة الله للإنسان في الأرض، يقول فيها ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/30).

وخلافة الله للإنسان في الأرض -أو لو جاز التعبير: وكالتُه له سبحانه وتعالى- تعني: أن يتصرف الإنسان في الكون باسم الله ونيابة عنه.

ويتوقّف فهمُ الإنسان لهذه الحقيقة على صلته بربه جل وعلا، وتختلف هذه الصلة اختلافًا بيّنًا من شخص إلى آخر، فيتفاوت الناس في هذا الأمر من أعلى عليين إلى أسفل سافلين، فكل شخص يستشعر ما ينبغي له، وينفتح على الحقائق السامية بقدر ما تسمح له جاهزيته المعنوية وبنيته الداخلية ومستواه التعليمي.. فمثلًا من المتعذر علينا أن نخمِّن أو نحسب قدر استشعار سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحقيقة الألوهية، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يقولون: كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف للصلاة يُسمَع له أزيز كأزيز المِرْجَل[1].. فلا أحد يدرك ماهية وكمّية العوالم التي ينفتح عليها عند اتصاله بربه جل وعلا!

وكذلك فقد كانت علاقةُ سادتِنا أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم جميعًا بالله سبحانه وتعالى قويةً وعميقةً إلى أقصى درجة؛ فمثلًا كان سيدنا أبو بكر رضي الله عنه يُسمع له صوت ونشيج أثناء الصلاة يأخذ بالألباب ويؤثر حتى في رؤوس الشرك، حتى إن الواحد منهم كان يأتي متخفيًا عن الآخر ليسمع أبا بكر رضي الله عنه وهو قائم يصلي، وكذلك كان نحيبُ سيدنا عمر رضي الله عنه يُسمع من آخر الصفوف، وهكذا فإن استشعار الإنسان بحقيقة الخلافة بروحه، وتصرفَه لما تقتضيه هذه الحقيقة منوطٌ بصلته القوية بالله سبحانه وتعالى.

وكما ذكرنا آنفًا فإن الخلافة تعني تصرف الإنسان في الكون باسم الله وبالنيابة عنه، وهذا لا يعني حتمًا القيام بالشؤون الإلهية، إن الخلافة تعطي الإنسان حقّ التدخل في الكون الذي خلقه الله وسخره له، وهو ما يشبه تشجير مساحة معينة من الأرض في إطار المقاييس والمعايير التي وضعها الحق سبحانه وتعالى، فما أعظمه من فضل أن يخص اللهُ الإنسانَ بمثل هذه الوظيفة التي لم يوكّل بها لا الملائكة ولا المخلوقات الروحانية الأخرى.. إن الإنسان كائن مادي، نشأ في حضن الطبيعة، وزوِّد بقدرات تفهم لغة الطبيعة؛ ولذا أعطِي له حق التصرف في الكون بأكمله.

فما يقع على عاتق الإنسان هو أن يقرأ كتاب الكون بتفحّصٍ وتمعُّن، وأن يجري الأبحاث والدراسات حول الكائنات الحية وغير الحية، ليزيد -من جهةٍ- معرفتَه بالله تعالى، ويقدم -من جهة أخرى- خدمات وأبحاثًا تصبّ في صالح الإنسانية، بل والمخلوقات كلها.. وحدود سلطة التصرف لدى الإنسان تتوقف على هذا؛ أي على صيانته للكون على النحو الذي خلقه الله، وقيامِه بأعمال تصب في مصلحة هذا الكون.. أما تغيير الفطرة التي وضعها الله فهذا أمر يتجاوز حدود سلطته.. ولذلك إذا تجاوزت تصرفات الإنسان حدود الفطرة، وتسببت في الضرر والفساد؛ فهذا يعني أن الإنسان قد أساء استعمال السلطة التي أوكلت إليه.. فمثلًا تقدمت العلوم تقدُّمًا ملحوظًا مثل البيولوجيا الجزيئية والهندسة الوراثية في عصرنا الحاضر، فلو أن التجارب والاختبارات والدراسات التي تُجرى في هذه الميادين تصبّ في مصلحة الإنسانية كعلاج بعض الأمراض، ووضع الحلول للمشاكل الإنسانية المستعصية، وتحقيق السكينة للمجتمع؛ فلا حرج شرعًا في القيام بها، بل وحتى إن الدين يحض ويشجع عليها.. وهذا يعني الاستفادةَ من نِعَمِ الحق سبحانه وتعالى، واستعمالَها بما يخدم هذا الكون أيضًا، بل وحتى إن بعض معجزات الأنبياء الواردة في القرآن الكريم تشير إلى هذا وتحض عليه؛ ولكن إن لم يتوقف الباحثون عند الحد المسموح لهم، فذهبوا يتدخّلون تدخّلًا خاطئًا في الهرمونات والجينات فأفسدوا الطبيعة، وأضروا بصحة الإنسان، وتسببوا في تشوه الأجسام الحية؛ وهذا يعني أنهم خرجوا عن الإطار المشروع.

ولا يغبْ عن بالنا أن خلافة الإنسان في الأرض أي إعطاءه الحق والقدرة على التدخل في الأشياء، تكشف عن طاقة كبيرة كامنة فيه، وكي يتسنى للإنسان تفعيل هذه الطاقة على أرض الواقع فعليه -من ناحيةٍ- أن يُمعن التأمل والتنقيب في الحوادث والأشياء  ومن ناحية أخرى يمضي قدمًا بأفكاره ودراساته، ولا يقف عند حدود الطبيعة، ويتجاوز المادة، ويصل إلى ربه الكبير المتعال.

إن العلوم التجريبية التي يكتسبها الإنسان بعقله وحواسه لها أهمية بالغة، ولكن حدود الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم هي أرقى من ذلك وأشمل، فما على الإنسان إلا أن يقهر المستحيلات ويصل إلى ربه القدير سبحانه وتعالى، أما إذا حصر الإنسان نفسه في دائرة المادة، وظل عاكفًا على مختبراته، ولم يتجاوز المعطيات التي حصل عليها عن طريق الملاحظة والتجربة؛ فلن يعي أنه خليفة الله؛ لأن المنُتظَر من الإنسان انطلاقًا من الطاقة الكامنة التي أودعها الله فيه هو أن يصل إلى ربه سبحانه متجاوزًا كل هذه الحدود والعقبات.

والإنسان الذي يعي أنه خليفة الله يمكنه أن يفتح المنافذ التي توصله إلى الله في كل مكان يطل منه، ويمهد السبل، وهذا هو معنى قولهم: “الطُّرُقُ الموصّلة إلى اللهِ بِعَدَدِ أنفاس المخلوقات”، وكما يقول الشاعر “رجائي زاده أكرم”:

الكون كُلُّه كتابُ الله الأعظمُ

فإذا تصفَّحْتَ أيَّ حرفٍ منه وجدتَ الله الأكرم

فمتى وعى الإنسان هذا أدرك أن النظام الرائع الذي يهيمن على هذا الكون يدل على وجود الله تعالى، فحتى وإن لم يتعرف الإنسان على الذات الأحدية ويدركها فقد زادت معرفته بالأسماء الحسنى الإلهية والصفات السبحانية.

وإن معرفة الإنسان بخصائصِ الخلافة والنيابةِ، ومرادِ هذا المقام السامي منه، وكيفيةِ أدائه لحقّه؛ يتوقف على وجود مرشد ودليل، ولا جرم أن المرشدين على مستوى الأصلية هم الأنبياء، ومن بينهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكي يتسنى للإنسان أن يتعرف بحق على الذات الأجلّ الأعلى، وأن يتفهّم المهام والوظائف المنتظَرة منه؛ فعليه التعلق بأذيال هؤلاء المرشدين، ومواصلة رحلة الحياة تحت هدايتهم ومراقبتهم.

فإذا كان الله تعالى -كما ورد في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/30)- هو الذي عهد للإنسان بوظيفة الخلافة، وأمدّه بالقدرة والجاهزية والإمكانات التي تمكّنه من أداء هذه الوظيفة، وسخر له الأرض، فهذا يعني أنه سبحانه وتعالى يعلم مقدار ما سينجز الإنسان من مهام، وما يتمخض عن هذا من نتائج.. ولكن نظرًا لأن طبيعة صفة العلم لا تقتضي وجود المعلوم فإن علم الله لا يحول دون اختيارات الإنسان بمحض إرادته؛ بمعنى أن الله تعالى يخلق النتائج غالبًا وفقًا لميول الإنسان واختياراته.. وهذه مسألة أخرى.

ما أريد قوله هنا هو: إذا كان الله تعالى هو الذي أرسل الإنسان إلى الدنيا بهذه الجاهزية العالية، وأوكل إليه هذه الوظيفة السامية، وأتاح له الإمكانات اللازمة لمباشرة هذه الوظيفة؛ فهذا يستلزم عدم الوقوع في اليأس بأي حال من الأحوال، فحتى وإن تعثرنا وسقطنا أو لم تسِر الأمور كما يحلو لنا، أو لو ظهرت بعض العقبات في طريقنا فلا ينبغي لنا أن نيأس ألبتة، وبما أن الله ساقَنا إلى هذه الرحلة الصعبة فمن المؤكد أن له مرادًا في ذلك، وبناءً عليه فلا محل إذًا لليأس مهما كان الوضع، ولكن تفكير الإنسان في هذا الأمر بشكل سليم وتحديده لموقفه على أساس صحيح يعتمد على التربية والتعليم الجادّين.. أما الإنسان الذي لم ينل قسطًا كافيًا من التعليم فلا يعلم أين وكيف يتصرف! وما الأفكار والمشاعر التي ينبغي له أن يتبنّاها!

قد يبدو لنا أحيانًا وكأننا لا نستطيع مواصلة السير في طريقنا، ولكن يجب ألا ننسى أن رحمة الله وسعت كل شيء، فلو عَلِقنا ومللنا وتعثّرْنا وانقطعت أنفاسُنا في مكان ما فلا شك أن الله سيغيثنا ويمد يد العون لنا، فلا ينبغي لنا أن نقطع رجاءنا وأملنا فيه أبدًا، يشير إلى ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾ (سورة يُوسُفَ: 12/87)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ (سورة الزُّمَرِ: 39/53).

وإذا كنا قد استودعنا الله تعالى كل ما لدينا فعلينا ألّا نقع في اليأس أبدًا، فاليأسُ كما يقول فضيلة الأستاذ النورسي رحمه الله تعالى مانعٌ لكل كمال؛ بمعنى أنه أكبر عائقٍ يحول دون رقي الإنسان.. ويعبر شاعر الإسلام محمد عاكف عن أضرار اليأس بالأبيات الشعرية التالية:

اليأس مستنقع عميق الغور، إذا وقعتَ فيه فأنت غريقُ

فعانِق الأملَ بقوة، وانظر ما ستؤول إليه حالك يا صديقُ

إن من يحيا يحيا بعزيمته وبأمله المنشودِ

واليائس يغلّل روحه وضميره بقيد حديديٍّ منضودِ

لذا فعلى المؤمن المدرك لكونه خليفة الله في الأرض ألّا يقع في اليأس أبدًا.. وحتى وإن ظل وحده وانفضّ عنه كل جنوده فعليه أن يتعلق بالأمل ويقول: “طالما كانت ذخيرتي لا حول ولا قوة إلا بالله فسأتمكن من دحر كل الجيوش بعون الله وتوفيقه”؛ لأن اليأس يعني -من جهةٍ ما- تجاهلَ الإنسانِ لقدرة الله التي لا حد لها، والتغافل عن عنايته ورعايته التي لا منتهى لها، وتقييم كل شيء بقوته وقدرته المحدودة.

من جانبٍ آخر لا بد للإنسان أن يتجنب الوقوع في العُجْبِ والكبرياء والغطرسةِ عند وصولِه إلى نعم الله وخلودِه إلى السكون والراحة، ويجب ألا يعزو النجاح والانتصارات إلى نفسه.. فاليأس في الشدة والغطرسةُ في الرخاء؛ هي سلوكياتٌ لا تليق بخليفة الله في الأرض.

 ***

[1] يعني لصدره أزيز، والأزيز هو صوت بكائه ﷺ، كأزيز المرجل، يعني: كالصوت الذي يصدر من القِدر إذا استجمعت غليانًا، وصارت تغلي، يكون لها صوت، فهذا الصوت يصدر من جوفه عليه الصلاة والسلام من البكاء، وهذا بكاءٌ في غاية الأدب دون رفعٍ للصوت.

الشوق إلى لقاء الله

Herkul | | العربية

   سؤال: كيف يجب فهمُ المقصود بالشوق إلى لقاء الله الوارد في الحديث النبوي الشريف: “مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ”[1]؟

   الجواب: هذا الحديث الشريف يفيد بلازم معناه أن وجه الموت ليس باردًا كما يبدو لنا، ولا يمكن اعتباره مجرد تردٍّ في حفرة ما، وأن الموت لا يعني العدم والفناء، بالعكس إن الموت اسم وعنوان للقاء الله وإدراك معيّته.

يتحدّث أهلُ الحقّ عن الوصال مع الله تعالى وعن إدراك معيته في هذه الدنيا أيضًا، ومن أجل نيل مثل هذه المعية وضعوا طرقًا وأساليب مختلفة وفقًا لمشاربهم وتذوّقهم، إنهم يذكرون أنّ منْ يتفانى في بذل الجهد والسعي بإتقان ويقطع كل العلائق بما سوى الله، ويولي وجهه شطر الله تعالى مباشرة يمكنه أن يرتقي إلى مقامات “الفناء في الله، والبقاء بالله، ومع الله”.. ويمكن تسمية ذلك بـ”الوصول إلى المعية”، وبوسعكم أيضًا أن تطلبوا في دعواتكم “ولاية الله”، والظفرَ بحضرته الجليلة، وليس ولاية فلان، ولا مجالسة علّان.

ومع ذلك، فإن تحقُّقَ اللقاء وفقًا لجوهره وماهيته الحقيقية، وتحقُّقَ الرغبة في المعية على نحو يوافق حقيقتها أمورٌ خاصة بالآخرة، هذه حقائق ستتجلّى تجلّيًا أسمى من أن تُرى بالعين أو تُسمَعُ بالأذن أو تخطر على قلب بشر، ولذلك فإنها لا تكون في هذا العالم؛ إذ يتحقق للمرء شرف اللقاء بالله تعالى ورؤيته بعد دخوله القبر والخروج منه، والمحاسبة، واجتياز الصراط، والوقوف على سفوح الفردوس في الجنة، والمثول بين يديه سبحانه.

   الجماليات الكامنة وراء الموت

نعم، لما كان طريق الوصال إلى الله واللقاء به يمرّ بالموت؛ فربما لا يُسَرُّ البعض من هذا، وقد يبدو وجه الموت البارد منفّرًا لهم، لكن الوصول إلى المحبوب الحقيقي أمر غالٍ وثمين، حتى وإن استلزم اجتياز أنهار من الدماء والصديد، وليس العبور من الموت والقبر والبرزخ فحسب؛ لأن هذا حظوة عظيمة للغاية، ومنْ يهابون الموت أو يكرهونه تعساء لا علم لهم بما يكمن وراءه من جماليات؛ فكراهية الموت تعني في الأساس كراهية الارتقاء إلى حضرة الله عز وجل.

كلُّ ما في الكون من جمال إنما هو ظلُّ ظلِّ… ظلِّ الذات الجليلة، وإن الرغبة في الوصول إلى الذات الجليلة هي في الواقع إحدى لوازم الإيمان.. دعونا نَرَ ماذا يقول بديع الزمان حتى عن لقاء نبينا صلى الله عليه وسلم، وليس عن لقاء الله: “لو قيل لك مثلًا: “إن “الإمام الرباني أحمد الفاروقي” قُدّس سرُّه ساكنٌ الآن في الهند، لاقتحمتَ المهالك وتركتَ الأوطان لزيارته، مع أن الإمام الرباني ما هو إلا نجمٌ واحدٌ من بين آلاف النجوم المحيطة بشمس النبوة المسمّى في الإنجيل “أحمد”، وفي التوراة “أحيد”، وفي القرآن محمدًا.. إنهم مجتمعون جميعًا بجوار الحق سبحانه، وما يفصلك عن اللحاق بهم سوى الموت والقبر، فلا بد أن تضعَ هذا نصبَ عينيك دائمًا”[2]، إن لقاء بارئنا الذي خلقنا جميعًا، وزود الكون بالعديد من مظاهر الجمال، وخلق الكون بترتيب ونظام بديع، هو أعمق من أن يقارن بهؤلاء، ولا يُتَصوّرُ خلوّ قلب المؤمن من مشاعر الشوق إلى لقاء ربه عز وجل.

