Posts Tagged ‘التوازن’

التوازن في النهي عن المنكر

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ذكرتم من قبل أن مِن أهمّ خصال الأرواح المتفانية غضّ الطرف عن القبائح التي لا تعود بالضرر على المجتمع، ولكن عند النظر إلى مسألة النهي عن المنكر سنجد أنها تمثِّل أساسًا مهمًّا في الإسلام، وبناءً على ذلك فما حدود غضّ الطرف عن الآثام، وما هي ضوابط العفو عن السيئات؟

الجواب: لا بدّ لنا أن نفرّق هنا بين الذنوب أو الأخطاء الفرديّة وبين الجرائم والمنكرات التي تُعدّ انتهاكًا لحقوق المجتمع؛ لأن الموقف الذي يجب اتّخاذه يختلف باختلاف وضع كلٍّ منهما، فالأساس في الذنوب والأخطاء الفردية غضّ الطرف عنها وسترُها، والتعامل بالعفو والسماح بقدر الإمكان مع هؤلاء المسرفين على أنفسهم، ولكن إن كان هذا المنكر موجهًا لشخصٍ آخر أو يعود بالضرر على حقوق الناس فلا بدّ حينئذٍ من محاولة تغيير هذا المنكر باليد، فإن انعدمت الاستطاعة فباللسان، فإن انعدمت أيضًا فإننا -على الأقل- نتّخذُ موقفًا قلبيًّا رافضًا لهذا المنكر.

سبيل العفو والصفح في الحقوق الفردية

ولا داعي هنا إلى سرد الذنوب التي تخص الفرد؛ لأن تصوير الباطل يُكدّر العقول النقيّة، ولذا يكون ضررُه أكبرَ من نفعه، ولكن يمكننا أن نُدرِج الأقوال والأفعال التي نهى عنها الإسلامُ عامة في هذه القائمة، فلو أن الإنسان لا يشكّل نموذجًا سيئًا للآخرين، ولم يستخِفّ بأوامر الدين، ولم يستهِن بالقيم الدينية، أو ينتهك حقًّا للأمة؛ فحينذاك يمكن أن نعفو ونصفح عنه.

إن القرآن شدّد في مواضع متفرّقة على أهمّيّة العفو عن الناس ومعاملتهم بالحسنى وإن أساؤوا إلينا، فمثلًا يقول ربّنا تبارك وتعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 134/3).

فقد عدّت الآية الكريمة كظمَ الغيظ والعفوَ عن الناس والإحسانَ إليهم من خصائص المتقين التي يمتازون بها، ولذا يقع على عاتق المؤمنين بدايةً أن يتعاملوا مع الذنوب والأخطاء الفردية بشكلٍ يتناسب مع هذه الدساتير القرآنية، وأن يغضوا الطرف عنها ساترين إياها بقدر الإمكان.

وإن الموقف الذي ينبغي للمؤمن اتّخاذه إزاء بعض التصرّفات والسلوكيّات التي يقوم بها الجاهلون هو الإعراض عنهم وتجنّبهم؛ لأن الله تعالى قد وضّح للمؤمنين في عددٍ من آياته كيفيّة المعاملة مع هؤلاء، وقال لهم آمرًا: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 199/7)، وقال: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (سُورَةُ الفُرْقَانِ: 63/25)، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ: 3/23).

تجنّب نشر الذنب عند النهي عن المنكر

ومع هذا فإن أصرّ الإنسانُ على ذنوبه وأخطائه، واستهان بها، وشكّل مثالًا سيّئًا للآخرين بقبائحه أو اعتدى على حقوق المجتمع فيجب عندئذٍ الحيلولة دون وقوع هذا المنكر بشكلٍ مناسب، وقد أبان رسولنا صلى الله عليه وسلم عن منهج الإسلام في تغيير المنكر بقوله: “مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ[1].

