Posts Tagged ‘الصحابة’

ضوابط التأويل الصحيح للدين

Herkul | | العربية

إن العملَ على نقلِ نمطِ الناسِ في الحياة أثناء عصر السعادة (عصر النبوة) إلى يومنا الحاضر حرفيًّا بالضبط، ومحاولةَ تطبيقه بعينه دون أدنى تغيير أو تعديل قد لا يتناسب مع روح الدين، كما أنه ربما يُفضي إلى نزاع وخلاف أيضًا، فما يجب القيام به هو استيعاب الفلسفة الأساسية للسنة استيعابًا جيدًا، ووضعُ الحلول للمشاكل اليومية بما يتناسب مع ظروف الزمان الذي نعيشه انطلاقًا من النقاط التي سكت عنها الشرع ولم يقطع فيها بحكم، وعند النظر إلى السيرة بهذه النظرة يمكن حينئذ أن تُستنبط المبادئ والقواعد المهمة بالنسبة ليومنا الحاضر من إستراتيجية الرسول صلى الله عليه وسلم في الحرب والسلم، ومن منهجه في الإرشاد والتبليغ، ومن مفهومه للحكم والإدارة، أو من إجراءاته الخاصة بالفتوى والقضاء.

لا جرم أننا نمتلك قيمًا عالميةً، ولكن المهم هو القدرة على تفسيرها وفقًا للظروف الراهنة، قد تكون الحياة التي نرغب أن نعيشها موجودةً في الماضي وإن كانت على نحوٍ ومسارٍ مختلف، ولكنكم إن لم تميزوا بين مسار الماضي ومسار الحاضر تمييزًا جيدًا، وتجاهلتم الفروق التي بينهما؛ فيستحيل أن تحققوا الرغبات والأهداف، فعلينا ألا ننسى الحاجة الملحّة لتنوّع الصيغ والأساليب، وضرورة إعادة النظر في بعض الحلول الجاهزة التي أمامنا.

ومع هذا فليُعلَمْ جيدًا أنه ليس من السهل تفسير الأحكام الأساسية والقيم التي توارثناها وفقًا للأوضاع الحالية والظروف الراهنة، وأنه كثيرًا ما وقعت أخطاء جسيمة للغاية في هذا الشأن، ولا سيما أنه كثيرًا ما تحدث سقطات وأخطاء عند السعي إلى حل المشاكل بإبراز القناعات الذاتية، والتمسك بزمام الآراء الشخصية.. أما السبيل لتقليل هذه الأخطاء المحتملة إلى أقل قدرٍ ممكن فهو إحالة هذا الأمر إلى هيئةٍ تتولى مطالعته ومذاكرته؛ لأن بوارق الحقائق تسطع من تداول وتبادل الأفكار.

إننا وإن كنا على علم جيّد ببعض القضايا فمن غير الممكن أن نعرف عنها كلَّ شيء لا سيما في عالم اليوم الذي تعقدت فيه الحياة كثيرًا، فقد تقصر رؤانا أحيانًا؛ وبالتالي ربما لا نستطيع النظر إلى الأحداث نظرة شمولية كاملة.. وربما لا نمتلك معلومات كافيةً بشأن كل المجالات المتعلقة بالموضوع الذي نشتغل به، والأدهى من ذلك أننا قد ننساق أحيانًا وراء أنفسنا ورغباتنا وأهوائنا، وربما لا نستطيع معالجة الأحداث في إطار منطقية القرآن الكريم، ولا تقويم كل مسألة نتناولها وفقًا للمعايير السليمة التي وضعها القرآن والسنة، فما نراه مصلحةً ونفعًا ومعقولًا بالنسبة لنا قد يدخل في باب المصلحة المردودة (أي التي لا تشهد النصوص الشرعية لنوعها ولا لجنسها بالاعتبار)، وبالتالي ربما نصدر أحكامًا تتعارض مع روح الدين.

