Posts Tagged ‘القمع’

القمع المجتمعي

Herkul | | العربية

سؤال: يسيطر على بعض الأوساط والدوائر اليوم القلق والخوف من الإسلام والمسلمين، فراحوا يدّعون أن المسلمين سيمارسون القمع والعنف على غيرهم لو أتيحت لهم الفرصة وتوفرت لديهم الإمكانات، أو على الأقل سيمارسون ما يسمى بالقمع المجتمعي ضد الآخرين للحيلولة دون أدائهم طقوسهم وشعائرهم؛ فما مصدر هذا الخوف؟ وهل لهذه الانتقادات والمخاوف من مبرر معقول؟

الجواب: يقول ربنا سبحانه وتعالى في القرآن الكريم مخاطبًا النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (سورة الأَنْبِيَاءِ: 21/107)، وقد صدَّق صلى الله عليه وسلم هذا البيان الإلهي بأقواله وأفعاله، وظل عليه الصلاة والسلام طوال حياته السنية يتعامل مع الجميع بشفقةٍ ورحمةٍ ولينٍ، ولم تختلف هذه المعاملة حتى في الحروب، فلم يحمل أيَّ حقدٍ أو ضغينة، ولم يفكر في الانتقام من أحد، حتى إنه عفا عن مشركي مكة الذين ساموه هو وأصحابَه سوء العذاب.

ولقد حرّم القرآن الكريم شتى أنواع القمع والاضطهاد بقوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/256)، وأكّد على تحريم الجبر والإكراه في آيات عديدة، منها على سبيل المثال: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ (سورة ق: 50/45)، وقوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ (سورة الغَاشِيَةِ: 88/22).. فإذا كان البعض رغم كل هذا يتخوّف من المسلمين ويعتقد أنهم سيمارسون القمع على غيرهم فهذا إما يرجع إلى أن المسلمين قد أخطؤوا في فهم الإسلام وتمثيله، أو أن هؤلاء الخائفين قد أخطؤوا في التعرّف على الإسلام والمسلمين، أو أن لهم مقاصدَ أخرى من وراء ترويجهم هذه الأفكار.

والذين مارسوا الضغط والإكراه على الناس حتى اليوم هم -في الغالب- ممثّلو الكفر والإلحاد؛ فهؤلاء هم الذين أذاقوا من ليسوا على شاكلتهم شتى أنواع الظلم والحرمان، وفرضوا أفكارهم وأنظمتهم عليهم مستخدمين في سبيل ذلك شتى الطرق والوسائل، ولكي يجعلوا المجتمعات شبيهة بهم وتابعة لهم فقد مارسوا عليها القمع المجتمعي بأبشع صوره، وهكذا فإنهم يعبرون بين حين وآخر عن هذا القلق وهذه المخاوف؛ لاعتقادهم أن المسلمين مثلهم أو لمقارنتهم المسلمين بأنفسهم.

وأنا لا أستبعد أن يكون بين المسلمين اليوم من لم يفهم الإسلام بما يتناسب مع لبّه وجوهره، ولم يستوعب روح الدين، ولم يُحسن قراءة الحياة السنية للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتعمق في فقه السيرة، ولم يفسّر الإسلام وفقًا لظروف العصر؛ وبالتالي اتّخذ من الإسلام أداةً للعنف والقمع، وقد شهدنا كثيرًا من الأمثلة على ذلك في الوقت الحاضر.. ولكن علينا أن نعلم جيّدًا أنه لم يَخْلُ دينٌ أو نظامٌ أو أيديولوجيةٌ من وجود جماعات متطرّفة مهمّشة؛ إذ لا توجد قيمة لا يستطيع الإنسان استغلالها لصالحه، ولذلك فمن الخطإ إصدارُ حكمٍ بشأن الإسلام والمسلمين بالنظر إلى حال من أخطؤوا في فهم الدين أو فسّروه تفسيرًا خاطئًا.