وعلى ذلك فإنّ أوّل مهمّةٍ تقع على عاتق الإنسان تجاه أخيه الذي وقع في مستنقع الخطيئة؛ أن يأخذ بيده ويصلَ به إلى برّ الأمان، فإن لم تكن لنا طاقة على فعل هذا فعلينا أن نستعين بمَن هو أقدر على ذلك، ولكن عند القيام بهذا العمل لا بد لنا أن نكون على درجةٍ عاليةٍ من الدقّة والانتباه فنحذرَ من إفشاء الذنوب والخطايا ونشرها، أو أن نتحوّل إلى دلّالين مروِّجين للأخطاء والآثام، فالحذرَ الحذرَ من الوقوع في ذلك؛ حتى لا نبعث الخجل في نفس مخاطبنا؛ فيمشي ذليلًا خانعًا بين أفراد المجتمع؛ لأن المقصد الأساس هو إنقاذ هذا الإنسان من مستنقع الشرّ الذي تردّى فيه، ليس إلّا.

وتأتي النصيحة عند تعذّر تغيير المنكر باليد، ولكن المهم هنا هو أسلوب إسداء النصيحة؛ فمثلًا: لا بدّ من أن نراعي جميع البدائل عند إسدائها، وأن نحذَر الوسيلة والأسلوب الذي يفضي إلى قيام المخاطب بردّ فعلٍ سلبي، من أجل ذلك فعلى مَن يودّ إنقاذ أخيه من مستنقع الشرّ والآثام أن يحتاط لكلامه، فلا ينطق بكلمةٍ إلّا بعد أن يُعمِل فيها تفكيره جيدًا، فإن كان كلامُه سيُثير لدى المخاطب ردَّ فعلٍ سلبيٍّ فعليه أن يستعين بشخصٍ يحظى كلامه بالقبول والاحترام عند المخاطب ليقوم بهذه النصيحة بدلًا منه.

بل قد يتطلّب الأمر في بعض الأمور الحرجة أن ينسحب الشخصُ الناصحُ من الساحة تمامًا، ويُحاوِل إصلاح أخطاء مخاطبه بطريقٍ غير مباشر؛ كأن يكتب له خطابًا مختصرًا يسوده أسلوب الحِلْم واللين، لا لغايةٍ سوى أن يتحوّل المخاطب من حاله السيّء الذي رآه عليه إلى الحسن المنشود، ثم يرمي بالخطاب من تحت الباب أو يرسله بالبريد… وهكذا فإن تحاشيتم إبراز الأخطاء في وجه مخاطبكم حتى لا يقع في حرجٍ أو خجلٍ تكونون بذلك قد صُنتم كرامته وحفظتم له قدره.

فالهدف الرئيس هنا: هو أن نجعل المخاطب يُعرض عن ارتكاب المنكر، ولذا لا بدّ وأن نضع لكلِّ خطوةٍ نخطوها حسابها، وأن نُعرِض عن تأنيب مخطابنا بأيّ قول؛ فالمهارة لا تعني ذكرَ الذنب على أنه ذنب، أو جعلَ المذنب في وضعٍ حرِجٍ، بل المهارة هي إيجاد السبيل الناجع والأمثل الذي مِن شأنه أن يجنّب الإنسانَ الذنبَ.

الإرشاد والإنذار بابتسامة حزينة

ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المنكر والفاحشة إن لم يتيسّر تغييرهما باللسان فبالقلب، حيث قال: “فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ”، وقد فهم علماء الحديث من هذه العبارة -نظرًا إلى معناها العام- ضرورة التصدّي للمنكر قلبيًّا، ومع هذا يمكن إيراد شروح وتحليلات مختلفة عن هذا؛ فمثلًا قد يُفهمُ من هذه الجملة ضرورةُ قطع العلاقة القلبيّة بمرتكبي هذه المنكرات؛ حتى إنكم إن التقيتم إنسانًا كهذا قد تصبحون باشمئزازكم منه وتبسّمكم الحزين في وجهه وإعراضكم عنه وسيلة يفهم ذلك الإنسان خطأه بفضلها فيُقلع عنه.

إنكم بفعلكم وموقفكم هذا لا تعارضون الشخص، ولكن تعارضون فعله؛ فتبتهلون إلى الله قائلين: “اللهم خلّص أخي ممّا تردّى فيه من مصيبة، ونَفّره من ارتكاب هذه الذنوب والآثام” بل إنكم لا تكتفون بهذا؛ فتتضرّعون ألف مرّة ومرّة كي ينجو من تلك المصيبة قائلين: اللَّهُمَ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ“، وتعدّون هذا واجبًا من واجبات قانون الأخوة وحقوقها.