وهكذا فإن السبيل إلى الانسلاخ من كل هذه المحاذير هو الاستعانة بالوعي الجمعي، وعليه فلا يُقطَعُ في أمرٍ ما إلا انطلاقًا من مبدإ الشورى، فلو أنكم تمررون قراراتكم وآراءكم من مصفاة الشورى، وتضبطون أفكاركم الشخصية بوجهات نظر الآخرين فقد يتسنى لكم حينئذ العثور على الرأي السديد والقرار السوي الصحيح، فقد بيّنَ سلطان الكَلِمِ صلى الله عليه وسلم أنه: “مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ[1].

من جانب آخر فعندما نتناول القضايا الدينية لا بدّ لنا من الوقوف حيث وقف الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح، إلى جانب الحرص على عدم انتهاك أحكام الدين المحكمة الثابتة عند تقديم آرائنا في القضايا الصالحة للتفسير والتأويل، أو عند الإتيان بتفسيرات تتناسب مع ظروف الزمان.. فلا ينبغي أن تسوقنا إلى إساءة الأدب مع علماء السلف، ولا سيما الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، لأن هذه الأنشطةَ الذهنية والعقلية التي نبغي من ورائها إيجاد حلول للمشاكل اليومية؛ إذا انفلتت فيها الأمور من أيدينا فلا ندري إِلَامَ تصير العاقبة، فلو أنكم شرعتم في الأمر اليوم بمساءلة الصحابة ومحاكمتهم فسيأتي يوم تتطاولون فيه -لا قدّر الله- على مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم، وتنظرون إليه -حاشاه- على أنه “ساع للبريد”.. بل قد لا يقتصر الأمر على ذلك، ويمتد إلى القرآن الكريم، وليس بقليل عدد أولئك الذين ينظرون اليوم إلى القرآن على أنه نصٌّ تاريخي، ويرونه مجرد كتابٍ يخاطب أفهام الناس الذين كانوا يعيشون قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان، وبالتالي يحاولون تبديل الكثير من محكماته.

وإن السعي إلى إبراز الذات اعتمادًا على العادات والكماليات والآراء المختلفة قد يقود إلى بعض الآراء الهامشية المنافية لروح القرآن الكريم، وكذلك فإن اعتبارَ نمط الحياة الذي يفرضه العالم الحديث أمرٌ لا يمكن التخلص منه أو لا يمكن تعديله وتغييره، أو الاعتقاد باستحالة إعادة بعض الممارسات التي ابتعدت عن أصلها إلى مدارها الصحيح مرة أخرى، أو الاعتقاد بأنه يستحيل أن تُغرس في المجتمع من جديد بعض القيم المنسية المهملة؛ كلُّ ذلك قد يبدو من المبررات الأخرى لما يحدث في هذا الشأن من انحرافات وانزلاقات.

ومن الأسباب التي تكمن وراء هذه الفكرة عدمُ الإيمان كما يجب بعناية الله ورعايته، وعدمُ الثقة بقدر كافٍ بالقيم المتبناة والحقائق المسلّم بها، في حين أن قدوتنا ومثلنا الأعلى في هذا المجالِ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد أنشأ صلى الله عليه وسلم من مجتمعٍ جاهليٍّ يسود فيه كل أنواع الظلم والوحشية أمّةً تربّي العقول والقلوب، ورفعَ هؤلاء الجاهليين الغلاظ المفتقرين إلى قواعد السلوك إلى مرتبة معلمي الحضارات.