أضفْ إلى ذلك قصورَ معرفتهم بالإسلام والمسلمين، فمع الأسف يتوجّس البعض خيفة ممن يصفونهم بالآخر، بل ويضمرون لهم العداوة لأنهم لم يخرجوا خارج حدود الحي الذي يقطنون فيه، ولم تُتح لهم الفرصة لإقامة حوار مع طوائف المجتمع المختلفة.. لأن الإنسان عدوُّ ما يجهله، وقديمًا سمعنا أحدهم يعترف بذلك قائلًا: “لم نخرج من حيِّنا ومنطقتنا”، وبالتالي لم يستطيعوا التعرّف على المجتمع بكل طوائفه وأشكاله وألوانه في أيِّ وقتٍ كان؛ لأنهم عزلوا أنفسهم عن المجتمع، ورأوا أنه من التدني أن يكونوا مع المؤمنين وأن ينزلوا إلى قراهم وبلدانهم؛ ولذلك لم يدخلوا ولم يتعرفوا قطُّ على عالمهم.

وهناك سبب آخر أيضًا وراء هذه الاتهامات التي تُكال للمسلمين، ألا وهو: موقف الكفر من الإيمان.. فمنذ آدم عليه السلام والصراع قائمٌ بين “فاوست ومفستو (Faust-Mefisto)”[1]، وعند النظر إلى الأحداث التاريخية نجد أمثلةً لا حصر لها للصراع بين الإيمان والكفر.. ويمكن القول: إن العديد من الذين يعبرون عن هذه الهواجس والمخاوف التي لا محل ولا مبرّر لها تجاه المسلمين إنما يفعلون ذلك بِمعنًى ما بمقتضى كفرهم وإلحادهم، وتغيير هذا أمرٌ يفوق طاقتنا.

وعندما نفكّر في الأمر على إطلاقه نجد أنه لا يوجد مبرّر معقولٌ للادعاء بأن ممارسةَ المؤمنين لدينهم وشعائرهم سيولّد ما يُسمى بالقمع المجتمعي ضدّ الآخرين.. فإذا ما تم التعامل مع المسألة بمثل هذا المنطق فيمكن تقديم ادعاءات مماثلة بشأن جميع الاختلافات في المجتمع، وعلى سبيل المثال إن صحّ الادّعاء بأن اللاتي يغطين رؤوسهن سيمارسن ضغطًا وقمعًا على الكاشفات رؤوسهن؛ فسيكون عكس هذا الادعاء صحيحًا ومعقولًا أيضًا، ويصل الأمر في النهاية إلى أن يكون الناس جميعًا على شكلٍ ونمطٍ واحد، وهذا أمر مخالفٌ للفطرة الإنسانية المتنوّعة، وضربةٌ قاصمةٌ لإرادة الإنسان وحريته.. فلا يوجد أساس منطقي وعقلاني لمثل هذه الادعاءات.

والذين يدعون أن ممارسة المسلمين شعائر دينهم سيشكِّل ضغطًا عليهم إنما يعترفون عن غير قصد بضعفهم وعجزهم.. وهذا يعني أنهم لا يثقون بأنفسهم ولا بتجاربهم الحياتية، إنهم لا يستطيعون أن يعيشوا في سلامٍ مع أنفسهم، حتى إنه تزعجهم عبادة الآخرين وممارستهم شعائر دينهم، وهذا يعني أنهم في شكٍّ وريبٍ من القيم التي يحاولون إرغام الناس على تقبّلها حتى وإن لم يكن لديهم شكٌّ في أنفسهم؛ لأن الواثقَ في القيم والمبادئ التي يؤمن بها لا يشعر بالضغط من خلال النظر إلى حياةِ أيِّ شخص.. تمامًا مثل الشخص الذي يعرف السباحة لا ينتابه القلق بشأن الغوص حتى في المحيطات الكبيرة، أما الذي لا يستطيع السباحة فإنه يخشى النزول حتى في الجدول.

