Posts Tagged ‘المعية في الآخرة’

معية الحبيب

Herkul | | العربية

سؤال: ما المقصود بمصطلح “معية الحبيب” الذي يجري التركيز عليه بين الحين والآخر في حلقات الدرس؟

الجواب: المعية تعني الرفقة.. أما الذات الذي نقصده بالمعية فهو الله تعالى.. لذلك فإنَّ قصْدَنا من “معية الحبيب” هو الوصول إلى معية ربنا الذي هو حبيب روحنا، وملازمتُه، وأن نشعر في أنفسنا بمرافقته لنا، ونصل معه إلى الأُنس، وأن نستشعر هذا في كل ذرات جسدنا.

وقبل الانتقال إلى الإجابة عن السؤال أود أن ألفت الانتباه إلى أمرٍ معين؛ ألا وهو أنه ينبغي في أثناء التفكير والتحدث والكتابة في الموضوعات المتعلقة بالله تعالى ألا نقيِّم البارئ المتعال من حيث قوالبنا المحدودة، وألا نقيسه ونزنه هو وما يتعلق به من أمور وفق معاييرنا البشرية الخاصة بنا، وعلينا أن نكون حسّاسين وحذرين لأقصى درجة.. وقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التفكير في ذات الله تعالى[1]، وحثّنا على التفكير في آلائه والتأمل في أسمائه وصفاته وما خلقه من آثار؛ فالتفكيرُ في ذات البارئ أمرٌ يتجاوز حدود إدراكنا، وبالتالي فإننا عندما ندخل في مثل هذا الطريق نعجز عن التفكير بشكل صحيح، وقد نقع في التجسيم والتجسيد.. نسأل الله السلامة.

المعية في الدنيا

إن المعية التي تعني الوصول إلى الله تعالى والشعور به ذوقًا وكشفًا، من خلال تجاوز الإنسان المسافات المتعلقة ببعده الجسدي، وانسلاخه من الحُجب الجسمانية التي تلفّه؛ هي مقامٌ نطلبه في دعائنا دائمًا.. وإن القلب الذي يتنفّس الأنسَ في جوّ المعية، يطلبه تعالى، وينشغل فيه، ويحس به، ويعمل به، ويبدأ معه، ويظلّ يطوف حول رضاه فحسب، فالمعية الإلهية تعود على أربابها بتجلّيات وصبغة خاصة، حتى إنه عندما يدخل المرء في حضور أحد العظام الروحيين، ويشاركه المناخ نفسه يصطبغ بصبغته.. أي إن مشاعر الإنسان وأفكارَه وحركاته تتأثّر بالوجود في حضرته، حتى إن الولوج في مناخه المستنير ولو لمرة واحدة يمكن أن يسبب تغيّرات في لونه ونمط حياته.. كما ينبغي هنا الحديث عن عظمة الصحابة؛ لأنهم شرُفُوا بمعية الرسول صلى الله عليه وسلم، واصطبغوا بصبغته؛ فما بالكم بالصبغة التي سيصطبغ بها الشخص الذي يحظى بالمعية الإلهية!

وعلى الرغم من أننا نسأل المعية في دعواتنا باستمرار فمن المؤكد أن الوصول إلى مثل هذا المقام السامي ليس سهلًا، فلا يمكن الوصول إلى المعية في الدنيا إلا من خلال “الإيمان بالله” و”معرفة الله” و”محبة الله”.. أي إنكم إن تؤمنوا بالله القدير حقّ الإيمان، وتحوّلوا إيمانكم به إلى المعرفة، وتُتوِّجوا معرفتكم بالمحبة، وتطمحوا دائمًا للوصول إليه والبقاء معه بحبٍّ وشوقٍ حقيقيّين؛ يأخذْكم إلى معيته.. وفي بعض الأحيان يمكنكم أن تشعروا بمثل هذه المنحة في داخلكم بقدر عمق معرفتكم، ويمكن لمن يعيشون حياتهم في بحثٍ وسعيٍ حقيقيّين أن يشعروا بهذا عندما يتوجّهون إلى الله تعالى حقّ التوجه؛ في الركوع، وفي السجود، وفي لحظات الليل الهادئة.. فمثلًا قد يشعر الإنسان بهذه المعية في صورة نسيمٍ قادمٍ منه تعالى، ويمكنه أن يصل بواسطة هذا النسيم إلى حالة مختلفة تمامًا.. فإن شعر به في السجدة فقد يقول: “ليت هذه السجدة لا تنتهي!” وقد يتمنى أن تستمرّ تلك السجدة حتى الموت.

