Posts Tagged ‘فتح الله كولن’

ضَعْفُ العبودية وبروز الأنانيّة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ذكرتم فيما مضى أن ضَعف العبودية سببٌ أساس في زيادة قوّة الأنانية وحبِّ الذات، فما ماهيّة العلاقة بين ضَعف العبوديّة وقوّة الأنانيّة؟

الجواب: العبودية كلمة مشتقة من الجذر “عَبَدَ”، ومعناها أن يؤدّي الإنسان مسؤولياته تجاه ربه، مستشعِرًا خضوعه التام بين يديه، والعِبادة أيضًا مشتقة من الجذر ذاته، غير أنّ بين الكلمتين بعض اختلافٍ في المعنى، فالعبادة بإيجاز هي: تحويل المعلومات النظرية الخاصة بالإيمان إلى واقع عملي في ظلّ نظامٍ ونسقٍ معينين، أما العبوديّة فهي: أن يمارس الإنسان حياته مستشعرًا حقيقة كونه عبدًا لله؛ بعبارة أخرى: العبوديّة هي أن يتعمّق الإنسان في الخضوع باستمرار ويعيش حياته في ظلّ الإحسان مستشعرًا مراقبة الله تعالى له، أما العبادة فهي أن يفي الإنسانُ بمسؤوليّات عبوديّته كما أمر ربه سبحانه وتعالى.

فما من عبدٍ جعل همَّه عبوديّته واستشعرَ في ثنايا وجدانه شعورًا عميقًا بعباداته فأدّاها ثمّ استطاع من خلال الممارسة والتدريب أن يتعمّق في عبوديته، إلّا انسلّ من أيّ عبوديةٍ أخرى، إن السبيل الوحيد للتخلّص من العبودية لغير الله هو أن يكون الإنسان عبدًا لله حقًّا، فمن لم يكن عبدًا لله فهو عبدٌ للأصنام والأيقونات والطواطم وأصحاب القوّة والنفوذ… إلخ.

والحق أن الله جلّ جلاله هو الذات الأحديّة المستحقّة للعبادة، فهو -كما يقول أهل التصوّف- المعبودُ المطلق والمقصود بالاستحقاق؛ وهذا يعني أن حقّه علينا ووظيفتنا ومسؤوليتنا نحوه أن نعبده وأن يقترن حِراكُنا في كلِّ لحظةٍ من حياتنا بشعور العبوديّة له جلّ وعلا، وبعبارة أخرى: إنه تعالى المقصودُ لأنه هو الله، والمحبوبُ لأنه هو الله، والمعبود لأنه هو الله، ولذا فإن عبودية غير الله من الأصنام والأيقونات والأساطير والطواطم وغيرها من المعبودات الناشئة عن الضلال والانحراف هي كفرٌ صريح وضلال بيّن؛ لأن الله تعالى هو المستحقّ والجدير بالعبادة، فهو المعبود الحقّ وحده دون سواه.

وهكذا فإن العبد إذا جعل همّه عبوديته فلا يفكر في الخضوع والتذلل والانحناء إلّا إلى الله تعالى، ولا يرى نفسه أعلى أو أميزَ من الآخرين مطلقًا، ولا يجعل لنفسه منزلةً أو مكانةً تعلو منزلةَ عبوديّته؛ لأنه على وعي دائمًا بأنه أمام المعبود المطلق سبحانه وتعالى مجردُ عبدٍ تُقيِّدُ العبوديّةُ عنقَه بِقِيادِها وتُحكِم الوَثاقَ على قدمِه بأغلالها، ومثل هذا الإنسان يعزو دائمًا كلَّ ما حقّقه من نجاحاتٍ وما أصابه من جمالٍ إلى الله سبحانه وتعالى؛ وذلك لأنه أذابَ نفسَه وأنانيّته وذاتيّته في بوتقة العبوديّة، ربّما تغرّه نفسه فتدور رأسه وتتكدّر بصائره لما أحرزه من نجاحاتٍ تفوق إمكانيّاته، ولكنّه سرعان ما يقمع كلَّ هذه المشاعر السلبيّة التي برزت في داخله بشعور العبوديّة الكامن في أعماق روحه.

التناسب العكسي

وكما رأينا ثمّة تناسبٌ عكسيّ بين التعمّق في العبودية من جانبٍ وبين ازدياد قوّة الأنانية وحبّ الذات من جانبٍ آخر، بمعنى أنه بقدر ما يتعمّق الإنسان في عبوديّته بقدر ما يحتاط لنفسه وأنانيته ويتمكن من السيطرة والتحكم في مشاعره السلبية التي تموج في داخله، وبالمقابل فإنّ الإنسان يُصبحُ أنانيًّا بل وحتّى نرجسيًّا بقدر ابتعادِهِ عن عبوديّته لربه؛ لأنه مع الوقت ينسى نفسَه كلّما ابتعد عن وظيفة العبودية التي تذكّره بماهيته، فينسب إلى نفسه كلَّ ما أحرزه من نجاحاتٍ، بل إنه قد يتمنى أن تُنسب إليه حتى الأعمال الجميلة التي قام بها الآخرون، ومن ثمّ يجتذبه التصفيق والتهليل إليه جذبَ الدوّامة.

أما من يقف خاضعًا معقود اليدين أمام الحقّ تعالى ويقضي حياته كلّها بهذا الشعور فلا ينسى نفسه أبدًا، ويقرن حركَتَه دائمًا بشعورِ أنه مخلوقٌ عاجزٌ ضعيفٌ فانٍ مغلولُ القدمين طوقُ الرقّ مضروبٌ حول عنقه، وهذا الشعور بالعجز والفقر يُشعل الرغبة إلى أفق “هل من مزيد؟” من العبادة والعبودية، إن هذا الإنسان مهما أدّى من العبادات أو صلّى آلافًا من الركعات دائمًا ما ينطلق لسانه بـ”اللهم ما عبدناك حقّ عبادتك يا معبود، وما شكرناك حقَّ شكرك يا مشكور، وما عرفناك حقّ معرفتك يا معروف، يا من أنت الظاهر فليس فوقك شيء، ولو عرفناك حق المعرفة لَذُبْنا وتلاشينا…”؛ لأن هذا العبد يُدرك أن ما يقوم به من عباداتٍ هي بمثابة لا شيء بالنسبة للنعم التي مَنّ الله عليه بها.

نِعمٌ لا تُعدّ تتطلّب شكرًا لا يُحدّ

إن من أعظم نعم الله على الإنسان أنه قد علا فوق مستوى الجمادات، ووُهبت له الحياة، فغدا كائنًا ذا شعور، ليس بحيوان أو نبات، وفوق كلّ ذلك عرف خالقَه تعالى، وأُتيحت له فرصة فتح أبواب الخلود بمفتاحٍ مفعمٍ بالأسرار كمفتاح الإيمان، فتلمّس السبيل لأن يكون جديرًا بالجنة، فهذه بلا شكّ نعمٌ عظيمةٌ لا مقابل لها في الدنيا؛ لأن مَن أَسبغ عليه كلَّ هذه النعم العظيمة هو الله تبارك وتعالى.

فلو أن الإنسان وعى هذه النعم، وتوجّه إلى ربّه، وتعمّق في العبودية، وصار بطلًا من أبطال “هل من مزيد؟”، وحاول دائمًا أن يزيد من معرفته ومحبّته وعشقه واشتياقه نجّاه الله -بفضله وكرمه- من دوّامة الأنانية وحبّ الذات، وكما يقول الشيخ “محمد لطفي أفندي” رحمه الله:

ألَا يحبّ المولى مَن أحبّه؟

ألَا يرضى عمَّن هرول لنيل مرضاته؟

لو وقفتَ له على الباب.. وفديته بالروح والنفس والأحباب

وعملت بأمره، أما يُجزل لك الأجر والثواب؟

والحق أن الله تعالى يُرشِدنا إلى ذاته ويشعرنا بوجوده عبرَ آلافٍ من الحوادث كل حين، وإننا لو حاولنا مقابل ذلك أن نتتبّع هذه الحوادث بدقّةٍ وتيقّظٍ وفكرٍ منظّمٍ منسّقٍ، وسعينا إلى أن نجمع صورَ هذه الحوادث كلّها على اختلافها حتى نفهم المعنى الذي تعبر عنه كلّيةً، وفتَّشنا عن السبل التي تتيح لنا السير إليه تعالى؛ فلن يتركنا سبحانه وتعالى في منتصف الطريق؛ لأننا ما عهدنا عليه تعالى أنه تخلّى عن أحدٍ سار إليه ألبتة.

إكسير العبودية في عصر الأنانية

لقد توالى التاريخ فازدهرت فترات منه وأظلمت أخرى، فأحيانًا ما كانت الأرضُ تعصي السماء، فتمسك السماءُ عنها ماءها، فتستحيل الأرض صحراء جرادء من أوّلها إلى آخرها، وأحيانًا أخرى كانت السماء تفيض بوابلٍ من الرحمة زخًّا زخًّا؛ فتنبت الأرضُ سنابل بها سبعُ حبات أحيانًا وسبعمائة حبّة أحيانًا أخرى. أجل، أحيانًا ما كان النور يتغلّب على الظلام حتى يتقلّص الظلام تمامًا، ويهيمن جوّ الروحانيين والملائكة على جوّ الشياطين، وبتعبيرٍ آخر: يسيطر عالمُ الملكوت على عالمِ الـمُلْك، وخيرُ مثال على ذلك هو عصر السعادة النبوي؛ إذ انعدمَ فيه المناخ الملائم للشياطين وانتشارهم هنا وهناك، ولقد شهدت العصور اللاحقة حقوبًا زاهرةً تُشبه هذا العصر.

ولا يقلّ في يومنا هذا أيضًا عدد الذين يشعرون ويُحسّون في كلّ ذرّةٍ من أعماقهم بالعبودية لله تعالى، ويعيشون دومًا الإحساسَ بمعيته تعالى بفضل مشاعرهم العميقة التي تتجاوز مجرّد الإحساس، ولو لم يكن الأمر كذلك لما ظلّت هذه الأرض تدورُ في فلكها؛ لأن الله تعالى ينظر إليها بمنظور عباده الذين يؤدّون حق عبوديتهم مخلصين له الدين، أما أمثالنا من المجرمين المذنبين المتخبّطين فإنه يعفو عنهم إكرامًا لذوي الروحانيات العظيمة أولئك؛ فيمدّ في عمر الكون لأجل حرمتِهم لديه، ولا يجعل عاليَه سافلَه لأجل خاطرهم.

إن عصرنا عصر الأنانية، إلّا أنه بدأت فيه فترة جميلة من حيث العبادة والعبودية بعون الله تعالى؛ وفي الخبر: “اِشْتَدِّي أَزْمَةُ تَنْفَرِجِي[1]؛ إن آخر نقطةٍ في الظلام تشير إلى بدء النور والضياء؛ إذ يتراءى سوادٌ حالكٌ في الأفق قبل الشفق إلا أنه آخر سواد الليل، وإن جاز التعبير: فإن هذا يعني انبثاق خصائص الليل للمرة الأخيرة. أجل، إن الظلمات تكتَنِفُ الأفقَ كلّه مرة أخرى بكلّ حنقها وغيظها، لكنّ لُواحَ الفجر الكاذب بَعدَ ذلك يُعتبر أصدقَ شاهدٍ على طلوع الفجر الصادق؛ لأنه لم يخطئ من قبلُ قط؛ فحيثما وُلد الفجر الكاذب وُلِدَ الفجرُ الصادق عقِبه بمدّة وجيزةٍ جدًّا.

والحاصل أنه بقدر ما يتعمّق الإنسان في العبادة والعبودية للحق تعالى -حتى وإن كان ذلك في عصر الأنانية- بقدر ما تتخلّى عنه الأنانية وتهجره، ويضيقُ مجالها شيئًا فشيئًا، تمامًا كما تضيق دائرة الظلام كلّما اتسعت دائرة النور؛ فالتضاد الذي بين الأنانية والعبوديّة هكذا بالضبط تمامًا؛ إذ يتطوّر أحدهما على حساب الآخر، وبقدر ما يتعمّق العبد في العبودية بقدر ما تضمحلّ فيه الأنانيّة، فيعزو ذلك الإنسانُ كلَّ شيء إلى القدرة الإلهية مع مرور الوقت، أما قيمة النجاحات التي يحقّقها فإنه يقدّرها بناءً على تحقّق رضاه تعالى وتوجُّهه سبحانه من عدمه، وفي النهاية تذوب وتتلاشى أنانيته وحبّه لذاته تمامًا ويفنى عن نفسه ويبقى بالله عز وجلّ، يذكره ويصدح به في كل مكانٍ يتجوّل فيه.

 

[1]  القضاعي: مسند الشهاب، 1\436؛ الديلمي: مسند الفردوس،  1\426.

 

الماضي والحاضر والمستقبل

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: تولون أهمية كبيرة لتقييم الماضي والحاضر والمستقبل من منظور مخروطي، فكيف نطبق هذه الحقيقة على حياتنا أفرادًا ومجتمعات؟

الجواب: الماضي والحاضر والمستقبل ثلاثة ظروف زمنية متباينة عند من يعيش اللحظة الراهنة فحسب، أما من يستطيع أن يتجاوز ظرف الزمان فهي عنده ثلاثة أوجه لشيء واحد؛ وأمَّا من يستثمر كل شيء لصالح متعه الجسدية فيؤثر أن يحيا حياةً ماجنة في الوقت الراهن، ولسان حاله يقول:

لا تَشغل البَال بماضي الزمان
ولا بَآتي العيش قبلَ الأوان
واغنم مِن الحاضرِ لذّاتهِ
فليسَ في طبعِ اللَّيالي الأمان1

وأمّا السائحون في أفق القلب والروح فيحيطون بالظروف الثلاثة مجتمعة، ولا يفدون واحدًا منها بآخر ألبتة؛ فإهمال أحدها سيُحدث شرخًا خطيرًا جدًّا؛ فمثلًا من ينفصلون عن ماضيهم ولا يستثمرون الحاضر أنّى لهم أن يَعمروا مستقبلًا جديدًا؟ ولما قال “ضياء كوكالب”2 لـ”يحيى كمال”:3

عينُكَ على ما فات ولستَ ما هو آتي             فأنت خرابيٌّ لا خراباتي4

ردّ يحيى كمال الذي يُحافظ على علاقته بالماضي من ناحية ما

إنني آتٍ جذوره ضاربة في الماضي                         فلستُ بخرابي ولا خراباتي

 

المضيّ إلى المستقبل بدافع من الماضي

الماضي مليءٌ بنماذج كثيرة جميلة مثيرة تجعل أصحاب الخيال والتنبؤات المستقبلية يُفعمون بالأمل، وفي قصص الأنبياء المذكورة في القرآنِ الكريم وصحيحِ السنة أمثلة تلفت النظر إلى هذه الحقيقة؛ وأعظم هذه الأمثلة ما ورد في حياة سلطان الأنبياء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ تعلمون أنَّه صلى الله عليه وسلم جاء في فترةٍ غشيت الإنسانيةَ فيها ظلماتٌ كثيفة، ووحشيةٌ مضاعفة، واستبدادٌ مفرط، وجهل مدقع، أي إن العصر الجاهلي كان يجهل جواب هذه الأسئلة: “مَن نحن، ومِن أين جئنا، وإلى أين نسير؟”، ويجهل أنه جاهل بها، وسادت في كل مكان صولة وعنوة؛ فالقوي يأكل الضعيف، ويفرض آراءه على الناس، فيتلوّث المجتمع في مشاعره وأفكاره وأحاسيسه؛ ولما راح محمد عاكف رحمه الله يرسم تلك اللوحة المظلمة قال