والمؤمن الحقيقي لديه ثقة بالقيم التي تبناها وآمن بها وجعلها فلسفة حياته، ولا يخشى التعايش مع أتباع الديانات الأخرى والدخول في حوار معهم، والتعرّض لتأثيرهم.. ولذلك لا يحاول أن يمنع الناس من ممارسة عباداتهم، ولا أن يبلّغوا الآخرين الحقائق التي يؤمنون بها، فإن انتابه القلق في هذا الأمر؛ فهذا يعني أن لديه شبهة في دينه، ولم يستقرّ الإيمان بعدُ في قلبه، ومثل هذا الشخص الذي يعيش في الفراغ قد يتحوّل إلى اتجاهٍ آخر إن لم يكن اليوم فغدًا.. والذين لا يعيشون في سلامٍ مع أنفسهم ومع قيمهم الذاتية يخشون الوقوع تحت تأثير الآخرين، وحتى وإن لم يخافوا على أنفسهم فإنهم يخافون من تأثّر الحشود التي يفرضون عليها رؤاهم العالمية؛ ومن ثَمّ يحاولون بشتى أنواع القمع والضغط أن يمنعوا الآخرين من ممارسة عباداتهم وتبليغهم لدينهم.

والحال أن الحرية الدينية والوجدانية والفكرية هي من أبسط الحقوق الإنسانية، وعالم اليوم يسلّم بهذا ويُقرّه.. فمن الطبيعي للغاية أن يؤمن الإنسان بسلامةِ فكرة معينة ومعقوليّتها وفائدتها للإنسانية، ثم يرغب في تبنّي الآخرين لها، سواء أكانت هذه الفكرة اقتصادية أو سياسية أو ثقافية أو أخلاقية أو عقائدية، فلو أنكم اعتقدتم في صدقِ شيءٍ وعدالته فطبيعيّ أن تتمنّوا تقبل الجميع له، وكذلك لو اعتقد الناس بأن الفكرة المطروحة عليهم أو القيم المقدّمة لهم أكثر دقّة وصوابًا ووجدوا أنها تعِد بمستقبلٍ مشرقٍ فسيرجحونها بإرادتهم الحرة ويتبنونها.

فإن كنت أومن بأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ربان السفينة التي تصل بنا إلى ساحل السعادة فسأرغب في ركوب الناس جميعًا في هذه السفينة. أجل، إن كنت أفكر في سعادة الإنسانية فهذا واجبي، لأن هذا ما يقتضيه إسلامي وإنسانيتي.. وإذا نظر الإنسان إلى المسألة على هذه الشاكلة فهذا يعني أنه يفكر في الآخرين، ويهتم لأمرهم، ويرغب في وصولهم إلى الصلاح والفلاح، أما إذا لم ينظر إلى المسألة هكذا فهذا يعني أنه يشك في قيمه الذاتية أو لا يفكر في الآخرين مثل تفكيره في نفسه.

المشكلة الأساسية هنا هي أن يحاول الإنسان إكراه الآخرين على تقبّل القيم التي يؤمن بها من خلال اللجوء إلى الضغط والقمع والإكراه، وهذا ما يجب أن نركز عليه ونناقشه.. وإلا فلا بأس في رغبة الإنسان بمشاركة الآخرين ما يراه صحيحًا طالما يحترم أفكارهم ومعتقداتهم واختياراتهم.. فيمكنه أحيانًا أن يبلّغ الحق والحقيقة مراعيًا الأسلوب والمنهج المناسب في ذلك، وأحيانًا أخرى يحاول أن يكون قدوة للآخرين بأحواله وأفعاله، فإن كانت معيشته وأخلاقه وأحواله مقنعة ومؤثرة في الآخرين فليس لأحد أن ينبس ببنت شفة في هذا الموضوع؛ لأن كلّ إنسانٍ حرٌّ في تقبّلِ الأفكار التي تروق له، واتباعِ من يقتدي بهم.

خلاصة القول: إن لكلّ فردٍ الحقّ في أن يكون له رأيٌ يعمل على إحيائه ومشاركته مع الآخرين.. المشكلة هي أن يفرض المرء وجهة نظره على الآخرين بأيّ شكلٍ من الأشكال، والحال أن وجود أشخاص لديهم رؤى عالمية مختلفة في مجتمعٍ ما يُعدّ ثروة لذلك المجتمع طالما يتمتّع كلّ أفراد المجتمع بحرية الفكر والتصرف.