ذلك أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ[2].

وقد حدثوني قديمًا عن انحراف أحدهم، ومنذ ذلك اليوم لم يمض يوم من أيامي دون أن أذكره في دعائي بين يدي الله، وقد وقع كذلك أحد الإخوة من ذوي الطويّة السليمة في مشكلة عَقَدِيّة؛ فكنتُ أيضًا كلّما دعوت الله تعالى ذكرت هذا الإنسان في دعائي، وكنت أعتبر أيّ إهمالٍ منّي في هذا الموضوع إخلالًا بحقّ الأخوة وحقوقها، والله على ما أقول شهيد، ويمكن أن يُستدلّ على الدعاء القلبيّ بهذا الشكل من لفظ الحديث، ولذلك فإن فهم لفظ “فَبِقَلْبِهِ” الوارد في الحديث على أن المقصود منه البغضُ القلبي وقطع العلاقة بالشخص والإعراض عنه فقط فهمٌ ناقصٌ؛ إذ المهمّ هنا هو معارضة المنكر والفعل المشين الذي يبغضه الله تعالى والتصدّي له، وفعلُ كل ما في الوسع من أجل إزالته، وإنقاذُ من سقط في ذلك الخطإ من الإخوة.

حقّ العامّة من حقوق الله

إن المعارضة الجادة والحقيقية للفواحش والمنكرات التي قد تضر بالمجتمع بأي شكل من الأشكال -سواء أكان ذلك على نحوٍ واسعٍ أو ضيّقٍ- والعملَ على إزالتها والقضاء عليها يمثّل في الوقت نفسه ضرورة من ضروريّات احترام حقوق الله تعالى، كما أنها واجب ديني واجتماعي؛ إذ إنّ الإسلام -كما هو معلوم- يعتبر حقوق العامة من حقوق الله؛ أي إنَّ المساوئ والشرور التي تُفسد المجتمع داخليًّا شأنها في ذلك شأن العُثّة -بالنسبة لما قد تلحقه من أضرار وتتسبّب فيه من نتائج سلبيّة- ليست كالذنوب التي تظلّ محدودةً بالفرد نفسه لا تتعدّاه، ولذلك فإنه يستحيل إغفال هذا النوع من الشرور والخطايا أو الصمتُ في مواجهتها؛ لذا يجب على المكلّفين بفرض قوّة القانون أن يسعوا جاهدين لمنع هذه الأخطاء والشرور، وينبغي للمؤمنين الرجوعُ إلى الجهات المختصّة بشكلٍ مناسب، وتشجيعُ المسؤولين في هذا الشأن، ومساعدتُهم أحيانًا باستخدام حقّ الشهادة إذا لزم الأمر؛ ونكرّر مجدّدًا أن المقصد من كلّ هذه الأمور ليس إحراج إنسانٍ أخطأ وهوى، وإنما المقصد هو اتّخاذ موقفٍ ضدّ الفواحش التي تنهشُ البنيةَ المجتمعيّة من الداخل، والسعيُ والاجتهادُ من أجل صيانة المجتمع وحمايته من تلك الفواحش.

ويمكننا أن نتذكر فيما يتعلق بهذا الموضوع ويمثل مبدأً مهمًّا بالنسبة لنا: الآيةَ الكريمة التي نزلت في معرض الذمّ بشأن مجموعة من بني إسرائيل؛ إذ يقول الله تعالى فيها: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 78/5-79).

وإن أردنا توضيح معنى صيغة الفعل أكثر في قوله جلّ جلاله: “لَا يَتَنَاهَوْنَ” فيُمكننا القول: إن الذين يُشيرُ إليهم موضوعُ هذه الآية لم يؤسِّسوا آليّةً ولا فكرةً مشتركةً تحول دون ارتكاب المنكرات؛ إذ لم يكونوا يرجعون إلى الوعي الجمعي في هذا الموضوع أو يراعونه، ولم يكن بينهم ثمّة تنسيق، ولهذا فقد لُعن هؤلاء الذين لا ينهون عن المنكر، بل ومُسخوا[3].