كان في الناس ما في الضباع من الشراسة أو تَزيد

فالأخ يأكل أخًا له أدردَ أي يُبيد

وجابت الفوضى مشارق أرضنا والغرب البعيد

فاستفحلت الفُرقة فينا وأتت على بنياننا في الشرق الوحيد

ولما جاء مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم أطاح في حملة واحدة بالقياصرة والأكاسرة، وأنقذ البشرية من هذا المناخ المظلم المدلهمّ؛ أجل، لقد أحدث رسولُنا الأكرم صلى الله عليه وسلم بعون الله ومشيئته تحوُّلًا رائعًا في زمن قصير جدًّا حوالي ربع قرن في عصر خِلْوٍ من وسائل الاتصال المتاحة في عصرنا من صحيفة ومذياع وتلفاز وشابكة “إنترنت”؛ وهذا حدثٌ مدهش حتى قال سيد قطب: إن الأعمال التي اضطلع بها الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام عليهم الرضوان لا وصف لها إلا أنها معجزة قرآنية، فمن رأى الماضي مصدرًا لدينامية كتلك واستفاد منه استنتج أنه إن كان قد تحقق بعثٌ كهذا في الماضي، فلِمَ لا يتحقق بعثٌ من جنسه مرة أخرى اليوم؟

وفي حوادثِ العصورِ التي تلت عصرَ السعادة مصدرُ أملٍ وطاقةٍ لنا أيضًا؛ فمثلًا كلما قوي المسلمون وتبوَّؤوا مكانهم بين مراكز القوى الدَّولية، تداعت عليهم عدة جبهات معادية؛ فغزاهم المغول في عصرٍ ما، والصليبيون في عصر آخر، وما إن اندحر واحد حتى تسلط علينا آخر، لكن في كل عدوان كان المعتدون يصطدمون بأسوار الإسلام المنيعة التي لا تتهدم، ويرتدون على أدبارهم بإذن الله وعنايته، ويتفرق جمعهم؛ ومن تلك الأسوار آلب أرسلان، وقليج أرسلان، وصلاح الدين عليهم رحمة الله ومغفرته؛ وكم ارتدينا أكفاننا -نحن أمة الإسلام وتأهبنا للموت- فإذا بوهاد الموت تغدو بإذن الله روضًا أَرِيْضًا، وبساتين وجنّات نتبختر فيها؛ فإذا كنا نرسف اليوم تحت وطأة جبهات كثيرة معادية، أليس من الممكن أن نتجاوزها كلَّها ونُبعَث بعثًا جديدًا؟ ولِم لا ترتسم على مُحيّا الإنسانية ابتسامة جديدة؟ ولِمَ لا تتبوأ أمتنا مكانها مرة أخرى بين مراكز القوى الدولية لإقامة الحق والعدل؟

لا بد من قراءة التاريخ بكل صفحاته البيضاء منها والسوداء، وتجنُّبِ إيقاظ أحقاد الماضي وضغائنه!

والنظر إلى التاريخ بهذه العين يكشف كيف أنّ الحق تعالى خلق فراشة من يرقة نشأت في قلب “سُويوت”5، فسادت حفنة -هي بضع مئات من الخيام- العالمَ ولما تمضِ بعدُ مائة وخمسون سنة على نشأتها؛ حتى إنَّ الغرب يطلق فيما بينه على الدولة العلية اسم “الإمبراطورية العثمانية”، وهذا مؤشر على نوع من التسليم بالأمر؛ لأن الدولة العلية صدّت هجومًا عالميًا متعاقبًا بدأ بالحروب الصليبية، ودحرته إلى القارة الأوربية.

فينبغي دراسة هذه الأحداث التاريخية وملابساتها ثم تمحيصها واستخلاص العبرة منها؛ فيُقال إن التمحيص والتدقيق التاريخي من أبرز خصائص سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما التي ميزته عن سائر الصحابة، فلطالما طلب من حاشيته أن يستعرضوا له دروسًا من التاريخ؛ ليستنبط منها العبر؛ ولا عجب في وصفنا لسيدنا معاوية رضي الله عنه بهذا. ومع احتفاظنا بحقّ سيدنا علي كرم الله وجهه، وتسليمنا بأن الحقّ معه، فإن سيدنا معاوية رضي الله عنه قد قام بأعمال نافعة كثيرة جدًّا لا يستهان بها للمجتمع الإسلامي؛ منها أن شوكة الإمبراطورية الرومانية ما انكسرت إلا في عهده بفضل الله وعنايته.

ولا ريب أن التاريخ يكرّر نفسه دائمًا وإن لم تقع الأحداث عينها؛ فلو أحسنّا قراءتنا للماضي واستلهمنا العبرة من تكرار الأحداث واستثمرنا حاضرنا بإتقان لَمَضَينا إلى الأهداف التي لا بدّ أن نسير إليها دون تعثّر.

أجل، إن الماضي كنزٌ يجب أن نستفيد منه؛ إلا أن علينا أن نضع نُصب أعيننا أننا فئات شتى في المجتمع، وربما ارتكب بعضنا أخطاء وآثامًا من قبل؛ فجرح البعض منا الآخر وآذاه وأدمى قلبه؛ ومن الخطأ في رأيي تصوير هذه الأحداث بآلامها ومرارتها مجدّدًا كما في الروايات والأفلام، وإحياء الأحداث البائدة في يومنا هذا، وجعلها مثارًا للنزاع والخصام؛ لا جرم أن هذه الأحداث التاريخية قد وقعت جميعها، وهذا لا نزاع فيه؛ لكن من الخطأ استغلالها في مواجهة بعضنا واتخاذها مسوِّغًا للنزاع والعراك؛ ولا نقصد بذلك أن: “علينا أن نُعنَى بالصفحات المشرقة في التاريخ فحسب”، كلَّا، بل لا بد أن تخضع الأحداث التاريخية بحلوها ومرّها للدراسة والتمحيص، حتى نتجنّب تكرار الوقوع في الأخطاء نفسها.

وهذا إنْ دلَّ فإنما يدلّ على أنه ينبغي تحليل ما في تاريخنا من فترات مشوبة بالهموم والأكدار أيضًا، وأن نتقن فنّ تجاوز الأزمات، ولكن لا يفوتنا -ونحن نقوم بذلك- أن نتجنّب إثارةَ ما اندثر من دفين الحقد والبغضاء، وأن نسعى بشفقة ولين لنستثمر هذه العبر والعظات ونتخذ منها عارضًا ضوئيًّا يكشف حاضرنا ومستقبلنا.

 

لا مستقبلَ لمَن لا تصورَ له للمستقبل

أمّا المستقبل فإن القلوبَ المؤمنة بالآخرة يمتد مستقبلها ما بين الغد والحياة الأبدية في الدار الآخرة، وأمَّا مَن همُّهم أن يعيشوا في دعة وراحة فلا يفكرون في ماضٍ ولا مستقبل؛ إذ لا يعتقدون أنّ التنقيب في الماضي سيبلغ بهم الحقيقة، ولا يرغبون بالتفكير في المستقبل لئلا يتكدرَ صفاؤُهم وتفسدَ متعتهم.

والمستقبل ذو قدْر كما الماضي لدى الأرواح التي نذرت نفسها للحقّ تبارك وتعالى، فهؤلاء لهم نحوَ المستقبل آمالٌ وتشوفاتٌ ومُثلٌ عليا وتصوراتٌ وغاياتٌ مثلى، ولا صلةَ لهذه التشوفات بحبّ المنصب وأخذ كلّ منهم نصيبه من نِعم الدنيا خلافًا لما يزعمه بعض الناس، بل إن غايتهم المثلى هي إرساء الحق والعدل في الأرض كلّها، ونشر الأمن والسلام، وتجديد البثّ لمشاعرِ الأخوّة في العالم كافّة، وتطوير ثقافة التعايش مع الآخر في عالمٍ أشبه بقرية صغيرة، وهذا يمهّد لتهيئة جوّ حميمي من الطمأنينة في كل مكان؛ أما مَن يرسف في إِسَارِ الأنانية فقد وقف كلّ شيء على أنانيته ومنافعه الشخصية وملذّاته الزائلة، جاء في رسائل النور: “إذا لم تكن هناك غايةٌ ومُثُلٌ عُليا أو نسيها أصحابُها أو تناسَوها تحولت الأذهان إلى أنا الأفراد وطافت حولها”.

والإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم هو الماضي والحاضر والمستقبل؛ لذا لا بد أن تكون لمستقبله آمالٌ وغاياتٌ مثلى، وإلا -نسأل الله السلامة- قهرته أنانيته وتعثر؛ فأصبح أنانيًّا أو خِدْنًا للأنا أو نرجسيًّا يُصاب بالدُّوار ويعشَى نظره ويفقد وعيه أمام أي استحسان أو تقدير.

ومَن حدّد لمستقبله غايات مثلى فهو رجل إحياء، وبطل انبعاث، وشخصية شامخة؛ يحاول دائمًا أن يبثّ إلهامات روحه في نفوس الآخرين، ويُعِدّ من اليوم خططًا لمشاريع سيقوم بها في المستقبل، ويسعى سعيًا حثيثًا لتحقيق ذلك بقدر ما تسمح الظروف.

 

الحاضر حِقبة زمنيَّة ذهبيّة

والزمن الحاضر مهمٌّ جدًّا بالنسبة للقلب المؤمن، فهو يعتبر اللحظة التي يعيشها منه حقبة زمنيّة ذهبية؛ فيحاول استغلال الإمكانيات التي مَنّ الله عليه بها في هذه الحقبة الذهبية دون تضييعٍ للوقت؛ والحق أنَّنا في منزلةٍ هدَانَا الله تعالى إليها فاهتدينا، فما علينا إلا استغلال المنزلة التي نحن فيها بفعالية أكثر، حتى لو ألقوا بنا على رأسِ جبلٍ صخريّ أملس لا يُنبت شيئًا ولو عشبًا فلنمسك بمطرقة ومسمار ولنسعَ لاستخراجِ الترابِ من الصخر، ثم ننادِ على من في أسفل الجبل أن أَمِدُّونا بشيء من البذور، نحاول بذلك أن نستنبت تلك المنطقة الصخرية؛ أي لو وُضِع المؤمن على رأس صخرةٍ فعليه أن يستخرج منها الماء كما ضرب سيدنا موسى عليه السلام بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، ثمّ ليأتِ بتراب وينثر البذور على الصخر

أجل، لا ينبغي أن يكون الإنسان فاتر الهمة في استغلال ما بيده من طاقات، فكم من عملٍ رائع يستطيع كلّ فرد أن ينجزه على أي حالٍ كان

لا بُدَّ أن نستثمر كلّ ما مَنّ الله به علينا بأن نستغلَّ اللحظة الراهنة ليرفرف الإسلام في أفقنا؛ وعلى كلٍّ أن يبذل كلَّ ما في وسعه في هذا الصدد، بل على الإنسان أن يحاسب نفسه دائمًا ويقول: “هل يا ترى قمتُ بما يجب القيام به من أعمال في الوقت الراهن على حسب ما أنعم الله عليّ به من طاقات أم أن مرض الكسل أضناني في هذا الوقت؟

وحمادى القول أن على صُنَّاع فكر المستقبل أن يفكِّروا ويُتقنوا حساب ما يمكن أن ينجزوه من أعمالٍ بحسب ما بأيديهم من طاقات، وأن يستغلّوها بشكل مثمر في تحقيق غاياتهم المثلى؛ وأن يستفيدوا من الحالة الراهنة ويباشروا الأعمال التي يُظنّ استحالة القيام بها ولو في أحلك الظروف؛ لتنعم البشرية بأجواء ربيعية جديدة بفضل الله وعنايته.

 

[1] من رباعيات عمر الخيام.

[2] “ضيا كوك آلب (Ziya Gökalp)” (1875م- 1924م): أحد الكتاب القوميّين في عصره.

[3] “يحيى كمال بَيَاتْلِي (Beyatlı)” (1884م – 1958م): شاعر وكاتب وسياسي تركي مشهور، كان له باع كبير في التاريخ والثقافة العثمانية.

[4] كلمة “خرابيّ” نسبة إلى الخراب، أما “الخراباتيّ” فنسبتها إلى “الخرابات” كلمة فارسية بمعنى الحانة، والخراباتي يأتي بمعنى “الفقير” أيضًا.

[5] إشارة إلى نشأة الدولة العثمانية ومؤسسها عثمان الأول المولود في بلدة “سُويُوْت” (Söğüt) التابعة لمدينة “بِيلَه جِكْ (Bilecik)” سنة 656 هـ/ 1258م.

وَبَالُ الجرائم التي تُرتكب باسم الدين -1

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: هل يمكن القول بأن ما تقوم به بعض المنظمات باسم الدين من جرائم وعمليات تفجيرية ونحوها وراءه قوى خفية أو أصابع خارجية لا غير؟ ولِمَ تظهر مثل هذه الحوادث في العالم الإسلامي اليوم؟

الجواب: يعمد بعض أدعياء الإسلام اليوم إلى استخدام السيارات المفخخة في قتل الأبرياء وتخريب دور العبادة، وهذا نقيض ما في الإسلام والكتاب والسنة؛ لكن وا أسفاه هذا المنظر واقعٌ يُدْمِي القلوب المؤمنة، ووصمةُ خزيٍ وعارٍ على جبيننا؛ نعم، إن وراء هذه الأعمال الإرهابية قوى خارجية وخِططها المنظَّمة الخبيثة، لكن الانحراف في فهم الإسلام وتفسيره أيضًا من أسبابها؛ وأما جرائمه فهي أعظمُ فتكًا وأكثرُ ضررًا على العالم الإسلامي من هجمات الحملات الصليبية ومما أحدثه المغول من فوضى واضطراب قديمًا، وهو وصمةُ عارٍ على جبين أمِّتنا.

الخطأ في فهم الشجاعة والإقدام

إنني أرى أن الخطأ في فهم الإقدام والشجاعة يأتي اليوم على رأس الأمور التي أُسِيء فهمُها وتفسيرُها حتى تسبّبت في وقوع مثل هذه الحوادث؛ لا جرمَ أنَّه ينبغي للقلب المؤمن أن يتحلَّى بالشجاعة والإقدام، لكن مع البصيرة والحكمة وحالٍ يُشعر المخاطبين بالأمن والأمان، وينبغي له كذلك أن يتمسك بمبادئ الدين أيًّا كانت الظروف، ولْيعلم أبدًا أن الغاية لا تبرر الوسيلة، أي لا بد للأهداف المشروعة من وسائل مشروعة؛ بتعبير آخر إن الشجاعة والإقدام حقًّا أن يُظهِر المسلم صمودَه في الدفاع عن قِيَمِه، وثباتَهُ على الحق دائمًا، وصبرَه على ما قد ينزل به من مصائب حتى وإن بُترت أطرافه في هذا السبيل.

ومن يتأمل عصر السعادة في ضوء هذا يجد أن مفخرةَ الإنسانية _صلى الله عليه وسلّم_ وصحابتَه تجرعوا في ثلاث عشرة سنة قضوها بمكة مصائب جمّة لا طاقة لإنسان بتحمله؛ حتى إن بعض الصحابة الكرام _رضوان الله عليهم_ كثيرًا ما كانوا ينظرون _وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا_ إلى قدرة الله المطلقة وإلى ما يذوقه سلطانُ الأدب والأخلاق الذي أرسله ربه لإنقاذ البشرية، وما يذوقه المؤمنون به من صنوف العذاب، ويقولون: “ما أَحْلَمَك يا ربَّنا!”، عجبًا وذهولًا أمام مشهدٍ لا يفقهون حكمته حقّ الفقه.

وتعلمون أنَّ في الجاحدين الجهلة من ألقى سَلَا جَزورٍ على رأس مفخرة الإنسانية سيدنا ومولانا محمد وهو ساجدٌ عند الكعبة؛ وكم رموه بالحجارة وهم أحقّ بها وأهلها، ومع ذلك لم يَدْعُ عليهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألبتة، ولم يقل: “اللهم أمطر عليهم حجارة من عندك”؛ بل إنه لمّا رُمي بالحجارة وكُسرت رَبَاعِيَتُه وشُجَّ وجهُه فسال الدمُ عليه رفع يديه إلى السماء ودعا الله قائلًا: “اَللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي (أو: اِهْدِ قَوْمِي) فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ“. (سنن سعيد بن منصور، 2\353؛ البيهقي: شعب الإيمان، 3\45). ومغزى هذا الدعاء: لو أنهم عرفوني وفقهوا دعوتي وأدركوا أنني أموت وأحيا كرات ومرات من أجلهم لَما فعلوا ما فعلوا؛ وقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (سُورَةُ الْكَهْفِ: 6/18) يبين موقف الرسول صلى الله عليه وسلم مما سلكه المشركون من نهج خاطئ.

