Posts Tagged ‘الوفاء’

إرساء روح الأخوة

Herkul | | العربية

سؤال: ما الذي يجب مراعاته حتى لا يكون تنوّع المشاعر واختلافُ الأفكار التي يحملها مَنْ يسيرون نحو هدفٍ واحدٍ سببًا للفرقة والخلاف؟

الجواب: بادئ ذي بدء أرى من المفيد التركيز على نقطةٍ أشِير إليها في السؤال أيضًا، فمن الأهمية بمكان أن يكون للإنسان غاية مثالية، وأن يحدّد لنفسه هدفًا ومقصدًا واضحًا، فالإنسان الذي يخرج لتبليغ دين الله في كل الأرجاء عليه أن يستوعب جيّدًا منذ البداية ماهية الطريق التي يسلكها، وخصوصياتها، وما الذي ستقوده إليه هذه الطريق، ولا يكتفي بربط الأمر بالتصديق العقلي، بل يحرص على أن يسير قلبه ومشاعره ولطائفه في نفس الاتجاه الذي يسير فيه عقله، وأن يحصر همّته ويبذل وسعه في سبيل تحقيق غايته المثالية، وأن يظلّ في هذا الاتجاه على الدوام.

القواسم المشتركة

فإذا كان هؤلاء الأشخاص المختلفون فكرًا وشعورًا قد تكاتفوا من أجل قضيّةٍ واحدةٍ، وحدّدوا الطريق التي يسيرون فيها والغاية التي يطمحون لتحقيقها، وتمكنوا من إقامة التعاون والتناغم القلبي فيما بينهم؛ فهذا يعني أن ثمة قواسم مشتركة تجمع بينهم.. ولا ننسَ أنه كلما زادت القواسم المشتركة بين الناس، وكلما زاد وعيهم بها؛ كان من السهل عليهم التفاهم والاتفاق؛ ولهذا السبب لفت بديع الزمان سعيد النورسي الانتباه إلى النقاط المشتركة التي تجمع بين المؤمنين في رسالته “الأخوة”، ورتّبها على حسب الأهمّيّة وسردها واحدةً تلوَ الأخرى.. وهذا أمرٌ لا بدّ من التأكيد عليه؛ فثمّة حاجة ماسّة إلى تحديد القواسم المشتركة واستيعابها جيدًا، ومن ثمّ تفصيلها، وتبليغها للناس بأسلوب لائق.

على سبيل المثال قد لا يكفي بالنسبة للجميع الحديثُ عن القاسم المشترك للإسلام من أجل إقامة الوفاق والاتفاق بين المسلمين، فهذه القضية تحتاج إلى مزيد من التفصيل والشرح ومشاركة المشاعر والأفكار، ولقد أشار الأستاذ النورسي رحمه الله إلى هذا الأفق بقوله: “إن خالقكم واحد، مالككم واحد، معبودكم واحد، رازقكم واحد… وهكذا واحد واحد إلى أن تبلغ الألف، ثم إن نبيكم واحد، دينكم واحد، قبلتكم واحدة… وهكذا واحد واحد إلى أن تبلغ المائة، ثم إنكم تعيشون معًا في قرية واحدة، تحت ظل دولة واحدة، في وطن واحد… وهكذا واحد واحد إلى أن تبلغ العشرة”[1].

والمقصود مما ذُكر هنا من أعداد مثل العشرة والمائة والألف ليس الكم بل الكيف، فبديع الزمان يلفت الانتباه بهذه الأعداد إلى أهمية القواسم المشتركة، فيعبر عن أهمية الكيف بالكم، وكما أن حقيقة الوحدانية تسبق حقيقة النبوة، فلا شك أن وحدة الدين والقبلة أسمى وأعلى من أن تُقارن بوحدة القبيلة أو العشيرة التي ينتسبُ إليها، فلو حُدّدت القواسم المشتركة بشكل جيد، وأُكِّدَ عليها في كل مناسبة؛ وتقبّلها الإنسان في عالمه القلبي والعقلي؛ فمن الممكن حينذاك منع الصراعات والنزاعات بنسبة كبيرة.

كلُّنا بشرٌ، نحمل أنواعًا مختلفة من الحساسيات ونقاط الضعف، ولا ريب أننا ننزعج أحيانًا من كلام البعض أو أفعالهم أو تصرّفاتهم، إلا أن للقواسم المشتركة التي تحدثنا عنها آنفًا تأثيرًا قويًّا في توحيد الصف وجمع الكلمة؛ حيث إن من يأخذ هذه القواسم بعين الاعتبار ويستخدم إرادته في هذا الاتجاه يمكنه أن يتجاهل عوامل الانقسام والإقصاء، ويغض الطرف عنها.. فإن عِظمَ القواسمِ المشتركة التي تُلزمنا بالوحدة والاتحاد تُصغِّر في عينيه عوامل الصراع وتقضي عليها، فيبادر هذا الشخص إلى أن يقمع بإرادته العديدَ من السلبيات التي لا يستطيع تقبّلها وفقًا لطبيعته الشخصيّة، ويقول: طالما ربنا واحد، ونبيّنا واحد، وقبلتنا واحدة، ونتقاسم همًّا واحدًا، ونعيش معًا في بلدة واحدة، ونسعد بأشياء واحدة، ونتعرض لهموم واحدة، فلِم أفسد الأخوة التي بيني وبين إخوتي؟!”.

الوفاء بحق الإرادة

ورغم ما ذكرناه فلا بدّ أن ندرك أنه لا يمكن تجنّب الخلافات تمامًا مهما فعلْنا، وهذا يرجع إلى سببين رئيسين:

الأول: أن الإرشاد والتبليغ والنزعةَ إلى الخير والتربيةَ قد لا يحدثون التأثير نفسه عند الجميع، فمهما حاولتم إقناع الناس بأيِّ غايةٍ مثاليّة، أو اجتهدتم في إعادة تأهيلهم أو في إنعاش المشاعر الإنسانية بينهم؛ فسيكون هناك بالتأكيد أناسٌ يتبعون النفس والشيطان، وقد لا يُحدث الوعظ والنصيحة والتبليغ والإرشاد التأثيرَ نفسه في الجميع.

