Posts Tagged ‘الإخلاص’

التواضع والإخلاص

Herkul | | العربية

التواضع حال وشعور قلبي، ويعني التذلل واستحقار النفس، وهذا عظيم جدًّا عند الله تعالى، ويُطلق على صاحب هذه الصفة العظيمة “متواضع”، وعلى الرغم من أن التواضع ينعكس في الغالب على الأفعال والسلوكيات، إلا أنه لا يمكننا الجزم بتواضع المرء من عدمه بمجرد النظر إلى سلوكه الظاهري.. فالنية هي التي تحدد المتواضعَ من غيره سواءً كان المتواضعُ يصلي في الصف الأوّل خلف الإمام أو في الصف الأخير. المهم هنا هو الشعور الداخلي الذي دفعه إلى هذا الفعل، ومن ثم يكون من الواجب على المرء أن يراجع نفسه دائمًا وأن ينتبه إلى إحساسه ومشاعره ويقِوّم حياته وفقًا لذلك، فالإنسان المتواضع يتجنَّب دائمًا المواضع التي تستدعي تبجيله وتعظيمه أمام الآخرين؛ إذ يشعر بالضيق والحرج عندما يضعه الآخرون في مكانة كبيرة لشيء فعله.

وفي كثيرٍ من الأحاديث النبوية يرد التذكير بفضل التبكير إلى الصلاة والوقوف في الصف الأول خلف الإمام، هذا هو الجانب الموضوعي من المسألة.. أما ما نحاول الحديث عنه هنا فهو الجانب المتعلق من المسألة بالتواضع والكبر، وبالتالي فهو أمر ذاتي، ومع ذلك فإن الشخص ربما ينال الثواب أيضًا نتيجة صدق هذه الاعتبارات، فمثلًا قد نجد شخصًا يأتي إلى المسجد مبكرًا ولكنه يقف في الصف الخلفي ليس إلا إيثارًا منه لينال أخٌ آخر تلك الفضيلة، فهذا نوع من الجود وعملٌ مقبول عند الله، ولكن قد لا يكون من الصواب أن يفعل الشخص الشيء نفسه دائمًا حتى ولو كان سخاء ومروءة من هذا القبيل؛ فقد يتحول هذا بعد مدة ما إلى محاولة التعريف به وإشهار نفسِه أمام الناس.

ومهما قام المؤمن بأعمالٍ جليلة فعليه أن يعرف كيف يتخلّص على الفور من الوقوع في فخِّ إشهار نفسِه أمام الناس، يجب عليه أن يكون عازمًا كل العزم على أن يقضي حياته في تواضع تام، ومحو تام، وخجل تام.. بيد أنه ينبغي له ألَا يقيِّد هذه الأمور بالشكليات؛ لأن مفهوم التواضع المرهون بأشكالِ وأنماطِ سلوكيةٍ محددة من الممكن أن يدفع الإنسان إلى عقدة التصنع وإبراز النفس دون وعي منه، لذا فعلى المرءِ أن يكون مرِنًا وأن يتخذ القرار وفقًا لحالته الروحية؛ فليس للسلوكيات والأفعال قيمة في حد ذاتها؛ ولكن ما يُكسبها القيمة والتقدير هو نية المرء وقراراته الداخلية.

   الأحكام التي يصدرها الضمير

إن مَن يستطيع قراءة الإنسان وفهمه جيدًا هو الإنسان نفسه.. أي مرآة الضمير؛ فالضمير يشبه حجر الزاوية والميزان الذي لا يضلّل ألبتة، لذا فعلينا أن نجعله معيارًا وميزانًا في كل أفعالنا وتصرفاتنا، وأن نتحرّك وفقًا له.

وإذا تناولنا مثال الصلاة مرة أخرى، نجد شخصًا يقول في ضميره “لستُ جديرًا بالوقوف في الصف الأول”، ويتراجع إلى الصف الخلفي اعتمادًا على هذه الملاحظة؛ أي إن شعور التواضع بداخله هو الذي يدفعه إلى فعل ذلك، فيتجلى تواضعه على هذا النحو، بينما شخص آخر يقف في الصف الخلفي ليجعل الآخرين يقولون عليه: “كم أن فلانًا متواضع! يقف في الخلف على الرغم من أنه يأتي إلى الصلاة باكرًا!”، حتى وإن لم يفكر المرء في هذا صراحة فإن فكرة خبيثة جدًّا ربما تنتابه وتستقرّ في ذهنه دون وعي منه، ومن ثم تأتي الخسارة بسبب إبراز النفس وتعظيمها.

ويجب العلم بأن الإنسان إنما هو إنسان نياته وعوالمه الباطنية وانفعالاته الداخلية، هذا هو ما يصبغ الأفعال وينسجها ويشكلها، وبه تكتسب الأفعال قيمة وعمقًا أو تفقد ذلك تمامًا، وكما ورد في الحديث النبوي فإن الرجل يقاتل بكل بسالة وشجاعة في ساحة الوغى؛ إلا أن عمله هذا إذا لم يكن مرصَّعًا بالإخلاص فإنه لا يساوي شيئًا على الإطلاق عند الله تعالى؛ كما أنه لن يقرِّبه من الجنة ولو قيد أنملة؛ بل على العكس يقرِّبه من النار.

ورجل آخر ثريّ مثل قارون، قد أنفق ما لديه من كنوز حتى آخرها، لكنه إنْ خطرت بذهنه واستقرت فيه أفكار من قبيل أن يقول الناس له: “كم أنت جواد! هكذا يكون الجود والكرم!”، فهذا يعني أن أعماله صارت هباءً منثورًا[1]، ويمكنكم أن تقيسوا على هذا سائر الأعمال والمزايا الأخرى من الرفعة في العلم وحسن الخطابة وعذوبة الكتابة أو البراعة في إلقاء الشعر.. إن فكرةَ الشهرةِ والصيت ونسبةَ العمل إلى النفسِ -ولو بقدر يسير- تقضي تمامًا على العمل الصالح والخدمات المبذولة حتى وإن كانت مذهلةً تأخذ بالألباب، وعلى هذا يجب أن يكون رضا الله عز وجل هو المقصد الأول والأخير في جميع الأعمال، ويجب العمل على نيل رضاه تعالى فحسب.

إن منْ لا يمرّر أحواله وأفعاله من مصفاة الوجدان ولا يحاسب نفسه من وقت لآخر يندم أيَّما ندم أمام المولى تعالى.. والواجب علينا هو أن ندقّق حتى في أكثر تصرّفاتنا براءةً وعصمةً وأن نتحقّق دائمًا من سلامتها.

يمكنكم القيام بأعمال طيبة للغاية لصالح الإنسانية؛ فمثلًا لقد قمتم بإصدار الصحف والمجلات وبث القنوات التلفزيونية، والنجاح في هذا الصدد.. إلا أنكم إذا أقحمتم أنانيَّتكم في ذلك، فإن هذه الأعمال الطيبة تُردُّ في وجوهكم يوم القيامة، وتَحبَط جميعها؛ فلا يمكن لأي عمل لا يُعتمد فيه على الله أن يحقِّق النجاح، كما أن الأعمال التي تفوح رياءً وسمعةً هي ضدكم وضد دينكم وضد أمتكم، وإن نجحت الأعمال التي لا تقوم في الأساس على الصدق والإخلاص نجاحًا مؤقتًا، فاعلموا جيدًا أن ذلك إنما هو استدراج.

   الكذب صفة الكفار

إذا أردنا ألا نتعرض للخسران الدنيوي والأخروي، فعلينا أن نؤدي جميع أعمالنا وكأننا نراه تعالى فإن لم نكن نراه فإنه يرانا، وهذا يقتضي أعلى درجات الإخلاص والصدق، يجب ألا نتفوه بقول أو نكتب كلمة أو نقوم بعمل دون ربطه بفكرة الإحسان، وعلينا دائمًا أن نتحرى رضاه تعالى في كل شؤوننا وتصرفاتنا صغيرِها وكبيرِها، لأن ما لا يستند إليه جل جلاله من أعمال إنما هو كذب.. إنها كذبٌ حتى ولو فتحنا إسطنبول، وانتصَرْنا في موقعة “جالديران”، وغلَبْنا في “مرج دابق” و”الريدانية”.. إياكم أن تفهموا من كلامي هذا أنني أرى ما قام به السلطان الفاتح والسلطان ياووز كذبًا وبهتانًا، فلا يليق الكذب ألبتة بهذه القامات الجليلة، وإنما أحاول أن أقدم مشهدًا ورؤية مناسبة فيما يتعلق بالتحكم في عالمنا الداخلي والسيطرة عليه.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن “الكذب” هو العلَامة الأبرز في شبكة البلاء التي ستتسلط على أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان، وكلمة “الدجال” أيضًا تعني المخادع الكذاب، ولما كانت هذه الكلمة قد وردت في اللغة العربية بصيغة المبالغة فإنها لا تُستخدم لكذاب عادي؛ وإنما تعني الكذاب البارع بحيث صار يصدِّق الأكاذيب التي اختلقها هو.. وإنَّ أفعالَه وإن بدت وكأنها وقعَت لصالح الإيمان والإسلام وتنبع من شعور الإحسان ومن أجل خير الأمة ومصلحتها، إلا أنها كذبٌ وبهتانٌ بيِّن لا صلة له بالصدق والإخلاص، كما أن الوعود التي يعِد بها مستقبلًا هي محضُ كذب وافتراء أيضًا، والكذب كما يصفه الأستاذ بديع الزمان هو لفظٌ كافر، ولا تليق بالمؤمن.