إذًا ثمّة حاجةٌ لتأسيس فكرةٍ مشتركةٍ فيما يتعلّق بمهمّة الإنسان الذي يرى المنكر، وبما يجبُ على المسؤولين أولي القوّة فعله في هذا الشأن، والمسؤوليات التي تقع على عاتق المجتمع عامة في مثل هذه المواضيع.

والحاصل: أنه ينبغي للإنسان أن يحاول جاهدًا في العفو والصفح عمّا يُقال بحقّه من كلماتٍ وأقاويل ليست لائقة ولا مناسبة، وكما أن في المعدة والأمعاء إفرازات وأحماضًا تهضم الأطعمة، فلا بدّ أن تكون في عالم المؤمنين القلبي والروحي أنظمةٌ تُذيب هذا النوع من المساوئ والمنكرات وأوجه الظلم والجور وتقضي عليها، وبهذه الطريقة ينبغي للإنسان أن يعفو ويصفح -بكل سهولة- عن التصرّفات السيئة التي تُرتكب تجاهه، أمّا إنِ استُهدفت مجموعةٌ أو جماعة معيّنة في شخص إنسان ما وأُسيء إليها وإلى سمعتها فهذا يعني أن المسألة قد خرجت عن نطاق الفرد وتجاوزته إلى نطاق الجماعة، وليس من الصحيح ألّا ينتصر الإنسانُ لنفسه في مواجهة مثل هذا الظلم وألّا يدفعه عنها، بل ينبغي له العمل على دفع هذا الظلم بطرقٍ تتمثّل في توضيح الأمر وتصحيح الفكر وتفنيد الأكاذيب، حتى إنه يلزم -إن استمر الظلم والتمرّد في الجور- اللجوءُ إلى غير ذلك من الطرق القانونيّة من أجل إسكات المعتدين والحيلولة دون اضطهاداتهم، وكذلك رفع دعاوى قضائية تُطالب بالتعويض عمّا يلحق من ضررٍ بسبب تلك الافتراءات، ذلك أنّ بديع الزمان بالرغم من تصريحه بأنه صفح عمن طوّفوا به السجونَ، وحكموا عليه بالحبس الانفراديّ، ونقلوه من محبسٍ إلى آخر ودَسُّوا له السُّمَ في الطعام بضع عشرة مرة؛ لم يكن يصمت قطّ حين يتعلّق الأمر بالخدمة الإيمانية والقرآنيّة، فكان يُخرس الظالمين ويُفحمهم بصوته وخطاباته الجهوريّة، وبهذه الطريقة يدافع عن الحقوق والقرآن والعامة؛ كيف لا، وقد كان قدوته في ذاك رسول الله عليه أكمل التحيات، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها:

“مَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمُ بِهَا لِلَّهِ”[4].

 

[1] صحيح مسلم، الإيمان، 78.

[2] صحيح مسلم، الذكر والدعاء، 88.

[3] يقول عز وجل: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 165/7-166).

[4] صحيح البخاري، المناقب، 23؛ صحيح مسلم، الفضائل، 77.

 

التضحية والتوازن في الإنفاق

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: هل للخدمات التي تُؤدّى ابتغاء مرضاة الله تعالى حدٌّ؟ وما هو معيار التضحية المادية والمعنوية لمن وقف حياته على الخدمات التربوية والتعليمية؟