[1]  “فاوست ومفستو”: بطلا المسرحيةِ المشهورة المسماة “فاوست” للشاعر الألماني الكبير “جوته”، يمثِّل فاوست شابًّا وقع في شباك الشيطان الذي يمثله في المسرحية نفسها “مفستو”، وصراع “فاوست-مفستو” يعني الصراع القديم المستمر بين نوع بني آدم والشيطان.

مظهرٌ جديدٌ من مظاهِرِ الظلم، والإسلامُ الشكليّ

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: إنَّ مَنْ لا يسكتون على الظُّلمِ والجَورِ ويحاولون تحذيرَ الناس من المنكرات يتعرضون لهجمات كالافتراء عليهم وتهديدهم وقمعهم؛ فما التصرُّفُ الذي يتَّفِقُ مع القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة وينبغي لهؤلاء الناس أن يلتزموه في مواجهة ما يتعرضون له؟

الجواب: يبيِّنُ الحقُّ تعالى في قوله ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 110/3) أنَّ أمَّةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم هي خيرُ أمَّةٍ أُخْرِجت للناس، وقد ربطَ الله عزَّ وجلَّ وصفَ الخيريَّة هذا بصِفَتِها آمرةً بالمعروفِ ناهيةً عن المنكر إلى جانب صفة الإيمان، وبتعبير آخر رَبَطَهُ بنشرِها الخيرَ وحمايتِها الناسَ من أضرارِ الشرِّ، ومن هذه الناحية فإنَّه ينبغي للمؤمن إذا أرادَ تنشِئةَ جيلٍ نموذجيٍّ قدوةٍ تغبِطُه حتى الملائكةُ عليهِ؛ أن يُساهمَ -بواسطةِ الأمر بالمعروف- في تحليةِ الناسِ بالفضائلِ والمحاسِنِ، وأن يسعى -بواسطة النهي عن المنكر- إلى تخليةِ الناسِ عن الرذائلِ، ومنعِهم ممّا استنكره واستحقره اللهُ جلّ جلاله ورسولُه صلى الله عليه وسلم والعقلُ السليم والطبيعةُ البشرية.

فِعلُ الخيرِ سِرًّا

إن التحذيرَ من الشرور والآثام له سُبُلٌ مؤَطَّرَةٌ وقنواتٌ خاصّةٌ وحدودٌ واضحةٌ، فيجبُ ألا ننسى أن الموقف الواجب اتِّخاذُه عند النهي عن المنكرات لا يكون موجَّهًا للشَّخْصِ نفسِهِ، بل للأوصاف السيِّئَةِ الموجودة فيه، وبتعبير آخر: إنَّ كلَّ صفةٍ سيّئةٍ تُشبِهُ فيروسًا يُصيبُ البَشَرَ، والغايةُ الأصليّة من النهي عن المنكر هي القضاءُ على ذلك الفيروسِ لا على حامِلِهِ حتى يستردّ الفردُ صحَّتَهُ وعافيَتَهُ وأمنَه وطمأنينتَهُ مجدّدًا، ولذا فإنَّ المؤمن يقف في وجهِ الصفاتِ الذميمةِ، بل يعلن الحربَ عليها، لكن ينبغي له أن يكون رحيمًا إلى أبعد الحدود بمن يحملونها، ويستخدمَ تجاههم لغةً وأسلوبًا ليّنًا، لدرجة أنه يجبُ عليكم وأنتم تُحَذِّرون مرتكبي المنكرات مما يفعلونه ألا يَفطنوا إنْ كنتم تعارضونهم أو لا. أجل، ينبغي لكم أن تتحرّكوا وتتصرّفوا هكذا بأسلوبٍ رقيقٍ دقيقٍ حتى يتسنَّى لهم أن يتخلَّصُوا سريعًا ودون وعيٍ من تلك الصفات الذميمة التي يحملونها، ويخلعوها عنهم كما يخلعُون ملابِسَهم تمامًا؛ فالتصرُّفُ هكذا هو أحدُ ضروريّات وثوابتِ السلوكِ والمنهجِ النبويِّ صلى الله وسلّمَ على صاحبِهِ.