ومع الأسف فالشيطان يخدع الكثيرين اليوم بشراك الكذب سواء أكان فعليًّا أو قوليًّا أو حاليًّا أو تخيليًّا، ويضلهم عن السبيل، والواجب على المؤمن الحقيقي هو أن يلتزم الصدق دائمًا؛ ويفر من الكذب فراره من الأسد.

***

[1] انظر: صحيح مسلم، الإمارة، 152. (إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ).

مصيدةُ الأنانيةِ وقوّةُ الإخلاصِ المركزية

Herkul | | العربية

عندما يرى الإنسان نتائج أعماله على أرض الواقع قد يظنّ أنه يقوم بأعمال محمودة، وقد يبدو ذلك عاديًّا وبريئًا جدًّا بالنسبة له، لكن الخطيئة قد تجد مكانًا لها حتى في قلب أكثر المشاعر والأفكار براءة، ومن ذلك على سبيل المثال أنه حين تتسلط على خلايانا العصبية أفكارٌ مثل: “نحن من خططنا لهذا، ونحن من أنجزناه”؛ فإننا قد لوّثنا العمل الذي نقوم به؛ وتستحيل الاستقامة على هذا المنوال، وإنكم إذا ما أنجزتم أشياءَ عظيمةً، وفتحتم عوالم جديدةً، وعثرتم على كنوز في أعماق الأرض ثم حدَّثَتْكم أنفسكم بأنَّ الفضلَ في ذلك يعود إليكم أيضًا؛ فإنكم خاسرون لا محالة.

   استحالةُ الشَّرَاكَةِ في عمليّة الخَلق

إن إرادة الإنسان عامل أساسي عند بدء العمل، ولذا فإن واجبه هو أن يمنحَ إرادته حقها، ويتخذَ جميعَ الأسباب التي تؤدي إلى النتيجة، ويستنفذَ في سبيل ذلك طاقتَه وجهدَه وعزيمتَه.. وبعد أداءِ واجبِه عليه ألا ينسب إلى نفسه النتيجة التي تتحقق كمظهر من مظاهر الإرادة الإلهية، وألا يعتبرها من عند نفسه؛ لأن خالق كل الموجودات والحوادث التي في الكون هو الله سبحانه وتعالى، وعمليةُ الخلقِ هذه لا تحتمل ولا تقبل الشراكة قطعًا، والدخول في فكرة المشاركة هنا -في مسألة إنجاز هذه النجاحات التي أنعم الله بها علينا- إنما هو نوعٌ من الشرك بالله تعالى.

فعندما يبدأ الناس في الاعتقاد بأن النعم التي منَّ الله تعالى بها عليهم إنما هي من عند أنفسهم فإنهم يفقدونها، وحتى وإن استمرّ التوسع بفعل قوته المركزية بسبب الإخلاص الذي كان في بداية الأمر لمدة معينة فإن هذا التوسع يتوقف بعد فترة ما بسبب فقدان الإخلاص، وإنَّ مَنْ يبدؤون في نسبة العمل إلى أنفسهم بعد أن تقلّدوا وظيفتهم المباركةَ بإخلاص لَيَخْسرون حتى وإن كانوا أعظم الأولياء، وسيتعثرون إن عاجلًا أو آجلًا.

لهذا السبب فإن الأستاذ بديع الزمان يوصي بقراءة رسالة الإخلاص مرة كل خمسة عشر يومًا في الأقل[1]، بغيةَ محوِ الشرك الثقيل وهو الأنانية، والابتعاد عنه إلى ما هو أخف منه بدرجة وهو “نحن”، ثم محو “نحن” أيضًا بتفكير أكثر صدقًا، والارتباط بـ”هو” جل جلاله.

إن الطريق الذي نسير فيه هو طريق التوحيد.. طريق إعادة بعث العقائد المتعلقة بوجود الله ووحدانيته من جديد؛ بعد أن تضررت مقوّماته الأساسية على مرّ السنين ونُسيت من قِبلِ الكثيرين، ويجب العلمُ بأن حاملَ فكرةِ الشِّرك لا يمكنه السير في طريق التوحيد، فإنْ هَمَمْتُم وربَطْتُم -في مثل هذا الطريق- بعضَ النجاحات بغير الله وبالأسباب وبأنانيتكم؛ فإن الله تعالى يأخذها من أيديكم شيئًا فشيئًا، وبينما تظنون أنّكم أنْشَأتُم عالَمَكم الخاص إذا به ينهار فوق رؤوسكم؛ فترزحون وتنسحقون تحته أنتم أيضًا.. ولذا فكلّما زادت أنعم الله وإحساناته عليكم كلما توجَّبَ عليكم أن تقووا الصلة والارتباط به عز وجل، وأن تمحوا كل شيء من العقل سوى الله تعالى.

ويلخص الأستاذ بديع الزمان منزلة الأسباب بالعبارات التالية: “إنّ الأسباب حجابُ تصرّف القدرة؛ إذ العزةُ والعظمة تقتضيان الحجابَ، لكنَّ المتصرف الفعال هو القدرة الصمدانية؛ إذ التوحيد والجلال هكذا يقتضيان، لا مؤثر إلا الله وحده”[2]، ويقول في موضع آخر: “فالأسباب لا تأثير لها تأثيرًا حقيقيًّا، وإنما هي ستائر أمام عزة القدرة وعظمتها، لئلا يرى العقل مباشرةً يد القدرة بالأمور الخسيسة بنظره الظاهر”[3]، وكما تبين فالأسباب أستارٌ ليس إلا، وعلى الرغم من أن الإنسان قد شُرِّف بنعمة العقل والتكريمِ و”أحسن تقويم”؛ فإن أفعاله لا تعدو كونَها سببًا، لذلك فإن استبدالَ “هو” بـ”أنا” سوءُ أدبٍ كبير مع الله تعالى.

ولا ينبغي للمرء أن يسمح حتى لأصغر الأفكار الخاطئة بأن تتسلّط على عقله في هذا الشأن؛ لأنها قد تنمو رويدًا رويدًا وتُحوِّل مُعتنِقَها إلى رمز للأنانية، ومَن ينحدرُ إلى هذه الدركة من الشرك يستحيل عليه أن يُحطِّم -بسهولة- هذا الصنم الضخم الذي بناه بيديه.

   إن الله لا يحب من يقول “أنا”

يقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (سورة الصَّافَّاتِ: 37/96)، ربما لا يشعر الإنسان بهذا دائمًا، وقد يعتبر النتيجة المتحقّقة من عند نفسه أحيانًا، بيد أنه بمجرد أن ينتبه لذلك فعليه أن يستغفر فورًا، ويتجنب الآراء والملاحظات الخاطئة، وألَّا يسمح حتى لخياله أن يتلوث بهذه الأشياء؛ وإلى اليوم لم نرَ من بين مَن يقولون “أنا.. أنا..” مَن حقّقَ نجاحًا أو فلاحًا، وحتى وإن ارتقى أحدهم بعضَ الشيء إلا أنه يقع سريعًا ويخرُّ منكبًّا على وجهه، وينقلب رأسًا على عقبٍ.. فإن تعيشوا الحياة بإحساسٍ وتفحُّصٍ جادّين فستجدون كثيرًا من أعمالكم التي داخَلَتْها الأنانيةُ وأَثنيتُم عليها قد باءت بالفشل، فالله يمقتُ الأنانيةَ ولا يحبّها.. فإذا كنا ننشدُ النجاح فيما نقوم به من خدمات فعلينا أن ننفّذَ أعمالنا كلها في مدار الإخلاص وفلكه.

