Posts Tagged ‘روحُ التجديد’

القضايا الأساسية في الدين

Herkul | | العربية

   سؤال: كيف لنا أن نفهم قول الأستاذ سعيد النورسي: “الحاجة تدعو إلى التذكير بالمسلّمات أكثر من تعليم النظريات”[1]؟

   الجواب: مع مراعاتنا للزمن الذي عاش فيه الأستاذ النورسي فقد قصد بتعبيره هذا أن يقول: إن التركيز على محكمات الدين والقضايا الأساسية فيه خير من وضع النظريات حول هذه القضايا والاشتغال بها، فمثلًا القضايا العقائدية مثل وجود الله تعالى ووحدانيته، وحقيقة النبوة، والإيمان بالحشر وبالكتب السماوية، أو الأحكام العملية مثل الصلاة والصوم والزكاة والحج؛ كلها مسلمات دينية ينبغي للمسلمين أن يركزوا عليها في الأصل، كما يجب عليهم أن يستنفدوا كل الوسائل التي تعينهم في ذلك، وأن يستخدموا مختلف الأدلة والبراهين في دحض الشبهات التي تراود الأذهان، وأن يُبْرِزوا هذه المسلمات على أنها حقائق ثابتة لا تتزعزع.

وليس من الصواب أيضًا حصرُ المسألة في العبادات وأركان الإيمان فحسب، فثمة أحكام عديدة نصّ عليها القرآن الكريم والسنة النبوية تتعلّق بالحياة الفردية والأسرية والاجتماعية، وما يجب علينا هو تذكير بعضنا البعض بحِكَم هذه الأحكام ومقاصدها؛ لأن المسلمين إن التزموا وتقيدوا بهذه الأحكام الأساسية في الدين أو ما نسميها المسلمات فستنتظم حياتهم الدنيوية وتسلم حياتهم الأخروية، أما دراسة بعض النظريات التي لا نفع فيها دينيًّا أو أخرويًّا والعمل على تطوير النظريات الجديدة والتسلي بها لمجرد الاشتغال بالعلم ليس إلا؛ فليس بالطريق الصائب السليم. أجل، إن إعمالَ الذهن في مسائل بعينها، وإنتاجَ أفكارٍ لا تتجاوز التنظير بحجة تحصيل العلم؛ لا فائدة منها بعدما ثبت أنها لا تقدِّم العلاج المباشر لمشاكل الناس الحالية.

من جانب آخر دلّنا الأستاذ سعيد النورسي بقوله هذا على أساس مسلكه؛ لأنه كان يحرص على إعادةِ إحياء العديد من قضايا الدين التي أصابها الإهمال بأصولها وفروعها، والعملِ -كما يقول- على ترميم قلعة الإيمان الخرِبة منذ قرون؛ فالأولى بالنسبة له إعادة تعمير القيم الخربة؛ ومن أجل ذلك لم يكن يحبّذ الاشتغال بمسائل نظرية لا فائدة لها على أرض الواقع في حين وجود وظيفة مهمة كهذه، وأكد على أنه لا يصح صرف الهمم عبثًا هنا أو هناك، بل لا بد من توجيهها إلى إعادة ترميم هذه القلاع الخربة من جديد.

وكما أنه ليس من الصواب الإقدام على عمل الزينات والزخارف بالقلعة دون ترميم ما أصابها من تصدعات فكذلك لا يصح الاشتغال بالقضايا التافهة دون حل هذه المشاكل؛ في وقتٍ اهتزت فيه القيم الأساسية وتحطمت، فضلًا عن ذلك فإن الانكسارات الحاصلة في المسائل المتعلقة بالمحكمات والمسلّمات ستؤثر بدورها على القضايا الأخرى، وستتهدم في النهاية جميعُ القيم المتصلة بالدين محدِثةً دويًّا شديدًا، ولهذا يجب صرف الهمم نحو توطيد وإحكام المسلَّمات الدينية.