والواقع، أن من يدرك المحاسن المختبئة وراء الموت لا يمكن أن يكرهه، ومع ذلك، فإن منْ يسيء تفسير الوجود، ويرى كل شيء عبارة عن هذا العالم فحسب، ولا يستطيع أن يرى ما وراء العالم المادي، ويعتقد أن الدنيا هي الهدف المقصود بعينه ويلقي بنفسه إلى حضنها تمامًا، فسيجد صعوبةً بالغة في التخلي عنها؛ لذلك يكره الموت، وكما أنه لا يدرك الجمال الذي يمكن الوصول إليه بالموت، فكذلك لا يملك العزم والنية للوصول إلى المصدر الحقيقي لما يراه ويتذوّقه من جمال في الدنيا.

إننا نفهم من الحديث السابق المتعلق بمن يكرهون لقاء الله أن الله عز وجل أيضًا يقابل كرههم لقاءه بالمثلِ فيكرَه لقاءهم، لذا فإنه لن يأخذهم إلى حضرته، ولن يُشرفهم بمعيته، ولن يكرمهم بتجلياته.. ولأننا لا نعرف معنى “الكره” المنسوب إلى الله تعالى؛ فإننا نتناول الأمر على أمن باب “المقابلة” كما في علم البلاغة ليس إلا، ونرجح أسلوبًا كهذا، ولأنهم يكرهون الجسور الموصلة إلى الله مثل الموت والمحشر والصراط، فالله أيضًا يقابل كرههم هذا بالمثل، ويردّ عليهم بالمثل من باب المقابلة.

   إن تُحِبُّوا تُحَبُّوا

ومن ناحية أخرى، فإن أهل الحقيقة يرون أن ما في قلوب الناس من محبة الله أو رغبة في لقائه تعني في الأساس انعكاسًا -لو جاز التعبير- للشعور الذي يحمله الله تجاههم فيظهر في صورة إحساس يشعرون به في أفئدتهم، فإذا كان الله لا يحبنا، فلا يمكننا أن نحبه نحن أيضًا، إن الله يشتاق إلى عباده شوقًا مقدسًا ومنزهًا عن التمثيل، وبطريقة تليق بكماله سبحانه؛ فكما قال الأستاذ بديع الزمان، كل فنان يحب فنه، وبما أن الإنسان هو أثر كامل انبثق من فرشاة قدرة الله وإرادته ومشيئته، وخُلق في أحسن تقويم، فإن هناك حبًّا خاصًّا يشعر به الله تعالى إزاء الإنسان، وحب الله عباده وشوقه إليهم أعلى بكثير مما يشعر به عباده تجاهه عز وجل.

حسنًا، فكيف يمكن للإنسان أن يقيس ويعرف مكانته عند الله؟ طبعًا بقدر شدة حبه إياه تعالى.. أي إنه يجب عليه أن ينظر إلى مدى اهتمامه بالله ومحبته إياه ومدى ما به من شوق وعشق للوصول إليه.. ما مدى صدق حبنا لله؟ كم نتحرق وننشغل بحلم لقائه؟ إلى أي مدى تنساب وتلوح هضاب الجنة في أعيننا؟ ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديثٍ له: “مَنْ اَحَبَّ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ اللهِ فَلْيَنْطُرْ كَيْفَ مَنْزِلَةُ الله عِنْدَهُ[3].

إذًا فإن الشوق إلى لقاء الله هو في الأصل أمر مرتبط بالإيمان الصحيح بالله، وبحبه، والشعور في الوجدان بمتعة الوصول إليه، وهذه أيضًا أشياء تتحقق بجهد الإنسان وسعيه، وبصورة أدق، إنها أشياء مرهونة بإرادته وتصميمه وفكره.. بالطبع يمكن أن يغرس الله -إلى جانب هذا- توجّهًا في قلب عبده، فقد يُنعم على بعض ذوي الفطر السليمة بألطاف زائدة.. إنه يهب ما يشاء إلى من يشاء، ولا يجرؤ أحد -حاشا وكلا- أن يقول: ” لمَ أعطيت هذا فلانًا!”، بيد أن واجب الإنسان هو أن يعطي إرادته حقها، ويسعى إلى إحسان الإيمان بالله، وتعميق ذلك بالأعمال الصالحة، وإيصال تلك الأعمال بشعور الإحسان إلى عمق يتجاوز كل عمق.. فإذا أعطى الإنسان إرادته حقَّها في هذا الأمر، فإن الله تعالى يخلق في داخله محبة وشوقًا إلى لقائه.

   معرفة الله

إن معرفة الله لَمِنَ العوامل المهمة في زيادة الشوق إلى لقاء الله؛ فالإنسان يحب ما يعرفه، ولا يهتم بما لا يعرفه.. ويمكننا أن نوضح الأمر بمثال على النحو التالي: إذا كان أتباع الديانات الأخرى يعرضون اليوم عن نبينا صلى الله عليه وسلم أو لا يحبونه، فذلك لأنهم لا يملكون معلومات كافية عنه عليه الصلاة والسلام، ولو أن مفخرة الإنسانية عُرِّف إليهم بشكل صحيح وعلى الوجه اللائق به، ولم يشوِّه المسلمون وجهَ الحقائق بمواقفهم وسلوكياتهم القبيحة لتكونت لدى أولئك البشر مشاعر مختلفة تجاه نبينا ولأحبوه يقينًا.. ذلك لأن الإنسان خُلق كريمًا باعتبار فطرته، وهو مخلوق منصف، يستحيل ألا يهتمّ بالجمال والكمال.. لكن ولأننا -نحن المسلمين- لم نستطع التعريف بنبيّنا تعريفًا صحيحًا فإننا لا نرى المودة والحب اللَّذَين نرغب أن يحظى بهما رسول الله.. ولو أننا استطعنا أن نبين بكل عمق ودقة مدى الفطنة التي يتمتع بها، وكيف أنه كان رمزًا للعصمة والعفّة، وكيف كرس نفسه لتبليغ الرسالة ورهن حياته بها؛ فلن يبقى إنسان على وجه البسيطة إلا وأحبه وتحرّق شوقًا إليه.

ولا ننسَ أن معرفة الله بشكلٍ صحيحٍ لا تتحقّق إلا في ظل رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم.. فيمكن للإنسان أن يصل بعقله إلى وجود خالق، ولكنَّ معرفتَه إياه بصفاته وأسمائه يعتمد على الرسالة التي قدّمها نبينا صلى الله عليه وسلم.. فلو لم يرشدنا إلى الاستقامة، ويكشف لنا الحقيقة لما تسنى لنا الحصول على المعلومات التي نمتلكها اليوم حول معرفة الله عز وجل.

وإن معرفة الذات الإلهية من هذا الجانب أيضًا تتحقّق من خلال معرفة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدخول في محيطه النوراني والانفتاح على شمولية رسالته، ومن لا يعبر من ذلك الجسر يستحيل عليه أن يعرف الله عز وجل، وحين لا يستطيع معرفته، يتعذر عليه أن يحبه، وحين يتعذر عليه أن يحبّه يستحيل عليه الوصول إلى الذوق الروحاني، وعندما لا يستطيع الوصول إليه، لا يمكنه أن يشعر بالرغبة في لقائه جل وعلا.. وعليه فإن المهمة الأساسية الواقعة على عاتق جميع المؤمنين هي تعريف الله تعالى ونبيه صلى الله عليه وسلم للإنسانية وتحبيبهما إليها مع مراعاة الأسلوب والطريقة المناسبة ومشاعر الجميع.

إن مطالعة الأوامر التكوينية من الديناميكيات المهمة من أجل الوصول إلى أفق المعرفة، وتعتبر “رسائل النور” من المصادر المهمة سُطِرت في هذا الاتجاه، وإن قراءة كتاب الوجود بشكل صحيح وتحليله تحليلًا صحيحًا والوصول إلى نتائج صحيحة يزيد من معرفتنا بالله تعالى، وكلما تعمقنا في معرفة الله أحببناه ورغبنا في وصاله ولقائه أكثر، ومن هذه الجهة، ينبغي ألا نقصّر في تحليل الأوامر التكوينية تحليلًا سليمًا، وأن نطلع على تراكيبها وتفاصيلها.

بالإضافة إلى كل هذا، فعلينا أن نداوم في دعائنا على طلب الإيمان الكامل، والإخلاص الأتم، واليقين التام، والمعرفة التامة، والعشق والشوق إلى لقاء الله، وأن نُلِحَّ كثيرًا في طلبنا هذا.. ويحكي الجنيد البغدادي أنه تمنى على الله أمنيةً ولم يحصل عليها إلا بعد ستين سنة،  ونحن بدورنا فإن لم نستطع أن نداوم على الطلب ستين عامًا فلنجرب المداومة بإخلاص تامّ لمدة ستة أشهر على الأقل، ولنرَ أي نوع من النعم سيمنحها الله تعالى لنا، وأعوذ بالله أن أرتكب بكلماتي هذه أي وقاحة أو سوء أدب مع الله جل جلاله وكأنني أختبره -حاشا وكلّا- ولكن ينبغي ألا ننسى أن أحد الأسباب المهمة وراء صحوة الرغبة في لقاء الله داخل الإنسان هو نية الإنسان وطلبه وإصراره في هذا الشأن.

***

[1] صحيح البخاري، الرقاق، 41؛ صحيح مسلم، الذكر والدعاء، 14، 15.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: المثنوي النوري، ص 235.

[3] الطبراني: المعجم الأوسط، 67/3؛ البيهقي: شعب الإيمان، 65/2.

الوفاء

Herkul | | العربية

الوفاء هو وردةُ ربوعِنا وزهرتُها، والوفاء مع الناس يعني ألا ننسى معروفهم أبدًا، فكما لا يجوز أن ينسى المرءُ ذنوبَه فكذلك لا يليق به أن ينسى المعروفَ الذي أُسدِي إليه، أما ما صنعه هو من معروفٍ فلا ينشغل به وينساه على الفور.

   الوفاء مع الله عز وجل

وهناك أيضًا الوفاء مع الله، وعلينا جميعًا أن نكون مفعمين بالوفاء لربنا سبحانه وتعالى من رأسنا حتى أخمص أقدامنا، فهو الذي خصّنا بالعديد من النعم؛ أخرجَنا إلى عالم الوجود، وبثّ فينا الحياة، ورفعَنا إلى أفق البشرية، وشرّفنا بالإيمان، وعرّفنا بالخدمة الإيمانية والقرآنية، وألهمَنَا الشعورَ والتفكيرَ في المعاني المستوحاة من هذه البيئة، والانشغالَ بها في حلّنا وترحالنا، فيجب علينا إزاء كل هذه الألطاف التي أحسن الله بها إلينا أن نتذكرها على الدوام، وأن ننحني بالذل والخضوع له سبحانه وتعالى انطلاقًا من شعور الوفاء لصاحبها.

   الوفاء مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

وبالمثل يجب أن ينتاب المؤمنَ شعورٌ غامر بالوفاء والتقدير لمفخرة الإنسانية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا ينبغي أن يغيب صلى الله عليه وسلم عن بالنا مطلقًا؛ فبفضله سمعنا ما كنا في حاجة إلى سماعه، ولولاه لما تشكّل لدينا تصورٌ صحيح عن الله تعالى، ولا علمنا شيئًا عن الحشر والنبوة، ولولاه لما نظرنا بأمل إلى المستقبل، ولا اعتبرنا الآخرة خريطةً ترشدنا إلى سواء السبيل، ولا علمنا ماهية الطريق الذي سنسير فيه، صحيحٌ أن الله هو الذي علَّمَنا كلَّ هذا، ولكن جعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سببًا ووسيلة وواسطة، وهدانا على يديه.

إنّ الله تعالى وضع في ثنايا العبادات بعضَ الأدعية المرشدة إلى السبيل الذي يمكّننا من التعبير عن مشاعر الوفاء لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمثلًا بعد ترديد الأذان نرفع أكف الضراعة إلى الله تعالى ونصلي ونسلم على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، سائلين المولى عز وجل أن يُؤْتيه الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة وأن يبعثه المقام المحمود الذي وعده، وكذلك في التشهد نصلي ونسلم على سيدنا محمد وفي كل موضع نذكر فيه اسمه صلى الله عليه وسلم، وبذلك نكون قد قمنا باستثمار مهمّ في الدنيا من أجل نيل شفاعته صلى الله عليه وسلم في الآخرة، وفي الوقت ذاته نكون قد عبّرنا عن وفائنا له صلى الله عليه وسلم.

   الوفاء مع الدِّين

وثمة جانب آخر من وفائنا له صلى الله عليه وسلم وهو رفع راية الدين الذي أتانا به واستودعنا إياه، فإن لم يكن لهذا الدين ثقلٌ في التوازن بين الأديان على وجه البسيطة؛ فهذا يعني أننا لسنا أوفياء له صلى الله عليه وسلم رغم أننا من أمته، ولو لم يتَلوَّ المؤمنون كمدًا وأسًى وانكسارًا عندما يرون الراية التي يمثّلها مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم قد صارت ترفرف تحت الرايات الأخرى؛ فهذا يعني أنهم لم يتعاملوا بشعور الوفاء معه صلى الله عليه وسلم.

وكذلك لو أن المسلم أمضى عمره دون أن يفعل شيئًا من أجل الدين، ولم يبذل جهده ومساعيه في سبيل توسيع دائرة الإرشاد؛ فهذا يعني أنه لا يحمل مشاعر الوفاء لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لحقيقة الإسلام التي بلغها صلى الله عليه وسلم لنا، أفلا يقتضي الوفاء من المؤمنين الذين يسيرون على نهج نبيهم أن يعرّفوا الآخرين به قدرَ ما يستطيعون، وهو الذي ترك الجنان كي يأخذ بِيَدِ أمّته ويدلّها على طريق الفلاح؟!

   الوفاء مع الناس

وفي الوقت ذاته فإن كل هذا سيساعد في تكوّن وتوطّن خُلُق الوفاء عندنا؛ لأن من يحمل شعور الوفاء لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم لا يغدر أبدًا بمن حوله، ومن لم تنمُ مشاعر الوفاء عنده تجاه الناس لا يُنتظر منه أن يحمل الوفاء لله عز وجل ولا لرسوله صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم: “مَنْ لمْ يشْكُر النَّاسَ لَمْ يشْكُر الله[1].

أجل، المهم هو أن نجعل الوفاء جزءًا من طبيعتنا، فالإنسان المبرمج على الوفاء يرى أن فنجانَ القهوة له خاطِرٌ يُشكَرُ عليه الشخص أربعين سنة، فلا ينسى الإحسان أبدًا، وكلما رأى صانعي المعروف -حتى ولو كان معروفُهم فنجانًا من القهوة- أظهر امتنانه وشكره لهم، ولا يقصر في مقابلة إحسانهم بالإحسان؛ لأن السلوكيات التي تغدو جزءًا من طبيعة الإنسان تأخذ طابع الديمومة، فلا يجد المرء صعوبة في الإتيان بها؛ إذ إنه لا يصطدم مع طبيعته، ولا يحيد عنها.

أجل، إن الشيء الذي يُضفي جمالًا خاصًّا إلى الخصال والسلوكيات الحميدة ويعمّق من أبعادها هو المداومة؛ بمعنى جعلها جزءًا لا يتجزأ من الطبيعة، يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ[2]، وإلا فإن الإنسان قد يقوم بأعمال جميلة وحميدة للغاية فترةً من الزمن، ولكن سرعان ما ينصرف عنها حيث إنْ لم يجعلها جزءًا من طبيعته.