إن النفس تريد أن ترى ذاتها مستقلة وأن تفخر بإنجازاتها، ولكن النفسَ أمّارةٌ بالسّوء كما قال سيدنا يوسف عليه السلام في القرآن الكريم: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (سورة يُوسُفَ: 12/53)، ولذا فلا يمكن الوثوق بها، وعندما نقوم بشيءٍ ما من أجلها أو نربط ذلك الشيءَ بها؛ فإننا نقلل من قيمة العمل المنجَزِ ونقضي على تأثيره، إذ إن ما يُقامُ به من أعمالٍ من أجل النفس محكومٌ عليه بأن يكون عقيمًا لا قيمة له في الآخرة أيضًا، ولذلك طالما تحرَّكْتم لصالح النفس فلن تحصلوا على أجر من الله تعالى حتى وإن فتحتم عوالم جديدة.

علاوة على ذلك، فإن هذه المواقف المرتبطة بالأنا حينما تصطدم بالعباد المخلصين فسيصدر عنهم ردّ فعل كاره لها، وستصطدم بكراهيتهم إياها فليس هناك شكٌّ في أنها ستدفع أيضًا مَنْ يسيرون معكم على الخط نفسه إلى الحسد والغيرة منكم، فيجب التذكير أنه بقدر ما يُعجَبُ الإنسان بنفسِهِ وبأعمالِه بقدر ما يبغضه الناس ويرفضونه ويبتعدون عنه.

   عدمُ استعظام العمل عبادةٌ

من ناحية أخرى فإن الأعمال المنجَزَة تُصبح كبيرة وعظيمة -حتى وإن كانت صغيرة- إذا ما نُفّذت بإخلاص، فما يُفعل في سبيل الله لا يكون صغيرًا.. والحقيقة أن نبيَّنا صلى الله عليه وسلم يبين أنه لا ينبغي التقليل من شأن العمل الصالح مهما كان بسيطًا، فقد قال صلى الله عليه وسلم: “تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ البَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُكَ الحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ[4].

نعم، لا ينبغي أن نقلل ونحقر من شأن أي عمل يُنجزُ من أجل الله، إلّا أنه يجب علينا أن نراه في أعيننا صغيرًا، وهذا المعنى يتوافق مع الدعاء المنسوب إلى نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم حينما دعا فقال: “وَاجْعَلْنِي فِي عَيْنَيَّ صَغِيرًا وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ كَبِيرًا[5]، إذن يجب على المؤمن أن ينظر من هذا المنظور إلى جميع الأعمال التي يحاول القيام بها، وألا يستعظم أيًّا من أعماله، وأن يستقِلَّ العبادات التي يؤدّيها في سبيل الله، ويستقِلَّ أيضًا معرفته، وكذلك جهودَه في سبيل إعلاء كلمة الله، وألا يرى الوقتَ الذي كرَّسه لله تعالى والجهودَ التي بذلها في سبيل الإرشاد والتبليغ كافيًا وافيًا.. والحقيقةُ أن مثل هذا الرأي يُعتبر عبادةً من زاوية مختلفة، دَعُونا نُسَمِّها “عبادةُ عدمِ استعظام العمل”.. وإن كانت العظمة واردة فإنها في العمل من أجل البشرية وفي ربطه برضاء الله جل وعلا؛ ذلك لأننا نؤمن بأن الله قد يوفق حتى الجهود الصغيرة إلى انفتاحات عظيمة وخيرات كبيرة.

فمثلًا إن بضعَةَ منازل طلابية أنشأتموها بنيَّات صادقة في فترة ما يمكن أن تُصبح وسيلةً لتوسّعات كبيرة في المستقبل، وقد تتحوّل البذور التي بذرتموها إلى فسائل، فتتحوّل إلى أشجار، وتبدأ تمد أغصانها في كل مكان، ثم يتحول العالم إلى بستان وردٍ؛ حتى إنَّ منْ بذر البذور تسيطر عليه الدهشة والحيرة إزاء هذه النتيجة.. يكفي أن تُنجز الأعمال من أجل رضا الله وألَّا يحاول المرء التعبير عن نفسِه من خلالها.

ونتيجة لذلك يمكننا القول إنَّ الله سيوفق مَنْ لا يهتمون بتحقيق فائدة شخصية من وراء أعمالهم الصالحة، ولا يضعون أنفسهم في الحسبان، ولا يطلبون الدنيا، ويتواضعون ويخدمون بإخلاص، وكما ورد في الآية الأولى من سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (سورة الفَتْحِ: 1/48)، فإنه سيفتح طريقهم، ويحول الممرات الضيقة أمامهم إلى طرق سريعة واسعة.

من ناحية أخرى فإن من يقول: “إنني أعمل، وأركض، وأهاجر، ثم بعد ذلك أعاني من أنواع الحرمان المختلفة؛ أين مردود كل هذه الجهود والتضحيات؟!”، ويتطلع إلى نسج عالمه الخاص مثل العنكبوت فإنه سوف يقع في شِباكِ هذه الخطوط العنكبوتية التي نسجها، هذه هي مصيدةُ الأنانية، وإذا ما وقع في هذه المصيدة فلن يتمكن من الخروج منها مرة أخرى، وسيكون طعمة للآخرين.. سلَّمَنا الله جميعًا ورزقنا حسن الخاتمة..

ملحوظة: تم إعداد هذا المقال من كلمة ألقاها الأستاذ فتح الله كولن في تاريخ 5 مارس 2010م.

***

[1]  بديع الزمان سعيد النُّرسي: اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، ص 219.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: المثنوي النوري، ص 55.

[3] بديع الزمان سعيد النورسي: المثنوي النوري، ص 423.

[4] سنن الترمذي، البر والصلة، 36.

[5] مسند البزار، 10/315.

الموقف الإيماني في الشدة والرخاء

Herkul | | العربية

   سؤال: نعلم جميعًا أن الله تعالى يبتلي عباده بالسرّاء والضراء وبالشدة والرخاء؛ فما الموقف الحريّ بالمؤمن حتى لا يخسر في مثل هذه الابتلاءات؟

   الجواب: لا بد أن نذكر بداية أن تعلُّقَ المؤمنِ بغاية سامية، وسعيَه دومًا إلى نسج حياته حولها بمثابة حصن حصين له أمام هذه الامتحانات التي تعترضه، فلو أن الإنسان شغل ذهنه دومًا بفكرة: “ما أجدر الحياة إن ازدانت بالخدمة! وإلا فلا وزن لها”، ولو أنه ربط بقاءَه في الدنيا بإمكانية قيامه بأشياء في سبيل قضيته التي نذر نفسه لها؛ فلن تغرّه النِّعَمُ حتى وإن أُمطِرَ بها، ولن تُسخطه الحوادث القاسية التي يصادفها.

ولكن من الصعوبة بمكانٍ أن يتقبّل الإنسانُ ذلك ويجعله جزءًا من طبيعته، حيث إن استشعار الإنسان بهيجانٍ نابعٍ من داخله، وإحساسَه بذلك في كل خلايا دماغه يستلزم نوعًا معيّنًا من التضحية والتفاني، والمؤمن الحقيقي هو الذي يحرص على تجاوز هذه الصعوبات، ويربط حياته بغاية إعلاء كلمة الله، ويعتبر أن الحياة إذا خلت من هذه الغاية فهي خواء لا معنى لها، ويُخشى أن يتحول إلى جثة هامدة إذا تخلى عن هذه الفكرة.

أجل، إن كل ما يأتي بعد رضا الله والسعيِ إلى تبليغ اسمه سبحانه إلى الصدور المحرومة؛ أمور ثانوية؛ الأمرُ سيان في وجودها أو عدمها، فلا فرق في أن توجد الراحة والسكن والأسرة والمقام والمنصب والمال والثروة أم لا يوجد كل ذلك، لكن لا يمكن قولُ هذا بالنسبة لإعلاء كلمة الله، لأننا وُجدِنا من أجل تبليغ هذه الغاية وإعلانها، فغايةُ الخلق الحقيقية هي إنعاش هذه الفكرة في الصدور وإحياؤها، ومن ثَمّ فعلى المؤمن أن يحرص على ذلك، ويستهدفه بالدرجة الأولى.

والواقع أن هناك الكثير من المؤهلين لاستشعار مثل هذه المسائل بعمق، فقد خلق الله تعالى كثيرًا من الناس مزودين بهذه الجاهزية، لكن مجرَّدَ وجودها فقط ليس كافيًا، فالمهمّ هو تطويرها وتحريكُها وإثارتُها باستيفاء الإرادة حقها، فبعد أن ينير الإنسان داخله يجب عليه أن يطوي الأرض لاهثًا، وعازمًا على إشعال كل شمعة قابلة للاشتعال، وهكذا يمكن النظر إلى كل عمل يؤدَّى في سبيل الله ويستهدِف خدمة الإنسانية على نحو إشعال الشمعة، وكما يقول مولانا جلال الدين الرومي: الشمعة لا تفقد شيئًا من نورها بإشعال غيرها.

