Posts Tagged ‘التعددية’

ثقافة الوفاق والتعايش مع الآخر

Herkul | | العربية

   سؤال: بماذا توصوننا في مسألة تطوير ثقافة الوفاق والتعايش مع الآخر في عالم اليوم الذي تزداد فيه كلّ يوم حدّةُ مشاعرِ القومية والعنصرية والتعصبِ المذهبي والطائفي؟

   الجواب: اعتقد الكثيرون أنه مع العولمة والتعددية ستزول الفروق والخطوط الحمراء التي هي في الأساس منبع الخلافات والصراعات، وسيحتضن جميعُ الناس بعضُهم بعضًا أكثر مما كانوا عليه في الماضي، وسيتلاقون معًا في شتى المجالات؛ بل كان أولئك ينتظرون أن يتلاقى أتباع الديانات المختلفة في مسجدٍ واحد تارةً، أو كنيسةٍ واحدة تارةً، أو كَنِيسٍ واحد تارةً أخرى، أو أن يتقابل أصحاب المذاهب والمشارب المختلفة مع بعضهم في تكية قادرية حينًا أو نقشبندية حينًا أو علوية حينًا آخر.

إلا أن العولمة أثارت مشاعر الهوية الكامنة في الطبائع أكثر فأكثر، وقد أدى هذا بدوره إلى ظهور ردود أفعالٍ متباينة إزاء الآخر، وكما يبدي الجسمُ ردَّ فعلٍ إزاء المادة الغريبة عند حقنه بها، فكذلك راح الناس يبدون ردَّ فعلٍ كبيرًا تجاه من يخالفونهم في مشاعرهم وأفكارهم ورؤاهم الدنيوية؛ لأن الإنسانية لم تكن على استعداد كامل لمواجهة مشاكل العولمة، والتغلب عليها.

والحال أنه كان يجب على أصحاب الرأي ورجال الفكر والمثقفين والفلاسفة تهيئةُ أذهان الناس لمواكبة ظروف العالم المتغير، والتأكيدُ على ثقافة التعايش مع الآخر، والتركيزُ على مبادئ الصلح والسلام.. كان عليهم أن يحذّروا الإنسانية من الصراعات والانشقاقات التي قد تنشأ عن اختلاف الهويات والعرقيات والديانات والمفاهيم الطائفية، وأن يطوِّروا لديهم مفهوم “تقبّلْ كل إنسانٍ في موقعه، واحترمْ كل أحد”.

ولكن لم يحدث هذا مع الأسف، وتم التعامل مع الأمر دون أدنى حرفيّة أو مهنيّة، وكأنهم قالوا: “دعونا نُبحر في هذا البحر المترامي الأطراف، ثم نفكر في كيفية مواجهتنا للأمواج المتلاطمة التي تعترض طريقنا”، ولهذا فمن الصعوبة بمكان التنبُّؤُ بنوعيّة الأخطار التي تنتظر الإنسانية في السنوات المقبلة، ومن ثم ينبغي للأرواح التي نذرت نفسها لخدمة الإنسانية أن تفكر مليًّا في هذه الأمور، وأن تطوّر من آلية وضع الحلول لديها.

فمثلًا يقول بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله رحمة واسعة: “يجب إيثار البقاء في مستوى التابع دون التطلع إلى تسلم المسؤولية التي قلما تسلم من الأخطار”[1]، فمثلُ هذا القول يمثّل معيارًا مهمًّا للحيلولة دون وقوع الخلافات، وهو يعني ترك أمر الإدارة إلى الآخرين نظرًا لما يحيق بها من أخطار.. ولا شك أن الإقدام على مثل هذا التصرف يدل على بطولة وتضحية منقطعة النظير؛ وقد يكون وصفةً علاجيةً للحيلولة دون الانقسامات المحتملة التي قد تنشأ بين أصحاب المذاهب والمشارب والأذواق المختلفة، إلا أنه من الصعب أن يكون هذا حلًّا للمشاكل العرقية.