ومن الخطإ الجسيم الاعتقاد بأن المشاكل لن تُحلّ إلا بجهودنا ومساعينا أنفسنا، أو أن نعدّ الطريق إلى بعثٍ جديدٍ بعد الموت محصورًا بقوتنا وقدراتنا، وما يقع على عاتقنا هو القيام بواجبنا ومسؤوليتنا وعدم التدخل فيما يقتضيه شأن الربوبية، ثم الاعتماد فيما بعد على قوة الحقيقة، والإيمان الكامل بمزيد عناية الله تعالى ورحمته.. ومن المؤكد أن الله تعالى القوي القدير ذي العزة والجبروت سيبارك جهودَنا الضئيلة، وسيمدنا بمدده عند عجزنا وتقصيرنا؛ ومن ثم فإنه ينبغي لنا ألا نتلاعب بالحقائق بالنظر إلى عجزنا وضعفنا، وألا نبتعد عن القيم التي نتبناها بحجة مواكبة الحياة المعاصرة.. لا بد من الإيمان بقوة القرآن، والاستناد إليه، وعدم تحريف أحكامه ظانين أننا بذلك سنجد الحل للمشاكل التي تواجهنا.

ولا ننسَ أنه كما لا يُستَصْغَرُ شيءٌ من البرّ والثواب، فكذلك لا يستصغر شيء من الخطإ والذنوب.. وكما أن هناك أمورًا صغيرةً -مثلما ورد في الحديث الشريف- يمكنها أن تكون سبيلًا لخلاصِنا ونجاتِنا مثل تبسُّم الإنسان في وجه أخيه، وإماطة الأذى عن الطريق؛ فكذلك هناك أخطاء صغيرة لا نأبه بها ونستصغرها قد تُلقي بنا إلى أسفل سافلين، وعلى ذلك يجب قياس كون الشيء هينًا أو عظيمًا بالنظر إلى نتيجته، وأحيانًا ما تنتج الزاوية الصغيرة التي في المركز زاوية كبيرة على الخط المحيط، والقرار الخاطئ من الرماة حين تركوا مواقعهم على الجبل رغم تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم من فِعْلِ ذلك كلّفَ الكثير من الصحابة حياتهم، وقد تتسبّب أخطاءُ المغامرين في مشاكل كبيرة للأمة قد يصعب التغلب عليها، وبالمثل فإن الأخطاء التي قد يرتكبها من يتبوّؤون مقامًا يسمح لهم بفهم الدين وتفسيره، قد تؤدي إلى انحرافات كبيرة يصعب تلافيها في المستقبل.

ثمّ إنّ مواقف وسلوكيات الأشخاص الذين يوجِّهون المجتمع بصفة خاصة ويأخذون زمام المبادرة في مثل هذه الأمور مهمةٌ للغاية؛ لأن الخلف يكونون على إثرهم، فإن أحسنوا السيرَ قصَّ هؤلاء الخلفُ إثرهم، ولكن لو اقترف السلف بعض الأخطاء فلن تقتصر هذه الأخطاء عليهم، بل ستعمّ وتتفاقم، فمن المؤسف أنه من بين الأسباب المهمة الكامنة وراء مشاكلنا الحاضرة هو عدمُ استيفاءِ البعضِ ممن هم في الطليعة بحقوق المقام الذي يتبوؤونه، وعدم قدرتهم على التفكير فيما يتطلبه هذا المقام، ولذلك فإن انحرافاتهم الفكرية قد تؤدي إلى انهيارات كبيرة عندما تتلقّفها القاعدة الشعبية، فإذا كانت استقامة التفكير والتصرفات مهمة بالنسبة للجميع، فهي أكثر أهمية بالنسبة لمن هم في الطليعة.

***

[1] الطبراني: المعجم الأوسط، 6/365؛ المعجم الصغير، 2/175؛ القضاعي: مسند الشهاب، 2/7.