أجل، إنّ مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم الذي فتح القلوب وألانَ الأفئدة ووجّه الناس إلى الإنسانية الحقّة وجمع الإنسان بإنسانيته الكامنة في فطرته لم يقابِل مَن عادَوه بغضب وحقد كما فعلوا هم، بل لم يَعزِم على فعل أيٍّ من هذه الشنائع والفظائع؛ حتى إنه لم يدْع على أبي جهل الذي ناصبَه العداء خمس عشرة سنة؛ ولما شرح الله صدر جويرية وعكرمة ابني أبي جهل للإسلام كان منهما ما تحار له العقول والألباب؛ فواجه عكرمةُ رضي الله عنه الروم في اليرموك، وجُرح جرحًا بالغًا، فنُقل إلى الخيمة، وفجأة استوى وقال: “هل شرّفتَنا بالحضور يا رسول الله؟”؛ ولم يكن قد مضى على معرفته برسول الله صلى الله عليه وسلم سوى سنتين؛ حقًّا إنه لَيتعذر تفسير عروجه العمودي في هنيهة من الزمن، وكيف استطاعَ أن يبلغ هذا الأفقَ من المعرفة، وهذا المستوى من العمق الداخلي؟ فلولا معاملة النبي صلى الله عليه وسلم حتى لأعدائه بحلمٍ وحكمةٍ كهذه فهل كان لشيء من ذلك أن يحدث؟

والحقّ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لو أشار بأصبع صغير من يده إلى الصحابة في تلك الفترة العصيبة لَهبّ المسلمون الأوائل الأبطال الشجعان وحاربوا المشركين حتى آخر قطرة من دمهم بلا خنوع ولا استسلام، لكنهم آثروا الصبر رغم أنهم يُسامون صنوف العذاب ويَرْسُفون بالسلاسل والأغلال، ولم يصدر عنهم ما يزعزع الثقةَ بهم من تصرُّفٍ فرديٍّ أو فوريّ أو عاطفيّ، ولم يلجؤوا قطعًا إلى مثل هذه الأعمال الوحشية الفظيعة؛ لأن منهج نبي الرحمة هو فتح القلوب وإقناع العقول من أجل السعادة الأبدية للناس جميعًا، وهذا يقتضي معاملتهم بالحكمة والرحمة والرِّفق.

نعم، نكرر مرة أخرى أنه لا صلة لهذه الأعمال الوحشية بالقرآن والسنة ومنهج مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم واستراتيجيته ونمط تفكيره ومسلك هديه.

من يزرع البُغض لا يحصد الحُب

ما أكثر شواهد هذا في عصر السعادة! فعندما فُتحت القدس كان سيدنا عمر -رضي الله عنه_ في المدينة المنورة، فأتاها هو وغلامه ليتسلم مفاتيحها، وأخذ معه إبرة وخيطًا ليخيط ما يتمزق من ثيابه، ومطية من بيت المال يتناوبان ركوبها، ولم يُجِز لنفسِه استخدامَ مطيتين، ولما دنا من القدس جاءت نوبة الغلام؛ فَعَزَمَ الغلامُ على سيِّدِنا عمر أن يركب إلا أنه _رضي الله عنه_ أبى، فاستقبله القسيسون والرهبان على مشارف المدينة، وأجلّوه وأحسنوا وفادته، وقالوا: “أنتَ الذي قرأنا أوصافه في كتبنا أنه يفتح القدس، يدخلُ ماشياً وغلامهُ راكباً وفي ثوبه سبع عشرة رقعة”؛ ثمّ سلمه بطريرك القدس صفرونيوس مفاتيح المدينة، فلما أدركته الصلاة وهو في الكنيسة، فالتفت إلى البطريرك وقال له: “أين أصلي؟” فقال: “مكانك صلِّ”، فقال: “ما كان لعمر أن يصلي في كنيسة القيامة، فيأتي المسلمون من بعدي، ويقولون هنا صلى عمر، ويبنون عليه مسجدًا”، وابتعد عنها رمية حجر، وفرش عباءته وصلى، هاكم مشهدًا من بصيرة سيدنا عمر ودقّتِه ورقّتِه وتعظيمِه لمعابد الأديان الأخرى، ومشاهدَ الهجمات الخبيثة اليوم باسم الإسلام وهو منها براءٌ، فقارِنوا بينهما!

 مشهد آخر يسلط الضوء على موضوعنا هذا: عندما تفاقمت الفتن واستشرت واشتدت حتى بلغت ما بلغت في عهد سيدنا علي _رضي الله عنه_ كما هي اليوم، واجتمع الخوارج الذين خرجوا عليه _رضي الله عنه_ يومئذ في النهروان، قيل لسيدنا علي: “جيشت الخوارج الجيوش في النهروان، فصبِّحهم وأهلكهم جميعًا قبل أن يغيروا عليك”؛ فما كان من هذا الإمام العظيم، سيد الكهول، حيدرة الكرار، إمام الأولياء، الذي انتزع باب حصن خيبر بيديه، وما إن يسلّ سيفه حتى يطيح ببضعة رؤوس بضربة واحدة، ما كان منه إلا أن ردَّ ردًّا لائقًا به: “لا تبدؤوهم بالقتال حتى يبدؤوكم، وما يدريكم أنهم مُغيرون؟”؛ يا لله كم في فقهه هذا من عميق الحيطة! وأنا لا أرى بطولته العظمى في قلعه باب حصن خيبر ولا في قتلِه عمرو بن عبد ود بضربة سيف واحدة، بل بطولته أنه يملك نفسه في وقت قد تتملك المرءَ فيه نزعةُ الأنانية، وتصدح مدويّة: “أنا، أنا”، وفي إيفائه الإرادة حقَّها؛ أجل، أرى الفتوة الأُمَّ والشجاعةَ والإقدامَ بحقّ في الثبات على مبدأ: “وما يدريكم أنهم مُغيرون؟” في وقت خطير كهذا، وبهذا استدلّ الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان على أن لَو اتَّخذ البغاةُ مكانًا يتجمّعون فيه لا يُبدأ بقتالهم ما لم يَبدؤوا.

نعم، الواجب أن يُزال الضرر بأقلّ أذى يُصار إليه ووفق حَراك وخطة واقعية محكمة؛ تأمل فتح مكة تر أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ اتخذ كل ما لا بد منه من أنواع الإجراءات كي لا تُسفك الدماء، ولا يتفاقم العداء والشَّحناء، وتُحلَّ المعضلات برفق ولين؛ أجل، دخل مفخرة الإنسانية _صلى الله عليه وسلم_ مكةَ وأكثرُ أهلها مشركون ولم يُسفَك دمٌ من هنا ولا من هناك سوى بضع حوادث صغيرة، بل لما دخلها سأل أهلها: “مَاذَا تَظُنُّونَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟“، فقال المشركون الذين عرفوه منذ طفولته: “أخٌ كريم، وابنُ أخٍ كريم”، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: “لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، اِذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ” ( ابن هشام: السيرة النبوية 74/5)، تركت كلماته هذه التي خرجت من فِيه _صلى الله عليه وسلم_ أثرًا طيّبًا في الأرواح وكأنها نفحات جبريل عليه السلام؛ فقد أدرك المشركون من أهل مكة كم كانوا في غيّهم تائهين، فجاءوا سيدنا رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ مُصبِحين وتحلقوا حوله كالهالة حول القمر؛ أجل، حتى المردة الذين عادَوا رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ سنين عددًا لانت عريكتهم، ورقّت سجاياهم فأسلموا لما جذبَهم الرفق والمعاملة الحسنة إلى مناخ الإسلام الطيب.

نعم، لا تحصدون إلا مما تزرعون، فمن يطمح إلى أن يحصد دائمًا ثمرًا طيبًا فلينثر بذورَ الخير والبر حوله على وجه الدوام.                 

(وللحديث بقية)

أسباب الإصرار على الإلحاد

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: لِم يُصِرّ بعضُ الناس على الإلحاد رغم ما تشعر به قلوبهم دائمًا مِن ضيقٍ وفراغٍ عميق؟

الجواب: الإلحاد يصوِّرُ الحياةَ وكأنها ساحةٌ للفوضى والصراع، وعُرضةٌ لأن يحدث بها أي شيء في أيّ لحظةٍ، والموتُ عنده هلاك وفَناءٌ مطلق؛ فليس للإلحاد أي وجه إيجابي يجذب الإنسان إليه أو يجعله يستمسك به؛ إنه حقيقةً مَثَارُ قلقٍ وتهديدٍ دائم للإنسان، وفراغٌ وهوّة سحيقة؛ لكنْ لدى الإنسان نقاط ضعف تجعله أصمّ أعمى، ومتى ما ابتلي بها تمرّد حتى على الحقائق الواضحة وضوح الشمس في رائعة النهار، فيُحجب عنه الإيمانُ عندئذ وينساق إلى الإنكار؛ وإليك نقاط الضعف تلك التي تتسبب في وقوع الإنسان في الإلحاد في المحاور التالية:

1 _ الكبــــر

قد يحول الكبرُ دونَ أن يكونَ الإنسانُ عبدًا لله؛ يقول الله تعالى في الحديث القدسي الجليل: “اَلْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ” (مسلم: البر، 136؛ أبو داود: اللباس، 26، واللفظ لأبي داود)؛ ومفاده أنّ الكبرياءَ لله وحده، وعلى الإنسان أنْ يكون عبدًا لله لا غير.

أجل، لما كان اللامحدود واحدًا لا ثاني له، وجب على كل من سواه أن يعلم أنه صِفْرٌ لا يزن مثقال ذرة أمامه.

 وللأستاذ بديع الزمان سعيد النُّورْسي _رحمه الله رحمة واسعة_ مصطلحان تستبين بهما هذه المسألة، هما: “المعنى الاسْمِيّ” و”المعنى الحَرْفِيّ”[1]؛ فينبغي أن ننظر إلى الإنسان بالمعنى الحرفي، والحرف لا يدل على معنى في نفسه، بل لا بد أن يُركب مع كلمة ليدل على معنًى ما؛ كذلك الإنسان لا تكون له قيمة حقيقية إلا بانتسابه إلى الله عز وجل؛ أمّا إن نظر إلى نفسه بالمعنى الاسمي، وعدَّ نفسه كائنًا مستقلًّا، وظنَّ أنه يدلّ على معنى في نفسه فما أضلَّه وأخدعه عندئذ! ومن هنا نرى أن “الثقة بالنفس” ونحوها من مفاهيم باتت تتردد اليوم لا وزن لها ولا قيمة دون أن تتعمق بالثقة بالله.

والإرادة البشريّة إن هي إلا هبةٌ ربانيّة للإنسان، فقد خصَّه سبحانه بظلٍّ من مشيئته وإرادته؛ وإذا ما عَزَمَ الإنسان على أمرٍ بإرادته الجزئية أمدّته المشيئة الربانيّة العظمى؛ فإذا نَظَرَ الإنسان إلى نفسه بهذه المرآة انحلّت عُقد كثيرة؛ أما التبجحات على غرار ما قاله فرعون: “أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى” (سُورَةُ النَّازِعَاتِ: 24/79) فما هي إلا مرآة للكبر؛ وما قاله فرعون شِركٌ وكفرٌ بَوَاح، ولا يختلف عنه ما يساور الإنسانَ من هواجس مثل: “أنا مَن فعل، أنا مَن خطَّط، أنا مَن أَنقذ الأمة من هذه الكارثة…” إنه لَشِركٌ خفيٌّ وضربٌ من ادعاء الألوهية وإن ضمنيًّا؛ إذ يستحيل أن تحتمل “أنا” وجودَ مُشخَّصَيْنِ معًا؛ و”الأنا” بمعناها الحقيقيّ تتفرد بها الذات الإلهيّة، أمّا في الإنسان فهي وحدةُ قياسٍ وهبها الله للإنسان ليدرك ويفقَه وجودَه وصفاته سبحانه وتعالى؛ أي إنَّه سيسعى ليدرك بإرادته ومشيئته الجزئية إرادةَ الله تعالى ومشيئتَه الربانية، وبعلمِه الضئيل عِلمَه المحيطَ سبحانه، وببصرِه القاصر بصرَه المطلقَ سبحانه وتعالى.

من جانب آخر فإن حواس الإنسان وصفاته ناقصةٌ محدودة مقيدة، وهذا وسيلة ليدرك ويعي ويشعر بإحاطة صفات الله تعالى وإطلاقِها؛ فقوله تعالى ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 255/2) يشير إلى هذه المحدودية لدى الإنسان؛ لأنه يستحيل أن يكون الشيء محيطًا ومُحاطًا في نفس الوقت؛ فالمحيط هو الله، أما نحن والكونُ كلُّه فمُحاطون، بمعنى أن الله أحاط بكلِّ شيء علمًا وإرادةً ومشيئةً وقدرةً؛ ومن عجز أن يقيم نفسه في هذا الأمر في المقام الذي ينبغي له حُجِب عنه الإيمانُ؛ وليس وراء إلحاد الناس غالبًا إلا رؤيةٌ فرعونية أساسُها الكبر.

2 _ الظلم

ثاني العوامل التي تحول دون الإيمان هو الطغيانُ وتجاوز الحد، ولا جرم أنّ هذا ظلمٌ بمعنى ما، وهو وراء إلحاد جميع الطغاة والظَّلمة الذين باؤوا بالخسران لأنهم أسندوا كل ما يحدث إلى قوتهم وقدرتهم، وكفى بقارون الذي ضربه القرآن الكريم مثلًا شاهدًا ودليلًا جليًّا على هذا؛ وإليك ما جاء في القرآن الكريم عنه: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ (سُورَةُ القَصَصِ: 78/28)؛ فكم من الجبارين ممن لو أرادوا خلع الجبال لَخَلَعوها، لمَّا أفرطوا وطغوا أهلكهم الله سبحانه وتعالى وأرداهم أسفل سافلين!

3 _ انحراف النظر

 ومن عوامل إلحاد البشر انحراف النظر؛ وكم عُنِيَ الأستاذ بديع الزمان بأمر النية والنظر، حتى قال: “في أربعين سنة من رحلة العمر، وثلاثين سنة في طلب العلم حصّلتُ أربع كلمات وأربع جُمل”[2]؛ وذكر في الكلمات النيةَ والنظر؛ لأنَّ النظرَ عاملٌ بالغُ الأهميةِ في فهمِ الأمور والحوادث وتفسيرهما؛ فمن عجز عن تعيير وجهة نظره وضبطها فلن يُبصر ما ينبغي رؤيته بدقة، وقد تتعذر الرؤية مطلقًا؛ وإن كانت دراساته وبحوثه تنتهي به إلى نقطة معينة، إلا أنه يتعثر فيها ولا يستطيع أن يبلغ معرفة الله.

والأصلُ في النظر القدرةُ على رؤية المنظور على ما هو عليه، أي الأصل السعي لرؤيته على حقيقته؛ لذا لا بد من النظر بشكل صحيح، ثم لا بد أن يستهدف النظرُ الرؤيةَ؛ فمثلًا من ينظر بلا هدف إلى مكتبة تغَصّ بالكتب يعجز حتى عن رؤية أسماء الكتب وألوانها؛ وقد قيل: النظر شيءٌ، والرؤيةُ شيءٌ آخَر؛ فينبغي ألا يُخلَط بينهما.