الجواب: تعلمون أن الناس ليسوا سواء في صلتهم بالله تعالى، فبينهم فروق ربما تبلغ ما بين الثرى والثريَّا؛ وبتعبير آخر، فإن صلة كلِّ إنسان بالله تكون بقدر إيمانه، ومعرفته، ومحبته، وعشقه وشوقه إليه تعالى؛ فمثلًا هناك أناس يطبقون أوامر الدين كلها بحساسية ودقة بالغة، وليس هذا فحسب، بل يبحثون عن سبل التقرب إلى الله تعالى بالنوافل، وهناك آخرون يؤدون الفرائض فحسب؛ لكن لا يمكن قطعًا الاستهانةُ بأي صلة بين العبد وربّه مطلقًا؛ فالاستهانة بها استهانة بشيء عظَّمه الله؛ وبشيء من التفصيل نقول: في هذه الأرضية الزلجة اليومَ إن من يشهد الشهادتين، ويؤدي خَمْسَه ويصوم شهره المبارك، وزكاتَه وحجَّه إن اجتمعت فيهما شروط الوجوب، ويثْبُت أيضًا حيث يجب الثبات رغمَ ما يتعرض له من طعنٍ وتشنيع وصنوف من الاعتداءات، فهذا يعني أنه وقف موقفًا عظيمًا، وإننا على ثقة بأنه سيحظى في الآخرة بألطاف الله الأبدية؛ ذلك لأن كل عملٍ يُؤدَّى في مثل تلك الظروف ابتغاء رضوان الله له فضيلةٌ ذات قدْرٍ عنده تعالى؛ فينبغي ألا تُزدَرَى مطلقًا أيةُ تضحية يبذلها أشخاص يتمسكون بخدمة الحق بأموالهم وأنفسهم، ولا بد من تقدير كلِّ ما يقدِّمونه وتبجيلِه.

ضرورة تشجيع الجهود بتقدير الأعمال الخيرية

عندما ننظر إلى الموضوع من ناحية الإنفاق يتبين أن ثمة اختلافًا في المستوى حتى بين الصحابة الكرام في عصر السعادة؛ فمثلًا حين دُعُوا إلى الإنفاق في سبيل الله قبل غزوة تبوك تصدق سيدنا أبو بكر رضي الله عنه بماله كله، فلما سأله الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلّم: “مَا تَرَكْتَ لِأَهْلِكَ؟ قال: “تَرَكْتُ لَهُمُ اللهَ وَرَسُولَهُ”؛ إنها مرتبة الصديقية، إنه مؤمن صادق مع الله ورسوله صلى الله عليه وسلَّم، ونموذجٌ مثاليّ في الالتزام بالإسلام؛ أما سيدنا عمر رضي الله عنه فتصدق بنصف ماله؛ ونؤكِّد هنا أنه ليس لنا أن نقول: إن سيدنا عمر متأخر مطلقًا عن سيدنا أبي بكر، فهذا سوء أدب مع الفاروق رضي الله عنه؛ لأن له فضائل وخصائص يفضُل فيها غيره؛ أما سادتنا الصحابة مثل عثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، فتصدق كلٌّ منهما بنحو خمسمائة بعير، وهذا في عرف عصرنا كالتبرع بخمسمائة سيارة اليوم، وأضفى سيدنا عليٌّ رضي الله عنه على هذا الأمر عمقًا متميزًا من أعماق الإخلاص؛ فأنفق بعض ماله سرًّا، وبعضه علانية؛ فكان بإنفاقه علنًا يقدِّم أسوة حسنة للآخرين، ويبيّن أنه لم يتخلف عن فعل ما فعله غيره، وكان بإنفاقه سرًّا يرغب ألّا يعلم بذلك أحد إلا الله تعالى؛ وإلى جانب هؤلاء لا سيما في الفترة الأولى، شارك آخرون في قافلة الخير هذه بالتصدق بحفنة من التمر، أو بقليل من المال؛ أجل، أولئك تصدقوا بكل مالهم، وكان هناك من تصدق بنصفه، وبربعه أو عشره، وطبيعةُ البشر هي التي اقتضت أن يكون الأمر على هذا النحو دائمًا؛ فلا بد ألّا ننسى أن هذا الأمر نفسه قد يحدث اليوم، فينبغي تقدير حتى أصغر التضحيات واستحسانها.