الجَرَّة المشروخة: الصحابة كقدوة

Herkul | | العربية

   سؤال: إن العملية التربوية تُشعِرنا دائمًا بالحاجة إلى نماذج فاعلة ورائدة يتسنّى تقديمها للمخاطبين تحت مسمّى “النماذج القدوة”؛ فكيف يجب تقديم سادتنا الصحابة إلى الناس في إطار هذه الحاجة؟

   الجواب: لقد استمع الصحابة الكرام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واصطبغوا بصبغة مجلسه، وشكلوا صورتهم بفرشاته، فنهلوا الإسلام من منهله العذب الصافي، واكتسبوا ميزةً خاصة، وبالتالي فهموا القرآن الكريم والسّنة النبوية فهمًا جيدًا للغاية، وأصبحوا على دراية بالمقاصد الإلهية، وعاشوا حياتهم كلها يبتغون مرضاة الله تعالى، ولذلك لفتَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الانتباه في العديد من أحاديثه الشريفة إلى وضع الصحابة الكرام المتميز والفريد، وأشار إلى ضرورة اتباع طريقهم ومنهجهم إلى جانب سنّته عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم في الواقع أناس مثاليّون يجدُر الاقتداء بهم.

ومن ثَمّ فمن المهم للغاية أن يعرف الناسُ في يومنا هؤلاء الصحابةَ معرفة جيدة؛ لأن الصحابة كلما عرَفَهم المجتمع أحبهم أكثر، وكلّما أحبهم اقتدى بهداهم وتمسّك بمنهجهم، وإن اتباعهم حذوَ القذة بالقذة وحذو النعل بالنعل لهو سبيلُ السلامة، كما أن مخالفتهم ستؤدي إلى الفوضى والندامة، وكما أن الاقتداء بهديهم وسيلةٌ مهمّة للغاية لاتباع رسول الله فإن اتباع رسول الله أيضًا يعني اتباع أوامر الله تعالى.

فإذا عرف الناس الصحابة وأحبوهم واقتدوا بهديهم تخلقوا بأخلاقهم تدريجيًّا، وسعوا إلى التشبه بهم أطوارًا وتصرفاتٍ، ثم إنه لا يُتصوّر من المفعمين بحب الصحابة إلى هذا الحد ألا يحبوا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تتحرق قلوبهم حبًّا وعشقًا لله سبحانه وتعالى.

والواقع أن شعور الإنسان بالإنسانية الحقيقية مرهون بهذه الأمور، فمن الصعب للغاية على إنسان لا يُكِنُّ في قلبه حبًّا لله تعالى ولا لمفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم، ولا لممثليه الصادقين أن يحلق ويرتقي إلى أفق الإنسان الكامل؛ فطريق الارتقاء إلى الإنسانية الحقة يمر من خلال التحلي بأخلاق ذلك الشخص العظيم الذي كان خلقه القرآن.

   فضلُ الصحابة وميزتُهم

من ناحية أخرى، إذا لم يُعرف الصحابة جيدًا، ولم يتم الوقوف على حياتهم الدينية وأنماط تفسيرهم وتحليلهم استحال أيضًا فهم حياة سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام فهمًا تامًّا؛ لأن الصحابة الكرام يشبهون جسرًا يوصل إلى رسول الله عليه السلام، بل يمكن القول إنهم جسور للوصول إلى مرضاة الله ورؤيته ورضوانه، فمن الصعب للغاية فهم القرآن والسنة ومقاصد الدين قبل التعرف عليهم.

فإذا كنا نريد نماذج رائدة ينبغي اتباعها واتخاذها مثالًا يُحتذى به في عصرنا هذا، لا سيما بالنسبة للأجيال الشابة اليوم، فإن من يستحقون ذلك في المقام الأول بعد الأنبياء هم سادتنا الصحابة الكرام، ولذلك يجب علينا أن نرجع دومًا إلى حياتهم ونوجّه الأنظار إليهم عندما نضرب الأمثلة ونعرض النماذج.