وعند القيام بذلك يجبُ أخذُ ظروفِ الزمان بعين الاعتبار، وإعداد الإحصائيات اللازمة قبل البدء في تشييد البناء، وتمهيد الأرضية جيدًا لمنع وقوع أي انهيار محتمل، أما إذا لم نواكب الزمن الذي نعيش فيه ولم نتعامل مع القضايا الدينية وفقًا لذلك فلن تكون هناك أي فائدة للتذكير بالمسلمات.

   روح التجديد

التجديد هو إعادة تفسير الدين والتعامل معه وفقًا لظروف الزمان، ولا يعني التلاعبَ بأصل المسألة، ولا تغييرَ الأصول، ولا إعادةَ إنتاجِ ما هو مشوهٌ بطريقة جديدة، بل هو إرجاعُ الحقيقة التي فقدت لونَها وبريقَها مع مرور الزمن إلى هويتها الأصلية من جديد، وإقامتها بماهيتها الأصلية مرة أخرى.

ويمكن أن نشبه هذا الأمر بترميم الآثار القديمة، والذين يشتغلون بهذا الأمر يعملون على ترميم هذه الآثار ومعالجتها بأدق تفاصيلها، وعلى إعادتها إلى ماهيتها الأصلية من جديد، وعند قيامهم بهذا لا يفسدون نقوشَ هذه الآثار ولا يضرّون بمقرنصاتها، ولا يحطمون الزجاج الملون والأرابيسك فيها، بل يعيدون كل شيء بجميع أجزائه إلى أصله وأصالته من جديد، وعلى الشاكلة نفسها ثمة حاجة ماسة إلى تقديم هذه المسلّمات الدينية التي فقدت أهميتها ومعناها في أعين الناس بشكلٍ يتناسب مع غاية وضعها. وهذا ما نسميه التجديد من ناحية ما.

ويجب عدم الخلط بين التجديد والإصلاح، ففكرةُ الإصلاح في الدين عبارة عن مجرد فانتازيا ورفاهية؛ فمثلًا ظهرت المساعي إلى إبطال العديد من المحكمات الدينية تحت مسمى التاريخانية نتيجة مثل هذه الفانتازيا.. وعلى نفس الشاكلة ظهرت محاولات لتغيير وتحريف بعض القضايا الإسلامية حتى يتقبلها الآخرون أو تبدو لطيفة بالنسبة لهم؛ وهذا أيضًا نوعٌ آخر من الفانتازيا، ومع الأسف غدا كثيرٌ من الناس يهرعون الآن خلف هذه الفانتازيا، والواقع أنه لم يحدث حتى الآن أيُّ تشوُّهٍ في الأسس والضوابط الإسلامية حتى نتحدث عن إصلاحها.

إن الدين يشعّ نضارة وحيوية في كل وقت وحين، أما ما قد يبلى فهو عقولُ الناس وأفكارُهم، وطالما لم تبلَ أفكارُ الناس ومشاعرُهم ولم تفقد بريقها فيمكن للناس الإحساس بأوامر الدين وكأنها نزَلَت الآن من السماء غضة طرية، وهكذا نطلق التجديد على عملية تقديم القيم التي يجب الإيمان بها ومعايشتها -مرة أخرى- إلى الذين فقدوها، وإعادة ربطهم بها من جديد، بالتزامن مع مواكبة العصرِ.. أما من يقوم بوظيفة التجديد فنطلق عليه المجدِّد.

بعبارة أخرى، إن التجديد تغيير شكلي أو صوري في الحقائق الدينية دون المساس بأصلها، مع تبليغها للناس مرة أخرى وتقديمها إليهم بنضارتها وطراوتها، والبعض يعتبر أولَ المجددين في تاريخ الإسلام سيدَنا أبا بكر الصديق فسيدَنا عمر، ومن بعدهما عمر بن عبد العزيز رضوان الله على الجميع.. كما ظهر في العصور التالية ممثلون لحركة التجديد من أمثال الإمام الغزالي، والإمام الرباني، ومولانا خالد البغدادي، والأستاذ النورسي؛ رحمهم الله جميعًا.