 الثاني: أن الله تعالى خلق الناس مختلفين، وخصّ كلَّ فردٍ بسمات متباينة، فإن لم تُراع هذه الاختلافات؛ فقد تتحوّل إلى أداة للنزاع والصراع.

لذا فعلينا أن نفي بالمسؤولية الملقاة على عاتقنا، وأن نبذل قصارى جهدنا لإبعاد الناس عن الأفعال والسلوكيات غير الإنسانية، وأن نبيّن لهم أنه لا يجدر بالإنسان الاعتداء على الآخرين واغتصاب حقوقهم والشجار معهم ومناطحتهم، ينبغي أن نسعى كلَّ ما في وسعنا في سبيل انسلاخ الناس عن الحيوانية، وانفصالهم عن الجسمانية، وارتقائهم في مدارج حياة القلب والروح.

ولو شاء ربك لجعل الناس أمّةً واحدة ولا يزالون مختلفين، ولذلك خلقهم.. لو شاء الله لجعل الناسَ على مشربٍ واحدٍ ومزاجٍ واحدٍ، وبالتالي فلا تتباين أفكارهم ومشاعرهم، ولا يتنازع أحدٌ مع أحدٍ، ومن ثم لا تعد هناك حاجة إلى الإرادة، بيد أن دخول الجنة تفضُّلٌ من الله على الإرادة على مستوى الشرط العادي، فالإيمانُ وفهم الإسلام والوصولُ إلى مشاعر الإحسان؛ كلُّها جماليّات أسبغها الله على الإرادة، والله تعالى ميّز الإنسانَ عن باقي المخلوقات بالإرادة، بل إن الإنسان يتميز عن الملائكة بقدرته على استخدام إرادته؛ لأن الملائكة لا يملكون إرادةً بالمعنى الذي نعرفه أو لديهم إرادة لكنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون.

وهكذا فإن ما يقع على عاتق الإنسان الذي تميّز عن سائر المخلوقات بالإرادة والاختيار هو الوفاء وإعطاء الإرادة حقها؛ حتى يستطيع العمل مع إخوانه في وفاقٍ واتّفاق، المهمّ هو أن يكون الإنسان قادرًا على القيام بذلك دون إثارة ضجّةٍ أثناء السير في الطريق متّجهًا نحو الهدف، وأن يكون على توافقٍ حتى مع الذين لا يفكّرون مثله، ولا يتصرّفون مثله، ويخالفونه في أفكاره ومشاعره. أجل، قد يتلاعب البعض بأعصابنا، وقد يخالفوننا في أحوالهم وأفعالهم وأفكارهم ومشاعرهم، وربما ننزعج بسير بعضهم وضحكهم وإيحاءاتهم، لكن الله تعالى قد أعطانا سلاحًا مهمًّا للتغلّب على مثل هذه المشاعر السلبية، فلو استخدمناه في محلّه؛ فلن نخضع لتأثير مثل هذه المشاعر والأفكار السلبية، ولن نسمح بانعكاسها على أفعالنا وتصرفاتنا، بل إننا ربما سنرى هذه الأفعال المنفّرة القبيحة بالنسبة لنا الآن أشياء جميلة ورائعة في المستقبل.

وجهة نظر

ولو لاحظنا فإن معظم المواقف والسلوكيات التي تصيب الناس بالتوتّر والعصبية ليست من الأشياء التي يحظرها الدين، غالبًا ما يرجع هذا الأمر إلى تقييماتنا الذاتية وعاداتنا ووجهات نظرنا، فمن يفكر بسلبيّة وينظر إلى من حوله بسلبيّة يرى المشكلات في الجميع، فيجد في كلّ واحدٍ فيهم ما يعيبه عليه أو ينتقده فيه، فنراه ينزعج من كلام هذا، ومن وقع أقدام ذاك، ومن نمط عمل ذلك، ومن سلوكيات هؤلاء.

ولبديع الزمان سعيد النورسي كلامٌ نفيسٌ في هذا السياق، حيث يقول: “مَنْ أحسن رؤيته حَسُنتْ رويّته وجمل فكره، ومن جَمُلَ فكرُه تمتّع بالحياة”[2]، فإذا نظرنا إلى الأمر بشكل معكوس فسنلاحظ أن الشخص الذي يفكر بسلبية، ولا تقع عينه دومًا إلا على الجانب القبيح من الأشياء، ويضخّم الأشياء الصغيرة؛ فإنه دائمًا يسخط على حياته، وينزعج ويضيق صدرُه من كل ما يراه ويسمعه؛ لأنه يقيس كلَّ مسألةٍ بمعاييره الذاتية، والأدهى من ذلك أنه يحكم منذ البداية على أيّ موقفٍ أو سلوكٍ بأنّه مزعج، ولا ينفكّ عن التفكير في ذلك في حِلِّه وترحاله، فيجعل حياته غير قابلة للعيش فيها، ولو أنه عوّد نفسه على التفكير بشكلٍ جميلٍ؛ فسيتجاهل ويتعامى بعد فترة كلَّ هذه الأمور السلبية، فلا يزعجه تنوُّع المشارب والأمزجة والمذاهب. ولكن أنوه مرة أخرى على أن هذا منوطٌ باستيفاء الإرادة حقها، وبذل الجهد قليلًا.

الجنة محفوفة بالمكاره

يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ[3] وهذا يعني أننا سنواجه صعوباتٍ شديدةً على النفس عند السير في طريق الجنة، فكما أن أداء العبادات على الوجه الأكمل، والابتعادَ عن المحرمات يثقلان على النفْس؛ فإن تحمُّلَ رفقاء الطريق، والصبرَ على أذاهم وجفائهم أيضًا؛ لَيُعدَّان من مشاقّ الطريق إلى الجنة.