ولقد وردت قصص الأنبياء بالقرآن الكريم في سور عديدة منه لِحِكَمٍ شتى مثل: توجيه الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم وإرشاده وبيان حقائق الطريق الذي سلكه، والترويح عنه إزاء المتاعب التي يتعرض لها، وعلى الرغم من أن الإنسانية عاشت فترات مختلفة للغاية من خلال التداول التاريخي المتكرر، إلا أن الله تعالى الذي يعرف الأزمان بكل معالمها، قد أخبر صاحب مقام الجمع صلى الله عليه وسلم ببعض أحداث الأنبياء السابقين؛ لأن الخلاصة والحكمة التي ستؤخذ من هذه القصص ستكون مرشدًا ودليلًا للناس في جميع الأزمنة.

وعلى نفس الشاكلة يجب علينا دائمًا -ونحن نتناول المشكلات الدينية والأخلاقية- أن نعرض مقتطفات من حياة هؤلاء الصحابة الذين خلّفوا وراءهم حياة تصلح للاقتداء بها؛ إذ جعلوا الحقائق الإسلامية بعدًا لطبيعتهم، وحاولوا تطبيق كل أمر ديني تعلموه من سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام.. وعلى سبيل المثال: فعندما ننظر إلى حياة سيدنا أبي بكر رضي الله عنه نرى أنه: خلال فترة خلافته التي استغرقت عامين وبضعة أشهر، تغلب على إحدى عشرة حادثة ردة يعتبر كل منها بمثابة منظمة إرهابية بتعبير اليوم، فخلال خلافته القصيرة هذه أنجز أشياء عظيمة، ومع ذلك لم يترك أية أصول مالية عندما توفي، حتى إنه لم ينفق كل راتبه المخصّص له، فسيدنا أبو بكر الذي اتخذ من العيش الوسط أساسًا لحياته كان بعد أن ينفق قدرَ حاجته من راتبه يضع الباقي في جرّة، ويوصي بأن يُسلم هذا المال إلى الخليفة الذي سيأتي من بعده؛ إذ إنه كان يرى ضرورة إعادة الفائض من راتبه إلى خزانة الدولة.

فلما رأى هذه الجرة خليفتُه الفاروقُ عمر، لم يستطع حبسَ دموعه في عينيه وقال باكيًا: “لقد أتعبتَ كلّ من بعدك يا أبا بكر”، ومع ذلك لم تكن حياته رضي الله عنه تختلف عن حياة أبي بكر؛ فقد عاش هو أيضًا حياة بسيطة، متواضعة قانعة للغاية.. وعلى سبيل المثال؛ كان في زمن المجاعة يأكل مما يأكل الناس ويشرب مما يشربون، ويسد جوعه بخبز يغمسُه في زيت الزيتون، فلمّا جاؤوا له بِلَحْمٍ ذات مرة؛ سأل عما إذا كان الناس في مقدورهم أكلَ هذا أم لا، فلما علم أنهم لا يستطيعون ذلك ردّه.

وعلى نفس الشاكلة حياة الصحابي الجليل مصعب بن عمير رضي الله عنه، لقد كان قبل الإسلام يعيش حياةً مِلؤُها الراحة والرفاهية، ولكن ما إن دخل الإسلام حتى انخلع من ربقة كل تلك الإمكانات المادية وذلك النعيم، وصار مثالًا للتضحية والفداء في سبيل الدين، إلى أن ذاق شراب الشهادة في غزوة أحد، وظلّ يسخّر من جسده ما يمكن أن يكون بمثابة الدرع الواقي للرسول صلى الله عليه وسلم من ضربات السيوف والسهام إلى أن جاد بأنفاسه الأخيرة، وهاجر من دنيانا دون أن يترك حتى ما يمكن أن يُكفَّن به.