وليُعلَمْ أن تقدير التضحيات الصغيرة واستحسانها هو جانب من القضية؛ أما الجانب الآخر منها فهو السعي الحثيث للنهوض بمستوى الناس، ووضعُ أهداف جديدة لهم بالإشارة إلى أبواب خير جديدة؛ ذلك لأنّ ثمة كثيرًا من الأعمال الطيبة الصالحة التي يمكن أن يضطلع بها الإنسان إلى جانب ما قام به من أعمال ضرورية؛ ومن هنا فلا ينبغي له أن يكون ضعيف الهمة ألبتة، بل عليه أن يُعليَ همته دائمًا وأبدًا، عليه أن يسعى كل صباح من جديد لأن يكون أعمق شعورًا بالله تعالى في وجدانه، ويجتهد لتزيد معرفته بروح الدين، ويبحث عن طرق أخرى لتقوية صلته القلبية برسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم، وعليه أن يحاول في تحسين مستواه ويرقى به دائمًا، وينبغي ألا يقف أبدًا عند المستوى الذي بلغه، بل يتحتم عليه أن يَنخَسَ حصانه دائمًا قائلًا :”هل من مزيد؟”، ويمضي به إلى الأمام قُدُمًا، بل إن وَصَلَ ذات يومٍ إلى مرتبة الفناء في الله والبقاء بالله، يعني إنْ تلاشى كلُّ ما سوى الله تعالى في عينيه أمام شعاعات “سُبُحات وجهه تعالى”، وذاب الكون في عينيه وزال بتاتًا، ورمى بالزائل الفاني ونحّاه جانبًا، وحظي بوجود أبديّ بعد أن فني بجوانبه الجسمانية والنفسانية، وبُعثَ بعثًا آخَر بقلبه وروحه وأحاسيسه، ورأى أن رأسه تلامس سماء النقطة التي يستطيع أن يبلغها، فعليه -رغم هذا كله- أن يُعليَ همته أيضًا دائمًا داعيًا: “اللهم مُنّ عليّ بقابليات فوق قابلياتي، وأمطر عليّ نعمك وألطافك زخًّا زخًّا بأن تجود بانكشاف منهمر لقابلياتي”.

أجل، مهما كانت مستويات الناس متباينة مختلفة، سواء في حياة الروح والقلب أم في خدمة الحقّ، فلا بد أن نعلم أن طريق الترقي والسمو مفتوح دائمًا حتى لمن لا يستطيع القيام إلا بأقل ما يجب؛ فكلما أحسّ هؤلاء في أنفسهم بجوهر الخدمة التي وُكلت إليهم وبأصلها، تمسكوا بها بإخلاص أكثر، وأصبحت كلُّ هذه الأمور بعد حين سجيةً فيهم بفضل اضطلاعهم بالخدمات الواجبة عليهم، وكأنهم بذلك ينقشونها في قلوبهم، حتى إنه لو جاء يومٌ لا يُحتاج إليهم فيه، ولا يُطلب منهم شيء في سبيل خدمة الحق، ولم يُنادَوا أن “هلمّوا، فاحملوا مِن هذا الأمر” لأحسوا أنهم في فراغ عميق، ورأوا هذا الحال كأنه الموت، وتَلَوَّوا أسًى، وراحوا يبحثون عن سبل مختلفة للإنفاق، لكن بلوغ مستوى كهذا مرهون بالزمان؛ ومرتبط بالتمسك بذلك العمل بصبر إيجابي فعّال، وباستيعاب ذلك العمل.

ضرورة معرفة المخاطبين معرفة جيدة

وثمة رؤية تضفي على الموضوع وضوحًا أكثر، وهي أن بعضهم يُقيّمون المسألة في ضوء حدود التشريع الذي كان في المدينة المنورة، فيكتفون بأداء الفرض، فإن أخرجوا رُبعَ العشر أو العُشْرَ في الزكاة فقد قاموا بواجباتهم؛ وهناك من يتناول المسألة وفقًا للإطلاق الذي كان في مكة المكرمة، -إذ لا حدّ للإنفاق المأمور به في الآيات المكية- فيسعى لبذل أقصى ما يمكنه بذله، فعلى رُوّاد خدمة الحق وعلى المرشد الداعي لإلحاق الآخرين في هذه الإسهامات الخيرية أن يتصرفوا بفراسة وحكمة، فليتعرفوا جيدًا على مخاطبيهم؛ فإن حدث أن تَقَالُّوا الأعمال المنجزة، أو همّوا أن يُحمِّلوا الناس ما لا يطيقون، فقد يتسببون -نسأل الله السلامة- بأن تظهر مشاعر الاستكراه لدى مخاطبيهم.