ويتوقّف التغلّب على هذه الصعوبات على التعمّق في الإيمان، والتخلّق بأخلاق الإسلام، فإذا أصبح الناس يعانقون بعضَهم ويتراحمون فيما بينهم بعدما كانوا في الجاهلية ينهش بعضُهم لحم بعضٍ، ويتناحرون فيما بينهم؛ فهذا يرجع إلى التخلّق بأخلاق القرآن والإسلام، لا ريب أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا ذوي أمزجة وطبائع مختلفة، حتى إن أبا بكر رضي الله عنه كان يختلف طبعه تمامًا عن طبع عمر رضي الله عنه، وكذلك كان أبو ذر وعثمان رضي الله عنهما، ورغم كل هذه الفروق في الأمزجة والطبائع أقاموا أخوّة ملحميّة فيما بينهم، وبحسب قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا[4] كانوا متشابكين بإحكام مع بعضهم البعض، وحتى وإن وقع بينهم موقفٌ غير لائق أحيانًا فسرعان ما كانوا يعالجونه، وقد صار هذا المجتمع بطلَ الإرادة بفضل قدرته على استيعاب الوحي جيّدًا.

فلو أننا جعلنا الإيمان والإسلام والإحسان جزءًا من فطرتنا لاستطعنا ترقيق حدّة طبعنا، وتهذيب مشاعرنا السلبية شيئًا فشيئًا، وأدركنا حينئذ أن ما كنا نعتبره مشكلة حتى ذلك اليوم لم يكن كذلك في الحقيقة، واستوعبنا فكرة خلقِ الله تعالى كلَّ إنسانٍ على مزاجٍ مختلِفٍ وطبيعةٍ متباينةٍ، وقيّمنا تصرفات الآخرين وسلوكياتهم بمعايير الدين وليس بمعاييرنا الذاتية.

ولا ننسَ أن الإنسان جُبِل على اقتراف الذنوب وارتكاب الأخطاء، وأن له عدوين لدودين هما النفس والشيطان.. فإذا توقعنا أنه سيظلّ طوال حياته لا ينحرف عن الاستقامة ولن يقترف أيّ ذنبٍ؛ فقد نُصاب بخيبة أمل؛ حيث إن كلَّ شيءٍ متوقَّعٌ من الإنسان؛ لأنه مخلوقٌ مؤهّل للتنقل في ساحةٍ واسعة بين أعلى عليين -وهي أرفع مكانة يمكن لمخلوق أن يصل إليها- وبين أسفل سافلين -وهي أحطّ وأدنى دركة يمكن لمخلوق أن يتدنى إليها- فينبغي أن يسلِّم الإنسان بهذه الحقيقة في البداية، وأن يقيم علاقاته مع الناس على هذا الأساس، وأن يأخذ في اعتباره ما يمكن أن يصدر منهم من سلبيات.

فهل يأمن أحدُنا على نفسه في هذا الموضوع؟! أو مَن منا يودّ أن تُكشف عيوبه وتظهر أخطاؤه؛ فيبتعد عنه أصدقاؤه؟! يجب أن نعلم جيدًا أن ما نتوقّعه من الناس يتوقّعه الناس منّا أيضًا، المهمّ هو أن نعرف كيفية التعامل مع الناس على الرغم من اختلافاتهم وأخطائهم وعيوبهم، وأن نجد وسيلةً للتوافق معهم، وألا نسمح للسلبيات بأن تفسد الوحدة والتضامن فيما بيننا.

أولى الأولويات

يجب على الذين استهدفوا أعلى مرتبةٍ -وهي رضا الله- وحصروا همتهم على أسمى هدف -وهو دعوة الناس إلى الله- أن يكونوا متسامحين أكثر مع رفقاء دربهم لا سيما على من نذروا أنفسهم، والذين يتبنَّون هذه الفكرة لا يضخّمون الأشياء الصغيرة، ولا يجعلون من اللامشكلةِ مشكلةً، ولا يفسدون الأخوّة التي فيما بينهم، لأنهم يعلمون أن طريق الحق تحفّه بعض الصعوبات والمشقات ويتحملون ويصبرون على هذا، نظرًا لأنهم يعلمون أن الوفاق والاتفاق هما أعظم وسيلة للفوز بالتوفيق الإلهي فإنهم لا يحوِّلون وفاقهم واتفاقهم إلى خلافات وصراعات؛ حتى لا يكونوا حجر عثرةٍ أمام عناية الله.

من المتعذر اليوم أن نقول: لقد تمكّنّا من تأسيس أخوّة قويّة بالقدر الذي تحقّق بين المهاجرين والأنصار، ورغم هذا فإن قدرتَنا على السير في هذا الطريق دون صراعٍ أو خلافٍ كبير بيننا يُظهر بوضوح أن عنايةً من الله تشملنا.. فإذا كان الله تعالى يقابل هذا القدر الزهيد من الأخوّة بهذا القدر الوافر من العناية والرعاية؛ فربما لا تقع بيننا مشاكل كبيرة بفضل الأخوّة القويّة الصادقة التي سنعزّزها فيما بيننا، ومَنْ يدري! فقد يتفضّل المولى علينا بألطافٍ ونِعَمٍ كثيرة، وحينذاك نحن أيضًا لن نهدر قوتنا وطاقتنا بمحاولة معالجة المشاكل والاضطرابات فيما بيننا وتعويضها، ولكن سنستخدمها للقيام بتنفيذ خدماتنا على نطاق أوسع فأوسع.