واكتسابُ العادات والخصال والسلوكيات الحميدة والمداومة عليها يتوقّف على التربية والتعليم؛ أي يلزم -منذ البداية- بذلُ الجهود والمساعي واستيفاء الإرادة حقّها حتى تغدو هذه الخصال الحميدة جزءًا من طبيعة الإنسان، فإذا كان الوالدان يريدان أن يتحلى أبناؤهما بالقيم الأخلاقية الرفيعة مثل الوفاء والصدق؛ فعليهما متابعتهم عن قرب، وتوجيههم على الدوام، وإظهار القدوة الحسنة لهم بأفعالهم وتصرفاتهم؛ وعندها ستترسخ كلُّ هذه القيم في فطرتهم، فإذا كانا يتعاملان بوفاء فيما بينهما ومع أبنائهما، ولا يفرطان في أدنى إحسان أُسدِي إليهما، وَجَدّا بالفعل في مسألة إكساب الأخلاق لأبنائهما؛ فسينجحان في تنشئة أبنائهما على المستوى الذي يرتضيانه لهم.

ومن الأهمية بمكان أن يكون الوفاء موجودًا بين الأصدقاء المقربين، وبين أفراد الأسرة، وبين الذين يحملون هَمّ الدعوة معًا، وحتى يجد المرء ما يأمله من وفاء ينبغي له أولًا أن يكون وفيًّا، فلو أنكم تعاملتم بوفاء مع مَن حولكم فستلقون المعاملة نفسها منهم؛ يعني على قدر العمل يكون الجزاء، فمثلًا يجب على الزوج أن يكون وفيًّا مع زوجته وشريكة حياته، بحيث إنه لو وقعت عيناه سهوًا على امرأة لا تحل له عدّ ذلك خيانة كبيرة لزوجته واستغفر ربه عليها؛ لأن دوام السكينة والمودة في الأسرة يرتبط بحرص الزوجين على الوفاء لبعضهما.

   الوفاء مع القضية التي نذر نفسه لها

وإن الحفاظ على قوام أي حركة منتشرة في كل أنحاء العالم يرتبط بعامل الوفاء، فإذا أراد رجال الخدمة الذين يعيشون بين أصحاب الثقافات المختلفة أن يواصلوا خدماتهم دون أن يصيبهم تشوُّهٌ أو يتعرّضوا لأي ذبول وضمور وتبدّل فعليهم أن يكونوا أوفياء مع فكرة الدعوة التي ارتبطت بها أفئدتهم، وأن يكونوا أوفياء مع رفاق دربهم الذين يسلكون معهم نفس السبيل، الأهم من كل هذا هو أن يكونوا أوفياء مع مسألة الدعوة والإرشاد، ولا ينساقوا وراء الدنيا الفاتنة، ولا يقولوا: “دعونا نعتنِ بأنفسنا قليلًا”، إن فدائيي المحبة لا ينبغي أن يغيب عن بالهم: أنهم دلّالون على القرآن شهداء لله، وبِفهم الصحابة رضوان الله عليهم: لا ينبغي لهم أن يلقوا بأيديهم إلى التهلكة[3]، فإنهم إذا خلدوا إلى المال والراحة وتركوا فكرةَ الدعوة ورفاقَ دربهم وخدماتهم ولو قليلًا فقد ينزلقون ويهلكون معاذ الله!

فمن أراد أن يُعامَل بوفاء في حضرة الله فعليه في البداية أن يتحلى بالوفاء مع ربه عز وجل ومع نبيه صلى الله عليه وسلم ثم مع من حوله، فلا يجد منه أفراد أسرته ولا أصدقاؤه ولا رفاق دربه ما يدل على الخيانة وعدم الوفاء، ولا جرم أن هذا منوطٌ -كما ذكرنا آنفًا- بأن يجعل الإنسانُ الوفاء بعدًا من طبيعته، وأن يجري شعورُ الوفاء مجرى النفَس على الدوام، وأن يحرص الإنسان على الوفاء في حله وترحاله، وكما لا يمكن الحفاظ على لمّ شمل الأسرة التي لم يترسخ شعورُ الوفاء داخلها فمن المتعذر كذلك على الذين اتحدوا حول غاية واحدة أن يقوموا بخدماتهم على النحو المرجو؛ لأن شعور الصدق والوفاء إن لم يترسخ لدى هؤلاء فقد ينفصلون عنكم ويخذلونكم في أي موضع بالطريق إذا رنت أعينهم إلى أي منفعة أو مصلحة، وتسببوا في خذلانكم، ولا شك أن انفصال أي فرد عن القافلة يسعد مخالفيكم، ويُحدث نوعًا من الانكسار والخذلان فيكم.

فيجب ألا تذهب المكتسبات التي حصّلناها حتى الآن ضحيةَ عدم الوفاء، فالله هو أوفى الأوفياء، ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ (سورة التَّوْبَةِ: 9/111)، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم عظيم الوفاء؛ حتى إنه تعامل بوفاء مع المشركين وهم الذين لم يتورعوا عن كل أنواع الإساءة إليه، فسامحهم جميعًا عند فتح مكة، والصحابة الكرام رضوان الله عليهم كانوا يتعاملون بوفاءٍ منقطعِ النظير مع مفخرة الإنسانية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومع القيم التي استأمنهم عليها، بل حرصوا على الحفاظ عليها حتى وإن كلّفَهم ذلك أرواحهم، ثم جاء من بعدهم السائرون على نهج النبي صلى الله عليه وسلم، وجعلوا شعور الوفاء دأبَهم وحديثَهم في حلِّهم وترحالهم.

وعلى السائرين في طريق هؤلاء الأوفياء أن يتعاملوا بالوفاء مع الجميع، وألا يقصِّروا في وفائهم مع الأوفياء العظام الذين تعرضوا للإهانات والطرد من أمام الأبواب، ومع ذلك لم يتخلوا عن سعيهم وبذلوا كلّ جهدهم في سبيل تسليم الراية لهم.. لا ينبغي لهم أن ينسوا الذين فتحوا الطريق أمامهم، ومهدوا لهم السبل للانتشار في كل بقاع العالم، ودعموهم وساندوهم، ولم يضنّوا عليهم بأي دعم مادي أو معنوي، بل لا بد أن يُتوِّجوا بهم رؤوسهم، ولا يجعلوا أحدًا يقول عنهم كما قال الشاعر:

بينما كنت آمل الوفاء من الحبيب والخلانِ

فاضت عيناي بالدموع بسبب الهجرانِ

ويئِستُ من العثور على الدواءِ

فهل ينتهي الأمر الآن بالخذلانِ؟!

ليس ذلك فقط بل يجب أن يتحلوا بالوفاء مع عديمي الوفاء، وأن يعلّموهم ما معنى الوفاء، وحتى وإن غدروا بهم مرات ومرات فلا يقصروا -بسبب غدرهم- من مشاعر الوفاء.

فهذا هو نهجُ سيد الأنبياء وصرح الوفاءِ عليه الصلاة والسلام، فالخير كل الخير فيما نبذله من جهد وما نقطعه من مسافات في طريقه صلى الله عليه وسلم! فإن أدينا الوفاء حقه وفَّانا الله حقَّنا، وما تخلى عنا ولا ترَكَنا وشأنَنَا.

***

[1] سنن الترمذي، البر والصلة، 35؛ مسند الإمام أحمد، 12/472.

[2] صحيح البخاري، الرقاق، 18؛ صحيح مسلم، صلاة المسافرين، 218.

[3] عن أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ التُّجِيبِيِّ قَالَ: كُنَّا بِمَدِينَةِ الرُّومِ القسطنطينية، فَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا صَفًّا عَظِيمًا مِنَ الرُّومِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ مِثْلُهُمْ أَوْ أَكْثَرُ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ، فَصَاحَ النَّاسُ وَقَالُوا: سُبْحَانَ اللهِ يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ! فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ رضي الله عنه فَقَالَ: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ لَتُؤَوِّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ هَذَا التَّأْوِيلَ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ لَمَّا أَعَزَّ الله الْإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ، وَإِنَّ اللهَ قَدْ أَعَزَّ الإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا، فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا! فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/195)، فَكَانَتِ التَّهْلُكَةُ الإِقَامَةَ عَلَى الأَمْوَالِ وَإِصْلَاحَهَا، وَتَرْكَنَا الغَزْوَ”، فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوبَ شَاخِصًا يُجاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى دُفِنَ بِأَرْضِ الرُّومِ. (سنن الترمذي، التفسير، 3؛ سنن أبي داود، الجهاد، 23)

ابن الوقت

Herkul | | العربية

   سؤال: اعتمادًا على ثراء الماضي المجيد تضعُ أجيال اليوم خططًا ومشاريع للمستقبل المجهول، فما هي المسؤوليات التي يجب عليهم الانتباه إليها حتى يتمكنوا من التحرك بشكل يتناسب مع ظروف عصرهم؛ أي يصبحوا “أبناء الوقت”؟

   الجواب: “ابن الوقت”، هو مصطلح يطلقه الصوفية خاصة على أولئك الذين استوعبوا زمانهم جيّدًا، واستطاعوا قراءةَ الأوامر التكوينية بحق، وسبروا أغوار الأشياء والحوادث، فضلًا عن وقوفهم وفهمهم الجيد للقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.. وبتعبير آخر: ابن الوقت هو من ينظر إلى الأشياء والحوادث نظرة شمولية، ويدرك جيدًا أبعاد العلاقة فيما بين الثلاثي: “الإنسان والكون والله تعالى”.

وإن من لا يُتقِنُ فهمَ الأوامر التكوينية جيدًا إلى جانب الأوامر التشريعية، ولا يدري شيئًا عن الأحداث والتطورات الواقعة في زمانه، لا يتأتى له فهمُ القرآن الكريم وتفسيرُه وفقًا لظروف عصره، بينما الشخص الذي يفهم عصره، ويدرك جيّدًا أحداث زمانه يمكنه أن يكشف عن تفسيرات تناسب زمانه الذي يعيش فيه، مستفيدًا من النهايات المفتوحة التي سكت عنها القرآن الكريم؛ أي الجوانب الصالحة للاجتهاد والاستنباط، وهذا في الحقيقة من الواجبات المهمة الملقاة على عاتق “أبناء الوقت”.

وإذا أردنا مزيدًا من التوضيح نقول: إن المعنى الأول الذي يمكن فهمه من مصطلح “ابن الوقت”، هو وقوف المرء على علوم عصره وتقنياته؛ بأن يحصل على خبرات عصره في العلوم التجريبية مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء والفلك والرياضيات، ويتوصل إلى ما يتوافق بينها وبين الكلام الإلهي، ويبحرَ -خاصة- في تفسير الآيات الدالة على الحقائق العلمية من خلال الإمكانات التي تتيحها العلوم الحديثة.

أما المعنى الثاني الذي يُفهم من “ابن الوقت”، فهو اطلاعُ المرء على ثقافة عصره وحضارته، وقراءتُه الحوادث الاجتماعية قراءة صحيحة، وتعرفُه على الأيديولوجيات والتيارات المختلفة، وإلمامُه بما يشيع حوله من مفاهيم وأفكار.

فيجب على المسلمين اليوم أن يعملوا على اكتساب خبرات العصر، سواء في العلوم التجريبية أو العلوم الاجتماعية، إلى أن يتبوّؤوا المكانة التي يجب عليهم إحرازها.. وإلا تسلّط عليهم الآخرون، وقيَّدوا أرجلَهم بالسلاسل وأعناقهم بالأغلال، فيُجبَرون على العيش تحت وصايتهم.. فلِزامًا علينا أن نستثمر علوم وتكنولوجيا العصر على أفضل وجه بما يخدم غايتنا المثالية.. وهذا بالطبع ليس هدفًا يتحقّق فجأة من تلقاء نفسه، لكن إذا قرأنا عالم اليوم جيدًا، وتوصلنا إلى النتائج الصحيحة، وقمنا من فورنا بتنشئة الخبراء في مختلف المجالات، وإنشاء المعامل والمختبرات، فستصل المسألة إلى بُعدٍ مختلف تمامًا بعد خمسين عامًا.

   عمليات العنف والإرهاب

ولا يمكن لمن يعجز عن قراءة عصره قراءة صحيحة أن يحل مشاكل العصر، بل على العكس، فإن كل محاولة يقوم بها في سبيل الحل ستتسبب في اضطرابات ومشكلات جديدة، بل وربما تُلحِق به ضررًا بالغًا رغم اعتقاده بأنه يخدم الإسلام بفعله هذا.

ومن الضروري أن يكافح الإنسان ويجاهد من أجل دينه ووطنه وبلده ونسله ومستقبله، وإذا تطلَّبَ الأمرُ فإنه يواجه الأعداء من أجل حماية هذه القيم المقدسة والذود عنها، ولا يتردد في التضحية بماله وحياته في هذا السبيل.. ولكنكم الآن في زمن تُصنع فيه الأسلحة القوية المدمرة، فإذا استفززتم الآخرين أو تجاوزْتم الحدود بدعوى السعي لتحقيق العدالة أو لأسباب تافهة واهية، فسوف توقِّعون صحيفةَ إعدامكم بأيديكم.

وإن الذين يمارسون اليوم أعمال العنف والإرهاب، ويحصدون أرواح الأبرياء بالعمليات الانتحارية دون أن يأبهوا بأهليهم وذراريهم، ويعتدون على معابد أصحاب الديانات الأخرى، وينتهكون حرمة مقدساتهم؛ لا يمتّون بصلةٍ إلى القيم الأساسية للإسلام لا من قريب ولا من بعيد.. فكما أن هذه الأعمال تتنافى جذريًّا مع روح الإسلام، كذلك فإنها تقوّض القيم الديمقراطية والمبادئ الإنسانية التي تتصدر الساحة اليوم.. فإذا كان أحد أسباب هذه الاضطرابات عدم فهم الإسلام فهمًا سليمًا؛ فإن السبب الآخر يكمن في العجز عن النظر بشكل شمولي إلى التطورات الجارية في العالم.

أجل، لا مكان للعمليات الإرهابية والعنف لا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية المطهرة، وإن من يتورطون في مثل هذه المخالفات والمناقضات يعيشون بمنأى عن الإسلام حتى ولو أتموا تعليمهم الديني أو زعموا أنهم يتبنّوْن قضية ما.. فهذا مخالف للنهج والدرب الذي سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من سادتنا الخلفاء الراشدين الممثلين المخلصين له.. فحتى في الفترات التي شاع فيها الظلم والقمع من بعض الشخصيات أمثال يزيد والحجاج والسفاح؛ إلا أيَّ أحدٍ لم يكن يقرّ بأعمال العنف التي لا تعترف بقاعدة أو قانون ولا تميز بين النساء والصغار والشيوخ.

وبالمثل أيضًا، فهل ذُكر أن أُحرقت أي كنيسة خلال ستة قرون من التاريخ العثماني؟ وهل دُمِّرت المعابد؟ وهل هوجمت القيم التي يقدسها أتباع الديانات الأخرى؟ تذكر الروايات أن السلطان محمدًا الفاتح قد اشترى كنيسة آيا صوفيا من ماله الخاص وحوّلها فيما بعد إلى مسجد، رغم أنه كان يمتلك القوة والسلطة الكبيرة لاغتصابها رغم أنوفهم.. وفي العهود اللاحقة تم تحويل بعض الكنائس التي لم يكن يؤدى بها صلوات إلى مساجد.. لكننا لا نعرف كنيسة تم إحراقها أو تدميرها.. وإن بقاء العديد من الكنائس قائمةً بطقوسها وأجراسها حتى يومنا هذا لهو خيرُ دليل على ذلك.

   احترام مقدسات الآخرين

وإن ما وقع بين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه والأساقفة عند فتح بيت المقدس ليُغني اللبيب في هذا المجال:

لما فتح المسلمون “القدس” وطلبوا من الأساقفة مفاتيح المسجد الأقصى، أبَوا أن يسلموها إلا إلى خليفة المسلمين.. فخرج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مع خادمه من المدينة على دابة واحدة -خشية الإسراف- يتناوبانها.. فلما اقتربا من المسجد الأقصى جاء دور الخادم في الركوب.. وكانت ملابس سيدنا عمر مرقَّعة وغير مهندمة من أثر السفر الطويل.. فلما رآه الأساقفة، قالوا: “هذا الذي نجد صفاته في كتبنا”، وسلّموه المفاتيح، ولما حانت الصلاة قال للبطريرك: أريد الصلاة، فقال له: “صلّ في موضعك”، فامتنع قائلًا: “لو صليتُ داخل الكنيسة لاتخذها المسلمون بعدي مسجدًا ولقالوا هنا صلى عمر، فتُحرمون من التعبّد في كنيستكم”، رافضًا عرض البطريرك وراح يصلي في موضع خارجها.