   موقف المؤمن إزاء النجاحات

وكل نتيجة جميلة تترتب على سعي الإنسان وجهده لها قيمةٌ عظيمةٌ للغاية على اعتبار أنها ناشئة عن إحسان الله وكرمه وتوجهه، ولكن يجب ألا يكتفي الإنسان بهذا، بل عليه أن يطلب المزيد قائلًا: “كان من الممكن القيام بأعمال أكبر وأكثر بالإمكانيات التي زودني الله بها”.. ولو أن شخصًا استطاع تبليغ نصف الكرة الأرضية فعليه ألا تغيب عنه فكرة: “لم أستطع أن أستوفي إرادتي حقّها، فلقد كان من الممكن بفضل الإمكانيات التي منَّ الله علي بها أن أبلِّغ مشاعري وأفكاري إلى العالم كله”، كما يجب عليه في الوقت ذاته أن ينسب النجاحات التي حقّقها إلى الحق تبارك وتعالى، وأن يعتبر نفسه كالنملة التي سلكت طريق مكة لأداء فريضة الحج، وأن يكون على وعي بأنه لولا لطف الله تعالى وعنايته لما استطاع إتمام الرحلة أبدًا.

يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: “مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ، لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِير[1]، من هنا وجب شكر ربنا سبحانه وتعالى حتى على أقل القليل طالما أنه قادمٌ منه، وإلا يكون الإنسان قد أساء الأدب مع ربه؛ لأن كل شيء يتحقق بيد الله سبحانه وتعالى وإرادته، فهو سبحانه الذي خلق كل ما في حوزتنا قليلَه وكثيرَه، والأشياء التي تبدو صغيرة هي في الحقيقة كبيرة على اعتبار مجيئها من قِبَل الحق سبحانه، لكن علينا أن نستصغر قدر المستطاع النجاحات الواقعة على أساس الجانب المتعلِّق بنا، فلو أنشأنا ألف جامعة فينبغي أن نعتبر هذا قليلًا، ونقول “لماذا لم نصل إلى عشرة آلاف”.

وقد يتراءى للبعض وجود نوعٍ من التناقض حينما نقول: يجب على المؤمن أن ينظر إلى الأعمال التي يقوم بها باستهانة واحتقار ويعتقد أنها تجلب له الخزي والخجل انطلاقًا من الجانب الذي يعود عليه منها؛ وأن يبجّل ويعظم نجاحاته القليلة جدًّا على اعتبار أنها ثمرة لتوجه الذات الإلهية سبحانه وتعالى له؛ غير أنه تناقضٌ لطيف يحفظ على المؤمن استقامة فكره، ويجعله يقيِّم الأحداثَ بشكل صحيح، أما أن ينسب الإنسانُ النجاحات التي أحرزها إلى نفسه، ويستعظم الأعمال الجميلة التي وُفِّق إليها على اعتبار رجوعها إلى شخصه؛ فهذا أمر يغذي وينمّي شعور الكبر والغرور لديه.

فلو أن الشخص الذي يسبح في بحر النعم ويحقق النجاحات الدائمة عَزَا كلَّ ذلك إلى نفسه فقد أشرك بالله دون وعي منه، ويمكن القول إنه لا يختلف من هذه الناحية عن فرعون الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ (سورة النَّازِعَاتِ: 79/24)، وعلى ذلك فالأعمال الجميلة قد تدخِلُ الإنسانَ الجنان أحيانًا، وقد تهوي به إلى النيران أحيانًا أخرى؛ فمثلًا إذا قال الإنسان بعد أن بذل وسعَهُ لتكون دولتُه دوحةً من الجنة: “لقد تحقق هذا بفضل دهائي”؛ فهذا يعني أنه قد انغرز في مستنقع الشرك دون وعي منه، والحال أنه لو نسب هذه الجماليات إلى صاحبها الحقيقي جل وعلا من البداية بدلًا من أن ينسبها إلى نفسه، ثم اعتبر مساعيه لتحقيق هذه النتيجة مجرَّدَ طلبٍ مقدّم إلى الحق تعالى؛ فقد نصب فسطاطَه في جنات الفردوس.

وكما أن الإنسان ينسب أحيانًا الألطاف الإلهية إلى نفسه صراحةً بلسانه كما قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (سورة القَصَصِ: 28/78) فقد يعبِّر عن هذه الحال أيضًا بأحواله وأطواره وإشاراته وإيماءاته؛ وكلها تعبيرات وأطوار تفوح منها رائحة الشرك في النهاية، أما السبيل للانتقال من الشرك إلى الشكر فهو أن ننسب إلى الله تعالى كل شيء صغيرًا كان أم كبيرًا، وأن نقدِّر ذلك كله على اعتبار رجوع كل شيء إليه سبحانه، ففتحُ إسطنبول مثلًا هو عملٌ صغير من حيث الجهة التي تتعلق بالنفس، في حين أن حمل نملة تعثرت على الأرض إلى عشِّها عملٌ عظيم باعتبار الجهة التي تتعلق بالله تعالى، ولذا لا بد من توخي الدقة والحساسية الكاملة إزاء حقوق الله تعالى.

فرغم أن أمنا السيدة عائشة الصديقة رضي الله عنها قد نشأت في بيت يتنزل عليه الوحي زخًّا زخًّا ورافقت النبي صلى الله عليه وسلم ما يقرب من عشر سنوات فإنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم يومًا قائلة: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ كانت أمنا السيدة عائشة مظهرًا لكثير من الألطاف الإلهية، ومع ذلك لم تكن تثق بعملها ولا بقربها من النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت ترجو النجاة بشفاعته صلى الله عليه وسلم لها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم رادًّا على سؤالها: “أَمَّا فِي مَوَاطِنَ ثَلَاثَةٍ فَلَا: الْكِتَابُ، وَالْمِيزَانُ، وَالصِّرَاطُ[2].

ولم تختلف أفكار ومشاعر سيدنا أبي بكر وسيدنا عمر والعديد من سادتنا الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا عن ذلك، فسيدنا عمر الذي قضى حياته في سبيل إعلاء كلمة الله كان يضع جبهته على الأرض ويقول: “اللهم لا تهلك أمة محمد بذنوبي”؛ لأن مسألة استصغار الأعمال من حيث الجهة التي تتعلق بالنفس واستعظامها من حيث الجهة التي تتعلق بالله كانت تتمثل لدى هؤلاء العظام بكل معناها.. فيا تُرَى كم شخصًا حمّل نفسه مسؤولية ما حلّ بالأمة من قحطٍ ومجاعات وزلازل وخلافات وفرقة وتناحر وتسلُّطٍ وظلم ونفاق، ثم ذهب ووضع جبهته على الأرض، خاضعًا متضرّعًا إلى ربه قائلًا: “اللهم لا تهلك أمة محمد بذنوبي”.

   الرضا بالقدر

كما أن الراحة والنعم قد يُفسدان الإنسانَ أحيانًا فإن البلايا والمصائب قد يسوقانه إلى التمرد والعصيان أحيانًا أخرى، والحال أنه يقع على عاتق المؤمن ألا ينسى أن كل هذا بمثابة امتحان من الله له، وعليه أن يقضي حياته في دائرة الصبر والشكر والرضا، يقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ رِضَاهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ لَهُ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ سَخَطُهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ لَه[3].

ولهذا فمن الأهمية بمكان بالنسبة لمن آمن بالله صدقًا وحقًّا ألا يغيب عن باله فكرة “رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا”، وأن يلهج بها دومًا، فَمِنْ خلالها يعبّر المؤمن عن رضاه بربوبية ربه سبحانه الذي أوجده وأنشأه ورباه وقدَّره، وعن رضاه بالإسلام دينًا ومعتقدًا ومنهجًا، وعن رضاه بالتكاليف الشرعية التي ألزمه الله بها، وعن استعداده القيام بها عن طيب نفس، وعن رضاه بسيدنا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولًا.

لكن أن يقول الإنسان: “ماذا فعلتُ لتنزل بي هذه المصائب؟ لماذا تفجعني هذه البلايا؟”؛ فهذا ليس بكلام مؤمن، ولا يجدر أن ينطق به.