فمع تغير الزمان وغلبة العادات والتقاليد وتفشّي الغفلة قد يبتعد الناس عن جو الدين النقي الطاهر، وينتابهم نوعٌ من الإلف والتعود إزاء حتى محكمات الدين، وتختفي بعض الحساسيات الدينية، بل وقد ظهرَت بعضُ الانحرافات في النظرة إلى الدين واستيعاب القضايا الدينية، ولهذا بات من أهم الأوليات التي يجب القيام بها كما فعل الأستاذ النورسي: تقديم المسائل الدينية بشكلٍ يتناسب مع ماهيتها الحقيقية، وعرضها على أعين الناس مرة أخرى بأسلوب ولغة ولهجة جديدة، وإثارة روح الحماس في نفوس الناس إزاء هذه الحقائق.

إن الزمان قد انكمش والمسافات قد تقاربت كعلامة من علامات آخر الزمان كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم[2]، والعصر الذي نعيش فيه هو عصر السرعة، والمبادرة في القيام بالوظائف الدينية التي يلزم القيام بها في هذا العصر تَحمِل أهمية بالغة بالنسبة لوارثي دعوة النبوة، ولهذا يُشترط استخدام العقل المشترك، والرجوع إلى الوعي الجمعي، وإدارك روح الزمان ومواكبته، ويجب على الجميع أن يقوم بقدر استطاعته بأداء الوظائف والتكاليف المنوط بها على النحو اللائق، ويجب -إن اقتضت الضرورة- إقامة المؤسسات الفكرية (Think Tanks)، ووضع الخطط والمشاريع المستقبلية، والبحث عن سبل لاختزال الأعمال التي تتم خلال مائة سنة في عشر سنوات مثلًا.. كما يجب تدبّر الأوامر التكوينية أيضًا إلى جانب الأحكام التشريعية، واستخدامها في محلها، وتحقيق السرعة المراد تحقيقها، فهذه كلها جهودٌ ومساعٍ مهمة من أجل جمع وتأليف العالم الإسلامي الكبير الواقع تحت الأسر من جديد، وإيقاظ العقول التي انتابها الضمور والضعف منذ قرون.

***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، اللوامع، ص 859، دار النيل، (2013م).

[2] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ (وَهُوَ الْقَتْلُ) وحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ“. (صحيح البخاري، الجمعة، 103)

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، فَتَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَيَكُونَ الشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَتَكُونَ الْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ، وَيَكُونَ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ، وَتَكُونَ السَّاعَةُ كَاحْتِرَاقِ السَّعَفَةِ“، والسعفة هي الْخُوصَةُ. (مسند الإمام أحمد، 16/550)

روحُ التجديد والعناية الإلهيّة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما هي السّمات البارزة لمن يتوق إلى التجديد في الفكر والشعور الديني؟

الجواب: إننا لن نقدر على فتح صفحةٍ جديـدةٍ دون انتزاع الــمُتَلَقَّيات والتصورات والأفكار المنحرفة الموجودة منذ سنين طويلة والتخلص منها، مثل إضناء الحياة الروحية في المناطق التي يعيش بها المسلمون وإذوائها بدرجة كبيرة، وتعطيل أجوائنا الدينية عن العمل، وتكميم ألسـنة القلوب بتنسية الوجد والعشق تمامًا، واتجاه المثقفين المفكرين والدارسـين إلى المادية الوضعية المتشدّدة وانحباسهم في قُمقُمِها، وإحلالِ التعصّب الأعمى محلَّ الصلابةِ والثباتِ على الحق، وطلبِ الآخرة والجنة على أنها دوامٌ واستمرار للسعادة الدنيوية المعتادة.