إن إقامة روح الأخوة على المستوى المطلوب تعتمد على التركيز خاصةً ودومًا على الأخوة وتحفيز الناس على ذلك. أجل، يجب أن نركّز باستمرار على فكرة الإيمان وشعور الأخوّة وفلسفة الخدمة؛ بغض النظر عن الأسماء والألقاب والنظام والأداء والبيروقراطية والإدارة، وأن نبذل جهودنا لتطوير هذه المفاهيم بكل جوانبها في الأرواح، وأن نُعِدّ البرامج ونطوِّر الأنظمة وننشئ المنظمات من أجل إنعاش هذه الجهود والمساعي، ولا بد أن يكون الموضوع الأساس في اجتماعاتنا هو مذاكرة المسائل المتعلقة بالله ورسوله والدين والإيمان، لا بدّ أن نركّز على هذه الأمور لدرجة أننا ننسى ما لا بد أن نناقشه أحيانًا من أجل الخدمة، ولا نتذكّره إلا أثناء الخروج من الباب، وعندها نقول مثلًا: “لقد سمحوا لنا بفتح خمس مدارس في المكان الفلاني”، أو نقول: “ما دمنا قد اجتمعنا فلنتشاورْ حول هذه المسألة أيضًا”.

إننا مع الأسف قد أفسدنا ترتيب الأولويات، واعتقدنا أن القضايا الثانوية هي القضايا الأصلية، ومن ثم فعلينا أن نعلم أننا إذا أخّرنا ما لا بدّ من تقديمه، وقدّمنا ما لا بدّ من تأخيره؛ فلن نتخلّص من الصراعات والنزاعات، ولن نتغلّب على المشاكل والاضطرابات.. فبعضُ المشاكل التي نشهدها اليوم تكمن وراءها مثل هذه الأسباب.. فإن وضعَ الإستراتيجيات وإعدادَ البرامج وتنظيمَ الأنشطة وغيرها من القضايا المهمّة التي تصبّ في مصلحة الخدمة ليست هي القضايا الأكثر أهمّية لدينا.. إن أهم شيءٍ بالنسبة لنا هو أن نحافظ على ذاتيتنا، وأن نتغذى روحيًّا، وأن نكتشف أعماقنا مرّة أخرى، وأن نبتغي بذلك رضا الله دائمًا، وأن نحرص على القيام بما يحملنا إلى أفق الرضا، أو كما نقول دومًا: الحديث عن الحبيب جل وعلا.

[1] بديع الزمان سعيدد النورسي: المكتوبات، المكتوب الثاني والعشرون، ص 321.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، نوى الحقائق، ص 372.

[3] صحيح مسلم، الجنة، 1.

[4] صحيح البخاري، الصلاة، 87؛ صحيح مسلم، البر والصلة، 65.

الصدق والوفاء

Herkul | | العربية

الصدق أولى صفات النبوة، وشعار مهم لعظمة من يأتون بعد الأنبياء مرتبةً، وقد لُقّب الخليفة الأعظم أبو بكر رضي الله عنه بـ”الصدِّيق الأكبر” بسبب صدقه، فما من باب إلا ويفتحه الصدق، وكما أن الصدق هو الذي أوصل محمدًا الأمين صلى الله عليه وسلم إلى كمالات أعلى عليين، فإن الكذب هو  الذي خسف بمسيلمة الكذاب إلى أسفل سافلين، وشتان ما بين الثرى والثريّا.

   الصدق مع الله جل جلاله

لا ريب في أنه يجب على المؤمن أن يتحرى الصدق مع الله تعالى بالدرجة الأولى، والصدق مع الله يعني الوفاء فيما يخص حفظ الأمانات التي حمّلنا إياها اللهُ سبحانه وتعالى، والابتعادَ عن الانحرافات والخيانات بجميع أشكالها مهما كانت صغيرة.

ولو أردنا مزيدًا من التوضيح، فيجب أن يكون الصدق مع الله دائمًا على النحو الذي يبينه الأستاذ “إبراهيم تَنُّورِي” بقوله:

ما أعذب البلاء إن كان من جلالِهْ!

وما أحلى الوفاء إن كان من جمالِهْ!

فكلاهما للروح صفاء

فما أحلى اللطف منه! ومنه ما أعذب القهر والابتلاء!

إن المؤمن الصادق مع الله لا يهجر الرضا والاطمئنان، ولا ينقطع عن الحمد والشكر ليس على نعمه تعالى وألطافه فحسب، بل وعلى الجفاء بكل أنواعه أيضًا، إنه يعلم أن الله يُعبَد لأنه المعبود المطلق والمقصود بالاستحقاق، وليس بُغية الانغماس في النعم، أو حتى دخول الجنة؛ فأداءُ الإنسان وظيفةَ العبودية للذات الإلهية عز وجل دون أن يرهن أداءه بأي شيء سوى رضاه تعالى أحدُ لوازم الصدق، لأن رضا الله جل جلاله ورضوانه مرتبة تفوق رؤيته تعالى والجنة ونعيمها، ناهيك عن متع الحياة الدنيا وزخارفها.

والمؤمن الذي استطاع أن يكون عبدًا صادقًا على باب الحق تعالى يشعر بالخزي والعار وينقصم ظهرُه همًّا وحُزنًا إذا زاغت عينه نحو الأغيار ولو لحظة واحدة، وينزعج أيَّما انزعاجٍ إذا اقتحمت عالم خياله فكرةٌ من قبيل “أتمنى لنفسي قضاء حياة دنيوية هنيئة في بيوت ذات حدائق تجري الأنهار من تحتها، وعيشة رغيدة في فيلات فاخرة…”، ولا يستطيع أن يوفِّق بين هذه الأشياء والصدق، بل إنه يتوجه إلى الله تعالى مرة أخرى مهمومًا لأنه لوّث عالم خياله، فيسعى إلى التطهر بالتوبة والأوبة والإنابة، وكما قُدِّرَ على الإنسان أن تزل قدمه ويسقط؛ فكذلك قُدِّرَ له أيضًا أن يقوم ويعتدل ويحرز أفق الصدق من جديد، فالله عز وجل واسع الرحمة واسع المغفرة، وحسبنا أن نُعليَ من همتنا، ونعيش بنية وعزيمة عدم التخلي عن الصدق والإخلاص.