وجاء في القرآن الكريم في حديث فرعون ما يكشف انحراف نظره: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ (سُورَةُ غَافِرٍ: 36/40-37)؛ وفي عصرنا قال صاحبُ نظر منحرف آخرُ مثلَ هذا: “إنني طوّفت بالكرة الأرضية ولم أصادف إلهًا”؛ فأفحمه الأستاذُ “نجيب فاضل”[3] بنبرة صوته الرنّان قائلًا: “أيها الأحمق! من قال لك إن الله –حاش لله- نُفاخة في الفضاء!”، فمِن انحراف النظر السعيُ للبحث عن الخالق العظيم المنزه عن الزمان والمكان والمادة بغيةَ العثور عليه وكأنه –حاشَ لله- شيء ماديّ؛ ومن زجّ بنفسه في أتونٍ كهذا عجز عن بلوغ الإيمان مهما توسّل.

4 _ التقليد الأعمى للآباء

تقليد الآباء أيضًا من أسباب الإلحاد؛ وما أكثر توجيهَ النظر في آيات القرآن الكريم إلى ضلال المشركين والكافرين في موقفهم هذا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 170/2) والذين كفروا وأعرضوا عن الإيمان على مر التاريخ اتخذوا لأنفسهم آباء وطواغيت فقلدوهم تقليدًا أعمى واقتفوا آثارهم.

ويرى هؤلاء المقلِّدون أن آباءهم لا يُسألون ولا يؤاخَذون حتى وإن عبدوا وثنًا من حجر أو حلوى أو شجر، ويستحيل تتبعُ سقطاتهم في قولٍ أو فعل ألبتة، وهذا مسلكٌ نهايتُه الخسرانُ، وسبب لحرمان الإنسان من الإيمان.

كمن يفرّ من قرص البعوض إلى لدغ الـحية

إن من يتأمل ما سبق لن يعثر على مستنَد عقلي أو منطقي أو فكري في أُسّ الإلحاد والجحود، ومن الخطأ أن نطلق على عوامل الإلحاد المذكورة كلمة “مستنَد”؛ لأن معنى المستند الركيزة الحقيقية؛ وإنما يستند غير المؤمنين إلى أشياء يُتوهّم أنها مستند، ويمضون في كفر وإلحاد لا ينطوي على أي جانب إيجابي محمود يَعِدُهم به، ومثل هؤلاء يفضلون أن يعزّوا ويواسوا أنفسهم بشيء مؤقت، ويرون الإعراض عن ولوج ساحة الإيمان سبيلَهم إلى الدّعة والهروب من التكليف؛ لأن الدين أو الإيمان إذا ما ذُكرا تَبِعَهما التطبيق أي التكليف والواجبات اللازمة لهما؛ إذ إن الإيمان ليس قولًا باللسان فحسب، بل من ضرورياته أداء الواجبات وترك المنكرات، وبعبارة أخرى: إن الأمر لا ينتهي عند قول: “آمنتُ”؛ إذ يجب عقبه أداءُ جملة من الأوامر تسمى “الصالحات”، وترك جملة من السيئات تدخل في باب “الفحشاء والمنكر والبغي”؛ ولهذا فمن يتوهم أن هذه الأمور تحول دون التلذذ والتمتع بالحياة يأبى أن يلج ساحة الإيمان؛ يقول الأستاذ بديع الزمان: “لايدرك هذا الشقيُّ أنه قد جعل نفسه – بهذا الإنكار – هدفًا لضيق معنويّ أرهبَ وأفظعَ بـملايين الـمرات من ذلك الضيق الـجزئي الذي كان يشعر به مِن تكاسلـه في العبادة، كمن يفرّ من قرص البعوض إلى لدغ الـحية!![4]“؛ وهذه الأمور التي تُرى في الدينا كأنها عزاء وسلوان لا تفيد الإنسان في الآخرة ولا تنفعه ألبتة.

والمؤمنون وإن اجتازوا ما يفضي إلى الجحود من هذه العقبات كلها ودخلوا دوحة الإيمان، فليعلموا أن كل واحدة منها خطر كامن يتهددهم في كل حين؛ حيث إن العوامل المذكورة كما تمنع ولوج ساحة الإيمان قد يتسبب كل منها -نسأل الله العصمة- في الردّة عن الإيمان إلى الكفر؛ لأن هذه الأمراض والعلل قد تُخرج المرء من ساحة الإيمان وهو لا يشعر ولا يدرك ألبتة، وذلك إذا ما جثمت وسيطرت على أحاسيسه وفكره، وأخضعت الوجدانَ لضغوطها وتركت فيه ثقوبًا وصدوعًا وكسورًا، فمثلًا يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ” (مسلم: الإيمان، 147) والحديث يوجه الأنظار إلى إحدى هذه الجراثيم القاتلة، ومن ثمّ فإنه يجب على الإنسان أن يحاسب نفسَه دائمًا، ويُبصِر ويقْدُر نِعم الله تعالى قَدْرها، فيحمده تعالى ويثني عليه، ولا يغيبنّ عنه أبدًا أنّ كلًّا منها قد تكون سببًا لــ”الاستدراج”.


[1] الاسم والحرف في النحو:

الاسم: ما دل على معنى في نفسه؛ والحرف: ما دل على معنى في غيره، أي لا يظهر معناه كاملًا إلا مع غيره.

يقول الأستاذ النُّوْرسي: “إن النظر إلى ما سواه تعالى لا بد أن يكون بالمعنى الحرفيّ وبحسابه تعالى، وإن النظر إلى الكائنات بالمعنى الاسمي أي بحساب الأسباب خطأ؛ ففي كل شيء وجهان: وجهٌ إلى الحق، ووجه إلى الكون؛ فالتوجه إلى الوجه الكوني لا بد أن يكون حرفيًّا وعنوانًا للمعنى الاسمي الذي هو جهة نسبته إليه تعالى. (المثنوي العربي النوري: قطرة من بحر التوحيد).

[2] المثنوي العربي النوري، قطرة من بحر التوحيد.

[3] نجيب فاضل: شاعر وكاتب ومفكر تركي (1904-1983).

[4] اللمعات، اللمعة الثانية، النكتة الأولى.

بشائر الإيمان

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما المحاسنُ التي يبشّر بها الإيمانُ؟ وهل مِنْ مراتب ومقامات لشعور الإنسان وإحساسِه بهذه المحاسن في وجدانه؟

الجواب: كم قيل حتى اليوم عن المحاسن التي يبشِّر بها الإيمانُ في الدنيا والآخرة، وعن مُنجيات كثيرة مصدرها الإيمان؛ ويخصّ الأستاذ بديع الزمان هذا الموضوع بشيء من التفصيل في مواضع من كُتبه؛ ومفاد كلِّ ما قيل وكُتب في هذا أنَّ الإيمان يمنح الإنسانَ رؤيةً واسعةً عميقةً جدًّا لقراءة الحياةِ والوجود وتقييمهما تقييمًا صحيحًا؛ فمثلًا حين ينظر الإنسان المؤمن إلى الوجود يرى كل شيء كأنَّه صديق حميم ورفيق مخلص له، فيأمن الطريق والرفيق؛ ويرى الماضيَ والمستقبلَ مشرقين في ضوء النورِ الذي يشع من الإيمان على حياته؛ فلا الماضي مقبرة مرعبة في نظره، ولا المستقبل حفرة حالكة الظلام.

 نعم، مخاوف الإنسان وقلقُه مما في المستقبل أمر طبعي، لكنَّه يتغلب عليها بما يشع من الإيمانِ مِن أمل ونور؛ بل مَنْ يقوم إيمانه على أسس سليمة يدرك أن هذه المخاوف ليست أشياءَ لا حيلة لها، فيُلفي نفسَه قادرًا على الخروج مما يشعر به من همٍّ وحزن تنذر بهما هذه المخاوف؛ أيخشى المرء ظلمة البرزخ والقبر؟ فإيمانه نورٌ يسعى بين يديه، أم يهاب الصراطَ؟ فالإيمان “بُرَاقه” في العبور، أم يخشى العاقبة؟ فالإيمان آمَنُ طريق إلى الجنة وأمتنه، أم لديه مخاوف من الجزاء؟ ألا فلا يخافنَّ، فالإيمان هو الحصن الحصين من جهنم؛ أجل، كأنّ الإيمان دليل مرشد يقف على جانبي الطريق في رحلة الإنسان الطويلة، يبشّره بالأمن ويطمئنه.

حقيقة الموت

الإيمان _كما يقول الأستاذ بديع الزمان_ يحمل في ماهيته نواةً معنويةً لـ”طُوبَى” الجنةِ؛ فالمؤمن وهو في الدنيا يعيش حياةً ملؤُها الطمأنينة؛ فإيمانه ينجيه من خوف الفناء والقلقِ من الصيرورة إلى العدم؛ ومهما قيل وكيفما نُظِر إلى هذه المسألة فلينظرْ، فالحقيقة أنه يستحيل على غير المؤمن أن يمحو خوفَه من الفناء ويجتثّه من عقله وقلبه جِذريًّا؛ بل إن هذا القلق وتلك المخاوف تعذبه بين حين وآخر حتى إنها تصليه جهنم وهو ما يزال في الدنيا، فلا مفرّ لذلك الإنسان من هذه الأزمات غالبًا إلا بالإغراق في اللهو والمتعة والمرح، فيسلم نفسه للمسكرات حينًا ولما للجسم والبدن من نزوات حينًا آخر، وقد يدمن المخدرات عسى أن ينسلخ مما أفرزته عقيدة الفناء والعدم والتعفن والبِلى من قلق في روحه؛ إنه يعيش حياة بوهيمية لاهية متحلِّلة، ويودّ ألا يفكر في العاقبة وألا يشعر بها؛ وسمِّ ذلك إن شئت “محاولة المرء تنويم نفسه مغناطيسيّا”، ولكن هيهات؛ فكل هذه الأمور وإن سلّت الإنسان وواسته مؤقتًا فهي في الحقيقة مساعٍ لا تُغني عنه شيئًا، فالنعامة تدفن رأسَها في الرمال لتختبئ من الصياد لكن ذلك لا ينفعها، فهذا النوع من اللهو يُلجَأ إليه للقضاء على مخاوف العاقبة لكن هيهات هيهات؛ فإن كان من شيء ينقذ الإنسان من هذه المخاوف كلها ويُبلّغه ساحل السلامة فهو الإيمانُ، السفينةُ الآمنة، والمرشدُ الأمين، ومصدر الأمل القويّ للإنسان.

ومهما أذنبَ المرء فلن ينقطع أمله ورجاؤه في أمر عاقبته إن كان مؤمنًا؛ هذه حقيقة راسخة في جوهر الإيمان، فعقيدة أهل السنة والجماعة أنه لا يُخلَّد في جهنم من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان مهما ارتكب من الذنوب؛ فمن كان في قلبه حُسن الإيمان وجماله فالذنوب عنده أمر عارض لا أصل؛ إذ الإيمان لا يصدر عن مثله شيء من ذلك؛ بل إنما تصدر الذنوب عن تذبذب الإنسان واضطرابه حيث يجب عليه الصمود في سبيل الإيمان؛ أي إنَّ الذنوب جراثيم تنفذ إلى أعماق الإنسان من خلال ثغرات في إيمانه؛ أما الكفر فمن ماهيته تنبجس الذنوب والمعاصي، فذلك هو الأصل في الكفر؛ أجل، فمن كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان دخل الجنة بإجماع أهل السنة والجماعة؛ أي حتى لو زنى المرء أو سرق أو ارتكب منكَرًا آخر -عافانا الله- فستدرِكُه السعادة الأبدية في الآخرة إن كان في قلبه إيمان، فإن تاب عن ذنوبه وتاب الله عليه دخل الجنة بلا عقاب؛ فكل هذا من بشائر الإيمان للإنسان، ولا شيء يعدلها أو يقوم مقامها، إذاً فالإيمان مصدر أمل عظيم للإنسان؛ وبفضل هذا المصدر العظيم السرمدي بوسع المرء أن ينسلخ من عالمه الضيق، ويُبحر نحو جماليات الحياة الأبدية ومحاسنها.

أخوّة صادقة تنعكس على الآخرة

الإيمان يجعل مِن المؤمن إنسانًا يَشِعّ منه الأمن على مَن حوله، بل على الكونِ بأسره، ويجعل مِن عالمه الضيق عالمًا عالميًّا، فيرى الكون مهدًا للأخوّة، وبالتالي يرى الخلقَ جميعًا إخوةً له مِن وجهٍ مَا، فالمسلمون إخوانه في الدين، وغير المسلمين إخوانُه في الإنسانية، كما أُثِر عن سيدنا علي رضي الله عنه؛ ولا جرم أنَّ نظرة المؤمن لإخوانِه في الدين أكثر خصوصيّةً، فهم يشاطرونه الرأي نفسه والشعور ذاتَه، وهو يؤمن بأنه سيكونون معًا في عالم البرزخ وفي الحشر والحساب وفي العبور على الصراط.

فمن يتحلّى بهذا الإيمان لا يُقيم أواصره على منفعةٍ مؤقتة فانية أو مصلحة هنا وأخرى هناك، بل دأبه إقامة آصرة وَصِلة سرمدية أخروية مع من حوله؛ وهذه الآصرة الأخروية ذات قدر عند الله، فهي تقرّب الإنسان من ربه تبارك وتعالى، يَعْقبها توفيق ربانيّ في الدارين، وهذه بشارة أخرى للإيمان، ولك أن تفهم قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “يَدُ اللّٰهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ” (الترمذي: الفتن، 7) في ضوء ذلك، فالله تعالى يحفظ مَن يتحركون معًا من كلّ شرّ دنيويّ، ويمنّ عليهم بنجاح خِططهم، وسيُنعِم عليهم أيضًا بفوزٍ متنوع خالد في الآخرة، أي للعمل الجماعي فضائلُ دنيوية وأخروية.

يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ (سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: 48/14)، فما مِن شيء من الذرات إلى المجرات إلا وسيتغير في الآخرة؛ فأفكارُ الإنسان ومشاعره ستكتسب ماهيةً أخرى، وسيصبح لكل خير قدّمه ولأواصره الأخوية في الدنيا أبعادًا متميزة في الآخرة، فلا يُدرى كم متعةٍ يتذوق المرء في الآخرة، وكم من الوُدِّ يهيمن على صلته بإخوانه المؤمنين، بل قد يستوي عنده لقاءُ الإخوان والنظر إلى بهاء وجوههم ونعيمُ الجنان؛ ففي الحديث القدسي: “أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ” (البخاري: بدء الخلق، 8)؛ فما في الجنة من نعمٍ يفوق كلَّ التصورات، فسيمنّ الله على عباده المؤمنين بنِعَمٍ لا تخطر على بال؛ إنها الحسنات التي قدّمتموها في الدنيا، ستتراءى لكم نعمًا في الجنة.

وأما الشطر الثاني من السؤال فإليكم في جوابه المسائل التالية بإيجاز:

كل إنسان يشعر بمحاسن الإيمان تلك ويتذوقها على حسب عمق إيمانه وسَعته، فمنهم من يشعر ويحس بها نظريًّا فقط، وحسبه ما عرفه في المرحلة الابتدائية عن حقائق الإيمان، وهذه بداية الطريق ليس إلا؛ وآخر يدلل على معلوماته المجردة بالعلم والتفكّر، ويردّها إلى قواعد متينة، ويستوعبها عملًا وعبادة، ويحوّلها إلى معرفة؛ أي يسير من العلم النظري إلى علم اليقين، ومنه إلى عين اليقين، وهناك يظهر له سرّ الإحسان، أي يقوم ويقعد وهو يشعر بأن الله يراه في كل حال، ويقضي حياته هكذا، ولك إن شئت أن تطلق على هذا: الانسلاخ من الحيوانية، والترفع عن الجسمانية، والانسلال من سجن البدن، والارتقاء إلى مرتبة الحياة القلبية والروحية؛ هنا يتراءى كلُّ شيء أرحب وأوضح وأشدّ لمعانًا بما فيه من محاسن ساحرة خاصة، وعند هذه المرتبة تستحقر العينُ الحياةَ الدنيوية والجسمانية، فما وجود المرء في الدنيا إلا ليؤدي المهمة التي أُمر وكُلِّف بها فحسب، فإذا ما جاء أمر التسريح عاش فرحة أخرى واستقبل الموت فرِحًا به فرحَ الصائم بالفطر، وارتحل إلى الآخرة بهذه المحاسن التي كفِلها له إيمانه ليلقى بها ربّه سبحانه وتعالى.