وليس المقصود من هذا القول أننا عاجزون عن انتزاع اللوثيّات التي حاصرت أرواحنا منذ بضعة قرون؛ بل بيانُ أنَّ بلوغَ بـرّ الأمان عسيرٌ غايةَ العُسرِ ما لم نتخلّص -كأمّة- من أسباب ودواعي انهيارنا وانحلالنا الحقيقيّة؛ مثل الطمع والكسل وطلب الشـهرة وشهوة السلطة والأنانية والميل إلى الدنيا وغيرها من الأحاسيس والمشاعر التي لا يمكننا التخلّص منها إلا بإذن الله تعالى وعنايته، والتوجّه إلى الحقّ بما يُعدّ جوهر الإسلام وحقيقته من استغناءٍ وجسارةٍ وتواضعٍ واهتمامٍ بِهَمّ الآخر وروحانيّة وربانيةٍ، ونُنقّيَ قلوبَنا بمشاعر الحق والصدق ونصبّها في قالبهما، لكن العُسرَ الشديدَ لا يعني المحال؛ فلا بد أن يتحقّق التجدّدُ والتغيّرُ المنشودُ ما لم تَخلُ السـاحةُ -وهي ليست خالية- من شـجعانَ مُخلصين للجوهر والذات، مالكين لإرادة التجديد، قادريـن على احتضان العصر واستيعابه.

ولو حتى طرفة عين

وكمثالٍ على ذلك: يمكننا النظر إلى حياة الإمام الغزالي الملقب بــ”حجّة الإسلام” من هذا المنظور؛ فلقد بلغَ أفقًا رفيعًا عاليًا في العلم الظاهري أوّلًا، بل إنه وصل إلى جميع المصادر التي يمكن الوصول إليها بالنظر إلى عصره، واضطلع على ما عجّتْ به المكتباتُ في عصره من مؤلّفات؛ ثم خَلَّفَ أعمالًا مباركةً جدًّا للأجيال اللاحقة، والواقع أن القرن الخامس الهجريّ الذي نشأ فيه الغزالي كان -من ناحية ما- عصرًا مباركًا وصلت فيه نهضتنا إلى القمّة، وهكذا فالإمام الغزالي الذي بلغ القمّة في العلوم الظاهرية لم يتقوقع بعدها في القوالِبِ الضيّقة لتلك العلوم؛ بل توجّه إلى الأفق الربّاني والروحانيّ الذي أكسبها قيمةً وعمقًا آخر؛ إذ يرى الغزالي أن ما يدوّنه العلماء من كلماتٍ وعباراتٍ في الكتب لا يتعدّى كونه نظريًّا إنْ لم يكن له بعدٌ معنويٌّ وميتافيزيقي، ويمكن الوصول إلى معرفة الحقيقة بتحويل النظريّ إلى عمليّ، وتطبيقه في الحياة تطبيقًا يُستشعر أثره في أفق القلب؛ ومن ثمّ فإنَّ من يحيون في فلك القلب والروح أقلُّ عُرْضَةً للانكسار والانهيار من غيرهم من أهل العلم.

وهكذا فإنه من المستحيل أن تتخلّى الرحمة الإلهيّة عن الإنسان الذي يرتقي إلى مدارج حياة القلب والروح وينسلخ من الرغبات والأهواء النفسيّة ويرى الفناءَ في نفسه والبقاءَ بالله، ولا أن تَكِلَه إلى نفسه في أفكاره وآرائه وأحاسيسه. أجل، إن الله تعالى لا يَكِلُ مثلَ هؤلاء الناس إلى أنفسهم ولو طرفة عين، بل ولا يسمح بانزلاقهم في الخطإ.

وكما هو معلوم فقد علَّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أمّته هذا الدعاء هدفًا تنشده وترجوه:

يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ[1].

 ورجال الإصلاح الذين جعلوا دعاء سيد المرسلين هذا هدفهم الأسمى وسعوا وبذلوا ما في وسعهم في ذلك الاتجاه ساروا دائمًا تحت أطياف نور المعيّة الإلهيّة بإذن الله وعنايته.

لا يُضيّعُ اللهُ مثقالَ ذرّةٍ من عمل

لذا يمكن القول إن الحقّ تعالى ألقى في صدور هؤلاء العظام -الذين تركوا بصماتهم على مرّ العصور- آراءَهم في الاجتهاد والاستنباط والتجديد، وإن نظرتم إلى كتاب “النتائج” لإسماعيل حقّي البرصوي وجدتم عباراته من قبيل: “جاءني إلهامٌ عند طلوع الفجر، وجال بخاطري هكذا” ويُفهمُ من هذه العبارات أن الحقّ تعالى يُنير طرقَ هؤلاء الأشخاص العِظام، ويفتح لهم الطرق، وبهذا يرون كل شيءٍ صحيحًا ويفسّرونه تفسيرًا صحيحًا، ثم يضطلعون بإنجاز الأعمال اللازمة وفقًا لسِمات المجتمع وظروف الزمان والمهمّة المكلَّفِينَ بها.