وإن فكرة اعتبار الإنسان الحوادثَ السلبية تقديرٌ إلهي، وأن هذا التقدير ربما يرجع إلى أخطائه وذنوبه؛ فهذه الفكرة تخلصه من الأفكار والمشاعر السلبية المنافية للرضا بالقدر، ومن الدخول في جدالٍ داخلي عقيمٍ مع الله سبحانه وتعالى والعياذ بالله، وهذا هو ما يستلزمه المنطق القرآني؛ لأن القرآن الكريم في كثير من آياته يشير إلى أن ما يقع من مصيبة في الأرض والسماء فبما كسبت أيدي الناس، ولذلك يجب أن ينطلق فم المؤمن بهذه الكلمات: إن الله سلط علينا -بسبب ذنوبنا- بعض السيئين، ولأنهم يجهلون تقصيرنا وأخطاءنا الحقيقة فقد ذمّوا الجيِّدَ من أعمالنا وتوجهوا إليه بالنقد، بل إنهم -على حد وصف بديع الزمان النورسي- اتّهمونا بأمورٍ لم نفعلها، ولن نفعلها، ولا يمكن أن نفكر فيها أصلًا..

فلو أن الإنسان نظر إلى المصائب والمشاكل على هذا النحو فلربما ذاب ذلك الخفقان المتزايد في الداخل بانسكاب إكسير الرضا عليه. فبفضل هذا الإكسير يمكن التغلب على جميع الأفكار السلبية التي أربكت أذهاننا ونفذت إلى خلايا أدمغتنا ولوثت ما فيها من ملفات.

وقد يخطر ببالِ أصحابِ القلوب المضحِّية الصادقة التي لا تبتغي شيئًا سوى رضا الله تعالى بعضُ الأفكار السلبية من حين إلى آخر عند تعرضها للغدر والظلم والممارسات العدائية وسيِّئ الأخلاق، بل قد يقضّ هذا الأمرُ مضجعَها، ويمثّل عبئًا ثقيلًا عليها لدرجة تصل إلى حد الجنون، فإن قيل: من أين تعلم هذا؟ أقول: لأنني عشته كثيرًا من قبل، وفي مثل هذه المواقف ينبغي للإنسان أن يستأصل شأفة هذه السلبيات من ذهنه من خلال الاستعانة بالأفكار الإيجابية.

علاوة على ذلك فبسبب ضيق أفقنا وقصور أفكارنا فإننا غالبًا ما نجهل الجماليات التي تولِّدها الأزمات، ولقد قلتُ من قبل: “لو جرت حياتي وفق فكري وتخطيطي لظللتُ ابن السيد “رامز أفندي” في قرية “كوروجك”، ولكن عندما أرجع إلى الوراء وأنظر إلى ما مرّ بي في حياتي أستطيع أن أدرك -بجلاء أكبر- ألطافَ الله تعالى وأفضالَه عليّ”.

قد لا يستطيع الإنسانُ إذا انحشر بين تروس الحوادث الخانقة المملّة خاصة أن يقرأ الأحداث بشكل صحيح، فيقع في أخطاء عند تفسيره للأوامر التكوينية، ولكن عندما يتبدّى لنا كل شيء فيما بعد على نحو أكثر شفافيةً ولمعانًا ندرك أننا نحيا حياتنا بتوجيه الله لنا، وأنه سبحانه وتعالى قد اختصّنا ببعض الألطاف الإلهية وإن لم نكن على وعي بذلك، ولذلك إذا أراد الإنسان أن يحمي نفسه من الخجل والخزي أمام ربه فعليه ألا يتعجل في الحكم على الأحداث، وألا يبتعد عن الرضا أبدًا.

فقد تكون المنحةُ بعد المحنة، وقد يدفعنا الله تعالى إلى طريق مليئةٍ بالمطبات علوًّا وانخفاضًا، وأحيانًا يضطرنا إلى صعود المنحدرات، والعبور من بحور القيح والصديد، وقد لا نفهم حين نتجشم هذه المصاعب الأسرارَ الكامنة وراء كل هذا، ونجهل ما تؤول إليه الحوادث الجارية، ولكن بعد الصعود إلى القمة والنظر إلى الخلف ندرك خطأ ملاحظاتنا وأفكارنا السابقة، فنقول حينها: “ما أسلمَ الطريق الذي سرنا فيه! وما أصوبَ السَّوق الإلهي الذي دفعنا له!” ولهذا يجب أن نعمل على تجاوز ما قد يعلق بنا أثناء سيرنا، وأن نشكر ربنا على أفضاله علينا؛ عسى أن تؤول النتيجة إلى خير بإذن الله تعالى.

   التحلّي بمكارم الأخلاق

ثمة أمراض تنبئ عن عدم الرضا بالقدر مثل الغيرة والحسد وعدم تقبّل الآخرين، ولقد سقط الكثير من الناس حتى الآن في الكفر والضلال بسبب هذه الأمراض.. فمثلًا عمرو بن هشام (أبو جهل) لم يرض أن يخص اللهُ تعالى مفخرةَ الإنسانية صلى الله عليه وسلم بالنبوة دون غيره، ورغم أنه اعترف بنبوة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم من وراء الأبواب المغلقة فإنه لم يصرّح بذلك خوفًا من أن يخسر بعض امتيازاته، ولا ريب أنه بهذا التصرف قد شاقّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكان على شاكلة أبي جهل كثيرٌ من المشركين الذين لم يرضَوا بالقدر، ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم حقيقًا بالنبوة -حاشاه-.

وفي الفترات التالية ظهر أناسٌ لا يتقبلون سادتنا أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا رضي الله عنهم جميعًا، وخصوصًا سيدنا عليًّا الحيدر الكرار والفارس المغوار الذي خرج عليه جماعة من الأجلاف لا يستسيغون وجوده، فقطّعوا أوصال العالم الإسلامي وشتتوا شمله. وهكذا فتحَ الشعورُ بعدم تقبّل الآخرين البابَ لظهور الكثير من الفتن في العالم الإسلامي، وعلى الشاكلة نفسها لم يستسغ الشيطانُ وجودَ سيدنا آدم عليه السلام بسبب غيرته وحسده، فَطُرِد من الحضرة الإلهية، وغدا العدوَّ الأبدي للإنسانية، وفي النهاية خسر الشيطانُ وفاز آدمُ عليه السلام. أجل، إن الغيرة والحسد وعدم التقبل هم سبب الخسارة في الدنيا والآخرة.

وفي أيامنا هذه انهزمت فرقةٌ من الناس إلى حسدها وغيرتها، فلم تتقبَّل رؤيةَ القلوب المضحّية العاملة في سبيل الله، فبذلت كلَّ ما بوسعها حتى تردّهم عن الطريق الذي يسيرون فيه، وهيَّأَت بعض المواقع والحصون وقامت بحملات سلبية تهدف إلى إفساد خططهم ومشاريعهم، بل لم تتورع عن اللجوء إلى المكائد والمؤامرات من أجل خداعهم والتغرير بهم، وعندما لم تنجح في ذلك عملت على كَبْتهم بممارسة الظلم والضغط عليهم.

فليفعل هؤلاء الحساد ما بدا لهم طالما لم يتقبّلوا الأرواح المتفانية ولم يستسيغوا خدماتهم الخيّرة التي يقومون بها، لكن ينبغي للقلوب المتفانية ألا ترجع عن الطريق الذي تسير فيه ألبتة، ولا تتنازل عن أيِّ مبدإٍ من المبادئ التي تؤمن بها، ولا يسوقهم السوءُ الموجه إليهم إلى ارتكاب الأخطاء. أجل، يجب ألا يرد بخاطرهم حتى مقابلة السيئة بمثلها، لأن هذه فكرة غير إنسانية بالنسبة لممثلي الحق والحقيقة خاصة، فدستورهم في هذه المسألة هو ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (سُورَةُ فُصِّلَتْ: 41/34).

وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ[4]، فعلى المسلم أن يكون بأفعاله وتصرفاته ممثّلًا لمكارم الأخلاق على الدوام؛ حتى يثير فيمن ينظرون إليه الاشمئزازَ من قباحة ما يفعلون.

أما إذا فكرتم في مقابلة السيئة بمثلها فهذا يعني أنكم سلكتم الطريق نفسه وارتكبتم الخطأ عينه، وكما سيحاسب الله تعالى هؤلاء على الظلم والجور الذي أوقعوه عليكم فسيحاسبكم أيضًا على الخطإ الذي ارتكبتموه في حقهم؛ لأن أخطاء الآخرين وذنوبهم لا تبرِّر ما تقومون به من أخطاء، وظُلمَهم لكم لا يسوّغ ولا يبرِّر ظلمَكم لهم أبدًا. أما فكرة “لقد قابلناهم بتصرفاتهم، وعاملناهم بعملهم”؛ فلا تكفي لإنقاذكم، ومن ثَمّ لو تجاوز البعضُ حدَّه فظلم واضطهد وأفسد النظام القائم فعلى المؤمن الواعي بإيمانه ألا يقابل ذلك بأي فعل غير مشروع، أما ما يقع على عاتقه فهو التعامل بما هو جدير بإسلامه وإنسانيته.