المسلم: إنسان الصدق والأمانة

Herkul-ARB | | العربية

السؤال: جاء في الحديث “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”، فبمَ تنصحونا حتى نجعل هذه الخصلة الطيبة بعدًا من أبعاد طبيعتنا الإنسانية؟

الجواب: حديث “الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ” ورد في الصِّحاح (البخاري: الإيمان، 4)؛  وهو يعرّف المسلم الحقّ بأنّه  من لا يتأذى أحد أو يُضارّ من لسانه ويده.

ولنقف قليلًا على كلمة “المسلم” في هذا الحديث الشريف لندرك مغزى ما أشار إليه السؤال.

وردت كلمة “المسلم” في الحديث الشريف معرَّفةً بأل، فالمقصود هنا المسلم الكامل، فالقاعدة: “أن اللفظ المطلق يُحمل على أكمل معانيه”، فالمسلم هنا ليس هو من يتظاهر بالإسلام أو يدعيه، بل هو من يؤمن بالحق ويرضى به قلبه، ويفوّض إليه أمرَه، ويعمل بمقتضى إيمانه، ويتخذ هذا الإيمان روحًا لحياته.

وإن شئت التفصيل فالمسلم لغة اسم فاعل من “أَسْلَمَ” المشتق من “السلم والسلام”؛ فكما أن المسلم هو من يُسلم زمامه إلى الله تعالى هو أيضًا من يبْلُغ بالآخرين شاطئ السلامة، ويقيم بينه وبينهم جسرًا من الأمن والسلام.

المسلم إذًا هو ممن يُسلم قياده للحق تعالى، فيراعي الدّقة البالغة في الإتيان بما أمر الله واجتناب ما نهى عنه، فيحافظ على هويته في جو من السلم والسلام؛ وهو في الوقت نفسه أمينٌ يمثِّلُ الأمن والسلام، ويُشعِر الآخرين بالثقة والأمان في كل ما يصدر عنه. 

المسلم واسم الله “السلام” و”المؤمن”

المسلم تهبّ منه نسائم السلام والأمن على الآخرين، فهو مظهرٌ للتخلّق بالأخلاق الإلهية؛ فـ”السلام” و”المؤمن” من أسماء الله الحسنى كما ذُكِرا تِبَاعًا آخرَ سورة الحشر: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (سُورَةُ الْحَشْرِ: 23/59)؛ فالله تعالى هو “السلام”؛ لتنزهه عما هو من شأن الحوادث من العيب والنقص والفناء، وهو الذي ينشر الأمن والسلام بين خلقه؛ و”المؤمن” هو من يخلق الإيمان في قلوب عباده، ويبشرهم بالأمن والأمان، ويفي بعهده، فإذا وعد الله عباده فمن أوفى بعهده من الله، وهذا مردّ ما في قلب المؤمن من الرجاء.

فمَن يجاهد نفسه ليتخلق بأخلاق الله أو مَن جعل منتهى غاياته أن يتصف –باعتبار الظِّلِّيَّة- بالصفات السبحانية، فعليه أن يوحي لمن حوله بالأمن والسلام دائمًا فلا يساور أحدًا خوفٌ أو قلقٌ مما يصدر عنه، وعليه أن يؤمن بالله ويصدّق به من صميم قلبه، فيوحي لسان حاله لمن حوله بالأمان، ويغشاهم بنَسائم الثقة والأمان؛ فيعهدون إليه بأغلى ما عندهم فيُسْلِمونه له، ثم ينصرفون دون أن يراود أحدًا منهم أيُّ قلق أو سوءُ ظنٍّ به. 

الصدق والأمانة من صفات الأنبياء العظام، ولهذا أثر عظيم يجلي أهمية المسألة؛ أجل، فبالصدق  بلغ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذُرَى الكمالات، وبالكذب تردّى مسيلمة الكذاب أسفل سافلين.

حقًّا إنّ الكفر إفكٌ عظيم يفتريه الجاحدون، وهو إنكار لكل ما في الكون من آيات تدل على الله، وتَعَامٍ عن النظام والتناغم الرائع فيه، وجحود بما بين الكون والقرآن من مطابقةٍ أثبتها العقل؛ فما أعظمه من جرم، جزاؤه جهنم فبئس المصير! أما الإيمان فبه يغدو المؤمن أهلًا لدخول الجنة ويبلغ به أعلى عليِّين، أجل، فخصلة الصدق ينبوعُ الإيمان، وهي  التي بلغت بالصحابة الكرام عامّة وبالصدِّيق خاصة الدرجات العلى.

أما الأمانة فما من نبي إلا وحياته مثل للأمن والأمانة، تبعث في الآخرين الشعور بالطمأنينة والأمان على الدوام؛ وأعظم الناس أمانة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث الطمأنينة فيمن حوله بأحواله وأطواره، حتى إنه أول من يخطر ببال الناس إذا ما همّوا  بسفر ورغبوا أن يستودعوا أحدًا بناتهم وزوجاتهم؛ لأنهم على ثقة بأن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم لن يرفع بصره إلى أيٍّ منهنّ؛ فهو صلى الله عليه وسلم المثل الكامل في الأدب والحياء، فكم وكم تصبب معلّم الأدب والحياء عرقًا يوم أن عَرَّضت له السيدة خديجة رضوان الله عليها بالزواج؛ أجل،  فالأمانة سرت في ماهيته صلى الله عليه وسلم حتى غشيته من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه؛ فغدا عليه الصلاة والسلام موضع ثقة الناس.

رصيد الثقة

الأمر هو هو ينبغي أن يسري فينا نحن أمَّتَه صلى الله عليه وسلم خاصة أبطال مبدأ مثاليّ نذروا حياتهم لتحبيب الله ورسولِ الله إلى عباد الله ينبغي أن يبثّوا نسائم الأمن فيما حولهم دائمًا ليولدوا لدى الناس جميعًا شعورًا بالثقة فيهم فيأمنوهم كلّ الأمن ويتحدثوا عنهم قائلين: “إن قالها هؤلاء فقد صدقوا، فكلامهم ثقة وصدق”؛ واعلموا أن ثقتهم بكم هي سرّ احتفاء الناس بكم اليوم واتباعهم لكم ومساندتكم.

أجل، للناس وسائل كثيرة يختبرونكم بها في مجريات الحركة الطبعيّة للأحداث بلا تجسس ولا رقابة، ثم يحكمون فيقولون: “هذا جدير بالثقة”، فمثلًا إذا حدّثتموهم  عن مشروع ذبح الأضاحي حيث الفقر والحاجة في الداخل أو الخارج، يسارعون بلا تردد بخمسين أو مائة أضحية أو أكثر؛ فنيلُ هذه الثقة والمحافظة عليها بدقة بالغة وصدقٍ صِرفٍ أمرٌ مهمّ جدًّا.

وإذا ما استطاعت الأرواحُ التي نذرت نفسها للحقّ اليوم الاستمرارَ في بثِّ نسيم الثقة، فسيَعلم -بفضل الله وعنايته- من سيعرفونها من بعد ويثقون بها ويتواصلون معها أنهم لم يُخدعوا، فلن ينقلبوا على أعقابهم؛ فعلى المهاجرين في سبيل مبدأ سامٍ الوفاءُ بمسؤوليتهم مهما ضاقت الأمور، والثباتُ حيث  يرابطون، والسير دائمًا وفقًا للمبادئ الأساسية، وليحذروا أن يستوجبوا وقوع ما ورد في هذه الآيات من صفعات ولطمات بتفضيلهم للحياة الدنيا على الآخرة: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ (سُورَةُ القِيامَةِ: 20/75-21)، ﴿اِسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ (سُورَةُ النَّحْلِ: 107/16) نسأل الله السلامة؛  فينبغي الاهتمام بالدنيا بقدر فنائها وبالآخرة بقدر بقائها، فأنتم حقيقة تزيدون الدنيا قيمةً وقدرًا إن أوليتم الآخرة اهتمامًا وتقديرًا يناسب قيمتها الذاتية؛ لأن الذين يُقِيمون حياتهم على هذا التوازن مخلصون يفيضون وفاء ويتحركون بأمن وأمان حتى إن كل شيء يُستثمر عندهم استثمارًا جيدًا، ولا يُهدر شيء ألبتة،  فبذلك تُصبح الدنيا معمورةً، أجل، لا يساورنَّكم شكّ قطعًا بأن أُمَناء اليوم بوسعهم -إن عزموا الأمر- أن يعمروا دنيانا في هذا العصر كما أن من نذروا أنفسهم لنيل رضا الله والفوزِ بالآخرة عمروا من قبلُ الأندلسَ وكلَّ بقعة نزلوها في عصر الدولة العثمانية العليّة.

فعلى من نذر نفسه لخدمة الحق أن يتجنب التَّرَف دائمًا، ويعيشَ حياةً بسيطةً، وأن يكون بيته كذلك حتى إنه لَيُرهق أصحابه في البحث عن ثمن كفن يكفنونه به حين يموت؛ فمن انقطع ووُقِفَ للخدمة ليس له أن يكون عبد الدرهم والمنصب والراحة؛ إنه عبدٌ لله وحده أخلص قلبَه للخدمة فحسب، فلا شيء يغلّه أو يسلسله؛ وطبَعي أن يكون هناك أناس -ولا بد أن يكونوا- عملُهم التجارة يرغبون في الخدمة هكذا أي بالكسب الحلال والإنفاق في سبيل الله، فهذا أمر آخر؛ إنما أذكِّر بما يجب من الحذر والدقة على من ليس لهم عمل أو شغل إلا الخدمة.

قوة التمثيل لدى المسؤولين

على الأوراح التي نذرت نفسها للحق أن توحي بالثقة -على الشاكلة نفسها- لأقرانها في الخدمة، فلتحاذر دائمًا من أي تصرف أو سلوكٍ من شأنه أن يزعزع ثقة أقرانها بها، ولتتحرك بشفافية دائمة، ولتحذرْ مقارفة ما يثير الشك لديهم، فيفقدمهم الثقة؛ وعليها أن تكون على قدرٍ عالٍ من الحساسية والحيطة والحذر في هذا حتى لا يغرق أحد حولها في أوهام كدعوى  حرمانه من بعضِ الأشياء أو أنه ضُيِّق عليه في حَراكه.

لذا علينا التحلي بالوضوح والشفافية دائمًا نحوَ مَن نسير معهم سويًّا، ومشاورتهم في اتخاذِ القرار أيًّا كانت المسألة، والحذرِ كل الحذر من الاستبداد في تصرف أو سلوك، فلنراعِ مشاعرَ من حولنا وآراءَهم، وبالشكل نفسه لتكن الواجبات التي نأتمنهم عليها مناسبة لاستعداداتهم وطاقاتهم، ولننظمْ ساعات عملهم وفقًا لهذا؛ فعلينا أن نكوّن ثقة عند من حولنا في هذا الشأن حتى يشعر ويتأكد من يُوظَّف في أمرٍ ما أن من يوظِّفونه يتحركون بحسن نية، ويفعلون ما يفعلون حسبما تقتضيه المصلحة دائمًا؛ أضف إلى ذلك ضرورةَ إعادة التأهيل بصورة جادة كي يتحمسوا لما كُلفوا به ويعتادوا عليه ويتبنّوه ويستوعبوه.

بإيجاز: لا بد من التحرك بشفافية ودقّة عظيمة عند توزيع الأعمال وتنظيمها والتكليف بالواجب حتى لا تتسلل إلى أحدهم مشاعر مثل: “لا يُوثق بي، لا أؤتمن”، وكي لا يُولَّد فيهم شعورٌ بالشك وعدم الثقة.فحينما أعفى عمر -رضي الله عنه- خالدَ بن الوليد من قيادة الجيش، وكذلك حين أرسل عثمانُ -رضي الله عنه- أبا ذرّ إلى “الربذة” لم يعترض أيّ منهما قط على هذا القرار، بل نفذا الأمر فورًا، وما ذلك إلا لوجود مثل هذا الشعور؛ فإن استطعتم بتصرفاتكم وأحوالكم التي أبَنْتُم عنها أن تبُثوا وتزرعوا الثقة لدى منْ أنتم مسؤولون عنهم، وحافظتم على عصمتكم وعفتكم الفكرية والحسية والعقلية والمنطقية، فكل قرار تتخذونه بحقهم سيلقى القبول والرضا، وسيمضي من يُعيَّن في وظيفة جديدة دون أي تردد قائلًا: “متأكد أن من اتخذ هذا القرار اختار الأصلح والأنفعَ لي”، وسيتحمل كثيرًا من ألوان الحرمان والعوز حيث ذهب؛ حتى لو قلتم له: “امكث في هذا المكان” لمكان يشبه المحبس الانفرادي، فإنه فاعلٌ موقنًا أن ثمة مصالح ومنافع متنوعة مستهدفة بتلك الوظيفة؛ فعلى قدر ما تكونون إداريِّين أمناء ثقات يستجيب مَنْ حولكم لتوجيهاتكم واقتراحاتكم؛ إذ التحلي بالصدق والثقة والأمانة أهمّ طريق ووسيلة لفتح القلوب؛ فينبغي أن يبلغ تصديق الناس لكم وثقتهم بكم في هذا أن يقولوا: “حيثما وجبت عليّ وظيفة في الخدمة الإيمانية والقرآنية فثَمَّ مشيئة الله”؛ وهذا إنما يتحقق بلا ريب بفضل قوة التمثيل التي تتجلى وفق ميزانٍ حسّاس  دقيق لدى الإداريين.

وجهة نظر لقراءة أحداث عهد الصحابة قراءة صحيحة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: كيف كانت عَلاقة سيدنا عليٍّ (رضي الله عنه) بالخلفاء الثلاثة الآخرين؟ لا سِيَّما أن هناك بعض الدوائر تزعم أن اختلافات خطيرة كانت بينه وبين الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم أجمعين، فما حقيقة الأمر؟

الجواب: لكي يمكن تقييم الوضع تقييمًا صحيحًا لا بد أوَّلا من معرفة سيدنا عليٍّ والخلفاء الثلاثة الآخرين (رضي الله عنهم أجمعين) معرفةً جيدةً؛ لأن الأقاويل والكلمات التي تُثار على الساحة تتسبب في تفسيرات متباينة ما لم يُعرف هؤلاء الأشخاصُ العظام بعظمتهم ودقائقهم، ومن تلك التفسيرات يُتوصل إلى نتائجَ خاطئةٍ. ولْنحاولِ الآن أن نستعرض بشكل عامٍّ بعض الملامح من حياة الخلفاء الراشدين الباهرة حتى نعرفهم من قرب.

دُرّة تاج السلسلة الذهبية

إن سيدنا عليًّا واحد من أكثر الذين أقاموا فترة طويلة في تربية سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سواء قبل البَعثة النبوية أو بعدها، وقد تزوج بالسيدة فاطمة التي قال عنها والدها رسول الله: “فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي” (البخاري، فضائل الصحابة، 12)، وبهذا الزواج تأسست بينه وبين سيدنا رسول الله (عليه الصلاة والسلام) قرابة أخرى متميزة، وقد اختلف سيدنا الرسول الأكرم إلى بيتهما كثيرًا، وزارهما ليلًا حتى جلس مرة بينهما على فراشهما، واحتضن أحفاده وداعبهم، وكل هذا يعني أن سيدنا عليًّا وجد الفرصة السانحة له دائمًا ليتنفس حِسِّيَّاتِ ومشاعرَ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أضف إلى ذلك أن أحفاد رسول الله (عليه صلوات الله وسلامه) المباركِين وُلِدُوا في هذا البيت السعيد، ومنهم استمر نسله (صلى الله عليه وسلم)، فصار سيدنا الحسن أبا الأشراف، بينما صار سيدنا الحسين أبا السادات، ولذلك كانت لسيدنا عليٍّ مكانةٌ متميزةٌ تمامًا باعتباره جد كثير من الأقطاب العظام، مثل: أبي الحسن الشاذِلي، وأحمد الرفاعي، وعبد القادر الجيلاني، ومحمد بهاء الدين النقشبندي.