المعية في الآخرة

يتعذّر علينا أن نعرف بالضبط كيف ستتجلّى معية الحبيب في الآخرة؛ لأن كلَّ شيءٍ سيتغير هناك، ستتغير الألوان والأشكال، وربما ستحل الأعراض والجواهر بعضُها محلّ بعضٍ.. ففي عالمٍ ستتغير فيه ماهية كلّ شيءٍ وواقعه، ستفوق فيه المعيةُ أحلامَنا وخيالاتنا كافّة، ويقول الأستاذ بديع الزمان النورسي: “إن قضاء ألف سنة من حياة الدنيا في سعادة مرفهة لا يساوي ساعة واحدة من حياة الجنة! وإن قضاء حياة ألف سنة بسرور كامل في نعيم الجنة لا يساوي ساعة من فرحة رؤية جمال الجميل سبحانه[2].. ولنعلَمْ أن كلَّ ما نعيشه في الدنيا يظلّ مجازيًّا عند مقارنته بالآخرة، فإن الدنيا لهو ولعب، على حدّ التعبير القرآني[3]، إن الحياة في الدنيا تشبه النوم، أما الموت فهو الاستيقاظ من هذا النوم.. “الناس نيامٌ فإذا ماتوا انتبهوا” وستُعاش الحياة الحقيقية في الدار الآخرة.. لذلك سيكون الوصول إلى المعية الحقيقية مأمولًا تحقّقه هناك.. وهناك سترون وتسمعون وتشعرون بمصدر الحياة والجمال والتجلّي والمظاهر الحسنة.

وإنه بحسب العبادات التي تؤدونها هنا وبقدرِ تفانيكم وأفقِ معرفتِكم وحبِّكم وحماسِكم وعمقِ علاقتكم به تعالى؛ ستصلون إلى نِعمٍ وآلاءٍ مختلفةٍ جدًّا في الآخرة، وهناك ستظهر لكم كلّ كلمةٍ وسلوكٍ منكم في شكل مفاجآتٍ مختلفةٍ تمامًا.. وبحسب ما ورد في بعض الروايات فإن الله سبحانه وتعالى سيتجلى بكمال جماله أيام الجمعة -ونحن لا نعرف طبيعة اليوم هناك- وهناك سيرى المؤمنون الذات الإلهية بشكلٍ لا نستطيع أن نعرف كيفيته، قال عليه الصلاة والسلام: “أَمَا إِنَّكُمْ سَتُعَايِنُونَ رَبَّكُمْ فِي الْجَنَّةِ كَمَا تُعَايِنُونَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ”[4].

بالطبع هذه كلها عبارات تستخدم لتقريب المسألة إلى أذهاننا.. وإلا فإننا لا نستطيع معرفة كيفيّة وحقيقة الرؤية التي هناك.. وما نعرفه هو أن الجميع سيُفتنون ويثملون بتأثير تلك التجلّيات، وستختلف مشاهدة كلّ شخصٍ عن الآخر وفقًا لعمق أفق معرفته، وكما قال “الشيخ سراج الدين الأُوشي” في منظومته “بدء الأمالي”:

يراهُ المؤمنون بغيرِ كيفٍ *** وإدراكٍ وضربٍ من مِثَالِ

فينسَون النعيمَ إذا رأوهُ *** فيا خُسرانَ أهلِ الاعتزالِ[5]