وإليكم واقعة أتذكرها كأنها حدثت اليوم، لتكون معيارًا في هذا: دعوتُ الناس للمساعدة في سكن الطلاب “بُوزْيَقا” بإزمير، ألقيتُ كلمة عن أهمية المسألة ثم توجهت نحو غرفتي التي أُقيم فيها ضيفًا، فصعد أحدهم الدرج مسرعًا، وجاء إلى جواري، كنت أعرفه، تقاعد من إحدى الدوائر الحكومية منذ مدة، واشترى بيتًا بمكافأة التقاعد، فسلّمني مفاتيح البيت وقال: “تعهد كلٌّ بشيء، ولا مال لي سوى هذا، فهو في سبيل الله”؛ وأمام هذه اللوحة التي تثير المشاعر وتدمع العين قلت له: “ليس في الدين تكليف بمثل هذا”، وأعدت إليه المفاتيح، ثم أردفت قائلًا: “اذهب، اسكن أنت وأهلك وبنوك في بيتك، وكلما أعطاك الله أنفق”. ففي رأيي أنّنا إن لم نتناول الأمر بمثل هذا التوازن فربما نكون قد خالفنا قول الله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 2/256). أجل، لا إكراه في الدين سواء في دخول الناس في الدين واعتناقهم له أم في الأعمال التي تُنجز لتطبيق الدين وإحيائه.

أجل، الإسلام قائم على قاعدة اليسر، فإن عسّرتم على نحو يتجاوز طاقة بعض الناس، جعلتموه دينًا يستحيل تطبيقه، وواجهتم موقفًا يخالف قصدكم، فحين تطالبون الناس بالكرم وترغبون أن يقدموا ما عندهم جاءت الأحداث على غير ما تأملون ومُنِيتم بالهزيمة، لأنكم جعلتم الدين شيئًا لا يُطاق؛ قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَه” (البخاري: الإيمان، 29؛ النسائي: الإيمان، 28) ومن هنا فعلى المرشدين الذين تحملوا مسؤولية هذا العمل أن يتحركوا بحكمة وفراسة وقد تعرفوا على مخاطبيهم جيدًا، وأن يدركوا من ينبغي أن يُدعَى، وبماذا يقوى، وماذا يستطيع؟

ينبغي ألا ننسى أن التصرف بحكمة على هذا النحو خُلُقٌ إلهيٌّ أيضًا؛ قال الله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 286/2)؛ فلا بد من إرضاء الناس باستحسان الأعمال الجميلة التي أدّوها، واللجوء إلى السبل التي تَزيد شوقهم وشغفهم بفعلها بدلًا من تكليفهم بأعمال تفوق طاقاتهم، فتهلكهم.

ديمومة الإنفاق

إنّ أخذ ما في أيدي الناس من إمكانيات بإكراههم على الإنفاق ينجم عنه تعطيل عجلة الإنتاج وتوقفها، في حين أن دوران عجلة أعمالهم ينمّيها، فينفقون من بعدُ أكثر في سبيل الله، فأبطال الإنفاق في سبيل الله ممن لا يسأمون الإنفاق لو بلغ بهم العشقُ والشوق مبلغه فأرادوا بذل ما بأيديهم كله، لوجب عليكم في هذا الأمر التصرفُ بتوازن، والتفكيرُ في مستقبل الأمر، ومراعاةُ الاستمرارية فيه.

والخلاصة أن مجالات الخدمة كثيرة، تقتضي تضحياتٍ كثيرة متنوعة، فعلى المسؤولين أن يقوموا بتغيير وتجديد مستمر في صيغة الأمر حتى يخلصوه من الرتابة، وليقدموا في كل مرة القيمَ التي آمنوا بها بلون جديد، وزخرفة جديدة، ولهجة جديدة، فيكوّنوا لدى المخاطبين موجةَ عشق وحماس مستمرة، لكن بشرط ألا يخلّوا بجوانب الأمر المرتبطة بالمحكمات؛ واذكروا أن “لكلّ جديد لذة”، ومن هنا فما ستقدمونه من رسائل باستخدام وسائل متنوعة سيُشكّل مذاقًا جديدًا، ونشوة جديدة، فيحظى بحسن قبول المخاطبين؛ وخلافُ ذلك يجعل المسألة رتيبة، ويرسِّب لدى الناس شعورًا بالاعتياد، وهو ما يؤدي إلى الملل، فيضعف تأثير رسائلكم في القلوب.