   الصدق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

أما الصدق مع مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم فهو مرهون بمدى قدرة الفرد على أن يكون خادمًا صادقًا له ويتبعه ويسير في أثره صلى الله عليه وسلم دون استفسار أو سؤال عن أي فعل أو تصرف كان؛ تمامًا مثل أبي بكر الصديق رضي الله عنه. فبعد حادثة المعراج جاء المشركون إلى أبي بكر رضي الله عنه وقالوا له: “هَلْ لَكَ إِلَى صَاحِبِكَ؟ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ!”، فما كان من أبي بكر إلا أن قال لهم دون أيِّ استفسار أو تردُّد: “نَعَمْ، إِنِّي لَأُصَدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ فِي غَدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ”[1]، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، لم يكن سيدنا أبو بكر رضي الله عنه ساذجًا أو أحمقَ، ولكنه كان يمارس الصدقَ بحقٍّ في أعلى درجاته، وعند النظر في المشكلات العضال التي تغلَّب عليها في خلافته، يتبين كيف أنه يتمتع بدهاء شديد، بيد أنَّه كان يعرف جيدًا أين يستخدم عقله وقلبه ومشاعره، لقد آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ووثق به حقًّا وصدقًا حتى إنه لو كان صلى الله عليه وسلم طلب منه روحَه لما تردّد في بذلِها.

الصدق مع رفاقِ الدرب

وإلى جانب الصدق مع الله تعالى ومع رسوله صلى الله عليه وسلم يمكن الحديث أيضًا عن أنواع مختلفة من الصدق؛ كالصدق مع الدين، والصدق مع الغاية المثالية، والصدق مع رفاق الدرب، والصدق مع الأمة، وكلُّ واحدة من هذه الأصناف تستلزم مسؤوليات مختلفة، فمثلًا الصدق مع رفاق الدرب لا يُقاس بمدى ثنائنا عليهم وتفخيم منزلتهم، فحريٌّ بالناس أن يحرصوا على مساعدة أحبائهم والوقوف إلى جانبهم في كل زمان بدلًا من أن يمنحوهم مقامات ومراتب مغالية ومجاوزة للحد مثل الغوثية والقطبية.

والصديق الصدوق هو من يستطيع أن يأخذ بيد أخيه فيرفعه إذا زلت قدمه وانقلب على وجهه، ويزيل عنه ما يلطّخه ويدنّسه، ثم يقول له: “إنك في الحقيقة لستَ ممن يفعلون هذه الأشياء، إذن تتعرض لامتحان عظيم من الله تعالى”، ويسأل الله تعالى له العفو والصفح، وإلَّا فلا يمكن الحديث عن وفاء وصدق من يتخلى عن أخيه، ويغلق الأبواب في وجهه، ويُحكم غلقها دونه لمجرد خطإ واحد ارتكبه؛ بل السلوك اللائق بالصديق الصدوق هو أن يترك الباب مفتوحًا على مصراعيه لأخيه حتى في أسوإ حالاته، فإذا جاءه عانقه واهتم بأمره قائلًا له: “لماذا تأخرت؟، كم من الوقت قد مرّ وأنا أنتظرك؟!” وبهذه الطريقة يمكن الوفاء بحقّ الأخوة.

ومن لوازم الصدق والوفاء أيضًا ألا يتخلى المرء في الآخرة عمن قال في حقه: “أخي”، إن يأذن الله تعالى له فليأخذ بيده؛ أما من خاض بعضهم في حق بعض في الدنيا ببعض الأفكار السيئة، ورحلوا إلى الآخرة محمَّلين بها فيصعبُ للغاية أن يأخذ أحدُهم بِيَدِ الآخر، لذلك حذارِ أن نحكم على أي شخص انطلاقًا من خطإ ارتكبه، وأن نسمح بأن تنزلق في الوحل قدمُ أيِّ واحدٍ من إخواننا، وأن نغض الطرف كذلك عن معاناة من زلّت أقدامهم بشكلٍ ما، فيجب على الفدائيين الذين سلكوا الدرب نفسه وشاركوا الغاية المثالية نفسها أن يتسامحوا ويتصرّفوا بإخلاص مع بعضهم البعض.

أجل، إن للصدق جوانب متعددة، وكما أن الصدق يتمثل في ألَّا يقطع الإنسان صلته بصديقه بسبب معاصيه الشخصية، فمن لوازمه أيضًا أن يحاول المرء بأدبٍ تنبيهَ أخيه على الأخطاء والمساوئ التي يراها، وأن يعمل على تخليصه منها، ومن نماذج الصدق أيضًا أن يأخذ المرء بيد أخيه حين يكون على وشك الانحراف والضلال عن الجادة وأن يمنعه من الوقوع في ذلك، وألا يخطوَ المرء خطوة واحدة ضد أخيه مهما كان ما وُعِد به. بل إن الصدق والوفاء -كما ذُكر آنفًا- ليسا مقصورين على هذه الحياة الدنيوية فحسب، ومن دلالات الصدق والوفاء وأماراتهما أيضًا أن يفكر الإنسان بأخيه حتى وهو في المحشر وعند الميزان والصراط إذا قُدر وأُذن له بفعلِ ذلك.

وبحسب منقبة تعرفونها: إن أحد أولياء الله تعالى عبدَ ربَّه سنوات طويلةً، وتربّى على يديه الكثيرُ من المريدين، وكان كلّ مريد منهم يترقّى في المراتب حتى رأى المريدون أن شيخهم سُجِّل في سجل “الأشقياء” في عالم المثال، فتخلوا عنه جميعًا، باستثناء واحد، فسأله الشيخ: “لقد ذهب الجميع؛ فلماذا تنتظر أنتَ؟!” وهنا أجابه المريد: “ما دمنا قد نلنا الهداية على يديك، وأحرزنا مرتبتنا هذه بفضلك، فإنني أرى الصواب هو عدم التخلي عنك من الآن فصاعدًا!” هذا هو الصدق الحقيقي! فقال الشيخ وعلى شفتيه ابتسامة مُرّة: “يا بني، لقد رأيتُ هذا قبل أن يروه بأربعين عامًا، ولكن قل لي يا بني أهناك باب آخر أستطيع أن أطرقه؟!” وعلى أثر كلام الشيخ هذا اهتزت السماء وتغيّر ما هو في عالم المثال، وكُتب فيه من السعداء. إن منهجَنا منهجُ صدقٍ ووفاءٍ، علينا أن نكون صادقين أوفياء حقًّا بدلًا من أن يمنح بعضنا بعضًا المقامات والمناصب والدرجات العلى، إننا جميعًا عباد الله، أناس بسطاء عاديون، وإن أعظم غايتنا هو أن نكون أفرادًا عاديين بين الناس، لذا فعلينا ألا نبالغ في الحديث عن أحد، وألا نمنح أحدًا رتبًا ومقامات عالية من ناحية، ومن ناحية أخرى ألا نقصر في الصدق والوفاء تجاه بعضنا البعض.