أجل، علينا أن نتوخى الحيطة والحذر الكامل حتى لا تسوقنا الطرق والمناهج التي يتبناها الآخرون إلى ارتكاب بعض الأخطاء، فليس علينا أن نقابل الذين يضمرون لنا الحسد والغيرة بنفس مشاعرهم السلبية أو نحاول رفع الظلم عنا بظلم مشابه، بل على العكس لا بد أن نقوِّي من جهازنا الهضمي إزاء كل هذه السلبيات، وأن نضاعف صبرنا، ونقابل ما يجري بصدر رحب وتوكل تام قائلين:

ما أعذب البلاء إن كان من جلالِهْ!

وما أحلى الوفاء إن كان من جمالِهْ!

فكلاهما صفاء للروح،

فما أحلى لطفه! وما أعذب قهره!

وثمة فائدة من التأكيد على أن كل هذا لا يمنع من إنزال العقاب اللازم بالمجرمين في حدود القانون، واسترداد الحقوق المغتصبة.

فضلًا عن ذلك لو أنكم أشغلتم أنفسَكم بمن يُسيئون إليكم فستهدرون وقتكم، ولن تتقدموا في الطريق الذي رسمتموه لأنفسكم؛ وسيحاسبكم الله على هذا، ولذلك عليكم أن تحرصوا على الاستمرار في طريقكم، بوضع خطط ومناهج بديلة على الدوام، دون أن تبادروا إلى إيقافِ حملةٍ أو عرقلةِ سعيٍ وحركةٍ، وحتى وإن أحالوا الطريقَ الذي تسيرون فيه إلى طريقٍ وعرٍ يصعب السير فيه فعليكم البحث عن طرق جديدة لمواصلة سيركم.

إن هذه الدنيا ليست محلًّا للاستياء والامتعاض، ولذا فليس لكم أن تستاؤوا أو تمتعضوا من الظلم والجور الواقع عليكم؛ لأنه إن لم يتكفّل البعضُ بتعليم الآداب والأخلاق للإنسانية في عهدٍ بات الناس فيه يلتهم بعضُهم بعضًا كالذئاب الضارية فستكون العاقبة وخيمة، وكأن مستقبل العالم قد استُؤمن عليه وحوشٌ لا يعالجون الأمور إلا بعنفٍ وهمجية، فثمة حاجة إذًا إلى كيانٍ أصيل ذي تفكير مختلف ومساراتٍ أخرى. أجل، يجب السعي إلى إنشاء هذا الكيان وإرغام الإنسانية على الاعتراف به، وليس هذا بالطبع بممارسة القمع والاستبداد والشدة والعنف والتفجيرات، بل بالمحبة والسماحة، والالتزام بالقيم الإنسانية والأخلاقية.

من أجل هذا يجب بداية أن تكونوا بلا يد لمن ضربكم، وبلا لسان لمن سبكم، وبلا قلب لمن كسر خاطركم، فإن ناصبتم الآخرين العداء بسبب ما يظهرونه لكم من وحشية وغيظ وكره وحقد فستكونون قد شكلتم دائرة فاسدة من الحقد والكراهية، ودفعتم الذين يناصبونكم العداء إلى مزيد من الوحشية والهمجية، أما لو أردتم أن تنتشر روائح زهرة التوليب في الأجواء فعليكم أن تغرسوا هذه الزهرة في قلوبكم أولًا؛ ثم إن أطواركم وأفعالكم ستتشكّل وفقًا لها، وبذلك سيفوح كل مكان تسيرون فيه برائحة الزهور وكأنه خانُ العطور.

   الاحتراز من خطإ الأسلوب

فإن كان ولا بد من قول شيء للمعتدين بهدف النصيحة أو تصحيح الكلام فليكن ذلك بعد إعادة التفكير والاستشارة مرات ومرات، إذ لا بد من الرجوع إلى العقلاء من الناس، واستشارتهم فيما يقال من قبيل: “هلا تنظرون إلى ما سطرناه! هل فيه ما يسبب الأذى؟ أثمةَ داعٍ إلى تخفيف الأسلوب أكثر؟”؛ لأن شأن الحق عالٍ لا يُضحّى به بأيِّ مقابل، وعند الدفاع عن الحق لا بد ألا نقحِم مشاعرنا في الأمر.

وإذا أردتم النفوذ إلى القلوب فعليكم أن تتعرفوا جيدًا على مشاعر مخاطبيكم العامة، وبيئاتهم الثقافية التي نشؤوا فيها، والقيم التي يؤمنون بها، ثم تقدمون الوصفة العلاجية وفقًا لهذا؛ لأن نفس العلاج لا يُقدَّم إلى كل مريض، فالعلاج الذي يُقدّم يتحدد وفقًا لحالة المريض، فلو لم تتعرفوا من البداية على ماهية مخاطبكم وعالمه الفكري، ولم تقدّروا الكيفية التي ستردون عليه بها، وعلى ماذا سيكون ردّ فعلكم؛ فقد تحصدون نتيجةً على عكس مقصدِكم ومبتغاكم.

إن تقدير الأشياء التي يحترمها الطرف الآخر هو أمارة مهمة للغاية على الاحترام الذي نبديه لقيمنا الذاتية؛ لأن عدم توخي الحذر في هذا الأمر يجعل الآخرين لا يبالون بكلامكم، حتى إنهم يعملون على الاعتراض على قيمكم محاولين التهوين من شأنها، ومثل هذا الخطإ يحبط كل خطوة تخطونها فيما بعد. أجل، إذا أهمَلْنا القيمَ التي عايشها الناسُ منذ القدم، وجعلوها جزءًا من طبيعتهم، وبعدًا من فطرتهم؛ فإننا لن نحظى بالقبول حتى وإن قدّمنا رسائلَنا على أنها من الجنة، ولذلك فإن هذا الأمر هو مسؤولية مهمة للغاية تقع على عاتق المرشدين.

فينبغي لوارثي دعوة النبوة أن يكونوا -من جانبٍ- على صلة وثيقة بربهم، وأن يتعرفوا -من جانب آخر- على مشاعر مخاطبيهم وأفكارهم من خلال معاشرة بالناس ومؤاكلتهم ومشاربتهم. أجل، يجب عليهم أن يخالطوا الناس ويطلعوا على مشاعرهم وأفكارهم ومعتقداتهم، ويتحروا طرق النفوذ إلى قلوبهم، حتى يُكتبَ للرسائل التي يقدمونها حسنُ القبول.

   الإخلاص والصدق

ورغم أن كل ما ذكرناه على جانب كبير من الأهمية فلا بد من الصدق حتى يكون للانتفاض والاهتياج في سبيل الخدمة قيمةٌ عند الله، فبقدر إخلاصكم وصدقكم في هذا الموضوع تكونون مظهرًا لتوجه الله لكم، وبقدر توجهكم لله تكونون محطّ نظره وعنايته تعالى، وعندها تُفتح الأبواب المغلقة في وجوهكم على مصاريعها عندما يحين الأوان؛ لأن الحنان المنان ذا الرحمة والغفران حاشاه أن يرد الصادقين الملتجئين إلى بابه خائبين صفر اليدين.

لهذا السبب علينا أن نرصِّعَ أعمالنا كلها بالإخلاص، وإلا نكون قد تدنّينا بقيمة الخدمات التي نقوم بها إلى مستوى الصفر.. وقد يسأل سائلٌ: لماذا ينحدر المستوى على جناح السرعة إلى الصفر وصاحب الأزل والأبد موجود؟!
والجوابُ أنه لا يوجد وسط في هذه المسألة، ولا منزلةَ بين هاتين المنزلتين؛ فإما أن نربط كل شيء به سبحانه فننعم بالنسائم الوافدة منه، وإما أن نتدنى بقيمة ما نفعله إلى مستوى الصفر دون وعي منا.

والله تعالى لا يدع الأبواب مغلقةً إلى الأبد. وما أجمل ما قاله أحد أولياء الحق:

لو أغلق الله بابًا فتح ألف باب

فالله -سيدي- هو مفتِّح الأبواب

وهذا منوطٌ بأن تكون في قلوبنا قناةٌ دائمة الاتصال به سبحانه وتعالى، وأن يشغل هذا الأمر عقولنا وأفكارنا على الدوام، يجب أن يُرجَع كل شيء إليه، فلا قيمة لتقدير الناس وتصفيقهم، فما القيمة التي سيعطيها لكم الناس مقابل توجهه سبحانه لكم؟! إن التشوّف إلى ما عند الناس بدلًا من التوجه إليه سبحانه وتعالى إنما هو تنازلٌ وهبوطٌ بالمستوى، بمعنى استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.