   الدبلوماسية

إن تقديم العقل والمنطق، والتعاملَ مع الأمور بدبلوماسية حتى النهاية، بدلًا من اللجوء إلى الشدة والعنف من أجل التغلب على الاختلافات القائمة وقمع المشاكل الحادثة؛ يُعدّ من العوامل المهمة لجعل العالم أكثر ملائمة للعيش فيه، ولكن للأسف عندما خرجت القوة عن سيطرة الحق فقد استُخدِمَت في المكان الخاطئ، وتمّ اللجوء إلى القوة الغاشمة والضغط على الناس لقمع المشاكل المطلة برأسها، ولكن حتى وإن أُخمِدت تلك المشاكل مؤقتًا فستبرز مشاعر البغض والكراهية وتزداد يومًا بعد آخر، وستتوارث الأجيال القادمة هذا المرض، وتكبر وهي تتحدث عن الظلم الذي لحق بآبائها وأجدادها، وتسيطر عليها مشاعر الثأر والانتقام؛ وبذلك يكون ضررُ العنف أكبر من نفعه.

ومن ثم يجب على الدول من فورها أن تتحاشى في العلاقات اللجوءَ إلى القوة الغاشمة في سبيل حل المشاكل سواء على الصعيد المحلي أو الدولي؛ لأنه عند استخدام القوة الغاشمة تختل معظم القيم الإنسانية الأساسية، وتُرتكب العديد من المظالم والانتهاكات، فكثير من المشاكل التي تم قمعها بالقهر والسحق والضرب تزايدت وتكررت في الفترات اللاحقة؛ لأن العقدة لا تزال تبقى في الصدور، وتتكون الأمراض الداخلية، ويُجرح الشرف والكبرياء، وتتوارث الأجيال البغضَ والكراهية، وهذا يؤدي إلى أن تظل المشاكل -التي يُعتقد أنها قد حُلّت- تدور في حلقات مفرغة، ورغم اعتقادنا بأننا قد أحرزنا النجاح مؤقتًا فإن المشاكل ستتفاقم أكثر فأكثر، وتنتقل إلى الأجيال القادمة، ويصعب التغلب عليها.

أما الحلول التي تُطرَح بناءً على العقل والمنطق، وتُراعى عند وضعها المشاعرُ الإنسانية فيُكتب لها الدوام والاستمرارية، ولقد كان هذا من أعظم مظاهر الفطنة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن يخطو خطوة ينشأ عنها أي خطإ، ولقد أظهرت أفعاله وإجراءاته طوال حياته السنية كيف أن التعامل بعقلانية، والتمسكَ بالدبلوماسية، وإبرازَ مشاعر الشفقة والرحمة يفتح القلوب والصدور.

كما أظهرت التجارب التي اكتسبها الهُوَاةُ المنفتحون على العالم بأسره مدى أهمية الإخلاص والمروءة والشفقة وعدم التشوف إلى الأجر؛ في مواجهة المشاكل الحاضرة وكسب قلوب الناس؛ لأن أطوار هؤلاء قد درَأَتْ ردودَ الفعل السلبية الموجودة أو المحتملة، كما أدت هذه الخصال إلى كسب العديد من القلوب وإقامة جسور الصداقة حتى في البيئات التي لم يتم التعرف عليها بقدر الكفاية، ولم تتوفر معلومات بشأن ثقافتها، ولم يتم التحرك فيها بمهارة وحرفية.

   جسور المحبة

فإذا أردنا أن نطوِّر ثقافة التعايش مع الآخر في عالم اليوم الذي تركض فيه العولمة بأقصى سرعتها فلا بد أن نعتمد في حل مشكلاتنا على الدبلوماسية في المقام الأول، وأن نتعلم احترام المفاهيم والثقافات والقيم الأخرى؛ أو بعبارةٍ أخرى كثيرًا ما كرّرناها: لا بد أن نخصّص في صدورنا لكلِّ شخصٍ مقعدًا يتربّع عليه، وبذلك تكون الشفقة والتسامح سدًّا منيعًا ضد الأسلحة الفتاكة المرعبة، وتقوم بوظيفة الحاجز ضد الأمواج المتلاطمة العاتية، وتُبْطِل مفعولها؛ وتصبح جسورُ المحبة والسلام التي أسّسناها في ربوع العالم بدءًا من أقرب المقربين إلينا بمثابة حملاتٍ وصولاتٍ معقولة من شأنها إعاقة أية نزاعات محتملة.