   الصدق مع الأمَّة

أما بالنسبة لمقياس صدق المرء مع أمَّته فيكون بعمله على أن يجعلها عنصرًا مهيمنًا في التوازن الدولي، وركضِه كجواد دونما توقُّفٍ كي يعلي من شأنها، وعدمِ تشوّفه إلى أيّ شيء في مقابل هذا، فالإنسان الصادق مع أمته ودولته ومجتمعه لا يفكر ألبتة في أن يخصّ نفسه بشيء، ولا أن يستغلّ ما يمتلكه من إمكانات لحسابه الشخصي حتى وإن كان قد قدم تضحيات مذهلة في سبيل خدمتها؛ وإلا فمَن ينخرطون في الشعبوية، ويستغلون مناصبهم ومواقعهم لصالح اعتباراتهم الشخصية، ويفكرون في مصالح أحزابهم أكثر من الغاية المثالية للأمة -إنهم- في خيانة عظمى حتى وإن زعموا خدمة الأمة، ومن الصعب حقًّا على هؤلاء تحقيق أيّ نجاح، لأن ما يضطلعون به من أعمال وأفعال مجردٌ من الصدق والإخلاص، كما أن نتائج أعمالهم ستبوء دائمًا بالفشل والخسران حتى وإن بدوا شامخين مغرورين في مشيتهم؛ فالمهم هو قدسية العمل وعلوّ النية وصفاؤها، ورضا الله تعالى.

والأمر كذلك بالنسبة للصدق مع الدعوة المقدسة؛ فمعياره القدرةُ على مواصلة الركض بمشاعر التفاني والتضحية وعدمُ التشوف إلى مقابل، فالصادقون الذين تبنّوا الخدمة الإيمانية والقرآنية لا يلهثون ألبتة وراء أجرة ومكافأة، إنهم يبدؤون لله، ويعملون لأجل الله، ولا يتوسلون إلى أحد، ولا ينتظرون مقابلًا على ما قدموه من خدمات، ولا يحطّون من كرامتهم؛ فمكانتُهم وموقعُهم في الخدمة الإيمانية التي عشقوها هو على قدر صدقِهم وإخلاصِهم.

***

[1] الحاكم: المستدرك على الصحيحين، 3/65.

الوفاء

Herkul | | العربية

الوفاء هو وردةُ ربوعِنا وزهرتُها، والوفاء مع الناس يعني ألا ننسى معروفهم أبدًا، فكما لا يجوز أن ينسى المرءُ ذنوبَه فكذلك لا يليق به أن ينسى المعروفَ الذي أُسدِي إليه، أما ما صنعه هو من معروفٍ فلا ينشغل به وينساه على الفور.

   الوفاء مع الله عز وجل

وهناك أيضًا الوفاء مع الله، وعلينا جميعًا أن نكون مفعمين بالوفاء لربنا سبحانه وتعالى من رأسنا حتى أخمص أقدامنا، فهو الذي خصّنا بالعديد من النعم؛ أخرجَنا إلى عالم الوجود، وبثّ فينا الحياة، ورفعَنا إلى أفق البشرية، وشرّفنا بالإيمان، وعرّفنا بالخدمة الإيمانية والقرآنية، وألهمَنَا الشعورَ والتفكيرَ في المعاني المستوحاة من هذه البيئة، والانشغالَ بها في حلّنا وترحالنا، فيجب علينا إزاء كل هذه الألطاف التي أحسن الله بها إلينا أن نتذكرها على الدوام، وأن ننحني بالذل والخضوع له سبحانه وتعالى انطلاقًا من شعور الوفاء لصاحبها.

   الوفاء مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

وبالمثل يجب أن ينتاب المؤمنَ شعورٌ غامر بالوفاء والتقدير لمفخرة الإنسانية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا ينبغي أن يغيب صلى الله عليه وسلم عن بالنا مطلقًا؛ فبفضله سمعنا ما كنا في حاجة إلى سماعه، ولولاه لما تشكّل لدينا تصورٌ صحيح عن الله تعالى، ولا علمنا شيئًا عن الحشر والنبوة، ولولاه لما نظرنا بأمل إلى المستقبل، ولا اعتبرنا الآخرة خريطةً ترشدنا إلى سواء السبيل، ولا علمنا ماهية الطريق الذي سنسير فيه، صحيحٌ أن الله هو الذي علَّمَنا كلَّ هذا، ولكن جعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سببًا ووسيلة وواسطة، وهدانا على يديه.

إنّ الله تعالى وضع في ثنايا العبادات بعضَ الأدعية المرشدة إلى السبيل الذي يمكّننا من التعبير عن مشاعر الوفاء لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمثلًا بعد ترديد الأذان نرفع أكف الضراعة إلى الله تعالى ونصلي ونسلم على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، سائلين المولى عز وجل أن يُؤْتيه الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة وأن يبعثه المقام المحمود الذي وعده، وكذلك في التشهد نصلي ونسلم على سيدنا محمد وفي كل موضع نذكر فيه اسمه صلى الله عليه وسلم، وبذلك نكون قد قمنا باستثمار مهمّ في الدنيا من أجل نيل شفاعته صلى الله عليه وسلم في الآخرة، وفي الوقت ذاته نكون قد عبّرنا عن وفائنا له صلى الله عليه وسلم.