ويقول الحقّ تعالى في سورة الزلزلة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ: 7/99-8).

وفَهْمُ معنى هذه الآية الكريمة على نحو: “أن الإنسان سينال في الآخرة فحسب عقابَ وجزاء ما عمله في هذه الدنيا من خيرٍ أو شرّ” فهمٌ ناقصٌ، وأرى أنه يجب النظر إلى الموضوع هكذا: إن الإنسان سيُجازى في الدنيا أيضًا -ولو بقدرٍ بسيطٍ- على ما فَعَلَهُ من أوجه الخير أو ما ارتكبَه من صنوفِ الشرّ، وبما أن أوجه الخير الصغيرة ستلقَى -حتى وإن كانت كلّ واحدةٍ منها تزنُ ذرّة- جزاءَها في الدنيا فإن ما يُبذَلُ من خيرٍ وبرٍّ وإن كان يزن الكرةَ الأرضيّة ثقلًا في سبيل غايةٍ مثاليةٍ سيتحقّق جزاؤه يقينًا، ويتجلى كثيرًا في صورةٍ من صور العناية الإلهيّة.

ومن هذه الناحية فإنه لا يُتصوّرُ أن يتخلّى الله تعالى عن رجلٍ من رجال الإحياء الذين جعلوا هَمّهم أمّتهم، ونذروا أنفسهم لإحياء الناس وضحّوا بِمتَعِهِم الشخصيّة ولم يفكروا بأيّ شكلٍ من الأشكال لا في منصبٍ ولا في غَدٍ! ومَنْ يدري فقد يُوجِّه الله تعالى الإنسانَ صراحةً أحيانًا، وقد يُلقي بداخله رغبةً خفيةً في الشيء دون أن يُدرك الإنسان ذلك أحيانًا أخرى، ومهما تعرّض مثل هذا البطل من أبطال الانبعاث لمتاهات وطرق متعرّجة، ومهما مرَّ طريقه بأودية ساحقةٍ شاقّة؛ فلن يضل أبدًا، بل سيُواصل المسير في الطريق الصحيح دائمًا بإذن الله وعنايته.

وهذا النوع من أبطال الحقيقة الذين فتح الله لهم آفاقًا خاصّة يرون أحيانًا كلَّ شيءٍ منذ البداية واضحًا عيانًا بيانًا؛ لدرجة أنهم ما إن يواجهوا مشكلةً أو حادثةً حتى يقولوا بكلّ راحةٍ ويُسرٍ: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ﴾ (سُورَةُ يُونُسَ: 32/10).

فيُرْشِدون إلى الصواب ويَنطِقون بالحقيقة، وحين يواجهون في بعض الأحيان الأخرى حادثةً غامضةً ومبهمةً يقولون: “اللهم رضاك فحسب، اللهمّ وفقنا إلى اختيار ما يُرضيك كي يهتدي إليك هؤلاء الناس” ويلجؤون إلى الله تعالى بصدقٍ وإخلاصٍ وجدٍّ، ونتيجة لذلك يرون الحقّ وينطقون بالحقيقة، ويُوجّهون الناس إلى الطريق المستقيم.