أيُّ فَهمٍ هذا؟! هل يمكن القول: إن البشرية استطاعت -على الأقل- أن تُحافظ على مثل هذا الأفق رغم مرور ألف وأربعمائة عام على هذه الحادثة؟

 إن هؤلاء هم الذين فهموا الإسلام حقًّا، وقرؤوا العالم والمجتمعات والتغيرات المجتمعية قراءة سليمة.. وبفضل هذا استطاعوا أن يُحققوا للإنسانية فترةَ سلام حقيقية.

أجل، إن من يلجأ إلى الإرهاب وأعمال العنف لأي مبرر كان، هو على خطإ عظيم.. فالأعمالُ الإرهابية والإجرامية لا يمكن أن تبررَها ادعاءاتُ التنظيمات الإرهابية الراديكالية بالنضالِ من أجل الحرية، ولا أفكارهم باسترداد الحقوق المسلوبة، ولا نواياهم بمعاقبة المجرمين والظالمين على ظلمهم.. فالنضالُ الذي يُشَنُّ بطريق غير شرعي من أجل الحرية، يعني تعدّيًا على الحرية ودحرًا لها.. ولا شك أن الممارسات الوقحة والدنيئة التي تقع باسم إقامة العدل تُعَدُّ تعدّيًا على العدل.. ولا ينبغي أن ننسى أن مثل هذه الأفعال المخالفة للإسلام والقيم الإنسانية والعالمية سوف تستغلها بعض البؤر التي تنضح بالكراهية والعداء.. هذا هو ما يريدونه؛ فالأعمال المتطرفة غير المتزنة تسهِّل عملهم، وتمهد السبيل أمامهم للتدخل والاحتلال.

   دوامة العنف والوحشية

من ناحية أخرى، لا ينبغي التغافل عن أن الأعمال القائمة على العنف مثل الهدم والحرق وقتل الأبرياء والإخلال بنظام المجتمع؛ سوف تورّث أجيال المستقبل مشاعر الكراهية والنفور والانتقام.. وإن واجب مسلمي اليوم لا يكمن فقط في نزع فتيل مزيد من النزاعات الجديدة، بل يكمن في دفن الشحناء والبغضاء والأحقاد الموجودة في باطن الأرض، ووضع الصخور الضخمة عليها حتى لا تعود مرة أخرى، فليست هناك طريقة أخرى غير هذه للمّ شمل الإنسانية حول مشاعر الحب، وخلق جوٍّ من السلام العام.

إن الذين يبحثون عن حلول لمشكلاتهم عبر اللجوء إلى التطرف والعنف؛ كما لم يستطيعوا -مع الأسف- فهمَ حقيقة الإسلام فهمًا صحيحًا، كذلك لم يتمكنوا من قراءة عصرهم قراءة صحيحة، فهم إنما يعطون بأعمالهم الشنيعة والدنيئة هذه صورةً سيئةً للغاية عن الإسلام، وهذا يؤدي بدوره إلى زيادة مشاعر العداء للإسلام، وتعميق الفكرة السلبية عن المسلمين، وتقوية التصورات والمفاهيم الخاطئة عن العالم الإسلامي.. فالوحشية لا تولِّد إلا وحشية، والعنف لا يولِّد إلا عنفًا.

ويجب أن نعلم جيدًا أن كل عمل يتنافى مع عقلانية القرآن وفقه السيرة سينقلب بالسلب علينا، فإذا أردنا أن نكون “أبناء الوقت” و”أبناء الزمان”، فعلينا بالاتّزان والتحلّي بالصبر الجميل، وأن نتصرّف بحلمٍ وأناة.. وبغضّ النظر عن المشكلات التي تنشأ حديثًا عن المواقف غير المتّزنة؛ فلا ننسَ أن إصلاح وترميمَ الخروق والشقوق التي تسبب فيها بعض المجرمين المحسوبين علينا؛ واجبٌ يقع على كاهلنا جميعًا، وعلينا أن نوضح أينما ذهبْنا ولكل شخص نلتقي به أن الإسلام ليس دين عنف ولا هو بالذي يعطي أي قيمة أو قدرٍ للإرهاب.

هل نحن مخلصون للأمانة أوفياء لها؟

Herkul | | العربية

   سؤال: ذكرتم فيما مضى: “أن الحق الأول شيء، والحق المكتسب بالتمثيل شيء آخر، فالحق إن لم يُمَثّل حسب مقاييس قيَمه الذاتية يمكن أن يُسْتَرَدَّ، ويُسَلَّم إلى من يكونون نسبيًّا أسبق وأفضل في استحقاقهم لهذا الحق، إلى أن ينشأ الممثّلون الحقيقيّون”، فما الرسائل التي تنطوي عليها هذه العبارة؟

   الجواب: الأصلُ أن الحقوق كلها لله تعالى؛ فمن أسمائه “الحق”، وليس للإنسان أية حقوق ذاتية، وتجلّيًا من تجليات عظمته سبحانه وتعالى استودع بعضَ الحقوق الناسَ، وزودهم بأنواع مختلفة من النعم؛ إذ يأتي الإنسان إلى الدنيا وهو يمتلك مجموعة من الحقوق والامتيازات دون أي جهد أو تعب منه.. وهذه يمكن تسميتها بـــ”الحقوق الموهوبة”؛ لأن الإنسان لا يكتسبها باستخدام إرادته، ويمكن النظر من هذا المنظور إلى العديد من الحقوق والامتيازات؛ بدءًا من خلق الإنسان بشرًا إلى ولادته في بلدة مسلمة، ومن تزوده بمهارات وقدرات عالية إلى نشأته في بيئة مناسبة..

وعلى الإنسان أن يسعى إلى أن يكون أهلًا لهذه الحقوق التي منحها الله تعالى له على سبيل اللطف الجبري، وذلك بأن يستوفي إرادته حقها ويعمل على تنمية مواهبه وقدراته حتى النهاية، ومما لا شك فيه أن كل نبي من الأنبياء عليهم السلام بمنزلة مرشدٍ وهادٍ لنا في هذا الصدد.

وللتعبير عن هذه الحقيقة فكما يمكن القول إن الله تعالى منح عباده هذه الحقوق دون مقابل، كذلك أنعم عليهم بها بناءً على علمه الأزلي بالنشاط والجهد الذي سيحقّقونه طوال حياتهم، فمثلًا إنه لنعمة عظمى وفضيلة كبرى أن يتشرّف أي إنسان بالنبوة، فهو سبحانه يشرّف بهذه النعمة من شاء من عباده، وقد يمكن القول أيضًا: إن الله جل جلاله كرَّم بعض عبيده بمثل هذه الرتبة العالية؛ لعلمه الأزليّ بما سيبذلونه من جهد وسعي طوال حياتهم بدءًا من طفولتهم.

ومن ينظر إلى حياة مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم يوقن تمامًا أنه صلى الله عليه وسلم كان أهلًا للنِّعَم التي يمتلكها، مثل نعمة العفة والعصمة والفطنة، فضلًا عن النبوة! فلقد استطاع صلوات ربي وسلامه عليه من خلال استخدام إرادته إلى أقصى حد، أن يستفيد بشكل مثمِرٍ ونافع للغاية من الحقوق الأولى التي مُنِحت له، وظل طوال حياته السنية يتخذ القرارات الصائبة، ويختار الاختيارات الصحيحة المناسبة بحيث لا يمكن لأيِّ عقل سليم أن يعارضها أو يعترض عليها؛ فرغم أنه بشر يتكون من لحم ودم فإنه أنجز أشياء تتجاوز أعمال الملائكة.

   إعطاء المرء موقعه حقّه

الإنسان الذي يعيش متفحصًا الحياة يرى أن ما أنعم الله تعالى عليه من حقوقٍ ونِعَمٍ منذ ولادته تستمر أيضًا في المراحل اللاحقة من حياته، فمثلًا كم شخصًا منا ارتبط بالخدمة الإيمانية والقرآنية فكرًا وتدبّرًا واستيعابًا لفلسفة الأمر؟! لقد وجد معظمنا نفسه فجأة في خضم الأمر، حدث ذلك كما لو أننا كنا نسير في الشارع مع خمسين شخصًا، وإذا ببابٍ يُفتح فيؤخذ منا ثلاثة أو خمسة إلى الداخل.. وعليه فإنه من الصعب للغاية أن يقول الإنسان في هذا الصدد: “فكرتُ وخططتُ ونفذتُ”.. لقد مرّ أذكياء كثيرون من نفس الجادة، لكنهم لم يفكروا في أن يدلفوا إلى الداخل من ذلك الباب الموارب، حتى إن بعضهم مرّ من جانب الباب، ولم يره ولم يسمع الصوت الذي يناديه.

وهكذا فإن القضية الرئيسة تتمثل في النظر إلى هذه الحقوق والنعم الموهوبة كلها على أنها أمانة مهمّة جدًّا والسعيِ إلى إعطائها حقها والوفاء بها.. فلا ينبغي للإنسان أن ينزلق إلى كفر النعمة بتجاهل النعم التي يمتلكها، ولا أن يتردّى في الغرور والكِبر تفاخرًا وتباهيًا بها، يجب عليه بالدرجة الأولى أن يعزوَ كل هذه النعم والأفضال إلى مالكها الحقيقي، أي إلى الله تعالى، ثم يسعى لأن يكون مستحقًّا لها وجديرًا بها.

أجل، يجب علينا أن نعي ونفهم نِعَمَ الله وألطافه بالدرجة الأولى، وألا نهوي في الغرور والكبر بنسبتها إلى أنفسنا، ثم يجب علينا أن نوفِّي حق الموقع والمكانة والمرتبة التي وضعنا الله تعالى فيها، يجب علينا أن نضبط جميع مواقفنا وسلوكياتنا وفقًا للمكانة التي نحن فيها، وإن اطّلَعْنا على شيءٍ من الحقائق السامية؛ فيجب علينا أن نعتبرها نعمة مهمة جدًّا، ونهرول لتعريف جميع القلوب المحتاجة بها؛ لأن العلاج الوحيد لعدم الوقوع في دوامة الأنا هو ربطُ القلب بغاية مثالية رفيعة، وإذا كنا لا نريد الغرق أو الاختناق، فيجب علينا أن نتشبّث بمقبض قوي أو بحبل متين.

يجب علينا أن نحاول الاستفادة من جميع الحقوق والنعم والعطايا التي وهبها الله تعالى لنا على سبيل الأمانة ونعمل على رعايتها وتنميتها تمامًا مثل البذرة التي تُلقى في باطن أرض خصبة.. يجب علينا أن نقول باستمرار: “ترى ما الذي يجب عليَّ فعله حتى تُخرِج الحبة الواحدة التي بيدي سنبلتين، ويخرج من السنبلتين خمسون حبة من القمح؟”، يجب علينا أن نبحث عن طرق كي تُنْبِتَ الحبّةُ الواحدة سبعَ سنابل وفي كل سنبلة مائة حبة كما عبر القرآن الكريم[1]، وينبغي لنا أن نسعى بكل استطاعتنا إلى الاستفادة العظمى من كل المواهب والقدرات التي نمتلكها؛ بالنظر إليها بهذا المنطق وتلك الفلسفة.

إن السبيل إلى الوفاء بحقِّ الموقعِ أو الوقوف حيث ينبغي؛ يتمثل في القدرة على النظر إلى المسألة من خلال المنطق التالي: يجب على الإنسان أن يفحص بشكل متكرّرٍ المسافةَ ما بين المكان الذي يتواجد فيه والمكان الذي يجب أن يتواجد فيه، وعليه أن يتساءل دائمًا: “بما أن الله منحني تلك النعم وأعطاني فرصة العيش في مثل هذا المناخ الجميل، فما هي الأشياء التي يريدها مني؟”، وأن يؤدي شكر النعم التي يمتلكها.

إن العطية والمنحة والهبة الأولى نعمة وفضل من الله تعالى، لا دخل لنا فيها، لقد وضعنا الله عز وجل في موقف ومقام معين، غير أنه يجب علينا أن نحقق عبوديتنا لربنا سبحانه وتعالى بما سنبذله لاحقًا من نشاط وجهد وجدية، حتى الملائكة ليقولون: “ربَّاه! ما أعظمها من حكمة كانت في إدخالك هذا الشخص من ذلك الباب المفتوح!”.

إن سادتنا الصحابة الكرام رضوان الله عليهم يمثلون نماذج مهمة جدًّا بالنسبة لنا في هذا الصدد، لقد خلقهم الله في نفس العصر الذي عاش فيه نبينا صلى الله عليه وسلم، ومهّد لهم السبيل ليكونوا صحابته، فوفّوا بحق ذلك، ولقد بلغ أولئك الأشخاص الذين كانوا يئدون بناتهم في ظلمات الجاهلية، ويعبدون الأصنام التي صنعوها بأيديهم، ويتخبطون في غياهب أنواع شتى من الوحشية، ولا يعترفون بحقوق النساء؛ بلغوا مستوى ومنزلة مكنتهم من أن يحكموا العالم كمعجزة من معجزات القرآن ويثقفوا عقل البشرية ويصقلوه، أي إنهم أعطوا المكانة والمرتبة التي منحهم الله تعالى إياها حقها، وخلال وقت قصير أعطوا الإنسانية درسًا في الحضارة، وملؤوا البسيطة علمًا وعدلًا وإنصافًا ورحمةً.

   سمات حملة الدعوة

إن لم تُستغَلّ الألطاف التي منحها الله للناس كحق أولي كما ينبغي فإن الله تعالى يسلبها ممن ليسوا أهلًا لها، ويُسلّمها إلى من هم أكثر أهلية لها؛ إذ يقول الله عز وجل في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة الْمَائِدَةِ: 5/54).

وهنا يصرح الله تعالى بأنه سيأتي بطائفة أخرى تحل محل من ارتدوا عن دينه، أو من لم يقوموا بواجباتهم على النحو الأمثل، وتاريخ الإسلام مليء بأمثلة من هؤلاء، فمثلًا عندما بدأ الأمويون في الاضطهاد والوحشية وسفك الدماء استبدلهم الله بالعباسيين، وعندما بدأ العباسيون يضطربون ويضعفون استقر الأمر للسلاجقة، فوقعت على عاتقهم مقاومة الحملات الصليبية والمغولية، وعندما صاروا هم أيضًا عاجزين عن أداء هذه المهمة العظيمة استبدلهم الله هذه المرة بالعثمانيين..

أي إنه حين تعجز طائفة عن بلوغ المستوى الذي يريده الله جل وعلا، ولا تستطيع أداء حقِّ مكانتها، وتبدأ في التراجع بحيث لا تقف حيث يجب فإن الله تعالى يسلب منهم هذا الأمر، ويكله إلى غيرهم، فيجعلهم يمثلون دعوته.

حسنًا، ماذا يجب أن تكون صفات مَنْ يتمسكون بدين الله وينشرونه في أرجاء العالم؟

أولًا: أن يحبّهم الله ويحبونه، والحقيقة أن هذا الحبَّ متبادَلٌ، فإذا اشتاقت نفوسكم حنينًا إلى الله عندما تذكرونه فلكم أن تعلموا أن الله يحبكم، فإذا كنتم تريدون معرفة مكانتكم عند الله فعليكم أن تنظروا إلى مكانة الله ومقامه عندكم، فبقدر علاقتكم بالله، تكون علاقة الله بكم، ولذا يرد ذكر هذين النوعين من الحب الواحد تلو الآخر.

ثانيًا: يذكر القرآن الكريم أن هذه الطائفة التي تبدأ حركة إنشاء جديدة وتسعى إلى إحداث انبعاث عام؛ تخفض أجنحة التواضع والذل من الرحمة للمؤمنين، أي إنهم يرون أنفسهم دون الجميع وأقل منهم.. وعلى حد قول سيدنا عليٍّ رضي الله عنه يعيشون بين الناس كواحدٍ من الناس..