   الوفاء مع الدِّين

وثمة جانب آخر من وفائنا له صلى الله عليه وسلم وهو رفع راية الدين الذي أتانا به واستودعنا إياه، فإن لم يكن لهذا الدين ثقلٌ في التوازن بين الأديان على وجه البسيطة؛ فهذا يعني أننا لسنا أوفياء له صلى الله عليه وسلم رغم أننا من أمته، ولو لم يتَلوَّ المؤمنون كمدًا وأسًى وانكسارًا عندما يرون الراية التي يمثّلها مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم قد صارت ترفرف تحت الرايات الأخرى؛ فهذا يعني أنهم لم يتعاملوا بشعور الوفاء معه صلى الله عليه وسلم.

وكذلك لو أن المسلم أمضى عمره دون أن يفعل شيئًا من أجل الدين، ولم يبذل جهده ومساعيه في سبيل توسيع دائرة الإرشاد؛ فهذا يعني أنه لا يحمل مشاعر الوفاء لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لحقيقة الإسلام التي بلغها صلى الله عليه وسلم لنا، أفلا يقتضي الوفاء من المؤمنين الذين يسيرون على نهج نبيهم أن يعرّفوا الآخرين به قدرَ ما يستطيعون، وهو الذي ترك الجنان كي يأخذ بِيَدِ أمّته ويدلّها على طريق الفلاح؟!

   الوفاء مع الناس

وفي الوقت ذاته فإن كل هذا سيساعد في تكوّن وتوطّن خُلُق الوفاء عندنا؛ لأن من يحمل شعور الوفاء لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم لا يغدر أبدًا بمن حوله، ومن لم تنمُ مشاعر الوفاء عنده تجاه الناس لا يُنتظر منه أن يحمل الوفاء لله عز وجل ولا لرسوله صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم: “مَنْ لمْ يشْكُر النَّاسَ لَمْ يشْكُر الله[1].

أجل، المهم هو أن نجعل الوفاء جزءًا من طبيعتنا، فالإنسان المبرمج على الوفاء يرى أن فنجانَ القهوة له خاطِرٌ يُشكَرُ عليه الشخص أربعين سنة، فلا ينسى الإحسان أبدًا، وكلما رأى صانعي المعروف -حتى ولو كان معروفُهم فنجانًا من القهوة- أظهر امتنانه وشكره لهم، ولا يقصر في مقابلة إحسانهم بالإحسان؛ لأن السلوكيات التي تغدو جزءًا من طبيعة الإنسان تأخذ طابع الديمومة، فلا يجد المرء صعوبة في الإتيان بها؛ إذ إنه لا يصطدم مع طبيعته، ولا يحيد عنها.

أجل، إن الشيء الذي يُضفي جمالًا خاصًّا إلى الخصال والسلوكيات الحميدة ويعمّق من أبعادها هو المداومة؛ بمعنى جعلها جزءًا لا يتجزأ من الطبيعة، يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ[2]، وإلا فإن الإنسان قد يقوم بأعمال جميلة وحميدة للغاية فترةً من الزمن، ولكن سرعان ما ينصرف عنها حيث إنْ لم يجعلها جزءًا من طبيعته.

واكتسابُ العادات والخصال والسلوكيات الحميدة والمداومة عليها يتوقّف على التربية والتعليم؛ أي يلزم -منذ البداية- بذلُ الجهود والمساعي واستيفاء الإرادة حقّها حتى تغدو هذه الخصال الحميدة جزءًا من طبيعة الإنسان، فإذا كان الوالدان يريدان أن يتحلى أبناؤهما بالقيم الأخلاقية الرفيعة مثل الوفاء والصدق؛ فعليهما متابعتهم عن قرب، وتوجيههم على الدوام، وإظهار القدوة الحسنة لهم بأفعالهم وتصرفاتهم؛ وعندها ستترسخ كلُّ هذه القيم في فطرتهم، فإذا كانا يتعاملان بوفاء فيما بينهما ومع أبنائهما، ولا يفرطان في أدنى إحسان أُسدِي إليهما، وَجَدّا بالفعل في مسألة إكساب الأخلاق لأبنائهما؛ فسينجحان في تنشئة أبنائهما على المستوى الذي يرتضيانه لهم.

ومن الأهمية بمكان أن يكون الوفاء موجودًا بين الأصدقاء المقربين، وبين أفراد الأسرة، وبين الذين يحملون هَمّ الدعوة معًا، وحتى يجد المرء ما يأمله من وفاء ينبغي له أولًا أن يكون وفيًّا، فلو أنكم تعاملتم بوفاء مع مَن حولكم فستلقون المعاملة نفسها منهم؛ يعني على قدر العمل يكون الجزاء، فمثلًا يجب على الزوج أن يكون وفيًّا مع زوجته وشريكة حياته، بحيث إنه لو وقعت عيناه سهوًا على امرأة لا تحل له عدّ ذلك خيانة كبيرة لزوجته واستغفر ربه عليها؛ لأن دوام السكينة والمودة في الأسرة يرتبط بحرص الزوجين على الوفاء لبعضهما.

   الوفاء مع القضية التي نذر نفسه لها

وإن الحفاظ على قوام أي حركة منتشرة في كل أنحاء العالم يرتبط بعامل الوفاء، فإذا أراد رجال الخدمة الذين يعيشون بين أصحاب الثقافات المختلفة أن يواصلوا خدماتهم دون أن يصيبهم تشوُّهٌ أو يتعرّضوا لأي ذبول وضمور وتبدّل فعليهم أن يكونوا أوفياء مع فكرة الدعوة التي ارتبطت بها أفئدتهم، وأن يكونوا أوفياء مع رفاق دربهم الذين يسلكون معهم نفس السبيل، الأهم من كل هذا هو أن يكونوا أوفياء مع مسألة الدعوة والإرشاد، ولا ينساقوا وراء الدنيا الفاتنة، ولا يقولوا: “دعونا نعتنِ بأنفسنا قليلًا”، إن فدائيي المحبة لا ينبغي أن يغيب عن بالهم: أنهم دلّالون على القرآن شهداء لله، وبِفهم الصحابة رضوان الله عليهم: لا ينبغي لهم أن يلقوا بأيديهم إلى التهلكة[3]، فإنهم إذا خلدوا إلى المال والراحة وتركوا فكرةَ الدعوة ورفاقَ دربهم وخدماتهم ولو قليلًا فقد ينزلقون ويهلكون معاذ الله!