***

[1] مسند الإمام أحمد، 30/390.

 [2] مسند الإمام أحمد، 41/225.

[3] سنن الترمذي، القدر، 15.

[4] سنن الترمذي، البر، 55.

التشاركية في الأعمال الأخروية

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: تطرق الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي في مؤلفاته إلى أن إجمالي الثواب الناتج عن التشارك في الأعمال الأخروية سيُكتَبُ بتمامه في دفتر حسنات كلِّ فردٍ شارك في هذه الأعمال، فما الشروط التي ينبغي مراعاتها لنيل هذه البشرى وذاك الثواب؟

الجواب: تكلّمَ الأستاذ بديع الزمان رحمه الله رحمة واسعة بشكلٍ جليٍّ واضح حول مسألة التشاركية في الأعمال الأخروية، وذكر أن كلّ فرد في الخدمة الإيمانية والقرآنية سيتشاركُ مع الآخرين فيما أحرزوه من ثواب[1]، ولا أذكر أنني صادفتُ قبلَ الأستاذ النورسي أحدًا تناول هذه المسألة بهذا القدر من الوضوح والبيان، لا في كتب التصوّف ولا التفاسير ولا غيرها من المؤلّفات الإسلاميّة الأخرى، حتى وإن تطرّق بعض العلماء الأجلّاء من القدامى والمعاصرين إلى هذه المسألة إلا أنّ بيانات الأستاذ النورسي حولها تفرّدت بكونها غايةً في الجلاء والوضوح.

إن ميقوله بديع الزمان رحمه الله ليتناسبُ تمامًا مع لطافةِ العالم الميتافيزيقي النوراني؛ لأن الأشياء النورانيةَ تنعكس بعينها، فلو افترضنا أن هناك مصباحًا في غرفة بها أربع مرايا موزعة على الجدران، فلا شكَّ أن ضوء هذا المصباح سينعكس بعينه على جميع المرايا في نفس اللحظة، وهكذا فإن الثواب الحاصل عن الاشتراك في الأعمال الأُخرويّة سيُكتب كاملًا بفضلٍ من الله وعنايته في دفتر أعمال كلّ مشاركٍ في هذه الأعمال.

وجهةُ نظرٍ تعتمد على القرآن والسنة

وبدهيٌّ أنّ الأستاذ النورسي استقى هذه الأفكار من المبادئ الأساسية للقرآن والسنة؛ لأننا إذا ما نظرنا إلى القرآن الكريم المعجزِ البيان والسنة النبوية الشريفة سنجدُ أنّ توفيق الله تعالى مرهونٌ بالوفاق والاتفاق، وأن الأعمال التي تخيّم عليها روحُ الوحدة والتضامن تُكافأُ بثوابٍ وبركةٍ من نوعٍ خاص، فمثلًا يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 103/3).

ويقول تعالى في آيةٍ أخرى:

﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (سُورَةُ الأَنْفَالِ: 63/8).

وهكذا تشير هاتان الآيتان إلى أن النجاح والتوفيق اللذين يصبّان في مصلحة المجتمع يعتمدان على الوفاق والاتفاق بين المسلمين.

إن التشاركيّة في العمل وسيلةٌ لإحراز كثيرٍ من النجاحات العظيمة حتى في الأعمال الدنيوية، وإليكم هذين المثالين اللذين ضربهما الأستاذ النورسي رحمه الله:

المثال الأول: قام عشرة من صُنّاعِ إِبَرِ الـخياطة بعملهم، كلٌّ على انفرادٍ، فكانت النتيجة ثلاثَ إبرٍ فقط لكلٍ منهم في اليوم الواحد، ثم اتفقوا على العمل حسب قاعدة “توحيد الـمساعي وتوزيع الأعمال” فأتى أحدُهم بالـحديد والآخر بالنار وقام الثالث بثقبِ الإبرة، ثمّ أدخلها أحدهم إلى النار وبدأ الآخر يحدّها، وهكذا دواليك… فلم يذهب وقتُ أحدهم سدًى، حيث انصرف كلٌّ منهم إلى عملٍ معيّن فأنـجزه بسرعة، لأنه عملٌ جزئيٌّ بسيطٌ أوّلًا، ولاكتسابه الخـبرةَ والمـهارةَ فيه ثانيًا، وحينما وزّعوا حصيلةَ جهودهم رأوا أن نصيبَ كلٍّ منهم في يومٍ واحد ثلاثـمائة إبرة بدلًا من ثلاث إِبَر.

والمثال الثاني: اشترك خـمسةُ أشخاص في إشعال مصباحٍ زيتي، فوقع على أحدهم إحضارُ النفط، وعلى الآخر الفتيلة، وعلى الثالث زجاجة الـمصباح، وعلى الرابع الـمصباح نفسه وعلى الأخير علبة أعواد الثِّقاب… فلمّا أشعلوا الـمصباح أصبح كلٌّ منهم يتمتّع بمصباحٍ كامل، فلو كان لكلٍّ من أولئك الـمشتركين مرآة كبيرة معلّقة بـحائط، لانعكس في مرآته مصباح كامل من دون تـجزُّؤٍ أو نقصٍ[2].

نم، الاشتراكُ في الأعمال الدنيوية يُفضي هكذا إلى سهولة العمل وحصول البركة فيه، ومن يُدرك هذا يستطعْ أن يعيَ بطريق الأولى كيف أن البركة والفيوضات تحفّ الأمور الأخرويّة النورانيّة الشفّافة جرّاء ارتكازِها على مبدإ التشاركية.

ومن هنا نقول: إن إجماليَّ الثواب الناتج عن الخدمات الجليلة التي تحقّقت اليوم بفضلٍ من الله وعنايته في أنحاء العالم وفي كلّ مناحي الحياة ستنعكس وتُسَجَّلُ بتمامها -بسرّ التشاركيّة في الأعمال الأخروية- في دفتر أعمال كلِّ فردٍ هَرْوَلَ وسعى في هذا السبيل؛ بمعنى أن كلَّ فردٍ في هذه الدائرة الواسعة سيستفيد مِن سعي وجهد الملايين مثله، وعلى ذلك فإن تجاهلَ الثواب العام والتكالبَ على المصالح الفردية والرزوحَ تحت الأنانية وأغلالِ الكبر والغرورِ يعني الحرمانَ من هذا الثواب الجزيل؛ لأن الإنسان مهما كانت قابليّاته وقدراته، حتى وإن كان على مستوى دهاء خمسين من العباقرة فلن يمكنه وحده أن يقوم بخدمةٍ دائمةٍ ونافعةٍ للإنسانية في هذا العالم، ولن يحوز أيضًا هذا الأجرَ الأخرويَّ الجزيل.

جوهر العمل: الإخلاص

وإننا إذا ما ألقينا نظرةً إجماليّةً على ما ذكره الأستاذ النورسي في هذا الصدد سنرى أن ثمّة شروطًا خاصّةً لاستحقاق مثل هذا الثواب الجزيل، وهذا يدعونا إلى أن نسأل أنفسنا: ما الوضع الذي ينبغي لنا أن نكون عليه في هذه الخدمات التي نحاول أن نرعاها ونلتفّ حولها؟ وكيف نسير في هذا الطريق معًا؟ وكيف نتآلف ونتّحد معًا حتى نحظى بذلك الثواب؟.

لقد وضع الأستاذ النورسي مبدأ “التشاركيّة المبنية على سرّ الإخلاص” شرطًا أوّليًّا لإحراز مثل هذا الثواب، والإخلاص هو: أن يكون الأمرُ الإلهيّ هو الدافعَ إلى العمل لا غير، وأن لا ينتظر الإنسانُ لعمله ثمرةً سوى رضا الله سبحانه وتعالى، ثم يترك جَنْيَ ثمار هذا العمل إلى الآخرة، ولذا فإن الـمُخْلِصَ الحقيقيّ في الأمور الأخرويّة لا يهمّه سوى إنجاز الخدمات الخيرية، بغضّ النظر عمّن يقوم بها، سواء أقامَ بها هو أو غيرُه، وبتعبير آخر: المهمّ هو أن نئنّ أنينَ الناي مع القلوب المهمومة التي تخفق معًا فتبعث النشوة في قلوب الناس، أو أن نشكّل جوقة نبلّغ بها الحقّ والحقيقة إليهم، ونوصّلهم إلى الحضرة الإلهية بأن نجعلهم يعيشون أشكالًا من “الوجد”، و”القلق”، و”الهيمان”.