وللأسف ما زال البعض يرى مَن ليس على مذهبه وطريقته أجنبيًّا وغريبًا عنه، ويحكم عليه من منطلق أحكامه المسبقة، ويذكره دائمًا بالعديد من المساوئ والسلبيات، فإذا أردنا أن ننأى بالذين نشؤوا في بيئات لغوية ودينية وعرقية وثقافية مختلفة عن الأحكام المسبقة التي قد يشكّلها البعض عنهم ويبني على أساسها قناعات ومفاهيم خاطئةً فعلينا أن نتيح الفرصة ليجتمع كلا الفريقين في ساحات مختلفة يتعرفان فيها على بعضهما عن قرب وبشكل صحيح. أجل، إن السبيل لمحو الكثير من القناعات الخاطئة هو الاختلاط والتداخل، والاجتماع على مائدة واحدة؛ وبذلك تنزاح الحواجز وتزول العوائق القائمة بين الفريقين.

قد يشعر الإنسان بحكم فطرته وطبيعته بعاطفة معينة إزاء من يشاركونه قوميتَه ومذهبه ومشربه، وقد يتبنى بشكل صادقٍ مفهومًا معيّنًا أو نمطًا فكريًّا خاصًّا أو فلسفةً حياتيّةً مختلفةً، ولكنّ هذا لا يقتضي إطلاقًا معاداة الآخرين، فمثلًا يمكنني أن أقول: “إنني كمسلمٍ أحبّ منهجي وطريقتي، ولو كان لي ألف روح لافتديتُ بها سيدَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيا ليت الآخرين أيضًا يتعرّفون على منبع هذه الحقيقة، ويُدْلُون دَلْوهم في منهل العذب المورود هذا، ويغترفون من ماء هذا الكوثر، ويروون عطشهم، ويذهبون ظمأهم”، ولكن لا يقتضي حبي هذا معاداة اليهود والنصارى أو أيٍّ من أتباع الديانات الأخرى، فما يقع على عاتقي هو التعامل بإنسانية ومروءة مع الجميع.

ولطالما قلتُ من قبل في مناسبات مختلفة: ليتنا ننشئ مساجد وكنائس وكُنُسًا تطلّ على حديقة واحدة! أو نقيم بيوت الجمع في نفس فناء المسجد! يا ليت الخارجين من معابدهم يجتمعون في تلكم الحديقة المشتركة! ويتناولون الطعام معًا! ويرتشفون الشاي معًا! وتتاح لهم فرصة التعرف على بعضهم عن قرب! ويتخلى كل شخص عن أحكامه المسبقة، ويشعر أنه يعيش في طمأنينة وسلام مع الآخر! أجل، ليتنا نوفر هذا المناخ! ويعبر كل شخص عن أفكاره بأريحية! ويبتسم لأخيه ويحتضنه! فإننا في أمسّ الحاجة إلى إظهار مروءتنا وإنسانيتنا لبعضنا البعض.

ولكن مع الأسف لم تُفض هذه الاقتراحات والمبادرات التي قمنا بها منذ سنوات طويلة إلى أي نتيجة، وهذا يعني أن الإنسانية ما زالت غير قادرة على القيام بمثل هذه الخطوة، فلم يكن الجو العام في تركيا، والرؤى العامة للناس وفلسفاتهم الحياتية مهيأةً للقيام بهذا الأمر، ولكن ينبغي ألا نتنازل عنه، وأن نتحين كل فرصة لبلوغ هذا الأفق، ونفتح أبوابنا وموائدنا وقلوبنا على الأقل لكل أصحاب المفاهيم والمشارب المختلفة، ونبحثَ لأنفسنا عن مكان على موائدهم، وكما فتحنا لهم المكان بيننا يجب أن نجد لأنفسنا مكانًا في ساحاتهم وبيئاتهم، وهذا أمرٌ تقتضيه الأخلاق الإلهية؛ لأن الله عز وجل يقول في حديثه القدسي الجليل: “إِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ (عَبْدِي) بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً[2].