ثالثًا: إنهم يتخذون موقفًا صارمًا للغاية من الصفات الكفرية، وبعبارة أخرى: إنهم يحاولون إزالة سمات الكفر كي يعيش الجميع حياة إنسانية، ويفكروا تفكيرًا سليمًا ويتخذوا القرارات بشكل صحيح، ويبذلون قصارى جهدهم حتى يتخلص الناس من دوامة الكفر، أي إنهم يحاولون تمكين القلوب من الاتصال بالله تعالى من جديد عبر إزالة ما بين الناس وما بين الله من حواجز.

رابعًا: يناضل هؤلاء باستمرارٍ في الطريق الحق الذي يؤمنون به، ويسعون لتخليص البشر وتطهيرهم من الصفات السلبية، ولإيصالهم إلى الله عز وجل..

 خامسًا: إنهم لا يخافون ولا يذعرون ولا يعيشون جنون العظمة أمام حملات الإهانة والتحقير والأذى والافتراءات التي يتعرضون لها في هذا السبيل، فلا يستطيع كلام الناس غير اللائق ومواقفهم الفظة وسلوكياتهم العدوانية أن تُثنيهم عن الطريق الذي هم مصممون عازمون على المسير فيه، ولا شك أن كلَّ واحد من هذه الأمور فضلٌ وإحسان من الله يهبهما لمن يشاء.

   من أجل القدرة على حمل الأمانة دائمًا

يستطيع أي شخص من خلال النظر إلى الأمر بعقلانية أن يزن نفسه من ناحية هذه الصفات السامية التي وضعها الله تعالى، ويمكنه أن يراجع ويفتش هل دعوة الحق قد مُثِّلت من قبل الناس الجديرين بها أم لا؟! بيد أنه ينبغي له أن يحرص على عدم إساءة الظن بأحد أثناء قيامه بذلك.

أما بالنسبة لمسألة أن “الحق سيظل يتنقّل بين من يكونون الأسبق والأفضل نسبيًّا في استحقاقهم لهذا الحق، إلى أن ينشأ الممثلون الحقيقيون” كما ورد في السؤال؛ فإننا لو قلنا إنه لا يوجد ممثلون حقيقيون لدعوة الحق في يومنا هذا لكنّا قد أسأنا الظن بالجميع، لكن بإمكان كل شخص أن ينظر إلى نفسه بهذه الطريقة، ويقول: “إنني في أحسن الأحوال مجرد مؤتَمَنٍ ومستودَع، ولست جديرًا لتمثيل هذه الأعمال حقَّ التمثيل”، ويمكنه التفكير على النحو التالي: “إنني أسعى لمساندة هذه الدعوة حتى لا تسقط رايتها على الأرض، ولا تُنسى القيم تمامًا، ولا نعيش تحت وصايات مختلفة”.

لكن الأمر الأهم هو أن يحاول كل مؤمن أن يكون أمينًا على الدوام، وليس مؤقتًا، وثمرة هذا ومردوده كبير لدرجة أنه لا يمكن مقارنته بأي شيء آخر، فإذا كان هناك مثل هذا الهدف السامي فإن التعلق بأشياء سواه من فتور العزيمة ودناءة الهمة، يجب على الإنسان من ناحية أن يُعليَ من همته دائمًا، ويرفع من مستواه باستمرار، ويسعى إلى تحقيق جدارة تليق بذلك، ومن ناحية أخرى يجب عليه أن يتضرع ويدعو الله دائمًا: “اللهم اجعلني أمينًا صادقًا مخلصًا في الأمانة حتى ذلك اليوم الذي ستسترد فيه أمانتك!”. آمين..

***

[1] انظر: سورة البقرة: 2/261.

ماذا نفضّل؟

Herkul | | العربية

   سؤال: كيف يجب أن نفهم الآية الكريمة الرابعة والعشرين من سورة التوبة؟

   الجواب: يشير السؤال هنا إلى قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (سورة التَّوْبَةِ: 9/24).

يبدأ الحق تعالى الآية الكريمة بلفظ “قُل” في إشارة إلى أنّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم واسطةٌ بين الله تعالى وبين عباده، ويشير هذا الأسلوب بشكل عام إلى أهمية التكاليف والمسؤوليات وثقلها، كما يُشعر هذا الأسلوب بأن الأوامر التي يرِدُ ذكرها قد نزلت من عند الذات الإلهية، وهذا في الوقت ذاته يمنع بعض المتحاملين والمتحيزين أو المتمردين من إساءة الظن بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ مذكّرًا إياهم بأنه عليه الصلاة والسلام لا يتحدث من تلقاء نفسه.

ثم تلفت الآية الانتباه إلى المصير المؤلم الذي قد يحيق بالمرء في حال تقديمه شيئًا من الأمور الدنيوية على محبة الله ورسوله أو على الكفاح والجهاد في سبيله تعالى، وكذلك تأمر الآية من تعلّقوا بمفاتن الدنيا تعلقًا يُنسيهم الله تعالى بأن: “تَرَبَّصُوا!” أي “انتظروا”، فماذا سينتظرون؟! أمرَ الله، والمعنى المراد هنا هو ما سيقع لهم من عقاب وعذاب وما سيحل بهم من بلايا ومصائب؛ لأن مثل هؤلاء الأشخاص لم يحسنوا اختيارهم أو أنهم لم ينتبهوا إلى ما يجب أن تُعطى له الأولوية.

وفي ختام الآية يقول الحق تعالى: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾؛ وهذا يعني أن التعلُّق القلبي بالأشياء المذكورة في الآية قد يُضِلُّ الإنسان ويُوقعه في الفسق إن تقدم على حب الله تعالى.

ولكن ما هو الفسقُ؟ الفسقُ: هو تجاوزُ الإطار الذي حدده الله في الإسلام؛ أي عدم مراعاة أوامر الدين ونواهيه.. فقد وضعَ الإسلام لكلٍّ من العقيدة والأعمال والأخلاق والمشاعر والأفكار والصلة بالله والحياة القلبية والروحية إطارًا خاصًّا بها، وكما يُفهم من الآية، فإن الشرط الأساسي والأوّلي للالتزام بهذا الإطار هو تقديم محبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتفضيل الجهاد والنضال في سبيل الله عز وجل على كل شيء.. فإن لم يحسن المرء اختياره في هذه المسألة، فيستحق أن يوصم بـ”الفسق”.

   الحبّ المتّزن واللائق

والحقيقة أن كل ما ورد في الآية الكريمة مهمٌّ للغاية بالنسبة للإنسان؛ فبالطبع يجب على الإنسان أن يُحب والديه، وألا يُقصِّر في احترامهما، وعليه أن يحتضن أولاده وينشغل بتربيتهم، وعليه كذلك أن يُحب إخوانه، وأن يكون مستعدًّا لمساعدتهم في أية لحظة، ويجب أن يحب زوجته، ويحتفي بأقاربه؛ فهذه كلها أشياء مطلوبة.

نعم، يجب على المرء أن يهتم بكلِّ هؤلاء ويعاملهم دائمًا بلطف وإحسان.. ذلك أن ثمة تأكيدًا وتوجيهًا ورَدَ في العديد من الآيات والأحاديث على ضرورة هذا النوع من الرعاية، وعلى أهمية الواجبات والمسؤوليات التي يجب عليه الوفاء بها، فلا يصح أن يُهمِل الإنسان والديه وأبناءَه وأقاربه وذويه، وإلا حاسبه الله عز وجل على ذلك.

وبالمثل، فلا حرجَ أن يعمل الإنسان ويكسب ويتاجر ويربح المال.. بالطبع، على الإنسان أن يُعِدُّ دراسة جدوى جيدة قبل البدء في العمل، ويخطو خطوات معقولة وواقعية حتى يتسنى له تحقيقُ الأرباح واتقاءُ الأضرار المحتملة.. لا حرج في هذه الأمور طالما أنها لا تتقدم على حب الله ورسوله، ولا تُبعد الإنسان عن إعلاء كلمة الله، بل على العكس، إنها من جملة واجبات المؤمن بحسب درجته ومكانته.. لكن المذموم في الآية هو أن يعتني الإنسان ويشغل وقته بهذه الأمور دائمًا، ويضعها في مقدمة القضايا الأكثر أهمية عند ترتيبه لأولوياته.

ومن المهم عدم الخلط بين هذين الأمرين، أي إن للإنسان بعض الاهتمامات الدنيوية، ولا يوجد مانع مطلقًا من انشغاله بها، بل على العكس، إنها من مطالب الطبيعة البشرية، كما أن عليه بعض الالتزامات الدنيوية، ولا يمكن التفكير في إهمالها.. إلا أنه لا ينبغي أن تقف الدنيا حائلًا بين العبد وبين الله عز وجل، ولا أن تتقدم على أكثر الأشياء تقديرًا عند الله، وإذا كان هناك شيء يفصل في هذا الأمر فهو ضمير الإنسان.

قد يفتتن الإنسان أحيانًا بأبنائه وأمواله وثرواته وقصوره التي يعيش فيها وينسى ما يجب ألا ينساه أبدًا إزاء المتع الدنيوية.. وقد تمنعه أمواله وأولاده من الخدمات في سبيل الله جل وعلا؛ ذلك لأن عناقيد الفاكهة التي تتدلى من الأغصان، والظلال التي تنعش الإنسان، والمياه الباردة التي يجِدّ الإنسان في البحث عنها عند اشتداد حرارة الصيف، هي التي جعلت حتى صحابيًّا جليلًا مثل كعب بن مالك يتخلف عن غزوة تبوك، لكنه نجا من الهلاك بفضل إخلاصه في توبته وصدقه.

أجل، أحيانًا ما يحدث -حفظنا الله- أن ينسى الإنسانُ اللهَ ورسولَه بسبب بساتينه ورِياضه ومكاسبه وأماكن لهوه وتسليته، وتحل هذه الأشياء محل حبه لله ورسوله، وقد تمنع هذه الأشياءُ الإنسانَ من السعي والجد في سبيل الله، وفي هذه الحالة يصبح الإنسان عُرضةً للمصائب والابتلاءات، وتخلصًا من هذه العاقبة السيئة تُذَكِّرُ الآية الكريمة المؤمنين بضرورة أن يرجح حبُّ الله ورسوله على كلِّ أنواع الحب الأخرى، وأن يتقدم الشوق والرغبة في أن يرفرف اسم الله الجليل والاسم المحمدي الكريم في كل أرجاء العالم؛ على كل شيء.

إذا كان المؤمن يحب الله ورسوله أكثر من كل شيء، وكان همه وشغله الشاغل هو إعلاء كلمة الله دائمًا، وكان يضع هذه الأمور على رأس أولوياته فإن علاقته بالأغيار لن تضره شيئًا.. لكن إذا لم يكن هؤلاء في المقدمة فهذا يعني أن الإنسان لم يحسن اختياراته، وسيضطر -حفظنا الله- إلى دفع ثمن اختياره.

   لا يجتمع حبان في قلب واحد

جاء في منقبة عن إبراهيم بن أدهم قدس الله سره: لا يجتمع حُبَّان في قلب واحد؛ فيجب على المؤمن أن يحدد بداية، وبشكل صحيح، من سيحب، وبمن سيهتم، وبمن سيرتبط قلبيًّا، وهذا هو ما تبيّنه لنا الآية الكريمة.. إنها تُعلّمنا أنه لا ينبغي أن يتقدم أيُّ حبٍّ على محبة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومهما شعر الإنسان بمقتضى طبيعته، من اهتمام ومحبة تجاه بعض الكائنات الفانية الضعيفة، فيجب أن يأتي هذا الحب في الدرجة الثانية، ولا ينبغي بأي حال من الأحوال أن تحل محبةُ الأولاد أو الأموال محلَّ محبة الله عز وجل، وإلا فإنه يخشى من سوء العاقبة.

ولقد وجِّه للأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي سؤالٌ يتعلق بالحرب العالمية الأولى مفاده: إن المصيبة نتيجةُ جنايةٍ، ومقدمةُ ثوابٍ؛ فما الذي اقترفتم حتى حَكم عليكم القدر الإلهي بهذه المصيبة، إذ المصائب العامة تنزل لأخطاء الأكثرية؟ وما ثوابكم العاجل؟

فأجاب قائلًا: مقدمتها إهمالنا لثلاثة أركان من أركان الإسلام؛ الصلاة، الصوم، الزكاة، إذ طَلب منا الخالقُ سبحانه ساعة واحدة فقط من أربع وعشرين ساعة لأداء الصلوات الخمس فتقاعسْنا عنها، فجازانا بتدريب شاق دائم لأربع وعشرين ساعة طوال خمس سنوات متواليات، أي أَرْغَمَنَا على نوع من الصلاة.. وإنه سبحانه طلب منا شهرًا من السنة أن نصوم فيه رحمة بنفوسنا، فعزّت علينا نفوسنا فأرغَمَنا على صومٍ طوالَ خمس سنوات، كفّارة لذنوبنا، وإنه سبحانه طلب منا الزكاة عُشرًا أو واحدًا من أربعين جزءًا من ماله الذي أنعم به علينا، فَبَخِلنَا وظلمنا، فأرغَمَنَا على دفع زكاة متراكمة، فـ” الجزاء من جنس العمل ”[1].

وإذا نظرنا إلى المسألة من وجهة نظر بديع الزمان فسنرى أن الله تعالى قد عاقبَنا بأشكال مختلفة على ما وقع منا من تقصير وإهمال في معايشة دين الإسلام المبين، وهذا هو المعنى المراد إيصاله من قوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ (سورة التَّوْبَةِ: 9/24).

بل إنه يمكن النظر من هذه الزاوية أيضًا إلى المشاكل والأزمات التي يتعرض لها المسلمون حاليًّا، فلا حاجة للبحث عن مجرم في الخارج، وبدلًا من التسلي بسَبِّ ولعن الظالمين والطغاة القساة الذين يحيطون بنا ويتحكمون فينا ويحرموننا من القدرة على فعل ما نريد، يجب علينا أولًا أن نعود إلى أنفسنا ونحاسبها قائلين: “تُرى ماذا فعلنا حتى يحلّ بنا كل هذا؟!” فلو أن المسلمين فضلوا الأمورَ الواردة في الآية على ربهم ونبيهم وإعلاء الدين، فسيعاقبهم الله بصنوف وأشكال مختلفة من الجزاء، وعليه يجب علينا أولًا أن نفعل مثلما فعل بديع الزمان؛ فنفتّش عن عيوبنا وتقصيراتنا في البداية، ثم نهتم بجبرها وإصلاحها.

ومن المؤسف في يومنا هذا أننا لا نفكّر في الله كما ينبغي ، ولا نحب مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم كما يلزم، ولا نبذُل الجهود والمساعي اللازمة للتعريف باسمه في جميع أنحاء العالم، ربما تُحمَل عباراتي هذه على إساءة الظن، إلا أنَّ هذه هي القناعة التي تتكون بداخلي عندما أنظر إلى الوضع العام للأمة المحمدية.

فمن المعروف محبة سيدنا عمر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وارتباطه به من صميم قلبه.. لقد كان يحبه لدرجة أن نبينا صلى الله عليه وسلم عندما انتقل إلى أفق روحه، سلّ عمر سيفه قائلًا: “من قال إن محمدًا قد مات ضربتُ عنقه”، فقد كان رضي الله عنه مرتبطًا به قلبيًّا ومحبًّا له بإخلاص، لكنه عندما التقى النبي ذات يوم وقال له: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَ، وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “الآنَ يَا عُمَرُ[2].

إنني أحيل هذا الأمر إلى ضمائركم.. فزنوا أنفسكم بموازين ضمائركم الحساسة وقوِّموها، وحاولوا أن تحددوا أين أنتم من الإسلام؟ هل تقفون حقًّا حيث يجب أن تكونوا؟ أم أنكم خرجتم من الدائرة التي يجب عليكم الوقوف فيها، وانتهكتم المجال المباح، ودخلتم في عداد الفاسقين الذين أكّد الحق تعالى على عدم هدايته لهم في ختام الآية؟!