وإن قابَلْتُم المواقفَ والسلوكيّات السلبية بِمِثْلِهَا فإنّكم تُضَاعِفُونها أكثر بدلًا من أن تمنعوها، ولا سيما في عصرنا الذي تُضَخُّ فيه السلبيَّات إلى الناس دائمًا؛ مما أدّى إلى ممارَسَتِهِم العديدَ من السلوكيات والتصرفات المنبوذة، وهذه مسألةٌ شديدة الخطورة.إذًا كونوا -كما وصفَ وأرادَ مولانا جلال الدين الرومي- شمسًا تلاطِفُ الجميعَ شفقةً ورحمةً، وترابًا تدوسُه الأقدامُ تواضعًا ولينَ جانبٍ، ومطرًا يروي النباتَ والشجرَ كرمًا ومعونةً، وشجرًا نافعًا للآخرين ظِلًّا وثمارًا، وليلًا يوارِي كلَّ شيءٍ سترًا للعيوب، وميِّتًا بُعدًا عن الحدّة والعصبّية، ومحيطًا متراميَ الأطراف تسامحًا وصفحًا… كما ينبغي لكم أن تُحافظوا على نفس الموقف لا سيّما تجاه من بَعُدوا عنكم وانزلَقُوا في مجموعةٍ من الأخطاءِ والزلّات بسبب همزات الشياطين وإغواءِ النفسِ الأمارةِ بالسوءِ رغمَ أنهم يتَّجِهونَ إلى نفسِ القبلةِ التي تتّجهون إليها ويسجدون معكم حيث تسجدون، فيجب عليكم أن تَثبُتوا على موقفكم وتُحافظوا على منهجِكم معهم حتى وإن بَعُدوا هم عنكم؛ لأنكم إن بَعُدتُم عنهم شبرًا كلَّما بعدوا عنكم شبرًا تضاعَفَت المسافةُ وشَسَعَ البونُ بينكما، غير أنكم إن تَثبُتوا على موقفكم تُقلِّصوا المسافة بينكما، ويصبح هذا البعد خطأً قاصرًا عليهم دونكم، فلو أنهم ندِموا ذات يومٍ وأرادوا الرجوعَ فإنهم لا يُعانون كثيرًا في تلافي أخطائهم التي ارتكبوها، ولا يضطرّون في سبيلِ تحقيقِ ذلكَ إلى استخدامِ جدليّاتٍ وحُججٍ واهيةٍ مختلفة، فليس من الجيِّدِ تضخيم الفتنة وتوسيعها، بل المهمُّ هو التصدّي لها بدِرْعِ الفطنة والقضاء عليها.

الامتحان بمشاعر العزّة والشَّرَف

قد يَعُدُّ البعضُ اتخاذَ موقفٍ تجاهَ هذا النوع من الناس أحدَ ضروريّات حمايةِ شرفهم ومجدهم وعِزّتهم، غير أنَّ مفخرةَ الإنسانيّة صلى الله عليه وسلم -تاجَ الشَّرَفِ والمجدِ وقِمّتَهُ- قد رجعَ خطوةً إلى الوراء في بعضِ المواقف الحسّاسة حين استدعى الأمر ذلك؛ مُفكِّرًا فيما سَيجْنِيه من مكتسبات ومنافع لاحقًا، وبهذه الطريقة علَّمَنَا أن التراجُع قليلًا حين يقتضي الأمرُ ذلك إنّما هو مِن إستراتيجيّاتِ المسلمين.