وفي الواقع لو أننا تناولنا حياة أي صحابي ممن عاشوا حول الرسول صلى الله عليه وسلم فسنجد أن كل واحد منهم له ميزة وفضائل مختلفة؛ لأنهم جميعًا جعلوا حياتهم فداء لدعوة الإسلام، وجعلوا غايتهم العليا إعلاء كلمة الله، وقدّموا في ذلك الطريق تضحيات لا مثيل لها، ولم يكن في حسبانهم وهم يقدمون تلك التضحيات أي هدف دنيوي مستقبلي، وإنما كان هدفهم الوحيد هو رضا الله سبحانه وتعالى، فقضوا أعمارهم محمّلين بروح التضحية وشعور الاستغناء عن الدنيا وما فيها، ومن هذا المنظار فإنّ كل واحدٍ من الصحابة يمثل قدوةً حسنة بالنسبة للأمة.

ولذلك يجب تعريف إنسان عصرنا بهؤلاء الصحابة وفقًا لعظمتهم وسعة أفقهم؛ لأن الإنسان بطبيعته يحبّ ما يعرفه، أما ما يجهلُه فلا يشعر تجاهه بأية علاقة أو حب.. فلو أن إنسان عصرنا لا يحب الله سبحانه وتعالى بجنون، وإذا ما ذُكر جل جلاله لا يتحرّق شوقًا إليه، فهذا يعني أنه لا يعرفه بصورة كافية.. وكذلك إذا كان إنسانُ عصرنا لا يشعر بشوقٍ وحبٍّ تجاه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تحمله قدماه وينهار مغشيًّا عليه من شدة التأثر إذا ذكر اسمه، فهذا أيضًا يرجع إلى قلّة معرفته به عليه أفضل الصلاة والسلام، وكذلك إن لم يختلج في صدره رغبةُ أن يكون مثل أبي بكر الصديق أو عمر الفاروق رضي الله عنهما فهذا يعود إلى أنه لم يتعرف على هؤلاء الصحابة الكرام رضوان الله عليهم حقَّ المعرفة.

فما يجب علينا إذًا هو أن نعرِّف هؤلاء الصحابة بما يحملونه من قدر وعظمة إلى إنسان عصرنا حتى تتيقظ لديه رغبةُ التشبه بهم، وإن المسلمين اليوم لا يعرفون الذي يجب عليهم اتباعه بسبب عدم معرفتهم الصحابة الكرام بالصورة الكافية.

وفي طريقنا لفعل ذلك علينا الانتباه للأسلوب الذي نستخدمه عند حديثنا عن الصحابة الكرام؛ فيجب علينا ألا نتحدث عنهم كأشخاص عاشوا في حقبة تاريخية معينة فقط، وإلا اكتفى المخاطبون بالتسلي ببطولات هؤلاء الصحابة ولن يظهروا العزم أو الرغبة الشديدة في أن يكونوا أمثالهم، فمن هذه الزاوية علينا أن نحييَ الصحابة في القلوب، ونقدمهم كنماذج يجملُ التأسّي بهم على الدوام.

من جهة أخرى، فإن الأحداث التاريخية لا تتكرر بعينها بل بمثلها، ولذلك فعندما نوجه الأنظار لحياة الصحابة علينا أن نضع نصب أعيننا ظروف العصر الذي نعيش فيه، وبتعبير أخر علينا ونحن نقدم حياة الصحابة ألا نجعل المتلقي يقول: “مثل تلك الحياة لا سبيل إلى معايشتها”، ومن الأهمية بمكان مراعاة ظروف عصرنا أثناء الحديث عن سيرة الصحابة حتى لا نوقِع المتلقي في التناقض والحيرة، ولذلك يجب إقناع المتلقي بأن حياة الصحابة الكرام نماذج يمكن امتثالها في عصرنا وفي كل عصر، ولكي يحدث هذا لا بد من الوقوف على أساسيات فقه السيرة لتكون الخلفية التي ننطلق منها أثناء حديثنا عن الصحابة الكرام، ولكن من المؤسف أن هذا لم يحدث بالقدر الكافي حتى يومنا هذا، وانطلاقًا من إشارة الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي إلى أهمية مذاكرة التفسير بعقل جمعي مشترك، نقول: باتت الحاجة ماسة الآن إلى إعمال مثل هذا العقل الجمعي المشترك في دراسة الترابط المنطقي لأحداث السيرة النبوية بكل أبعادها، الأمر الذي سيعظم استفادة إنسان عصرنا من السيرة، وسيعين على تقديم محصلة نهائية من المعرفة التي يمكن تطبيقها على أرض الواقع.