فيا ليتنا ننشغل دائمًا بحب الله تعالى ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن نتحرق شوقًا وعشقًا لتعريف كل الكون بهما والحديث عنهما! ليتنا نحاسب أنفسنا باستمرار ونحاول تصحيح أوجه القصور لدينا! ليتنا نهتمّ أكثر فأكثر بما يمكننا فعله من أجل القيم التي نؤمن بها! ليتنا نبحث باستمرار عن طرق بديلة للدخول إلى القلوب! ليتنا نتمكن من وضع إستراتيجيات جديدة تكون أكثر نفعًا للناس عندما نقابلهم! وذلك حتى لا نندم يوم لا ينفع الندم.

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، اللوامع، ص 840.

[2] صحيح البخاري، الأيمان، 2.

التواضع والإخلاص

Herkul | | العربية

التواضع حال وشعور قلبي، ويعني التذلل واستحقار النفس، وهذا عظيم جدًّا عند الله تعالى، ويُطلق على صاحب هذه الصفة العظيمة “متواضع”، وعلى الرغم من أن التواضع ينعكس في الغالب على الأفعال والسلوكيات، إلا أنه لا يمكننا الجزم بتواضع المرء من عدمه بمجرد النظر إلى سلوكه الظاهري.. فالنية هي التي تحدد المتواضعَ من غيره سواءً كان المتواضعُ يصلي في الصف الأوّل خلف الإمام أو في الصف الأخير. المهم هنا هو الشعور الداخلي الذي دفعه إلى هذا الفعل، ومن ثم يكون من الواجب على المرء أن يراجع نفسه دائمًا وأن ينتبه إلى إحساسه ومشاعره ويقِوّم حياته وفقًا لذلك، فالإنسان المتواضع يتجنَّب دائمًا المواضع التي تستدعي تبجيله وتعظيمه أمام الآخرين؛ إذ يشعر بالضيق والحرج عندما يضعه الآخرون في مكانة كبيرة لشيء فعله.

وفي كثيرٍ من الأحاديث النبوية يرد التذكير بفضل التبكير إلى الصلاة والوقوف في الصف الأول خلف الإمام، هذا هو الجانب الموضوعي من المسألة.. أما ما نحاول الحديث عنه هنا فهو الجانب المتعلق من المسألة بالتواضع والكبر، وبالتالي فهو أمر ذاتي، ومع ذلك فإن الشخص ربما ينال الثواب أيضًا نتيجة صدق هذه الاعتبارات، فمثلًا قد نجد شخصًا يأتي إلى المسجد مبكرًا ولكنه يقف في الصف الخلفي ليس إلا إيثارًا منه لينال أخٌ آخر تلك الفضيلة، فهذا نوع من الجود وعملٌ مقبول عند الله، ولكن قد لا يكون من الصواب أن يفعل الشخص الشيء نفسه دائمًا حتى ولو كان سخاء ومروءة من هذا القبيل؛ فقد يتحول هذا بعد مدة ما إلى محاولة التعريف به وإشهار نفسِه أمام الناس.

ومهما قام المؤمن بأعمالٍ جليلة فعليه أن يعرف كيف يتخلّص على الفور من الوقوع في فخِّ إشهار نفسِه أمام الناس، يجب عليه أن يكون عازمًا كل العزم على أن يقضي حياته في تواضع تام، ومحو تام، وخجل تام.. بيد أنه ينبغي له ألَا يقيِّد هذه الأمور بالشكليات؛ لأن مفهوم التواضع المرهون بأشكالِ وأنماطِ سلوكيةٍ محددة من الممكن أن يدفع الإنسان إلى عقدة التصنع وإبراز النفس دون وعي منه، لذا فعلى المرءِ أن يكون مرِنًا وأن يتخذ القرار وفقًا لحالته الروحية؛ فليس للسلوكيات والأفعال قيمة في حد ذاتها؛ ولكن ما يُكسبها القيمة والتقدير هو نية المرء وقراراته الداخلية.

   الأحكام التي يصدرها الضمير

إن مَن يستطيع قراءة الإنسان وفهمه جيدًا هو الإنسان نفسه.. أي مرآة الضمير؛ فالضمير يشبه حجر الزاوية والميزان الذي لا يضلّل ألبتة، لذا فعلينا أن نجعله معيارًا وميزانًا في كل أفعالنا وتصرفاتنا، وأن نتحرّك وفقًا له.

وإذا تناولنا مثال الصلاة مرة أخرى، نجد شخصًا يقول في ضميره “لستُ جديرًا بالوقوف في الصف الأول”، ويتراجع إلى الصف الخلفي اعتمادًا على هذه الملاحظة؛ أي إن شعور التواضع بداخله هو الذي يدفعه إلى فعل ذلك، فيتجلى تواضعه على هذا النحو، بينما شخص آخر يقف في الصف الخلفي ليجعل الآخرين يقولون عليه: “كم أن فلانًا متواضع! يقف في الخلف على الرغم من أنه يأتي إلى الصلاة باكرًا!”، حتى وإن لم يفكر المرء في هذا صراحة فإن فكرة خبيثة جدًّا ربما تنتابه وتستقرّ في ذهنه دون وعي منه، ومن ثم تأتي الخسارة بسبب إبراز النفس وتعظيمها.

ويجب العلم بأن الإنسان إنما هو إنسان نياته وعوالمه الباطنية وانفعالاته الداخلية، هذا هو ما يصبغ الأفعال وينسجها ويشكلها، وبه تكتسب الأفعال قيمة وعمقًا أو تفقد ذلك تمامًا، وكما ورد في الحديث النبوي فإن الرجل يقاتل بكل بسالة وشجاعة في ساحة الوغى؛ إلا أن عمله هذا إذا لم يكن مرصَّعًا بالإخلاص فإنه لا يساوي شيئًا على الإطلاق عند الله تعالى؛ كما أنه لن يقرِّبه من الجنة ولو قيد أنملة؛ بل على العكس يقرِّبه من النار.

ورجل آخر ثريّ مثل قارون، قد أنفق ما لديه من كنوز حتى آخرها، لكنه إنْ خطرت بذهنه واستقرت فيه أفكار من قبيل أن يقول الناس له: “كم أنت جواد! هكذا يكون الجود والكرم!”، فهذا يعني أن أعماله صارت هباءً منثورًا[1]، ويمكنكم أن تقيسوا على هذا سائر الأعمال والمزايا الأخرى من الرفعة في العلم وحسن الخطابة وعذوبة الكتابة أو البراعة في إلقاء الشعر.. إن فكرةَ الشهرةِ والصيت ونسبةَ العمل إلى النفسِ -ولو بقدر يسير- تقضي تمامًا على العمل الصالح والخدمات المبذولة حتى وإن كانت مذهلةً تأخذ بالألباب، وعلى هذا يجب أن يكون رضا الله عز وجل هو المقصد الأول والأخير في جميع الأعمال، ويجب العمل على نيل رضاه تعالى فحسب.

إن منْ لا يمرّر أحواله وأفعاله من مصفاة الوجدان ولا يحاسب نفسه من وقت لآخر يندم أيَّما ندم أمام المولى تعالى.. والواجب علينا هو أن ندقّق حتى في أكثر تصرّفاتنا براءةً وعصمةً وأن نتحقّق دائمًا من سلامتها.

يمكنكم القيام بأعمال طيبة للغاية لصالح الإنسانية؛ فمثلًا لقد قمتم بإصدار الصحف والمجلات وبث القنوات التلفزيونية، والنجاح في هذا الصدد.. إلا أنكم إذا أقحمتم أنانيَّتكم في ذلك، فإن هذه الأعمال الطيبة تُردُّ في وجوهكم يوم القيامة، وتَحبَط جميعها؛ فلا يمكن لأي عمل لا يُعتمد فيه على الله أن يحقِّق النجاح، كما أن الأعمال التي تفوح رياءً وسمعةً هي ضدكم وضد دينكم وضد أمتكم، وإن نجحت الأعمال التي لا تقوم في الأساس على الصدق والإخلاص نجاحًا مؤقتًا، فاعلموا جيدًا أن ذلك إنما هو استدراج.

   الكذب صفة الكفار

إذا أردنا ألا نتعرض للخسران الدنيوي والأخروي، فعلينا أن نؤدي جميع أعمالنا وكأننا نراه تعالى فإن لم نكن نراه فإنه يرانا، وهذا يقتضي أعلى درجات الإخلاص والصدق، يجب ألا نتفوه بقول أو نكتب كلمة أو نقوم بعمل دون ربطه بفكرة الإحسان، وعلينا دائمًا أن نتحرى رضاه تعالى في كل شؤوننا وتصرفاتنا صغيرِها وكبيرِها، لأن ما لا يستند إليه جل جلاله من أعمال إنما هو كذب.. إنها كذبٌ حتى ولو فتحنا إسطنبول، وانتصَرْنا في موقعة “جالديران”، وغلَبْنا في “مرج دابق” و”الريدانية”.. إياكم أن تفهموا من كلامي هذا أنني أرى ما قام به السلطان الفاتح والسلطان ياووز كذبًا وبهتانًا، فلا يليق الكذب ألبتة بهذه القامات الجليلة، وإنما أحاول أن أقدم مشهدًا ورؤية مناسبة فيما يتعلق بالتحكم في عالمنا الداخلي والسيطرة عليه.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن “الكذب” هو العلَامة الأبرز في شبكة البلاء التي ستتسلط على أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان، وكلمة “الدجال” أيضًا تعني المخادع الكذاب، ولما كانت هذه الكلمة قد وردت في اللغة العربية بصيغة المبالغة فإنها لا تُستخدم لكذاب عادي؛ وإنما تعني الكذاب البارع بحيث صار يصدِّق الأكاذيب التي اختلقها هو.. وإنَّ أفعالَه وإن بدت وكأنها وقعَت لصالح الإيمان والإسلام وتنبع من شعور الإحسان ومن أجل خير الأمة ومصلحتها، إلا أنها كذبٌ وبهتانٌ بيِّن لا صلة له بالصدق والإخلاص، كما أن الوعود التي يعِد بها مستقبلًا هي محضُ كذب وافتراء أيضًا، والكذب كما يصفه الأستاذ بديع الزمان هو لفظٌ كافر، ولا تليق بالمؤمن.

ومع الأسف فالشيطان يخدع الكثيرين اليوم بشراك الكذب سواء أكان فعليًّا أو قوليًّا أو حاليًّا أو تخيليًّا، ويضلهم عن السبيل، والواجب على المؤمن الحقيقي هو أن يلتزم الصدق دائمًا؛ ويفر من الكذب فراره من الأسد.

***

[1] انظر: صحيح مسلم، الإمارة، 152. (إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ).

التعددية

Herkul | | العربية

التعددية هي من أكثر المصطلحات شيوعًا في دنيا العولمة، ويلاحظ وجود هذا المصطلح -رغم أنه من مصطلحات العصر الحديث- مسمّى بلا اسم في خضم الحياة الاجتماعية في العهود الأولى التي كان يُطبّق فيها الإسلام بحق، حيث كان المؤمنون حينذاك يقدِّرون تعدد المشاعر والآراء والأفكار، ويتعاملون بسماحة مع الجميع.

ومن الضروري بدايةً معرفةُ أنه لم يكن في مجتمع الصحابة الكرام ما يسمى بالاتفاق المطلق، فقد كان من بين هؤلاء الأطهار من يحمل توجهات مختلفة وأفكارًا شتى، ولو ألقينا النظر على حياة سيدنا عمر وسيدنا أبي ذر أو على حياة سيدنا أبي بكر وسيدنا بلال الحبشي عليهم جميعًا رضوان الله؛ لألفينا فرقًا شاسعًا فيما بينهم، وهم الذين كانوا جميعًا ينهلون من معين واحد وهو منهل العذب المورود، ويتعيّشون على غذاء معنوي واحد، ويسيرون لتحقيق هدف واحد، ولكن رغم هذا كله فالاختلافُ كان بيِّنًا في تأويلاتهم ومفاهيمهم وأنماط حياتهم.

ورغم أن المناهج الفكرية لدى المسلمين وأنماطَ حياتهم في العهود اللاحقة كانت تتشكل وفقًا للأدلة الأصلية مثل الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والأدلة الفرعية مثل العرف والعادة والمصلحة والاستحسان؛ فقد حافظ الاختلاف على وجوده بين هؤلاء المسلمين، ومع أنهم كانوا يستندون إلى نفس المصادر التي تحدد أفكارَهم ومعيشتَهم فقد أوجدوا العديد من الحلول المختلفة للمشاكل التي واجهوها.

فرغم وحدة المصادر التي يستندون إليها، والاجتهادات النقية الصادقة المخلصة التي قاموا بها، وعلاقة الطالب والمعلم التي كانت تسود بينهم فقد كانت هناك اختلافات جوهرية بين اجتهادات الإمام مالك والشافعي، وبين الشافعي وأحمد بن حنبل، رحمهم الله جميعًا.. بل إن الصاحبين -أبا يوسف ومحمدًا- قد درسا على يدي الإمام أبي حنيفة، ورغم ذلك كان الواحد منهما يحمل آراءً مختلفةً للغاية عن آراء الآخر، لأن لكل إنسان إحساسًا وإدراكًا وقابليةَ فهمٍ مختلفة، فإذا كان هذا القدر من التعددية بين هؤلاء المجتهدين الذين عاشوا حياتهم كلها في فلك الكتاب والسنة فلكم أن تخمنوا حجم الاختلافات التي قد تحدث إذا تعلق الأمر بعامة الناس!

لقد كان المسلمون يعتبرون الاختلاف رحمةً من الله بحسب ما ورد في الأحاديث الشريفة، فقابلوه بسماحة وتقدير بالِغَين، ولم تتضرر الوحدة والاتحاد فيما بينهم مع وجود هذا القدر من الاختلاف في المجتمع.

   تطوير التعايش مع الآخر

إن السعي إلى التعايش في وحدةٍ ووئامٍ مع الآخرين رغم اختلاف البيئات والثقافات والمفاهيم والإرادات والأفكار من شأنه أن يُكسب المرء ثواب العبادة؛ لأن الفرد يشعر بردِّ فعلٍ مضاد تجاه أي أمرٍ يخالف طبيعته، ويشعر برغبةٍ في معارضة الآراء والمفاهيم المخالفة له، من أجل ذلك كان قمعُ مثلِ هذه المشاعر السلبية يحتاج إلى سعي وجهدٍ كبيرين، وهذا بدوره يُفضي إلى إحراز الثواب الجزيل، ولقد كان النبي صلوات ربي وسلامه عليه يحثّ دومًا المؤمنين على التعايش في إطار جماعي، وكان يوصيهم بعدم الانفصال عن الجماعة.

وإن قدرة الناس على إقامة وحدة وتوافق فيما بينهم على اعتبار أنهم أفراد مجتمع واحد رغم وجود الكثير من الاختلافات؛ مرتبطٌ بقبول كل شخص في موقعه، والنظر بتسامح إلى الاختلافات القائمة، ومثل هذا المفهوم للتعددية أثرٌ من آثار رحمة الله تعالى، وضده الاستبداد الذي يُمارَس من خلاله قمعُ الناس، واضطهادهم، وفرض نمط حياة معين للجميع، ولا ريب أن هذا يهدد الحقوق والحريات الأساسية، ويطمس القابليات والقدرات، ويجعل المجتمع على نمط واحد، ويعزله عن العالم.

فإذا كان المسلمون لا يريدون أن ينحصروا داخل حلقة ضيقة منعزلةً عن العالم ولا أن يتخلفوا عن مواكبة العولمة؛ فعليهم أن يتفاعلوا مع الثقافات والملل المختلفة، وينفتحوا على العالم، فمن جهةٍ يعرِّفون مخاطبيهم بمنظومة القيم التي يؤمنون بها، ومن جهة أخرى يستفيدون من حياض الثقافات والحضارات المختلفة.