فمثلًا لقد خرجَ النبيُّ صلى الله عليه وسلّمَ من المدينةِ ومعه أصحابُهُ الكرام قاصدينَ مكّةَ المكرَّمةَ لأداءِ مناسكِ العمرة، واجتازوا لأجلِ ذلك زهاءَ أربعمائة كيلومتر ركوبًا على الخيل والجمال، غير أنّهم لما اقتربوا من مكّة ولم يبقَ بينهم وبينها إلا مرحلَتَين أو ثلاثة؛ اعترضهم مشركو مكَّة ومنعوهم من دخولها؛ إذ حاصرَ خالدُ بن الوليد المعروفُ بدهائه العسكري -ولم تكن عيناه آنذاك قد انفتحتا على الحقيقة بعدُ- حاصرَ المسلمينَ بكتيبتِهِ المختارةِ من صفوةِ خيَّالةِ قريش، منعوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأصحابَه من الدخول فلم يعترضْ مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم على هذا، في حين أنَّ مَنْ كان هناك من ساداتنا الصحابة كانوا قادرين -بإشارة منه صلى الله عليه وسلم- على أن يناضلوا بحقٍّ واستماتةٍ ويتغلَّبوا -بإذن الله تعالى- على مشركي مكةَّ وفيهم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، ويدخلوا مكَّةَ عنوة.

لكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ائْتَمَنَ نفسَهُ على شرفِ وعزَّةِ أتباعِهِ إلى جانبِ عِزَّتِهِ وشرفِهِ نفسِهِ وافق على المادة الواردة في المعاهدة بشأنِ عودةِ المسلمين من حيث أتوا دون أن يَعْتَمِروا ويزوروا مكَّةَ هذا العام، لقد وافقَ رَغْمَ وعدِهِ أصحابَهُ ومعرفتِهِ مشاعرَهم وأحاسيسَهم، وعاد بعد إبرام المعاهدة هو وأصحابُه سويًّا إلى المدينة دون أن يعتمروا، وعلى نفسِ الشاكلةِ أيضًا فقد أمر صلى الله عليه وسلم بِنفسِه أن تُمسَحَ عبارةُ “رسول الله” المدونةُ في أوّل المعاهدة بسبب اعتراض المشركين عليها، كما قَبِلَ صلى الله عليه وسلم مواد الاتفاقيّة التي بدت في ظاهرها ضدّ المسلمين في صلح الحديبية كمادة أنه: “من أتى محمدًا من قريش من غير إذن وليه رده محمدٌ إليهم، ومن جاء قريشًا مِمَّنْ مع محمد لم يُرَد إليه”، حتى إن بعض المسلمين الذين كانوا يُعذَّبون في مكّة أثناء الصلح كسيدنا أبي جندل هربوا ولجؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنّه صلى الله عليه وسلم أعادهم كرْهًا وعلى مضضٍ، بسبب إصرار المشركين وإلحاحهم على تفعيلِ الاتفاقيّة مباشرةً.

إن هذه هي النقطة التي تُنتهك فيها الشرفُ والعزةُ من جانبٍ، وقد تحمَّل كلَّ هذه الأمور مفخرةُ الإنسانية صلى الله عليه وسلم الذي اعتصر وجدانه ألمًا وشعر بكلِّ الآلام والهموم التي اكتَنَفَت مشاعرَ ساداتِنا الصحابة في مواجهة تلك الأحداث، وعند النظر إلى هذه الأحداث يمكن تقييمُها -في جانب منها- على أنها خطوة للوراء، غير أنَّ كلَّ واحدةٍ منها كانت حملةً مهمَّةً جدًّا من أجلِ الانتقالِ إلى الشدِّ المعنويِّ والسيرِ قُدمًا نحوَ الفتحِ المستقبليِّ الـمُنتَظَر؛ حيث إنَّ الرجوع خطوةً إلى الوراء هنا شَكَّلَ ظروفًا مناسبةً وأرضيَّةً خصبةً لفتح مكة فيما بعد، وكوّنَ مناخًا ملائمًا استطاعَ المسلمونَ خلالَه بفضلِ الله فتحَ مكّة بسهولةٍ ويُسرٍ.