فإذا كان هذا هو المقصد والهدف، فعلى الإنسان أن يشعر بسعادةٍ عارمةٍ عند تَحَقُّقِ الغاية المنشودةِ بغضّ النظر عمّن حقّقها، بل عليه أن يسعدَ وكأنّه هو مَن حقّقها، ويضرب الأستاذ النورسي مثالًا في هذا السياق فيقول: “جاءني “الحافظ علي”، وقلت له: “إن خطّ الأخ “فلان” أجودُ من خطّك وأنه أكثرُ منك عملًا ونشاطًا”، وإذا بي أجد أن الحافظ علي يفتخر بإخلاصٍ وصدقٍ بتفوّق الآخر عليه، بل التَذَّ بذلك وانشرحَ؛ وذلك لأن الآخر قد تقدّم عليه في الخدمة في سبيل الله، ولقد راقبتُ قلبه وأمعنتُ فيه بدقّة، وعلِمتُ أنه ليس تصنّعًا قطّ، بل شعرتُ أنه شعورٌ خالصٌ”[3]، فيا له من مثالٍ جميلٍ ومحفّزٍ على التشاركيّة في الأعمال بسرّ الإخلاص!.

وبالشكلِ نفسِه يُشبّه الأستاذ بديع الزمان هذه المسألة بحَملِ كنز عظيم ثقيل والحفاظِ عليه، ويقول بضرورة أن يُسَرَّ حامِلُو هذا الكنز العظيم من اشتراك غيرهم من الأقوياء الساعين إلى مساعدتهم. أجل، ينبغي أن يأخذ كلّ واحدٍ منّا بطرفٍ من هذا الكنز فيساهم في حمله، دون أن يفكّر أبدًا من أيّ طرفٍ أمسكَ فحملَ، وما دام لكل مشتركٍ في حَمْلِ الكنز نصيبٌ منه فإنه ينبغي لكل فرد أن يفيَ بحقّ العمل الواقع على عاتقه فيما يتعلّق بهذا الكنز وألا يُخاصِمَ أو يُشاحِنَ أحدًا.

أما النجاحُ والوصول إلى سرّ الإخلاص هذا فلا يتحقّق إلا بالانسلالِ من صبغة النفس والأنانيّة، والاصطباغِ بروح الجماعة، ثم الافتخارِ بمزايا الأصحاب؛ فالحقيقة أن مَن ارتبط قلبيًّا بالخدمة الإيمانية والقرآنية ينبغي له ألّا ينسى أبدًا أنّه ينشد مسؤوليّةً ووظيفةً مهمّةً جدًّا تفوق وتسمو فوق كلّ مظاهر الشهرة والألقاب والنياشين، بل إنّه لو قيل لِـمَن هو على وعيٍ وإدراكٍ بالطريق الذي يسير فيه: “هنيئًا لك… أنتَ فعلتَ كذا وكذا”، لكان الجوابُ: “لا أتذّكر، ولا أظنّ ذلك، لقد اجتهد الأصدقاء وسعوا كثيرًا، وربّما أنني كنتُ موجودًا بينهم في تلك الأثناء”، وهذا هو سرّ الإخلاص ومقياس التشاركيّة الذي تحدّث عنه الأستاذ.

روح الأخوّة والتضامن

لقد لفتَ الأستاذُ الأنظارَ إلى “التساندِ المبنيّ على سرّ الأخوّة” باعتباره الشرط الثاني للاستفادة من التشاركيّة في الأعمال الأخرويّة؛ إذ إنّ التساند والتعاضد يتحقّق حيث توجدُ الأخوّة، ذلكَ أنّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما كان يتحدّث عن رابطة الأخوة بين المسلمين لفت الانتباه إلى العلاقة التي بين أعضاء الجسد الواحد، فقال: “مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى”[4]؛ فالأعضاء تشعر بالسّهَرِ والحمّى إن أصاب أحَدَها ضررٌ أو ألمٌ وتستجيبُ له بأن تشاركه حالَه تلك، والأمر كذلك تمامًا بالنسبة للمؤمنين؛ إذ ينبغي لهم أن يُكَوِّنوا رابطةَ أخوّةٍ حقيقيّةٍ صادقةٍ فيما بينهم كتلك التي بين أعضاء الجسد الواحد؛ فإذا ما حدث أيُّ حادث في المجتمع الإسلاميّ تأثّرَ كلّ واحدٍ منهم بذلك وتألّم له.

أجل، إن القلوب المؤمنة التي نذرت أنفسها للحقّ يجدر بها أن تتعاضدَ وتتساندَ مثل أحجار القبّة كي لا تتهاوى فتسقط، عليها أن تتكاتَفَ مع بعضها، وألا تسمح بِتَعثُّرِ أيٍّ من رفاق الدرب طوال الرحلة التي يقومون بها، فإنْ توحَّدَ كلُّ رجال الخدمة في إطار هذا الفهم وصاروا جسدًا واحدًا، وعاشوا الحالة الروحيّة نفسَها، ووصلوا إلى الوحدة والتعاون الحقيقي فلسوف تفيض حسنات الملايين على دفتر كلِّ فردٍ منهم على نحوٍ مستقلٍّ دون أن ينقصَ من أجر أحدهم شيءٌ.

التحرّك والسعيُ وفقًا للعقل الجماعي

الشرط الثالث هو “توزيعُ المساعي المبنيُّ على سرّ الاتحاد”؛ أي اقتسام الأعمال والمسؤوليات والوظائف والمهام المطلوب إنجازها بروح الوحدة والاتحاد، وبعبارةٍ أخرى: اكتسابُ ملَكَةِ العمل والتحرُّك الجمعيّ، والحذرُ كلَّ الحذرِ من التحرُّك الفرديّ، ولأجل هذا ينبغي تقسيمُ الوظائف قبل الشروع في أيّ عملٍ، ويجب على كلّ شخصٍ أن يقوم بما يستطيع القيام به، ويفعل ما يُبدع هو في عمله وأدائه.

وبعد الوفاء بهذه الشروط الثلاثة إن اجتمع رجال الخدمة وتشاوروا فيما بينهم بأن أَودعوا أمرهم إلى العقل الجماعي  فلن يسقطوا -بإذن الله وعنايته- في الأخطاء التي سقط فيها العقل الفرديّ؛ لأنّ وصول عشرة عقول مجتمعة إلى نتيجةٍ خاطئةٍ يمثّل احتمالًا نسبتُه واحد في المليون؛ فإن كان عدد العقول التي تشاورت وتناصحت “عشرين” فإن نسبة احتمال وقوعها في الخطإ سوف تقلّ بذلك القدر.

ومن هنا فإن القيام بالشؤون والأعمال ارتباطًا بالوعي الجمعي أمرٌ مهمٌّ جدًّا، ولا ينبغي لإنسان -حتى وإن كان يمتلك من التدابير العبقريّة الخارقة ما ليس لأحدٍ- أن يتصرّف بمفرده فيما يتعلّق بالمصلحة العامة والمجتمع من قضايا، وإنني لا أعلم في تاريخ الإنسانية أَحدًا تحرّكَ بمفرده وقرّرَ بنفسه فاستطاع بعد ذلك أن يحقّق نجاحًا مستمرًّا وتوفيقًا دائمًا. أجل، لم تستمرّ نجاحات “سزار (Sezar)” ولا “نابليون (Napolyon)” ولا “هتلر (Hitler)” ولا “موسيليني (Mussolini)”، بل لم يبق منها أيُّ شيء، لقد لَمَعَت في البداية كالنار في الهشيم، ثم ما لبثت أن خَبَت وانطفأ وميضُها بعد فترة قصيرة، لتبقى آثارها كومةً من الأنقاض المؤسفة المحزنة، أما الروّاد الحقيقيّون الذين يلجؤون إلى الوعي الجمعي فقد وُفِّقُوا ونجحوا بقدر ما ربطوا القضايا والأمور بمبدإ المشورة؛ فأنشؤوا مستقبل المجتمع الذي ينتسبون إليه بفضلِ ما حقّقوه من خدمات.

والحاصل: أن طريق الوصول إلى ما تعد به التشاركيةُ في الأعمال الأخروية دنيا وآخرة هو: النية الصادقة والإخلاص، والعقل المشترك والوعي الجمعيُّ مع روح الأخوة والتضامن.

 

[1] سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، الدستور الرابع، ص 226.

[2] سعيد النورسي: المصدر السابق.

[3] سعيد النورسي: الملاحق، ملحق بارلا، ص 54.

[4] صحيح البخاري، الأدب، 27؛ صحيح مسلم، البر، 66.