   ممثلو الصحابة الذين نذروا حياتهم لإحياء الأخرين

لقد كان والدي رحمه الله يعشق الصحابة، فإذا ذُكر بجواره الصحابة رضوان الله عليهم اغرورقت عيناه بالدموع، ويكاد يُغشى عليه، ولهذا السبب فقد كبرت وترعرعت وأنا أقرأ في مكتبته الكتبَ المكتوبة باللغة العثمانية عن حياة الصحابة، وقد كنت أتأثر بعمقٍ بسيرتهم وعمري لم يتجاوز الثامنة بعد، فقد كنت أعيش معهم في قيامي وجلوسي، وكلما تقدم بي العمر كنت أزداد بهم إعجابًا وحبًّا، وفي نفس الوقت كنت أجول بناظري بحثًا عن ممثليهم في عصري، ولطالما قلت لنفسي: “ألا يوجد من يمثلهم في هذا العصر”.

وفي النهاية، وأثناء دراستي بالمدارس التقليدية، زار أحد طلاب الشيخ بديع الزمان “سعيد النورسي” مدينة “أرضروم”، وحينها وجدتُ ضالتي، فقد أشار الشيخ بديع الزمان على طالبه “مظفر أرسلان” أن يزور منطقة “أرضروم”، ولقد تأثرت بشخصيته في قيامه وجلوسه وكلامه وأطواره وملابسه، وحينها حدَّثْتُ نفسي قائلًا لها: “هذا يعني أن الصحابة ليسوا فقط بين طيات الكتب، فهناك من يمثلهم في هذا العصر”، لأنه كان يحمل صدرًا مهمومًا، وعينين تفيضان بالدموع على الدوام، لقد كان بحق إنسان العشق والشوق، وخلال إقامته في “أرضروم” ما كنت أتخلّف عن مجلسٍ له أو موعظة.

نعم، علينا ونحن نعرِّف أجيال اليوم بحياة الصحابة أن نُريهم أمثلة لممثّلي الصحابة في هذا العصر، حتى يعرفوا أن حياة الصحابة ليست مجرّد مرحلة زمنية تاريخية قد مرّت وانقضت، وحتى يروا أن هناك من يخدم الدين بنفس مشاعر التضحية والإيثار، فلو أن هؤلاء الذين يمثّلون روح الصحابة استطاعوا الخروج أمام الأجيال الشابة فبثّوا إلهامات قلوبهم في صدور هؤلاء، فسيتكوّن لدينا جيلٌ جديدٌ من ممثلي الصحابة بإذن الله وعنايته.

ولتنشئة مثل هذا الجيل، هناك حاجة لأشخاص يضحون بحياتهم من أجل إحياء الأخرين؛ أشخاصٍ ينذرون أنفسهم لخدمة الإنسانية حتى يبلغ بهم الأمر إلى أن يقولوا: “إذا لم نُحيِ حياة الآخرين فلا معنى لحياتنا”؛ أشخاصٍ يصيرون مياهًا من أجل نماء الأخرين، ويتحولون إلى ترابٍ فيه قوة إنبات النباتِ وحمله وتثبيته، ويتحولون إلى أشعة شمس تنير الآخرين من رأسهم حتى أخمص قدميهم، باختصار إننا في حاجة ماسة إلى أشخاص يكرسون حياتهم كلها لخدمة الإنسانية، وبقدر إخلاصهم وتضحياتهم ستخرج أجيال عاشقة للرسول صلى الله عليه وسلم، ومحِبّة للصحابة رضوان الله عليهم جميعًا.