إن المروءة تُقابَل بمثلها، فإذا كنا ننتظر توجُّهًا وإقبالًا فعلينا المبادرة بذلك أولًا، فما ننتظره من الآخرين هو مِثل ما ينتظرونه منا أيضًا، وهذا ما يُطلِقون عليه اليوم المشاركة الوجدانية؛ أي أن يضع الإنسانُ نفسَه مكانَ الآخر، وينظر إلى الأحداث بعينه، وبعبارة أخرى: أن نضع في حسباننا تطلّعات الآخرين ومشاعرَهم وأفكارَهم وانفعالاتهم وقيمَهم التي يقدّرونها، وأعتقد أنه بقدر حَلِّنا لهذه المشكلة على المستوى المحلي سنتمكّن مع مرور الزمن من إظهار مثل هذه الجماليات على مستوى العالم عند توسيع الدائرة أكثر فأكثر.. وربما يمثل هذا خطوة مهمّة في سبيل إنقاذ العالم من العاقبة الوخيمة التي ينجرّ إليها.. فما يقع على عاتقنا هو حسن تمثيل هذه الجماليات، والقدرة على التصدي للفتن المحتملة.

ولقد عاش مولانا جلال الدين الرومي في العهد الأخير للدولة السلجوقية، في ذلك العهد الحرِج الذي سادت فيه الفوضى وانقلب فيه كل شيء رأسًا على عقب، ومع ذلك استطاع مولانا الرومي أن يؤسس جوًّا ومناخًا من المحبة امتدّ تأثيره حتى يومنا هذا، بل وحتى أثَّر بشكل بالغ في العالم الغربي، فقد كان يقول: إن إحدى قدميه راسخة بين قيمه الذاتية، والأخرى تجول بين اثنتين وسبعين أمة.. وهذه في الحقيقة فكرة عميقة للغاية، وهي الروح والمعنى اللذان نحتاج إليهما كثيرًا اليوم، فإن شئتم أطلقوا عليها “روح المسيحية”، واربطوها بنزول المسيح عليه السلام في آخر الزمان، فإن تشكَّل مثلُ هذا المناخ من المحبة فلن يعتدي أحدٌ على الآخر، وسيأمن الجميع في وطنه وعالمه.

المهم هو الشروعُ في مثل هذا التصالح والوفاق والاحتضان، ولو كان على مستوًى محدود، ونشرُه حولنا تدريجيًّا.

***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة العشرون، ص 211.

[2] صحيح البخاري، التوحيد، 15؛ صحيح مسلم، الذكر، 1.

التعددية

Herkul | | العربية

التعددية هي من أكثر المصطلحات شيوعًا في دنيا العولمة، ويلاحظ وجود هذا المصطلح -رغم أنه من مصطلحات العصر الحديث- مسمّى بلا اسم في خضم الحياة الاجتماعية في العهود الأولى التي كان يُطبّق فيها الإسلام بحق، حيث كان المؤمنون حينذاك يقدِّرون تعدد المشاعر والآراء والأفكار، ويتعاملون بسماحة مع الجميع.

ومن الضروري بدايةً معرفةُ أنه لم يكن في مجتمع الصحابة الكرام ما يسمى بالاتفاق المطلق، فقد كان من بين هؤلاء الأطهار من يحمل توجهات مختلفة وأفكارًا شتى، ولو ألقينا النظر على حياة سيدنا عمر وسيدنا أبي ذر أو على حياة سيدنا أبي بكر وسيدنا بلال الحبشي عليهم جميعًا رضوان الله؛ لألفينا فرقًا شاسعًا فيما بينهم، وهم الذين كانوا جميعًا ينهلون من معين واحد وهو منهل العذب المورود، ويتعيّشون على غذاء معنوي واحد، ويسيرون لتحقيق هدف واحد، ولكن رغم هذا كله فالاختلافُ كان بيِّنًا في تأويلاتهم ومفاهيمهم وأنماط حياتهم.