لن يعودَ أحدٌ خاويَ الوفاض بعد الوقوف على بابه

إن كنتم تُعبرون في دعائكم عن صدقكم وإخلاصكم دائمًا قائلين: “اللهم إني ألوذ ببابك في مواجهة المصائب والابتلاءات التي لا أقوى عليها ولا أستطيع تحمّلها، اللهمّ لا حول ولا قوة إلا بك، اللهم إني ألوذ ببابك دون سواك فنجّني من الأخطاء والذنوب ووطأتها الثقيلة، وأعِنّي على الحياة، لا حول ولا قوة إلا بك، اللهم لا تكِلني إلى نفسي ولا إلى أحدٍ سواك طرفة عين في كلّ قولٍ أو فعلٍ أقوم به في سبيل إرشاد الناس وهدايتهم، اللهم لا تحرمني أبدًا تجلّيات هدايتك وإرشادك، اللهم اهدني إلى الطريق المستقيم دائمًا، واجعلني مخلصًا صادقًا في كلّ تصرّفاتي وأفعالي، اللهم لا تحرمني عنايَتَك ورعايتك حتى تؤثر أقوالي وأفعالي في الناس، اللهم إنّني أعلم أن أهل الضلال سيعترضون طريقي بينما أجادل وأسعى في سبيل الإرشاد والتبليغ، وسوف يهاجمونني ويعتدون عليّ متذرّعين بأمور تافهة، اللهم إنني ألوذ بِك وألجأُ إلى عنايتِك وحمايتِك وكنفِك دون سواك، فوفقني اللهمّ إلى التصدّي لهم دون انحناءٍ ولا تذلّل ولا انكسار ولا تنازل ولا تراجع، وأكرمني بالذلّ والانحناء بين يديك دون غيرك، اللهمّ إني ألوذ ببابك، ولا حول ولا قوة إلّا بك، اللهمّ إنني أعترف بعجزي عن تنقية قلبي، وبتقصيري في مراعاة حقوقك كما ينبغي، لذا فإنّني ألوذ ببابك مجدّدًا وأسألك أن تُنقِّي قلبي كما يُنقَّى الثوبُ الأبيض من الدَّنَسِ فتُعيده كحاله أوّل ما خلقته، ولا حول ولا قوّة إلا بك”.

فإن الحق تعالى لن يردّكم صفر اليدين ولن يُضيّع دعاءكم وتضرّعكم هذا دون نظيرٍ ولا مقابل، ولن يكِلَكم إلى أنفُسِكم طرفةَ عينٍ في اجتهاداتكم واستنباطاتكم واختياراتكم.

أجل، إن كنتم تعيشون حياتكم بهذا النهجِ وتلوذون ببابه صباحَ مساء؛ فتعرضون عليه حاجاتكم الواحدةَ تلوَ الأخرى وتُلِحُّونَ في الطلب فإن الله جل جلاله الذي يسمعُ ذلك ويعلمه ويراه سيُجيبكم لا محالة، ولن يَرُدّكم خائبين، وكما ذُكِرَ كثيرًا في أوراد أهل الحقّ وأوليائه المؤثرة والعميقة التي تحرق القلوب وتُجيّش مشاعرها؛ فليس ثمّة أحدٌ حتى الآن ممّن طرقوا بابَه عادَ خاويَ الوفاض، وهناك الكثير ممّن تخبّطوا في أخطائهم وذنوبهم فلمّا لاذوا ببابه ولجؤوا إلى عفوِه ومغفرِته وجنابه، غشيَتْهُم رحمتُه ولَفَّهم إحسانُه ولطفُه وعنايتُه رغم ما اقترفوه في السابق من ذنوب وآثام.

والحاصلُ: أن الحقّ تعالى من شأنه ألّا يتخلّى عن طالبي التعمير والإصلاح والتجديد وإن لم يحظوا بمراتب الفناء في الله والبقاء بالله ومع الله، وعجزوا عن الوصول إلى الذات الإلهية عبر المرور بمراتب علم اليقين فــعين اليقين فـــحق اليقين، ولا يمتلكون رصيدًا حقيقيًّا في هذا السبيل سوى أنهم مخلصون وصادقون لأقصى درجة، ودائمًا ما يبتهلون إلى الله تعالى ويضرعون إليه ويلوذون ببابه بصدقٍ تامٍّ ويتوجّهون إليه سبحانه متضرعين قائلين: “اللهم الإيمان الكامل، اللهم الإسلام الأتم، اللهم الإخلاصَ التام، اللهم الصدق”؛ فقد شملهم الله بحفظه عبر حمايته ورعايته ونُصْرَتِهِ إيّاهم.

 

[1] النسائي: السنن الكبرى، 6/147؛ البزار: المسند 13/49.