الصبر الفعّال ولحظة تنسيم التجلّيات الإلهيّة

قد يُساءُ إلى شَرَفِنا وتُكسَر عِزَّتُنا ونُؤذَى نفسيًّا في يومنا الحاضر أيضًا، ونتعرَّض للحقد والبُغض والحسد حتى يصل الأمرُ لمعارضة أجمل الأعمال التي نضطلع بها وأكثرها معقوليّة فتُوصَفُ بأنها شيطانيّة، وفي فترةٍ زمنية معينة كان يُهاجمكم مَنْ ينزعجون من كلِّ شيء يتعلق بالدين، ويفتشون في كلِّ ما يخصُّكم صغيرًا كان أو كبيرًا، ويُخْضِعونه للمراقبة، وقد مرَّت سنوات على هذا، ولكنه لم يتغيَّرْ شيءٌ كثير؛ إذ جاء المتذَبْذِبون -الذين هم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء- بعد الملحِدين، وواصلوا هذا الظلم، وبعد أن ذهبوا هم أيضًا جاءت هذه المرةَ مجموعةٌ من المسلمين استجمعت في يدها قوَّةً وإمكانيَّاتٍ معيّنة، وبدأت هي الأخرى تستسيغُ المظالم التي ارْتُكِبَتْ سابقًا ضدّكم بسبب تديُّنِكم والتزامِكم، وعارضت بأسلوبٍ مُغرِضٍ -لم تتخِذْه ضدّ أيِّ شخص على الإطلاق- المدارسَ والمدنَ الطلابيَّة ومراكزَ التأهيلِ الجامعيِّ التي أنشأها شعبُنا المخلصُ بكلِّ جهدٍ وإخلاصٍ، وأَعْدَت هذه المجموعةُ بعضَ الناس ضدّ تلك المراكز التعليميّة “أملًا في العثورِ على ثغرةٍ فيها!”، وذلك لأنَّ الحسدَ والحقدَ يجعلُ الإنسان يأتي من الشرور ما لا يأتِيه الكافر أحيانًا.

غير أنّه ينبغي لنا ألا نفزعَ أو نهتزَّ في مواجهة كلِّ هذه الشرور والمساوئِ، وألا نتشدَّقَ قائلين: “مجدي، وعزّتي!”، بالعكس يجب الانتباهُ إلى أنَّه ثَـمَّة مظالم وأضرارٌ تقعُ في محيط إذن الله تعالى لِحِكَمٍ خفيّة، والتي لو لم يأذنْ بوقوعها لما استطاع أحدٌ أن يَضُرَّ أحدًا، فيجب الرضا بما يقسمُه، والتوجُّهُ إليه تعالى ثقةً في رحمتِهِ وعطفِهِ، ومن هذا القبيلِ قولُ الشاعر:

ما أعذب البلاء إن كان من جلالِهْ

وما أحلى الوفاء إن كان من جمالِهْ

فكلاهما صفاءٌ للروحِ

فما أحلى لطفه وما أعذب قهره!

ويجب انتظارُ اللحظات التي ستُنَسِّمُ فيها تجلّيات العناية الإلهية، وإنْ وَقَعَ ظلمٌ واضطهادٌ من أعداءِ الدين أو حتى من المتذبْذِبين، أو من المؤمنين الذين أَكَلَهم الحسدُ، أو حتى ممّن يَبدون مسلمين ظاهريًّا وشكليًّا ممّن يضعون جباهَهم على الأرض؛ فإنه يجب علينا ألا نتخلّى أبدًا عن أفكارِنا ومشاعرِنا ومبادئِنا الأساسيّة في هذا الشأن، وينبغي لنا أن نفتحَ صدرَنا للجميعِ دائمًا، ونعرف كيف نرسل باقات المودّة والمحبّة إلى الجميع، ويجبُ علينا أن نقابلَ كلَّ سهمٍ يرمينا به المعتدونَ بوردةٍ نرسلها إليهم عوضًا عن كلِّ سهم، وأن نُمطِرَهم بالورود بدلَ السهام، وسواء فَهِمُوا هذا أَمْ لم يفهموه؛ فإنّنا سنظلُّ مخلصين صادقين لما نفهمُه من القرآن الكريم والسنة النبوية أسلوبًا ومبدأً إلى أنْ تفارق أرواحُنا أجسادَنا.