ورغم أن المناهج الفكرية لدى المسلمين وأنماطَ حياتهم في العهود اللاحقة كانت تتشكل وفقًا للأدلة الأصلية مثل الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والأدلة الفرعية مثل العرف والعادة والمصلحة والاستحسان؛ فقد حافظ الاختلاف على وجوده بين هؤلاء المسلمين، ومع أنهم كانوا يستندون إلى نفس المصادر التي تحدد أفكارَهم ومعيشتَهم فقد أوجدوا العديد من الحلول المختلفة للمشاكل التي واجهوها.

فرغم وحدة المصادر التي يستندون إليها، والاجتهادات النقية الصادقة المخلصة التي قاموا بها، وعلاقة الطالب والمعلم التي كانت تسود بينهم فقد كانت هناك اختلافات جوهرية بين اجتهادات الإمام مالك والشافعي، وبين الشافعي وأحمد بن حنبل، رحمهم الله جميعًا.. بل إن الصاحبين -أبا يوسف ومحمدًا- قد درسا على يدي الإمام أبي حنيفة، ورغم ذلك كان الواحد منهما يحمل آراءً مختلفةً للغاية عن آراء الآخر، لأن لكل إنسان إحساسًا وإدراكًا وقابليةَ فهمٍ مختلفة، فإذا كان هذا القدر من التعددية بين هؤلاء المجتهدين الذين عاشوا حياتهم كلها في فلك الكتاب والسنة فلكم أن تخمنوا حجم الاختلافات التي قد تحدث إذا تعلق الأمر بعامة الناس!

لقد كان المسلمون يعتبرون الاختلاف رحمةً من الله بحسب ما ورد في الأحاديث الشريفة، فقابلوه بسماحة وتقدير بالِغَين، ولم تتضرر الوحدة والاتحاد فيما بينهم مع وجود هذا القدر من الاختلاف في المجتمع.

   تطوير التعايش مع الآخر

إن السعي إلى التعايش في وحدةٍ ووئامٍ مع الآخرين رغم اختلاف البيئات والثقافات والمفاهيم والإرادات والأفكار من شأنه أن يُكسب المرء ثواب العبادة؛ لأن الفرد يشعر بردِّ فعلٍ مضاد تجاه أي أمرٍ يخالف طبيعته، ويشعر برغبةٍ في معارضة الآراء والمفاهيم المخالفة له، من أجل ذلك كان قمعُ مثلِ هذه المشاعر السلبية يحتاج إلى سعي وجهدٍ كبيرين، وهذا بدوره يُفضي إلى إحراز الثواب الجزيل، ولقد كان النبي صلوات ربي وسلامه عليه يحثّ دومًا المؤمنين على التعايش في إطار جماعي، وكان يوصيهم بعدم الانفصال عن الجماعة.

وإن قدرة الناس على إقامة وحدة وتوافق فيما بينهم على اعتبار أنهم أفراد مجتمع واحد رغم وجود الكثير من الاختلافات؛ مرتبطٌ بقبول كل شخص في موقعه، والنظر بتسامح إلى الاختلافات القائمة، ومثل هذا المفهوم للتعددية أثرٌ من آثار رحمة الله تعالى، وضده الاستبداد الذي يُمارَس من خلاله قمعُ الناس، واضطهادهم، وفرض نمط حياة معين للجميع، ولا ريب أن هذا يهدد الحقوق والحريات الأساسية، ويطمس القابليات والقدرات، ويجعل المجتمع على نمط واحد، ويعزله عن العالم.

فإذا كان المسلمون لا يريدون أن ينحصروا داخل حلقة ضيقة منعزلةً عن العالم ولا أن يتخلفوا عن مواكبة العولمة؛ فعليهم أن يتفاعلوا مع الثقافات والملل المختلفة، وينفتحوا على العالم، فمن جهةٍ يعرِّفون مخاطبيهم بمنظومة القيم التي يؤمنون بها، ومن جهة أخرى يستفيدون من حياض الثقافات والحضارات المختلفة.