“لولا أبو بكر لذهب الإسلام”

إلا أن لكل من الخلفاء الراشدين الآخرين أيضًا خصائصَ تخُصُّهُ، فمثلًا حمايةُ سيدنا أبي بكر سيدَنا رسولَ الله وذَودُه عنه في مواضعَ معينةٍ أمرٌ مهم للغاية؛ فكونه (رضي الله عنه) أولَ من صدّق برسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ومواجهتُه المخاطرَ في الطُّرُق الخطرة الوعرة التي سار فيها برُفقة سيدنا رسول الله في أثناء الهجرة، وتصدِّيهِ للخطر عدة مرات عندما هُوجم رسول الله وقولُه مثلما قال مؤمنُ آل فرعون: “أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ” (سورة غافر، الآية 28)… كلُّ هذه حوادثُ ووقائعُ مهمةٌ للغاية؛ ولا يعلم قدر الجواهر وقيمتَها إلا الصائغُ الخبيرُ بها، ولذلك كان سيدنا عليٌّ في مقدمة مَنْ قَدَّرَ سيدنا أبا بكر إذ قال: “لولا أبو بكر الصديق لذهب الإسلام” (الديلمي: الفردوس بمأثور الخطاب، 358/3) كما عبر عن عظمته هذه في وقت آخرَ بقوله: “خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر” (أحمد بن حنبل: فضائل الصحابة، 76/1).

سورٌ منيع يَفْرُق الحقَّ من الباطل: الفاروق

إن لسيدنا عمر أيضًا خصوصياتٍ تفوَّقَ فيها على غيره، فقد كان (رضي الله عنه) كالسور المنيع في مواجهة كل أنواع حركات النفاق والشِّقاقِ التي هددت وَحدة الإسلامِ في فترة خلافته، بالإضافة إلى أنه كسر شوكة القوتين العُظمَيَيْن عالميًّا في عصره: الرُّوم والساسان، وكان وسيلة لأن يعتنق كثيرٌ من الناس الإسلامَ؛ ولمَّا استسلمت إيران جَرَّاءَ هزيمتها في معركة القادسية بدأت تُضْمِر حِقدًا وضغينة لسيدنا عمر، وقد عبر الأستاذ بديع الزمان عن قصدهم من مسلكهم بقوله: “لا لِحبّ عليٍّ بل لِبغض عمرَ”.

ونظرًا لأن سيدنا عليًّا عرَف فضائلَ هذين الخليفتين العظيمين، فقد اضطلع مدة خلافتهما بالمهمة التي أطلقنا على من قام بها لاحقًا اسم “شيخ الإسلام”، أي إن هذين الخليفتين كثيرًا ما استشاراه فيما احتاجا إلى الإفتاء فيه، لا سيّما أن هناك الكثيرَ من المسائل سأله سيدُنا عمر عنها وتعلم حكمها منه، وتلك الحادثة المنقولة في كتب الحديث جديرة بالنظر، لأنها تُظهر العلاقة بين سيدنا عليٍّ وسيدنا عمر (رضي الله عنهما): حين قال سيدنا عمر وهو يقبّل الحجر الأسود: “إني أعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقبِّلك ما قبَّلتُك” (البخاري: الحج، 50؛ مسلم: الحج، 250) قال له سيدُنا عليٌّ ببساطة شديدة: “إني أشهد لسمعتُ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: “يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَلَهُ لِسَانٌ ذَلْقٌ، يَشْهَدُ لِمَنْ يَسْتَلِمُهُ بِالتَّوْحِيدِ.” فهو يا أمير المؤمنين يضرّ وينفع”، فقال عمر: “أعوذ بالله أن أعيش في قوم لستَ فيهم يا أبا حسن” (الحاكم: المستدرك، 628/1). إنهم أناس يعرف بعضهم بعضًا أحسن المعرفة ويُقدِّر كل منهم الآخرَ أفضل التقدير كما هو واضح من تلك الحادثة.

لَو كَانَ لِي ثَالِثَةٌ لَزَوَّجْتُهُ

لسيدنا عثمان (رضي الله عنه) أيضًا عمق ورقة متميزة، فقد زوَّجه رسول الله بإحدى بناته، فلما ماتت زوَّجه بثانية وقال (عليه الصلاة والسلام): “لَو كَانَ لِي ثَالِثَةٌ لَزَوَّجْتُهُ، وَمَا زَوَّجْتُهُ إِلَّا بِالْوَحْيِ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ” (الطبراني: المعجم الكبير، 184/17) وحكمُ سيدنا عثمان وتدبيرُه شؤون الدولة في جَوٍّ من السلم والأمن مهم جدًّا لنفهم عظمته رضي الله عنه، لا سيّما في فترة دخل فيها الفكرُ الخارجيُّ عالمَ الإسلام.

أعماق متميزة وفضائل متميزة

يمكننا القول إذن: إن لكل واحد منهم جوانبَ يفوق فيها الآخرين، لِأنه (كما هو معلوم)  قد يترجح المرجوح على الراجح في بعض الأمور، فالصحيح إذن تناولُ كل واحد منهم بشخصيته ووضعه وقيمته الذاتية ومكانته عند الله، والاعتقادُ بأن كل واحد منهم يمثل خصوصية مختلفة من خصوصيات سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا السبب فقد لُقِّبَ سيدنا أبو بكر بـــ”الصديق”، وسيدنا عمر بـــ”الفاروق”، ولقب سيدنا عثمان بـــ”ذي النورين”، ولُقّب سيدنا عليٌّ بعدة ألقاب مثل: “الأسد الغالب، باب مدينة العلم، سلطان الأولياء” وكل واحد من هؤلاء فريدٌ لا يمكن الوصول إلى مرتبته بالنظر إلى الخصوصيات التي يختص بها، ومع أن استخدام كلمة “متعال” للبشر ليس صحيحًا، إلا أنه يمكن القول إنهم يمتلكون تجهيزًا مختلفًا من حيث جوانِبُهم التي لا تدرك ولا تُجتاز؛ فمثلًا إنهم متفردون متميزون في خلافتهم الراشدة، لا أحد يشبههم فيها، إن كل واحد منهم يزن العالم أجمع من حيث القيمةُ، وذلك باعتبار الكثير والكثير من خصائصهم التي لن نستطيعَ إحصاءها هنا، يكفينا أن نذكر أن رسولنا الأكرم (عليه الصلاة والسلام) ذكر هؤلاء الخلفاءَ الأربعة العظام على رأس العشرة المبشرين بالجنة.

ادعاءات متناقضة وافتراءات واهية

حينما ننظر إلى كل هذه الأمور بنظرة كلية شاملة نجد أن إظهار سيدنا عليٍّ وكأنه كان مخالفا ومعارضا لسيدنا أبي بكرٍ وعمرَ على وجه الخصوص، وادعاءَ تمثيله (رضي الله عنه) الحقَّ وغيرِه الباطلَ إهانةٌ لسيدنا عليٍّ قبل أي أحد، لأن بطل الشجاعة والجسارة هذا الذي لا يَهاب المخاطر لا يمكن أن يخضع لسيدنا أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما) في مسألة لا يراها من الحق في شيء، إنه مغوار يمضي إلى الموت بطيب نفس وراحة قلب كما حدث في خيبرَ، يُعزى إلى سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن جبريل أخبره بأن “لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفِقَارِ وَلَا فَتَى إِلَّا عَلِيٌّ” (ابن عساكر: تاريخ دمشق، 201/39، 71/42)؛ إذن فادعاءُ أن إنسانًا كهذا جامَل كلًّا من سيدنا أبي بكر وعمر وداراهما احتقارٌ وإهانةٌ لرُوح سيدنا عليٍّ (رضي الله عنه)، ولذلك تنبغي الإشارة إلى تناقض هذه الادعاءات.

ومن جهة أخرى، إذا دُرست المسألة من حيث إن سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اختص ساداتنا أبا بكر وعمر وعثمان (رضي الله عنهم أجمعين) بالقرب منه ظهر أن الآراء السلبية المزعومة فيما يتعلق بهؤلاء الذوات تمثل إهانةً لسيدنا رسول الله في الوقت ذاته، لأنه سينتُج عن مثل هذا الادعاء أن سيد السادات (عليه ألف ألف صلاة وسلام) لم يَخْبُر -حاشا وكلَّا- هؤلاء الناسَ على الإطلاق، وأنه لم يعلم شيئا قط أيضا مما حاكوه من ألاعيب -حاشاهم من ذلك- وهو ما يعتبر سوء أدب عظيم بحقه عليه أفضل السلام؛ في حين أن معرفته مَنْ حوله معرفةً جيدةً، وتوظيفه إياهم وفقا لذلك يمثل بعدًا مهمًّا من أبعاد فطانته العظيمة، لقد كان (عليه أكمل التحية) إذا ما نظر إلى وجه إنسان نظرة واحدة حدد على الفور وبفطنة تفوق كل أنواع الدهاء أين وفي أي عمل يصلح هذا الإنسان، ويكلفه بالمهمة وَفقًا لذلك.

أجل، إن ادعاء أن الرسول الأكرم (عليه الصلاة والسلام) المؤيد بالوحي لم يتمكن من معرفة من عاشرهم ونادمهم منذ بداية أمره حتى اللحظة التي سينتقل فيها إلى الآخرة وأنه عجَزَ عن أن يستنبط المعاني الصحيحة من أحوالهم وسلوكياتهم، إنما يأتي نتيجة خطأ منطقي فادح جدا؛ أما ما يقتضيه المنطق والفكر المستقيم في هذا الموضوع فإنه يتمثل في قَبول من رضي عنهم سيدُنا رسول الله واحترامِهم؛ فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديثُ كثيرةٌ في فضائل الصحابة الكرام، وفي كتب الحديث فصولٌ مستقلة خاصة بها، فلَفَتَ مفخرة الإنسانية (عليه الصلاة والسلام) الأنظار إلى مكانة الصحابة الكرام التي لا تُدرك بقوله: “إن أَصْحَابِي بمنزلة النُّجُومِ في السماء، فأي ما أخذتم به اهتديتم” (البيهقي: المدخل، 162/1؛ الديلمي: الفردوس بمأثور الخطاب، 160/4).

وخاصة أن سرد أفكار سلبية بحق شخصين أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيديهما فقال: “هكذا نُبعث يوم القيامة” (الترمذي: المناقب، 38)، كما قال في وقت آخر: مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا لَهُ وَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَوَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، فَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ فَجِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ” (الترمذي: المناقب، 47) إنما ينبع من عجز المعترض عن معرفة هؤلاء ومعرفة رسول الله، هذا بالإضافة إلى أن سيدنا رسول الله (عليه الصلاة والسلام) بشّرهم بالجنة، كما أنه تزوج بنت سيدنا أبي بكر وبنت سيدنا عمر، وزوّج اثنتين من بناته (صلى الله عليه وسلم) من عثمان وبنتًا من عليٍّ، وبهذه الطريقة أسَّس بينه وبينهم قرابة أخرى متميزة؛ وإنْ نُظر إلى المسألة من زاوية كتاب “فصوص الحكم” لمحيي الدين بن عربي تبين أن كلًا من التزوّج والتزويج يدل على معنى مختلف من جهة تأويل الأحاديث، غير أنني لن أدخل في هذه الأمور، وسأحاول التعبير ببساطة عن المسألة نظرًا لكوننا أناسًا عاديِّين لا نفطن إلى المعنويات كثيرًا.

انعكاسُ انحرافٍ صغير في المركز على الخط المحيط

على الرغم من كل هذا انحرف بعض الناس في تقييمهم للخلفاء الراشدين في فترة معينة، ونظرا لأن مثل هذه الأمور لا تَلفِت النظر كثيرًا في المركز فإنها لم تُدرك في أول الأمر، إلا أن انحرافًا صغيرا في المركز مثل هذا كبر في الخط المحيط، حتى وصل مع مرور الزمان مرحلة عارضَ فيها بعضُهم سيدَنا عليا واتهموه -حاشاه- بالكفر، بينما البعض الآخر أفنوا حَيَوَاتهم بمعاداة أبي بكر وعمر بدعوى حبهم عليًّا (رضي الله عنهم أجمعين)، وكي يقيموا عداواتهم هذه على أساس وسند فقد استغلوا اسم سيدنا عليٍّ، بل إنهم تجاوزوا وأفرطوا في الأمر حيث وصفوا هذا الشخص العظيم بأوصاف لا يقبلها هو أبدًا، ونتيجة لهذا ظهرت مجموعة من المذاهب الباطنية التي بلغت بالمسألة إلى الحلول والاتحاد، وكان هذا النوع من الادعاءات الباطلة الملفقة بحق سيدنا عليٍّ (رضي الله عنه) يقف وراء ادعاءات “المهدية” التي ظهرت في أماكن مختلفة من العالم، والكثيرِ جدا من المذاهب الباطلة التي ظهرت منذ المرحلة الأولى مثل حسن الصبَّاح والقرامطة والإسماعيلية والنُّصيرية.

وهناك حديث شريف[1] فيما يتعلق بالموضوع –وإن كان ينتقد من ناحية معايير الحديث- يُخبر فيه رسول الله (عليه الصلاة والسلام) أن فرقتين ستهلِكان في عليٍّ رضي الله عنه، إحداهما سوف تُؤلِّهه -حاشاه-، أما الثانية فستكفّره -حاشاه- من أجل مسألة بسيطة جدا فتُعاديه وتحاول قتله؛ وقد جاء اليومُ الذي ازدرى فيه الفُرْسُ كلًّا من سيدنا أبي بكر وعمر لإدخال الفتنة في الإسلام، بل إنهم بالغوا في العداوة لدرجة أنهم أطلقوا عليهما: “الجِبت والطاغوت”  كما افتروا على أُمّنا عائشة رضي الله عنها أيضا.

الرموز الثقافية التي تنمي الحقد والكره

إن الذين يعيشون هذا الانحراف في يومنا الحاضر لا يتحدثون عن تلك الأشياء القبيحة في كل مكان وعلى مرأى ومسمع من الجميع، لعلهم يقتربون إلى المسألة من زاوية الأحوال الراهنة والعلاقات بين الدول، وربما الوضع العام للعالم الإسلامي، إلا أنه حين يُنظر إلى عبارات الحقد والكره التي عجزوا عن كتمها في أنفسهم فتَفلَّتَتْ من ألسنتهم جرَّاء بعض الحوادث يتضح أنهم لم يستطيعوا أن يطرحوا من أنفسهم هذه القذارات، وأنه سيشق عليهم أن يفعلوا هذا باعتبار المُنَاخ الثقافي الذي نشؤوا فيه والمصادر التي نهلوا منها، وذلك لأنهم طوّروا مجموعة من المنهجيات وألفوا كتبًا في هذا الموضوع، فتشكلت عقيدتهم وقناعاتهم العامة في هذا الاتجاه؛ إذا ما نُظر إلى كتبهم يتبين أنهم جعلوا الإمامة واحدا من أسس الإيمان الخمسة، وعلى هذا ينبغي أن يكون الإمام من نسل عليٍّ رضي الله عنه، ولا يمكن أبدا أن يكون شخص آخر إمامًا؛ واعتبروا مثل هذه المسائل الفرعية مسائلَ متعلقة بأركان الإيمان فتسببوا في اختلافات مرعبة جدا.

إن كانت حقيقة العلوية حبَّ عليّ رضي الله عنه والارتباطَ بأهل البيت فإننا جميعا علويون، وكتبُنا في التصوف وعالمُنا الأدبي شاهد على هذا، وعند تناول هذه الآثار ودراستها يظهر أن كلا منها يمتلئ من أوله إلى آخره بمحبة أهل البيت؛ ليس من الصحيح أن تُتجاهل المسائلُ المتعلقة بالأصول بينما تطرح المسألة بجهتها الخاصة بالفروع.