ولكن إذا كان من الممكن ظهور بعض الفروق والاختلافات -وهذه حقيقة واقعة- بين أفراد المجتمع الواحد الذين يدينون بدين واحد، ويتوجهون إلى قبلة واحدة، ويعيشون في بيئة ثقافية واحدة؛ فمن المرجح ازدياد هذه الاختلافات عند التعايش مع أتباع الديانات واللغات والأعراق والثقافات المختلفة، وهنا لا بد أن يعي المسلمون بدايةً أن ثقافة التعايش مع الآخر في هذا العالم الذي أصبح قرية صغيرة قد بات أمرًا لا مفر منه، وعليهم أن يطوِّروا من تجربة التعايش مع أتباع الثقافات والأديان المختلفة، ومن ثم يكون من الأهمية بمكان تبني بعض الأسس مثل: الاجتماع على أرضية مشتركة، والتوافق على الحد الأدنى من القواسم المشتركة، وإيجاد نقاط اتصال مشتركة، وتقبّل كل شخص في موقعه ومستواه.

ولقد أصبح بعضُ المسلمين في عالم اليوم يتوجسون خيفة من التعددية؛ على أساس أنها ستُفضي إلى التآكل والتنازل عن القيم الدينية، فباتوا لا يعرفون كيف يتصرفون في هذا الصدد، بل إن بعضهم ربما يحمل للآخرين بعض المشاعر العدائية، ويتخذ بعض المواقف المتطرفة.. فمن الواجب بداية إدراك أن إعلان المسلمين الحرب على أتباع الديانات والثقافات المختلفة لن يحرز لهم أيَّ مكسب، ولن يصلوا من خلاله إلى أي منفعة، بل على النقيض تمامًا، يجب التوافق والتواصل مع الجميع انطلاقًا من التكريم الإلهي الذي منحه الله تعالى للإنسان كإنسان.

   التعددية والاختلافات نوعٌ من الثراء

إن الاعتراف بأن الاختلافات حقيقة واقعة، وتشكيل البنية الاجتماعية تبعًا لذلك؛ لا يمنعنا من حق الاعتراض أو وضع قيود اعتراضية على بعض الأفعال والأفكار المخالفة.. إذ إن مشاركتَنا أصحابَ الرؤى العالمية المختلفة البيئةَ نفسها بل ومخالطَتهم لا يعني تقبّلَنا لجميع أفكارهم وإقرارَها، ونفس الأمر بالنسبة للآخرين، فهؤلاء بوسعهم مخالفة بعض أفكارنا، المهم هو ألا تتسبب هذه الاختلافات في الصراع، بل يجب دفع الاختلافات جانبًا بقدر الإمكان للحفاظ على الوحدة والوفاق الاجتماعي، وإبراز النقاط والقواسم المشتركة.

وإن احترامنا للإنسان لمجرد أنه إنسان، وتقبّلنا للاختلافات على أساس أنها واقع معاش، ثم التعامل بواقعية وعقلانية، والاعتراف بوجود العولمة؛ لا يستلزم منا التضحية بقيمنا الذاتية، والتنازل عنها، وتعريضها للتآكل، فلطالما نحن مسلمون فلا ينبغي لنا التنازل أبدًا عن ذلك أينما كنا، فلا نتخلى عن قيمنا الدينية ولا عن مفهومنا الإسلامي، ولا عن شعور الإحسان لدينا؛ ولكن يجب علينا ألا نجبر أحدًا على فعل ذلك، المهم هو أن يستطيع الناس التعايش جنبًا إلى جنب محافظين على اختلافاتهم؛ بل حتى يعتبرونها نوعًا من الثراء.

وإن التعامل بمزيدٍ من الحساسية والدقة في مسألة تطبيق الناس القيمَ التي يؤمنون بها دون جبر أو إكراه للآخرين لهو أمرٌ جدير بالاحترام والتقدير؛ فمثلًا إذا حان وقت الصلاة ونحن في اجتماع مع فريق من أتباع الديانات المختلفة فعلينا أن نستأذنهم دون خجل ونؤدي صلاتنا، فإنني لم أشهد حتى الآن انزعاجَ هؤلاء الناس من حرصنا على أداء عباداتنا، بل كانوا يقابلون رغبتنا تلك بكل احترام وتقدير؛ فإن ارتياح الناس في ممارسة عقائدهم، والتصرف بشكل علني وشفاف لن يضر بالعلاقات، بل على العكس سيعزز الثقة المتبادلة، المهم هو ألا يقع بين الأفراد شيء من الغلظة أو التعصب أو الشدة، وأن نتجنب القيام ببعض التجاوزات التي تسوق الآخرين إلى المخالفة والاعتراض.

   الموقف الإيماني في مكافحة المنكرات

وقد يقابِل البعضُ التعدديةَ بالمعارضة على اعتبار أن تقبّلَها يعني تقبّل كل أنواع التطرف والانحراف والفجور، والحق أن البعض قد يعدّ التحرر والانحراف حقًّا مكتسبًا ومن متطلبات الحرية والديمقراطية، إلا أن الأفعال والتصرفات التي يقر المؤمن بصحتها معلومةٌ وواضحة؛ بيد أن عدم إقرارنا بصحة فعلٍ ما أو إقرارنا بخطئه لا يقتضي إعلاننا الحرب على أصحاب هذا الفعل؛ طالما أنه لا يمسّ حقوقنا ولا حقوق الآخرين ولا حقوق الرأي العام.. ولقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة على ذلك حينما عاش مدة طويلة مع المشركين في مكة، ومع المنافقين واليهود في المدينة المنورة.

ولكن ألا يحِقّ لنا أن نتدخل لمنع المواقف والتصرفات الخاطئة أو نعمل على الحيلولة دون وقوع المنكرات؟!

إننا لا نقصد مما ذكرناه أن نقف صامتين دون أن نحرّك ساكنًا إزاء المنكرات، فلا شك أنه ينبغي للمسلمين أن يكونوا قدوة حسنة للجميع، وأن يعبّروا عن الحقائق التي يؤمنون بها بقدر ما تواتيهم الفرص وتتوفر لديهم الإمكانات؛ فإن مراعاة حساسية الآخرين باطراد، والتشجيع على ما يجب القيام به بما لا يتسبب في رد فعل معاكس، وتحذير الآخرين ممّا لا ينبغي؛ هو من جملةِ الوظائف الأساسية للمؤمنين.. وثمة مسألة مهمة لا بد من ذكرها هنا وهي أنه لا يصح القيام بتصرفاتٍ عدائيةٍ تفضي إلى الفتن وإفساد الانسجام الاجتماعي إزاء أنماط الحياة التي يعتبرها البعض من مقتضيات الحرية والديمقراطية، وإلا فإن التعامل بعنف مع السلبيات سيحول من الآن دون القيام بأعمال جليلة تساهم في الإصلاح والتعمير في المستقبل.

ومن المعلوم لدى الجميع أن العالم الغربي بشكل خاص يضمر نوعًا من الكراهية البغيضة إزاء المسلمين في يومنا الحاضر، وفي المقابل يضمر بعض المسلمين أيضًا عداوةً للغرب، وهذه الاعتبارات من الأمور التي تضرّ بثقافة التعايش مع الآخر، ولكن يجب على المسلمين محاسبة أنفسهم قبل تخطئة الآخرين؛ لأن السبب الرئيس في هذا كله هو عدم وصولنا إلى هؤلاء في الوقت المناسب، وعدم التعبير عن أنفسنا بشكل صحيح، ولقد تسبب إهمالنا هذا في ظهور العديد من المشاكل الكبيرة اليوم، فلو أننا انتشرنا في كل ربوع العالم بسرعة مثل جماعة الحواريين، ومثّلنا الإسلامَ بحقٍّ لما قابلنا هذا القدر من السلبيات اليوم، ولَفكّر الناس بشكل مختلف عن الإسلام، ولكانوا على الأقل عرفوا المسلمين على نحوٍ صحيح.

التدرّج في الدعوة إلى الله

Herkul | | العربية

   سؤال: اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم منهجًا في التبليغ في العهدين المكي والمدني يتغير تبعًا للظروف، فما الرسائل التي يبعث بها هذا المنهج للعهود المتأخرة؟

   الجواب: لم ينزل القرآنُ الكريم جملةً واحدة، وإنما نزل منجّمًا خلال مدة تصل إلى ثلاثة وعشرين عامًا، ولقد كان هذا الأمر يحمل أهميةً بالغةً بالنسبة للذين عاشوا عهد الجاهلية أو الذين كانوا حديثي عهدٍ بالإسلام؛ وذلك من أجل تأهيلهم والوصول بهم إلى الكمال رويدًا رويدًا، ولقد رصد القرآن الكريم الوضعَ العام الذي كان عليه المجتمع في تلك الآونة، ووضع أحكامه وفقًا لما تستلزمه الظروف، فلم يُكلّف الله تعالى الناسَ بالفرائض المتعلّقة بالعبادات والمعاملات جملة واحدة، وعلى سبيل المثال فقد تدرّج الأمرُ بالصلاة والزكاة ضمن وتيرة معينة حتى تحقق واكتمل في النهاية بالترويض والتدريب، ونفس الأمر نراه عند النظر إلى بعض الأحكام مثل تحريم الربا والخمرِ، إذ لم يحرمهما الله تعالى مرّةً واحدة، ولكنه تدرَّجَ في تحريمها وأنزلَ آيات تتناول أضرارهما، وتروّض المجتمع وتُهَيِّئُه لِقبول ما يُقضى بشأنهما من أحكام في النهاية.

   الآيات المكية والمدنية

وعند النظر إلى الآيات التي نزلت في العهدين المكي والمدني نجد بينهما اختلافات كبيرة، فبالنسبة للعهد المكي يُلاحَظُ فيه أن الناس كانوا حديثي عهد بالإسلام، وأن المسلمين قلة قليلة، ومعظم المخاطبين بالوحي من عبدة الأصنام، وهؤلاء كانوا متمردين متعصبين تعصبًا أعمى لدين آبائهم وأجدادهم، وكأن تقليدهم لآبائهم قد نفذ إلى أرواحهم، ولذا كان القرآن الكريم يلفت الأنظار بالآيات التي نزل بها إلى انحرافاتهم هذه على الدوام، ويؤكد على حقيقة التوحيد وركائز الإيمان.

أما في العهد المدني فلقد بدأت تتشكل فيه الجماعة المسلمة رويدًا رويدًا حول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعد عبدة الأوثان فقط هم الذين يقفون ضد المسلمين، فلقد كان هناك اليهود والمنافقون أيضًا، ومن ثم بدأت الآيات الكريمة تتنزل وفقًا لما تتطلّبه تلك الظروف آنذاك.

فالربا على سبيل المثال قد بيَّن القرآن الكريم قطعية حرمته في العام التاسع من الهجرة النبوية، وتوعد آكليه بالعقاب الأليم، يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/275).

أما الآيات التي نزلت قبل ذلك فيما يتعلق بمسألة الربا فكانت تُهيّئ الأذهان، وتنفّر الناس منه شيئًا فشيئًا، وفي النهاية حرّمته بشكل قاطع بالآية السالفة الذكر، ففي بادئ الأمر عقد الحق سبحانه وتعالى مقارنةً بين الربا والزكاة، فقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (سورة الرُّومِ: 30/39)، وقد جاء في الآيات التالية لفتُ الأنظار إلى حرمة الربا في الشرائع السابقة، وتوبيخ اليهود الذين ما زالوا يأكلونه ويعملون به، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/161)، وبعد ذلك حرم القرآن الكريم أخذ الفائدة على رأس المال على اعتبار أنها عادة جاهلية، فقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/130)، وفي النهاية جاء أمر قطعيٌّ بتحريم الربا.. وكذلك موضوع الخمر فقد جاء تحريمه على أربع مراحل.

   التدرّج في الدعوة بعد عصر السعادة

فمن غير الممكن بعد أن أتمّ الله دينه وأكمله أن نغضّ الطرف أو نخفي بعض هذه الأحكام، فالتدرج في عرض الأحكام الشرعية وإبرازها بهذا الشكل كان خاصًّا بوقت معين فقط، ولذلك فليس من الصحيح قطعًا بعد أن أكمل الله دينه أن نفكر في الاكتفاء بتبليغ بعض أحكام القرآن فقط، ونعرض عن البعض الآخر.

وبيد أن هذه الفلسفة التشريعية التي تقوم على التدرّج تكشف عن حقائق مهمة بالنسبة للمنهج الذي يجب أن يتبعه رجالُ الإرشاد والتبليغ، لا سيما وأنها تدلّهم على ضرورة تقديم الأولويات عند عرض رسالة القرآن على المخاطبين الذين أُبعِدوا عن الدين كلية، وصُرفوا عن منابع ثقافتهم الذاتية ورؤاهم العالمية وكأنهم يعيشون عهدَ الفترة من جديد، وكذلك توضح لهم النقطة التي عليهم البدء بها، ونوعية الطريق الذي يجب عليهم اتباعه فيما بعد، وتعلّمهم أن التغيير ليس بالسهل اليسير، وأن التخلص من بعض العادات يستغرق زمنًا معينًا.

ولسنا نبالغ -في رأيي- إذا قلنا إن الإنسانية التي ابتعدت بشكل كبير عن القيم الدينية تعيش اليوم فترة جاهلية ثانية، فكما نرى في المقابلات الصحفية أو الإعلامية في الشوارع بات عدد كبير من المسلمين اليوم -رغم أنهم يعيشون في دولة مسلمة- لا دراية لهم بأركان الإيمان، ولذا فعلينا أن ندرك أولًا أننا نعيش في أزمنة عصيبة متمردة، ثم نبدأ العمل من حيث بدأ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

فمن المعلوم أن أول ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لمشركي مكة هو: “قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تُفْلِحُوا[1]، فلم يوجّه الأنظار حتى إلى نفسه في البداية، لأنه لو فعل ذلك لخامرت البعضَ فكرةُ أنه يريد الزعامة، وربما يسبب توجيه الأنظار إلى نفسه في رد فعل سلبي لدى الناس وفي انفضاضهم من حوله، إلا أنه من غير الممكن لشخصٍ ليس بنبي، ولا يستند إلى قوة إلهية أن يقول مثل هذا الكلام، ولا أن يعطي هذا الضمان القوي، ولا أن يتعهد لأحد بالنجاة. أجل، لا مغزى لكلام إنسانٍ لا يستند إلى ركن شديد؛ ولهذا كان بكلامه هذا يومئ ضمنيًّا إلى أنه قد أتى برسالة من عوالم ما وراء السماوات؛ بمعنى أنه كان يؤكد على نبوته، فلم يلبث العاقلون أن يفهموا بسهولة ويسرٍ ماذا يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم؛ وهذا بُعْدٌ آخر من أبعاد فراسته وفطنته النبوية صلوات ربي وسلامه عليه.

ولقد استهل بديع الزمان سعيد النورسي مؤلفاته بالحديث عن الإيمان، وركز على حقائق الإيمان من البداية إلى النهاية، إذ إن الحقائق الإيمانية هي أول ما يخاطب به الذين أُبعِدوا عن قيمهم الذاتية، وهذا لا يعني أن نتوقف عن الحديث عن العبادات والطاعات، ونهمل الحديث عن المسائل المتعلقة بالمعاملات والحياة القلبية والروحية، ولا نتعرض بالكلام عن الذنوب والمحرمات، بل لا بد من تناول هذه الموضوعات مع مراعاة مستوى الأشخاص، المهم هو تحديد ما يُقال أولًا وما يُقال ثانيًا حسب مستوى مخاطبينا، وتعيين ما يلزم عرضه عليهم؟ ومتى؟ وكيف؟ وكما أن تبليغَ كلِّ المسائل الدينية من ضمن المسؤوليات الواقعة على عاتقنا وكذلك فإن تقديمَ المسائل التي لها حقُّ الأولوية مسؤولية أخرى.

   الأسلوب المتبع في عرض الحقائق السامية

من جانب آخر فلا يغبْ عن بالنا أن الأسلوب المتبع في عرض الحقائق الدينية له أهمية بالغة، فثمة أناس اليوم قد ابتعدوا عن الإيمان رغم أنهم يدّعون الإسلام، ولا يسمحون لكم بالحديث عن حاناتهم وماخوراتهم ومعابدهم، فعليكم إذًا أن تحدّثوا الناس دون أن تتعرضوا لطواطمهم وأيقوناتهم التي يقدّرونها، لِنفرض أنكم تريدون أن تُبعدوا الناسَ عن الأشياء التي حرمها الإسلام مثل الربا والخمر والقمار والزنا، فإن أقحمتم القرآن والسنة في كلامكم وعرضتم الأمر مباشرة على أنه أوامر دينية، فستجدون من مخاطبيكم ردَّ فعلٍ عنيف، ولكن بدلًا من ذلك يمكنكم الحديث عن مثل هذه المسائل بتوضيح آثارها وتأثيراتها على الصحة والاقتصاد والقيم الاجتماعية؛ بمعنى أن تتحدثوا إليهم بلسان الطبيب الحاذق، وتعرضوا عليهم النتائج التي توصل إليها رجالُ العلم، مستدلين بالإحصائيات المختلفة، وعندها ستقولون ما تريدون دون اعتراض من أحد.