ولكن إذا كان من الممكن ظهور بعض الفروق والاختلافات -وهذه حقيقة واقعة- بين أفراد المجتمع الواحد الذين يدينون بدين واحد، ويتوجهون إلى قبلة واحدة، ويعيشون في بيئة ثقافية واحدة؛ فمن المرجح ازدياد هذه الاختلافات عند التعايش مع أتباع الديانات واللغات والأعراق والثقافات المختلفة، وهنا لا بد أن يعي المسلمون بدايةً أن ثقافة التعايش مع الآخر في هذا العالم الذي أصبح قرية صغيرة قد بات أمرًا لا مفر منه، وعليهم أن يطوِّروا من تجربة التعايش مع أتباع الثقافات والأديان المختلفة، ومن ثم يكون من الأهمية بمكان تبني بعض الأسس مثل: الاجتماع على أرضية مشتركة، والتوافق على الحد الأدنى من القواسم المشتركة، وإيجاد نقاط اتصال مشتركة، وتقبّل كل شخص في موقعه ومستواه.

ولقد أصبح بعضُ المسلمين في عالم اليوم يتوجسون خيفة من التعددية؛ على أساس أنها ستُفضي إلى التآكل والتنازل عن القيم الدينية، فباتوا لا يعرفون كيف يتصرفون في هذا الصدد، بل إن بعضهم ربما يحمل للآخرين بعض المشاعر العدائية، ويتخذ بعض المواقف المتطرفة.. فمن الواجب بداية إدراك أن إعلان المسلمين الحرب على أتباع الديانات والثقافات المختلفة لن يحرز لهم أيَّ مكسب، ولن يصلوا من خلاله إلى أي منفعة، بل على النقيض تمامًا، يجب التوافق والتواصل مع الجميع انطلاقًا من التكريم الإلهي الذي منحه الله تعالى للإنسان كإنسان.

   التعددية والاختلافات نوعٌ من الثراء

إن الاعتراف بأن الاختلافات حقيقة واقعة، وتشكيل البنية الاجتماعية تبعًا لذلك؛ لا يمنعنا من حق الاعتراض أو وضع قيود اعتراضية على بعض الأفعال والأفكار المخالفة.. إذ إن مشاركتَنا أصحابَ الرؤى العالمية المختلفة البيئةَ نفسها بل ومخالطَتهم لا يعني تقبّلَنا لجميع أفكارهم وإقرارَها، ونفس الأمر بالنسبة للآخرين، فهؤلاء بوسعهم مخالفة بعض أفكارنا، المهم هو ألا تتسبب هذه الاختلافات في الصراع، بل يجب دفع الاختلافات جانبًا بقدر الإمكان للحفاظ على الوحدة والوفاق الاجتماعي، وإبراز النقاط والقواسم المشتركة.

وإن احترامنا للإنسان لمجرد أنه إنسان، وتقبّلنا للاختلافات على أساس أنها واقع معاش، ثم التعامل بواقعية وعقلانية، والاعتراف بوجود العولمة؛ لا يستلزم منا التضحية بقيمنا الذاتية، والتنازل عنها، وتعريضها للتآكل، فلطالما نحن مسلمون فلا ينبغي لنا التنازل أبدًا عن ذلك أينما كنا، فلا نتخلى عن قيمنا الدينية ولا عن مفهومنا الإسلامي، ولا عن شعور الإحسان لدينا؛ ولكن يجب علينا ألا نجبر أحدًا على فعل ذلك، المهم هو أن يستطيع الناس التعايش جنبًا إلى جنب محافظين على اختلافاتهم؛ بل حتى يعتبرونها نوعًا من الثراء.