قد ذكرت من قبل مرارًا أني تربيت بحب عليٍّ (رضي الله عنه) باعتبار المناخ العائلي الذي نشأت فيه، وكان هو يتبادرُ (رضي الله عنه) إلى ذهني مباشرة ما إن يُقال “البطل”، وكان يتجسد في ذهني إنسانا يقطف في مرة واحدة خمسين رأسا إذا ما سلَّ سيفه في ساحة الحرب؛ فإن كان هذا هو ما يحكم على مشاعري فمن الطبيعي أن أكون مجنونا بسيدنا عليّ، لقد تربع حب عليٍّ في روحي وفي خلايا عقلي لدرجة أنني عانيتُ محاولا أن أضع عليّا مع الخلفاء الثلاثة في الصف نفسه فأحقق التوازن في هذا الموضوع.

مفاتيح الحب تفتح أصدأ الأقفال

أما ما يجب فعله اليوم على الرغم من كل ما وقع في الماضي فهو مَدُّ أيدينا للجميع دون تفريق بين علويّ ونسطوريّ وسريانيّ، والإحسانُ إليهم، وبهذا يمكننا إبطال تأثير الأمور السلبية التي يمكن أن تستغلها بؤر الظلام الداخلية والخارجية؛ وقد قلت فيما مضى بشأن المشكلة المتعلقة بشرق تركيا: لا بد أن تُوفر الإمكانيات لأن تُبرَز من جديد تلك المروءةُ المكنونة في روح أمتنا وطبيعتها، وأن تُجعل هذه الأنشطة دائمة بإحداث تغيير صيغي مستمر؛ فيمكن مثلًا تنظيمُ فعاليات مختلفة في تلك المِنطقة استفادة من الليالي المباركة، فإن كنتم بإحيائكم ليلة في أحد الجوامع تنثرون النور على ليلهم وتنيرون الظلام، فهذا يعني أنكم تضطلعون بفعالية مهمة في سبيل العثور على نقطة مشتركة لفتح القلوب؛ وإن عُيِّن إلى هذه المنطقة ذوو البصيرة من المحافظين ومديري الأمن والأطباء والدعاة ورجال الدين، واجتهدوا هم لتضميد جراح المجتمع، فستفشل بمرور الزمان كل هذه المؤامرات، ينبغي معالجة المشكلات بمفاتيح الحب التي تفتح كل باب، بأسلوب مولانا جلال الدين الرومي وبنظام يونس أمره وبرحابة ضمير عالمية. أجل، إن كان هناك شيء يقدر على حل المشكلات من جذورها فهو استيعاب الجميع وفتح قلوبنا لهم، وبهذا يمكننا فتح القلوب كلها.

قد تقمعون المشكلات مؤقتا حين تسعون لحلّها بالقوة، إلا أنه لا يمكن الحديث عن مشكلة بشريَّة حُلّتْ تماما بالقوة، ربما تقمعون المشكلة من جهة ما باستخدام القوة إلا أنها تظهر مجددا من مكان آخر وبشكل آخر؛ ويمكن القول إن الفتن تضم في جنباتها نوعًا من “التناسخ”، فستواجه الإنسانيةَ بأشكالٍ وأوصافٍ جديدة إلى أن يُقضى عليها تماما؛ ومن ثم فالقوة تمثل -في جانب منها- واحدا من أعظم الموانع التي تعترض إعمال العقل والمنطق إعمالا تاما، يعني أنكم حين تفكرون في حل مشكلة ما بالجبر والقهر على الآخرين وقمعِهم، تعجزون عن استخدام عقلكم ومنطقكم استخداما كاملا؛ نعم، إن لوجود القوة حكمة، إلا أنه يجب أن تكون دائما تحت توجيه العقل والمنطق والحكمة والفراسة وتخضع لسيطرة الضمير والإنصاف. وأظن أن التصرف والتحرك بهذا الفهم في حل مشكلة انتقلت إليكم عبر التاريخ إنما يعني أنكم دخلتم في طريق حل يُبشّر بالأمل.


[1]  عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فِيكَ مَثَلٌ مِنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أَبْغَضَتْهُ يَهُودُ حَتَّى بَهَتُوا أُمَّهُ وَأَحَبَّتْهُ النَّصَارَى حَتَّى أَنْزَلُوهُ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي لَيْسَ بِهِ» ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلَانِ: مُحِبٌّ مُطْرٍ يُفْرِطُ لِي بِمَا لَيْسَ فِيَّ، وَمُبْغِضٌ مُفْتَرٍ يَحْمِلُهُ شَنَآنِي عَلَى أَنْ يَبْهَتَنِي. (مسند أبي يعلى 406/1)

التضحية والتوازن في الإنفاق

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: هل للخدمات التي تُؤدّى ابتغاء مرضاة الله تعالى حدٌّ؟ وما هو معيار التضحية المادية والمعنوية لمن وقف حياته على الخدمات التربوية والتعليمية؟

الجواب: تعلمون أن الناس ليسوا سواء في صلتهم بالله تعالى، فبينهم فروق ربما تبلغ ما بين الثرى والثريَّا؛ وبتعبير آخر، فإن صلة كلِّ إنسان بالله تكون بقدر إيمانه، ومعرفته، ومحبته، وعشقه وشوقه إليه تعالى؛ فمثلًا هناك أناس يطبقون أوامر الدين كلها بحساسية ودقة بالغة، وليس هذا فحسب، بل يبحثون عن سبل التقرب إلى الله تعالى بالنوافل، وهناك آخرون يؤدون الفرائض فحسب؛ لكن لا يمكن قطعًا الاستهانةُ بأي صلة بين العبد وربّه مطلقًا؛ فالاستهانة بها استهانة بشيء عظَّمه الله؛ وبشيء من التفصيل نقول: في هذه الأرضية الزلجة اليومَ إن من يشهد الشهادتين، ويؤدي خَمْسَه ويصوم شهره المبارك، وزكاتَه وحجَّه إن اجتمعت فيهما شروط الوجوب، ويثْبُت أيضًا حيث يجب الثبات رغمَ ما يتعرض له من طعنٍ وتشنيع وصنوف من الاعتداءات، فهذا يعني أنه وقف موقفًا عظيمًا، وإننا على ثقة بأنه سيحظى في الآخرة بألطاف الله الأبدية؛ ذلك لأن كل عملٍ يُؤدَّى في مثل تلك الظروف ابتغاء رضوان الله له فضيلةٌ ذات قدْرٍ عنده تعالى؛ فينبغي ألا تُزدَرَى مطلقًا أيةُ تضحية يبذلها أشخاص يتمسكون بخدمة الحق بأموالهم وأنفسهم، ولا بد من تقدير كلِّ ما يقدِّمونه وتبجيلِه.

ضرورة تشجيع الجهود بتقدير الأعمال الخيرية

عندما ننظر إلى الموضوع من ناحية الإنفاق يتبين أن ثمة اختلافًا في المستوى حتى بين الصحابة الكرام في عصر السعادة؛ فمثلًا حين دُعُوا إلى الإنفاق في سبيل الله قبل غزوة تبوك تصدق سيدنا أبو بكر رضي الله عنه بماله كله، فلما سأله الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلّم: “مَا تَرَكْتَ لِأَهْلِكَ؟ قال: “تَرَكْتُ لَهُمُ اللهَ وَرَسُولَهُ”؛ إنها مرتبة الصديقية، إنه مؤمن صادق مع الله ورسوله صلى الله عليه وسلَّم، ونموذجٌ مثاليّ في الالتزام بالإسلام؛ أما سيدنا عمر رضي الله عنه فتصدق بنصف ماله؛ ونؤكِّد هنا أنه ليس لنا أن نقول: إن سيدنا عمر متأخر مطلقًا عن سيدنا أبي بكر، فهذا سوء أدب مع الفاروق رضي الله عنه؛ لأن له فضائل وخصائص يفضُل فيها غيره؛ أما سادتنا الصحابة مثل عثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، فتصدق كلٌّ منهما بنحو خمسمائة بعير، وهذا في عرف عصرنا كالتبرع بخمسمائة سيارة اليوم، وأضفى سيدنا عليٌّ رضي الله عنه على هذا الأمر عمقًا متميزًا من أعماق الإخلاص؛ فأنفق بعض ماله سرًّا، وبعضه علانية؛ فكان بإنفاقه علنًا يقدِّم أسوة حسنة للآخرين، ويبيّن أنه لم يتخلف عن فعل ما فعله غيره، وكان بإنفاقه سرًّا يرغب ألّا يعلم بذلك أحد إلا الله تعالى؛ وإلى جانب هؤلاء لا سيما في الفترة الأولى، شارك آخرون في قافلة الخير هذه بالتصدق بحفنة من التمر، أو بقليل من المال؛ أجل، أولئك تصدقوا بكل مالهم، وكان هناك من تصدق بنصفه، وبربعه أو عشره، وطبيعةُ البشر هي التي اقتضت أن يكون الأمر على هذا النحو دائمًا؛ فلا بد ألّا ننسى أن هذا الأمر نفسه قد يحدث اليوم، فينبغي تقدير حتى أصغر التضحيات واستحسانها.

وليُعلَمْ أن تقدير التضحيات الصغيرة واستحسانها هو جانب من القضية؛ أما الجانب الآخر منها فهو السعي الحثيث للنهوض بمستوى الناس، ووضعُ أهداف جديدة لهم بالإشارة إلى أبواب خير جديدة؛ ذلك لأنّ ثمة كثيرًا من الأعمال الطيبة الصالحة التي يمكن أن يضطلع بها الإنسان إلى جانب ما قام به من أعمال ضرورية؛ ومن هنا فلا ينبغي له أن يكون ضعيف الهمة ألبتة، بل عليه أن يُعليَ همته دائمًا وأبدًا، عليه أن يسعى كل صباح من جديد لأن يكون أعمق شعورًا بالله تعالى في وجدانه، ويجتهد لتزيد معرفته بروح الدين، ويبحث عن طرق أخرى لتقوية صلته القلبية برسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم، وعليه أن يحاول في تحسين مستواه ويرقى به دائمًا، وينبغي ألا يقف أبدًا عند المستوى الذي بلغه، بل يتحتم عليه أن يَنخَسَ حصانه دائمًا قائلًا :”هل من مزيد؟”، ويمضي به إلى الأمام قُدُمًا، بل إن وَصَلَ ذات يومٍ إلى مرتبة الفناء في الله والبقاء بالله، يعني إنْ تلاشى كلُّ ما سوى الله تعالى في عينيه أمام شعاعات “سُبُحات وجهه تعالى”، وذاب الكون في عينيه وزال بتاتًا، ورمى بالزائل الفاني ونحّاه جانبًا، وحظي بوجود أبديّ بعد أن فني بجوانبه الجسمانية والنفسانية، وبُعثَ بعثًا آخَر بقلبه وروحه وأحاسيسه، ورأى أن رأسه تلامس سماء النقطة التي يستطيع أن يبلغها، فعليه -رغم هذا كله- أن يُعليَ همته أيضًا دائمًا داعيًا: “اللهم مُنّ عليّ بقابليات فوق قابلياتي، وأمطر عليّ نعمك وألطافك زخًّا زخًّا بأن تجود بانكشاف منهمر لقابلياتي”.

أجل، مهما كانت مستويات الناس متباينة مختلفة، سواء في حياة الروح والقلب أم في خدمة الحقّ، فلا بد أن نعلم أن طريق الترقي والسمو مفتوح دائمًا حتى لمن لا يستطيع القيام إلا بأقل ما يجب؛ فكلما أحسّ هؤلاء في أنفسهم بجوهر الخدمة التي وُكلت إليهم وبأصلها، تمسكوا بها بإخلاص أكثر، وأصبحت كلُّ هذه الأمور بعد حين سجيةً فيهم بفضل اضطلاعهم بالخدمات الواجبة عليهم، وكأنهم بذلك ينقشونها في قلوبهم، حتى إنه لو جاء يومٌ لا يُحتاج إليهم فيه، ولا يُطلب منهم شيء في سبيل خدمة الحق، ولم يُنادَوا أن “هلمّوا، فاحملوا مِن هذا الأمر” لأحسوا أنهم في فراغ عميق، ورأوا هذا الحال كأنه الموت، وتَلَوَّوا أسًى، وراحوا يبحثون عن سبل مختلفة للإنفاق، لكن بلوغ مستوى كهذا مرهون بالزمان؛ ومرتبط بالتمسك بذلك العمل بصبر إيجابي فعّال، وباستيعاب ذلك العمل.

ضرورة معرفة المخاطبين معرفة جيدة

وثمة رؤية تضفي على الموضوع وضوحًا أكثر، وهي أن بعضهم يُقيّمون المسألة في ضوء حدود التشريع الذي كان في المدينة المنورة، فيكتفون بأداء الفرض، فإن أخرجوا رُبعَ العشر أو العُشْرَ في الزكاة فقد قاموا بواجباتهم؛ وهناك من يتناول المسألة وفقًا للإطلاق الذي كان في مكة المكرمة، -إذ لا حدّ للإنفاق المأمور به في الآيات المكية- فيسعى لبذل أقصى ما يمكنه بذله، فعلى رُوّاد خدمة الحق وعلى المرشد الداعي لإلحاق الآخرين في هذه الإسهامات الخيرية أن يتصرفوا بفراسة وحكمة، فليتعرفوا جيدًا على مخاطبيهم؛ فإن حدث أن تَقَالُّوا الأعمال المنجزة، أو همّوا أن يُحمِّلوا الناس ما لا يطيقون، فقد يتسببون -نسأل الله السلامة- بأن تظهر مشاعر الاستكراه لدى مخاطبيهم.

وإليكم واقعة أتذكرها كأنها حدثت اليوم، لتكون معيارًا في هذا: دعوتُ الناس للمساعدة في سكن الطلاب “بُوزْيَقا” بإزمير، ألقيتُ كلمة عن أهمية المسألة ثم توجهت نحو غرفتي التي أُقيم فيها ضيفًا، فصعد أحدهم الدرج مسرعًا، وجاء إلى جواري، كنت أعرفه، تقاعد من إحدى الدوائر الحكومية منذ مدة، واشترى بيتًا بمكافأة التقاعد، فسلّمني مفاتيح البيت وقال: “تعهد كلٌّ بشيء، ولا مال لي سوى هذا، فهو في سبيل الله”؛ وأمام هذه اللوحة التي تثير المشاعر وتدمع العين قلت له: “ليس في الدين تكليف بمثل هذا”، وأعدت إليه المفاتيح، ثم أردفت قائلًا: “اذهب، اسكن أنت وأهلك وبنوك في بيتك، وكلما أعطاك الله أنفق”. ففي رأيي أنّنا إن لم نتناول الأمر بمثل هذا التوازن فربما نكون قد خالفنا قول الله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 2/256). أجل، لا إكراه في الدين سواء في دخول الناس في الدين واعتناقهم له أم في الأعمال التي تُنجز لتطبيق الدين وإحيائه.

أجل، الإسلام قائم على قاعدة اليسر، فإن عسّرتم على نحو يتجاوز طاقة بعض الناس، جعلتموه دينًا يستحيل تطبيقه، وواجهتم موقفًا يخالف قصدكم، فحين تطالبون الناس بالكرم وترغبون أن يقدموا ما عندهم جاءت الأحداث على غير ما تأملون ومُنِيتم بالهزيمة، لأنكم جعلتم الدين شيئًا لا يُطاق؛ قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَه” (البخاري: الإيمان، 29؛ النسائي: الإيمان، 28) ومن هنا فعلى المرشدين الذين تحملوا مسؤولية هذا العمل أن يتحركوا بحكمة وفراسة وقد تعرفوا على مخاطبيهم جيدًا، وأن يدركوا من ينبغي أن يُدعَى، وبماذا يقوى، وماذا يستطيع؟

ينبغي ألا ننسى أن التصرف بحكمة على هذا النحو خُلُقٌ إلهيٌّ أيضًا؛ قال الله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 286/2)؛ فلا بد من إرضاء الناس باستحسان الأعمال الجميلة التي أدّوها، واللجوء إلى السبل التي تَزيد شوقهم وشغفهم بفعلها بدلًا من تكليفهم بأعمال تفوق طاقاتهم، فتهلكهم.