فمن أراد أن يُعامَل بوفاء في حضرة الله فعليه في البداية أن يتحلى بالوفاء مع ربه عز وجل ومع نبيه صلى الله عليه وسلم ثم مع من حوله، فلا يجد منه أفراد أسرته ولا أصدقاؤه ولا رفاق دربه ما يدل على الخيانة وعدم الوفاء، ولا جرم أن هذا منوطٌ -كما ذكرنا آنفًا- بأن يجعل الإنسانُ الوفاء بعدًا من طبيعته، وأن يجري شعورُ الوفاء مجرى النفَس على الدوام، وأن يحرص الإنسان على الوفاء في حله وترحاله، وكما لا يمكن الحفاظ على لمّ شمل الأسرة التي لم يترسخ شعورُ الوفاء داخلها فمن المتعذر كذلك على الذين اتحدوا حول غاية واحدة أن يقوموا بخدماتهم على النحو المرجو؛ لأن شعور الصدق والوفاء إن لم يترسخ لدى هؤلاء فقد ينفصلون عنكم ويخذلونكم في أي موضع بالطريق إذا رنت أعينهم إلى أي منفعة أو مصلحة، وتسببوا في خذلانكم، ولا شك أن انفصال أي فرد عن القافلة يسعد مخالفيكم، ويُحدث نوعًا من الانكسار والخذلان فيكم.

فيجب ألا تذهب المكتسبات التي حصّلناها حتى الآن ضحيةَ عدم الوفاء، فالله هو أوفى الأوفياء، ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ (سورة التَّوْبَةِ: 9/111)، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم عظيم الوفاء؛ حتى إنه تعامل بوفاء مع المشركين وهم الذين لم يتورعوا عن كل أنواع الإساءة إليه، فسامحهم جميعًا عند فتح مكة، والصحابة الكرام رضوان الله عليهم كانوا يتعاملون بوفاءٍ منقطعِ النظير مع مفخرة الإنسانية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومع القيم التي استأمنهم عليها، بل حرصوا على الحفاظ عليها حتى وإن كلّفَهم ذلك أرواحهم، ثم جاء من بعدهم السائرون على نهج النبي صلى الله عليه وسلم، وجعلوا شعور الوفاء دأبَهم وحديثَهم في حلِّهم وترحالهم.

وعلى السائرين في طريق هؤلاء الأوفياء أن يتعاملوا بالوفاء مع الجميع، وألا يقصِّروا في وفائهم مع الأوفياء العظام الذين تعرضوا للإهانات والطرد من أمام الأبواب، ومع ذلك لم يتخلوا عن سعيهم وبذلوا كلّ جهدهم في سبيل تسليم الراية لهم.. لا ينبغي لهم أن ينسوا الذين فتحوا الطريق أمامهم، ومهدوا لهم السبل للانتشار في كل بقاع العالم، ودعموهم وساندوهم، ولم يضنّوا عليهم بأي دعم مادي أو معنوي، بل لا بد أن يُتوِّجوا بهم رؤوسهم، ولا يجعلوا أحدًا يقول عنهم كما قال الشاعر:

بينما كنت آمل الوفاء من الحبيب والخلانِ

فاضت عيناي بالدموع بسبب الهجرانِ

ويئِستُ من العثور على الدواءِ

فهل ينتهي الأمر الآن بالخذلانِ؟!

ليس ذلك فقط بل يجب أن يتحلوا بالوفاء مع عديمي الوفاء، وأن يعلّموهم ما معنى الوفاء، وحتى وإن غدروا بهم مرات ومرات فلا يقصروا -بسبب غدرهم- من مشاعر الوفاء.

فهذا هو نهجُ سيد الأنبياء وصرح الوفاءِ عليه الصلاة والسلام، فالخير كل الخير فيما نبذله من جهد وما نقطعه من مسافات في طريقه صلى الله عليه وسلم! فإن أدينا الوفاء حقه وفَّانا الله حقَّنا، وما تخلى عنا ولا ترَكَنا وشأنَنَا.

***

[1] سنن الترمذي، البر والصلة، 35؛ مسند الإمام أحمد، 12/472.

[2] صحيح البخاري، الرقاق، 18؛ صحيح مسلم، صلاة المسافرين، 218.

[3] عن أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ التُّجِيبِيِّ قَالَ: كُنَّا بِمَدِينَةِ الرُّومِ القسطنطينية، فَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا صَفًّا عَظِيمًا مِنَ الرُّومِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ مِثْلُهُمْ أَوْ أَكْثَرُ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ، فَصَاحَ النَّاسُ وَقَالُوا: سُبْحَانَ اللهِ يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ! فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ رضي الله عنه فَقَالَ: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ لَتُؤَوِّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ هَذَا التَّأْوِيلَ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ لَمَّا أَعَزَّ الله الْإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ، وَإِنَّ اللهَ قَدْ أَعَزَّ الإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا، فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا! فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/195)، فَكَانَتِ التَّهْلُكَةُ الإِقَامَةَ عَلَى الأَمْوَالِ وَإِصْلَاحَهَا، وَتَرْكَنَا الغَزْوَ”، فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوبَ شَاخِصًا يُجاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى دُفِنَ بِأَرْضِ الرُّومِ. (سنن الترمذي، التفسير، 3؛ سنن أبي داود، الجهاد، 23)