وإن التعامل بمزيدٍ من الحساسية والدقة في مسألة تطبيق الناس القيمَ التي يؤمنون بها دون جبر أو إكراه للآخرين لهو أمرٌ جدير بالاحترام والتقدير؛ فمثلًا إذا حان وقت الصلاة ونحن في اجتماع مع فريق من أتباع الديانات المختلفة فعلينا أن نستأذنهم دون خجل ونؤدي صلاتنا، فإنني لم أشهد حتى الآن انزعاجَ هؤلاء الناس من حرصنا على أداء عباداتنا، بل كانوا يقابلون رغبتنا تلك بكل احترام وتقدير؛ فإن ارتياح الناس في ممارسة عقائدهم، والتصرف بشكل علني وشفاف لن يضر بالعلاقات، بل على العكس سيعزز الثقة المتبادلة، المهم هو ألا يقع بين الأفراد شيء من الغلظة أو التعصب أو الشدة، وأن نتجنب القيام ببعض التجاوزات التي تسوق الآخرين إلى المخالفة والاعتراض.

   الموقف الإيماني في مكافحة المنكرات

وقد يقابِل البعضُ التعدديةَ بالمعارضة على اعتبار أن تقبّلَها يعني تقبّل كل أنواع التطرف والانحراف والفجور، والحق أن البعض قد يعدّ التحرر والانحراف حقًّا مكتسبًا ومن متطلبات الحرية والديمقراطية، إلا أن الأفعال والتصرفات التي يقر المؤمن بصحتها معلومةٌ وواضحة؛ بيد أن عدم إقرارنا بصحة فعلٍ ما أو إقرارنا بخطئه لا يقتضي إعلاننا الحرب على أصحاب هذا الفعل؛ طالما أنه لا يمسّ حقوقنا ولا حقوق الآخرين ولا حقوق الرأي العام.. ولقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة على ذلك حينما عاش مدة طويلة مع المشركين في مكة، ومع المنافقين واليهود في المدينة المنورة.

ولكن ألا يحِقّ لنا أن نتدخل لمنع المواقف والتصرفات الخاطئة أو نعمل على الحيلولة دون وقوع المنكرات؟!

إننا لا نقصد مما ذكرناه أن نقف صامتين دون أن نحرّك ساكنًا إزاء المنكرات، فلا شك أنه ينبغي للمسلمين أن يكونوا قدوة حسنة للجميع، وأن يعبّروا عن الحقائق التي يؤمنون بها بقدر ما تواتيهم الفرص وتتوفر لديهم الإمكانات؛ فإن مراعاة حساسية الآخرين باطراد، والتشجيع على ما يجب القيام به بما لا يتسبب في رد فعل معاكس، وتحذير الآخرين ممّا لا ينبغي؛ هو من جملةِ الوظائف الأساسية للمؤمنين.. وثمة مسألة مهمة لا بد من ذكرها هنا وهي أنه لا يصح القيام بتصرفاتٍ عدائيةٍ تفضي إلى الفتن وإفساد الانسجام الاجتماعي إزاء أنماط الحياة التي يعتبرها البعض من مقتضيات الحرية والديمقراطية، وإلا فإن التعامل بعنف مع السلبيات سيحول من الآن دون القيام بأعمال جليلة تساهم في الإصلاح والتعمير في المستقبل.

ومن المعلوم لدى الجميع أن العالم الغربي بشكل خاص يضمر نوعًا من الكراهية البغيضة إزاء المسلمين في يومنا الحاضر، وفي المقابل يضمر بعض المسلمين أيضًا عداوةً للغرب، وهذه الاعتبارات من الأمور التي تضرّ بثقافة التعايش مع الآخر، ولكن يجب على المسلمين محاسبة أنفسهم قبل تخطئة الآخرين؛ لأن السبب الرئيس في هذا كله هو عدم وصولنا إلى هؤلاء في الوقت المناسب، وعدم التعبير عن أنفسنا بشكل صحيح، ولقد تسبب إهمالنا هذا في ظهور العديد من المشاكل الكبيرة اليوم، فلو أننا انتشرنا في كل ربوع العالم بسرعة مثل جماعة الحواريين، ومثّلنا الإسلامَ بحقٍّ لما قابلنا هذا القدر من السلبيات اليوم، ولَفكّر الناس بشكل مختلف عن الإسلام، ولكانوا على الأقل عرفوا المسلمين على نحوٍ صحيح.