وكما تبين فإن للمعية الإلهية جوانبَ تتعلق بالدنيا وأخرى بالآخرة.. وهناك نِعَمٌ وهبات عديدة ومختلفة يشعر ويحس بها من يحظى بالمعية الإلهية في الدنيا والآخرة؛ فعلينا أن نسعى للظفر بمعية الله في الدنيا، ونسأل الله تعالى ذلك.. لأن ما يدركه الإنسان ويراه ويناله هنا، تكون بحسبه أيضًا النعم التي ستظهر له في الآخرة، فعلى سبيل المثال فمَن لا يؤمن بالرؤية (رؤية الله)، ولا يستطيع استيعابها في نفسه تمامًا، ولا الدخول إلى مناخها، ولا الإحساس بها؛ يُحرم من مثل هذه النعمة والمنحة في الآخرة.. فما تمتلكونه هنا في الدنيا بدءًا من إيمانكم وإخلاصكم إلى أورادكم وأذكاركم، ومن عبادتكم وطاعتكم إلى حبكم وشوقكم، ستجدونه وتكافَؤون عليه في الآخرة.. سيكافِئ الله كلَّ جهدٍ من جهودكم وسعيكم هنا بما يتجاوز جميع التخمينات والتخيلات في الآخرة.. وهذا هو معنى الآية الكريمة: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (سورة النَّجْمِ: 53/39).

ذكر الحبيب

معيّة الحبيب هي أجملُ نعمةٍ وأهم مِنحة، وإنّ ذكرَ الحبيب وحبَّه ودوامَ الارتباط به لهي أفضل الوسائل في الحصول على هذه النعمة، علينا أن ندعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ”[6].

إنّ الذين يصرفون الكلام ويربطونه دائمًا بالله ورسوله وكلامه تعالى، ويرون ما سوى ذلك من الأقوال ثرثرة، ويعتبرون اللقاءات التي لا يُذكر فيها محبوبُهم سبحانه وتعالى اشتغالًا بما لا طائل من ورائه؛ إن هؤلاء هم الأجدر بأن يحظَوا بمنّة الله ومعيته.

يتحقق ذكر الله أحيانًا عن طريق الحديث المباشر عنه، وأحيانًا عن طريق ربط الكلام بالوسائل التي توصِّل إليه.. فمثلًا: تنفتحون على رحابة القرآن وفضائه لدرجة أنها تغمركم في بحر المعرفة؛ فتُبحرون في فضاءاته، وتتجولون بين آياته، وبذلك تنالون مطلوبكم وهدفكم، وأحيانًا ترشدكم أحاديث مفخرة الإنسانية؛ فتصلون تحت رعايته ووصايته صلى الله عليه وسلم إلى محبوبكم الحقيقي، وأحيانًا يزيد التجوّل بين كلمات وسطور كتاب الكون، والتأمل والتدبر في آياته نصيبَكم من معرفة الله، وأحيانًا تنشغلون بمذاكرة الأعمال التي تتحدّث عن الله تعالى طلبًا للحصول على شرف ذكره، وفي النهاية تنقلكم كلُّ هذه الأشياء إلى معيّة الحبيب سبحانه وتعالى.

وحاصل الكلام: لا يصل الإنسان إلى معية الله دون أن يُشبع قلبَه وعقلَه وروحَه وذهنَه وضميرَه وكلَّ حواسّه الباطنية والظاهرية التي وهبها الله له بكلّ ما يتعلّق به تعالى؛ لهذا السبب يجب السعي دائمًا وراء معية الحبيب بشتى الوسائل، وكذلك بذلُ الجهد للتعرّف عليه والشعور به واجتلاب معيّته عبر اغتنام كلِّ فرصة.. وينبغي للإنسان أن يتنفس المعيّة بكلّ ما أنعم الله عليه من نِعمٍ ومِنَحٍ؛ فمن حقّه تعالى علينا وواجبنا نحوه أن نلجأ إليه ونحاول الوصول إلى معيّته، تاركين جميع أنواع الانشغالات الدنيوية مستشعرين اضطرارًا إليه يفوق كل الضرورات.

[1] رُوِيَ عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تَفَكَّرُوا فِي آلَاءِ اللهِ، وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي اللهِ”. (الطبراني: المعجم الأوسط، 6/250؛ البيهقي: شعب الإيمان، 1/262)

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب العشرون، المقام الأول، ص 270.

[3] انظر: سورة العنكبوت: 29/64.

[4] صحيح البخاري، مواقيت الصلاة، 16؛ صحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، 211.

[5] الأوشي: بدء الأمالي، البيتان 20-21، ص 41.

[6] سنن الترمذي، الدَّعَوَات، 73.