فمن يدري كم إنسانًا خسرناه حتى الآن بسبب حِدَّتِنا وغِلظتنا وجهلنا بالأمر وأسلوبنا الخاطئ؟! أحيانًا ما أفكّر في حالتي الجنونية التي كنتُ عليها في العشرينات من عمري، وكيف أنني كنت متمرّدًا متناقضًا مع نفسي، فأوبخ نفسي توبيخًا شديدًا، ولكن ماذا عسانا أن نفعل وقد كنا ضحيةً لانعدام الرائدين والموجّهين في ذلك الوقت، ولم يكن هناك أحد يحدثنا عن هذه الموضوعات، فعلى النقيض تمامًا كان هناك من يلقّنوننا مشاعرَ العداوة إزاء غير المؤمنين والفساق والفجار والظالمين، وكم سمعنا من أقوال سلبية وإهانات دائمة في حق الذين ابتعدوا عن القيم الدينية واقترفوا المحرمات؛ حتى استقرت تلك الأقوال والإهانات في اللاوعي عندنا، وتوطّنت في خلايانا العصبية، وأثرت في مشاعرنا وأفكارنا، وأحيانًا أفكر في تلك الأيام فأحمد الله على أننا لم نعادِ أو نخاصم أو ننازع أشخاصًا يفكرون بشكل مختلف عنا، ويعيشون على نحو آخر، فكان هذا من آثار صيانة الله وحفظه لنا، وإلا لما استطعنا أن ندفع فاتورة تلك الأيام.

وهنا قد يُطرح سؤال عمّا إذا كنا قد حققنا في الوقت الراهن التفكير السليم فيما نقول أم لا؟ ويا تُرى هل استطعنا أن نتخلص من الأفكار التي تفوح منها رائحة التميز العنصري أم لا؟ وهل نستطيع أن نشرح ما نشرح دون ربطه بفلان أو علان؟

لقد كان رجالُ الخدمة الإيمانية والقرآنية في فترةٍ ما قلة قليلة وضعفاء، لذا قد تُحُدِّث عن فكرة أهمية الأنانية الجماعية والانتماء إلى هذه الجماعة أو تلك الطريقة، وذلك بهدف تشجيعهم؛ إلا أن هذه الأمور ليست موضوعات رئيسة مثل الأسس الإيمانية، فعدم تعبير الإنسان عن تبعيته لهذه الجماعة أو تلك الطريقة لا يُخرجه عن الدين، ولا يبعده عن حلقة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل لا ينفصل عن الشيخ الذي يسير في إثره، ربما أخطأنا أخطاء بالغة في هذه الأمور، وكان الأولى أن نفكر بشكل أوسع، ونفتح صدورنا للجميع، وننحّي غِلظتنا جانبًا، ونتحلى بالشفقة والرحمة، ونقوم بخدماتنا في كل مكان، فإن لم يثمر بعضها أثمر البعض الآخر منها بإذن الله سبحانه وتعالى.

 ***

[1]  مسند الإمام أحمد، 25/404-405.

مصيدةُ الأنانيةِ وقوّةُ الإخلاصِ المركزية

Herkul | | العربية

عندما يرى الإنسان نتائج أعماله على أرض الواقع قد يظنّ أنه يقوم بأعمال محمودة، وقد يبدو ذلك عاديًّا وبريئًا جدًّا بالنسبة له، لكن الخطيئة قد تجد مكانًا لها حتى في قلب أكثر المشاعر والأفكار براءة، ومن ذلك على سبيل المثال أنه حين تتسلط على خلايانا العصبية أفكارٌ مثل: “نحن من خططنا لهذا، ونحن من أنجزناه”؛ فإننا قد لوّثنا العمل الذي نقوم به؛ وتستحيل الاستقامة على هذا المنوال، وإنكم إذا ما أنجزتم أشياءَ عظيمةً، وفتحتم عوالم جديدةً، وعثرتم على كنوز في أعماق الأرض ثم حدَّثَتْكم أنفسكم بأنَّ الفضلَ في ذلك يعود إليكم أيضًا؛ فإنكم خاسرون لا محالة.

   استحالةُ الشَّرَاكَةِ في عمليّة الخَلق

إن إرادة الإنسان عامل أساسي عند بدء العمل، ولذا فإن واجبه هو أن يمنحَ إرادته حقها، ويتخذَ جميعَ الأسباب التي تؤدي إلى النتيجة، ويستنفذَ في سبيل ذلك طاقتَه وجهدَه وعزيمتَه.. وبعد أداءِ واجبِه عليه ألا ينسب إلى نفسه النتيجة التي تتحقق كمظهر من مظاهر الإرادة الإلهية، وألا يعتبرها من عند نفسه؛ لأن خالق كل الموجودات والحوادث التي في الكون هو الله سبحانه وتعالى، وعمليةُ الخلقِ هذه لا تحتمل ولا تقبل الشراكة قطعًا، والدخول في فكرة المشاركة هنا -في مسألة إنجاز هذه النجاحات التي أنعم الله بها علينا- إنما هو نوعٌ من الشرك بالله تعالى.

فعندما يبدأ الناس في الاعتقاد بأن النعم التي منَّ الله تعالى بها عليهم إنما هي من عند أنفسهم فإنهم يفقدونها، وحتى وإن استمرّ التوسع بفعل قوته المركزية بسبب الإخلاص الذي كان في بداية الأمر لمدة معينة فإن هذا التوسع يتوقف بعد فترة ما بسبب فقدان الإخلاص، وإنَّ مَنْ يبدؤون في نسبة العمل إلى أنفسهم بعد أن تقلّدوا وظيفتهم المباركةَ بإخلاص لَيَخْسرون حتى وإن كانوا أعظم الأولياء، وسيتعثرون إن عاجلًا أو آجلًا.

لهذا السبب فإن الأستاذ بديع الزمان يوصي بقراءة رسالة الإخلاص مرة كل خمسة عشر يومًا في الأقل[1]، بغيةَ محوِ الشرك الثقيل وهو الأنانية، والابتعاد عنه إلى ما هو أخف منه بدرجة وهو “نحن”، ثم محو “نحن” أيضًا بتفكير أكثر صدقًا، والارتباط بـ”هو” جل جلاله.

إن الطريق الذي نسير فيه هو طريق التوحيد.. طريق إعادة بعث العقائد المتعلقة بوجود الله ووحدانيته من جديد؛ بعد أن تضررت مقوّماته الأساسية على مرّ السنين ونُسيت من قِبلِ الكثيرين، ويجب العلمُ بأن حاملَ فكرةِ الشِّرك لا يمكنه السير في طريق التوحيد، فإنْ هَمَمْتُم وربَطْتُم -في مثل هذا الطريق- بعضَ النجاحات بغير الله وبالأسباب وبأنانيتكم؛ فإن الله تعالى يأخذها من أيديكم شيئًا فشيئًا، وبينما تظنون أنّكم أنْشَأتُم عالَمَكم الخاص إذا به ينهار فوق رؤوسكم؛ فترزحون وتنسحقون تحته أنتم أيضًا.. ولذا فكلّما زادت أنعم الله وإحساناته عليكم كلما توجَّبَ عليكم أن تقووا الصلة والارتباط به عز وجل، وأن تمحوا كل شيء من العقل سوى الله تعالى.

ويلخص الأستاذ بديع الزمان منزلة الأسباب بالعبارات التالية: “إنّ الأسباب حجابُ تصرّف القدرة؛ إذ العزةُ والعظمة تقتضيان الحجابَ، لكنَّ المتصرف الفعال هو القدرة الصمدانية؛ إذ التوحيد والجلال هكذا يقتضيان، لا مؤثر إلا الله وحده”[2]، ويقول في موضع آخر: “فالأسباب لا تأثير لها تأثيرًا حقيقيًّا، وإنما هي ستائر أمام عزة القدرة وعظمتها، لئلا يرى العقل مباشرةً يد القدرة بالأمور الخسيسة بنظره الظاهر”[3]، وكما تبين فالأسباب أستارٌ ليس إلا، وعلى الرغم من أن الإنسان قد شُرِّف بنعمة العقل والتكريمِ و”أحسن تقويم”؛ فإن أفعاله لا تعدو كونَها سببًا، لذلك فإن استبدالَ “هو” بـ”أنا” سوءُ أدبٍ كبير مع الله تعالى.

ولا ينبغي للمرء أن يسمح حتى لأصغر الأفكار الخاطئة بأن تتسلّط على عقله في هذا الشأن؛ لأنها قد تنمو رويدًا رويدًا وتُحوِّل مُعتنِقَها إلى رمز للأنانية، ومَن ينحدرُ إلى هذه الدركة من الشرك يستحيل عليه أن يُحطِّم -بسهولة- هذا الصنم الضخم الذي بناه بيديه.

   إن الله لا يحب من يقول “أنا”

يقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (سورة الصَّافَّاتِ: 37/96)، ربما لا يشعر الإنسان بهذا دائمًا، وقد يعتبر النتيجة المتحقّقة من عند نفسه أحيانًا، بيد أنه بمجرد أن ينتبه لذلك فعليه أن يستغفر فورًا، ويتجنب الآراء والملاحظات الخاطئة، وألَّا يسمح حتى لخياله أن يتلوث بهذه الأشياء؛ وإلى اليوم لم نرَ من بين مَن يقولون “أنا.. أنا..” مَن حقّقَ نجاحًا أو فلاحًا، وحتى وإن ارتقى أحدهم بعضَ الشيء إلا أنه يقع سريعًا ويخرُّ منكبًّا على وجهه، وينقلب رأسًا على عقبٍ.. فإن تعيشوا الحياة بإحساسٍ وتفحُّصٍ جادّين فستجدون كثيرًا من أعمالكم التي داخَلَتْها الأنانيةُ وأَثنيتُم عليها قد باءت بالفشل، فالله يمقتُ الأنانيةَ ولا يحبّها.. فإذا كنا ننشدُ النجاح فيما نقوم به من خدمات فعلينا أن ننفّذَ أعمالنا كلها في مدار الإخلاص وفلكه.

إن النفس تريد أن ترى ذاتها مستقلة وأن تفخر بإنجازاتها، ولكن النفسَ أمّارةٌ بالسّوء كما قال سيدنا يوسف عليه السلام في القرآن الكريم: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (سورة يُوسُفَ: 12/53)، ولذا فلا يمكن الوثوق بها، وعندما نقوم بشيءٍ ما من أجلها أو نربط ذلك الشيءَ بها؛ فإننا نقلل من قيمة العمل المنجَزِ ونقضي على تأثيره، إذ إن ما يُقامُ به من أعمالٍ من أجل النفس محكومٌ عليه بأن يكون عقيمًا لا قيمة له في الآخرة أيضًا، ولذلك طالما تحرَّكْتم لصالح النفس فلن تحصلوا على أجر من الله تعالى حتى وإن فتحتم عوالم جديدة.

علاوة على ذلك، فإن هذه المواقف المرتبطة بالأنا حينما تصطدم بالعباد المخلصين فسيصدر عنهم ردّ فعل كاره لها، وستصطدم بكراهيتهم إياها فليس هناك شكٌّ في أنها ستدفع أيضًا مَنْ يسيرون معكم على الخط نفسه إلى الحسد والغيرة منكم، فيجب التذكير أنه بقدر ما يُعجَبُ الإنسان بنفسِهِ وبأعمالِه بقدر ما يبغضه الناس ويرفضونه ويبتعدون عنه.

   عدمُ استعظام العمل عبادةٌ

من ناحية أخرى فإن الأعمال المنجَزَة تُصبح كبيرة وعظيمة -حتى وإن كانت صغيرة- إذا ما نُفّذت بإخلاص، فما يُفعل في سبيل الله لا يكون صغيرًا.. والحقيقة أن نبيَّنا صلى الله عليه وسلم يبين أنه لا ينبغي التقليل من شأن العمل الصالح مهما كان بسيطًا، فقد قال صلى الله عليه وسلم: “تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ البَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُكَ الحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ[4].

نعم، لا ينبغي أن نقلل ونحقر من شأن أي عمل يُنجزُ من أجل الله، إلّا أنه يجب علينا أن نراه في أعيننا صغيرًا، وهذا المعنى يتوافق مع الدعاء المنسوب إلى نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم حينما دعا فقال: “وَاجْعَلْنِي فِي عَيْنَيَّ صَغِيرًا وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ كَبِيرًا[5]، إذن يجب على المؤمن أن ينظر من هذا المنظور إلى جميع الأعمال التي يحاول القيام بها، وألا يستعظم أيًّا من أعماله، وأن يستقِلَّ العبادات التي يؤدّيها في سبيل الله، ويستقِلَّ أيضًا معرفته، وكذلك جهودَه في سبيل إعلاء كلمة الله، وألا يرى الوقتَ الذي كرَّسه لله تعالى والجهودَ التي بذلها في سبيل الإرشاد والتبليغ كافيًا وافيًا.. والحقيقةُ أن مثل هذا الرأي يُعتبر عبادةً من زاوية مختلفة، دَعُونا نُسَمِّها “عبادةُ عدمِ استعظام العمل”.. وإن كانت العظمة واردة فإنها في العمل من أجل البشرية وفي ربطه برضاء الله جل وعلا؛ ذلك لأننا نؤمن بأن الله قد يوفق حتى الجهود الصغيرة إلى انفتاحات عظيمة وخيرات كبيرة.

فمثلًا إن بضعَةَ منازل طلابية أنشأتموها بنيَّات صادقة في فترة ما يمكن أن تُصبح وسيلةً لتوسّعات كبيرة في المستقبل، وقد تتحوّل البذور التي بذرتموها إلى فسائل، فتتحوّل إلى أشجار، وتبدأ تمد أغصانها في كل مكان، ثم يتحول العالم إلى بستان وردٍ؛ حتى إنَّ منْ بذر البذور تسيطر عليه الدهشة والحيرة إزاء هذه النتيجة.. يكفي أن تُنجز الأعمال من أجل رضا الله وألَّا يحاول المرء التعبير عن نفسِه من خلالها.

ونتيجة لذلك يمكننا القول إنَّ الله سيوفق مَنْ لا يهتمون بتحقيق فائدة شخصية من وراء أعمالهم الصالحة، ولا يضعون أنفسهم في الحسبان، ولا يطلبون الدنيا، ويتواضعون ويخدمون بإخلاص، وكما ورد في الآية الأولى من سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (سورة الفَتْحِ: 1/48)، فإنه سيفتح طريقهم، ويحول الممرات الضيقة أمامهم إلى طرق سريعة واسعة.

من ناحية أخرى فإن من يقول: “إنني أعمل، وأركض، وأهاجر، ثم بعد ذلك أعاني من أنواع الحرمان المختلفة؛ أين مردود كل هذه الجهود والتضحيات؟!”، ويتطلع إلى نسج عالمه الخاص مثل العنكبوت فإنه سوف يقع في شِباكِ هذه الخطوط العنكبوتية التي نسجها، هذه هي مصيدةُ الأنانية، وإذا ما وقع في هذه المصيدة فلن يتمكن من الخروج منها مرة أخرى، وسيكون طعمة للآخرين.. سلَّمَنا الله جميعًا ورزقنا حسن الخاتمة..

ملحوظة: تم إعداد هذا المقال من كلمة ألقاها الأستاذ فتح الله كولن في تاريخ 5 مارس 2010م.

***

[1]  بديع الزمان سعيد النُّرسي: اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، ص 219.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: المثنوي النوري، ص 55.

[3] بديع الزمان سعيد النورسي: المثنوي النوري، ص 423.

[4] سنن الترمذي، البر والصلة، 36.

[5] مسند البزار، 10/315.