ديمومة الإنفاق

إنّ أخذ ما في أيدي الناس من إمكانيات بإكراههم على الإنفاق ينجم عنه تعطيل عجلة الإنتاج وتوقفها، في حين أن دوران عجلة أعمالهم ينمّيها، فينفقون من بعدُ أكثر في سبيل الله، فأبطال الإنفاق في سبيل الله ممن لا يسأمون الإنفاق لو بلغ بهم العشقُ والشوق مبلغه فأرادوا بذل ما بأيديهم كله، لوجب عليكم في هذا الأمر التصرفُ بتوازن، والتفكيرُ في مستقبل الأمر، ومراعاةُ الاستمرارية فيه.

والخلاصة أن مجالات الخدمة كثيرة، تقتضي تضحياتٍ كثيرة متنوعة، فعلى المسؤولين أن يقوموا بتغيير وتجديد مستمر في صيغة الأمر حتى يخلصوه من الرتابة، وليقدموا في كل مرة القيمَ التي آمنوا بها بلون جديد، وزخرفة جديدة، ولهجة جديدة، فيكوّنوا لدى المخاطبين موجةَ عشق وحماس مستمرة، لكن بشرط ألا يخلّوا بجوانب الأمر المرتبطة بالمحكمات؛ واذكروا أن “لكلّ جديد لذة”، ومن هنا فما ستقدمونه من رسائل باستخدام وسائل متنوعة سيُشكّل مذاقًا جديدًا، ونشوة جديدة، فيحظى بحسن قبول المخاطبين؛ وخلافُ ذلك يجعل المسألة رتيبة، ويرسِّب لدى الناس شعورًا بالاعتياد، وهو ما يؤدي إلى الملل، فيضعف تأثير رسائلكم في القلوب.

مهندس القلوب: فضيلة الشيخ أَلْوَارْلِي أَفَه

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: نرجوكم أن تُشرِكونا مشاعركَم وأفكارَكم المتعلقةَ بحضرة الشيخ “ألوارلي أفه” من حيث شخصيته، وأفراد عائلته، وعمقه الروحي، ورسائله الموجهة للمجتمع، ومن حيث تأثيره عليكم؟

الجواب: حقيقة الأمر أنّ رسم شخصية عظيمة كهذه وإبرازَ صورتها كاملةً موضوعٌ يتجاوزني. ولهذا يلزمني أن أصرح وأعترف منذ البداية أنني لا أملك وعيًا عميقًا يمكنه إدراك حياته، وعالمه الفكري، وأفقه القلبي والروحي بكل خلفيته. بالإضافة إلى ذلك فعندما انتقلتْ تلك الشخصية العظيمة إلى أفق روحها كنتُ في السادسة عشرة أو السابعة عشرة من العمر. ومع أنني وجدت نفسي عند هذا المنهل النقي الصافي بمجرد أن فتحتُ عيني على الحياة؛ إلّا أنه من الواضح أن إنسانًا في تلك السن لن يستطيع الاستفادة بالمعنى الكامل من إنسان عظيم رحب الأفق مثلِه. ومن هذه الزاوية فإنه لا بد من معرفة أن الأمور التي سأحكيها سوف يجري التعبير عنها مرتبطة بوعيي الضيق من ناحية، وبعدم مهارتي، وبالملاحظات الطفولية من ناحية أخرى.

عُشٌّ منير مبارك

لقد كان العشّ الذي نشأ فيه فضيلة الشيخ مصدرًا مباركًا فيّاضًا؛ فأبوه حسين أفندي وأخوه الشقيق وهبي أفندي، على سبيل المثال، شخصيات عظيمة جدًّا. ومع أنني لم أر والده حسين أفندي؛ لكنني أظن أن تلك الواقعة الآتية ستعطي فكرة بدرجة كافية للتعبير عن فضل ذلك الشخص المبارك وكمالاته:

ذهب الإمام ألوارلي ووالده حسين قِينْدِيغِي أفندي اللذان هما من نسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تكية فضيلة الشيخ الكُفْرَوِي الموجودة في بِتْلِيس كي ينتسبا إلى طريقته. فاعتنى بهما الشيخ الكفروي عناية خاصة؛ ربما لأنه اكتشف في الحال ما لديهما من ملكة واستعدادٍ، واهتم بهما اهتمامًا كبيرًا؛ ومنح كلًّا منهما الخلافة على الفور دون أن يشعر بحاجة إلى أن يسلكا مرحلة الأربعين (الخلوة)، وأن يمرا من مرحلة السير والسلوك الروحاني، أو أن يُخضَعَا لأي اختبار. لا يعرف قدر الجواهر سوى الخبير بها، ومن لم يكن صائغًا فإنه يجهل الذهب والفضة ولا يفهم في أمرهما. وهكذا فقد عرف فضيلة الشيخ الكفروي قيمتهما وقدرهما بمجرد رؤيته إياهما لأنه خبير بالجواهر عارف بقدرها، فأعطاهما الخلافة الدالة على أنهما قادران على إرشاد الناس. وأمام هذا الموقف المفاجئ بدأ تلاميذ الشيخ الكفروي يتطاولون في الحديث ليلًا، وفي تلك الأثناء فُتح الباب على مصراعيه، وناداهم الشيخ الكفروي قائلًا: “يا هؤلاء! إن حسين أفندي ومحمد لطفي أفندي لا حاجة لهما بي، فكمالاتُهما أتت بهما إلى هذا المقام”.

“بالكمالِ بلغ أهلُ الكمال الكمالاتِ

ولا فائدة لفضّة ولا لذهب إذا فُقدت الكمالاتُ”.

فماذا يعني ما لدى إنسانٍ من الذهب والفضة حتى وإن كان بقدر كنوز قارون، ما دام ذلك الإنسان لا يمتلك الكمال!

وقد كان أخوه وهبي أفندي أيضًا إنسانًا بحرًا، حيث كان الصمت سمتًا سائدًا لديه، غير أن هذا الصمت كان ذا تأثير يُحدث تموُّجات مختلفةً في روح الإنسان. وكان والدي ووالدتي مرتبطين بكل منهما ارتباطًا صادقًا عميقًا. كانا ينزلان ضيفًا على جدّي في منزله، وكان جدي أيضًا يُكِنُّ لهما احترامًا عميقًا. وكان وهبي أفندي أكبر سنًّا من الشيخ ألوارلي أفه، وقد توفي رحمه الله بينما كنت في الخامسة من عمري. وأظن أن الشيخ كتب المصراعين الآتيين لأجله حين تُوفي:

“بعُدْتُ عن الأخيار حتى لأنني غَدَتْ “واحسرتاه” وِرد لساني!”

النغمات المتحرقة التي تشعل الهيجان في الأرواح

كان الشيخ ألوارلي أفه باعتبار عالمه الداخلي عميقًا جيّاشًا بالعشق والهيجان. وكان حاله في مجالس الذكر يبدو مثالًا حيًّا لثرائه القلبي هذا. فقد كان نقشبنديًّا وقادريًّا في الوقت نفسه. ولذلك كانت مجالس الذكر تُعقد تحت إشرافه على الطريقة النقشبندية أحيانًا، وعلى الطريقة القادرية أحيانًا أخرى.

وفي تلك المجالس كان فضيلته يتجه بكل ذاته إلى الحق تعالى، ويغيب عن نفسه أحيانًا بتأثير تلك النغمات المحرقة المُلهبة، ويُحدث فيما حوله حالةً روحيةً منصبغةً بصبغته الخاصة، ويُرسِل نارَ عشق إلى القلوب. وحين ينفعل أحد الموجودين فائضةً عيناه بالدموع فإن هذه الحالة تسري إلى الآخرين أيضًا، وتكوِّن مناخًا من العشق والانفعال لدى الجميع. أجل، كانت تكوِّن عشقًا وانفعالًا ما زلتُ أشعر بتأثيره على رغم أنني شهدت كل هذه الأمور في طفولتي.

إن فضيلته كان عاشقًا للنبي (صلى الله عليه وسلم) عشقًا تامًّا. فحين جاءه أحدهم وقال له: “رأيتُ في شوارع المدينة المنورة كثيرًا من مخلوقات جَربَة.” كان هذا رد فعله: “اسكت! ولا تقل مثل هذا القول حتى وإن كان على كلاب المدينة! إنني أفدي ولو حتى الأجرب من كلابها لأجل رسول الله”. إنه كان يقول مثل هذه العبارة بكل ذاته وبإخلاص نابع من صميم قلبه؛ حتى كأنه يذوب ويفنى في الشخصية المعنوية لسيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو يقولها. ويمكننا رؤية حبه العميق لرسول الله في قصيدته الآتية:

“أيها الشاهد المقدس، أيتها الشمس المزيِّنة للعالم

ذؤابتُك مخنَّثة، وحاجباك يزينان الفؤاد.

العالم كله لا يساوي شعرة واحدة من خصلة شعرك،

فقد نشرت شعرةٌ من لحيتك العنبرَ الخالصَ في الكونين”.

وهكذا كانت تُقرأُ تلك المدائح النبوية في المجالس التي يحضرها، وكان الحاضرون هناك يجيشون، وهو أولهم. وكان أحيانًا ما يترنم بمصاريع مثل:

“القلب عاشق لك يا حبيب، ما السبب؟

جمالُك كالشمس ساطعٌ، ما السبب؟

وحاجبك قاب قوسين أو أدنى،

وصورتك سورة الرحمن، ما السبب؟”

وأحيانًا كان يرفع صوته بها حتى إن المكان يبدو وكأنه يرتعش، وتحصل رجفة في الحاضرين جميعًا.

كان رحمه الله يَعرف قدْرَ كل ذي فضل

كان الشيخُ سلطانًا في الكلام؛ يكتب أشعاره التي يترنّم فيها بإلهامات روحه بالعروض ووزن الهجاء. ولكن رغم مهارته البالغة في هذا المضمار إلّا أنه لم يكن يتحرّج قطّ من أن يردّد أحدٌ أقوالَ المشايخ الآخرين وأشعارَهم في حضرته، بل كان يحضّ على ذكرها. أجل، إن كان القولُ حقًّا أبدى له الشيخ كلّ التحية والإجلال، أيًّا كان قائله، بل كان يتبنى هذه الأقوال والأشعارَ كأنها من محصّلة أفكاره، ويقابلها بكل احترام وتقدير. وأنا أعتقد أن هذا الحال يُعدّ مقياسًا مهمًّا للاطلاع على أفقه، والتعرف على عالمه الفكري والشعوري، وإدراك مدى نضجه وعظمته.

وإليكم الحادثة التالية التي استمعتُ إليها من أخينا الكبير “صالح أُوزْجان”، وكانت لها أهميةٌ بالغة بالنسبة لي؛ حيث إنها تكشف عن نضج الشيخ وغنى قلبه:

ذات يوم في أوائل الخمسينات حضر الأخ الكبير “صالح أوزجان” إلى مدينة “أرضروم”، وقابل الشيخ وقبّل يديه، ثم قال له: “سيدي الشيخ، هناك شخصٌ يُدعى “الأستاذ بديع الزمان”، له رسائلُ حرّرَها حول الدين والإيمان، أسماها “رسائل النور”، وإننا لنسعى على نشر هذه الرسائل إلى كلّ العالم، ونَغُذُّ السير لإغاثة جيل الشباب على وجه الخصوص”. فردّ عليه الشيخ قائلًا: “آه! لو كانت عيناي تُبصران لساعدتُكم على هذا الأمر”.

أجل، الفضل هو أن تعترف بفضل غيرك من أهل الفضل، وتُظهر لهم كلّ احترام وتقدير.

كلماتٌ يتردّد صداها في أذني

والآن أستبيحكم عُذرًا في تقديم حادثة أو اثنتين لا يتأتى لي نسيانهما، يتعلقان بهذا الشيخ العظيم، الذي أشعرُ في أعماق روحي بأنني محظوظٌ بالتعرف عليه:

في الأيام التي شرعنا فيها في دراسة كتاب “مُلّا جامي” توجهتُ إليه أنا وزملائي من الطلبة، فوجدناه يجلس مع عدد من أثرياء أرضروم، فلما رآني قال لمَن حوله من الأثرياء: “سأسأل طالبي سؤالًا، فإن قدَرَ على إجابته أعطيتموه هذا القدر من المال”. فلم يسألني إلّا عن مواضعَ من الكتاب أعلمُها جيدًا فأجبتُه عليها كلّها، فأعطاني الأثرياءُ المبلغَ الذي حدّده الشيخ. وفيما أتذكر أن هذا المبلغ كان يبلغ حينذاك حوالي مائتي ليرة، وربّما كان كافيًا في ذلك الوقت لسفر شخصٍ لأداء فريضة الحج. لم يتمكن الشيخ من رؤية المبلغ المجموع لِما يعاني من ظلمة عدسة العين، ولذا سألني عن قدره، فلما أجبته قال: “هذا مبلغٌ كثيرٌ عليك، سأعطيه لـ”دميرجي عثمان أفندي” حتى يسدّ به حاجيات المدارس”.

كنا نعيش في فقر مُدْقِع ونحن ندرس في المدرسة في “أرضروم”، حتى إننا في بعض الآونة لا نكاد نجد الخبز والجبن لثلاثة أو أربعة أيام، وكان أبي يعطيني بضع ليرات من راتبه الذي يتقاضاه من وظيفة الإمامة، ولكنه لم يكن يكفيني.. ما أكثر الأيام التي قضيناها في حاجةٍ إلى المال لنشتري الخبز!

ذات يومٍ كنّا نتلوّى فيه من الجوع ذهبنا وبعض الأصدقاء إلى التكية، وفي صحبتنا “طيب أفندي” حفيد أخي الشيخ. كان بجوار التكية مستودعٌ للتبن، يستخدمونه بيتًا للمؤنة، فأتيناه ونظرنا من ثقب بابه، فتعلقت أنظارُنا بالبطيخ الموجود بالداخل، وكان الشيخ يصلي صلاته. وبعد قليل فُتح الباب، فقال لنا الشيخ: “تعالوا يا أولاد، سآتيكم ببطيخ وأقطّعه لكم”.

أجل، يمكن أن أقول بناءً على شهودنا كثيرًا من أمثال هذه الحوادث إننا وجدناه إنسانًا بعيدَ الغور، يفهم المرء من حاله، ويقرأ ما في داخله، ذا أفقٍ واسع، وبصيرةٍ نافذة.

خلاصة القول: رغم أنني لم أستطع أن أستفيد منه تمام الاستفادة، فيكفيني فقط أنني تعرفت عليه، وهذا أمرٌ أعتبر نفسي محظوظًا به، وأشكر ربي سبحانه وتعالى على هذا الفضل والمزيّة.

أما عن اليوم الذي رحل فيه الشيخ إلى الرفيق الأعلى، فقد حدث أن حضر والدي رحمه الله إلى أرضروم، وكنا نستريح معًا في بيت خالته رحمها الله. وفجأةً تناهى إلى مسامعي صوتٌ يعلن عن وفاة الشيخ، فنهضتُ من مكاني على الفور، واتجهتُ صوب مدارس جامع “قُورْشُونْلُو”، وهناك وجدتُ الأصدقاء يبكون، فتوجهت من هنالك إلى بيت سيدنا الشيخ رحمه الله رحمةً واسعةً، حيث كان يقيم ببيت في حيّ “مُومْجُو”. وكان قد حضر إلى البيت أيضًا مفتي أرضروم “صادق أفندي” والعلامة “ثاقب أفندي”؛ اللذان لم يدعا أحدًا يغسّل الشيخ، وغسّلاه بنفسيهما، وفي ذلك اليوم من أيام الشتاء حملوه إلى قرية “ألوار”، ودفنوه هنالك. فتوافد الجميع على القرية رغم الشتاء والثلج؛ ليشهدوا تشييع الجنازة إلى مثواها الأخير.

ندعو ربنا تبارك وتعالى أن يحشرَ هذا الرجلَ العظيمَ مع سيّدنا الحبيب محمد (صلى الله عليه وسلم)، وأن يُسكنه معه في الفردوس الأعلى. آمين.